← Акыда

Акыда · id 30885

قمع الدجاجلة الطاعنين في معتقد أئمة الإسلام الحنابلة

عبد العزيز بن فيصل الراجحي

Полный текст (487 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وهذا قدر مشترك متفق عليه بين المسلمين جميعا، حنابلة وغير حنابلة، سنة ومبتدعة، بل هو متفق عليه عند أهل الملل والنحل جميعا، فما من صاحب ملة ونحلة إلا وهو يعتقد ضلال مخالفه فيها. الثالث: أن من بدعه الحنابلة أو ضللوه أو كفروه فإنما فعلوا ذلك لاستحقاقه ذلك الحكم بمخالفته لاعتقاد أئمة الإسلام، الثابت في الكتاب والسنة، وليس لمخالفته لهم كما زعم المالكي، ولا أدل على ذلك ولا أظهر من موافقة أئمة السلف وأهل السنة باختلاف مذاهبهم للحنابلة في أحكامهم تلك، كاتفاقهم على تكفير الجهمية والمعتزلة القائلين بخلق القرآن وبغيره من العقائد الفاسدة. الرابع: أنه لو كان الحنابلة يكفرون أو يضللون كل مخالف لهم مطلقا، سواء كانت مخالفته فرعية أو أصلية، لما سلم لهم أحد، بل لا تكاد تجد عالمين اثنين حنبليين أو غير حنبليين يتفقان في جميع أمورهما، وإن كانا متفقين في الأصول.

стр. 352

[فصل في زعمه أن من صفات الحنابلة الافتراء على الخصوم] فصل في زعمه أن من صفات الحنابلة الافتراء على الخصوم، والرد عليه قال المالكي ص (١٤٦) في سياقه صفات الحنابلة بزعمه: (- الافتراء على الخصوم، مثل زعمهم أن جهم بن صفوان كان يريد أن يمحو آية ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ) اهـ كلامه. والجواب من وجوه: أحدها: أن الجهم بن صفوان زنديق، أجمع أهل السنة على ضلاله وكفره، وأقوالهم فيه كثيرة جدا، حنابلة وغير حنابلة، بل أقوالهم في تكفير من قال بقوله أكثر من أن تحصى، فكيف به هو؟ وقد ذكرنا جماعات منهم في " المقدمة الثالثة " أول الكتاب. الثاني: أنه إذا كان الجهم بتلك المثابة وذلك الضلال فهو أهل لكل شر، فلا يستطيع المالكي أن ينفي ما نسب إليه سابقا إلا بحجة ودليل، لا بالتلبيس والتضليل. الثالث: أن ما نسب إلى جهم من إرادته محو تلك الآية غير مستغرب ولا مستنكر، فإنه وإن لم يتمكن من ذلك ويظفر به إلا أنه قد محا معناها الحقيقي، وجعل لها معنى باطلا فاسدا غير مراد ليبطل حكمها مع بقاء رسمها.

стр. 353

الرابع: أن قائل تلك العبارة، أن جهما أراد محو آية ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] هو من أصحاب جهم، ورواه عنه أبو نعيم شجاع بن أبي نصر البلخي سماعا من جهم، وليسا بحنبليين. [فصل في تبرئة المالكي الجهم بلا دليل مما نسب إليه من عدم الصلاة على النبي وذمه] فصل ثم قال المالكي ص (١٤٦) : (ويزعمون بأنه [أي الجهم] يصلي على عيسى، ولا يصلي على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأنه ذم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم) اهـ. والجواب من وجوه: أحدها: أن ما ذكر قيل في بشر المريسي، وليس في الجهم كما في الموضع الذي عزا إليه المالكي في " السنة " لعبد الله بن الإمام أحمد (١ / ١٧٠) . الثاني: أن بشرا قد كفره جماعات من السلف، وضلله آخرون، فهو ساقط، لا تستنكر منه تلك الأقوال والأفعال، حتى تنفى عنه بلا حجة ولا دليل. الثالث: أن قائل ذلك ليس بحنبلي، وهو يحيى بن أيوب، قال عبد الله بن أحمد في " السنة " (١ / ١٧٠) : (أخبرت عن يحيى بن أيوب قال: كنت أسمع الناس يتكلمون في المريسي، فكرهت أن أقدم عليه حتى أسمع كلامه، لأقول فيه بعلم،

стр. 354

فأتيته، فإذا هو يكثر الصلاة على عيسى ابن مريم صلوات الله عليه، فقلت له: إنك تكثر الصلاة على عيسى، فأهل ذاك هو، ولا أراك تصلي على نبينا، ونبينا ﷺ أفضل منه، فقال لي: ذلك كان مشغولا بالمرآة والمشط والنساء) اهـ من " السنة "، فهل فيه أكفر من هذا الزنديق المسمى بشرا المريسي؟ عليه لعائن الله، ومن تولاه ودافع عنه. وقد أفرد الرد عليه وبيان ضلاله وكفره وزندقته الإمام الحافظ عثمان بن سعيد الدارمي ﵀، في كتابه الشهير " رد عثمان بن سعيد على بشر المريسي الكافر العنيد ". [فصل في تبرئة المالكي الجهم من تحليل المسكر] فصل ثم قال المالكي ص (١٤٦) : (وأنه يحل المسكر) اهـ. والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا ليس مقولا في الجهم، وإنما قيل في أبي حنيفة ﵀. الثاني: أن قائله أبو عوانة (ت ١٧٥ هـ) ، وليس بحنبلي، بل هو متقدم على الإمام أحمد رحمهما الله، وأسن منه. الثالث: أن سبب ذلك إباحة أبي حنيفة وجماعة شرب النبيذ، وإخراجهم له من الخمر، وقد تكلم الفقهاء في ذلك، وحرم الجمهور

стр. 355

النبيذ، وجعلوه خمرا مسكرا، إلا أبا حنيفة، فإنه لا يراه كذلك، وهذا معنى قول أبي عوانة، وقد أنكر على أبي حنيفة في ذلك جماعات. [فصل في زعمه أن الحنابلة ظلموا بشرا المريسي وأصحابه حين قالوا عنهم إنهم لا يدرون ما يعبدون] فصل ثم قال المالكي ص (١٤٦) : (وقولهم: إن بشرا المريسي وأصحابه لا يدرون ما (١) يعبدون) اهـ كلامه. والجواب من وجوه: أحدها: أن قائل ذلك وكيع بن الجراح كما في " السنة " لعبد الله بن أحمد، ووكيع (ت ١٩٧ هـ) من أئمة السلف، وهو متقدم على الإمام أحمد، وليس بحنبلي. الثاني: أن تتمة كلام وكيع ﵀ تبين سبب حكمه على أولئك بما قال، وهو قولهم بخلق القرآن، وتعطيل الصفات، وإنكار علو الله، ولا يعرفون ربهم، ولا يصفونه إلا بالسلوب المجردة، التي لا تصلح أن تكون وصفا لشيء سوى الجماد أو العدم.

стр. 356

[فصل في زعمه أن الحنابلة ظلموا بشرا المريسي وأصحابه حين قالوا عنهم أنهم ينفون وجود الله في السماء] فصل ثم قال المالكي ص (١٤٦) : (قولهم: إنما أراد بشر المريسي وأصحابه أن يقولوا: ليس في السماء شيء) اهـ. والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا حق، فبشر المريسي والجهمية والمعتزلة وأضرابهم لا يقولون: إن في السماء إلها، وينكرون علو الله على خلقه، وأنه في السماء، وهذا عندهم من جملة " التوحيد "، ويدعون إليه، وينافحون عنه، فلم الإنكار إذن؟ وهل يعلم المالكي غير هذا إن كان يعلم؟ الثاني: أن قائل ذلك: حماد بن زيد (ت ١٧٩ هـ) ، وهو من أئمة السلف وكبار المحدثين، وليس بحنبلي، بل هو متقدم على الإمام أحمد. الثالث: أن هذا القول قاله حماد بن زيد في الجهمية، ولم يخص حماد أحدا منهم بتسميته، ولا شك أن المريسي جهمي، بل من كبارهم، ولكن لم خص المالكي بشرا وأصحابه دون البقية، وترك نص حماد مع وقوفه عليه؟ [فصل في زعمه أن الحنابلة ظلموا الجهمية حين قالوا أن من قال القرآن مخلوق فهو يعبد صنما] فصل ثم قال المالكي ص (١٤٦) : (وزعمهم أن من قال: " القرآن مخلوق " فهو يعبد صنما، وأنه قد قال على الله ما لم تقله اليهود

стр. 357

والنصارى) اهـ. والجواب من وجهين: أحدهما: صحة القولين، فإن من عطل صفات الله الذاتية والفعلية خشية تشبيه الله بزعم أهل البدع - بالمخلوقات الحية، ونفى لذلك كلام الله، وقال بخلق القرآن، فقد جعل إلهه جمادا؛ لسلبه جميع الصفات، ووصفهم له بأوصاف الجمادات، فهم مشابهون لعباد الجمادات كالأصنام وغيرها. الثاني: أن هاتين الجملتين لإمامين كبيرين، أولاهما لهارون بن معروف المروزي ﵀ (ت ٢٣١ هـ) ، والأخرى لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ) ، وهما ليسا بحنبليين. [فصل في زعمه أن عبد الله بن أحمد ظلم الجهمية حين قال من زعم أن الله لا يتكلم فهو يعبد الأصنام] فصل قال المالكي ص (١٤٦) : (وقد عنون عبد الله بن أحمد عنوانا في كتابه " باب من زعم أن الله لا يتكلم فهو يعبد الأصنام ") اهـ. وهذا والله حق، وقد تقدم بيان معناه، وصحته في سابقه. [فصل في زعم المالكي أن ما قدمه من افتراء الحنابلة على خصومهم جزء يسير مما عنده] فصل قال المالكي ص (١٤٦) : (وغير هذا مما لا يمكنني حصره، ولم أشأ أن أتتبعه) اهـ. والجواب: أن المالكي قد اجتهد في الكذب والافتراء على الحنابلة، ولم يظفر - مع

стр. 358

حرصه على التلبيس، وعدم امتناعه عن الكذب - بموضع واحد فقط يصح فيه زعمه وبهتانه على الحنابلة ﵏، أو على غيرهم من أهل السنة. وكلامه هنا من جملة كلامه هناك، دعاوى خاوية، وادعاءات خالية. [فصل في زعمه أن الحنابلة زعموا أن أبا حنيفة يزعم أن النبي ﵇ لو أدركه لأخذ بكثير من قوله] فصل قال المالكي ص (١٤٦ -١٤٧) : (وزعموا أن أبا حنيفة يزعم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لو أدركه لأخذ بكثير من قوله) اهـ. والجواب: أن قائل هذا يوسف بن أسباط الشيباني الزاهد (ت ١٩٥ هـ) ، وليس بحنبلي.

стр. 359

[فصل في زعمه أن الحنابلة لم يكفهم الافتراء على الناس حتى افتروا على الجن والهواتف] فصل في زعمه أن الحنابلة لم يكفهم الافتراء على الناس، حتى افتروا على الجن والهواتف، وجعلوهم مؤيدين لهم، والرد عليه قال المالكي ص (١٤٧) : (ولم يكتفوا بالافتراء على البشر، حتى افتروا على الجن والهواتف، فيأتون بالأخبار التي تجعل الجن في صفهم، وكأن الجن والهواتف ليس فيهم معطلة ولا جهمية، مع أن القرآن الكريم قد أخبر عنهم أن فيهم الصالحون (١) وفيهم الكفار. ومن أمثلة هذه الأساطير هنا: ما رووه من أنهم سمعوا هاتفا يلعن (بشرا المريسي، وثمامة بن أشرس) اهـ. والجواب من وجوه ثلاثة: أحدها: أن قائل هذا ليس بحنبلي كذلك، فقد رواه عبد الله بن أحمد في " السنة " (١ / ١٦٩) (١٩٥) بإسناد صحيح، قال: (حدثني هارون بن عبد الله الحمال، ثنا محمد بن أبي كبشة قال: " سمعت هاتفا يهتف في البحر ليلا فقال: لا إله إلا الله، كذب المريسي على الله ،

стр. 360

ثم هتف ثانية فقال: لا إله إلا الله، على ثمامة والمريسي لعنة الله، قال: وكان معنا في المركب رجل من أصحاب بشر المريسي، فخر ميتا ") اهـ. وهارون: عالم، ثقة، جليل، احتج به مسلم في " صحيحه "، ووثقه الأئمة الكبار، وابن أبي كبشة: وثقه ابن حبان، ﵏ جميعا. الثاني: أن سبب نفي المالكي لهذا الأثر الصحيح عن هذا الهاتف كونه جاء موافقا لاعتقاد السلف ﵏، مع أن الجن فيهم المؤمن والكافر، والسني والجهمي وغير ذلك، كما ذكر هو، وهذا الأمر - أعني وجود كفار ومبتدعة في الجان - الذي يخاله المالكي علة تبطل هذا الأثر لا قيمة له، فوجود هاتف بأمر موافق لاعتقاد السلف لا ينفي وجود آخرين مخالفين له. ولا تصح له علته هذه إلا إذا ادعى أن الجان والهواتف كلهم على اعتقاد واحد مخالف لاعتقاد السلف، وهذا لا يدعيه، ولا يسعه ذلك، وقد قال خلافه. الثالث: أن ما هتف به هذا الهاتف أمر متفق عليه بين أهل السنة جميعا، وكان عليه أئمة السلف ﵏، فليس بأمر منكر ولا مستغرب.

стр. 361

[فصل في زعمه أن من صفات الحنابلة عدم إدراك معنى الكلام] فصل في زعمه أن من صفات الحنابلة عدم إدراك معنى الكلام، والرد عليه ثم قال المالكي في سياق صفات الحنابلة ص (١٦٠) : (- عدم إدراك معنى الكلام من السمات الغالبة على مذهبنا العقدي السلفي الحنبلي أننا لا ندرك معاني الألفاظ والمصطلحات التي نتحدث بها، فتجد ألفاظا ضخمة، فإذا سألت قائلها عن معانيها إذا به يبهت) اهـ. والجواب من وجوه: أحدها: أن دعواه الانتساب لمذهب الحنابلة السلفي في الاعتقاد باطل، قد قدمنا بطلانه، وأنه لا يصح انتسابه لهم إلا إن صح انتساب زياد لبني أمية، وكتابه هذا دال على اعتقاده الرافضي المعتزلي الفاسد، كما أنه ليس من أهل العلم ولا من طلبته حتى يكون حنبليا أو غير حنبلي. الثاني: مطالبته بمثال واحد فقط يدل على صحة ما ادعاه، ولن يجد. الثالث: أن هذه الألفاظ الضخمة التي يزعم المالكي أن الحنابلة يتكلمون بها، ولا يعرفون معانيها، لها حالان:

стр. 362

- إما أن يزعم أن الحنابلة اختلقوها وتكلموا بها دون بقية علماء المسلمين، فإن كان هذا فهم أدرى الناس بها، وأعرف بمقصودها من غيرهم، فهم محدثوها وصانعوها، والمحتكم إليهم في معانيها. - وإما أن يقول: تكلم بها الحنابلة وغير الحنابلة، فلم إذن يحمل على الحنابلة ويترك غيرهم؟ وإن قال: لجهلهم بمعانيها، قلنا: ولم اختار الجهل الحنابلة وترك غيرهم؟ ثم يلزمه أحد أمرين: * إما أن يقول: إن الحنابلة كلهم باختلاف عصورهم قد تكلموا بتلك الألفاظ وهم يجهلونها. * أو يقول: منهم من جهلها، ومنهم من يعلم معانيها. إن كان الأول فلا يوافقه عليه عاقل، وإن كان الثاني فلماذا علم حكمه وجعل ذلك من صفات الحنابلة؟ ولا يخلو أتباع مذهب من جهل بعض أتباعه في بعض المسائل، أو عدم تمكنهم منها، فلم يحمل على الحنابلة؟ ثم يلزمه أحد أمرين كذلك: * إما أن يقول: إن تلك الألفاظ - المزعومة - جهلها الحنابلة أو بعضهم، وهو عرفها وحده.

стр. 363

* أو أن أهل العلم قبله نبهوا على عدم فهم الحنابلة لها. إن كان الأول: فقد ادعى ما يعلم هو بطلانه، وما لم يسلم به له أحد، وكيف لا ينبه أحد من علماء المسلمين على ذلك ويبينه، ثم ينبه مثل هذا الجاهل؟ وإن كان الثاني: فمن هو ذلك المنبه؟ وما تلك الألفاظ التي زعم خطأ الحنابلة في معرفتها؟ وأين نبه؟

стр. 364

[فصل في تشكيك المالكي في معاني مصطلحات كثيرة مستقرة عند أهل العلم] فصل في تشكيك المالكي في معاني مصطلحات كثيرة مستقرة عند أهل العلم كالسلف الصالح، وأهل السنة، وأهل الأثر، وأهل الحديث، وحد البدعة، والإجماع، وغيرها، والرد عليه ثم قال المالكي ص (١٦٠) : (وتتردد عندنا في العقائد ألفاظ كثيرة، ومصطلحات فضفاضة، لا نعرف معناها، أو على الأقل يختلف الناس في تحديدها من شخص لآخر، فنطلقها بلا تحديد، مثل: " السلف الصالح "، " أهل السنة "، " أهل الأثر "، " أهل الحديث "، " الطائفة المنصورة "، " البدعة "، " الإجماع "، " الضلالة "، " الأمة "، " علماء الأمة "، " الرافضة "، " الجهمية "، " الخوارج "، " النواصب "، " الشيعة "، " الكتاب "، " السنة "، إلخ) اهـ. والجواب يسير من وجوه: أحدها: أنا نسلم له ما أثبته لنفسه من الجهل بتلك المصطلحات التي منها " الكتاب " و " السنة "، بل نسلم له أكثر من ذلك من الجهل وقلة العلم، غير أن جهله واعترافه به لا يدل على جهل غيره، وإنما يوجب عليه أمرا، وهو سؤال أهل العلم، قال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] لا أن يرمي غيره به.

стр. 365

الثاني: إن كان مراده من إيراد هذه الألفاظ وبيان جهله بها أن يجهل الحنابلة بها، وينفي معرفتهم لها، فهذا باطل، وكتبهم كلها في العقيدة تبين معرفتهم التامة بها، وليست هذه الألفاظ مجهولة، حتى عند عامة أهل السنة بله علماؤهم. الثالث: أن معاني ما ذكره عندنا هي على ترتيبه: * السلف الصالح: هم أئمة الدين، وعلماء الأمة المتقدمين، من أهل القرون الثلاثة المفضلة الأولى، المستقيمين على السنة، ومنهم الصحابة جميعا، ثم تابعوهم بإحسان، وتابع تابعيهم، ومن تلاهم على الإحسان والإيمان، وقد تقدم ذكر جماعات منهم، وذكر أقوالهم في غير مسألة. وهذا الأمر لا ينازع فيه كثير من أهل البدع، بل يوافقون أهل السنة في هذا الحد، لكنهم قد يقولون: (مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم) . * وأهل السنة وأهل الحديث والأثر بمعنى واحد، وهم المستقيمون على الكتاب والسنة، على فهم السلف الصالح، فلا ينفون عن الله ما أثبته لنفسه في كتابه، أو أثبته له رسوله، بل يثبتونه مسلمين للوحي، غير متكلفين ولا مكيفين أو مشبهين، ولا مؤولين أو معطلين.

стр. 366

ولا يثبتون له سبحانه شيئا لم يثبته لنفسه أو رسوله ﷺ ، محكمين الوحي في أمورهم كلها، متبعين علماء الأمة المرضيين، وسلفهم السابقين، في فهم معانيها، ومعرفة المقصود من ورائها. ولتمسكهم الشديد بحديث النبي ﷺ وآثاره، وآثار أصحابه وتابعيهم، رواية ودراية، سموا أهل الحديث، وأهل الأثر، وهم الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة. * أما البدعة: فقد نص على بيانها النبي ﷺ حيث قال: «إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» [حم (٣ / ٣١٠ و٣٧١) م (٨٦٧) مي (٢٠٦) جه (٤٥) ن (١٥٧٨) واللفظ له] . وقال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» [حم (٦ / ٢٤٠ و ٢٧٠) خ (٢٦٩٧) م (١٧١٨) ] . * والإجماع: اتفاق علماء الأمة الربانيين في عصر ما على حكم أمر ما، هذا في الأمور الشرعية، ويعتبر في كل إجماع غيره إجماع علمائه، فإجماع النحاة لا يعتبر فيه إلا النحاة، ولا يخرق إجماعهم من ليس له معرفة بالنحو، وإجماع الشرع دليل محكم في كل أمر ثبت وصح فيه.

стр. 367

والضلالة: كل ما صرف المسلم عن الكتاب والسنة وحقيقة فهمهما والعمل بأوامرهما، ككتاب المالكي هذا. والأمة: أمة دعوة، وأمة إجابة، فالأولى: يدخل فيها المسلمون، وأهل الكتاب وغيرهم ممن أدركوا دعوة النبي ﷺ في حياته، أو بعد مماته، فيلزمهم اتباعه، وترك ما هم عليه له. والثانية: أمة الإجابة، وهم الذين اتبعوه ﷺ ، وأسلموا ممن أدرك حياته ﷺ ، أو جاء بعده. والأصل في المراد بالأمة إذا أطلقت أمة الإجابة، وكذلك إذا نسبت إليها الفضائل والمحامد والنصر والعزة والرفعة والتمكن ونحوها، كقوله سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٠] الآية. وإذا قيل: علماء الأمة فالمقصود كما هو معلوم أمة الإجابة، أما أمة الدعوة فلا تراد بإطلاق " الأمة " إلا إذا دلت قرينة على ذلك، ومنه قول النبي ﷺ : «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن

стр. 368

بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار» رواه الإمام أحمد في " مسنده " (٢ / ٣١٧) ، ومسلم في " صحيحه " (٢١٨) من حديث أبي هريرة ﵁. * والرافضة والشيعة بمعنى: وهم كل من انتقص صحابيا واحدا فأكثر، وهم يسمون أنفسهم شيعة، يزعمون كذبا تشيعهم لآل البيت ﵁، وأهل السنة يسمونهم رافضة لرفضهم الإسلام والحق، ورووا - أعني الرافضة - أنهم لما سماهم أهل السنة رافضة جاءوا جعفرا الصادق ﵁ فشكوا له ذلك، فقال: " والله ما سموكم به، ولكن الله سماكم ". * والنواصب: من ناصب الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ العداء وكرهه، ثم صار لقبا لمن ناصب آل بيته ﵁ وعنهم - العداء أو كرههم، وكذلك آل بيت النبي ﷺ عامة. لذلك فإن الرافضة - التي تزعم التشيع للآل ومحبتهم - ناصبة كذلك، فإنهم يزعمون محبة علي ﵁ وآل بيته، وآل البيت عامة، ثم تراهم يطعنون في سبط رسول الله ﷺ الحسن بن علي ﵄، ويصفونه بصفات قبيحة كمسود وجوه

стр. 369

المؤمنين لتنازله ﵁ بالخلافة لمعاوية ﵁ وحقن دماء المسلمين، وكان ذلك سبب مدح النبي ﷺ والثناء عليه حين قال ﷺ : «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» [حم (٥ / ٣٨ و ٤٤ و ٤٧ و٥١) خ (٢٧٠٤) ، (٣٦٢٩) ، (٣٧٤٦) د (٤٦٦٢) ت (٣٧٧٣) ن (١٤١٠) ] . ويطعنون في حبر الأمة عبد الله بن عباس، وأخيه عبيد الله ﵃، وفي زوجات رسول الله، أمهات المؤمنين عائشة وحفصة ﵄، وآخرين، بل لم يسلم أحد من آل البيت من طعنهم، لا علي، ولا الحسين، ولا ذريته، بل ولا النبي ﷺ . ومن أراد أن يرى ذلك مجموعا في كتاب فليرجع إلى كتاب العلامة الحسن الموسوي - أحد كبار علماء الشيعة، بالحوزة النجفية - " كشف الأسرار، وتبرئة الأئمة الأطهار " ويعرف بـ " لله ثم للتاريخ " طلبا للاختصار، ففيه طلبة المحق، وغيض المبطل. * أما الجهمية: فهم من نفى عن الله سبحانه صفة أو اسما ثابتا فأكثر، أو نفى القدر، أو قال: إن الإيمان المعرفة فحسب، ولهم أقوال غير ذلك، وما سبق مدار أقوالهم.

стр. 370

* والخوارج: هم المارقة الذين خرجوا على علي ﵁ عند التحكيم وبعده، وقد ولي علي ﵁ قتلهم فقتلهم، وفرق جموعهم، ونال بشارة النبي ﷺ بفضل من قاتلهم، وقد استقر مذهب الخوارج بعد ذلك على عدة أمور، منها: تكفير مرتكب الكبيرة غير المستحل لها، والخروج على أئمة الجور المسلمين. * والكتاب: هو القرآن، كلام رب العالمين، المنزل غير المخلوق، تكلم به سبحانه وحيا، وسمعه منه جبريل، وألقاه على محمد ﷺ ، وهو المحفوظ تاما كاملا بين دفتي المصحف، فمن قال: إنه مخلوق، أو ناقص، ولو حرفا كفر بالإجماع. * والسنة: هي أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته، وكذلك تطلق السنة على ما كان مستندا على ذلك، فيقال: من السنة: الإيمان بالقدر، وأن الإيمان يزيد وينقص، والمسح على الخفين، وهكذا.

стр. 371

[فصل في زعمه أن الصحابة كانوا مختلفين في مسائل كثيرة فاتباع ما كانوا عليه متعذر] فصل في زعمه أن الصحابة كانوا مختلفين في مسائل كثيرة، عقدية وفقهية وسياسية، فاتباع ما كانوا عليه متعذر، والرد عليه قال المالكي ص (١٦٠) : (وكذلك قوله (١) بعضهم: " عليك بما كان عليه الصحابة " نصيحة مطاطة، فإن كان يعرف أن الصحابة قد اختلفوا في أمور كثيرة، عقدية وفقهية وسياسية، فأيهم نتبع؟ فإن كان القائل لا يعرف اختلافهم فهذه مصيبة، وإن كان يريد إجماعهم فلم يجمعوا إلا على شيء معروف فيه نص شرعي غالبا) اهـ. والجواب من وجوه: أحدها: أن الموصي بلزوم ما كان عليه الصحابة هو النبي ﷺ في قوله ﷺ في تلك الفرقة الناجية من النار: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» ، وما ألزمنا المالكي به يلزم النبي ﷺ ، فإن كان لا يدري ﷺ أن أصحابه سيختلفون، ثم أمر بلزوم ما كانوا عليه فهذه مصيبة.

стр. 372

وإن علم ﷺ ، ولكن أراد إجماعهم، فهم لم يجمعوا إلا على شيء معروف فيه نص شرعي غالبا، كما زعم المالكي. الثاني: أن أمر السلف وعلماء الأمة والأئمة بلزوم ما كان عليه الصحابة يعنون به الأصول لا الفروع، فإن الصحابة ﵃ وإن اختلفوا في الفروع الفقهية، إلا أنهم لم يختلفوا في الأمور الأصولية العقدية. الثالث: عدم تسليمنا له بوجود اختلافات بين الصحابة ﵃ في العقيدة، ومطالبته بمثال واحد صحيح لصحة زعمه. فإن قال: رؤية النبي ﷺ ربه في الدنيا، قلنا له: وهل لك غيره؟ فإن هذا لا يصح مثالا لك، فإن الصحابة ﵃ مجمعون على رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة، والأحاديث في ذلك متواترة، لكنهم اختلفوا في جواز ذلك في الدنيا، وهل كانت رؤيا النبي ﷺ ربه حقيقة أو رؤية منام؟ والنزاع في هذه الأخيرة فرعي ليس أصليا.

стр. 373

[فصل في زعم المالكي بطلان بعض ما أجمع عليه الصحابة وغيرهم] فصل في زعم المالكي بطلان بعض ما أجمع عليه الصحابة وغيرهم، والرد عليه قال المالكي ص (١٦٠) : (لكن أكثر دعاوانا في إجماعهم أنهم أجمعوا على أن القرآن غير مخلوق، أو على تقديم أبي بكر أو علي، وغير ذلك، إنما هي مجرد دعاوى، تدل على جهلنا بمعنى " الإجماع "، وجهلنا بالتاريخ نفسه. إذ إن أكثر هذا افتراء عليهم، فقد كان الأمر بين غائب عنهم لم يبتوا فيه أو مختلف فيه بينهم) اهـ كلامه. وأقول: ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم قد خرج رفض هذا واعتزاله، وأخرج الله ما في صدره، أما إجماع الصحابة على أن القرآن منزل غير مخلوق، وأنه متكلم سبحانه متى شاء بما شاء، فهو إجماع معلوم، أكبر من أن ينكر، وقد حكاه الإمام الكبير اللالكائي ﵀ وغيره. وهذا عليه الكتاب والسنة وأئمة الإسلام من عهد صحابة رسول الله ﷺ ، ومن تبعهم بإحسان ممن جاء بعدهم.

стр. 374

بل إن المعتزلة كلها في عهد المأمون وبعده في ذلك العصر لم يستطع أحد منهم أن يقول ما قاله المالكي، بل كان أهل السنة يحجونهم بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين. أما إجماعهم على تقديم أبي بكر على الصحابة جميعا، علي وغيره ﵃ جميعا -، فهذا حق، بل قد أجمعوا على تقديم عمر كذلك على علي، وأجمع أهل السنة قاطبة على ذلك. وأول من حكى إجماع الصحابة عبد الله بن عمر ﵄، فأخرج الإمام أحمد في " مسنده " (٢ / ١٤) والبخاري في " صحيحه " (٦٥٩٨) عنه ﵁ قال: (كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم) . ولم يخالف أحد منهم هذا الإجماع حتى علي ﵁ وأرضاه، فقد روى البخاري في " صحيحه " (٢٦٧١) عن محمد ابن الحنفية ﵁ قال: (قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: " أبو بكر "، قلت: ثم من؟ قال: " ثم عمر "، وخشيت أن يقول: عثمان، قلت: ثم أنت؟

стр. 375

قال: " ما أنا إلا رجل من المسلمين ". وصح عنه ﵁ أنه توعد من قدمه على الشيخين أبي بكر وعمر أن يجلده حد المفتري، بل تواتر هذا عنه، أنه خطب به في مسجده على منبره في الكوفة، ذكر تواتره شيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن كثير في " البداية والنهاية ". فإنكار المالكي هذا كله يدل على جهل مطبق وداء عضال.

стр. 376

[فصل في جعل المالكي الولاء والبراء وهجر أهل البدع وأضرابهم من تشريع الكراهية بين المسلمين] فصل في جعل المالكي الولاء والبراء، وهجر أهل البدع وأضرابهم، من تشريع الكراهية بين المسلمين، والرد عليه قال المالكي ص (١٦١) تحت عنوان " تشريع الكراهية بين المسلمين ": (أصحاب العقائد يشرعون من عندهم للكراهية بين المسلمين بعبارات وأقوال باطلة، ولا مستند لها من الشرع كأقوال البربهاري ونقوله) اهـ. والجواب من وجوه: أحدها: أن المالكي هنا يحكي إجماع أصحاب العقائد - وهم من علماء المسلمين - على قولهم وأمرهم بكراهية المخالفين، فإن كان كما قال فإجماعهم حجة، فكيف يخالفه وهو يعلمه؟ الثاني: أنه قد أجمع أهل العلم من أهل السنة، بل ومن غيرهم من أهل البدع باختلاف مذاهبهم، على " كراهية بعض المسلمين " لمعاصيهم أو بدعهم، وهذا أمر يعلمه المالكي كما تقدم في كلامه. فهم يبغضون أصحاب المعاصي والكبائر، وأصحاب الضلالات والبدع، بغض النظر عن ضابط كل فئة، فضابط كل فئة لا يخرق الإجماع على هذا الأصل،

стр. 377

فإذ تقرر هذا دل على صحته، وأن أصله بالكتاب والسنة، وأن مخالفه مخالف للإجماع لا عبرة بقوله. الثالث: أن أهل السنة لما أبغضوا أهل البدع كان ذلك لمخالفتهم الشرع، وعظم ضررهم على المسلمين ودينهم، واتباعا للنبي ﷺ وأصحابه ﵃ كعمر مع صبيغ بن عسل، وعلي مع الخوارج، وسفكه ﵁ لدمائهم، وعبد الله بن عباس وابن عمر مع القدرية وغيرهم. والمالكي ينكر ويعيب على أهل السنة وأصحاب العقائد عامة كرههم وبغضهم للمبتدعة والضلال؛ لأنهم داخلون في دائرة الإسلام مع تناقضه بطعنه وكرهه لكثير من أئمة الإسلام والسنة، بل وبعض الصحابة كمعاوية ﵁. فطعن في عبد الله بن أحمد، بل وأبيه أحيانا، وابن أبي يعلى، والبربهاري، وجماعات من أئمة السلف من التابعين وأتباعهم ممن صرح بأقوالهم، ولم يجسر على التصريح بأسمائهم. وكذلك طعن في كثير من خلفاء بني أمية، وبني العباس عدا المأمون مع بغيه وضلاله، بل وطعن في الحنابلة وغيرهم من علماء المسلمين، وهذا غاية الظلم والبغي والضلال، فكيف يعيب وينكر على العلماء بغضهم لأصحاب المعاصي والبدع؟

стр. 378

[فصل في رميه البربهاري بتشريع الكراهية بين المسلمين، والرد عليه] فصل في رميه البربهاري بتشريع الكراهية بين المسلمين، والرد عليه ثم قال المالكي ص (١٦١) : (وتأملوا الأقوال التالية للبربهاري مثلا، وكيف تشرع الكراهية بين المسلمين: * من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه. أقول: هذا يشبه ادعاء العلم بالغيب. * آكل مع يهودي ونصراني، ولا آكل مع مبتدع. * إذا علم الله من الرجل أنه مبغض لصاحب بدعة غفر له. * ومن أعرض عن صاحب بدعة ملأ الله قلبه إيمانا. * ومن انتهر صاحب بدعة أمنه الله يوم الفزع الأكبر. * ومن أهان صاحب بدعة رفعه الله في الجنة مائة درجة) اهـ. والجواب من وجوه ثلاثة: أحدها: أن نسبة المالكي هذه الأقوال للبربهاري لا تصح، فإنه ﵀ ناقل لا قائل، وقد ذكرها في كتابه " شرح السنة " ص (١٣٨ -١٤٠) ، ونسبها للإمام الكبير والزاهد الشهير الفضيل بن عياض ﵀.

стр. 379

وهي أقوال مشهورة عنه روى غالبها: * أبو نعيم في " الحلية " في ترجمة الفضيل (٨ / ١٠٣) . * واللالكائي في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ". * وابن بطة في " الإبانة الكبرى "، وجماعة غيرهم. فإن كان في ذلك عيب فالمعيب الفضيل لا البربهاري. الثاني: أن أقوال أئمة السلف ومن تبعهم بإحسان من الخلف متواطئة ومتفقة على ذلك، لا تجد بينهم فيه خلافا. الثالث: أن هجر ونهر وزجر أصحاب البدع وبغضهم وكرههم من أعظم الطاعات، وأوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغض في الله، فمن حقق ذلك حقق طاعة عظيمة تزيد الإيمان وتعلي الدرجات، ومخالفتها معصية تضعف الإيمان.

стр. 380

[فصل في زعم المالكي أن من صفات الحنابلة ذم المناظرة والحوار لعدم قدرتهم عليه] فصل في زعم المالكي أن من صفات الحنابلة ذم المناظرة والحوار لعدم قدرتهم عليه، والرد عليه ثم قال المالكي ص (١٦٢) في سياقه صفات الحنابلة: - ذم المناظرة والحوار: الحوار والمناظرة كانت سائدة عند المعتزلة، وبحوارهم ومجادلتهم جلبوا لجمهورهم كثيرا من الناس، ويبدو أنه لما رأى الحنابلة هذا الأمر قد تفاقم، وأنهم لا يستطيعون مناظرة المعتزلة، قالوا بتحريم ذلك من باب ردة الفعل فقط، فقط. مع أن الله في القرآن الكريم يأمر رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بطلب البراهين من الكفار ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤] ، وهذه البراهين التي يطلبها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الكفار ليست في أمر هين من الأمور التي يتحدث عنها البربهاري، بل إنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم يطلب البرهان على أن لله شريكا يستحق العبادة.

стр. 381

فإذا جاز طلب البرهان من المخالف على أن لله شريكا فمن باب أولى جواز طلب البراهين على أمور أقل أهمية، كالتي تختلف فيها الطوائف الإسلامية من قضايا الإيمانيات أو الأحكام. والجدل المذموم إنما هو الجدل الذي لا يطلب صاحبه الحقيقة، وإنما يريد المغالبة والمكابرة، أما إن أعلن الطرف الآخر أنه يريد الحق، وجعل البحث العلمي هو السبيل الأمثل لحل المسائل المختلف فيها فقد أنصف، وتجب أو تستحب محاورته ومجادلته) اهـ. والجواب من وجوه: أحدها: أن المعتزلة كانت ذليلة منبوذة، لا يسمع لهم، ولا يجلس إليهم، لا من العامة، ولا من الخاصة، لا في عهد الإمام أحمد ﵀، ولا في عهد من قبله من التابعين وأتباعهم. وكان الظهور والسواد والمحبة والأتباع والنصرة لأهل السنة، لذا لم يتمكن المعتزلة من نشر ضلالهم إلا بسيف المأمون، وحمل الناس عليه قسرا، فقتل العلماء - قتله الله - وأضل العامة، فأين البحث العلمي والمناظرة والحوار المراد منه الحق؟ ومع ذلك كله، وتعاقب ثلاثة خلفاء عليه، لم يتمكن المعتزلة من نشر ضلالهم، ولا ترويج بدعهم، وما إن انتهت المحنة إلا وعاد الناس لحضور مجالس علمائهم المتبعين الصادقين، ومنابذة المعتزلة المبتدعة

стр. 382

الملحدين، فأين ذلك الجمهور المزعوم للمعتزلة في ذلك الوقت والحين؟ الوجه الثاني: أن مناظرة أئمة السنة - حنابلة وغيرهم - للمعتزلة مشهورة، قد امتلأت بها الطروس والطباق في مجلس المأمون، ثم المعتصم، ثم الواثق بالله، وقبل ذلك وبعده. وكذلك إفحام أئمة الإسلام للمعتزلة، وخروجهم حيارى مخذولين، فمتى غلبت المعتزلة أهل السنة في المناظرات؟ وأين؟ الثالث: أن الحنابلة لم ينفردوا بتحريم مناظرة أهل البدع وجدالهم، بل قد حرمه أئمة الإسلام السابقون من التابعين فمن بعدهم، قال أبو قلابة ﵀: (لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في الضلالة، أو يلبسوا عليكم في الدين بعض ما لبس عليهم) . وقال الحسن البصري، ومحمد بن سيرين: (لا تجالسوا أصحاب الأهواء، ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم) . وقال البغوي (ت ٥١٠ هـ) ﵀ في " شرح السنة " (١ / ٢١٦) : (واتفق علماء السلف من أهل السنة على النهي عن الجدال والخصومات في الصفات، وعلى الزجر عن الخوض في علم الكلام وتعلمه) اهـ. وعقد جملة من الأئمة أبوابا في بعض مصنفاتهم لذمه والتحذير منه كالآجري في " الشريعة "، وابن بطة في " الإبانة الكبرى "،

стр. 383

واللالكائي في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة "، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله "، وأبي القاسم التيمي في " الحجة في بيان المحجة "، وغيرهم. وقد ذكرنا هذا بنوع تفصيل في فصل سابق (ص ٣١٨ - ٣٢٢) ، فلم خص المالكي الحنابلة بهذا وهو أمر عام عند السلف قبلهم؟ الرابع: أن الحوار والمناظرة والجدل في حكمها تفصيل، فتحل في حال، وتحرم في أحوال، وقد قدمت ذلك أيضا، فليرجع إليه من شاء. الخامس: أن ما كانت تجادل فيه المعتزلة والمبتدعة عامة أهل السنة أمور عظام تخرج من الإسلام، وتولج في الكفر، كقولهم بخلق القرآن، وتعطيل الصفات وغيرها، وهذا بإجماع أئمة الإسلام، كما تقدم في غير موضع، فليس نزاعنا وجدالنا معهم في أمور هينة كما زعم المالكي.

стр. 384

[فصل في زعمه أن من صفات الحنابلة التزهيد في التحاكم إلى القرآن الكريم] فصل في زعمه أن من صفات الحنابلة التزهيد في التحاكم إلى القرآن الكريم، مع المبالغة في الأخذ بأقوال الرجال، والرد عليه قال المالكي ص (١٦٤) في سياقه صفات الحنابلة بزعمه: (- التزهيد في التحاكم إلى القرآن الكريم، مع المبالغة في الأخذ بأقوال الرجال القرآن الكريم أعلى مصدر تشريعي عند المسلمين، فقد اختلف المسلمون في ثبوت السنة، وفي الإجماع، وفي القياس، وفي قول الصحابي، وفي غير ذلك، لكن لم يختلفوا أن القرآن الكريم هو المصدر الرئيس الشرعي في كل أمر من الأمور الدينية، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] ، ففي الآية تحذير للمسلم بأن من لم يرض بالتحاكم إلى الله والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإنه يقدح في إيمانه بالله واليوم والآخر) اهـ. والجواب من وجوه: أحدها: أنا إذا قبلنا جنس الخلاف وعددناه خلافا معتبرا لم يسلم لنا حتى القرآن، فإن الرافضة مجمعة على تحريفه وئقصه، وقد جمع الطبرسي روايات الشيعة وأقوالهم في كتاب ضخم سماه " فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب " ساق

стр. 385

فيه أكثر من ألفي رواية في ذلك، وقد وقفت عليه. بل جعل أبو الحسن العاملي - وهو أحد كبار أئمتهم - القول بتحريف القرآن ونقصه من ضروريات مذهب الشيعة، فقال: (وعندي في وضوح صحة هذا القول بعد تتبع الأخبار، وتفحص الآثار، بحيث يمكن الحكم بكونه من ضروريات مذهب التشيع، وأنه من أكبر مقاصد غصب الخلافة) اهـ كلام العاملي. فإذا تقرر هذا فاعلم أن المعتبر من الخلاف خلاف أئمة الإسلام وعلماء السنة، لا أئمة الضلالة والبدعة، وإلا لربما ارتقى الخلاف بهؤلاء إلى الإسلام كله، إذا اعتبروا خلاف اليهود والنصارى، وملل الكفر الباقية. الثاني: أن من نازع في قبول السنة رد القرآن لأمره بالأخذ بها، ومرق من الدين، قال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ، وقال جل وعلا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] . والرد إليه ﷺ في حياته بسؤاله، والوقوف عند جوابه، والرد إليه ﷺ بعد مماته إلى سنته، كما قال بذلك أئمة المسلمين، قال عبد الله بن عمر ﵄: " من رد السنة كفر ". ووجوب الأخذ بالسنة، وأنها وحي تحرم مخالفتها إذا صحت وثبتت، ولم تكن منسوخة، محل إجماع، فمن ردها فقد كفر،

стр. 386

وقد صنف الجلال السيوطي (ت ٩١١ هـ) ﵀ رسالة شهيرة سماها " مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة " في وجوب الاحتجاج بها وكفر المخالف، قال الجلال السيوطي ﵀ في مقدمته بعد الحمدلة: (اعلموا - يرحمكم الله - أن من العلم كهيئة الدواء، ومن الآراء كهيئة الخلاء، لا تذكر إلا عند داعية الضرورة، وإن مما فاح ريحه في هذا الزمان، وكان دارسا - بحمد الله تعالى - منذ أزمان، وهو أن قائلا رافضيا زنديقا أكثر في كلامه أن السنة النبوية والأحاديث المروية - زادها الله علوا وشرفا - لا يحتج بها، وأن الحجة في القرآن خاصة. وأورد على ذلك حديث: «ما جاءكم عني من حديث فاعرضوه على القرآن، فإن وجدتم له أصلا فخذوا به، وإلا فردوه» ، هكذا سمعت هذا الكلام بجملته منه، وسمعه منه خلائق غيري، فمنهم من لا يلقي لذلك بالا، ومنهم من لا يعرف أصل هذا الكلام، ولا من أين جاء، فأردت أن أوضح للناس أصل ذلك، وأبين بطلانه، وأنه من أعظم المهالك. فاعلموا رحمكم الله أن من أنكر كون حديث النبي ﷺ قولا كان أو فعلا - بشرطه المعروف في الأصول - حجة كفر، وخرج عن

стр. 387

دائرة الإسلام، وحشر مع اليهود والنصارى، أو مع من شاء الله من فرق الكفرة) اهـ كلامه. وبقية كلامه، بل جميع كتابه ﵀ مهم، نافع غاية النفع، مبين حكم هؤلاء المردة.

стр. 388

[فصل في سبب تزهيد الحنابلة في القرآن] فصل في سبب تزهيد الحنابلة في القرآن، وأن خصومهم أكثر تعظيما منهم له عند المالكي، وبيان كذبه، والرد عليه ثم قال المالكي ص (١٦٤) : (وكان المخالفون للحنابلة أكثر تعظيما للقرآن، واستدلالا به منهم، فلما رأى الحنابلة ذلك، وأن القرآن الكريم تستدل به الطوائف المبتدعة لجئوا إلى التزهيد من التحاكم إلى القرآن الكريم، مع تضخيم الآثار، والأقوال المنسوبة لبعض التابعين أو العلماء. بل بدعوا من يعود إلى القرآن الكريم، وقدموا عليه أقوال الرجال، يقول البربهاري: " إذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده، ويريد القرآن، فلا شك أنه رجل قد احتوى على الزندقة، فقم من عنده ودعه ") اهـ. والجواب من وجوه: أحدها: أن مراد أئمة الإسلام بهذا ونحوه كقول البربهاري ﵀ وغيره أمران: ١ - أن يرد الخصم السنة، ولا يحتج بها، ولا يقبلها، ولا يريد إلا القرآن فحسب،

стр. 389

وهذا قد قدمنا بيان كفره، وأن من قبل القرآن ورد السنة الصحيحة فهو كافر، والواجب قبولها. وقد حذر النبي ﷺ من هذه الفئة المارقة فقال: «يوشك أن يقعد الرجل على أريكته، ويحدث بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدناه فيه حلالا استحللناه، وما وجدناه حراما حرمنا، ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله» ، رواه الإمام أحمد في " مسنده " (٤ / ١٣٢) ، والدارمي (٥٩٢) ، والترمذي (٢٦٦٤) وابن ماجه (١٢) ، والحاكم (١ / ١٠٩) ، وجماعة، من حديث المقدام بن معدي كرب ﵁. ٢ - أن يستدل على الخصم بالقرآن، وتكون الآية ذات وجوه ومحامل، فيبين للخصم المراد منها بسنة رسول الله ﷺ ، أو آثار أصحابه وتابعيهم، فلا يقبلها، ويردها، يريد حمل القرآن على عقله وهواه. ولا يقصد أئمة الإسلام غير هذين الأمرين، وهما ظاهران، وقد ساق الأئمة حنابلة وغيرهم كالدارمي في " السنة "، والبربهاري في " شرح السنة "، والآجري في " الشريعة "، واللالكائي في " السنة "، والبيهقي، وابن عبد البر في " جامع العلم "، والخطيب البغدادي في " الفقيه والمتفقه " وفي غيره، والسيوطي في " مفتاح الجنة " عشرات الآثار في هذا الباب عن بعض الصحابة، وجماعة من التابعين، ومن بعدهم.

стр. 390

والحنابلة أشد الناس احتجاجا بالقرآن، وتمسكا به، وبالسنة، وكيف يرد القرآن من يحتج بالسنة، وينتصر لها، ويذب عنها؟ وكيف يستقيم الاحتجاج بالسنة لأحد لا يحتج بالقرآن؟ وهذه " العقيدة الواسطية " لشيخ الإسلام ابن تيمية، مع أنها وريقات في المعتقد إلا أن فيها أكثر من (١٤٠) آية من القرآن محتجا بها. ورادو السنة بزعم الاحتجاج بالقرآن ليس حرصا منهم على القرآن، وقياما بأمره، وتمسكا بأحكامه، وإلا لأخذوا بالسنة، وإيجاب الأخذ بها منصوص عليه فيه، وإنما أرادوا إسقاط السنة، وترويج ذلك على السذج ونحوهم؛ كي لا ينتصف منهم، ويبقى القرآن مجملا في كثير من أحكامه دون مبين مفصل، فيحرفوا ظاهره بأهوائهم وآرائهم. الوجه الثاني: أن سلف الحنابلة وغيرهم من أئمة الإسلام في تقييد فهم القرآن بالسنة هم صحابة رسول الله ﷺ ، كعلي بن أبي طالب ﵁، فقد أخرج ابن سعد في " الطبقات " من طريق عكرمة عن ابن عباس أن علي بن أبي طالب أرسله إلى الخوارج فقال: (اذهب إليهم فخاصمهم، ولا تحاجهم بالقرآن، فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة) .
следующие страницы →