[فصل في رميه الحنابلة بالتناقض في نهيهم عن الكلام والجدل حين ضعف حجتهم]
فصل
في رميه الحنابلة بالتناقض في نهيهم عن الكلام والجدل حين ضعف حجتهم
فإذا تمكنوا تركوا ذلك وجادلوا، والرد عليه قال المالكي ص (١٣٧) : (مثل شبهتهم في النهي عن علم الكلام والجدل، مع أنهم يتناقضون ويجادلون إذا تمكنوا من ذلك.
لكن لهم شبها ضعيفة، يمنعون بها العلماء من الخوض في علم الكلام، بينما يعلمون العوام مصطلحات مستحدثة من علم الكلام) اهـ.
والجواب: أحدها: أن الناهين عن علم الكلام، هم أئمة السلف، وشيوخ المسلمين، من كل المذاهب، باختلاف العصور، وقد قدمت قريبا عند ذكر الناهين عن المنطق، جملة كبيرة من أسمائهم، حنفية، ومالكية، وشافعية، وحنابلة.
بل حتى أئمة هذا الفن - أعني علم الكلام - قد رجع عنه جملة من كبار أئمته، وندموا على دخولهم فيه، كأبي حامد الغزالي، والفخر الرازي، وغيرهم، وقد ذكرنا بعضهم في موضع سابق.
стр. 317
الثاني: أن الناهين عن جدال أهل البدع ومناظرتهم هم أئمة السلف والمسلمين كذلك، حنابلة وغير حنابلة، من أهل السنة، قال الإمام البغوي ﵀ في " شرح السنة " (١ / ٢١٦) : (واتفق علماء السلف من أهل السنة على النهي عن الجدال والخصومات في الصفات، وعلى الزجر عن الخوض في علم الكلام وتعلمه) اهـ.
وقد عقد جملة من أئمة المسلمين أبوابا في مصنفاتهم، ذكروا فيها نهي السلف عن الجدال والمناظرة، ومنهم:
الآجري في " الشريعة ": (باب ذم الجدال والخصومات في الدين) . * واللالكائي في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة ": (سياق ما روي عن النبي ﷺ في النهي عن مناظرة أهل البدع وجدالهم، والمكالمة معهم، والاستماع إلى أقوالهم المحدثة وآرائهم الخبيثة) .
* وابن بطة العكبري في " الإبانة الكبرى ": (باب النهي عن المراء في القرآن) .
* وابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله ": (باب ما يكره فيه المناظرة والجدال والمراء) .
* وأبو القاسم التيمي في " الحجة في بيان المحجة ": (فصل في النهي عن مناظرة أهل البدع وجدالهم والاستماع إلى أقوالهم) وغيرهم.
وفي هذه الكتب وغيرها ما لا يحصى كثرة من نهي جماعات من السلف عن الجدال والمراء.
стр. 318
ومستندهم في ذلك: قول الله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ [غافر: ٤] ونحوه، وقول النبي ﷺ : «أبغض الرجال إلى الله: الألد الخصم» ، أخرجه البخاري (٤٥٢٣) ، ومسلم (٢٦٦٨) عن عائشة ﵂.
وقوله ﷺ : «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم قرأ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ [الزخرف: ٥٨] » ، أخرجه الترمذي (٣٢٥٣) وابن ماجه (٤٨) والحاكم (٤٤٧٢) وصححه، ووافقه الذهبي عن أبي أمامة ﵁.
ومن أقوال أئمة السلف الشهيرة في هذا الباب: * قول أبي قلابة ﵀: (لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في الضلالة، أو يلبسوا عليكم في الدين بعض ما لبس عليهم) .
* وقول الحسن البصري، ومحمد بن سيرين: (لا تجالسوا أصحاب الأهواء، ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم) .
* وقول عون بن عبد الله بن عنبة بن مسعود الهذلي: (لا تجالسوا أهل القدر، ولا تخاصموهم، فإنهم يضربون القرآن بعضه ببعض) .
* وقول الفضيل بن عياض: (لا تجادلوا أهل الخصومات، فإنهم يخوضون في آيات الله) ، وهؤلاء كلهم قبل الإمام أحمد ﵏.
стр. 319
والآثار في هذا الباب كثيرة جدا عن الصحابة والتابعين وأتباعهم، ومن بعدهم، قال الإمام اللالكائي الشافعي (ت ٤١٨ هـ) في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة " (١ / ١٩) : (فما جنى على المسلمين جناية أعظم من مناظرة المبتدعة، ولم يكن قهر ولا ذل أعظم مما تركهم السلف على تلك الجملة، يموتون من الغيظ كمدا ودردا، ولا يجدون إلى إظهار بدعتهم سبيلا، حتى جاء المغرورون، ففتحوا لهم إليها طريقا، وصاروا إلى هلاك الإسلام دليلا، حتى كثرت بينهم المشاجرات، وظهرت دعوتهم بالمناظرة، وطرقت أسماع من لم يكن عرفها من الخاصة والعامة) . . . إلى آخر كلامه ﵀.
أما ما ورد في جواز الجدال والمناظرة أيضا فكثير، كقوله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ، وجدال إبراهيم ﵇ لقومه، وللنمرود، وجدال نبينا محمد ﷺ لقومه آحادا وجماعات، وتحاج آدم وموسى ﵉.
وأخذ به كثير من السلف مثل:
* الشافعي مع حفص الفرد المعتزلي وغيره.
стр. 320
* وعمر بن عبد العزيز مع غيلان الدمشقي القدري وغيره.
* والأوزاعي مع بعض القدرية.
* والإمام أحمد وجماعات من الأئمة مع المعتزلة في خلق القرآن، وغيره.
* والدارمي مع بشر المريسي.
وغيرهم كثير لا يحصى، قال الحافظ ابن رجب في " جامع العلوم والحكم ": (قال كثير من أئمة السلف: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوا فقد كفروا) اهـ.
ولا تعارض بين هذه الأدلة والأقوال والأفعال المانعة من الجدال والمناظرة، والآمرة به، أو الآذنة.
وإنما المسألة فيها تفصيل، ذكره جملة من أهل العلم، فلا تجوز المناظرة والجدال إلا بتحقق شروط في المناظر، والخصم، والمكان.
فشرط المناظر: * أن لا يناظر إلا في حق.
* وأن يكون عالما عارفا بما يناظر فيه، متمكنا منه.
وشرط الخصم المناظر: * أن يعلم مناظره فيه الإنصاف، وطلب الحق، بحيث لو استبان له الحق رجع إليه، وترك ما هو فيه وعليه.
وشرط المكان المناظر فيه: * أن لا يكون عاما، إلا إذا ضمن أمرين:
стр. 321
* أن لا يكون فيه من لو سمع شبه الخصم تعلق قلبه – لجهله - ببعضها، وربما لم يع، أو لا يعي، حجة المناظر له، فيهلك.
* وأن لا يكون الخصم مغمورا غير معروف، فإذا نوظر عرف وظهر أمره عند بعض المفتونين.
فإن كان كل من في المجلس ضالا، فإن اهتدوا، وإلا بقوا على ما هم عليه من الضلال، فلا بأس بالمناظرة فيه على عمومه.
ومدار الحكم تحقق المصلحة، ولو مع تخلف بعض هذه الشروط، فإن ظن تحقق مصلحة راجحة، مع تخلف أحد هذه الشروط، روعيت المصلحة، وترك الشرط، كأن تعلم مكابرة الخصم، وعدم رجوعه للحق، ولو قامت عليه الحجة، أو ملاججته في باطل، يعلم - دون مناظرة - بطلانه، إلا أن المناظر أراد إرغامه وتصغيره أمام أتباعه، آملا في هدايتهم، وطلبا لنجاتهم، كما ناظر موسى ﵇ فرعون، وفرعون يعلم بطلان ما هو عليه، لهذا قال الله عنه وعن قومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] ، إلا أن ما يرجوه موسى ﵇ من المصلحة تحقق، فآمن له السحرة، وزوجة فرعون، وكثير من أتباعه.
ومن نظر في كلام السلف في نهيهم وأمرهم ومنعهم وتجويزهم، رأى أن مدار ذلك كله على ما سبق.
стр. 322
وهكذا كان منع الحنابلة وتجويزهم، ونهيهم وأمرهم، ولم يكن سببه ما زعمه المالكي من ضعف الحجة والدليل، فإنهم ظاهرون بالحجة على جميع من ناظرهم وجادلهم، وحسبك مناظرتهم مع المعتزلة في خلق القرآن وغيرها، ومناظرة شيخ الإسلام ابن تيمية لخصومه وغيرهم.
الوجه الثالث: مطالبته بدليل صحة قوله: " بينما يعلمون العوام مصطلحات مستحدثة من علم الكلام "، أو مثاله، وأنى له بذلك؟
стр. 323
[فصل في زعم المالكي أن سبب تحريم الحنابلة لعلم الكلام هو عدم معرفتهم لوظيفته]
فصل
في زعم المالكي أن سبب تحريم الحنابلة لعلم الكلام هو عدم معرفتهم
لوظيفته، وعدم فهمهم لحجج خصومهم، والرد عليه قال المالكي ص (١٣٧) : (ويحسن أن أسرد هنا نموذجا للحوار معهم في جدوى علم الكلام للإمام أبي الحسن الأشعري، وكان يرد على غلاة الحنابلة في عصره، الذين يحرمون علم الكلام، نتيجة عدم فهمهم لوظيفة علم الكلام نفسه، أو عدم فهمهم لحجج الآخرين من المعتزلة، وأصحاب الأشعري والكلابية وغيرهم) اهـ.
والجواب من وجوه: أحدها: أن السلف قاطبة كانوا ينهون عن علم الكلام قبل الإمام أحمد وأصحابه وبعدهم، وسبق تقرير ذلك، فلا معنى لتخصيصهم.
والثاني: أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وكان السلف وأهل السنة جميعا ﵏ أتم الناس علما وورعا وفقها، لذا كان حكمهم في علم الكلام وغيره حقا وصدقا وعدلا.
الثالث: أن سبب تأليف اليونانيين لكتب الفلسفة والمنطق وكتب الكلام هو غياب الوحي عنهم، وحاجتهم إلى معرفة الغيبيات وأمور
стр. 324
كثيرة لا سبيل إلى معرفتها إلا بالوحي.
فحاول كبارهم الوصول إليها بعقولهم، وخافوا من زللها في تصوراتها، فوضعوا موازين وقواعد تعصم أذهانهم وعقولهم بزعمهم من الخطأ، ليجزموا بصحة ما وصلوا إليه.
فقدموا لما جهلوا أو أرادوا إثباته بمقدمات مسلمة ضرورة، ليصلوا إلى نتيجة مجهولة أو متنازع فيها، وما زادتهم تلك القواعد إلا ضياعا وضلالا في باب الإلهيات، والغيبيات عامة.
فإذا كانت هذه وظيفة علم الكلام، أيطلبه رجل قد رضي بالله تعالى ربا، وبمحمد ﷺ نبيا، وبالإسلام دينا، قد صدق بما جاء عن الله في كتابه الكريم، وما قاله نبيه ﷺ الصادق الأمين؟
لا والله، ولكن لما كان أولئك الضلال المبتدعة جهمية ومعتزلة ونحوهم شكاكا ذوي ريبة تختلج وتتلجلج في صدورهم، وتحشرجهم في نحورهم، عمدوا إليه عطاشى، فشربوا منه شرب الهيم، فما زادهم إلا عطشا، فلهذا تجدهم أجهل الناس بالكتاب والسنة وعلومها.
وزاد جهلهم بهما: طلبهم ما يناقضهما، ويعارضهما، فزادوا على الشر شرا أعظم منه، ولما بلغوا غايتهم فيه، وقضوا تهمتهم منه إذا بشكهم قد زاد، وما كان عندهم من إيمان قليل - قبل ولوجهم في علم الكلام - قد زال.
стр. 325
فكم أريقت دموع مخذول تحير في الحق، لا يدري بما يورد وبما يصدر، وكم تفوه آخر بالحسرات والعبرات، وحسد العجائز وذوي الجهالات لسلامة قلوبهم، وطهارة أنفسهم، وسأل الله إيمانا كإيمانهم بعد بلوغه في علم الكلام ما بلغ.
وقد قدمت في فصل سابق أقوال جماعة من كبار المتكلمين وأئمتهم، يتحسرون ويتندمون على دخولهم فيه، فهل يتمنى مؤمن ذلك أو يسعى إليه؟ حاشا لله.
الوجه الرابع: أن زعم المالكي أن الحنابلة - ومراده السلف جميعا - لم يفهموا حجج الآخرين من المعتزلة والكلابية والأشاعرة باطل إجماعا، غير صحيح.
بل إن مراد المعتزلة وغيرهم من المبتدعة في حججهم ظاهر بين، لا يحتاج إلى مزيد إيضاح، وهو كفر وردة عن الإسلام، ومحادة له، فإن أبى إلا قوله فليبين لنا مراد قومه المعتزلة من حججهم التي لم يفهمها السلف.
وكتب السلف ﵏ ومن بعدهم بين أيدينا، وأقوالهم - وهي لا تحصى - مدونة عندنا، تدل على معرفتهم التامة بحجج المخالفين ومرادهم.
стр. 326
وحجج الأئمة في نقض شبهات أولئك الضلال تدل عليه كذلك.
ولو سلمنا للمالكي - ولا نسلم - أن أحد أئمة السلف أو العلماء قد خفي عنه مقصد أولئك الضلال، أو غاب عنه فهمه لحجتهم، فكفرهم بأقوالهم تلك، أفيشمل ذلك الجهل بحجة الخصم، وفهمها السلف جميعا، وأهل السنة قاطبة بعدهم، فيجمعون على كفر أولئك، وهم لم يفهموا مرادهم؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
стр. 327
[فصل في إيراد المالكي رسالة لأبي الحسن الأشعري في استحسان علم الكلام]
فصل
في إيراد المالكي رسالة لأبي الحسن الأشعري في " استحسان علم
الكلام " صنفها قبل رجوعه إلى السنة، ونقضها ثم ذكر المالكي رسالة أبي الحسن الأشعري في " استحسان الخوض في علم الكلام " ليبين للمخالف المحرم للكلام حسن تعلمه، وبعد الصواب عن محرمه. وجواب هذا مجمل ومفصل، أما المجمل فمن وجهين: أحدهما: أن هذه الرسالة صنفها الأشعري قبل رجوعه إلى السنة، عندما كان معتزليا، وقد رجع عنها، وعن كل ما كتبه في الاعتزال، ودان الله بعقيدة إمام المسلمين أحمد بن حنبل ﵁، ذكر ذلك في رسالته الشهيرة " الإبانة ".
بل خالف الأشعري المتكلمين وأضرابهم بعد رجوعه إلى السنة، ونقض كثيرا من أصولهم في رسالته " الإبانة " و " رسالته إلى أهل الثغر "، وغيرها.
الثاني: أن مخالفة أبي الحسن الأشعري لأئمة الإسلام والسنة لا تضر ما أجمعوا عليه، ولا تغير حكمه، وإنما هي مردودة عليه، لا قيمة لها، ولا حظ لها من النظر، ولا من الاعتبار، وقد قدمنا أنه قد رجع عنها، فالحمد لله.
стр. 328
[فصل في الجواب المفصل على رسالة أبي الحسن الأشعري في استحسان الخوض في علم الكلام]
فصل
في الجواب المفصل على رسالة أبي الحسن الأشعري في
" استحسان الخوض في علم الكلام " قال المالكي ص (١٣٧) : (يقول أبو الحسن الأشعري في رسالته في " استحسان الخوض في علم الكلام " يرد على الحنابلة: " إن طائفة من الناس جعلوا الجهل رأس مالهم، وثقل عليهم النظر والبحث عن الدين، ومالوا إلى التخفيف والتقليد، وطعنوا على من فتش عن أصول الدين، ونسبوه إلى الضلال ") اهـ كلامه.
والجواب: أن الأمر في الاعتقاد مبني على التسليم والاتباع، وهذا مقرر عند أهل السنة والجماعة، بالكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، ومن جاء بعدهم من الأئمة.
وهذا ما يسميه المتبدعة تقليدا، ويعيبون أهل السنة به، لجعلهم الوحيين مصدرا للعقيدة دون تحكيم العقل فيها، وأمور الغيب عامة لا يمكن إدراكها بالعقل قط، بل إن غاية إدراك العقل لما غاب عن الإنسان من أمور الدنيا، أو شيء منها، ظني لا يفيد العلم، ولا حتى العلم المقارب، فكيف بما غاب عنه من أمور
стр. 329
الآخرة ونحوها؟
فلا يحكم العقل في ذلك، أو يصحح حكمه فيها، إلا ناقص عقل، أو من لا عقل له، ولو كان في العقول كفاية، أو نوع كفاية، لما كان الخلق في حاجة للرسل، ولما أرسل الله سبحانه رسله إلى عباده.
ولو كانت كافية لما ضلت اليونان، وهم أهل العقل وعلومه، بل إن ضلال اليونانين في هذه الأبواب أعظم من ضلال غيرهم، لهذا تجد أن جميع أهل الملل والنحل باختلافها أقرب إلى الهداية، وأكثر طلبا لها من اليونانين فلاسفة ومناطقة.
حتى من آمن منهم، إيمانه مذبذب، على شفا جرف هار، تجده قليل عبادة، وضعيف ديانة وصلاح واستقامة وزهد وورع، بل ربما كان خلوا منها كلها أو أكثرها.
ومنهم من لم يدخل في الإسلام إلا مكيدة به وبأهله، فما حصل منهم في عهد المأمون وقبله وبعده من تفرق المسلمين إلى اليوم شيء كبير عريض، لو اجتمعت جيوش الكفر لفعله لما استطاعت، ولكن مكر الليل والنهار.
ومن طالع تراجم المتكلمين لم يجد أحدا منهم يسلم من طامة أو بلية، بل هم في ذلك بين مكثر ومقل، عياذا بالله.
стр. 330
ومن لم يشفه الوحي في معرفة أصول الدين فلا شفاه الله، ومن لم يعرفه به فكيف وبم يعرفه؟
ثم ذكر المالكي قول الأشعري: (وزعموا أن الكلام في الحركة، والسكون، والجسم، والعرض، والألوان، والأكوان، والجزء، والطفرة، وصفات الباري ، بدعة وضلالة) اهـ كلامه.
والجواب: أن هذا حق، فإن تحكيم العقل في صفات الله جل وعلا الذاتية والفعلية، وما يجوز عليه سبحانه، وما يمتنع، بمنأى عن الوحي، بل مع معارضته منكر عظيم، بل كفر وردة عن الإسلام.
لهذا تجد عقائد المتكلمين تخالف صريح القرآن وصحيح السنة مخالفة ظاهرة، لا يمكن الجمع بينهما، وتخالف اعتقاد المسلمين في الصدر الأول، وما تلاه من أهل القرون الفاضلة المفضلة، وما عليه أهل السنة جميعا بعد ذلك.
غير أن بعد المتكلمين من الحق وقربهم منه: بقدر حظهم من علم الكلام، فمن زاد علمه به زاد بعده عن الحق، والله المستعان.
ثم أورد المالكي ص (١٣٧ - ١٣٨) قول الأشعري، وهو يذكر حجج أهل السنة في إبطال علم الكلام:
стр. 331
(١- وقالوا:
لو كان هدى ورشادا لتكلم فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخلفاؤه وأصحابه.
٢ - قالوا:
ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يمت حتى تكلم في كل ما يحتاج إليه من أمور الدين، وبينه بيانا شافيا، ولم يترك بعده لأحد مقالا فيما للمسلمين إليه حاجة من أمور دينهم، وما يقربهم إلى الله ، ويباعدهم عن سخطه.
فلما لم يرووا عنه الكلام في شيء مما ذكرناه علمنا أن الكلام فيه بدعة، والبحث عنه ضلالة؛ لأنه لو كان خيرا لما فات النبي صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم، ولتكلموا فيه.
٣ - قالوا:
ولأنه ليس يخلو ذلك من وجهين:
* إما أن يكونوا علموه فسكتوا عنه.
* أو لم يعلموه، بل جهلوه.
فإن كانوا علموه ولم يتكلموا فيه وسعنا أيضا نحن السكوت عنه كما وسعهم السكوت عنه، ووسعنا ترك الخوض فيه كما وسعهم ترك الخوض فيه؛ لأنه لو كان من الدين ما وسعهم السكوت عنه.
стр. 332
وإن كانوا لم يعملوه وسعنا جهله كما وسع أولئك جهله؛ لأنه لو كان من الدين لم يجهلوه.
فعلى كلا الوجهين الكلام فيه بدعة، والخوض فيه ضلالة.
فهذه جملة ما احتجوا به في ترك النظر في الأصول) اهـ كلامه.
وأقول: هذه حجج قوية، دافعة لكل شبهة وبدعة، وهي حجج تبطل كل بدعة وضلالة، سواء كانت علم الكلام أم خلق القرآن أم غير ذلك، كما أن لهم في رد علم الكلام حججا أخرى لم يذكرها الأشعري، قد ذكرنا طرفا منها في مواضع تقدمت.
ثم قال المالكي ص (١٣٨) : (ثم أخذ أبو الحسن الأشعري في الرد قائلا: " الجواب عن الكلام السابق من ثلاثة أوجه:
أحدها: قلب السؤال عليهم، بأن يقال: النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يقل أيضا: " إنه من بحث عن ذلك، وتكلم فيه، فاجعلوه مبتدعا ضالا "، فقد لزمكم أن تكونوا مبتدعة ضلالا، إذ تكلمتم في شيء لم يتكلم فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم) اهـ كلامه.
стр. 333
وجواب هذا الوجه يسير من ثلاثة وجوه: أحدها: أن الكلام في أسماء الله وصفاته وأمور الغيب عامة توقيفي، لا يجوز أن يزاد فيها أو ينقص منها إلا عن طريق الوحي، فمن تكلم في هذا الباب من غير توقيف كان مخطئا، ولو قدر أنه أصاب؛ لتكلمه فيه من غير طريق الوحي، فإذا تقرر هذا فالكلام في هذا الباب بعلم الكلام فاسد باطل.
الثاني: أن علم الكلام وكتبه كتب المنطق والفلسفة لم تكن في عهد النبي ﷺ حتى يخصها بشيء، إلا أن علم الكلام قد احتوى على مسائل كثيرة وعظيمة، قد حذر النبي ﷺ وشدد في آحادها، فكيف بها مجتمعة؟ كرد القرآن أو السنة بالرأي، أو ضرب بعضه ببعض، أو التشكيك في حكمه بمتشابهه، أو الكلام في الدين بالرأي، مع ما احتواه علم الكلام من مخالفة لكلام الله ، وكلام رسوله ﷺ ، وهذا كاف في معرفة حكم الشارع فيه.
الثالث: أن الصحابة ﵃ والتابعين ساروا على ما سار عليه نبيهم ﷺ ، فلما طرأ علم الكلام ودخل على المسلمين ضج أئمة الإسلام وعلماؤهم بإبطاله، وتحريمه، ورده، والتحذير منه، ومن أهله، وتكفير كثير من منتحليه لفساد عقائدهم، وقد تقدم.
стр. 334
ثم أورد المالكي الوجه الثاني لجواب أبي الحسن الأشعري على أهل السنة فقال: (والجواب الثاني: أن يقال لهم: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يجهل شيئا مما ذكرتموه من الكلام في الجسم والعرض، والحركة والسكون، والجزء والطفرة، وإن لم يتكلم في كل واحد من ذلك كلاما معينا، وكذلك الفقهاء والعلماء من الصحابة، غير أن هذه الأشياء التي ذكرتموها معينة أصولها، موجودة في القرآن والسنة جملة غير مفصلة) اهـ كلامه.
والجواب من وجوه ثلاثة: أحدها: أنه إذا كان أصل هذه الألفاظ موجودا في القرآن والسنة فلم الإعراض عنها، واستبدال عباراتهما بعبارات المتكلمين والفلاسفة اليونان؟
الثاني: أنا لو سلمنا - ولا نسلم - أن أصل هذه الألفاظ في الكتاب والسنة فقد تضمنت أمورا زائدة على أصلها، أو نقصت عنه، فهي غير موافقة، فيبقى حكم ذلك القدر الزائد مردودا، يحتاج دليلا لإثباته.
الثالث: أن غالب تلك الألفاظ محادة لما جاء عن الله جل وعلا، وعن رسوله ﷺ ، مناقضة لهما، فكيف يكون أصلها في الكتاب والسنة؟ معاذ الله.
стр. 335
فإن المتكلمين يقولون: إن الحركة والسكون من صفات المخلوقات، لهذا لا تجوز في حق الله ، ثم يبطلون بذلك جميع صفات الله سبحانه الفعلية، وهذا باطل فاسد، مخالف بالكتاب والسنة والإجماع، وللمتكلمين غير ذلك مما لا يستساغ ذكره.
ثم قال الأشعري: (أما الحركة والسكون والكلام فيهما فأصلهما موجود في القرآن، وهما يدلان على التوحيد، وكذلك الاجتماع والافتراق، قال الله تعالى، مخبرا عن خليله إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه، في قصة أفول الكواكب والشمس والقمر، وتحركهما من مكان إلى مكان، ما دل على أن ربه ، لا يجوز عليه شيء من ذلك، وأن من جاز عليه الأفول والانتقال من مكان إلى مكان فليس بإله) اهـ كلامه.
والجواب من وجوه ثلاثة: أحدها: أن في هذا الكلام السابق محادة ومخالفة ومعارضة لما في الكتاب والسنة، وتحريفا لكلام الله عن مواضعه، وهذا مصداق ما قدمنا قريبا.
الثاني: أن قول إبراهيم ﵇ دال على خلاف ما استدل به الأشعري، فإنه ﵇ لم ينكر حركة هذه الكواكب، وإنما
стр. 336
أنكر أفولها، وغياب سلطانها بعد ظهوره، وهذا يدل على جواز الحركة والظهور، لا انتفائه.
قال : ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ - فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ - فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٦ - ٧٨] .
الثالث: أن الكتاب والسنة قد دلا على ثبوت الصفات الفعلية لله جل وعلا، كصفة المجيء والنزول وغيرها، التي أنكرتها المعتزلة، وسبق إنكارها في كلام الأشعري المتقدم، ومن ذلك:
* قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا - وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢١ - ٢٢] .
* وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [البقرة: ٢١٠] .
* وقال : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] .
وروى الإمام مالك في " الموطأ " عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «ينزل الله كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» ،
стр. 337
وهذا حديث صحيح مخرج في " الصحيحين " [خ (١١٤٥) و (٦٣٢١) و (٧٤٩٤) عن القعنبي وعبد العزيز بن عبد الله الأويسي وإسماعيل بن أبي أويس كلهم عن مالك، م (٧٥٨) عن يحيى بن يحيى عن مالك به] .
قال عباد بن العوام: (قدم علينا شريك بن عبد الله منذ نحو من خمسين سنة، قال: فقلت له: يا أبا عبد الله إن عندنا قوما من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث - يعني حديث النزول السابق - قال: فحدثني بنحو من عشرة أحاديث في هذا، وقال: " أما نحن فقد أخذنا ديننا هذا عن التابعين عن أصحاب رسول الله ﷺ ، فهم عمن أخذوا؟ ") .
ثم قال الأشعري ص (١٣٩) : (أما الكلام في أصول التوحيد فمأخوذ أيضا من الكتاب، قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ، وهذا الكلام موجز منبه على الحجة، بأنه واحد لا شريك له) اهـ.
والجواب:
أن أهل الكلام يظنون أن أصل التوحيد ومرجعه هو توحيد الربوبية، وهو الذي أرسلت به الرسل، ونزلت في بيانه الكتب، والحق في هذا أن الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم بعثوا بأنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية - وهو توحيد العبادة - وتوحيد الأسماء والصفات.
стр. 338
ولم ينازع المشركون وغالب أقوام المرسلين في الأمم كلها في توحيد الربوبية، وإنما كان نزاعهم في توحيد الألوهية، قال الإمام القاضي علي بن علي بن محمد بن أبي العز الحنفي الدمشقي (ت ٧٩٢ هـ) في " شرح الطحاوية " (١ / ٢٨- ٢٩) : (وكثير من أهل النظر يزعمون أن دليل التمانع هو معنى قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] لاعتقادهم أن توحيد الربوبية، الذي قرروه هو توحيد الألوهية الذي بينه القرآن، ودعت إليه الرسل ﵈.
وليس الأمر كذلك، بل التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب هو توحيد الألوهية، المتضمن توحيد الربوبية، وهو عبادة الله وحده لا شريك له.
فإن المشركين من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأن خالق السماوات والأرض واحد، كما أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ، ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٥] ، ومثل هذا كثير في القرآن، ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم) اهـ.
ثم قال المالكي ص (١٤٠) : (ثم أطال الأشعري الكلام على هذه المسألة في نحو خمس صفحات، ثم قال: " يقال لهم: النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يصح عنه
стр. 339
حديث في أن القرآن غير مخلوق، أو هو مخلوق، فلم قلتم إنه غير مخلوق؟ ".
فإن قالوا: قاله بعض الصحابة، وبعض التابعين، قيل لهم: يلزم الصحابي والتابعي مثل ما يلزمكم من أن يكون مبتدعا ضالا، إذ قال ما لم يقله الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فإن قال قائل: فأنا أتوقف في ذلك، فلا أقول مخلوق، ولا غير مخلوق، قيل له: أنت في توقفك ذلك مبتدع ضال؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يقل: إن حدثت هذه الحادثة بعدي توقفوا فيها، ولا تقولوا فيها شيئا، ولا قال: ضللوا، وكفروا من قال بخلقه، أو من قال بنفي خلقه.) اهـ كلامه.
والجواب: أن الله قد قبض نبيه ﷺ بعد أن أكمل الدين، وأتم الشريعة، فقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] ، وقال أبو الدرداء ﵁: (لقد مات النبي ﷺ وما طائر يطير بجناحيه إلا وعندنا منه خبر) .
ولما قال المشركون لسلمان الفارسي ﵁: «قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة؟
стр. 340
فقال: " أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع، أو بعظم» وهذا في مسلم في " صحيحه " (٢٦٢) .
فإذا كان الحال كذلك فكيف نترك في أمر عظيم كمسألة خلق القرآن بلا بينة ولا دليل؟ وقد دل الكتاب والسنة الصحيحة، بل المتواترة، وإجماع السلف، على أن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
وقد تكلم الله به، وما كان منه سبحانه فهو غير مخلوق، ومن قال خلاف ذلك فقد كفر، قال : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] ، وقال جل وعلا: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] ، وقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] ، وقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ، وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] ، وقال: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠] ، والآيات في هذا الباب كثيرة.
وكذلك الأحاديث النبوية متواترة في هذا الباب، وهي أكثر من أن تحصى، منها:
стр. 341
* قوله ﷺ : «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان» ، رواه البخاري (٦٥٣٩) ومسلم (١٠١٦) من حديث عدي بن حاتم ﵁.
* وقوله ﷺ : «يقول الله تعالى: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج ذريتك بعثا إلى النار» ، رواه أحمد في " مسنده " (٣ / ٣٢ - ٣٣) ، والبخاري في " صحيحه " (٣٣٤٨) و (٤٧٤١) و (٦٥٣٠) ، ومسلم (٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
أما إجماع السلف قاطبة وأهل السنة جميعا فقد حكاه جماعات من العلماء، كأبي حاتم وأبي زرعة الحافظين الرازيين رحمهما الله وغيرهما.
وقد ذكرت أول الكتاب أسماء جماعات من السلف والحفاظ ممن كفروا من قال بخلق القرآن، فلا يقول ما فاه به الأشعري، أو يستدل به، أو يخاله حجة، إلا من لم يعرف الكتاب ولا السنة، ولا ما كان عليه علماء الأمة، وإنما صنعته الكلام والفلسفة.
ثم قال الأشعري ص (١٤٠) : (وخبرونا لو قال قائل: إن علم الله مخلوق، أكنتم تتوقفون فيه أم لا؟
فإن قالوا: لا،
стр. 342
قيل لهم: لم يقل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا أصحابه في ذلك شيئا.
وكذلك لو قال قائل: هذا ربكم شبعان، أو ريان، أو مكتس، أو عريان، أو مقرور. . . ونحو ذلك من المسائل، لكان ينبغي: أن تسكت عنه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يتكلم في شيء من ذلك، ولا أصحابه، أو كنت لا تسكت فكنت تبين بكلامك أن شيئا من ذلك لا يجوز على الله ، وتقدس عن كذا وكذا، بحجة كذا وكذا) اهـ كلامه.
والجواب: أن باب الأسماء والصفات باب غيبي، لا تجوز الإضافة إليه، أو النقص منه، إلا بوحي من كتاب الله، أو سنة رسول الله ﷺ ، فمن وصف الله بشيء ليس في الكتاب ولا السنة رد على قائله، وطولب بالدليل.
أما المتكلمون فلا يستطيعون إثبات صفة ولا نفيها خارج الكتاب والسنة، فإنهم لا يستدلون بحجة عقلية على إثباتها أو نفيها إلا ولخصمهم حجة عقلية أخرى، ترد ما استدلوا به، وتثبت خلافه.
لهذا كان مآل أكثرهم - والعياذ بالله - الزندقة، ومن سلم منهم من الزندقة كان شكاكا متلجلجا.
стр. 343
ثم قال المالكي ص (١٤٢) بعد إتمامه كلام أبي الحسن الأشعري: (وأنتم ترون أن عدم فهم حجة الطرف الآخر، والظن بأنه لا يعتمد على دليل، من الأسباب الرئيسة في انتقاصنا للآخرين، والنظر إليهم بعين الازدراء، وكأنهم مجموعة من العوام الذين يعكفون على التقليد، ويعتمدون على أذواقهم وعقولهم القاصرة، إلخ.
ولو تواضعنا وطلبنا من الآخر أن يبين حجته بالبراهين لندرسها ونراجعها لكان أفضل مما نحن عليه من نفي الآخر، والتعالي عليه، ولعلنا أجهل منه، وأبعد عن الحق) اهـ كلام المالكي.
والجواب عن هذا يسير من وجهين: أحدهما: أن ما ذكره المالكي قد سلم منه السلف وأتباعهم بحمد الله، وإنما هو وصف لحاله مع أئمة السلف وعلماء السنة، على حد قول الأول: "رمتني بدائها وانسلت "، وهو أحق الناس بنصيحته.
الثاني: أن أهل السنة حنابلة وغيرهم ﵏ لما حكموا على علم الكلام بما حكموا به عليه، كان حكما عادلا منصفا، قد بينا سابقا دلائل صدقه، وظهور إصابته.
ولا أدل وأوضح على ذلك من رجوع أبي الحسن الأشعري نفسه عما كان فيه من اعتزال وكلام إلى مذهب أهل السنة، وخص منهم إمام الأئمة أحمد بن حنبل ﵁، وهذا قد ذكره أبو الحسن الأشعري في رسالته " الإبانة ".
стр. 344
فلم رجع الأشعري عن كلامه السابق، بل عن مذهبه كله إلى مذهب الإمام أحمد؟ أم أن أبا الحسن الأشعري - أيضا - لم يفهم ما كان هو عليه، ويحتج له، ويذب عنه؟
وكذلك رجوع أئمة المتكلمين وكبارهم - الذين بلغوا فيه الغاية، وأصبح المتكلمون يحتجون بهم، وقد كانوا يحتجون لهم - عن الكلام، وقد قدمنا ذكر بعضهم، وهذا يدل على دقة فهم السلف لمآل علم الكلام وأهله.
стр. 345
[فصل في زعم المالكي أن من صفات الحنابلة الظلم والرد عليه]
فصل
في زعم المالكي أن من صفات الحنابلة: الظلم، والرد عليه قال المالكي ص (١٤٣) في سياق ذكره صفات الحنابلة: (- الظلم، مثل قولهم:
* المرجئة مثل الصابئين.
* المرجئة يهود.
* الرافضة أكفر من اليهود والنصارى.
* المعطلة أكفر من المشركين.
* المرجئة والقدرية ليس لهما نصيب في الإسلام.
* الحنفية كاللصوص.
* وصم المتأولين للنصوص كالأشاعرة وغيرهم بالملحدين، ومخانيث المعتزلة.
* الجهمية كفار.
* القدرية كفار.
* الرافضة كفار.
* القدرية مجوس) اهـ كلام المالكي.
стр. 346
والجواب من وجوه: أحدها: أن هذه أقوال قالها جماعة من أئمة السلف قبل الحنابلة، فجملة منها لسعيد بن جبير التابعي الكبير ﵀، ولأمثاله.
الثاني: أن المعطلة والجهمية - ومنهم المرجئة الغالية - والرافضة متفقون على جملة اعتقادات قد أجمع السلف وأهل السنة بعدهم على تكفير قائلها، كالقول بخلق القرآن، وقد قدمنا أول الكتاب وفي غير موضع أسماء جماعات منهم، ودليل ذلك وحجته.
أما القدرية فقد صح عن ابن عمر ﵄ في " صحيح مسلم " (٨) أنه كفرهم، وهو أول من كفرهم، فهم كفار بلا شك، وهذا موطن إجماع بين أهل السنة لا نزاع فيه.
الثالث: أن وصف القدرية بالمجوس ظاهر لمشابهتهم لهم، فإن القدرية قالوا: إن العبد هو الذي يخلق فعله، فأثبتوا خالقين متعددين، كالمجوس الذين أثبتوا إلهين اثنين: النور والظلمة، بل القدرية أشر منهم لكثرة الخالقين الذين أثبتوهم.
وكذلك تسمية الأشاعرة أو وصفهم بالملحدين فهم كذلك، وليس المقصود بالإلحاد هنا إنكار الله تعالى أو نفيه كما يظن المالكي، وإنما المقصود المعنى اللغوي، وهو الميل عن الحق إلى الباطل، وهذا يتفق فيه معهم كل مبتدع مال عن الحق إلى الباطل، أو تكلم في آيات الله بغير المراد منها.
стр. 347
أما تسميتهم بمخانيث المعتزلة فحق أيضا، فإنهم خرجوا من الاعتزال، ولم يدخلوا في السنة، فبقوا مذبذبين، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، ليسوا معتزلة فيقولوا بأقوالهم، وليسوا من أهل السنة فلا يخالفوهم، وهذا معنى لا بأس به.
الرابع: أما وصف الحنفية بأنهم كاللصوص فأرادوا به أحد أمرين:
* إما أنهم لا حديث عندهم، وليسوا من ذوي العناية به، فكانوا يأخذون الحديث من أهل الحديث، ثم يحتجون به عليهم بخلاف ما أريد به، ولا ينسبونه إلى راويه.
* أو أنهم يسرقون الناس من اتباع الحديث والأثر إلى اتباع الرأي، وقد قدمنا أن قائل هذا القول وغيره ليس بحنبلي، وإنما هو من أئمة السلف السابقين، ولا يخفى أنه يقبل منهم ﵏ ما لا يقبل من غيرهم، والحمد لله.
стр. 348
[فصل في زعمه أن من صفات الحنابلة إنكارهم فضائل الآخرين والرد عليه]
فصل
في زعمه أن من صفات الحنابلة إنكارهم فضائل الآخرين،
والرد عليه ثم ذكر المالكي ص (١٤٣) صفة أخرى للحنابلة، فقال: (- إنكارهم لفضائل المخالفين بأنهم لا يعرفونهم بطلب العلم، ولا بضبط الرواية، ولا صلاح السيرة، ولا تجنب الكبائر، ويريدون إبطال الشريعة، والمعطلة يريدون نفي وجود الإله، إلخ) اهـ كلامه.
والجواب من وجوه أربعة: أحدها: مطالبته بدليل صدقه ومثاله، بذكر قول حنبلي واحد - ويكفينا – نفى عن المخالف صفة هي متحققة فيه، ولن يجد.
الثاني: أن الجمل السابقة بعضها للإمام أحمد، وأخرى لغيره من الأئمة شافعية وغيرهم، فإن كان قولهم في أولئك باطلا، وهم لا يستحقونها، والمعروف عنهم خلافها، فليبد حجته.
الثالث: أن الأمة قد أجمعت على فضل أولئك الأئمة الذين لم يستطع المالكي تسميتهم، وأشار إليهم بالضمير، ويعني بهم الإمام أحمد والحسن بن محمد الزعفراني وغيرهم ممن لهم تلك الأقوال التي ساقها وغيرها.
فإن كان هذا حالهم مع مخالفيهم، يكذبون عليهم، وينفون عنهم ما يعلمون ثبوته فيهم، فهذا كذب صريح منهم، يسقط
стр. 349
العدالة، ويرد الرواية، فإما أن نأخذ بإجماع الأمة على عدالتهم وصدقهم ونزاهتهم، أو نأخذ بقول هذا الرافضي المالكي.
الرابع: أنا قدمنا في موضع سابق تعديل الإمام أحمد ﵀ لجملة من أهل البدع المخالفين له، وتوثيقه لهم فيما رووه، وهذا أعظم من مجرد الشهادة بطلب العلم، أو مجانبة الكبائر ونحوها، فإن توثيقه لهم يتضمن ذلك، مع سلامة ما رووه وأدوه.
الخامس: أن إرادة الجهمية وأضرابهم إبطال الشريعة ظاهر، فإن أصل الشريعة وبابها " الوحيان "، وقد أبطلتهما أو كثيرا مما فيهما الجهمية بأنواع التأويلات، وضروب المعارضات، وأي إبطال للشريعة أعظم من هذا؟
أما إرادة المعطلة نفي وجود الله جل وعلا فهذا ظاهر أيضا في نفيهم علو الله جل وعلا على خلقه، وقولهم: إنه سبحانه لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا فوقه، ولا تحته، ولا يثبتون له - تعالى - صفة، بل ينفون عنه جميع الصفات بحجة أنه لا تجوز عليه تعالى الحركة ولا السكون، وليس بجوهر ولا عرض ولا جسم، فإذا نظرت في نعوتهم التي ارتضوها لله سبحانه وجمعتها لم تظفر بإله، وإنما لا تتحقق تلك الصفات إلا بالعدم المحض، فهذا نفي لوجود الله جل وعلا.
стр. 350
[فصل في زعم المالكي أن الحنابلة لم يتركوا عالما خالفهم إلا ذموه وعابوه]
فصل
في زعم المالكي أن الحنابلة لم يتركوا عالما خالفهم إلا ذموه وعابوه،
والرد عليه قال المالكي ص (١٤٣ - ١٤٤) : (ولم أجد عالما خالف غلاة الحنابلة في أمر وعلموا بمخالفته إلا ذموه، واتهموه بالبدعة أو الزندقة، وما إلى ذلك، وهذا له دلالة على الجهل بالنفس والآخرين، ويدل على تعصب مذموم شرعا وعقلا) اهـ كلامه.
والجواب من وجوه أربعة: أحدها: أنه يريد بغلاة الحنابلة إذا ذكرهم أئمة السلف وعلماء الإسلام والسنة، وتقدم التنبيه على ذلك غير مرة، حيث نقل نصوصا لهم، ثم نسبها لغلاة الحنابلة.
الثاني: أن الخلاف منه خلاف سائغ، ومنه خلاف غير سائغ، أما الخلاف السائغ: فما كان فرعيا لا صلة له بأصول الدين ومعاقد الإيمان، فهذا لا يوجب تبديعا ولا تضليلا ولا تكفيرا، أما غير السائغ: فما كان في أصول الدين، فهذا يوجب تارة تبديعا وتارة تضليلا أو تكفيرا.
стр. 351
وهذا قدر مشترك متفق عليه بين المسلمين جميعا، حنابلة وغير حنابلة، سنة ومبتدعة، بل هو متفق عليه عند أهل الملل والنحل جميعا، فما من صاحب ملة ونحلة إلا وهو يعتقد ضلال مخالفه فيها.
الثالث: أن من بدعه الحنابلة أو ضللوه أو كفروه فإنما فعلوا ذلك لاستحقاقه ذلك الحكم بمخالفته لاعتقاد أئمة الإسلام، الثابت في الكتاب والسنة، وليس لمخالفته لهم كما زعم المالكي، ولا أدل على ذلك ولا أظهر من موافقة أئمة السلف وأهل السنة باختلاف مذاهبهم للحنابلة في أحكامهم تلك، كاتفاقهم على تكفير الجهمية والمعتزلة القائلين بخلق القرآن وبغيره من العقائد الفاسدة.
الرابع: أنه لو كان الحنابلة يكفرون أو يضللون كل مخالف لهم مطلقا، سواء كانت مخالفته فرعية أو أصلية، لما سلم لهم أحد، بل لا تكاد تجد عالمين اثنين حنبليين أو غير حنبليين يتفقان في جميع أمورهما، وإن كانا متفقين في الأصول.
стр. 352
[فصل في زعمه أن من صفات الحنابلة الافتراء على الخصوم]
فصل
في زعمه أن من صفات الحنابلة الافتراء على الخصوم، والرد عليه قال المالكي ص (١٤٦) في سياقه صفات الحنابلة بزعمه: (- الافتراء على الخصوم، مثل زعمهم أن جهم بن صفوان كان يريد أن يمحو آية ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ) اهـ كلامه.
والجواب من وجوه: أحدها: أن الجهم بن صفوان زنديق، أجمع أهل السنة على ضلاله وكفره، وأقوالهم فيه كثيرة جدا، حنابلة وغير حنابلة، بل أقوالهم في تكفير من قال بقوله أكثر من أن تحصى، فكيف به هو؟ وقد ذكرنا جماعات منهم في " المقدمة الثالثة " أول الكتاب.
الثاني: أنه إذا كان الجهم بتلك المثابة وذلك الضلال فهو أهل لكل شر، فلا يستطيع المالكي أن ينفي ما نسب إليه سابقا إلا بحجة ودليل، لا بالتلبيس والتضليل.
الثالث: أن ما نسب إلى جهم من إرادته محو تلك الآية غير مستغرب ولا مستنكر، فإنه وإن لم يتمكن من ذلك ويظفر به إلا أنه قد محا معناها الحقيقي، وجعل لها معنى باطلا فاسدا غير مراد ليبطل حكمها مع بقاء رسمها.
стр. 353
الرابع: أن قائل تلك العبارة، أن جهما أراد محو آية ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] هو من أصحاب جهم، ورواه عنه أبو نعيم شجاع بن أبي نصر البلخي سماعا من جهم، وليسا بحنبليين.
[فصل في تبرئة المالكي الجهم بلا دليل مما نسب إليه من عدم الصلاة على النبي وذمه]
فصل ثم قال المالكي ص (١٤٦) : (ويزعمون بأنه [أي الجهم] يصلي على عيسى، ولا يصلي على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأنه ذم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم) اهـ.
والجواب من وجوه: أحدها: أن ما ذكر قيل في بشر المريسي، وليس في الجهم كما في الموضع الذي عزا إليه المالكي في " السنة " لعبد الله بن الإمام أحمد (١ / ١٧٠) .
الثاني: أن بشرا قد كفره جماعات من السلف، وضلله آخرون، فهو ساقط، لا تستنكر منه تلك الأقوال والأفعال، حتى تنفى عنه بلا حجة ولا دليل.
الثالث: أن قائل ذلك ليس بحنبلي، وهو يحيى بن أيوب، قال عبد الله بن أحمد في " السنة " (١ / ١٧٠) : (أخبرت عن يحيى بن أيوب قال: كنت أسمع الناس يتكلمون في المريسي، فكرهت أن أقدم عليه حتى أسمع كلامه، لأقول فيه بعلم،
стр. 354
فأتيته، فإذا هو يكثر الصلاة على عيسى ابن مريم صلوات الله عليه، فقلت له: إنك تكثر الصلاة على عيسى، فأهل ذاك هو، ولا أراك تصلي على نبينا، ونبينا ﷺ أفضل منه، فقال لي: ذلك كان مشغولا بالمرآة والمشط والنساء) اهـ من " السنة "، فهل فيه أكفر من هذا الزنديق المسمى بشرا المريسي؟ عليه لعائن الله، ومن تولاه ودافع عنه.
وقد أفرد الرد عليه وبيان ضلاله وكفره وزندقته الإمام الحافظ عثمان بن سعيد الدارمي ﵀، في كتابه الشهير " رد عثمان بن سعيد على بشر المريسي الكافر العنيد ".
[فصل في تبرئة المالكي الجهم من تحليل المسكر]
فصل ثم قال المالكي ص (١٤٦) : (وأنه يحل المسكر) اهـ. والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا ليس مقولا في الجهم، وإنما قيل في أبي حنيفة ﵀.
الثاني: أن قائله أبو عوانة (ت ١٧٥ هـ) ، وليس بحنبلي، بل هو متقدم على الإمام أحمد رحمهما الله، وأسن منه.
الثالث: أن سبب ذلك إباحة أبي حنيفة وجماعة شرب النبيذ، وإخراجهم له من الخمر، وقد تكلم الفقهاء في ذلك، وحرم الجمهور
стр. 355
النبيذ، وجعلوه خمرا مسكرا، إلا أبا حنيفة، فإنه لا يراه كذلك، وهذا معنى قول أبي عوانة، وقد أنكر على أبي حنيفة في ذلك جماعات.
[فصل في زعمه أن الحنابلة ظلموا بشرا المريسي وأصحابه حين قالوا عنهم إنهم لا يدرون ما يعبدون]
فصل ثم قال المالكي ص (١٤٦) : (وقولهم: إن بشرا المريسي وأصحابه لا يدرون ما (١) يعبدون) اهـ كلامه.
والجواب من وجوه: أحدها: أن قائل ذلك وكيع بن الجراح كما في " السنة " لعبد الله بن أحمد، ووكيع (ت ١٩٧ هـ) من أئمة السلف، وهو متقدم على الإمام أحمد، وليس بحنبلي.
الثاني: أن تتمة كلام وكيع ﵀ تبين سبب حكمه على أولئك بما قال، وهو قولهم بخلق القرآن، وتعطيل الصفات، وإنكار علو الله، ولا يعرفون ربهم، ولا يصفونه إلا بالسلوب المجردة، التي لا تصلح أن تكون وصفا لشيء سوى الجماد أو العدم.