وهذه مساجدنا، وهاهم خطباؤنا، لا يختمون خطبهم إلا بالترضي على الخلفاء الأربعة، أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃.
غير أن الحنابلة لم يؤلهوا عليا ﵁! ولم يقولوا بعصمته! أو رجعته! ولم يقدموه ﵁ على أبي بكر وعمر.
فإن كان ذلك هو النصب الذي يعنيه المالكي، فنعم إذن!
أما رمي المالكي لمناهج تعليمنا، أنها تسببت في انتشار النصب بين عموم طلبة العلم: فدعوى باطلة، فليذكر لنا حرفا واحدا فحسب - ولا نريد منه دليلا غيره - في كتاب واحد فحسب من تلك المناهج التعليمية فيه تنقص لعلي ﵁، أو غض من مكانته الرفيعة ﵁، أو أحد من أهل بيته. فإذا لم يفعل - ولن يفعل - فلعنة الله على الكاذبين.
وهذا " كتاب الشريعة "، مثال لكتاب من كتب الحنابلة في الاعتقاد، للحافظ الكبير الإمام أبي بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري ﵀ (ت ٣٦٠ هـ) . وترجمته عند:
. ابن أبي يعلى (ت ٥٢٦ هـ) في " طبقات الحنابلة " (٣٣٢ - ٣٣٣) ،
. والنابلسي (ت ٧٩٧ هـ) في " مختصر طبقات الحنابلة " (٣٣٢) ،
. والبرهان ابن مفلح (ت ٨٨٤ هـ) في " المقصد الأرشد، في تراجم أصحاب الإمام أحمد " (٢ / ٣٨٩) ،
. والعليمي (ت ٩٢٧ هـ) في " الدر المنضد، في ذكر أصحاب الإمام أحمد " (١ / ١٧٥) ،
стр. 177
وفي كتاب العليمي الآخر " المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد " (٢ / ٢٧١) ،
. وابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩ هـ) في " شذرات الذهب " (٣ / ٣٥) ،
. وابن عثيمين (ت ١٤١٠ هـ) في " تسهيل السابلة، لمريد معرفة علماء الحنابلة " (٦٣٧) (١ / ٤٢٨ - ٤٢٩) ،
. وبكر بن عبد الله أبو زيد، في " علماء الحنابلة " ص (٩٢) وغيرهم كثير.
عقد الآجري ﵀ في كتابه " الشريعة ": كتبا وأبوابا كثيرة في فضائل الصحابة ﵃، عامة وخاصة، وعقد كتابا في " الشريعة " سماه: (كتاب فضائل أمير المؤمنين ﵁ .
ثم عقد تحته اثني عشر بابا في ذلك، يذكر الباب، ثم يسوق ما حفظ فيه، هي:
. كتاب فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁.
. باب ذكر جامع مناقب علي بن أبي طالب ﵁.
. باب ذكر محبة الله ورسوله ﷺ لعلي ﵁، وأن عليا محب لله ولرسوله ﷺ .
. باب ذكر منزلة علي ﵁ من رسول الله ﷺ ، كمنزلة هارون من موسى.
. باب ذكر قول النبي ﷺ : «من كنت مولاه فعلي مولاه، ومن كنت وليه فعلي وليه» .
стр. 178
باب ذكر دعاء النبي ﷺ ، لمن والى عليَّ بن أبي طالب ﵁، وتولاه، ودعائه على من عاداه.
باب ذكر عهد النبي ﷺ إلى علي أنه لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق، والمؤذي لعلي ﵁ المؤذي رسول الله ﷺ .
باب ذكر ما أعطي علي بن أبي طالب ﵁، من العلم والحكمة، وتوفيق الصواب في القضاء، ودعاء النبي ﷺ له بالسداد والتوفيق.
باب ذكر دعاء النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁ بالعافية من البلاء مع المغفرة.
باب أمر النبي ﷺ لعلي ﵁ بقتال الخوارج، وأن الله أكرمه بقتلهم.
باب ذكر جوامع فضائل علي بن أبي طالب ﵁ الشريفة الكريمة عند الله ، وعند رسوله ﷺ ، وعند المؤمنين.
باب ذكر مقتل أمير المؤمنين علي ﵁، وما أعد الله الكريم لقاتله من الشقاء في الدنيا والآخرة.
باب ذكر ما فعل بقاتل علي كرم الله وجهه.
كتاب فضائل فاطمة ﵂.
باب ذكر قول النبي ﷺ : " «إن فاطمة سيدة نساء عالمها» .
باب ذكر إكرام النبي ﷺ لفاطمة ﵂، وعظم قدرها عنده
стр. 179
باب ذكر غضب النبي ﷺ ، لغضب فاطمة ﵂.
. باب ذكر تزويج فاطمة بعلي بن أبي طالب ﵄، وعظيم ما شرفها الله به في التزويج من الكرامات التي خصهما الله بها.
. باب ذكر بيان فضل فاطمة ﵂ في الآخرة، على سائر الخلائق.
. كتاب فضائل الحسن والحسين ﵄.
. باب ذكر قول النبي ﷺ : «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» .
. باب شبه الحسن والحسين ﵄ برسول الله ﷺ .
. باب ذكر محبة النبي ﷺ للحسن والحسين ﵄.
. باب حث النبي ﷺ أمته على محبة الحسن والحسين، وأبيهما، وأمهما ﵃ أجمعين.
. باب قول النبي ﷺ للحسن والحسين ﵄: «هما ريحانتاي من الدنيا» .
. باب ذكر حمل النبي ﷺ للحسن والحسين ﵄ على ظهره في الصلاة، وغير الصلاة.
. باب ذكر ملاعبة النبي ﷺ للحسن والحسين ﵄.
. باب ذكر إخبار النبي ﷺ عن صلاح المسلمين بالحسن بن علي ﵄.
стр. 180
باب إخبار النبي ﷺ بقتل الحسين ﵁، وقوله: «اشتد غضب الله على قاتله» .
. باب ذكر نوح الجن على الحسين ﵁.
. باب في الحسن والحسين ﵄: من أحبهما فللرسول يحب، ومن أبغضهما فللرسول يبغض.
. باب فضائل خديجة أم المؤمنين ﵂.
. باب ذكر تزويج النبي ﷺ خديجة ﵂، وولدها منه.
. باب ذكر غضب النبي ﷺ لخديجة ﵂، وحسن ثنائه عليها.
. باب إخبار النبي ﷺ لخديجة ﵂، سيدة نساء عالمها.
. باب بشارة النبي ﷺ لخديجة ﵂، بما أعد الله لها في الجنة.
. كتاب جامع فضائل أهل البيت ﵃.
. باب ذكر قول الله : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] .
. باب ذكر أمر النبي ﷺ أمته بالتمسك بكتاب الله ، وبسنة رسوله ﷺ ، وبمحبة أهل بيته، والتمسك على ما هم عليه من الحق، والنهي عن التخلف عن طريقتهم الجميلة الحسنة.
. باب قول الله : ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] .
. باب فضل جعفر بن أبي طالب ﵁.
стр. 181
باب فضل حمزة بن عبد المطلب ﵁.
. كتاب فضائل العباس بن عبد المطلب، وولده ﵃ أجمعين.
. باب ذكر تعظيم قدر العباس بن عبد المطلب ﵁ عند رسول الله ﷺ .
. باب ذكر دعاء النبي ﷺ للعباس ﵁، ولولده، وأنه قد أجيب في ذلك.
. باب ذكر من آذى العباس ﵁، فقد آذى رسول الله ﷺ .
. باب ذكر غضب النبي ﷺ لغضب العباس ﵁.
. باب ما روي أن للعباس ﵁ شفاعة، يشفع بها للناس يوم القيامة.
. باب فضل عبد الله بن عباس ﵁، وما خضه الله الكريم من الحكمة والتأويل الحسن للقرآن.
. باب ذكر ما انتشر من علم ابن عباس ﵁.
. باب ذكر وفاة ابن عباس ﵁ بالطائف، والآية التي رويت عند دفنه.
. باب ذكر إيجاب حب بني هاشم، أهل بيت النبي ﷺ على جميع المؤمنين.
. باب ذكر فضل بني هاشم على غيرهم.
. باب فضل قريش على غيرهم.
стр. 182
روى الآجري ﵀ في هذه الأبواب، كثيرا مما حفظ وروى من حديث وأثر، فجاءت هذه الأبواب حافلة، بكثير مما جاء في فضلهم، وعظيم حقهم.
وكان مما قال الآجري ﵀، في أول كتاب فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ من " الشريعة ": (أما بعد، فاعلموا - رحمنا الله وإياكم - أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ شرفه الله الكريم بأعلا الشرف، سوابقه بالخير عظيمة، ومناقبه كثيرة، وفضله عظيم، وخطره جليل، وقدره نبيل.
أخو الرسول ﷺ وابن عمه، وزوج فاطمة، وأبو الحسن والحسين، وفارس المسلمين، ومفرج الكرب عن رسول الله ﷺ ، وقاتل الأقران، الإمام العادل، الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة، المتبع للحق، المتأخر عن الباطل، المتعلق بكل خلق شريف.
الله ورسوله ﷺ له محبان، وهو لله والرسول محب، الذي لا يحبه إلا مؤمن تقي، ولا يبغضه إلا منافق شقي، معدن العقل والعلم والحلم والأدب ﵁ .
وقال ﵀ في " كتاب فضائل فاطمة ﵂ " من " الشريعة ": (اعلموا - رحمنا الله وإياكم - أن فاطمة ﵂، كريمة على الله وعلى رسوله ﷺ ، وعند جميع المؤمنين.
стр. 183
شرفها عظيم، وفضلها جزيل، النبي ﷺ أبوها، وعلي ﵁ بعلها، والحسن والحسين ﵄ سيدا شباب أهل الجنة ولداها، وخديجة الكبرى أمها.
قد جمع الله الكريم لها الشرف من كل وجه، مهجة رسول الله ﷺ ، وثمرة فؤاده، وقرة عينه ﵂، وعن بعلها، وعن ذريتها الطيبة المباركة، قال النبي ﷺ : «فاطمة سيدة نساء عالمها» .
وقال ﷺ : «حسبك من نساء العالمين: مريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وآسية امرأة فرعون» .
وقال الآجري ﵀ أيضا في " الشريعة "، في " فضائل الحسن والحسين ﵄ ": (اعلموا - رحمنا الله وإياكم -: أن الحسن والحسين ﵄، خطرهما عظيم، وقدرهما جليل، وفضلهما كبير، أشبه الناس برسول الله ﷺ خلقا وخلقا) .
الحسن والحسين ﵄، هما ذريته الطيبة الطاهرة المباركة، وبضعتان منه، أمهما فاطمة الزهراء، مهجة رسول الله ﷺ وبضعة منه، وأبوهما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، أخو رسول الله رب العالمين، وابن عمه، وختنه على ابنته، وناصره، ومفرج الكرب عنه، ومن كان الله ورسوله له محبين.
стр. 184
فقد جمع الله الكريم للحسن والحسين ﵄ الشرف العظيم، والحظ الجزيل من كل جهة، ريحانتا رسول الله ﷺ ، وسيدا شباب أهل الجنة.
وسنذكر ما حضرني ذكره بمكة من الفضائل، ما تقر بها عين كل مؤمن محب لهما، ويسخن الله العظيم بها عين كل ناصبي خبيث باغض لهما، أبغض الله من أبغضها) .
وقال ﵀ في " الشريعة "، في " باب ذكر إيجاب حب بني هاشم، أهل بيت النبي ﷺ على جميع المؤمنين ":
(واجب على كل مؤمن ومؤمنة: محبة أهل بيت رسول الله ﷺ : بنو هاشم: علي بن أبي طالب، وولده، وذريته، فاطمة، وولدها، وذريتها، والحسن والحسين، وأولادهما، وذريتهما، وجعفر الطيار، وولده، وذريته، وحمزة، وولده، والعباس، وولده، وذريته ﵃.
هؤلاء أهل بيت رسول الله ﷺ ، واجب على المسلمين محبتهم، وإكرامهم، واحتمالهم، وحسن مداراتهم، والصبر عليهم، والدعاء لهم.
فمن أحسن من أولادهم وذراريهم: فقد تخلق بأخلاق سلفه الكرام الأخيار الأبرار.
ومن تخلق منهم بما لا يحسن من الأخلاق: دعي له بالصلاح والصيانة والسلامة، وعاشره أهل العقل والأدب، بأحسن المعاشرة، وقيل
стр. 185
له: نحن نجلك عن أن تتخلق بأخلاق لا تشبه سلفك الكرام الأبرار، ونغار لمثلك أن يتخلق بما نعلم أن سلفك الكرام الأبرار، لا يرضون بذلك، فمن محبتنا لك، أن نحب لك أن تتخلق بما هو أشبه بك، وهي الأخلاق الشريفة الكريمة، والله الموفق لذلك) اهـ.
وقد قدمت أن الآجري ﵀، قد روى في كل باب، ما حفظ فيه من حديث وأثر، وساقه بإسناده، فاجتمع فيها أحاديث كثيرة، وآثار تسر المؤمنين.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد حديث سفينة ﵁ مرفوعا: «خلافة النبوة، ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه أو الملك من يشاء» :
(رواه أهل السنن، كأبي داوود وغيره، واعتمد عليه الإمام أحمد وغيره في تقريره خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة، وثبته أحمد، واستدل به على من توقف في خلافة علي، من أجل افتراق الناس عليه، حتى قال أحمد: " من لم يربع بعلي في الخلافة، فهو أضل من حمار أهله "، ونهى عن مناكحته.
وهو متفق عليه بين الفقهاء، وعلماء السنة، وأهل المعرفة والتصوف، وهو مذهب العامة.
стр. 186
وإنما يخالفهم في ذلك، بعض أهل الأهواء، من أهل الكلام ونحوهم، كالرافضة الطاعنين في خلافة الثلاثة، أو الخوارج الطاعنين في خلافة الصهرين المنافيين: عثمان وعلي.
أو بعض الناصبة النافين لخلافة علي ﵁، أو بعض الجهال من المتسننة، الواقفين في خلافته!
ووفاة النبي ﷺ كانت في شهر ربيع، سنة إحدى عشرة من هجرته.
وإلى عام ثلاثين سنة، كان إصلاح ابن رسول ﷺ الحسن بن علي السيد بين فئتين من المؤمنين، بنزوله عن الأمر عام إحدى وأربعين، في شهر جمادى الأولى، وسمي " عام الجماعة " لاجتماع الناس على معاوية، وهو أول الملوك) اهـ من " مجموع الفتاوى " (٣٥ / ١٨ - ١٩) .
وكلام شيخ الإسلام ﵀ في هذا الباب كثير، في كثير من مصنفاته وفتاواه، وفي " مجموع الفتاوي " شيء كثير وقفت عليه، وما قدمته يغني بمشيئة الله.
وقال الإمام العلامة يحيى بن يوسف بن يحيى الأنصاري الصرصري الحنبلي (ت ٦٥٦ هـ، شهيدا على يد المغول لعنهم الله، لما دخلوا العراق) في قصيدته اللامية العظيمة، التي ذكر فيها اعتقاد الحنابلة، والثناء على إمامهم أحمد بن حنبل وأتباعه ﵏ جميعا، بعد ذكره الخلفاء الثلاثة أبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃، قال:
стр. 187
وكان أحق الناس بالأمر بعدهم ... أبو الحسن المرضي تاج الهدى علي
وكان بأمر الله أعدل قائم ... على السنن المحمود لم يتنقل
إمام هدى أكرم به من خليفة ... خليفة عدل للخلافة مكمل
عظيم لأسباب المجادل قاطع ... كمي لأبطال الرجال مجدل
أبر فتى جاءت به هاشمية ... كريم معم في الكرام ومخول
يجلي دجى الهيجا بأبيض منصل ... يقطع من أبنائها كل مفصل
ودرع علي كان صدرا فما الذي ... تظن بمقدام على الحرب مقبل
وفي قتله عمرو بن ود ومرحبا ... دليل على ما قلت غير مبطل
وسماه في الدارين أحمد سيدا ... وذلك فضل جامع كل أفضل
وحلاه من زهرائه وإخائه ... بتاج من العلياء سام مكلل
وكان له السبطان في جيد فضله ... كعقد بياقوت ودر مفصل
وأنزله منه وتلك فضيلة ... كهارون من موسى فلا تتأول
وأثنى عليه يوم خيبر إذ علا ... برايته العليا على كل أطول
ثناء بحب الله , ثم رسوله ... وفتح عليه عاجل متسهل
стр. 188
علامة إيمان الموحد حبه ... وفي بغضه محض النفاق المضلل
وكم جمعت ألفاظه من بلاغة ... وجاءت بحكم في قضاياه فيصل
بفضل فتاواه وحد حسامه ... دياجي القضايا والوقائع تنجلي
تقلد خمسا أمرها متحملا ... بأعبائها العظمى أشد تحمل
يصوم هجير الصيف أجرا وحسبة ... ويهجر لذات الرقاد المخبل
إلى أن أتى ما لا مرد لوقعه ... وما يتعجل وقته لا يؤجل
فخضب أشقاها من الرأس شيبة ... تسامت وقارا بالدم المتبزل
وذلك وعد صادق من محمد ... فآل بذاك الوعد أشرف موئل
فأكرم بهم في الناس أربعة هم ... الربيع لقلب الموقن المتقبل
ولم تجتمع إلا بباطن مؤمن ... محبتهم , لا في فؤاد مغلل
وبعد علي كرم الله وجهه ... استنيب بصلح السيد المتفضل
стр. 189
لذي الحلم والتقوى معاوية الرضى ... أمين على التنزيل للوحي مسجل
رديف رسول الله ثم دعى له ... بحلم وعلم إذ له بطنه يلي
ثم شرع - بعد ذلك - في ذكر فضائل آل البيت ﵃، فقال:
وأذكر شيئا من فضائل أهله ... ففضلهم المشهور والظاهر الجلي
هم العروة الوثقى لمستمسك ... ونور الهدى للمبصر المتأمل
ثم ذكر جملة منهم ﵃، فبدأ بذكر سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ﵁، فمدحه وأطال، ثم جعفر بن أبي طالب، ثم العباس بن عبد المطلب، ثم الحسنين: الحسن والحسين ابني علي، ثم عبد الله بن عباس ﵃.
وقال الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي، في " الجوهرة الفريدة، في تحقيق العقيدة " (ص ٣١) ، في " باب الخلافة، ومحبة الصحابة وأهل البيت ﵃ ".
وهو من المتون المتداولة عند الحنابلة، حفظا وشرحا، وممن شرحه: شيخنا العلامة المحقق عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين القضاعي الحنبلي حفظه الله، شرحه كاملا صيف عام (١٤٢٢هـ) ، قال حافظ:
стр. 190
كذا علي أبو السبطين رابعهم ... بالحق معتضد , للكفر مضطهد
فهؤلاء بلا شك خلافتهم ... بمقتضى النص , والإجماع نعتقد
وأهل بيت النبي والصحب قاطبة ... عنهم ندب , وحب القوم نعتقد
والحق في فتنة بين الصحاب جرت ... هو السكوت , وأن الكل مجتهد
والنصر أن أبا السبطين كان هو الـ ... محق من رد هذا قوله فند
تبا لرافضة , سحقا لناصبة ... قبحا لمارقة , ضلوا وما رشدوا
هذا شيء مما تيسر لي في هذا، مما يظهر - جليا - كذب هذا الرافضي المالكي على أئمة الإسلام، حنابلة وغير حنابلة من أهل السنة.
فأين الحساسية - التي زعمها المالكي الرافضي - من ذكر فضائل علي وأهل البيت ﵃ جميعا.
وكتب الحنابلة طافحة بفضلهم، والترضي عنهم، وهذا أمر مستقر عندهم - بحمد الله - لا نزاع فيه.
وقد أجمع أئمة الإسلام والسنة وأطبقوا، حنابلة وغيرهم، على عظم كتاب " الشريعة " وفضله، وأثنى على هذا الكتاب وصاحبه: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، في غير موضع من كتبه.
وكذلك الحافظ ابن قيم الجوزية ﵀ في غير موضع، منها " اجتماع الجيوش الإسلامية ".
стр. 191
وقد أخد هذا السفر العظيم - أعني كتاب " الشريعة " - رسالة دكتوراة جامعية بالمملكة، وحقق في " جامعة أم القرى " بمكة المكرمة، ثم طبع بعد ذلك في المملكة أيضا، بتحقيق - صاحب الرسالة - الشيخ الدكتور عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي.
وهذا كتاب " شرح العقيدة الطحاوية " لابن أبي العز الحنفي ﵀ (ت ٧٩٢ هـ) ، أحد الكتب المقررة على طلاب كلية الشريعة بالمملكة، وفيه الثناء على علي ﵁، قال ﵀ فيه (٢ / ٧٢١ -٧٢٢) : (قوله: " ثم لعلي بن أبي طالب ﵁ ". ش: أي ونثبت الخلافة بعد عثمان لعلي ﵄.
لما قتل عثمان، وبايع الناس عليا: صار إماما حقا، واجب الطاعة، وهو الخليفة في زمانه خلافة نبوة، كما دل عليه حديث سفينة المقدم ذكره، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «خلافة النبوة: ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء» ) ١ هـ.
ثم ذكر شيئا من فضائله ﵁ في (٢ / ٧٢٥ - ٧٢٦) ، وفي غير موضع.
ثم ذكر شيئا مما يجب في حق الآل ﵃، في (٢ / ٧٣٧ -٧٤٥) عند شرحه قول الطحاوي: (ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله ﷺ ، وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس: فقد برئ من النفاق) اهـ.
стр. 192
[فصل في بيان حال معاوية ﵁ والذب عنه وبيان حال ابنه يزيد]
فصل
في بيان حال معاوية ﵁، والذب عنه، وبيان حال ابنه يزيد أما زعم المالكي انتشار الثناء على بني أمية، خاصة معاوية وابنه يزيد عند الحنابلة: ففيه تفصيل.
أما معاوية: فنعم، وهو من جملة أصحاب رسول الله ﷺ ، وصهره، وكل نسب وسبب منقطع يوم القيامة، إلا سبب النبي ﷺ ، ونسبه، ومعاوية - بلا شك - منهم ﵁.
ولما ذكر الآجري تلك الكتب والأبواب السابقة، في فضائل علي وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين، والآل عامة وخاصة ﵃: ختم كتابه بفضائل معاوية ﵁، فقال: " كتاب فضائل معاوية بن أبي سفيان ﵄ ".
ثم قال الآجري ﵀: (معاوية ﵁، كاتب رسول الله ﷺ على وحي الله ، وهو القرآن، بأمر الله .
وصاحب رسول الله ﷺ ، ومن دعا له النبي ﷺ أن يقيه العذاب.
ودعا له أن يعلمه الله الكتاب، ويمكن له في البلاد، وأن يجعله هاديا مهديا.
وأردفه النبي من خلفه فقال: «ما يليني منك؟ ".
قال: بطني.
стр. 193
قال: " اللهم املأه حلما وعلما» .
وأعلمه النبي ﷺ : «إنك ستلقاني في الجنة» .
وصاهره النبي ﷺ بأن تزوج بأم حبيبة أخت معاوية ﵄، فصارت أم المؤمنين، وصار هو خال المؤمنين، فأنزل فيهم: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة: ٧] .
وقال النبي ﷺ : «إني سألت ربي : ألا أتزوج إلى أحد من أمتي، ولا يتزوج إلى أحد من أمتي، إلا كان معي في الجنة» ".
وهو ممن قال الله : ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] ، فقد ضمن الله الكريم بأن لا يخزيه، لأنه ممن آمن برسول الله ﷺ .
وسيأتي في الأخبار ما يدل على ما قلت، والله الموفق لذلك إن شاء الله. اهـ.
ثم عقد الآجري في عشرة أبواب في ذلك، هي:. باب ذكر دعاء النبي ﷺ لمعاوية ﵁.
. باب بشارة النبي ﷺ لمعاوية ﵁ بالجنة.
. باب ذكر مصاهرة النبي ﷺ لمعاوية بأخته أم حبيبة.
. باب ذكر استكتاب النبي ﷺ لمعاوية بأمر من الله .
. باب ذكر مشاورة النبي لمعاوية ﵀.
стр. 194
باب ذكر صحبة معاوية للنبي ﷺ ، ومنزلته عنده.
. باب ذكر تواضع معاوية ﵁ في خلافته.
. باب ذكر تعظيم معاوية ﵁، لأهل بيت رسول الله ﷺ ، وإكرامه إياهم.
. باب تزويج أبي سفيان ﵁، بهند أم معاوية ﵃.
. باب ذكر وصية النبي ﷺ لمعاوية ﵁.
وهذا أمر مستقر عند أهل السنة جميعا، حنابلة وغيرهم رضي الله عن معاوية، وجميع أصحاب رسول الله ﷺ وأرضاهم.
أما يزيد: فلا! بل صنف ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) - وهو حنبلي - جزءا معروفا في لعنه.
وأمر يزيد لا يخفى، وقد نص إمامنا وإمام المسلمين، الإمام أحمد بن حنبل فيه، فقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: إن قوما يقولون: إنهم يحبون يزيد! فقال: " يا بني! وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟ ! ".
فقلت: يا أبت فلماذا لا تلعنه؟
فقال: " يا بني! وهل رأيت أباك يلعن أحدا؟ ! ".
وقال أبو محمد المقدسي الحنبلي، لما سئل عن يزيد: " فيما بلغني لا يسب ولا يحب ".
стр. 195
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، كما في " مجموع الفتاوى " (٤ / ٤٨٣) و (٤ / ٤٨٧) .
وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ (٤ / ٤٨١ -٤٨٢) : أن الناس قد افترقوا في يزيد ثلاث فرق، طرفان ووسط: فأحد الطرفين: كفروه! وجعلوه منافقا زنديقا! سعى في قتل سبط رسول الله ﷺ ، تشفيا من رسول الله ﷺ وانتقاما منه! وأخذا بثأر جده عتبة، وأخي جده شيبة، وخاله الوليد بن عتبة وغيرهم! وأنشدوا له في ذلك شعرا.
والطرف الآخر: جعلوه رجلا صالحا! وإماما عادلا! بل ظنه بعضهم صحابيا!
وذكر شيخ الإسلام بعض أصحاب هذا القول، وليس فيهم حنبلي واحد.
ثم قال شيخ الإسلام ﵀ (٤ / ٤٨٢) : (وكلا القولين ظاهر البطلان، عند من له أدنى عقل وعلم بالأمور، وسير المتقدمين. ولهذا لا ينسب إلى أحد من أهل العلم المعروفين بالسنة، ولا إلى ذي عقل من العقلاء، الذين لهم رأي وخبرة) اهـ.
أما الوسط بين هذين الطرفين الشاذين: فذكر قولهم شيخ الإسلام (٤ / ٤٨٣) فقال: (القول الثالث: أنه كان ملكا من ملوك المسلمين، له حسنات وسيئات، ولم يولد إلا في خلافة عثمان، ولم يكن كافرا،
стр. 196
ولكن جرى بسببه ما جرى من مصرع الحسين، وفعل ما فعل بأهل الحرة، ولم يكن صاحبا، ولا من أولياء الله الصالحين، وهذا قول عامة أهل العقل والعلم والسنة والجماعة) اهـ.
ثم ذكر شيخ الإسلام ﵀ (٤ / ٤٨٣ - ٤٨٦) : أن أصحاب هذا القول الوسط، قد اختلفوا فيما بينهم، وافترقوا في يزيد ثلاث فرق، مع اجتماعهم على ما سبق، من ظلمه وفسقه:
. ففرقة لعنته.
وفرقة أحبته.
. وفرقة أمسكت، فلم تسب، ولم تحب.
وبين شيخ الإسلام ﵀: مأخذ كل أصحاب قول: فاللاعنون كأبي الفرج ابن الجوزي الحنبلي، وإلكيا الهراسي وغيرهما: لعنوه:
١ - لما صدر منه من أفعال تبيح لعنته.
٢ - وقد يقولون: هو فاسق، وكل فاسق يلعن.
٣ - وقد يقولون بلعن صاحب المعصية، وإن لم يحكم بفسقه.
فهذه ثلاثة مآخذ للعنته.
أما الذين أحبوه: أحبوه، أو سوغوا محبته، كالغزالي - عالم الشافعية الشهير - فلهم مأخذان:
стр. 197
١ - أحدهما: أنه مسلم، ولي أمر الأمة على عهد الصحابة، وتابعه بقاياهم. وكانت فيه خصال محمودة، وكان متأولا فيما ينكر عليه من أمر الحرة وغيره، فيقولون: هو مجتهد مخطئ.
ويقولون: إن أهل الحرة، هم نقضوا بيعته أولا، وأنكر ذلك عليهم ابن عمر ﵄ وغيره.
أما قتل الحسين ﵁: فلم يأمر به، ولم يرض به، بل ظهر منه التألم لقتله، وذم من قتله. ولم يحمل الرأس إليه، وإنما حمل إلى عبيد الله بن زياد.
٢ - والمأخذ الثاني لهؤلاء المحبين: أنه قد ثبت في " صحيح البخاري " عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أول جيش يغزو القسطنطينية، مغفور لهم» وأول جيش غزاها، كان أميره يزيد.
ثم قال شيخ الإسلام ﵀ (٤ / ٤٨٦) بعد ذكره مأخذ اللاعنين والمحبين: (والتحقيق: أن هذين القولين، يسوغ فيهما الاجتهاد، فإن اللعنة لمن يعمل المعاصي، مما يسوغ فيها الاجتهاد. وكذلك محبة من يعمل حسنات وسيئات.
بل لا يتنافى عندنا: أن يجتمع في الرجل الحمد والذم، والثواب والعقاب، كذلك لا يتنافى أن يصلى عليه، ويدعى له، وأن يلعن ويشتم أيضا، باعتبار وجهين) .
стр. 198
أما الممسكون عن سبه ولعنته: فلأنه لم يثبت فسقه الذي يقتضي لعنه، أو لأن الفاسق المعين، لا يلعن بخصوصه، إما تحريما أو تنزيها.
وأما تاركو محبته: فلأن المحبة الخاصة، إنما تكون للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وليس يزيد أحد هؤلاء، وقد قال النبي ﷺ : «المرء مع من أحب» [خ (٦١٦٨) و (٦١٦٩) م (٢٦٤١) عن ابن مسعود، وخ (٦١٧٠) م (٢٦٤١) عن أبي موسى الأشعري ﵄] .
ثم قال شيخ الإسلام (٤ / ٤٨٤) : (ومن آمن بالله واليوم الآخر، لا يختار أن يكون مع يزيد، ولا مع أمثاله من الملوك، الذين ليسوا بعادلين) .
ثم ذكر شيخ الإسلام مأخذين لتاركي محبته: ا - أحدهما: أنه لم يصدر منه من الأعمال الصالحة، مما يوجب محبته، فبقي واحدا من الملوك المسلطين، ومحبة أشخاص هذا النوع، ليست مشروعة.
وهذا المأخذ، ومأخذ من لم يثبت عنده فسقه، اعتقد تأويلا.
٢ - الثاني: أنه صدر منه ما يقتضي ظلمه وفسقه في سيرته، كأمر الحسين ﵁، وأمر أهل الحرة.
ولم يثبت عند شيخ الإسلام ﵀، علاقة يزيد بمقتل الحسين، من حيث الأمر به، أو الرضى.
стр. 199
وقد نبه عليه مرارا، لهذا قال ﵀ (٤ / ٤٨٧) : (وأما من قتل الحسين، أو أعان على قتله، أو رضي بذلك: فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا) اهـ ونحوه في (٤ / ٥٠٥) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٤ / ٥٠٥ - ٥٠٦) ذاكرا مقتل الحسين ﵁: (وكان الذي حض على قتله: الشمر بن ذي الجوشن، صار يكتب في ذلك إلى نائب السلطان على العراق عبيد الله بن زياد) .
وعبيد الله هذا، أمر - بمقاتلة الحسين - نائبه عمر بن سعد بن أبي وقاص، بعد أن طلب الحسين منهم، ما طلبه آحاد المسلمين، لم يجئ معه مقاتلة، فطلب منهم:
. أن يدعوه إلى أن يرجع إلى المدينة،
. أو يرسلوه إلى يزيد ابن عمه،
. أو يذهب إلى الثغر، يقاتل الكفار.
فامتنعوا إلا أن يستأسر لهم، أو يقاتلوه!
فقاتلوه حتى قتلوه وطائفة من أهل بيته وغيرهم.
ثم حملوا ثقله وأهله إلى يزيد بن معاوية إلى دمشق، ولم يكن يزيد أمرهم بقتله، ولا ظهر منه سرور بذلك، ورضى به.
стр. 200
بل قال كلاما فيه، ذما لهم، حيث نقل عنه أنه قال: " لقد كنت أرضى من طاعة أهل العراق، بدون قتل الحسين ". وقال: " لعن الله ابن مرجانة - يعني عبيد الله بن زياد - والله لو كان بينه وبين الحسين رحم لما قتله " يريد بذلك الطعن في استلحاقه، حيث كان أبوه زياد، استلحق حتى كان ينتسب إلى أبي سفيان صخر بن حرب: وبنو أمية وبنو هاشم، كلاهما بنو عبد مناف.
وروي أنه لما قدم على يزيد، ثقل الحسين وأهله، ظهر في داره البكاء والصراخ لذلك، وأنه أكرم أهله، وأنزلهم منزلا حسنا، وخير ابنه عليا، بين أن يقيم عنده، وبين أن يذهب إلى المدينة، فاختار المدينة. والمكان الذي يقال له: سجن علي بن الحسين بجامع دمشق، باطل لا أصل له.
لكنه مع هذا، لم يقم حد الله على من قتل الحسين ﵁، ولا انتصر له، بل قتل أعوانه لإقامة ملكه.
وقد نقل عنه، أنه تمثل في قتل الحسين بأبيات تقتضي من قائلها الكفر الصريح، كقوله:
لما بدت تلك الحمول وأشرفت ... تلك الرؤوس إلى ربى جيرون
نعق الغراب فقلت: نح أو لا تنح ... فلقد قضيت من النبي ديوني
стр. 201
وهذا الشعر كفر) اهـ.
ثم قال شيخ الإسلام ﵀ (٤ / ٥٠٧ - ٥٠٨) : (وأما الحسين ﵁: فقتل بكربلاء، قريب من الفرات، ودفن جسده حيث قتل، وحمل رأسه إلى قدام عبيد الله بن زياد بالكوفة، هذا الذي رواه البخاري في " صحيحه " (٣٧٤٨) ، وغيره من الأئمة.
وأما حمله إلى الشام إلى يزيد: فقد روي ذلك من وجوه منقطعة، لم يثبت شيء منها، بل في الروايات ما يدل على أنها من الكذب المختلق، فإنه يذكر فيها: أن يزيد جعل ينكت بالقضيب على ثناياه، وأن بعض الصحابة الذين حضروه كأنس بن مالك، وأبي برزة، أنكر ذلك.
وهذا تلبيس! فإن الذي جعل ينكت بالقضيب، إنما كان عبيد الله بن زياد، هكذا في الصحيح والمساند [خ (٣٧٤٨) حم (٣ / ١ ٢٦) عن أنس بن مالك ﵁] .
وإنما جعلوا مكان عبيد الله بن زياد: يزيد!
وعبيد الله لا ريب أنه أمر بقتله، وحمل الرأس إلى بين يديه.
ثم إن ابن زياد قتل بعد ذلك، لأجل ذلك.
ومما يوضح ذلك: أن الصحابة المذكورين، كأنس وأبي برزة، لم يكونوا بالشام، وإنما كانوا بالعراق حينئذ. وإنما الكذابون، جهال بما يستدل به على كذبهم.
стр. 202
وأما حمله إلى مصر: فباطل باتفاق الناس، وقد اتفق العلماء كلهم، على أن هذا المشهد الذي بقاهرة مصر، الذي يقال له: مشهد الحسين: باطل، ليس فيه رأس الحسين، ولا شيء منه، وإنما أحدث في أواخر دولة بني عبيد الله ابن القداح) .
ثم قال ﵀ (٤ / ٥١١ -٥١٢) : (والحسين ﵁، أكرمه الله تعالى بالشهادة في هذا اليوم، وأهان بذلك من قتله، أو أعان على قتله، أو رضي بقتله) .
وله أسوة حسنة بمن سبقه من الشهداء، فإنه وأخوه سيدا شباب أهل الجنة، وكانا قد تربيا في عز الإسلام، لم ينالا من الهجرة، والجهاد، والصبر على الأذى في الله، ما ناله أهل البيت، فأكرمهما الله تعالى بالشهادة، تكميلا لكرامتهما، ورفعا لدرجتهما.
وقتله مصيبة عظيمة، والله سبحانه قد شرع الاسترجاع عند المصيبة بقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ - الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ - أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧] .
وفي " الصحيحين " عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من مسلم يصاب بمصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرا منها، إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرا منها» .
стр. 203
ومن أحسن ما يذكر هنا: أنه قد روى الإمام أحمد (١ / ٢٠١) وابن ماجه (١٦٠٠) عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مسلم يصاب بمصيبة، فيذكر مصيبته وإن قدمت، فيحدث عندها استرجاعا، كتب الله له مثلها يوم أصيب» .
هذا حديث رواه عن الحسين: ابنته فاطمة، التي شهدت مصرعه.
وقد علم أن المصيبة بالحسين، تذكر مع تقادم العهد، فكان من محاسن الإسلام، أن بلغ هو هذه السنة عن النبي ﷺ ، وهو أنه كلما ذكرت هذه المصيبة يسترجع لها، فيكون للإنسان من الأجر مثل الأجر يوم أصيب بها المسلمون.
وأما من فعل مع تقادم العهد بها، ما نهى عنه النبي ﷺ عند حدثان العهد بالمصيبة: فعقوبته أشد، مثل لطم الخدود، وشق الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية.
ففي " الصحيحين " عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» [خ (١٢٩٧) و (١٢٩٨) و (٣٥١٩) م (١٠٣) ] . ثم ذكر ﵀ شيئا مما ورد في النهي عن ذلك.
وكلام شيخ الإسلام في هذا الباب وهذه المسألة كلام جيد محرر كثير، سواء في المواضع التي سبقت أو غيرها، وما سبق يكفي بمشيئة الله.
стр. 204
[فصل أما ما زعمه هذا الرافضي أن الحنابلة لا يذكرون آل البيت أو لديهم حساسية من ذلك فكذب باطل]
فصل أما ما زعمه هذا الرافضي: أن الحنابلة لا يذكرون آل البيت، أو لديهم حساسية من ذلك: فكذب باطل، لم يستطع أن يختلق دليلا عليه، بله أن يجد دليلا غير مختلق! لبعدهم ﵏ عن ذلك، ومحبتهم العظيمة، لآل البيت ﵃.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " العقيدة الواسطية " - المتن المختصر اللطيف في العقيدة، الذي يحفظه طلابنا، ويحرسه علماؤنا في مساجدهم -: ويحبون (١) أهل بيت رسول الله ﷺ ، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غديرخم: «أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» .
وقال أيضا للعباس عمه، وقد شكا إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم فقال: «والذي نفسي بيده، لا يؤمنون حتى يحبوكم ولقرابتي» .
وقال: «إن الله اصطفى إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» .
стр. 205
ويتولون أزواج رسول الله ﷺ من أمهات المؤمنين، ويقرون بأنهن أزواجه في الجنة بالآخرة، خصوصا خديجة، أم أكثر أولاده، وأول من آمن به، وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العلية. والصديقة بنت الصديق، التي قال فيها النبي ﷺ : «فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام» .
ويتبرؤون من:
- طريقة الروافض، الذين يبغضون الصحابة، ويسبونهم.
- وطريقة النواصب، الذين يؤذون أهل البيت، بقول أو عمل. اهـ.
وهذا المختصر " الواسطية "، ليس أحد من طلاب العلم عندنا إلا وهو يحفظه. وليس أحد من مشايخنا، إلا وقد شرحه مرارا، في حلقات العلم بالمساجد، أو أفرده بشرح مؤلف.
قال الشيخ العلامة المحقق عبد الرحمن بن ناصر السِّعدي التميمي النجدي الحنبلي ﵀ (ت ١٣٧٦ هـ) ، في كتابه " التنبيهات اللطيفة، فيما احتوت عليه العقيدة الواسطية، من المباحث المنيفة " (ص ١٢١) عند شرح الموضع السابق منها: (فمحبة أهل بيت النبي ﷺ واجبة من وجوه، منها: لإسلامهم، وفضلهم، وسوابقهم) .
ومنها لما تميزوا به من قرب النبي ﷺ ، واتصال نسبه. ومنها لما حث عليه، ورغب فيه. ومنها ولما في ذلك، من علامة محبة الرسول ﷺ . اهـ.
стр. 206
ومن المعلوم المستقر عندنا وعند غيرنا، ممن له علم وعقل: أن كثيرا من بني هاشم طالبيين وغيرهم: حنابلة، بل فيهم جماعة، هم من كبار أئمتهم ومصنفيهم، كأبي الحسن اليونيني، وابن أبي موسى.
فهل انتحل هؤلاء الهاشميون، مذهبا ينتقص من شأنهم! ويطعن في أجدادهم؟ !
أو أنهم أصبحوا يأمرون بذلك! ويصنفون فيه! ويحثون عليه؟ !
أو أنهم لم يعلموا بتلك الأمور؟ !
ولما سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٤ / ٤٧٨ - ٤٨٨) عن محبة آل البيت قال: (محبتهم عندنا: فرض واجب، يؤجر عليه، فإنه قد ثبت عندنا في " صحيح مسلم " (٢٤٠٨) عن زيد بن أرقم قال: «خطبنا رسول الله ﷺ بغدير يدعى خما، بين مكة والمدينة فقال: " يا أيها الناس! إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله " فذكر كتاب الله وحض عليه، ثم قال: "وعترتي أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» .
قلت لمقدم - وهو السائل:
ونحن نقول في صلاتنا كل يوم " اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ".
стр. 207
قال مقدم: فيمن يبغض أهل البيت؟
قلت: من أبغضهم، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. اهـ.
стр. 208
[فصل في الذب عن خلفاء بني أمية الأئمة الفاتحين المجاهدين]
فصل
في الذب عن خلفاء بني أمية، الأئمة الفاتحين المجاهدين قد سبق ذكر جملة من مطاعن المالكي في بني أمية، مما يشق حصره في كتابه هذا، فضلا عن كتبه الأخرى ومقالاته! .
فرماهم بكل قبيحة ورذيلة، وكل ظلم وبغي، وزعم مزاعم كبيرة، وكذب كذبات بلقاء كثيرة، لا يسترها الليل وإن طال، ولا مغيب الشمس، ولو حرمت الشروق والزوال.
وزعم أن الأحاديث النبوية الصحيحة - زيدت شرفا -: قد جاءت بذمهم! والآثار الصحابية والتابعية، تكاثرت في ذم زمانهم!
والجواب عن هذا كله وغيره، من وجوه: أحدها: أن خلفاء بني أمية من خيار ملوك المسلمين، ولا أدل على ذلك ولا أظهر، من كثرة فتوحاتهم، وما خصهم الله ويسره على أيديهم، من نشر الإسلام، وتمكينه في الأرض، حتى أصبح المسلم عزيزا، لا تجرؤ أمة - وإن عظمت - على انتقاص قدره، أو هضم حقه.
الثاني: ما حصل من بعضهم من ظلم: لم ننكره، وما ادعينا لهم العصمة؟ !
стр. 209
بل هم كغيرهم من المؤمنين، يحصل منهم تقصير وتفريط، وأفعالهم السابقة، كفيلة - بمشيئة الله ورحمته ورضوانه - بإزالة ما قيل إن صدقا، وإن كذبا، وكما قال الأول:
من ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلا: أن تعد معايبه
الثالث: أن زعمه أن الأحاديث الصحيحة قد جاءت بذمهم فكذب، ولم يصح في ذلك شيء، عدا ذم الحجاج بن يوسف الثقفي (ت ٩٥ هـ) ، ولم يكن أمويا! وإنما كان عاملا لهم، استعملوه على العراق، ولم يوفقوا في اختياره. قال الإمام العلامة الكبير أبو عبد الله ابن قيم الجوزية في " المنار المنيف، في الصحيح والضعيف " (ص ١١٧) : (وكل حديث في ذم بني أمية: فهو كذب) اهـ.
الرابع: أن ما صح من الآثار الصحابية والتابعية، في ذم بني أمية: فلكون ميزانهم عزيزا، ولسان منجمهم رفيعا دقيقا، أحسوا بفرق حالهم في خلافة الخلفاء الأربعة الراشدين، عمن جاء بعدهم مع ما حصل من بعض بني أمية من معاصي وجور، لم يكن في عهد من قبلهم.
وكان بعض ذم أولئك الأئمة في الزمان، لا في الأعيان، لدخول المولدين في الإسلام، وما قدموا به معهم إليه، فأزالوا ثوابت، وأحدثوا حوادث.
[فصل في ذكر فضائل بني أمية وتقريب الرسول ﷺ لهم واعتماده عليهم]
فصل
في ذكر فضائل بني أمية، وتقريب الرسول ﷺ لهم، واعتماده عليهم،
وإبقاء أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ لهم، وذكر سبب كثرة
الافتراءات على بني أمية لقد كان عهد بني أمية من خير عهود الإسلام، ففيه انتشر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وانحسر الكفر وكبت.
وفيه انتشر العلم والفقه، ودون الحديث، ودون التفسير، وعم الرخاء أرجاء العالم الإسلامي، حتى بلغ الحال بالمسلمين في بعض عهود بني أمية، ألا يجدوا محتاجا يأخذ زكاة أموالهم، لغنى المسلمين وكفايتهم، على الرغم من اتساع الرقعة، وكثرة المسلمين.
ويشهد لفضلهم - على الجملة - قوله ﷺ : «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» أخرجاه في " الصحيحين " وتقدم تخريجه (ص ١٣٠) .
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] .
стр. 212
وقوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ - الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١] .
فالله قد مكن لبني أمية في الأرض، وبدل خوفهم أمنا، ونصرهم في جهادهم، حتى فتحوا مشارق الأرض ومغاربها، من " كاشغر" على حدود " الصين " في الشرق، إلى " الأندلس " وجنوب " فرنسا " في الغرب. ومن " بحر قزوين " في الشمال، إلى " المحيط الهندي " في الجنوب.
فهل بعد هذا النصر نصر؟ ! وهل بعد هذا التمكين تمكين؟ !
وهذه الأمور وغيرها زادت غيظ الحاقدين والمتربصين بالمسلمين، فأخذوا يلفقون الأكاذيب والأباطيل، محاولين تشويه عصر بني أمية، ونشروها بين الناس. خاصة عندما اشتد عود دعوة العباسيين في آخر عهد الدولة الأموية.
وهكذا استمرت هذه الحملة بل الحملات، حتى بعد سقوط الدولة الأموية.
وكان ممن يروج هذه الشائعات: الروافض والخوارج. فقد أقضت هذه الدولة الفتية مضاجعهم، وكسرت شوكتهم، وأبطلت شبههم. كما أقضت مضاجع الروم والفرس، وسائر الكافرين.
стр. 213
يعاونهم في ذلك كل طوائف الضلال، من منافقين أبطنوا الكفر وأظهروا الإسلام، خوفا من المسلمين، ومن مبتدعة كرهوا ما كانت عليه الدولة الأموية من نشر السنة، والعقيدة الصحيحة، ومحاربة البدع.
وجهال تأثروا بهذه الدعوات، إذ أرضعوها منذ الصغر، فلم يجد معهم نصح ولا إرشاد، فعير بعضهم بني أمية، بأنهم عادوا الإسلام في بداية عهده! ! وأن إسلامهم قد تأخر إلى آخر ما قالوه!
قال العلامة الدكتور عبد الشافي بن محمد عبد اللطيف - أستاذ التاريخ الإسلامي، بجامعة الأزهر - في كتابه: " العالم الإسلامي في العصر الأموي " ص (ب - د) ، رادا على أولئك الجهال وغيرهم: (فلئن كان بعض الأمويين، عادى الإسلام في البداية، وتأخر إسلامهم: إلا أنهم لما أسلموا عام الفتح، أظهروا من حسن البلاء في الفتوحات، وقاموا بأدوار بارزة في رفع راية التوحيد، وأبدوا من الحب لدين الله والجهاد في سبيله ما لفت إليهم الأنظار، حتى إن رسول الله ﷺ أسند إلى كثير منهم أجل الأعمال وأخطرها، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون الثلاثة من بعده.
ولكن على الرغم من ذلك كله، فإن بعض الكتاب والمؤرخين، سواء ممن اندفعوا وراء رغبة العباسيين، والتقرب إليهم بالإساءة إلى الأمويين، أو ممن سيطر عليهم الهوى، وأعماهم التعصب المذهبي: لم
стр. 214
يستطيعوا التخلص من نظرتهم إليهم قبل إسلامهم، فراحوا يعيرونهم بأنهم " الطلقاء وأبناء الطلقاء "! ونسوا أن الإسلام يجب ما قبله. بل وصل ببعضهم إلى حد اتهامهم بالكفر) .
ثم قال الدكتور عبد الشافي كذلك، في ص (٧ - ٨) من كتابه المذكور: (ومع أن الجميع أسلموا بعد فتح مكة، وحسن إسلامهم، وأبلوا بلاء حسنا في نصرة الإسلام، وإعلاء كلمة الله، إلا أن بعض الناس، نسي كل عداوات قريش للرسول ﷺ ، ولم يذكر إلا عداء بني أمية! ! وكأنهم وحدهم الذين وقفوا هذا الموقف! !
ومع أن الإسلام يجب ما قبله، إلا أن بعض ذوي الأهواء، لا يريد أن يفهم ذلك، ولا يكفون عن ذكر المواقف السيئة لبني أمية التي كانت قبل إسلامهم، وكأن القوم ما أسلموا! ! وما جاهدوا في الله حق جهاده! !
حتى إن هؤلاء المدعين لتأصل العداوة بين البيتين [بني هاشم وبني أمية] قديما، نسوا أن بعض بني أمية، كانوا من السابقين إليه من بني هاشم، فقد كان عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية من السابقين إلى الإسلام. وكذلك كان أبناء سعيد بن العاص: خالد بن سعيد، وعمرو بن سعيد، من السابقين إلى الإسلام، فقد أسلم خالد بن سعيد بن العاص، وكان خامسا في الإسلام، كما تقول ابنته أم خالد: " كان أبي خامسا في الإسلام - أي أسلم بعد أربعة سبقوه فقط - وهاجر إلى أرض الحبشة،
стр. 215
وأقام بها عشر سنين، وولدت أنا بها " (١) .
وكذلك أسلم أخوه عمرو بن سعيد بن العاص، وهاجر الهجرتين (٢) ثم لحق بهما أخوهما أبان بن سعيد (٣) .
وكان خالد وأبان ابنا سعيد بن العاص، من كتاب الوحي للرسول ﷺ (٤) .
لكن رغم إسلام هؤلاء الرجال من بني أمية، منذ البداية، وتضحياتهم، وهجرتهم إلى الحبشة، ورغم إسلام جميع بني أمية عند فتح مكة، وترحيب الرسول بهم، وفرحه بإسلامهم، والاعتماد عليهم في جلائل الأعمال - كما سنذكره بعد قليل - إلا أن كل ذلك لم يشفع عند أصحاب الأهواء، حتى الكلمة الطيبة، التي قالها الرسول ﷺ ، في معرض العفو العام عنهم، وفي اليوم الذي سماه يوم بر ووفاء، وهي قوله ﷺ : «اذهبوا فأنتم الطلقاء» حتى هذه الكلمات، جعل بعض الناس منها، سبة في جبين بني أمية وحدهم! وجعلوا يعيرونهم بأنهم الطلقاء، وأبناء الطلقاء!