← Акыда

Акыда · id 30885

قمع الدجاجلة الطاعنين في معتقد أئمة الإسلام الحنابلة

عبد العزيز بن فيصل الراجحي

Полный текст (487 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وسوف يأتيكم من بعده فتن ... توقعوها لها شأن من الشان فابكوا على جعفر وابكوا خليفتكم ... فقد بكاه جميع الإنس والجان قال: فلما أصبحت، أخبرت الناس برؤياي، فجاء نعي المتوكل أنه قد قتل في تلك الليلة. قال: ثم رأيته بعد هذا بشهر، وهو واقف بين يدي الله ، فقلت: ما فعل بك ربك؟ فقال: غفر لي. قلت: بماذا؟ قال: بقليل من السنة أحييتها. قلت: فما تصنع ههنا؟ قال: أنتظر ابني محمدا، أخاصمه إلى الله الحليم العظيم الكريم " اهـ كلام الحافظ ابن كثير. وقد رواها أيضا الحافظ ابن عساكر بإسناده إلى عمرو بن شيبان. وقال السيوطي في ترجمة المتوكل رحمهما الله، في "تاريخ الخلفاء" ص (٣٩١) : (أظهر الميل إلى السنة ونصر أهلها، ورفع المحنة، وكتب

стр. 282

بذلك إلى الآفاق) . ثم قال: (وتوفر دعاء الخلق للمتوكل، وبالغوا في الثناء عليه، والتعظيم له، حتى قال قائلهم: "الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق ﵁ في قتل أهل الردة، وعمر بن عبد العزيز في رد المظالم، والمتوكل في إحياء السنة، وإماتة التجهم ") اهـ كلام السيوطي. قلت: عنى السيوطي بقائلهم في كلامه السابق: قاضي البصرة إبراهيم بن محمد التيمي، فقد ذكر الذهبي مقولته هذه في "السير" (١٠ / ٣٢) وعزاها إليه. ثم قال السيوطي ص (٣٩١) : (وقال أبو بكر ابن الخبازة في ذلك: وبعد فإن السنة اليوم أصبحت ... معززة حتى كأن لم تذلل تصول وتسطو إذ أقيم منارها ... وحط منار الإفك والزور من عل وولى أخو الإبداع في الدين هاربا ... إلى النار يهوي محبرا غير مقبل شفى الله منهم بالخليفة جعفر ... خليفته ذي السنة المتوكل خليفة ربي , وابن عم نبيه ... وخير بني العباس من منهم ولي

стр. 283

أطال لنا رب العالمين بقاءه ... سليما من الأهوال غير مبدل وبوأه للنصر للدين جنة ... يجاور في روضاتها خير مرسل وكان مما نقمه الرافضة المجوس على المتوكل ﵀ رحمة واسعة - مع ما سبق من نصرة السنة، وقمع المعتزلة: هدم المتوكل الدور والمشاهد التي أقامتها الرافضة عند الحسين بن علي ﵄، لإقامة البدع والشنائع فيها. هدمها ﵀ ممتثلا في ذلك قول النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁: «ولا تدع قبرا مشرفا إلا سويته» رواه الإمام أحمد في "مسنده" (١ / ١٢٩) ومسلم في "صحيحه" (٩٦٩) وأبو داوود (٣٢١٨) والترمذي (١٠٤٩) والنسائي (٢٠٣١) وكان ذلك سنة (٢٣٦ هـ) . فلما فعل ذلك: ضجت الرافضة في العراق، ولهجت بسب المتوكل وشتمه وما زالوا إلى أن آل الأمر إلى صغير أفراخهم (المالكي) ، فتابع أجداده في ذلك، ورمى المتوكل ﵀ بما قد رماه سلفه به. اللهم ارحم المتوكل رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناتك، وأعظم له أجره، واغفر له ذنبه، وارفع درجاته في عليين، وألحقه بالنبيين ﷺ والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

стр. 284

[فصل في رميه الحنابلة بالتناقض في الإجماع فيدعونه في أمور ليس فيها إجماع] فصل في رميه الحنابلة بالتناقض في الإجماع، فيدعونه في أمور ليس فيها إجماع فإذا استدل عليهم أحد به، أبطلوه وقالوا: "وما أدراك لعل الناس قد اختلفوا"، وإبطال زعمه قال المالكي ص (١٣٥) : (وتراهم يحتجون بالإجماع، ويدعونه في أمور ليس فيها إجماع، فإذا احتججت عليهم بالإجماع في أمر أظهر منه، يرددون عبارة أحمد بن حنبل: "من ادعى الإجماع فقد كذب، وما أدراك لعلهم اختلفوا") اهـ. والجواب عليه من وجهين: أحدهما: مطالبة المالكي بأمرين لتصح دعواه: . مثال على ما ادعى الحنابلة فيه الإجماع، وليس فيه إجماع، بقول عالم، لا بهذيان المالكي. . ومثال آخر، ادعي فيه الإجماع علينا في مسألة خالف فيها الحنابلة، فتخلصوا منه بنفي صحة الاحتجاج بالإجماع. الوجه الثاني: أن الإمام أحمد ﵀ لا ينكر صحة الاحتجاج بالإجماع، وهو يأخذ به، بل احتج به في مسائل عدة. ولكن مقولة أحمد السابقة في إنكار الإجماع، يراد بها أحد رجلين. . من حكى الإجماع، وهو ليس بأهل لحكايته.

стр. 285

أو رجل حكاه بعد انتشار العلماء في بلاد المسلمين الشاسعة، فما يدريه لعل الناس اختلفوا ولم يعلم.

стр. 286

[فصل في رميه الحنابلة بالتناقض في الصحابة فيذمون الرافضة لطعنهم في كثير من الصحابة] فصل في رميه الحنابلة بالتناقض في الصحابة، فيذمون الرافضة لطعنهم في كثير من الصحابة، ويتركون النواصب مع نيلهم من علي ﵁، وهو من الصحابة، ورد مزاعمه قال المالكي ص (١٣٥) : (وتراهم يتناقضون في الصحابة، ووجوب تقديرهم، فيذمون الشيعة؛ لأنهم ينتقصون أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بينما لا يذمون النواصب ولا يذكرونهم بسوء، مع أنهم كانوا يلعنون علي بن أبي طالب ويذمونه، ويرمونه بكل طامة، سواء كان ذلك من قبل حكامهم من بني أمية، أو علمائهم كحريز بن عثمان، وثور بن يزيد ونحوهم) اهـ. والجواب من وجوه: أحدها: أن من سب صحابيا واحدا فأكثر، كان رافضيا خبيثا. وعلي ﵁ صحابي، بل من أفاضل الصحابة وخيارهم، فمن تكلم فيه بشيء، كان رافضيا ناصبيا. وكل كلام الحنابلة وغيرهم من أهل السنة في ذم الرافضة ولعنهم، هو في الناصبة كذلك، من الطاعنين في علي ﵁.

стр. 287

الثاني: أن الحنابلة كبقية أهل السنة، يحبون آل البيت، ويحفظون وصية رسول الله ﷺ فيهم، ويروون أحاديث فضائلهم ويحدثون بها، ويبغضون ويذمون من تكلم فيهم بحرف. وفي "مسند الإمام أحمد " مئات الأحاديث التي رووها، فأول المسانيد في "مسنده" ﵀، وهو من ترتيب ابنه عبد الله: مسند الخلفاء الراشدين الأربعة، رابعهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وعنهم جميعا، روى عنه الإمام أحمد في "مسنده" (٨١٨) حديثا. ثم ذكر عبد الله مسند بقية العشرة ومسند توابعهم، ثم ذكر مسند آل أبي طالب الحسن، والحسين ابني علي بن أبي طالب، وعقيل، وجعفر ابني أبي طالب، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵃. ثم ذكر عبد الله مسند آل العباس العباس بن عبد المطلب وأبنائه: الفضل، وتمام، وعبيد الله، وعبد الله، وروى فيه (١٧٨٤) حديثا لهم. ثم ساق حديث مئات الصحابة ﵃، ولم يرض عبد الله بن الإمام أحمد أن يتقدم آل البيت أحد، عدا الخلفاء الراشدين، وتتمة العشرة المبشرين بالجنة وتوابعهم، ثم حديثهم. ثم ختم عبد الله "مسند أبيه": بمسند النساء، بدأه بأم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر، ثم فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ثم حفصة بنت عمر بن الخطاب، ثم أم سلمة، ثم زينب بنت جحش، ثم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، ثم أم حبيبة بنت أبي سفيان، ثم خنساء بنت خذام، ثم

стр. 288

أخت مسعود ابن العجماء، ثم رميثة، ثم ميمونة بنت الحارث، ثم صفية أم المؤمنين، ثم أم الفضل بنت عباس، ثم أم هانئ فاختة بنت أبي طالب ﵅ جميعا، وفيهن هاشميات، وأمهات المؤمنين، وهن جميعا من آل البيت. وفي " الشريعة " للإمام الحافظ أبي بكر محمد بن الحسن الآجري الحنبلي (ت ٣٦٠ هـ) - وهو من الكتب المعتمدة عند الحنابلة في العقيدة وأهمها-: ذكر الآجري عدة أبواب في فضائل علي وآل بيته ﵃ جميعا، قد تقدمت في فصل تقدم في رد زعم له نحو زعمه هنا، ص (١٩٧ - ٢١٤) من كتابي هذا. كما مر في فصل تقدم، طرف من الرد عليه في هذا الباب، وذكر اعتقاد الحنابلة في آل البيت ص (٢٢٧-٢٣٠) . الوجه الثالث: أن حريز بن عثمان الرحبي - وهو من رواة الستة عدا مسلما -: من أئمة المسلمين، وعلماء الحديث الورعين، ولم يكن ناصبيا كما زعم المالكي، وإنما رماه بعضهم بالنصب، ولم يصح عنه، بل قد نفاه عنه أبو حاتم الرازي وبرأه منه. وذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٧ / ٨٠) إنكار حريز لما نسب إليه من شتم علي ﵁، أو النيل منه. وذكر أن رجلا قال له: بلغني أنك لا تترحم على علي، فقال له حريز: " اسكت، ﵀ مائة مرة "، وقال حريز مرة: "والله ما سببت

стр. 289

عليا قط ". قال الذهبي بعد ذلك في "السير" (٧ / ٨١) : (هدا الشيخ كان أورع من ذلك) اهـ. أما ثور بن يزيد الكلاعي (ت ١٥٣ هـ) : فهو من رواة الستة عدا مسلما كذلك، وكان قدريا، ولم أر من ذكره بالنصب. وعلى كل حال من كان ناصبيا فإن الحنابلة يضللونه، ويبدعونه كما سبق. ويتعذر عليهم وعلى غيرهم أن يحصوا كل مبتدع أتى ببدعة ثم يذمونه. وإنما يكفيهم أن يبينوا أصل المسألة، ويبدعون صاحب القول بها، أو كان رأسا فيها، ممن عرفوا وبلغهم، أما من لم يعرفوه أو لم يبلغهم، فـ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . الوجه الرابع: أن المالكي جاهل بالتاريخ جهلا كبيرا، فجعل الحنابلة مداهنين لحكامهم بني أمية - كما زعم - إذ أنهم يتكلمون في علي ﵁، وهم ساكتون لا يفوهون بشيء. وهذا من أعجب العجب، ومن أظهر الكذب، فإن الإمام أحمد ﵀، لم يولد إلا في دولة بني العباس، ولم يدرك بني أمية، فكيف يداهنون حكاما لم يعاصروهم؟! ولم يدركوا يوما من أيامهم؟! ولم يولدوا إلا في عهد خصومهم؟!

стр. 290

[فصل في رميه الحنابلة بالتناقض بانتقاد الآخرين بالمشتبه من كلامهم] فصل في رميه الحنابلة بالتناقض: بانتقاد الآخرين بالمشتبه من كلامهم والاعتذار عن عبارات صريحة مخالفة، صدرت من أئمتهم، والرد عليه قال المالكي ص (١٣٦) : (وتراهم ينتقدون الآخرين، ويستدلون على صحة نقدهم لهم، بأمور مشتبهة من كلامهم، ولو بطرف عبارة) اهـ والجواب: أن المالكي يقصد بالأمور المشتبهة في كلامه هذا، أحد أمرين: إما اشتباه مقصود المتكلم من كلامه، فهذا باطل غير صحيح، فإن الحنابلة لما تكلموا وكفروا الجهمية بقولهم بخلق القرآن، ونفي الرؤية، وتعطيل الصفات، كانت عباراتهم- أعني الجهمية- صريحة، ومقصدهم ظاهر، ولم ينازع في ذلك أحد. ولم تقل الجهمية والمعتزلة لأهل الحديث، حنابلة وغيرهم: "إنكم لم تفهموا مقصدنا من كلامنا، أو فهمتموه على غير وجهه، وإنما مرادنا كذا وكذا! " ونحو ذلك، بل كانوا ينافحون عن معتقدهم، وصريح عبارتهم. وكذلك القول في الرافضة، في كلامهم في الصحابة والإمامة، وكذلك الخوارج، والقدرية، والمرجئة، وغيرهم من أهل البدع.

стр. 291

وإما أن يقصد المالكي "اشتباه الحكم، وما يؤول إليه حال قائله ": فهذا باطل غير صحيح أيضا. فإن كفر الجهمية ومن قال بقولهم مجمع عليه عند الأئمة جميعا قبل أحمد وبعده، وهو مستقر عند أهل السنة كذلك. وأما البدع والضلالات التي لم يكفروا بها فإنهم بدعوا منتحلها وضللوه، وهم في ذلك كله على ثقة مما حكموا وقضوا به. وعلى كلا الحالين، ليس للمالكي دليل واحد أو مثال على صحة ما ادعاه.

стр. 292

[فصل في رميه الحنابلة بتكلف الأعذار لأئمتهم] فصل في رميه الحنابلة بتكلف الأعذار لأئمتهم وعدم إعذارهم المخالفين مع أهليتهم لذلك، والرد عليه قال المالكي ص (١٣٦) : (بينما يبالغون في الاعتذار لعبارات صريحة صدرت من أئمتهم، كما يفعلون في الاعتذار عما كتبه عبد الله بن الإمام أحمد، أو الأهوازي، أو الهروي في التجسيم. أو ما كتبه البربهاري في التكفير، أو ما كتبه ابن تيمية في انتقاص علي بن أبي طالب، ورد كثير من فضائله) اهـ كلام المالكي. قلت: وقد تبين من كلامه هذا أنه يريد بكلامه السابق، في الفضل قبله " اشتباه مقصود المتكلم، لا اشتباه الحكم " وقد قدمنا رده. والجواب من وجوه عدة: أحدها: أن أئمة الحنابلة المذكورين، هم أئمة أهل السنة أيضا، ولم يخطئوا فيما ذكروه ورووه، حتى يحتاج إلى الاعتذار عنهم، باعتذار متكلف أو غير متكلف، مع التنبيه أن الأهوازي لم يكن حنبليا، وتقدم بيانه.

стр. 293

الثاني: رمي المالكي لشيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي ﵀ بالتجسيم، من جنس رمي عمرو بن عبيد، لعبد الله بن عمر ﵄ به، ومن جنس رمي أهل البدع جميعا، لأهل السنة به. وإلا فإن رواية أحاديث الصفات، والإيمان بها على ظاهرها، من غير تكييف ولا تشبيه، ولا تمثيل، ولا تعطيل ليس فيه تشبيه، إلا عند الضلال والمبتدعة. الثالث: أن البربهاري ﵀، لم ينفرد بتكفير من كفر، ولم يكفر إلا من قالت الأمة بكفره، وقد تقدم الدفاع عنه ﵀. الرابع: أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وأهل السنة حنابلة وغيرهم- أكثر الناس إجلالا، وحبا، وتعظيما، لصحابة رسول الله ﷺ ورضي عنهم جميعا، خاصة ذوي الفضل الكبير، والسبق الشهير، كالخلفاء الأربعة، وبقية العشرة، والمهاجرين والأنصار، فكيف ينتقص شيخ الإسلام عليا ﵁، وهو رابع الخلفاء الراشدين، وأفضل الناس قاطبة بعد النبي ﷺ والخلفاء الثلاثة قبله، وكان يدافع ﵀ عن عامة الصحابة من مسلمة الفتح وغيرهم، وممن هم دون علي في الفضل والسابقة؟! وإنما أهل البدع والأهواء قوم بهت، يكذبون ولا يستحون. وقد قدمنا قريبا في غير موضع، ما يبين مكانة علي ﵁، عند شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.

стр. 294

ولم يتهم شيخ الإسلام ابن تيمية بهذه التهمة، إلا الروافض بعد رده العظيم عليهم المسمى "منهاج السنة النبوية" الذي أثنى عليه العلماء، حتى مناوئي شيخ الإسلام وخصومه، أثنوا عليه وأطروه، كالتقي السبكي، وأبياته في ذلك معروفة مشهورة. أما دعواه أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رد كثيرا من فضائل علي ﵁، فكذب لا بينة عليه ولا دليل أو مثال، إلا إن كان يقصد بفضائله التي ردها شيخ الإسلام: . القول بإلهيته ﵁. . أو نبوته. . أو تقديمه على الشيخين. . أو ما ورد في فضله من أحاديث موضوعة وضعيفة. فإن كان هذا، فنعم إذن، ولا إنكار على شيخ الإسلام ﵀، ولا حرج. ولم يكن علي ﵁ محتاجا إلى تلك الفضائل المزعومة. لترفع من قدره الرفيع، أو تزيد في فضله العظيم. ولم يرد شيخ الإسلام ﵀ شيئا صح، ورد في فضائله ﵁. أما ما كان في صحته نزاع، فمن أهل العلم مصحح، ومنهم مضعف، فلا إنكار على المصحح ولا المضعف، وهذا من مواطن الاجتهاد.

стр. 295

وقد ذكرنا سابقا، شيئا من كلام شيخ الإسلام في علي ﵁، وتضليله ﵀ من توقف عن التربيع به.

стр. 296

[فصل في رميه الحنابلة بالتناقض حين قالوا إن أبا حنيفة لم يؤت الرفق في دينه بزعمه] فصل في رميه الحنابلة بالتناقض، حين قالوا: إن أبا حنيفة لم يؤت الرفق في دينه بزعمه، وهم يكفرونه وهذا أبعد عن الرفق، والرد عليه قال المالكي ص (١٣٦) : (وتراهم يذمون رجلا مثل أبي حنيفة، لزعمهم أنه لم يؤت الرفق في دينه، ثم يكفرونه، وهذا أبلغ في البعد عن الرفق) اهـ. والجواب من وجوه: أحدها: أن من ذم أبا حنيفة ﵀، ذمه لأمور رجع عن أكثرها، فربما بلغه رجوعه فأمسك، وربما لم يبلغه، وغالب هؤلاء من أئمة السلف المتقدمين على الإمام أحمد، وليسوا من أصحابه. أما تكفير أبي حنيفة ﵀ فلم يكفره أحد من الحنابلة قط، وإنما رووا أقوال بعض الأئمة فيه بأسانيدهم. وهذا لا تبعة عليهم فيه، ولم ينفردوا به، وقد قدمنا تفصيله في فصل سابق والحمد لله. الثاني: أن من يعنيه المالكي بنفي الرفق عن أبي حنيفة ﵀: هو سوار بن عبد الله ﵀ (١) ولم يكن حنبليا.

стр. 297

فإن أراد المالكي الذب عن أبي حنيفة ﵀ فليحمل عليه وليترك الحنابلة. الثالث: أنه إن كان أحد من الحنابلة ذم أبا حنيفة، فليس ذلك مذهبا لهم، بل مذهب غالبهم الثناء عليه، وتبجيله، وذكر فضله، والأخذ بفقهه، كبقية أهل العلم، وذكر أقواله، ونزاعه أو موافقته. ولم تخل كتب الحنابلة قط، من ذكره ﵀، ومن علمه.

стр. 298

[فصل في رميه الحنابلة بالتناقض بذمهم المنطق وإنكار المجاز ثم يستدلون بهما والرد عليه] فصل في رميه الحنابلة بالتناقض بذمهم المنطق وإنكار المجاز، ثم يستدلون بهما، والرد عليه قال المالكي ص (١٣٦) : (وتراهم يذمون المنطق، وينكرون المجاز، مع وجود هذا وهذا في كلامهم وحججهم.) اهـ. والجواب: أن من ذم المنطق من أئمة السنة، حنابلة وغيرهم، ومن أنكر منهم المجاز لم يستدل به أبدا، إلا أن يكون في معرض الرد عليهم، وإظهار تناقضهم، كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "الرد على المنطقيين"، وفي غير كتاب. ولم ينفرد الحنابلة بتحريمه، بل كل السلف على ذلك، ولم يطرأ الخلاف في جواز تعلم مبادئه، ما خلى منها عن محادة الشريعة، إلا متأخرا عند المتأخرين، ولم يسلم أيضا من تحريم العلماء الربانيين، حنابلة وغيرهم. قال أبو عمرو بن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) الإمام الشافعي الشهير، في فتواه الشهيرة في تحريم المنطق والفلسفة:

стр. 299

(الفلسفة رأس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة. ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة، المؤيدة بالحجج الظاهرة، والبراهين الباهرة. ومن تلبس بها تعليما وتعلما قارنه الخذلان والحرمان، واستحوذ عليه الشيطان) . إلى أن قال: (وأما المنطق: فهو مدخل الفلسفة، ومدخل الشر شر، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع، ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين، والأئمة المجتهدين، والسلف الصالحين، وسائر من يقتدى به من أعلام الأئمة وسادتها، وأركان الأمة وقادتها، قد برأ الله الجميع من معرة ذلك وأدناسه، وطهرهم من أوضاره) إلى آخر فتواه المعروفة الشهيرة، ﵀. وكذلك حرمه الإمام النووي (ت ٦٧٦ هـ) ، والجلال السيوطي (ت ٩١١ هـ) في رسالة سماها "القول المشرق، في تحريم الاشتغال بالمنطق " قال فيها: (فن المنطق، فن خبيث مذموم، يحرم الاشتغال به، مبنى بعض ما فيه على القول بـ "الهيولي"، الذي هو كفر يجر إلى الفلسفة والزندقة، وليس له ثمرة دينية أصلا، بل ولا دنيوية، نص على مجموع ما ذكرته أئمة الدين، وعلماء الشريعة. فأول من نص على ذلك: . الإمام الشافعي ﵁.

стр. 300

ونص عليه من أصحابه: * إمام الحرمين. * والغزالي في آخر أمره. * وابن الصباغ، صاحب "الشامل". * وابن القشيري. * ونصر المقدسي. * والعماد بن يونس. * وحفده (ت ٥٧١ هـ) . * والسلفي. * وابن بندار. * وابن عساكر. * وابن الأثير. * وابن الصلاح. * وابن عبد السلام. * وأبو شامة. * والنووي. * وابن دقيق العيد. * والبرهان الجعبري. * وأبو حيان.

стр. 301

* والشرف الدمياطي. * والذهبي. * والطيببي. * والملوي. * والأسنوي. * والأذرعي. * والولي العراقي. * والشرف بن المقري. * وأفتى به شيخنا، قاضي القضاة، شرف الدين المناوي. * ونص عليه من أئمة المالكية: * ابن أبي زيد، صاحب " الرسالة ". * والقاضي أبو بكر بن العربي. * وأبو بكر الطرطوشي. * وأبو الوليد الباجي. * وأبو طالب المكي، صاحب "قوت القلوب ". * وأبو الحسن بن الحصار. * وأبو عامر بن الربيع. * وأبو الحسن بن حبيب. * وأبو حبيب المالقي.

стр. 302

* وابن المنير. * وابن رشد. * وابن أبي جمرة. * وعامة أهل الغرب. ونص عليه من أئمة الحنفية: * أبو سعيد السيرافي. * والسراج القزوني، وألف في ذمه كتابا سماه "نصيحة المسلم المشفق، لمن ابتلي بحب علم المنطق ". ونص عليه من أئمة الحنابلة: * ابن الجوزي. * وسعد الدين الحارثي. * والتقي ابن تيمية، وألف في ذمه ونقض قواعده مجلدا كبيرا سماه "نصيحة ذوي الإيمان، في الرد على منطق اليونان ". وقد اختصرته في نحو ثلث حجمه، وألفت في ذم المنطق مجلدا، سقت فيه نصوص الأئمة في ذلك) إلى آخر فتواه ﵀. فإن قال المالكي: لست أنكر على الحنابلة تحريمهم المنطق، فقد حرمه السلف، وجمهور الخلف، كما ذكرت سابقا. وإنما ما أنكرته عليهم القول بتحريمه، ثم الاستدلال به، فهذا تناقض منهم.

стр. 303

قلنا له: هذا كذب منك ظاهر، فهلا مثالا واحدا إن كنت صادقا؟!

стр. 304

[فصل في رميه الحنابلة بالتناقض في ذمهم الخوارج بتكفير المسلمين وقتلهم ثم يكفرون المسلمين ويفتون بقتلهم] فصل في رميه الحنابلة بالتناقض، في ذمهم الخوارج بتكفير المسلمين وقتلهم ثم يكفرون المسلمين ويفتون بقتلهم، والرد عليه قال المالكي ص (١٣٦) : (وتراهم يذمون الخوارج، لأنهم يقتلون المسلمين ويكفرونهم، بينما هم يفتون بقتل خصومهم وتكفيرهم، كالخوارج تماما. انظر على سبيل المثال، الآثار عند عبد الله بن أحمد: (٥٢٨، ٥٣١) ، (٤٣١) ، (١ / ١٨ ١، ١٠٧، ١١٢، ١١٥، ١٢٠، ١٢١، ١٢٤، ١٢٧) وغير ذلك مما لا يمكن حصره) اهـ. والجواب من وجوه أربعة: أحدها: أن علماء المسلمين جميعا، يكفرون من ارتكب ناقضا من نواقض الإسلام، الاعتقادية، أو القولية، أو الفعلية، وليس هذا من عقائد الخوارج أو خروجا. الثاني: أن من كفره الحنابلة، للتجهم أو الاعتزال، من قول بخلق القرآن، وغيره لم ينفردوا- كما سبق بيانه- بتكفيره، وهم مسبوقون من أئمة السلف جميعا بتكفيرهم، وعليه المتأخرون من أهل السنة.

стр. 305

الثالث: أن الحنابلة والسلف جميعا وأهل السنة كلهم بعدهم كفروا الجهمية والمعتزلة، وخصوا بالتسمية الجهم بن صفوان، وبشرا المريسي، والجعد بن درهم، ونحوهم. أما الخوارج فكفروا عثمان، وعليا ﵄، ومن معهما، وكفروا عصاة المسلمين ببعض الكبائر، فهل يرى المالكي أن تكفير الزنادقة لعنهم الله كالجهمية من جنس تكفير عثمان، وعلي ﵄؟! الرابع: أن الأرقام والمواضع التي ذكرها المالكي في كلامه السابق، وعابها على الحنابلة، وأشار إلى وجودها عند عبد الله بن أحمد في كتابه "السنة"، وأن فيها تكفيرا للمسلمين من الحنابلة، فسأذكر ما تحت تلك الأرقام المذكورة من آثار، ليتبين مدى كذب هذا الرجل وفجوره: رقم (٥٢٨) . روى عبد الله بن الإمام أحمد في "السنة" تحته بسنده إلى يزيد بن هارون قال: (إن كان ما يذكر عن بشر المريسي حقا: حل سفك دمه) . رقم (٥٣١) . وروى عبد الله بسنده إلى عبد الرحمن بن مهدي قال: (من زعم أن الله لم يكلم موسى صلوات الله عليه: يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه) . رقم (٢ / ٤٣١)

стр. 306

وروى عبد الله بسنده إلى الإمام مالك بن أنس عن عمه أبي سهيل قال: (كنت مع عمر بن عبد العزيز ﵀، فقال لي: ما ترى في هؤلاء القدرية؟ قال: قلت: أرى أن تستتيبهم، فإن قبلوا ذلك، وإلا عرضتهم على السيف. فقال عمر بن عبد العزيز: ذلك هو الرأي. قلت لمالك: فما رأيك أنت؟ قال: هو رأيي) اهـ. رقم (١ / ١١٨) وروى عبد الله بسنده إلى فطر بن حماد قال: (سألت معتمر بن سليمان فقلت: يا أبا محمد، إمام القوم يقول: "القرآن مخلوق " أصلي خلفه؟ فقال: "ينبغي أن تضرب عنقه ") . رقم (١ / ١٠٧) وروى عبد الله بسنده إلى سفيان الثوري قال: (من زعم أن قول الله ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل: ٩] مخلوق، فهو كافر، زنديق، حلال الدم) . رقم (١ / ١١٢)

стр. 307

وروى عبد الله بسنده إلى سفيان بن عيينة قال: (من قال: "القرآن مخلوق" لما كان محتاجا أن يصلب على ذباب) يعني جبل. رقم (١ / ١١٥) وروى عبد الله بسنده إلى وكيع بن الجراح قال: (من زعم أن القرآن مخلوق، فقد زعم أنه محدث يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت رقبته) . ورقم (١ / ١٢٠) وروى عبد الله بسنده إلى عبد الرحمن بن مهدي، بأقوال عدة له، منها قول عبد الرحمن بن مهدي ﵀: (لو كان لي من الأمر شيء، لقمت على الجسر، فلا يمر بي أحد من الجهمية، إلا سألته عن القرآن فإن قال: إنه مخلوق: ضربت رأسه ورميت به في الماء) . ورقم (١ / ١٢١) وروى عبد الله بسنده إلى عبد الرحمن بن مهدي، بعدة آثار بمعنى الأثر السابق. رقم (١ / ١٢٤) وروى عبد الله بسنده إلى شبابة بن سوار قال: (اجتمع رأيي، ورأي أبي النضر هاشم بن قاسم، وجماعة من الفقهاء، على أن

стр. 308

المريسي كافر جاحد، نرى أن يستتاب فإن تاب، وإلا ضربت عنقه) . رقم (١ / ١٢٧) * وروى عبد الله بسنده إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد قال: (بلغني أن بشرا المريسي يزعم أن القرآن مخلوق، لله علي إن أظفرني به، إلا قتلته قتلة ما قتلتها أحدا قط) . وبعد سياقة هذه الآثار، التي زعم المالكي أن فيها تكفيرا من الحنابلة لخصومهم من المسلمين فشابهوا الخوارج، لذلك يتبين جليا أنها أقوال جماعة من أئمة السلف، وهم: * عمر بن عبد العزيز، الخليفة الراشد (ت ١٠١ هـ) . * وأبو سهيل نافع بن مالك الأصبحي (ت بعد ١٤٠ هـ) ، عم الإمام مالك وشيخه. * وسفيان بن سعيد الثوري (ت ١٦١ هـ) . * ومالك بن أنس، إمام دار الهجرة (ت ١٧٩ هـ) . * ومعتمر بن سليمان (ت ١٨٧ هـ) . * ووكيع بن الجراح (ت ١٩٦ هـ) . * وعبد الرحمن بن مهدي (ت ١٩٨ هـ) . * وسفيان بن عيينة (ت ١٩٨ هـ) . * ويزيد بن هارون (ت ٢٥٦ هـ) .

стр. 309

* وشبابة بن سوار (ت ٢٠٦ هـ) . * وهاشم بن القاسم، أبو النضر (ت ٢٠٧ هـ) . هارون الرشيد، الخليفة القرشي الهاشمي العباسي، الصالح، العادل، الجاهد (ت ١٩٢ هـ) . وهؤلاء كلهم- ﵏ ليسوا بحنابلة، بل هم جميعا أسن من الإمام أحمد ﵀، وجملة منهم لم يدركهم، فإن وفاة أحمد ﵀ سنة (٢٤١ هـ) . وكلهم من أئمة الحديث وأهله، مخرج حديثهم في الصحاح الستة، عدا أمير المؤمنين هارون الرشيد ﵏. وبعد هذا السياق يظهر جليا أمران: * كذب المالكي، وليس بجديد ولا مستغرب منه، فالشيء لا يستغرب من معدنه، وكتابه هذا كله مبني عليه. * وأنه يرى أئمة السلف الصالح مشابهين للخوارج، مكفرين للمسلمين ظلما، نعوذ بالله من ران القلوب، وخبث العقائد. ويلزم المالكين كذلك أحد أمرين: إما أن يكفر الزنادقة، الذين كفرهم السلف الصالح، وأجمع أهل السنة على ذلك، بما فيهم الحنابلة فيكون المالكين خارجيا أيضا مثلهم، ويكون عاب على الحنابلة وأئمتهم السابقين، ما هو واقع فيه.

стр. 310

أو لا يكفرهم فيكون مخالفا للسلف، وأهل السنة جميعا، وموافقا للزنادقة والضلال، فليختر ما شاء فلا ثالث لهما.

стр. 311

[فصل في زعمه أن الحنابلة لم يأمروا بأمر إلا خالفوه أو ينهوا عن شيء إلا ارتكبوه] فصل في زعمه أن الحنابلة لم يأمروا بأمر إلا خالفوه، أو ينهوا عن شيء إلا ارتكبوه، والرد عليه قال المالكي ص (١٣٦) : (لكنني أقول في الخلاصة هنا إنني لم أجد غلاة الحنابلة، ينهون عن شيء، إلا ارتكبوه عندما يريدون، ولم يأمروا بأمر إلا خالفوه عندما يريدون ذلك) اهـ. والجواب: أنا قد سقنا سفاهات المالكي حرفا حرفا، وبينا كذبه فيها وتلبيسه، فلم يصح له منها شيء، فهذه نتيجة فاسدة مبنية على مقدمات كاذبة.

стр. 312

[فصل في رمي المالكي فرق المسلمين عامة بالتناقض وخصه الحنابلة بمزيد من التناقضات] فصل في رمي المالكي فرق المسلمين عامة بالتناقض، وخصه الحنابلة بمزيد من التناقضات التي تجعلهم كثر تناقضا من المعتزلة والأشاعرة، والرد عليه قال المالكي ص (١٣٦) : (وهذه مصيبة عامة، لا تكاد تنجو منها فرقة من فرق المسلمين للأسف، لكنها في غلاة الحنابلة، تبدو أكثر وضوحا من الأشاعرة، والمعتزلة على الأقل) اهـ. والجواب: أن الله لما كان كتابه الكريم، سالما من التناقض، لأنه من عنده سبحانه، وكذلك كانت سنة نبيه ﷺ ، وكان أهل السنة جميعا بما فيهم الحنابلة، أشد الناس تمسكا بهما، وانتصارا لحماهما سلموا من التناقض في عقائدهم، لهذا لم يستطع المالكي أن يمثل على ذلك بمثال واحد صحيح فقط. أما أهل البدع، كالمعتزلة والأشاعرة، فحظهم من التناقض بقدر بعدهم من السنة، وحظهم من الصواب بقدر إصابتهم للسنة وقربهم منها. قال أبو المظفر السمعاني (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: (ومما يدل على أن أهل الحديث هم على الحق أنك لو طالعت جميع

стр. 313

كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم، مع اختلاف بلدانهم وزمانهم، وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كل واحد منهم قطرا من الأقطار، وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة، ونمط واحد، يجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنها، ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد، ونقلهم واحد، لا ترى بينهم اختلافا، ولا تفرقا في شيء ما، وإن قل. بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم، ونقلوه عن سلفهم وجدته كأنه جاء من قلب واحد، وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبن من هذا، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] ، وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] . وأما إذا نظرت إلى أهل الأهواء والبدع رأيتهم متفرقين مختلفين، أو شيعا وأحزابا، لا تكاد تجد اثنين منهم على طريقة واحدة في الاعتقاد، يبدع بعضهم بعضا. بل يرتقون إلى التكفير، يكفر الابن أباه، والرجل أخاه، والجار جاره. تراهم أبدأ في تنازع، وتباغض، واختلاف، تنقضي أعمارهم، ولما تتفق كلماتهم ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر: ١٤] .

стр. 314

أو ما سمعت أن المعتزلة مع اجتماعهم في هذا اللقب يكفر البغداديون منهم البصريين، والبصريون منهم البغدادين. ويكفر أصحاب أبي علي الجبائي ابنه أبا هاشم، وأصحاب أبي هاشم يكفرون أباه أبا علي، وكذلك سائر رءوسهم. وأرباب المقالات منهم، إذا تدبرت أقوالهم رأيتهم متفرقين يكفر بعضهم بعضا، ويتبرأ بعضهم من بعض. وكذلك الخوارج والروافض فيما بينهم، وسائر المبتدعة بمثابتهم، وهل على الباطل دليل أظهر من هذا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا (١) دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٥٩] . وكان السبب في اتفاق أهل الحديث أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة وطريق النقل، فأورثهم الاتفاق والاختلاف. وأهل البدع أخذوا الدين من المعقولات والآراء، فأورثهم الافتراق والاختلاف. فإن النقل والرواية من الثقات والمتقنين قلما يختلف، وإن اختلف في لفظ أو كلمة، فذلك اختلاف لا يضر الدين، ولا يقدح فيه. وأما دلائل العقل فقلما تتفق، بل عقل كل واحد يري صاحبه غير ما يرى الآخر، وهذا بين والحمد لله) انتهى كلام أبي المظفر

стр. 315

السمعاني، نقله عنه الحافظ أبو القاسم التيمي رحمهما الله، في كتابه العظيم "الحجة في بيان المحجة" (٢ / ٢٢٤ - ٢٢٧) .

стр. 316

[فصل في رميه الحنابلة بالتناقض في نهيهم عن الكلام والجدل حين ضعف حجتهم] فصل في رميه الحنابلة بالتناقض في نهيهم عن الكلام والجدل حين ضعف حجتهم فإذا تمكنوا تركوا ذلك وجادلوا، والرد عليه قال المالكي ص (١٣٧) : (مثل شبهتهم في النهي عن علم الكلام والجدل، مع أنهم يتناقضون ويجادلون إذا تمكنوا من ذلك. لكن لهم شبها ضعيفة، يمنعون بها العلماء من الخوض في علم الكلام، بينما يعلمون العوام مصطلحات مستحدثة من علم الكلام) اهـ. والجواب: أحدها: أن الناهين عن علم الكلام، هم أئمة السلف، وشيوخ المسلمين، من كل المذاهب، باختلاف العصور، وقد قدمت قريبا عند ذكر الناهين عن المنطق، جملة كبيرة من أسمائهم، حنفية، ومالكية، وشافعية، وحنابلة. بل حتى أئمة هذا الفن - أعني علم الكلام - قد رجع عنه جملة من كبار أئمته، وندموا على دخولهم فيه، كأبي حامد الغزالي، والفخر الرازي، وغيرهم، وقد ذكرنا بعضهم في موضع سابق.

стр. 317

الثاني: أن الناهين عن جدال أهل البدع ومناظرتهم هم أئمة السلف والمسلمين كذلك، حنابلة وغير حنابلة، من أهل السنة، قال الإمام البغوي ﵀ في " شرح السنة " (١ / ٢١٦) : (واتفق علماء السلف من أهل السنة على النهي عن الجدال والخصومات في الصفات، وعلى الزجر عن الخوض في علم الكلام وتعلمه) اهـ. وقد عقد جملة من أئمة المسلمين أبوابا في مصنفاتهم، ذكروا فيها نهي السلف عن الجدال والمناظرة، ومنهم: الآجري في " الشريعة ": (باب ذم الجدال والخصومات في الدين) . * واللالكائي في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة ": (سياق ما روي عن النبي ﷺ في النهي عن مناظرة أهل البدع وجدالهم، والمكالمة معهم، والاستماع إلى أقوالهم المحدثة وآرائهم الخبيثة) . * وابن بطة العكبري في " الإبانة الكبرى ": (باب النهي عن المراء في القرآن) . * وابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله ": (باب ما يكره فيه المناظرة والجدال والمراء) . * وأبو القاسم التيمي في " الحجة في بيان المحجة ": (فصل في النهي عن مناظرة أهل البدع وجدالهم والاستماع إلى أقوالهم) وغيرهم. وفي هذه الكتب وغيرها ما لا يحصى كثرة من نهي جماعات من السلف عن الجدال والمراء.

стр. 318

ومستندهم في ذلك: قول الله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ [غافر: ٤] ونحوه، وقول النبي ﷺ : «أبغض الرجال إلى الله: الألد الخصم» ، أخرجه البخاري (٤٥٢٣) ، ومسلم (٢٦٦٨) عن عائشة ﵂. وقوله ﷺ : «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم قرأ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ [الزخرف: ٥٨] » ، أخرجه الترمذي (٣٢٥٣) وابن ماجه (٤٨) والحاكم (٤٤٧٢) وصححه، ووافقه الذهبي عن أبي أمامة ﵁. ومن أقوال أئمة السلف الشهيرة في هذا الباب: * قول أبي قلابة ﵀: (لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في الضلالة، أو يلبسوا عليكم في الدين بعض ما لبس عليهم) . * وقول الحسن البصري، ومحمد بن سيرين: (لا تجالسوا أصحاب الأهواء، ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم) . * وقول عون بن عبد الله بن عنبة بن مسعود الهذلي: (لا تجالسوا أهل القدر، ولا تخاصموهم، فإنهم يضربون القرآن بعضه ببعض) . * وقول الفضيل بن عياض: (لا تجادلوا أهل الخصومات، فإنهم يخوضون في آيات الله) ، وهؤلاء كلهم قبل الإمام أحمد ﵏.

стр. 319

والآثار في هذا الباب كثيرة جدا عن الصحابة والتابعين وأتباعهم، ومن بعدهم، قال الإمام اللالكائي الشافعي (ت ٤١٨ هـ) في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة " (١ / ١٩) : (فما جنى على المسلمين جناية أعظم من مناظرة المبتدعة، ولم يكن قهر ولا ذل أعظم مما تركهم السلف على تلك الجملة، يموتون من الغيظ كمدا ودردا، ولا يجدون إلى إظهار بدعتهم سبيلا، حتى جاء المغرورون، ففتحوا لهم إليها طريقا، وصاروا إلى هلاك الإسلام دليلا، حتى كثرت بينهم المشاجرات، وظهرت دعوتهم بالمناظرة، وطرقت أسماع من لم يكن عرفها من الخاصة والعامة) . . . إلى آخر كلامه ﵀. أما ما ورد في جواز الجدال والمناظرة أيضا فكثير، كقوله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ، وجدال إبراهيم ﵇ لقومه، وللنمرود، وجدال نبينا محمد ﷺ لقومه آحادا وجماعات، وتحاج آدم وموسى ﵉. وأخذ به كثير من السلف مثل: * الشافعي مع حفص الفرد المعتزلي وغيره.

стр. 320

* وعمر بن عبد العزيز مع غيلان الدمشقي القدري وغيره. * والأوزاعي مع بعض القدرية. * والإمام أحمد وجماعات من الأئمة مع المعتزلة في خلق القرآن، وغيره. * والدارمي مع بشر المريسي. وغيرهم كثير لا يحصى، قال الحافظ ابن رجب في " جامع العلوم والحكم ": (قال كثير من أئمة السلف: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوا فقد كفروا) اهـ. ولا تعارض بين هذه الأدلة والأقوال والأفعال المانعة من الجدال والمناظرة، والآمرة به، أو الآذنة. وإنما المسألة فيها تفصيل، ذكره جملة من أهل العلم، فلا تجوز المناظرة والجدال إلا بتحقق شروط في المناظر، والخصم، والمكان. فشرط المناظر: * أن لا يناظر إلا في حق. * وأن يكون عالما عارفا بما يناظر فيه، متمكنا منه. وشرط الخصم المناظر: * أن يعلم مناظره فيه الإنصاف، وطلب الحق، بحيث لو استبان له الحق رجع إليه، وترك ما هو فيه وعليه. وشرط المكان المناظر فيه: * أن لا يكون عاما، إلا إذا ضمن أمرين:
следующие страницы →