← Акыда

Акыда · id 30885

قمع الدجاجلة الطاعنين في معتقد أئمة الإسلام الحنابلة

عبد العزيز بن فيصل الراجحي

Полный текст (487 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

[فصل في ذكر فضائل بني أمية وتقريب الرسول ﷺ لهم واعتماده عليهم] فصل في ذكر فضائل بني أمية، وتقريب الرسول ﷺ لهم، واعتماده عليهم، وإبقاء أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ لهم، وذكر سبب كثرة الافتراءات على بني أمية لقد كان عهد بني أمية من خير عهود الإسلام، ففيه انتشر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وانحسر الكفر وكبت. وفيه انتشر العلم والفقه، ودون الحديث، ودون التفسير، وعم الرخاء أرجاء العالم الإسلامي، حتى بلغ الحال بالمسلمين في بعض عهود بني أمية، ألا يجدوا محتاجا يأخذ زكاة أموالهم، لغنى المسلمين وكفايتهم، على الرغم من اتساع الرقعة، وكثرة المسلمين. ويشهد لفضلهم - على الجملة - قوله ﷺ : «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» أخرجاه في " الصحيحين " وتقدم تخريجه (ص ١٣٠) . وكذلك قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] .

стр. 212

وقوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ - الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١] . فالله قد مكن لبني أمية في الأرض، وبدل خوفهم أمنا، ونصرهم في جهادهم، حتى فتحوا مشارق الأرض ومغاربها، من " كاشغر" على حدود " الصين " في الشرق، إلى " الأندلس " وجنوب " فرنسا " في الغرب. ومن " بحر قزوين " في الشمال، إلى " المحيط الهندي " في الجنوب. فهل بعد هذا النصر نصر؟ ! وهل بعد هذا التمكين تمكين؟ ! وهذه الأمور وغيرها زادت غيظ الحاقدين والمتربصين بالمسلمين، فأخذوا يلفقون الأكاذيب والأباطيل، محاولين تشويه عصر بني أمية، ونشروها بين الناس. خاصة عندما اشتد عود دعوة العباسيين في آخر عهد الدولة الأموية. وهكذا استمرت هذه الحملة بل الحملات، حتى بعد سقوط الدولة الأموية. وكان ممن يروج هذه الشائعات: الروافض والخوارج. فقد أقضت هذه الدولة الفتية مضاجعهم، وكسرت شوكتهم، وأبطلت شبههم. كما أقضت مضاجع الروم والفرس، وسائر الكافرين.

стр. 213

يعاونهم في ذلك كل طوائف الضلال، من منافقين أبطنوا الكفر وأظهروا الإسلام، خوفا من المسلمين، ومن مبتدعة كرهوا ما كانت عليه الدولة الأموية من نشر السنة، والعقيدة الصحيحة، ومحاربة البدع. وجهال تأثروا بهذه الدعوات، إذ أرضعوها منذ الصغر، فلم يجد معهم نصح ولا إرشاد، فعير بعضهم بني أمية، بأنهم عادوا الإسلام في بداية عهده! ! وأن إسلامهم قد تأخر إلى آخر ما قالوه! قال العلامة الدكتور عبد الشافي بن محمد عبد اللطيف - أستاذ التاريخ الإسلامي، بجامعة الأزهر - في كتابه: " العالم الإسلامي في العصر الأموي " ص (ب - د) ، رادا على أولئك الجهال وغيرهم: (فلئن كان بعض الأمويين، عادى الإسلام في البداية، وتأخر إسلامهم: إلا أنهم لما أسلموا عام الفتح، أظهروا من حسن البلاء في الفتوحات، وقاموا بأدوار بارزة في رفع راية التوحيد، وأبدوا من الحب لدين الله والجهاد في سبيله ما لفت إليهم الأنظار، حتى إن رسول الله ﷺ أسند إلى كثير منهم أجل الأعمال وأخطرها، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون الثلاثة من بعده. ولكن على الرغم من ذلك كله، فإن بعض الكتاب والمؤرخين، سواء ممن اندفعوا وراء رغبة العباسيين، والتقرب إليهم بالإساءة إلى الأمويين، أو ممن سيطر عليهم الهوى، وأعماهم التعصب المذهبي: لم

стр. 214

يستطيعوا التخلص من نظرتهم إليهم قبل إسلامهم، فراحوا يعيرونهم بأنهم " الطلقاء وأبناء الطلقاء "! ونسوا أن الإسلام يجب ما قبله. بل وصل ببعضهم إلى حد اتهامهم بالكفر) . ثم قال الدكتور عبد الشافي كذلك، في ص (٧ - ٨) من كتابه المذكور: (ومع أن الجميع أسلموا بعد فتح مكة، وحسن إسلامهم، وأبلوا بلاء حسنا في نصرة الإسلام، وإعلاء كلمة الله، إلا أن بعض الناس، نسي كل عداوات قريش للرسول ﷺ ، ولم يذكر إلا عداء بني أمية! ! وكأنهم وحدهم الذين وقفوا هذا الموقف! ! ومع أن الإسلام يجب ما قبله، إلا أن بعض ذوي الأهواء، لا يريد أن يفهم ذلك، ولا يكفون عن ذكر المواقف السيئة لبني أمية التي كانت قبل إسلامهم، وكأن القوم ما أسلموا! ! وما جاهدوا في الله حق جهاده! ! حتى إن هؤلاء المدعين لتأصل العداوة بين البيتين [بني هاشم وبني أمية] قديما، نسوا أن بعض بني أمية، كانوا من السابقين إليه من بني هاشم، فقد كان عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية من السابقين إلى الإسلام. وكذلك كان أبناء سعيد بن العاص: خالد بن سعيد، وعمرو بن سعيد، من السابقين إلى الإسلام، فقد أسلم خالد بن سعيد بن العاص، وكان خامسا في الإسلام، كما تقول ابنته أم خالد: " كان أبي خامسا في الإسلام - أي أسلم بعد أربعة سبقوه فقط - وهاجر إلى أرض الحبشة،

стр. 215

وأقام بها عشر سنين، وولدت أنا بها " (١) . وكذلك أسلم أخوه عمرو بن سعيد بن العاص، وهاجر الهجرتين (٢) ثم لحق بهما أخوهما أبان بن سعيد (٣) . وكان خالد وأبان ابنا سعيد بن العاص، من كتاب الوحي للرسول ﷺ (٤) . لكن رغم إسلام هؤلاء الرجال من بني أمية، منذ البداية، وتضحياتهم، وهجرتهم إلى الحبشة، ورغم إسلام جميع بني أمية عند فتح مكة، وترحيب الرسول بهم، وفرحه بإسلامهم، والاعتماد عليهم في جلائل الأعمال - كما سنذكره بعد قليل - إلا أن كل ذلك لم يشفع عند أصحاب الأهواء، حتى الكلمة الطيبة، التي قالها الرسول ﷺ ، في معرض العفو العام عنهم، وفي اليوم الذي سماه يوم بر ووفاء، وهي قوله ﷺ : «اذهبوا فأنتم الطلقاء» حتى هذه الكلمات، جعل بعض الناس منها، سبة في جبين بني أمية وحدهم! وجعلوا يعيرونهم بأنهم الطلقاء، وأبناء الطلقاء!

стр. 216

ولم يفهموا أن هؤلاء الطلقاء وأبناءهم، قد أسلموا، وحسن إسلامهم، وكانت لهم مواقف مشهودة، في نصرة الإسلام في حياة الرسول ﷺ ، وبعده في الفتوحات في عهد خلفائه الراشدين. . .) . ثم قال الدكتور عبد الشافي ص (٩) : (فتعيير الأمويين بأنهم الطلقاء، وأبناء الطلقاء، يكشف عن الحقد الدفين، عند بعض الغلاة من الشيعة وغيرهم. فبنو أمية يدخلون في جملة مسلمة الفتح، الذين وعدهم الله بالحسنى في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠] . الله يعدهم بالحسنى، جزاء قتالهم وجهادهم، حتى مع تأخر إسلامهم، رحمة منه . ولكن بعض أصحاب الأهواء من المؤرخين يأبى إلا أن يرميهم بالكفر، نعيذ أنفسنا وإياهم بالله من ذلك) . ثم ذكر الدكتور عبد الشافي في كتابه السابق، تحت عنوان " الأمويون في عهد النبي ﷺ " ص (١٠ - ١١) جملة ممن ولاه النبي ﷺ من بني أمية، ثم قال ص (١٢) : (وخلاصة القول: فقد قبض رسول الله ﷺ ، ومعظم رجالات بني أمية على مختلف الأعمال، من الولاية، والكتابة، وجباية الأموال، ولا نعرف قبيلة من قبائل قريش، فيها عمال

стр. 217

لرسول الله ﷺ أكثر منهم (١) واستعمال النبي ﷺ لأكثر رجال بني أمية: أكبر دليل على كفاءتهم وأمانتهم، فلو لم يكن الرسول ﷺ ، مطمئنا إلى كفاءتهم، وقدرتهم، وأمانتهم، لما عهد إليهم بعمل من الأعمال؛ لأن النبي ﷺ لم يكن يحابي أحدا حاشا لله، ولم يكن يستعمل إلا أهل الكفاية والأمانة. . .) . وقال الدكتور ص (١٢ - ١٣) تحت عنوان: " الأمويون في عهد أبي بكر ﵁ ": (لحق النبي ﷺ بالرفيق الأعلى، بعد أن بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وبويع أبو بكر الصديق ﵁ بالخلافة، فسار على نهج الرسول ﷺ ، في استعمال بني أمية، والاستعانة بهم في جلائل الأعمال. وقد استجابوا للصديق، ولكنهم فضلوا الجهاد في سبيل الله على الأعمال الإدارية، فاشتركوا في معارك الإسلام الكبرى، في عهدي الصديق والفاروق، سواء في حروب الردة، أو في معارك الفتوح في الشام وفارس. . .) . ثم ذكر أمثلة ذلك، وعزاها لبعض كتب التاريخ والسير، ثم قال ص (١٤) : (وهكذا استمر الأمويون يعملون في عهد أبي بكر، مجاهدين في سبيل الله، مفضلين ميادين القتال على الأعمال الإدارية، ولو كانوا

стр. 218

يبحثون عن المناصب، والجاه والمال، لقعدوا في ولاياتهم، وأعمالهم الإدارية، كما طلب منهم أبو بكر) . ثم قال الدكتور عبد الشافي ص (١٥) تحت عنوان " الأمويون في عهد عمر بن الخطاب ﵁ ": (عندما توفي الصديق ﵁ في جمادى الآخرة سنة ١٣ هـ وبويع الفاروق بالخلافة: سار على نهج صاحبيه في استعمال بني أمية، والثقة فيهم، فلم يعزل أحدا منهم من عمل، ولم يجد على أحد منهم مأخذا، والكل يعرف صرامة عمر، وتحريه أمر ولاته وعماله، وتقصيه أعمالهم وأخبارهم، ومحاسبتهم بكل دقة وحزم. فاستمرارهم في عهده، يدل على أمانتهم وكفايتهم، فقد بقي يزيد بن أبي سفيان واليا على دمشق، كما زاد عمر في عمل معاوية بالشام، فقد ضم إليه ولاية حمص فوق ما كان يتولاه من أعمال مدن الساحل) . إلى أن قال ص (١٦) : (وهكذا استمر الأمويون في خلافة الفاروق، وكانوا في خيرة من عماله، وعلى كثرة محاسبة عمر للولاة والعمال، وعزل بعضهم بسبب التقصير والإهمال، فقد بقي معاوية طوال خلافته في عمله، مواجها للروم، واقفا لهم بالمرصاد، ضابطا لعمله، قائما بالقسط، مرضيا عنه من الرعية، ومن الخليفة) . أما سبب كثرة الافتراءات على الأمويين: فقد بينه الدكتور عبد الشافي في كتابه السابق ص (أ – جـ) من المقدمة، في معرض كلامه عن

стр. 219

سبب تأليفه كتابه ذلك حيث قال: (ولقد كان الدافع لهذا العمل، أن تلك الحقبة من تاريخ المسلمين، لا تزال في حاجة إلى دراسة واعية متأنية، يكون رائدها البحث عن الحقيقة التاريخية المجردة، مستقاة من أوثق مصادرها، وإلى كلمة حيادية منصفة، تقوم على تحليل الروايات، ومقارنة الحوادث، واستنطاق النصوص التاريخية، ذلك لأن معظم الكتابات المعاصرة - وهي كثيرة - التي تناولت هذا العصر: اتخذت موقفا معاديا للأمويين! معتمدة في ذلك على روايات خصومهم! أو آراء ذوي الهوى والميول من المؤرخين! فجاء تاريخ خلفائهم وولاتهم مشوها، يشوبه كثير من الزيف والتحريف، والبعد عن حقائق التاريخ، وقد تظافرت عدة عوامل أسهمت في ذلك التشويه، وصبغت عصر بني أمية بألوان قاتمة مظلمة، منها: ١ - أن معظم الأمويين، وقفوا من الرسالة المحمدية موقف العداء المطلق، وحملوا لواء معارضتها، وشن الحرب ضدها أكثر من عشرين عاما، ولم يدخلوا الإسلام، إلا عند فتح مكة سنة (٨ هـ) . ومع أنهم أسلموا، وحسن إسلامهم، إلا أن بعض خصومهم، استغلوا هذا الموقف، واتخذوا منه ذريعة للنيل منهم، والتشهير بهم. ٢ - أن بني أمية، دخلوا في صراع سياسي مع آل البيت، منذ مقتل عثمان ﵁، فمالت عواطف كثير من المسلمين إلى آل البيت، نظرا لمكانتهم في نفوس الناس.

стр. 220

وعمق هذا الشعور، ما تعرض له بعض أفراد آل البيت من المآسي، مما خلق شعورا يكاد يكون عاما بالكراهية للأمويين، حيث لم يكن من السهل على أي مسلم، مهما كان مذهبه واتجاهه السياسي: أن يرضى عن حادث مقتل الحسين ﵁، ذلك الحادث الذي شغل حيزا كبيرا في كتب المؤرخين، وأساء إلى سمعة الدولة الأموية. ٣ - ما وقع فيه بعض خلفاء وولاة بني أمية من أخطاء جسيمة، مثل غزو المدينتين المقدستين مكة والمدينة، مما هز مشاعر المسلمين، وتردد صداه في نفوسهم وكتاباتهم. ٤ - كثرة أعداء بني أمية من الشيعة والخوارج، ومن الحاقدين عليهم، والطامعين في الحكم، مثل المختار الثقفي، وابن الأشعث، وابن المهلب وغيرهم، مما اضطر الأمويين إلى الدخول معهم في معارك طاحنة، والتنكيل بهم. وفوق ذلك: الموالي من الفرس، الذين لم ينسوا زوال دولتهم على أيدي العرب، فصبوا جام غضبهم على الأمويين، واتهموهم بالتعصب ضدهم. تجمعت كل هذه العناصر الموتورة، وكان لكل منها، شعراء وخطباء، ونقلة للأخبار ورواة، وراحت تبث الشائعات في جوانب العالم الإسلامي، وتضخم الأخطاء الصغيرة، وتفتعل الأكاذيب، وتلفق الروايات عن العصر الأموي ورجاله.

стр. 221

كما شارك دعاة بني العباس - إبان المرحلة السرية لدعوتهم، والتحضير للثورة على الدولة الأموية - في هذا التيار، وأخذوا يركزون على تشويه سمعة الخلفاء والولاة، ليخلقوا رأيا عاما معاديا للدولة، وقد نجحوا في ذلك نجاحا كبيرا. ٥ - ظلت هذه الأخبار والشائعات، يتردد صداها على ألسنة الناس، حتى بدأ عصر التدوين، فدون المؤرخون كل ما وصل إلى سمعهم، وسواء أكان حقا أم باطلا. وكان من سوء حظ الأمويين أن تاريخهم دون في عصر خصومهم العباسيين. وقد لعبت الخصومة- التي بلغت حد استئصال شأفة الأمويين، ونبش قبورهم- دورها في تشويه هذا التاريخ، وطمس معالمه. لقد أدت تلك العوامل مجتمعة، إلى تشويه كثير من جوانب التاريخ السياسي لعصر بني أمية، وتزييف عديد من حقائقه، وتلفيق الشائعات والأباطيل، حول خلفائه وولاته) اهـ. وقال الدكتور محمد السيد الوكيل، في مقدمة كتابه: "الأمويون بين الشرق والغرب" ص (٥- ٦) : ألم تكن الدولة الأموية، نشازا في العالم الإسلامي، كما يدعي بعض المستغربين؟ ولم تكن حدا فاصلا بين نظام الدولة الإسلامية في عهد الخلافة الرشيدة، وبين النظام الذي قامت على أساسه، كما يزعم بعض

стр. 222

المتقولين الذين يروجون لدعوة كاذبة، بأن الدولة الإسلامية لم تكن إلا في عهد الرسول ﷺ ، وخلفائه الراشدين. وإنما كانت دولة إسلامية أصيلة، وإن حدث فيها بعض التجاوزات، التي لا تعيبها حقيقة كدولة، وإنما تؤخذ على بعض الخلفاء الذين حصل منهم هذه التجاوزات. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن هؤلاء المتجاوزين، بشر يقع منهم الخطأ، كما يقع من غيرهم، لارتفع هذا اللوم العنيف الذي يوجه إليهم. نعم، إن كذبة الأمير، بلقاء مشهورة، وخطأه ليس كخطأ العامة، ولكنه ما دام غير معصوم، فالخطأ حاصل لا محالة، والرسول الكريم ﷺ يقرر تلك الحقيقة حين يقول: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطاءين التوابون» [مي (٢٧٢٧) ت (٢٤٩٩) جه (٤٢٥١) كلهم من طريق علي بن مسعدة عن قتادة عن أنس به، وقال الترمذي: " هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة عن قتادة ". على أننا ينبغي أن نعلم أن كثيرا من التهم التي ألصقت بالخلفاء، وبخاصة بني أمية لم تثبت صحتها، وإنما كانت من وضع أعدائهم من الشيعة وغيرهم، فمن المعلوم أن الشيعة هم ألد أعداء بني أمية. وهم مع ما سببوه من المحن لآل البيت رضوان الله عليهم، فكل ما حل بآل البيت من نكبات كان بسببهم، فهم الذين خذلوا عليا كرم الله وجهه في وقت كان في أمس الحاجة إلى عونهم.

стр. 223

وهم الذين دعوا الحسين ﵁ وألحوا في دعوته، ثم تخلوا عنه، وهو في أشد الحاجة إلى وقوفهم معه، وتركوه يتلقى مصيره وحده. والغريب أنهم هم القتلة الحقيقيون لآل البيت، وهم الذين يبكونهم، ويلطمون خدودهم، ويخمشون وجوههم، حسرة وأسفا على ما حل لهم. ولقد بلغ الكذب بهؤلاء الرافضة أن وضعوا الأحاديث كذبا على رسول الله ﷺ ، يزينون بها باطلهم، ويذمون بها أعداءهم، ويؤيدون أهواءهم. ونحن لا نستبعد على هؤلاء الذين يضعون الحديث كذبا على رسول الله ﷺ ، أن يلصقوا بأعدائهم كل نقيصة، ويروجوا عنهم الشائعات التي تدفعهم زورا وبهتانا. وهذه بعض أقوال أئمة الحديث فيهم: سئل الإمام مالك ﵁ عن الرافضة أيؤخذ عنهم الحديث؟ فقال: " لا تكلمهم، ولا ترو عنهم، فإنهم يكذبون ". ثم قال الدكتور الوكيل في ص (٦- ٧) من كتابه السابق: (هؤلاء هم الشيعة، الأعداء الألداء لبني أمية، وهذه هي آراء العلماء من السنة، ومن الشيعة المعتدلين فيهم، فهل يستبعد على من كذب على رسول الله ﷺ ، أن يكذب على بني أمية؟

стр. 224

إن الذين استباحوا لأنفسهم الكذب، لا يتورعون عن إلصاق التهم بغيرهم، ولا يكفون عن تشويه حياة أعدائهم. ولست أريد من وراء ذلك تبرئة خلفاء بني أمية من كل ما نسب إليهم، ولكني أريد توضيح حقائق لا ينبغي أن تخفى على الباحث، وهي أن كثيرا مما وجه للخلفاء من التهم زيف لم يستطع أحد إثباته بطريق يمكن التسليم به) . ثم قال الدكتور الوكيل في ص (٨- ٩) : (إن الدولة الأموية التي فتحت بلاد الهند والسند، حتى وصلت حدود الصين شرقا، وواصلت فتوحاتها في المغرب العربي، بل وجاوزته إلى أوربا، حتى فتحت الأندلس، ووصلت جنوب فرنسا. هذه الدولة، لا يمكن أن تسلم من ألسنة المستشرقين والمستغربين على حد سواء؛ لأن هذه الفتوحات المذهلة أورثت الأعداء حقدا لم يستطيعوا إخفاءه، ولم يقدروا على تجاوزه، بل ظلوا يجترونه قرونا طويلة، حتى واتتهم الفرصة، بإصابة الدولة الإسلامية بالشيخوخة، التي تصيب الأمم دائما من غير تفريق، فانقضوا عليها وهي تحتضر، ليأخذوا منها ثأرهم، وهي على فراش الموت. ومهما قال الحاقدون عن الأمويين، ومهما أثاروا الزوابع والعواصف من حولهم فإن تاريخهم حقبة مشرقة من أحقاب التاريخ الفذ.

стр. 225

وسيرى الدارس لهذه الحقبة ما نشروه من الحضارة، وما خلفوه وراءهم من النظم، وما أنجبوا من القيادات، التي ساقت جيوشهم من نصر إلى نصر، حتى دان لهم أكثر من نصف الأرض المعروفة في تلك الفترة من الزمان. وإذا تركنا الأمويين في الشرق، لنلقي نظرة على دولتهم في الغرب نرى ما لم يخطر لأحد على بال في تلك الفترة. نرى حضارة في العمران، في القصور الرائعة، والمساجد المبهرة. نرى الحدائق في البيوت والميادين. نرى الشوارع المرصوفة، والأسواق العامرة) (١) انتهى المقصود من كلام الدكتور.

стр. 226

[فصل في ذكر شيء من فتوحات الأمويين] فصل في ذكر شيء من فتوحات الأمويين بعد أن تم الصلح بين الحسن بن علي، وبين معاوية بن أبي سفيان ﵃، وبايع الحسن، معاوية - وذلك عام (٤١ هـ) ، فكان لأهل السنة عام الجماعة، وكان لأهل البدعة عام الفرقة - انطلقت جيوش الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، غازية في سبيل الله، ففتحت " سوسة " و" جلولا " و" فزان "، و" قصوركوار" و" خاور" و" غبرامس " و"ميلة " و"تلمسان " في بلاد المغرب الإسلامي، وغيرها. ثم لما وافت المنية خليفة المسلمين، وأمير المؤمنين وخالهم معاوية بن أبي سفيان ﵄، سنة (٦٠ هـ) تولى ابنه يزيد، ومع ما قيل فيه حقا وباطلا إلا أنه كان شجاعا، ذا همة علية، ونفس أبية، تتطلع نفسه للقتال، فاستمر في إعداد الجيوش للجهاد، وإرسال الكتائب تلو الكتائب، ففتح الله للمسلمين في عهده: "المنستير" و"الزاب " و"تيهرت " و"طنجة" وغيرها إلى المحيط الأطلسي. ثم توالت الفتوحات، واستمرت في سائر عهود خلفاء بني أمية، حتى بلغت الفتوحات في عهدهم أقصى حد استطاعه المسلمون تقريبا، حتى أن خلفاء بني العباس لم يستطيعوا زيادة تلك الفتوحات - مع حرصهم على ذلك - زيادة تذكر، بجانب فتوحات الأمويين، فاقتصر

стр. 227

العباسيون على حماية الثغور، والمحافظة على هذه الرقعة العظيمة التي بلغت حدود "الصين " شرقا، و"الأندلس " وجنوب "فرنسا غربا، و"بحر قزوين " شمالا، و" المحيط الهندي " جنوبا. بل ربما لو سلمت دولتهم من ثورات الثائرين هنا وهناك، والدعوات السياسية السرية- بعد استقرار الأمر لبني أمية، بعد وفاة يزيد - التي أشغلتها عن الجهاد والفتوحات، وأضعفت التفاف الناس عليها، لكان قد عم الإسلام الأرض قاطبة. وغالب تلك الثورات كانت ثورات شيعية، لم تظفر من الدولة الأموية بشيء أكثر من إشغالها عن الجهاد والفتوحات، وأعظم به من ظفر، مما يدل على أن وراء الأمر مكيدة. وغالب أولئك الثائرين يطلبون لأنفسهم ما يحرمونه على غيرهم، فيطلبون ملك الأب والجد، ويحرمون على الأمويين توارث الخلافة والحكم، إذ أنه مخالف لحقيقة الخلافة، فحل لهم ما حرم على غيرهم. وإن كان بعض أولئك صالحا، إلا أن أقل أحواله أنه مستدرج. ولست أعني بهذا عليا وابنيه - حاشا لله - وهم أجل من أن يرد عليهم ذلك، وإنما قلته دفعا لما أعلمه من تلبيس الرافضة، وتحريفهم الكلم عن مواضعه.

стр. 228

وخلافة علي خلافة راشدة على منهاج النبوة، وبيعته صحيحة لا مرية فيها ولا ريب، ومن نازعه الأمر خالف وعصى، غير أن من في ذلك من أصحاب رسول الله ﷺ متأول، مجتهد مخطئ. والحسن ﵁ خلافته خلافة نبوة كذلك، فهي تمام الثلاثين، غير أن الأمر لم يستقم له، وما كان صاحب ملك ودنيا، وإنما كان صاحب تقى وزهد وأخرى، فنزل بالخلافة إلى معاوية ﵄. أما الحسين ﵁، فكان يرى أن الخلافة بعد معاوية له، وهو أحق أهل ذلك العصر، وما كان أحد لينازعه، إلا أن معاوية كان قد أخذ البيعة لابنه يزيد، فكان ما كان. وقتل الحسين ﵁ ظلم كبير، وفجور ظاهر، نال به ﵁ الشهادة، ونال قاتله اللعنة والمحادة. وإنما عنيت ما حدث بعدهم، في دولة بني أمية من ثورات، يقف المتأمل من مقاصدها مواقف ريبة، مع حرمتها شرعا، وسذاجتها عقلا. وكما قررنا قريبا أن الإسلام انتشر في تلك البلاد، وانتفع أهلها بالإسلام والمسلمين، إذ تحرروا من عبادة العباد، إلى عبادة رب العباد، ومن ذل الدنيا، إلى عز الآخرة والدنيا. قال الدكتور عبد الشافي بن محمد عبد اللطيف، في كتابه (العالم الإسلامي في العصر الأموي) ص (٥٨٧) : (أما أبرز أمجاد الأمويين الباقية

стр. 229

على الزمن، فهي جهودهم في ميدان الفتوحات الإسلامية، فرغم المصاعب الجمة التي كانت تعترض طريقهم، والقوى العديدة المعادية لهم، والتي كانت تشدهم إلى الوراء، فقد نفذوا برنامجا رائعا للفتوحات، ورفعوا راية الإسلام، ومدوا حدود العالم الإسلامي، من حدود "الصين" في الشرق، إلى " الأندلس "، و"جنوب فرنسا" في الغرب، ومن " بحر قزوين " في الشمال، حتى " المحيط الهندي " في الجنوب. ولم يكن هذا الفتح العظيم، فتحا عسكريا لبسط النفوذ السياسي، واستغلال خيرات الشعوب، كما يدعي بعض أعداء الإسلام، وإنما كان فتحا دينيا وحضاريا، حيث عمل الأمويون بجد واجتهاد على نشر الإسلام في تلك الرقعة الهائلة من الأرض، وطبقوا منهجا سياسيا في معاملة أبناء البلاد المفتوحة، هيأهم لقبول الإسلام دينا، حيث عاملوهم معاملة حسنى في جملتها، واحترموا عهودهم ومواثيقهم معهم، وأشركوهم في إدارة بلدهم، فأقبلوا على اعتناق الإسلام عن اقتناع ورضى. وبذلك تكون في العصر الأموي، عالم إسلامي واحد، على هذه الرقعة الكبيرة من الأرض، أخذ يشق طريقه تدريجيا نحو التشابه والتماثل في العادات والتقاليد والأخلاق، ومعاملات الحياة. وأخذت أممه وشعوبه، تنسلخ من ماضيها كله، وتنصهر في بوتقة الإسلام، الذي حقق لها العزة والكرامة والحرية والمساواة، مكونة الأمة الإسلامية) اهـ.

стр. 230

[فصل في رمي المالكي للحنابلة بالتجسيم والتشبيه ورد ذلك عنهم] فصل في رمي المالكي للحنابلة بالتجسيم والتشبيه، ورد ذلك عنهم قال المالكي ص (١٢٩) تحت عنوان "التجسيم والتشبيه ": (صحح الشيخ عبد المغيث الحربي الحنبلي حديث الاستلقاء، الذي فيه أن الله لما انتهى من الخلق، استلقى ووضع رجلا على رجل، وهذا تشبيه واضح) وعزا المالكي ذلك إلى " سير أعلام النبلاء " للذهبي (٢١ / ١٦٠) . والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا يعاب به الشيخ عبد المغيث لا الحنابلة. ولم يكن- ﵀ من علمائهم الكبار، بل كان قليل العلم، وقد بين قلة علمه، بعض أهل العلم، كابن الجوزي الحنبلي وغيره. الثاني: أن إثبات الاستلقاء - لو صح، أو عند من صححه - لا يلزم منه التشبيه. وإثبات الصفات المجرد، ليس فيه تشبيه، وإن كان جنس الصفة أو الفعل، موجودا في الخالق والمخلوق، والمالك والمملوك. فالله ، حي، سميع، متكلم، ينزل، ويغضب، ويحب، ويرضى، ويكره، وغير ذلك من الصفات والأفعال الثابتة له سبحانه في كتابه الكريم، أو في سنة رسوله ﷺ .

стр. 231

وكذلك المخلوق، حي، سميع، بصير، متكلم، ينزل، ويغضب، ويحب، ويرضى، ويكره، وغير ذلك. وصفات الله وأفعاله سبحانه ليست كصفات خلقه جل وعلا، ولا تشبيه في ذلك. أما إثبات الاستلقاء، فالعمدة فيه صحة الحديث أو ضعفه، فإن صح، فليس لنا إلا التسليم. وإن كان الراجح ضعفه، إلا أن من صححه لم يكن مشبها، ومن ضعفه لم يكن معطلا. الثالث: أن نص حديث الاستلقاء الذي ذكره المالكي، ليس مذكورا في مصدر المالكي الذي أحال عليه، والذي في مصدره- " سير أعلام النبلاء "-: أنه صحح حديث الاستلقاء فحسب. فهذه الزيادة من المالكي، ولم ينبه عليها، وليست مستنكرة من مثله.

стр. 232

[فصل في إقحام المالكي للأهوازي في الحنابلة وتحميلهم أخطاءه وبيان أنه لم يكن حنبليا قط] فصل في إقحام المالكي، للأهوازي في الحنابلة وتحميلهم أخطاءه، وبيان أنه لم يكن حنبليا قط ولم يذكره أحذ في الحنابلة، وإبطال مزاعمه قال المالكي ص (١٢٩) : (أما الأهوازي- الحسن بن علي بن إبراهيم، وهو من غلاة أهل السنة، وغلاة أهل السنة حنابلة- الحنبلي، فقد ألف كتابا طويلا في الصفات، أورد فيه أحاديث باطلة، منها حديث عرق الخيل الذي نصه: " إن الله لما أراد أن يخلق نفسه، خلق الخيل فأجراها حتى عرقت، ثم خلق نفسه من ذلك العرق". تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) اهـ. والجواب من وجوه ثلاثة: أحدها: أن الأهوازي لم يكن، وما كان، ولن يكون: حنبليا قط، فلم أقحمه هذا المخذول فيهم؟! وحملهم أخطاءه؟! الثاني: أن الحديث المذكور، حديثا باطل، لم يصححه أحذ من الحنابلة قط. الثالث: أن رواية حديث "عرق الخيل " - مع بطلانه-: لا يدل على قول الأهوازي به، أو تصحيحه له، أو الأخذ به، لا هو ولا غيره ممن رواه، أو روى أمثاله.

стр. 233

وكان الأئمة- ﵏ ربما رووا أحاديث في أسانيدها شيء في كتب " الأسماء والصفات " وغيرها، ليس للأخذ بها، بل للوقوف على أسانيدها، ومعرفة حالها، وعللها.

стр. 234

[فصل في رميه مرويات شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري الهروي بأنها أحاديث باطلة] فصل في رميه مرويات شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري الهروي ﵀، في كتابه "الصفات ": بأنها أحاديث باطلة، وإبطال زعمه قال المالكي ص (١٢٩- ١٣٠) : (وألف الهروي الحنبلي كتابا في الصفات، حشره بأحاديث باطلة من هذا الجنس) ثم عزا المالكي ذلك إلى الذهبي في " سير أعلام النبلاء " (٥٠٨ / ١٨) . والجواب من وجوه ثلاثة: أحدها: تقدم قريبا، وأن رواية أمثال تلك الأحاديث، لا يلزم منه القول بجميعها. الثاني: مطالبة المالكي بدليل صحة مزاعمه، أو سبيل معرفته، فإن كتاب شيخ الإسلام الأنصاري غير مطبوع، ولم يوقف له على نسخة خطية بعد. فإن قال: كان اعتمادي على الذهبي في " السير " (١٨ / ٥٠٩) ، كما عزا. قلنا: لا تدل عبارة الحافظ الذهبي على ذلك، وهذا نص عبارته ﵀، قال: (وقد كان هذا الرجل، سيفا مسلولا على المتكلمين، له صولة وهيبة، واستيلاء على النفوس ببلده، يعظمونه ويتغالون فيه،

стр. 235

ويبذلون أرواحهم فيما يأمر به. كان عندهم أطوع وأرفع من السلطان بكثير، وكان طودا راسيا في السنة، لا يتزلزل ولا يلين، لولا ما كدر كتابه " الفارق في الصفات " بذكر أحاديث باطلة، يجب بيانها وهتكها، والله يغفر له بحسن قصده) اهـ. الثالث: أن الذهبي نفسه، قد أثنى على الكتاب بعد عبارته السابقة، فقال في " السير " (١٨ / ٥١٤) : (غالب ما رواه في كتاب " الفارق ": صحاح وحسان) اهـ. فلماذا أغفل المالكي كلام الذهبي، وهو في صلب موضوعه؟!

стр. 236

[فصل في جعل المالكي لفظ الحد في كلام بعض أئمة السلف من الغرائب في الاعتقاد لعدم فهمه المراد منه] فصل في جعل المالكي لفظ "الحد" في كلام بعض أئمة السلف، من الغرائب في الاعتقاد، لعدم فهمه المراد منه، وبيان معناه وصحته قال المالكي ص (١٣١) : (وقال محمد بن إبراهيم القيسي الحنبلي: " قلت لأحمد بن حنبل: يحكى عن ابن المبارك أنه قيل له: كيف يعرف ربنا ؟ قال: في السماء السابعة، على عرشه بحد، أو يحد. فقال أحمد: هكذا هو عندنا ". أقول: الرواية منقطعة عن ابن المبارك، ولو صحت عنه، لما كانت حجة، فلم يرد لفظ الحد في الكتاب، ولا في السنة الصحيحة، فلماذا اللجاجة في هذه الغرائب؟!) اهـ كلام المالكي. والجواب من وجهين: أحدهما: أن قول ابن المبارك هذا: صحيح، ثابت عنه، رواه جماعات بأسانيد صحيحة، في غير كتاب، وقد صححه الذهبي في كتابه " العلو ". بل صنف الإمام محمود بن أبي القاسم بن بدران الدشتي (ت ٦٦٥ هـ) جزءا في ذلك سماه " إثبات الحد لله تعالى "، ساق فيه ما ورد في الباب، من أحاديث وآثار، ومنها أثر ابن المبارك رحمه الله

стр. 237

السابق من طرق صحيحة عدة. الثاني: أنه ليس في قول عبد الله بن المبارك ﵀ ما ينكر، وما أنكره المالكي إلا لجهله وفساد فهمه، فإن معنى الحد الذي أراده ابن المبارك، هو العلو، ومباينة الله تعالى لخلقه، فالله جل وعلا، كما هو مستقر عند أئمة الإسلام، عال على خلقه، بائن منهم، غير ممازج لهم. وهذا المراد بالحد. فإذا عرفت ذلك: علمت أنه قد دل عليه الكتاب، والسنة الصحيحة بل المتواترة، وآثار السلف، وإجماعهم.

стр. 238

[فصل في إنكار المالكي عظيم ما شرف الله به نبيه ﷺ ] فصل في إنكار المالكي عظيم ما شرف الله به نبيه ﷺ ، من إقعاده على العرش، وطعنه في الحنابلة لإثباتهم ذلك، والرد عليه قال المالكي ص (١٣١) : (ورووا- يعني بهم الحنابلة - أن المقام المحمود للنبي هو قعوده صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع ربه على العرش. واعتبروا من رد هذا الأثر الضعيف، جهميا أو زنديقا، وأنه لا يؤمن بيوم الحساب. أقول: انظروا إلى الأحكام الجائرة، فكلما كانت القصة، أو الأثر مكذوبا، كلما زاد إنكارهم على من أنكره، وحكموا عليه بالزندقة والكفر، وكأن الشدة، تعويض لضعف الحجة) اهـ كلام المالكي. والجواب: أن كلامه هذا، قد اشتمل على عدة كذبات: إحداهن: أن راوي هذا الأثر ليس بحنبلي، وإنما قائله الإمام التابعي الكبير، مجاهد بن جبر (ت ١٠٢ هـ) ، تلميذ ابن عباس ﵄، ولم يكن- ﵀ حنبليا. وقد رواه عنه الأئمة في كتبهم، منهم: الحافظ الكبير، شيخ المفسرين وإمامهم: محمد بن جرير بن يزيد

стр. 239

الطبري (ت ٣١٥ هـ) في "تفسيره "، وليس حنبليا أيضا، بل قال ﵀ بعد روايته له: (ليس في فرق الإسلام من ينكر هذا) اهـ. وقال الحافظ الذهبي، في كتابه "العلو" ص (١٩٤) : (وقد ذكرنا احتفال الإمام أبي بكر المروذي في هذا العصر، لقول مجاهد: "إن الله تعالى يقعد محمدا ﷺ على العرش" وغضب العلماء لإنكار هذه المنقبة العظيمة، التي انفرد بها سيد البشر. ويبعد أن يقول مجاهد ذلك إلا بتوقيف، فإنه قال: "قرأت القرآن من أوله إلى آخره ثلاث مرات على ابن عباس ﵄، أقفه عند كل آية أسأله ". فمجاهد أجل المفسرين في زمانه، وأجل المقرئين، تلا عليه ابن كثير، وأبو عمرو، وابن محيصن. فممن قال " إن خبر مجاهد يسلم به، ولا يعارض ":. عباس بن محمد الدوري الحافظ (ت ٢٧١ هـ) . . ويحيى بن أبي طالب المحدث (ت ٢٧٥ هـ) . . ومحمد بن إسماعيل السلمي الترمذي الحافظ (ت ٢٨٠ هـ) . . وأبو جعفر محمد بن عبد الملك الدقيقي (ت ٢٦٦ هـ) . . وأبو داوود سليمان بن الأشعث السجستاني، صاحب "السنن " (ت ٢٧٥ هـ) . . وإمام وقته، إبراهيم بن إسحاق الحربي (ت ٢٨٥ هـ) .

стр. 240

والحافظ أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي (ت ٢٧٦ هـ) . . وحمدان بن علي الوراق الحافظ (ت ٢٧٢هـ) . وخلق سواهم من علماء السنة ممن أعرفهم، وممن لا أعرفهم، ولكن ثبت في الصحاح أن المقام المحمود هو الشفاعة العامة، الخاصة بنبينا ﷺ اهـ كلام الذهبي. وأثبتها أيضا أئمة كثير، غير من سمى الذهبي هنا، منهم:. محمد بن مصعب العابد شيخ بغداد. . والإمام الحجة الحافظ أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني (ت ٢٤١ هـ) ، إمام أهل السنة قاطبة. . وعبد الله بن أحمد بن حنبل الحافظ (ت ٢٩٠ هـ) . . ومحمد بن جرير الطبري شيخ المفسرين (ت ٣١٠ هـ) ، وسبق ذكر قوله، بل حكايته الإجماع على ذلك. . ومحمد بن علي السراج. . وأبو بكر أحمد بن سلمان بن الحسن النجاد الحافظ شيخ العراق (ت ٢٤٨ هـ) . . والحافظ يحيى بن محمد بن صاعد (ت ٣١٨ هـ) . . وأبو الحسن علي بن عمر الدارقطني، الحافظ الكبير (ت ٣٤٨ هـ) ، ونظم في ذلك أبياتا مشهورة، قال فيها:

стр. 241

حديث الشفاعة في أحمد ... إلى أحمد المصطفى نسنده وأما حديث بإقعاده ... على العرش أيضا فلا نجحده أمروا الحديث على وجهه ... ولا تدخلوا فيه ما يفسده ولا تنكروا أنه قاعد ... ولا تنكروا أنه يقعده وغيرهم كثير كما قال الذهبي، مع سعة اطلاعه على الرجال، وأحوالهم، وأقوالهم ﵏. وسبق أن ذكرنا حكاية ابن جرير الطبري الإجماع على القول بذلك. قال العلامة الإمام أبو عبد الله ابن قيم الجوزية في "نونيته ": واذكر كلام مجاهد في قوله ... (أقم الصلاة) وتلك في (سبحان) في ذكر تفسيرالمقام لأحمد ... ما قيل ذا بالرأي والحسبان إن كان تجسيما فإن مجاهدا ... هو شيخهم بل شيخه الفوقاني ولقد أتى ذكر الجلوس به وفي ... أثر رواه- جعفر الرباني أعني ابن عم نبينا وبغيره ... أيضا أتى والحق ذو تبيان والدارقطني الإمام يثبت ال ... آثار في ذا الباب غير جبان وله قصيد ضمنت هذا وفي ... ها لست للمروي ذا نكران وجرت لذلك فتنة في وقته ... من فرقة التعطيل والعدوان وقال ابن القيم في موضع آخر منها، حاكيا قول خصمه له:

стр. 242

وزعمت أن محمدا يوم اللقا ... يدنيه رب العرش بالرضوان حتى يرى المختار حقا قاعدا ... معه على العرش الرفيع الشان وكان شيخنا الكبير العلامة، إسماعيل بن محمد بن ماحي الأنصاري (ت ١٤١٧ هـ) ﵀، يستدل بأبيات الدارقطني ويذكرها، ويحتج لها، وبها، إذا عرضت هذه المسألة. فهذا اعتقاد أئمة الإسلام، وقولهم في هذا الأثر، الذي رواه مجاهد ﵀، وغالب من ذكر ليس بحنبلي. أما كذبة المالكي الثانية: فزعمه أن هذا الأثر مكذوب!! واحتجاج من ذكرنا به- وهم صيارفة الحديث، ونقاده وحفاظه- يغني عن غيره.

стр. 243

[فصل في زعم المالكي أن معتقدات رواة الحديث سبب في توثيق الأئمة لهم، أو تجريحهم] فصل في زعم المالكي أن معتقدات رواة الحديث سبب في توثيق الأئمة لهم، أو تجريحهم، لذا يجب الحذر من توثيقهم وتجريحهم، فربما وثقوا لأجلها ضعيفا، أو ضعفوا ثقة وإبطال زعمه، والرد عليه قال المالكي ص (١٣٢) تحت فقرة "تأثير العقيدة على الجرح والتعديل ": (ولعل أبرز آثار العقيدة على الجرح والتعديل عند الحنابلة: تضعيف ثقات المخالفين، وتوثيق ضعفاء الموافقين، ومن ذلك: . تضعيف ثقات الشيعة، وخاصة فيما يروونه في فضائل علي. . تضعيف سائر المخالفين من العلماء، كعلماء المرجئة، والقدرية، والمعتزلة. . تضعيف القائلين بخلق القران، أو المتوقفين. . تضعيف من يتوهمون فيه أدنى مخالفة، حتى وصل تضعيفهم للبخاري، ومسلم، والكرابيسي، وأبي حنيفة إلخ. . تضعيف الكبار من أئمة الأشاعرة، كالبيهقي، يضعفه من الحنابلة المعاصرين: الشيخ صالح الفوزان، ويزعم أنه لا يوثق بنقله في العقيدة، وهذا ما لم يسبق إليه الشيخ، وإلى الآن لا أدري كيف تجرأ على هذا القول؟!) اهـ كلام المالكي.

стр. 244

والجواب من وجوه: أحدها: أن كلام المالكي هنا، محض كذب وافتراء، فما ضعف الحنابلة خاصة، وأهل السنة عامة، ثقة وردوا حديثه لأجل اعتقاده، لذا لم يستطع المالكي إيراد مثال صحيح واحد فحسب، ولا أدل على كذبه وضعف حجته من هذا. وقد كان أئمة السلف، وكبار علماء الإسلام، من التابعين ومن بعدهم: ربما ردوا حديث راو لبدعته، فلا يروونه عنه، لئلا يظهر ويقصد، فتعم فتنة المسلمين به، ويجد سبيلا إلى نشر ضلاله. أما أن يكذبوه، أو يضعفوه لأجل ذلك وهو ثقة، فكلا وحاشا. وأنا أبين كذب المالكي على الحنابلة، وأسوق لذلك عشرين مثالا، لرجال من أهل البدع، من الرافضة، والناصبة، والقدرية، والمعتزلة، والمرجئة: قد وثقهم الإمام أحمد بن حنبل، مع علمه ببدعهم، بل واشتهارهم بها، منهم: ١ -. إبراهيم بن طهمان الخراساني (ع) : وثقهم الإمام أحمد، وكان مرجئا. "تهذيب الكمال " (٢ / ١٠٨) ، "بحر الدم " (٢٨) . ٢ -. تليد بن سليمان المحاربي: وثقه الإمام أحمد وقال: " كان مذهبه التشيع " اهـ، قلت: كان رافضيا، يطعن في عثمان ﵁. ٣ -. ثور بن يزيد الكلاعي: قال فيه أحمد: " ثور بن يزيد ثقة، إلا أنه كان يرى القدر" اهـ. "بحر الدم " (١٣٩) .

стр. 245

٤ -. الحسن بن صالح بن حي (بخ م ٤) : قال فيه الإمام أحمد: " الحسن بن صالح، صحيح الرواية متفقة، صائن لنفسه في الحديث والورع ". وقال مرة: "ثقة، إلا أن مذهبه ذاك ". "تهذيب الكمال " (٦ / ١٧٧) ، " بحر الدم " (١٩٤) . قلت: أراد أحمد أنه يرى السيف، ويترك الجمعة والجهاد خلف أئمة الجور. ٥ -. حماد بن أبي سليمان (بخ م ٤) : شيخ أبي حنيفة، وأول من تكلم في الرأي، كان مرجئا مشهورا بذلك، ومع ذلك وثقه أحمد وذكر عنه ما ذكرته عنه. "تهذيب الكمال " (٧ / ٢٦٩) ، "بحر الدم " (٢٢٨) . ٦ -. سعيد بن أبي عروبة (ع) : وثقه أحمد، وذكر أنه يقول بالقدر ويكتمه. "تهذيب الكمال " (١١ / ٥) ، "بحر الدم " (٤٦٥) . ٧ -. سليمان بن قرم بن معاذ الضبي (خت م د ت س) : وثقه أحمد وقال: " ما أرى به بأسا، لكنه يفرط في التشيع ". "تهذيب الكمال " (١٢ / ٥١) ، "بحر الدم " (٣٩٨) . ٨ -. قتادة بن دعامة السدوسي (ع) : ذكره أحمد فأطراه كثيرا، وذكر من فضله وعلمه، وقال: "كان قتادة أحفظ أهل البصرة"، وقد ذكر أحمد في موضع آخر: أن قتادة يقول بالقدر ويكتمه. " بحر الدم " (٣٦٥) و (٨٤٦) .

стр. 246

٩ -. عبد الله بن شقيق العقيلي (بخ م ٤) : قال أحمد فيه: " ثقة، وكان يحمل على علي ﵁ لما. " تهذيب الكمال" (١٥ / ٨٩) ، "بحر الدم " (٥٣٤) . ١٠ -. عبد الله بن أبي نجيح يسار (ع) : وثقه أحمد، وكان قدريا، جالس عمرو بن عبيد فأفسده. "تهذيب الكمال " (١٦ / ٢١٥) ، و"بحر الدم " (٥٦٧) . ١١ -. عبد العزيز بن أبي رواد (م ٤) : قال فيه أحمد: "رجل صالح، وكان مرجئا". "تهذيب الكمال " (١٨ / ١٣٦) ، "بحر الدم " (٦٣٤) . ١٢ -. عبد الجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد (م ٤) : قال فيه أحمد: "ثقة، تعلق في الإرجاء". "تهذيب الكمال " (١٨ / ٢٧٣) ، "بحر الدم " (٦٤٤) . قلت: كان غاليا في الإرجاء، داعيا إليه. ١٣ -. عثمان بن غياث الراسي (خ م دس) : قال فيه أحمد: "ثقة، كان يرى الإرجاء". " تهذيب الكمال " (١٩ / ٤٧٣) ، "بحر الدم " (٦٧٦) . ١٤ -. علقمة بن مرثد الحضرمي (ع) : قال فيه أحمد: "كان يتهم بالإرجاء، وكان ثقة في حديثه ضابطا". "تهذيب الكمال " (٢٠ / ٣٥٨) ، "بحر الدم " (٧٠٥) . ١٥ -. علي بن بذيمة الحراني (ع) : قال فيه أحمد: "صالح الحديث، لكنه رأس في التشيع ". "تهذيب الكمال " (٢٠ / ٣٢٨) ، " بحر الدم " (٧٠٨) .

стр. 247

١٦ -. الربيع بن صبيح السعدي (خت ت ق) : قال فيه أحمد: "هو في بدنه رجل صالح، وليس عنده حديث يحتاج إليه فيه " . وقال مرة: "ليس به بأس " وذكر أنه كان معتزليا. "تهذيب الكمال " (٩ / ٨٩) ، "بحر الدم " (٢٩٣) . ١٧ -. سالم بن أبي حفصة العجلي (بخ ت) : قال فيه أحمد: "ليس به بأس، إلا أنه كان شيعيا". "تهذيب الكمال " (١٠ / ١٣٣) ، " بحرالدم " (٣٣٤) . ١٨ -. علي بن المبارك الهنائي (ع) : وثقه أحمد، وكان قدريا، ولما قيل لأحمد في ذلك قال: "قد كان يرمى بالتشيع ". "تهذيب الكمال " (٢١ / ١١١) ، " بحر الدم " (٧٢٢) . ١٩ -. عمرو بن الهيثم بن قطن (بخ م ٤) : وثقه أحمد، وكان قدريا، ولما قيل لأحمد في ذلك قال: " نحن نحدث عن القدرية، ولو فتشت أهل البصرة، وجدت ثلثهم قدرية". "تهذيب الكمال " (٢٢ / ٢٨٠) ، "بحر الدم " (٧٨٥) . ٢٠ -. فطر بن خليفة (خ ٤) : وثقه أحمد، وقال فيه: "صالح الحديث، خشبي مفرط ". "تهذيب الكمال " (٢٣ / ٣١٢) ، " بحر الدم " (٨٣٤) . قلت: كان شيعيا. ٢١ -. الوضين بن عطاء (د عس ق) : وثقه الإمام أحمد، وقال مرة: "ليس به بأس، وكان يرى القدر".

стр. 248

[فصل ولم يكن الإمام أحمد ولا أئمة السلف جميعا يحابون في دين الله أحدا] فصل ولم يكن الإمام أحمد، ولا أئمة السلف جميعا، يحابون في دين الله أحدا، وافقهم أم خالفهم، وقد كان:. رواد بن الجراح (ق) : صاحب سنة، إلا أن ذلك لم يمنع أحمد من بيان حاله، فقال فيه: "لا بأس به، صاحب سنة، إلا أنه حدث عن سفيان أحاديث مناكير". "تهذيب الكمال " (٩ / ٢٢٧) ، "بحر الدم " (٣٠٤) . . ونوح بن أبي مريم، أبو عصمة المروذي (ت فق) : مثله كذلك، قال فيه الإمام أحمد: "كان أبو عصمة يروي أحاديث مناكير، ولم يكن في الحديث بذاك، وكان شديدا على الجهمية يرد عليهم، تعلم منه نعيم بن حماد الرد على الجهمية". "تهذيب الكمال " (٣٠ / ٥٦) ، "بحر الدم " (١٠٨٥) . . وكذلك حماد بن سلمة (خت م ٤) : كان إماما في السنة، شديد التمسك بها، منافرا لأهل الباع، ولما سأل محمد بن يحيى النيسابوري الإمام أحمد عنه قال فيه: "إن حماد بن سلمة يخطئ" قال النيسابوري: (وأومأ بيده خطأ كثيرا، ولم ير بالرواية عنه بأسا) . "بحر الدم " (٢٢٧) . فبما سبق، يظهر جليا كذب المالكي، فيما ادعاه. الوجه الثاني: أن زعم المالكي أن الحنابلة قد ضعفوا البخاري، ومسلما كذب أيضا، بل هما عندهم إمامان كبيران جليلان حافظان،

стр. 249

كتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله . بل يحكون الإجماع على ذلك، وينافرون وينابذون من تكلم فيهما. وأنا أتحدى المالكي، أن يسمي لي حنبليا واحدا فقط، قد ضعف البخاري أو مسلما رحمهما الله. وإنما من يشكك فيهما هو وأمثاله من أهل البدع، وقد دعا المالكي الناس إلى مراجعة " صحيح البخاري "، وإعادة دراسته، ودراسة أسانيده. وله كلام قبيح في " صحيح البخاري " أيضا، تفوه به لما استضافته القنوات الفضائية، لا يحضرني نصه، أما معناه فقد قدمته. الوجه الثالث: أما تضعيف الحنابلة للكرابيسي، وأبي حنيفة فأمر آخر، فقد ضعفهما في الحديث، أئمة هذا الشأن، قبل أن يخلق أحمد. الوجه الرابع: وأما زعمه أن الحنابلة يضعفون البيهقي: فحاشا وكلا، وهو من كبار حفاظ الحديث، ولم يتكلم في حفظه أحد منهم، بل هو محفوظ بما حفظ. وما نسبه هذا الكذوب إلى شيخنا الشيخ العلامة المحقق الدكتور صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان حفظه الله ونفع بعلومه، من تضعيفه للبيهقي، وعدم وثوقه بنقله، فكذب صريح أيضا.

стр. 250

وإنما الشيخ صالح الفوزان، وأهل السنة جميعا، يعيبون على البيهقي ﵀ قوله لا نقله، فيعيبون ما يذكره من تأويل عقب بعض أحاديث الصفات التي يرويها، وإلا فهم مغتبطون بكتب البيهقي ﵀ ومصنفاته، ومعتدون بمروياته وآرائه وأقواله، ما لم تكن مخالفة للصواب. وقد كان عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأبو هريرة من حفاظ الصحابة بلا ريب، ومع ذلك رد أهل العلم بعض آرائهم في مروياتهم، وقالوا: "يؤخذ بروايتهم، ولا يؤخذ برأيهم ". فهذا فيهم ﵃، وهم حفاظ، صحابة، وفي مخالفاتهم الفرعية، فكيف بغيرهم ومخالفاته أصولية؟! وقد سألت شيخنا صالحا الفوزان، عما نسبه إليه المالكي في تضعيف البيهقي: فأنكره، وكذبه، وقال: " البيهقي ﵀ -من أئمة الإسلام، وحفاظ الحديث الثقات الكبار. وإنما أعيب عليه تأويله للصفات، وقد عابه عليه أهل السنة قبلي "اهـ. وهنا تناقضان ظاهران للمالكي، وتناقضاته كثيرة: أحدهما: إن كان الحنابلة يضعفون البيهقي ﵀ كما ذكر المالكي، فكيف يكون الشيخ صالح الفوزان المعاصر، وما زال حيا- أطال الله في عمره، ومتعنا به ممتعا بصحته وعافيته- أول من ضعفه- كما
следующие страницы →