← Акыда

Акыда · id 30885

قمع الدجاجلة الطاعنين في معتقد أئمة الإسلام الحنابلة

عبد العزيز بن فيصل الراجحي

Полный текст (487 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

٩ -. عبد الله بن شقيق العقيلي (بخ م ٤) : قال أحمد فيه: " ثقة، وكان يحمل على علي ﵁ لما. " تهذيب الكمال" (١٥ / ٨٩) ، "بحر الدم " (٥٣٤) . ١٠ -. عبد الله بن أبي نجيح يسار (ع) : وثقه أحمد، وكان قدريا، جالس عمرو بن عبيد فأفسده. "تهذيب الكمال " (١٦ / ٢١٥) ، و"بحر الدم " (٥٦٧) . ١١ -. عبد العزيز بن أبي رواد (م ٤) : قال فيه أحمد: "رجل صالح، وكان مرجئا". "تهذيب الكمال " (١٨ / ١٣٦) ، "بحر الدم " (٦٣٤) . ١٢ -. عبد الجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد (م ٤) : قال فيه أحمد: "ثقة، تعلق في الإرجاء". "تهذيب الكمال " (١٨ / ٢٧٣) ، "بحر الدم " (٦٤٤) . قلت: كان غاليا في الإرجاء، داعيا إليه. ١٣ -. عثمان بن غياث الراسي (خ م دس) : قال فيه أحمد: "ثقة، كان يرى الإرجاء". " تهذيب الكمال " (١٩ / ٤٧٣) ، "بحر الدم " (٦٧٦) . ١٤ -. علقمة بن مرثد الحضرمي (ع) : قال فيه أحمد: "كان يتهم بالإرجاء، وكان ثقة في حديثه ضابطا". "تهذيب الكمال " (٢٠ / ٣٥٨) ، "بحر الدم " (٧٠٥) . ١٥ -. علي بن بذيمة الحراني (ع) : قال فيه أحمد: "صالح الحديث، لكنه رأس في التشيع ". "تهذيب الكمال " (٢٠ / ٣٢٨) ، " بحر الدم " (٧٠٨) .

стр. 247

١٦ -. الربيع بن صبيح السعدي (خت ت ق) : قال فيه أحمد: "هو في بدنه رجل صالح، وليس عنده حديث يحتاج إليه فيه " . وقال مرة: "ليس به بأس " وذكر أنه كان معتزليا. "تهذيب الكمال " (٩ / ٨٩) ، "بحر الدم " (٢٩٣) . ١٧ -. سالم بن أبي حفصة العجلي (بخ ت) : قال فيه أحمد: "ليس به بأس، إلا أنه كان شيعيا". "تهذيب الكمال " (١٠ / ١٣٣) ، " بحرالدم " (٣٣٤) . ١٨ -. علي بن المبارك الهنائي (ع) : وثقه أحمد، وكان قدريا، ولما قيل لأحمد في ذلك قال: "قد كان يرمى بالتشيع ". "تهذيب الكمال " (٢١ / ١١١) ، " بحر الدم " (٧٢٢) . ١٩ -. عمرو بن الهيثم بن قطن (بخ م ٤) : وثقه أحمد، وكان قدريا، ولما قيل لأحمد في ذلك قال: " نحن نحدث عن القدرية، ولو فتشت أهل البصرة، وجدت ثلثهم قدرية". "تهذيب الكمال " (٢٢ / ٢٨٠) ، "بحر الدم " (٧٨٥) . ٢٠ -. فطر بن خليفة (خ ٤) : وثقه أحمد، وقال فيه: "صالح الحديث، خشبي مفرط ". "تهذيب الكمال " (٢٣ / ٣١٢) ، " بحر الدم " (٨٣٤) . قلت: كان شيعيا. ٢١ -. الوضين بن عطاء (د عس ق) : وثقه الإمام أحمد، وقال مرة: "ليس به بأس، وكان يرى القدر".

стр. 248

[فصل ولم يكن الإمام أحمد ولا أئمة السلف جميعا يحابون في دين الله أحدا] فصل ولم يكن الإمام أحمد، ولا أئمة السلف جميعا، يحابون في دين الله أحدا، وافقهم أم خالفهم، وقد كان:. رواد بن الجراح (ق) : صاحب سنة، إلا أن ذلك لم يمنع أحمد من بيان حاله، فقال فيه: "لا بأس به، صاحب سنة، إلا أنه حدث عن سفيان أحاديث مناكير". "تهذيب الكمال " (٩ / ٢٢٧) ، "بحر الدم " (٣٠٤) . . ونوح بن أبي مريم، أبو عصمة المروذي (ت فق) : مثله كذلك، قال فيه الإمام أحمد: "كان أبو عصمة يروي أحاديث مناكير، ولم يكن في الحديث بذاك، وكان شديدا على الجهمية يرد عليهم، تعلم منه نعيم بن حماد الرد على الجهمية". "تهذيب الكمال " (٣٠ / ٥٦) ، "بحر الدم " (١٠٨٥) . . وكذلك حماد بن سلمة (خت م ٤) : كان إماما في السنة، شديد التمسك بها، منافرا لأهل الباع، ولما سأل محمد بن يحيى النيسابوري الإمام أحمد عنه قال فيه: "إن حماد بن سلمة يخطئ" قال النيسابوري: (وأومأ بيده خطأ كثيرا، ولم ير بالرواية عنه بأسا) . "بحر الدم " (٢٢٧) . فبما سبق، يظهر جليا كذب المالكي، فيما ادعاه. الوجه الثاني: أن زعم المالكي أن الحنابلة قد ضعفوا البخاري، ومسلما كذب أيضا، بل هما عندهم إمامان كبيران جليلان حافظان،

стр. 249

كتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله . بل يحكون الإجماع على ذلك، وينافرون وينابذون من تكلم فيهما. وأنا أتحدى المالكي، أن يسمي لي حنبليا واحدا فقط، قد ضعف البخاري أو مسلما رحمهما الله. وإنما من يشكك فيهما هو وأمثاله من أهل البدع، وقد دعا المالكي الناس إلى مراجعة " صحيح البخاري "، وإعادة دراسته، ودراسة أسانيده. وله كلام قبيح في " صحيح البخاري " أيضا، تفوه به لما استضافته القنوات الفضائية، لا يحضرني نصه، أما معناه فقد قدمته. الوجه الثالث: أما تضعيف الحنابلة للكرابيسي، وأبي حنيفة فأمر آخر، فقد ضعفهما في الحديث، أئمة هذا الشأن، قبل أن يخلق أحمد. الوجه الرابع: وأما زعمه أن الحنابلة يضعفون البيهقي: فحاشا وكلا، وهو من كبار حفاظ الحديث، ولم يتكلم في حفظه أحد منهم، بل هو محفوظ بما حفظ. وما نسبه هذا الكذوب إلى شيخنا الشيخ العلامة المحقق الدكتور صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان حفظه الله ونفع بعلومه، من تضعيفه للبيهقي، وعدم وثوقه بنقله، فكذب صريح أيضا.

стр. 250

وإنما الشيخ صالح الفوزان، وأهل السنة جميعا، يعيبون على البيهقي ﵀ قوله لا نقله، فيعيبون ما يذكره من تأويل عقب بعض أحاديث الصفات التي يرويها، وإلا فهم مغتبطون بكتب البيهقي ﵀ ومصنفاته، ومعتدون بمروياته وآرائه وأقواله، ما لم تكن مخالفة للصواب. وقد كان عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأبو هريرة من حفاظ الصحابة بلا ريب، ومع ذلك رد أهل العلم بعض آرائهم في مروياتهم، وقالوا: "يؤخذ بروايتهم، ولا يؤخذ برأيهم ". فهذا فيهم ﵃، وهم حفاظ، صحابة، وفي مخالفاتهم الفرعية، فكيف بغيرهم ومخالفاته أصولية؟! وقد سألت شيخنا صالحا الفوزان، عما نسبه إليه المالكي في تضعيف البيهقي: فأنكره، وكذبه، وقال: " البيهقي ﵀ -من أئمة الإسلام، وحفاظ الحديث الثقات الكبار. وإنما أعيب عليه تأويله للصفات، وقد عابه عليه أهل السنة قبلي "اهـ. وهنا تناقضان ظاهران للمالكي، وتناقضاته كثيرة: أحدهما: إن كان الحنابلة يضعفون البيهقي ﵀ كما ذكر المالكي، فكيف يكون الشيخ صالح الفوزان المعاصر، وما زال حيا- أطال الله في عمره، ومتعنا به ممتعا بصحته وعافيته- أول من ضعفه- كما

стр. 251

زعم سابقا- ولم يسبق إلى ذلك؟! فهل الحنابلة الذين يعنيهم المالكي، أتوا بعد الفوزان؟ ! الثاني: أن غيرته على البيهقي ﵀ غيرة كاذبة، فكيف ينكر تضعيفه، وهو يكذب جماعة غيره كلهم من أئمة الدين، ويشكك في نقلهم: كعبد الله بن الإمام أحمد، وأبي بكر المروذي، وابن أبي يعلى، وابن بطة، والبربهاري، وغيرهم؟!! بل كيف ينكر الكذب ويستعظمه، وما بنى كتابه هذا إلا عليه؟!

стр. 252

[فصل في رميه الحنابلة بأن فيهم ضعفاء ووضاعين أحق بالتجريح من غيرهم] فصل في رميه الحنابلة بأن فيهم ضعفاء ووضاعين، أحق بالتجريح من غيرهم، وإبطال زعمه، والرد عليه قال المالكي ص (١٣٢-١٣٣) : (مع المضعفين لهؤلاء من الحنابلة من حيث الجملة أضعف في الرواية من خصومهم. بل إن بعض أئمتهم كانوا يضعون الأحاديث، ويغيرون في الأسانيد والمتون لخدمة المذهب، كما كان يفعل ابن بطة الحنبلي، وهو من كبار علماء الحنابلة في العقيدة، قال ابن حجر: " وقفت لابن بطة على أمر استعظمته، واقشعر جلدي ". ثم ذكر أثرا موضوعا عن ابن مسعود وهو أثر تكليم الله لموسى، وعليه جبة صوف، وعمامة (١) صوف. ثم ذكر ما يدل على أن ابن بطة، غير في أسماء رجال القصة، حتى يكون إسنادها صحيحا. وكان كثير من الحنابلة يكذبون على أحمد بن حنبل، ويسيئون لمنهجه وسمعته، ولذلك قال أحد العلماء: إمامان جليلان، ابتليا بأصحاب سوء، جعفر الصادق، وأحمد بن حنبل) اهـ كلام المالكي.

стр. 253

والجواب من وجوه أربعة: أحدها: أن الحديث الذي عابه المالكي على الإمام ابن بطة ﵀ (ت ٣٨٧ هـ) ، واتهمه بوضعه، وتغيير إسناده ليظهر صحته حديث قد رواه مع ابن بطة جماعة من الحفاظ والعلماء غيره. فقد رواه ابن بطة: عن إسماعيل بن محمد الصفار، عن الحسن بن عرفة، عن خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «كلم الله تعالى موسى يوم كلمه، وعليه جبة صوف، وكساء صوف» الحديث. وقد رواه البيهقي في " الأسماء والصفات " (ص ٢٥٢) عن جماعة من شيوخه عن إسماعيل بن محمد الصفار - وهو شيخ ابن بطة - به. وهذا الحديث كذلك، في " جزء الحسن بن عرفة العبدي (ت ٢٥٧ هـ) " المشهور ص (٦٣) بسنده الذي ذكره ابن بطة دون تغيير ولا تبديل. وهو جزء متواتر عن الحسن بن عرفة، قبل أن يخلق ابن بطة. كما رواه الترمذي (١٧٣٤) في "سننه" عن علي بن حجر عن خلف بن خليفة به.

стр. 254

وهذا الحديث: حديث معل بحميد بن علي الأعرج، قال ابن حبان فيه: "منكر الحديث جدا، يروي عن عبد الله بن الحارث عن ابن مسعود، بنسخة كأنها موضوعة، لا يحتج بخبره إذا انفرد". ومع هذا: فقد رواه الحاكم في " مستدركه على الصحيحين " (٢ / ٣٧٩) من طريق خلف بن خليفة به، وظن حميد بن علي الأعرج راويه الضعيف: حميد بن قيس الأعرج الثقة، فصححه وقال: (هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه) . فإن كان أحد مستحقا للإنكار والتهمة بتغيير رجال إسناده، فالحاكم - وحاشاه- فقد جمع إلى روايته له: وهما في اسم أحد رجاله، ثم تصحيحه له. وما فهمه المالكي من التشبيه فيه: غير صحيح، فإن الضمير في قوله: "وعليه جبة صوف " إلخ، عائد على (موسى) ﵇، ليس على (الله) جل وعلا. ومن ذكر هذا الحديث، في كتب الاعتقاد، والأسماء والصفات- كما فعل الإمامان أبو عبد الله ابن بطة، وأبو بكر البيهقي - لم يرد منه إثبات لبس الجبة والصوف لله جل وعلا، وتنزه عن ذلك. وإنما مراده إثبات صفة الكلام لله، كما هي ظاهرة في الحديث، وهذه صفة قد ثبتت بالقرآن، والسنة المتواترة، والإجماع.

стр. 255

الوجه الثاني: أن ابن بطة (ت ٣٨٧ هـ) ﵀ إمام كبير بريء مما اختلقه المالكي في حقه، قال مؤرخ الإسلام أبو عبد الله الذهبي في " سير أعلام النبلاء " في ترجمته (١٦ / ٥٢٩) : (ابن بطة: الإمام، القدوة، العابد، الفقيه، المحدث، شيخ العراق، أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العكبري الحنبلي) . قال الحافظ الكبير رشيد الدين العطار (ت ٦٦٢ هـ) في كتابه " نزهة الناظر، في ذكر من حدث عن أبي القاسم البغوي من الحفاظ والأكابر " (ص ٩٢) في ابن بطة بعد أن ذكره من الحفاظ والأكابر الآخذين عن البغوي: (فقيه، جليل، زاهد، مصنف، حدث بـ "معجم البغوي " عنه، لكن تكلم فيه الخطيب وغيره) اهـ. ومع إمامة ابن بطة في الدين كان في حفظه شيء، قال الذهبي في " السير " (١٦ / ٥٣٠) : (لابن بطة مع فضله أوهام وغلط) . ونقل الذهبي عن الخطيب قوله: (حدثني أبو حامد الدلوي قال: "لما رجع ابن بطة من الرحلة، لازم بيته أربعين سنة لم ير في سوق، ولا رؤي مفطرا إلا في عيد، وكان أمارا بالمعروف، لم يبلغه خبر منكر إلا غيره ") اهـ. الوجه الثالث: أن المالكي عمى مصدر نقله عن الحافظ ابن حجر - عمدا- لئلا يوقف على حقيقة كلام الحافظ ابن حجر.

стр. 256

وكلام الحافظ موجود في كتابه "لسان الميزان " (٤ / ١٣١ - ١٣٢) في ترجمته لابن بطة، إلا أن المالكي حرفه وبتره، وكان مما قال الحافظ ابن حجر في ابن بطة هناك، وتعمد المالكي حذفه: (إمام، لكنه ذو أوهام) . ثم قال: (ومع قلة إتقان ابن بطة في الرواية، كان إماما في السنة، إماما في الفقه، صاحب أحوال، وإجابة دعوة ﵁ اهـ. ثم نقل الحافظ عن أبي الفتح القواس قوله: (ذكرت لأبي سعيد الإسماعيلي، ابن بطة، وعلمه، وزهده. فخرج إليه، فلما عاد قال لي: "هو فوق الوصف") اهـ. الوجه الرابع: أنا لا نسلم أن أحدا من علماء الحنابلة وأئمتهم، كان يكذب على الإمام أحمد ﵏ جميعا. وقد رمى المالكي، ابن بطة بالكذب، وبينا كذبه هو، وأن ابن بطة برئ من ذلك. ونحن نطالبه هنا، بمثال واحد صادق غير مكذوب، لعالم حنبلي كذب على الإمام أحمد، وما كذبات ذلك الكاذب؟!! وأني للمالكي بذلك؟!!

стр. 257

[فصل في رميه كتب العقائد السلفية بالتناقض وإبطال زعمه] فصل في رميه كتب العقائد السلفية بالتناقض، وإبطال زعمه قال المالكي ص (١٣٤) ، تحت عنوان "التناقض": (التناقض سمة رئيسة من سمات كتب العقائد، فتجد الشيء وضده، فتجدهم يأمرون بالاهتمام بالقرآن والسنة ووجوب اتباع الأثر، ثم يتركون الآيات الصريحة، والأحاديث المتفق عليها، إلى موضوعات، وأكاذيب، وإسرائيليات، لا تصح لا سندا، ولا متنا) اهـ كلام المالكي. وأقول: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤] ومن نظر في كتب عقائد أهل السنة حنابلة وغيرهم وقف على صدق التزامهم بالقرآن والسنة، بفهم السلف الصالح ﵏. وكيف يستدلون بالموضوعات والمكذوبات ونحوها، وهم صيارفة الحديث ونقاده؟! وما رووه- هم - وغيرهم من أحاديث معلة، فقد قدمنا سبب روايتهم لها، وبينا حجتهم في ذلك، وأن مقصدهم جمع ما في الباب، وإيقاف الناس على أسانيد تلك الأحاديث بعللها، ولم يلتزموا الصحة، فكيف يلزمون بها؟!

стр. 258

وذكرنا كذلك في موضع تقدم، أن هذا أمر مستقر، فعله حفاظ الإسلام حنابلة وغيرهم. وقد كانت تلك الأحاديث المعلة تروى، في عصر التابعين، ثم تابعيهم ومن بعدهم، ولم يكن حينذاك أحمد ولا أصحابه، فكيف يناط هذا بالحنابلة، ويترك غيرهم؟! وممن كان يرويها البيهقي في " الأسماء والصفات " وغيره، والحاكم في " المستدرك " وهما شافعيان، وغيرهما. أما أخبار بني إسرائيل فمان ذكر أحد الأئمة شيئا من أخبارهم، فإنهم لم يعتمدوها قط، وما رووها إلا جمعا لما في الباب، واستئناسا بها على أصل مستقر في الكتاب والسنة. ولهم في أصحاب رسول الله ﷺ ، وأتباعهم، وتابعيهم أسوة حسنة. وقد أذن لهم نبيهم ﷺ إذ قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار» [حم (٢ / ١٥٩ و ٢٠٢ و ٢١٤) خ (٣٤٦١) ت (٢٦٦٩) عن عبد الله بن عمرو بن العاص] . ولما أتى حبر يهودي إلى النبي ﷺ فقال: «يا محمد، إنا نجد في التوراة أن الله يضع السماوات على إصبع، والأراضين على إصبع» . . . " الحديث، تبسم النبي ﷺ للحبر مقرا له بما قال. والعجب من هذا الغيور كيف يحمل على عقائد الحنابلة الذين يدعون اعتماد القرآن والسنة واتباع الأثر باعترافه هو، ويترك أئمة

стр. 259

الضلال والبدعة، الذين يأمرون بتجنبها ويزعمون: أن ظاهر الوحيين كفر، عياذا بالله. . وأن الواجب تحكيم عقولهم المعصومة بميزان العقول "المنطق" في الوحيين، لا جعله محكوما بهما. ويخعلون أصل دينهم، ومرجع عقائدهم إلى علم الكلام المذموم، وسفسطة الفلاسفة.

стр. 260

[فصل في رميه الحنابلة بالغلو في التكفير والإطراء مع تحذيرهم منهما والرد عليه] فصل في رميه الحنابلة بالغلو في التكفير والإطراء، مع تحذيرهم منهما، والرد عليه قال المالكي ص (١٣٤) : (وتجدهم يحذرون من الغلو، مع غلوهم في التكفير، وغلوهم في الثناء على علمائهم) اهـ كلام المالكي. وأقول: ما مثال ذلك؟ وهل انفرد الحنابلة يوما بتكفير أحد لم يكفره السلف وأهل السنة؟! وإذا كان الحنابلة انفردوا بتكفير أحد، فمن هو؟! وما معتقده الذي كفره الحنابلة لأجله ولم يصيبوا؟!! وقد ذكرت مرارا أن المالكي يلقي قوله دون دليل أو بينة أو مثال، وكأن كلامه قد أصبح دليلا يستدل به لا له، وكلامه هنا من هذا الباب. وكان مما عاب المالكي به الحنابلة: تكفيرهم جملة من فرق المسلمين، وذكر منها المعتزلة، والرافضة. وقدمت أن هاتين الطائفتين ومن وافقهما: مجمعون على جملة اعتقادات أجمع السلف على كفر فاعل آحادها، فكيف بها مجتمعة؟!!

стр. 261

ومثلت لذلك بقولهم بخلق القرآن، وإنكار العلو، وإنكار الصفات، ونفي رؤية الله في الآخرة، وغير ذلك. وذكرت في "المقدمة الثالثة" أول الكتاب: إجماع السلف الصالح قاطبة على كفر الجهمية، القائلين بخلق القرآن وكفر كل من قال بذلك. ومن أسلفنا داخلون في ذلك بلا ريب، فلم ينفرد الحنابلة بتكفير من ذكر، إن كان زعم إنفرادهم به. وقد رمى المالكي الحنابلة بفريته السابقة ظلما، مع سلامتهم منها، وترك الرافضة وهم أوقع الناس فيها، فكفروا الشيخين أبا بكر، وعمر أفضل الأمة بعد نبيها وأتمها إيمانا، بل قد كفروا غالب الصحابة وفسقوا أكثر الباقين، إلا عليا وجماعة قليلين حتى آل البيت، الذين يزعمون حبهم وتوليهم لم يسلموا من هذا، فأدخلوا عبد الله، وعبيد الله ابني العباس بن عبد المطلب في ذلك، ونالوا من الحسن بن علي سبط رسول الله ﷺ وابنه. فأين المالكي عنهم؟!! يدافع ويذب عن المعتزلة والقدرية والرافضة أن لا يكفروا بالحق؟!! ويتركهم- هم- وقد كفروا الصحابة بالظلم؟!! بل قد كفروا الأمة كلها عداهم.

стр. 262

[فصل في رميه أهل الفرق جميعا بأنهم متناقضون يأمرون أتباعهم باتباع السواد الأعظم عند تمكنهم] فصل في رميه أهل الفرق جميعا بأنهم متناقضون يأمرون أتباعهم باتباع السواد الأعظم عند تمكنهم، فإذا كانوا قلة قالوا "طوبى للغرباء"!! وبيان مراده، والرد عليه قال المالكي ص (١٣٤) : (وتجد هذه الفرق والطوائف عند سيطرتها وكثرة أتباعها، تأمر أتباعها باتباع السواد الأعظم، وعدم مخالفة الأمة. فإذا انتصر خصومهم، وأصبحوا سوادا أعظم، يأتي العقائديون ويقولون: "طوبى للغرباء، الذين يصلحون إذا فسد الناس"، فالجماعة ما وافق الحق، ولو كنت وحدك.) اهـ. والجواب من ثلاثة وجوه: أحدها: أن السواد الأعظم، يراد به أحد أمرين كلام الأئمة: . إما لزوم جماعة المسلمين، وإمامهم وإن كان جائرا ظالما، وعدم الخروج عليه، وشق عصا الطاعة. . وإما الإجماع. فالأول: لا يخالف فيه إلا الخوارج. والثاني: لا يخالف فيه إلا صاحب قول منبوذ، شذ به عن الأمة، فخشي احتجاجهم عليه بالإجماع فأبطله، وقد قال سبحانه:

стр. 263

﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] . ولم يستدل أهل السنة حنابلة وغيرهم على الحق – قط – بكثرة أتباعه، كيف لا؟! وهم يتلون قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] وقوله جل وعلا: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] . ولو اطرد هذا؛ لبطل دين الإسلام برمته، فإن الكفار والمشركين أكثر من المؤمنين، بل قد ثبت في "الصحيحين" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يقول الله تعالى: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك. فيقول: أخرج بعث النار. قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعين. فعنده يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد " قالوا: يا رسول الله، وأينا ذلك الواحد؟ قال: "أبشروا، فإن منكم رجلا ومن يأجوج ومأجوج ألفا ".

стр. 264

ثم قال: والذي نفسي بيده، إني أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة". فكبرنا، فقال: "أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة". فكبرنا، فقال: "أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة". فكبرنا، فقال: "ما أنتم في الناس، إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض، أو كشعرة بيضاء، في جلد ثور أسود» [خ (٣٣٤٨) و (٦٥٣٠) ، م (٢٢٢) ] . الوجه الثاني: متى كان الحنابلة أكثر من بقية أتباع المذاهب؟! وأي عصر ذاك؟! حتى أمر الحنابلة باتباع السواد الأعظم لذلك!! وما زال الحنابلة قليلي العدد، من عهد أحمد إلى يومنا هذا، وإن كانوا في معتقدهم على معتقد سلف الأمة وخيارها. وقد كانوا في صدر الإسلام الأول في عهد الصحابة، والتابعين، وأتباعهم سوادا أعظم. فأئمة الهدى المتقدمون، هم سلف الحنابلة، لهذا إن أمر الحنابلة باتباع أئمة الإسلام قبل أحمد، لا يأمرونهم باتباع مذهب الإمام أحمد وأصحابه، وإن كانوا جميعا على معتقد واحد، إلا أن المتبوع أولى بالاتباع من التابع. الوجه الثالث: أن الآمر بلزوم السواد الأعظم- على المراد الأول- هو النبي ﷺ ، كما في حديث حذيفة ﵁، وفيه قال

стр. 265

حذيفة: ( «فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ فقال ﷺ : "فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدرك الموت وأنت على ذلك» رواه البخاري، ومسلم [خ (٨٣٣٣) و (٦٥٥٧) ، م (٣٤٣٤] . وهو ﷺ قائل: «إن الدين بدأ غريبا، ويرجع غريبا، فطوبي للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس من بعدي من سنتي» رواه عنه الترمذي في "جامعه" (٢٦٣٠) ، وقال: "هذا حديث حسن صحيح ". فإن كان ثمة تناقضن في الأمرين- كما يزعم المالكي -: فمرده للنبي ﷺ بأبي هو وأمي. وهل يبقى لقائل هذا إسلام وإيمان؟! عياذا بالله.

стр. 266

[فصل في رميه للحنابلة بالتناقض في أمرهم بالوقوف عند حدود الشرع وعدم الزيادة عليه] فصل في رميه للحنابلة بالتناقض في أمرهم بالوقوف عند حدود الشرع، وعدم الزيادة عليه، ثم يزيدون هم أمورا في المعتقد ليست فيه، والرد عليه قال المالكي ص (١٣٤) : (وتراهم يأمرون بالوقوف عند حدود النصوص الشرعية، وعدم الزيادة عليها، بينما هم يزيدون كثيرا من العقائد، ليست في الكتاب ولا السنة) اهـ كلام المالكي. وأقول: أين مثال ذلك ودليله؟! أأعياه التمثيل له، ولو بمثال؟! وإن كان يعني بهذه الزيادات التي زادها الحنابلة، وليست في كتاب الله، ولا سنة رسوله ﷺ ما ذكره سابقا من وجوب الإيمان بالدجال، والمهدي، وحفظ حق الصحابة، والإمساك عفا شجر بينهم ونحوها، فهذه أمور قد أثبتها الشرع في الكتاب والسنة الصحيحة والمتواترة، كما أن الحنابلة لم ينفردوا بإيجاب الإيمان والأخذ بها، بل شاركهم كثير غيرهم، من أهل العلم والسنة، كما تقدم.

стр. 267

[فصل في رميه للحنابلة بالتناقض في تكفير الخصوم] فصل في رميه للحنابلة بالتناقض في تكفير الخصوم، فإذا كانوا ضعفاء حرموه وجعلوه من عقائد الخوارج، وإذا قووا كفروا المسلمين، والرد عليه قال المالكي ص (١٣٤) : (وتراهم يعظمون تكفير المسلم، وأنه من عقائد الخوارج، وأنه لا يجوز. وهذا الورع عن التكفير، إنما هو عند ضعفهم!! فإذا قووا، لا يرقبون في مسلم إلا ولا ذمة) اهـ. والجواب من وجهين: أحدهما: أن تكفير من ارتكب ناقضا من نواقض الإسلام المعلومة المقررة: أصل من أصول الإسلام، أجمع على صحته- من حيث الأصل- المسلمون جميعا، باختلاف مذاهبهم، وتعدد طرائقهم، وليس من عقائد الخوارج، ولم ينفرد الخوارج بذلك، وبينا ذلك في "المقدمة الأولى" أول الكتاب. أما ما انفرد به الخوارج، وإخوانهم المعتزلة والرافضة، هو تكفير المؤمنين، بالمعاصي والكبائر التي لا يكفر فاعلها، أو جعله- لأجلها- في منزلة بين منزلتين، وربما كفروهم بطاعات عظيمة ليست بمعاص، كتكفير الرافضة لأبي بكر، وعمر ﵄، وتكفير الخوارج لعثمان

стр. 268

وعلي ﵄، وتكفير المعتزلة وأضرابهم، لمعتقدي اعتقاد السلف الصالح ﵃، وفي هذا يقول الإمام الكبير أبو عبد الله ابن قيم الجوزية في "الكافية الشافية": وخصومنا قد كفرونا بالذي ... هو غاية التوحيد والإيمان الوجه الثاني: أن الحنابلة وأهل السنة جميعا، قد كانوا ضعفاء، تسلطت عليهم المعتزلة في عهد الخليفة العباسي المأمون، وأعملوا سيوفهم في رقابهم، وجلدوا ظهورهم، وسجنوهم، وآذوهم فعظم بلاؤهم: ولم يمنعهم ذلك أبدا، أن يكفروا المعتزلة، وجميع من قال بقولها بخلق القرآن. بل قد كفر الإمام أحمد ﵁، بعض مجادليه من المعتزلة، في مجلس المعتصم، وأمام نظره وسمعه. وتعاقب على تعذيب الإمام أحمد ﵁، ثلاثة خلفاء من بني العباس، وطال عذابه، وطال سجنه، فلم يختلف قوله الأول عن قوله الأخير، ولم يزده ذلك إلا ثباتا، ورفعة في الدارين. فأي قوة كانت لأحمد حينذاك؟! وأي ظهور؟!! وكذلك كان حال أتباعه من معاصريه، ومن بعدهم إلى "شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم وغيرهم، كانوا ضعفاء تسلط المبتدعة عليهم بالسلاطين، وسجنوا وأوذوا، وحصل لهم

стр. 269

ما هو معروف معلوم، فما حملهم هذا قط، على التبديل والتغيير، كما كان أتباع الأنبياء والرسل، قال سبحانه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] .

стр. 270

[فصل في رميه للحنابلة بالتناقض في نهيهم عن الاشتغال بما لم يشتغل به النبي ﷺ ] فصل في رميه للحنابلة بالتناقض في نهيهم عن الاشتغال بما لم يشتغل به النبي ﷺ ، وهم يشتغلون بمضايق الاعتقادات، مما لم تعرف إلا عنهم كما يزعم، والرد عليه قال المالكي ص (١٣٤) : (وتراهم ينهون عن الاشتغال بأمر لم يشتغل به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه، فإذا سنحت لهم الفرصة، أمروا الناس بمضايق من الاعتقادات، لم تخطر على بال صحابي، ولا تابعي مع مسميات وألقاب سموها هم وآباؤهم، ما أنزل الله بها من سلطان) اهـ. والجواب من وجهين: أحدهما: مطالبة المالكي بمثال واحد فحسب، على صدق دعواه! وقد ذكرت في مواضع كثيرة، وسيأتي كثير أن المالكي يلقي اتهاماته الكاذبة دون دليل ولا بينة ولا حتى مثال، كما هو حال كلامه هنا؛ لعجزه عنه، ولو كذبا وتلبيسا. الثاني: أن الحنابلة وأهل السنة عامة، شغلهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وما دار في فلكهما، لم يدخلوا في منطق ولا فلسفة، بل يرون العلم في جهلهما، والجهل في علمهما، فمن أين تدخل عليهم ألفاظ ليست في الكتاب والسنة، وتخالفهما؟!

стр. 271

[فصل في رميه الحنابلة بالتشدد في نقد وتضعيف الرجال المخالفين لهم] فصل في رميه الحنابلة بالتشدد في نقد وتضعيف الرجال المخالفين لهم، وإن كانوا أئمة، والمبالغة في توثيق أتباعهم، وإن كانوا ضعفاء، والرد عليه قال المالكي ص (١٣٤) : (وتراهم يتشددون في نقد وتضعيف الرجال الذين لا يوافقونهم في شواذ العقائد، حتى وصل ذمهم للبخاري، ومسلم، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والكرابيسي، وابن الجعد، وأبي حنيفة، والحنفية. فضلا عن تضعيف سائر الشيعة، متمسكين بعبارة نقلوها عن الشافعي في تكذيب الخطابية من الروافض، لأنهم يستحلون الكذب، فجعلها هؤلاء في كل الشيعة، ثقاتهم وضعفائهم!! بينما يبالغون في توثيق أتباعهم، ولو كانوا ضعفاء، أو خفيفي الضبط، كما فعلوا في توثيق ابن بطة مثلا) اهـ. والجواب من وجوه: أحدها: كذب هذه المزاعم، كبقية مزاعمه السابقة، والآتية. الثاني: مطالبته بذكر حنبلي واحد فقط ذم البخاري، أو مسلما، أو يحيى بن معين، أو علي بن المديني، ولن يجد. وهؤلاء عند الحنابلة وأهل السنة حفاظ الإسلام وأعلامه الأعلام.

стр. 272

قال الإمام أحمد في البخاري: "ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل البخاري " وعد أحمد الحفاظ أربعة، وذكره منهم. أما يحيى بن معين: فقال فيه أحمد: "أعلمنا بالرجال: يحيى بن معين، وكل حديث لا يعرفه يحيى بن معين، فليس بحديث ". وأما ابن المديني: فلم يكن أحمد يسميه، بل كان يكنيه تبجيلا له وتعظيما، وكان يقول فيه: "أحفظنا للطوال علي ". أما علي بن الجعد: فثقة، وثقه يحيى بن معين، ولم يضعفه أحمد، ولا الحنابلة، وإنما نهى الإمام أحمد عن الجلوس إليه، والأخذ عنه، لتناوله أصحاب رسول الله ﷺ ، ومجاهرته بذلك، فخشي أحمد أن يتأثر به من جلس إليه، أو أن يظهر أمره، ويفشو شره، إذا كثر سواده. أما الكرابيسي: ففقيه، ليس عنده حديث، حتى يوثق أو يضعف، وكان صاحب بدعة. وأما أبو حنيفة ﵀: فإمام، فقية، كبير، ذا رأي، ولم يعتن بالحديث كثيرا لهذا كان مقلا، وقد تكلم بعض الأئمة في حفظه، لذا لم يحتج به أهل الصحاح، لا الشيخان، ولا غيرهما. إلا أن الترمذي روى له في "العلل" موضعا واحدا من قوله، لا من منقوله.

стр. 273

واختلف في حديث رواه النسائي في (سننه) ذكر فيه النعمان، فقال بعضهم: إنه أراد أبا حنيفة النعمان، وقال آخرون: لا، لم يرده، وأراد غيره. الوجه الثالث: أن الحنابلة لم يضعفوا ثقات الشيعة كما زعم المالكي، بل قد وثق الإمام أحمد جماعة منهم، مع علمه بتشيعهم، وكذلك أصحابه ﵏، منهم: . سليمان بن قزم بن معاذ الضبي، قال فيه أحمد: " ما أرى به بأسا، لكنه يفرط في التشيع ". . علي بن بذيمة الحراني، قال فيه أحمد: "صالح الحديث، لكنه رأس في التشيع ". . سالم بن أبي حفصة العجلي، قال فيه أحمد: " ليس به بأسا، إلا أنه كان شيعيا". . علي بن المبارك الهنائي، وثقه أحمد وقال: "قد كان يرمى بالتشيع ". . فطر بن خليفة، قال فيه أحمد: "صالح الحديث، خشبي مفرط". الوجه الرابع: إن الحنابلة وأهل السنة عامة، إن وثقوا أحدا أو ضعفوه في الرواية، فمرد ذاك إلى حفظه، وضبطه، وصدقه، وأمانته، لا لكونه حنبليا أو غير حنبلي. وقد قدمت جملة ممن وثقهم الإمام أحمد وكانوا مبتدعة، وآخرين ضعفهم، وكانوا من أئمة السنة، كرواد بن الجراح، ونوح بن أبي مريم، وحماد بن سلمة وغيرهم.

стр. 274

أما تمثيل المالكي لمزاعمه السابقة، بابن بطة ﵀: فباطل، فإن ابن بطة - كما قدمنا - إمام كبير صاحب سنة واتباع، وفقه عظيم، أثنى عليه الأئمة لذلك، إلا أنهم لينوه- ﵀، ورحمهم- في حفظه. وعلم الرجل، واتباعه، وفقهه، وورعه شيء، وحفظه، وإتقانه فيما يروي شيء آخر. ومن خلط بينهما: لم يخف فساد رأيه. أما رميه لابن بطة بالكذب فحاشاه، وقد بينا فساده في فصل تقدم (ص ٢٥٦ - ٢٦٠) ، وأنه أجل من أن يدفع ذلك عنه ﵀.

стр. 275

[فصل في رميه للحنابلة بأنهم لا يمدحون السلطان إلا إذا نصرهم] فصل في رميه للحنابلة بأنهم لا يمدحون السلطان إلا إذا نصرهم، ولو كان باغيا، أما إذا آذى أحدهم، فيذمونه، ولو كان عادلا، وإبطال زعمه قال المالكي ص (١٣٤ - ١٣٥) : (وتراهم يذمون السلطان إذا آذى أحد أتباعهم، وأن هذا سلطان سوء وينسون كل فضائله، كما فعلوا بالمأمون، وكان من أعدل ملوك بني العباس، وكثرهم علما. فماذا جاء سلطان آخر أظهر نصرتهم، يمدحونه بمبالغة، ولو كان مبتدعا ظالما كالمتوكل، بل ويبدعون ويضللون من يخالفه، ويرددون قواعد طاعة ولاة الأمور، وأن من لم يدع للإمام، فهو صاحب بدعة.) اهـ. والجواب من وجوه: أحدها: أن المالكي يلزمه ما يلزمنا، فإن كنا نمدح المتوكل، ونذم المأمون للمذهب، فهو قد مدح المأمون، وذم المتوكل للمذهب أيضا! غير أن مدحنا للمتوكل: كان لنصرته السنة، وإظهاره لها. وذمنا للمأمون: كان لابتداعه في الدين، وإدخاله علوم الفلاسفة الزنادقة على المسلمين، وحمله الناس على الكفر، وهو القول بخلق القرآن، وقتله أئمة الإسلام وحفاظه، وجلدهم وسجنهم، حين امتنعوا

стр. 276

عن طاعته في الكفر. أما مدح المالكي، للمأمون: فلفجوره وضلاله وبدعته. وذمه للمتوكل، فلاتباعه السنة ونصرتها، وقمع مخالفيها، وشدته على الرافضة. الثاني: أن من المستقر عند أهل السنة جميعا- والحنابلة منهم-: السمع والطاعة لمن ولي أمر المسلمين، وعدم الخروج عليه، إلا إذا أتى بكفر بواح عندنا فيه من الله برهان، كما جاءت به السنة، وزال المانع عنه، بجهل أو شبهة، وكان مقدورا على ذلك، ولا يتسبب خروجهم عليه، بفتنة أعظم مما خروجوا لأجلها. وهذا معلوم من مذهبهم، سواء كان الإمام محبا لهم مكرما، أم مبغضا لهم مناوئا. لهذا، لم يأمر الإمام أحمد بالخروج على خلفاء بني العباس الذين سجنوه، وجلدوه، وحصل منهم له ما هو معلوم. ولو كان سمعهم وطاعتهم للأئمة، معلقا بحظهم من الدنيا، أو بميل السلطان لهم ونحوه، لكان المأمون، والمعتصم، والواثق أولى الأئمة بالخروج والقتال وخلع البيعة. وكذلك كان حال الحنابلة وأهل السنة جميعا، وحال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ومن سجن معه من تلاميذه مع سلاطين عصورهم، المناوئين لهم والساجنين، لم يدعوا أحد منهم للخروج على السلطان،

стр. 277

أو منابذته بالسلاح، مع كثرة أتباعهم، ومحبيهم من عامة الناس وخاصتهم، وما أمر جنازة الإمام أحمد، ومن خرج فيها مشيعا باكيا، وجنازة شيخ الإسلام ابن تيمية، بخاف على أحد. الثالث: أن الخليفة العباسي المأمون: لم يكن- كما زعم المالكي - ذا عدل وعلم جم، وإنما كان باغيا جائرا، سفك دماء العلماء المعصومة، وفتن الأمة، وأدخل الفلسفة في علوم المسلمين، بعد أن كانت سالمة منها، فضل وأضل. فإن كان ظلم الحجاج وسيفه، غاية يضرب بها المثل في الظلم والشر، فلقد كان المأمون أطغى منه وأشر. وكيف يقاس الحجاج، بالمأمون، وكان سيف الحجاج صلتا على الخوارج، والبغاة، وفي الجهاد، إلا أنه نال جماعات من الصالحين فاختلطت فيه دماء زكية بأخرى ردية. أما سيف المأمون فقد عصم منه كل زنديق ومبطل، ولم يرق إلا دماء علماء الأئمة، وكبار الأئمة؟! وما نقم المأمون منهم، إلا ما نقمه من هم على شاكلته من المؤمنين، الذين قال فيهم جل وعلا: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] . قال الإمام الحافظ ابن كثير الشافعي، في "البداية والنهاية" (١٥ / ٣٠٢) في ترجمته: (وقد كان فيه تشيع واعتزال، وجهل بالسنة الصحيحة) .

стр. 278

ثم قال: (وكان على مذهب الاعتزال؛ لأنه اجتمع بجماعة، منهم بشر بن غياث المريسي فخدعوه، وأخذ عنهم هذا المذهب الباطل. وكان يحب العلم، ولم يكن له بصيرة نافذة فيه، فدخل عليه بسبب ذلك الداخل، وراج عنده الباطل ودعا إليه، وحمل الناس عليه قهرا، وذلك في آخر أيامه، وانقضاء دولته) اهـ كلامه ﵀. فعدل المأمون الذي أراده المالكي: هو سفك دماء العلماء الربانيين، الذين قيدوا من مشارق الأرض ومغاربها، ليقولوا كلمة الكفر، أو تضرب أعناقهم، و! ستباح حرمة دمائهم، ظلما وبغيا. أما علم المأمون الذي أراده المالكي: فمجاهرته بالرفض والاعتزال، والتصريح بخلق القرآن، بل حمل الناس عليه بالسيف. الوجه الرابع: أن الخليفة العباسي المتوكل، الذي جعله المالكي (مبتدعا ظالما) : كان إمام هدى، وسنة، وصلاح، وعدل، وخير، قال الحافظ خليفة بن خياط: (استخلف المتوكل فأظهر السنة، وتكلم بها في مجلسه، وكتب إلى الآفاق برفع المحنة، وبسط السنة، ونصر أهلها) " السير " للذهبي (١٢ / ٣٢) . وقال الذهبي ﵀ في "سير أعلام النبلاء" أيضا (٢١ / ٣٤) : (وفي سنة ٢٣٤ هـ أظهر المتوكل السنة، وزجر عن القول بخلق القرآن،

стр. 279

وكتب بذلك إلى الأمصار، واستقدم المحدثين إلى سامراء، وأجزل صلاتهم، ورووا أحاديث الرؤية والصفات) اهـ. قلت: وكانت مجالس الحديث تعقد في المساجد، ويحضرها عشرات الآلاف. ثم قال الذهبي (١٢ / ٣٦) : (وغضب المتوكل على أحمد بن أبي دؤاد، وصادره وسجن أصحابه، وحمل ستة عشر ألف درهم، وافتقر هو وآله) اهـ. ثم أطلق المتوكل ﵀، من تبقى في السجون ممن امتنع من القول بخلق القران، وأنزلت عظام الإمام الحافظ الكبير أحمد بن نصر الخزاعي الشهيد، ودفنها أقاربه. وذكر ابن كثير في ترجمته في "البداية والنهاية" (١٠ / ٣٨٧) : أن المتوكل قال يوما لبعضهم: "إن الخلفاء تغضب على الرعية لتطيعها، وإني ألين لهم ليحبوني ويطيعوني ". وقال ابن كثير أيضا ﵀: (وكان المتوكل محببا إلى رعيته، قائما في نصرة أهل السنة، وقد شبهه بعضهم بالصديق في قتله أهل الردة لأنه نصر الحق، ورده عليهم، حتى رجعوا إلى الدين، وبعمر بن عبد العزيز حين رد مظالم بني أمية. وقد أظهر السنة بعد البدعة، وأخمد أهل البدع وبدعتهم بعد انتشارها واشتهارها، فرحمه الله.

стр. 280

وقد رآه بعضهم في المنام بعد موته وهو جالس في نور، قال: " فقلت: المتوكل؟ ! قال: المتوكل. قلت: فما فعل بك ربك؟ قال: غفر لي. قلت: بماذا؟ قال: بقليل من السنة أحييتها". وروى الخطيب عن صالح بن أحمد: أنه رأى في منامه ليلة مات المتوكل، كأن رجلا يصعد به إلى السماء، وقائلا يقول: ملك يقاد إلى مليك عادل ... متفضل في العفو ليس بجائر وروى عن عمرو بن شيبان الحلبي، قال: "رأيت ليلة المتوكل قائلا يقول: يا نائم العين أوطان جثمان ... أفض دموعك يا عمرو بن شيبان أما ترى الفئة الأرجاس ما فعلوا ... بالهاشمي , وبالفتح بن خاقان وافى إلى الله مظلوما فضج له ... أهل السماوات من مثنى ووحدان

стр. 281

وسوف يأتيكم من بعده فتن ... توقعوها لها شأن من الشان فابكوا على جعفر وابكوا خليفتكم ... فقد بكاه جميع الإنس والجان قال: فلما أصبحت، أخبرت الناس برؤياي، فجاء نعي المتوكل أنه قد قتل في تلك الليلة. قال: ثم رأيته بعد هذا بشهر، وهو واقف بين يدي الله ، فقلت: ما فعل بك ربك؟ فقال: غفر لي. قلت: بماذا؟ قال: بقليل من السنة أحييتها. قلت: فما تصنع ههنا؟ قال: أنتظر ابني محمدا، أخاصمه إلى الله الحليم العظيم الكريم " اهـ كلام الحافظ ابن كثير. وقد رواها أيضا الحافظ ابن عساكر بإسناده إلى عمرو بن شيبان. وقال السيوطي في ترجمة المتوكل رحمهما الله، في "تاريخ الخلفاء" ص (٣٩١) : (أظهر الميل إلى السنة ونصر أهلها، ورفع المحنة، وكتب

стр. 282

بذلك إلى الآفاق) . ثم قال: (وتوفر دعاء الخلق للمتوكل، وبالغوا في الثناء عليه، والتعظيم له، حتى قال قائلهم: "الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق ﵁ في قتل أهل الردة، وعمر بن عبد العزيز في رد المظالم، والمتوكل في إحياء السنة، وإماتة التجهم ") اهـ كلام السيوطي. قلت: عنى السيوطي بقائلهم في كلامه السابق: قاضي البصرة إبراهيم بن محمد التيمي، فقد ذكر الذهبي مقولته هذه في "السير" (١٠ / ٣٢) وعزاها إليه. ثم قال السيوطي ص (٣٩١) : (وقال أبو بكر ابن الخبازة في ذلك: وبعد فإن السنة اليوم أصبحت ... معززة حتى كأن لم تذلل تصول وتسطو إذ أقيم منارها ... وحط منار الإفك والزور من عل وولى أخو الإبداع في الدين هاربا ... إلى النار يهوي محبرا غير مقبل شفى الله منهم بالخليفة جعفر ... خليفته ذي السنة المتوكل خليفة ربي , وابن عم نبيه ... وخير بني العباس من منهم ولي

стр. 283

أطال لنا رب العالمين بقاءه ... سليما من الأهوال غير مبدل وبوأه للنصر للدين جنة ... يجاور في روضاتها خير مرسل وكان مما نقمه الرافضة المجوس على المتوكل ﵀ رحمة واسعة - مع ما سبق من نصرة السنة، وقمع المعتزلة: هدم المتوكل الدور والمشاهد التي أقامتها الرافضة عند الحسين بن علي ﵄، لإقامة البدع والشنائع فيها. هدمها ﵀ ممتثلا في ذلك قول النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁: «ولا تدع قبرا مشرفا إلا سويته» رواه الإمام أحمد في "مسنده" (١ / ١٢٩) ومسلم في "صحيحه" (٩٦٩) وأبو داوود (٣٢١٨) والترمذي (١٠٤٩) والنسائي (٢٠٣١) وكان ذلك سنة (٢٣٦ هـ) . فلما فعل ذلك: ضجت الرافضة في العراق، ولهجت بسب المتوكل وشتمه وما زالوا إلى أن آل الأمر إلى صغير أفراخهم (المالكي) ، فتابع أجداده في ذلك، ورمى المتوكل ﵀ بما قد رماه سلفه به. اللهم ارحم المتوكل رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناتك، وأعظم له أجره، واغفر له ذنبه، وارفع درجاته في عليين، وألحقه بالنبيين ﷺ والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

стр. 284

[فصل في رميه الحنابلة بالتناقض في الإجماع فيدعونه في أمور ليس فيها إجماع] فصل في رميه الحنابلة بالتناقض في الإجماع، فيدعونه في أمور ليس فيها إجماع فإذا استدل عليهم أحد به، أبطلوه وقالوا: "وما أدراك لعل الناس قد اختلفوا"، وإبطال زعمه قال المالكي ص (١٣٥) : (وتراهم يحتجون بالإجماع، ويدعونه في أمور ليس فيها إجماع، فإذا احتججت عليهم بالإجماع في أمر أظهر منه، يرددون عبارة أحمد بن حنبل: "من ادعى الإجماع فقد كذب، وما أدراك لعلهم اختلفوا") اهـ. والجواب عليه من وجهين: أحدهما: مطالبة المالكي بأمرين لتصح دعواه: . مثال على ما ادعى الحنابلة فيه الإجماع، وليس فيه إجماع، بقول عالم، لا بهذيان المالكي. . ومثال آخر، ادعي فيه الإجماع علينا في مسألة خالف فيها الحنابلة، فتخلصوا منه بنفي صحة الاحتجاج بالإجماع. الوجه الثاني: أن الإمام أحمد ﵀ لا ينكر صحة الاحتجاج بالإجماع، وهو يأخذ به، بل احتج به في مسائل عدة. ولكن مقولة أحمد السابقة في إنكار الإجماع، يراد بها أحد رجلين. . من حكى الإجماع، وهو ليس بأهل لحكايته.

стр. 285

أو رجل حكاه بعد انتشار العلماء في بلاد المسلمين الشاسعة، فما يدريه لعل الناس اختلفوا ولم يعلم.
следующие страницы →