← Акыда

Акыда · id 30885

قمع الدجاجلة الطاعنين في معتقد أئمة الإسلام الحنابلة

عبد العزيز بن فيصل الراجحي

Полный текст (487 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وقد صنف الجلال السيوطي (ت ٩١١ هـ) ﵀ رسالة شهيرة سماها " مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة " في وجوب الاحتجاج بها وكفر المخالف، قال الجلال السيوطي ﵀ في مقدمته بعد الحمدلة: (اعلموا - يرحمكم الله - أن من العلم كهيئة الدواء، ومن الآراء كهيئة الخلاء، لا تذكر إلا عند داعية الضرورة، وإن مما فاح ريحه في هذا الزمان، وكان دارسا - بحمد الله تعالى - منذ أزمان، وهو أن قائلا رافضيا زنديقا أكثر في كلامه أن السنة النبوية والأحاديث المروية - زادها الله علوا وشرفا - لا يحتج بها، وأن الحجة في القرآن خاصة. وأورد على ذلك حديث: «ما جاءكم عني من حديث فاعرضوه على القرآن، فإن وجدتم له أصلا فخذوا به، وإلا فردوه» ، هكذا سمعت هذا الكلام بجملته منه، وسمعه منه خلائق غيري، فمنهم من لا يلقي لذلك بالا، ومنهم من لا يعرف أصل هذا الكلام، ولا من أين جاء، فأردت أن أوضح للناس أصل ذلك، وأبين بطلانه، وأنه من أعظم المهالك. فاعلموا رحمكم الله أن من أنكر كون حديث النبي ﷺ قولا كان أو فعلا - بشرطه المعروف في الأصول - حجة كفر، وخرج عن

стр. 387

دائرة الإسلام، وحشر مع اليهود والنصارى، أو مع من شاء الله من فرق الكفرة) اهـ كلامه. وبقية كلامه، بل جميع كتابه ﵀ مهم، نافع غاية النفع، مبين حكم هؤلاء المردة.

стр. 388

[فصل في سبب تزهيد الحنابلة في القرآن] فصل في سبب تزهيد الحنابلة في القرآن، وأن خصومهم أكثر تعظيما منهم له عند المالكي، وبيان كذبه، والرد عليه ثم قال المالكي ص (١٦٤) : (وكان المخالفون للحنابلة أكثر تعظيما للقرآن، واستدلالا به منهم، فلما رأى الحنابلة ذلك، وأن القرآن الكريم تستدل به الطوائف المبتدعة لجئوا إلى التزهيد من التحاكم إلى القرآن الكريم، مع تضخيم الآثار، والأقوال المنسوبة لبعض التابعين أو العلماء. بل بدعوا من يعود إلى القرآن الكريم، وقدموا عليه أقوال الرجال، يقول البربهاري: " إذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده، ويريد القرآن، فلا شك أنه رجل قد احتوى على الزندقة، فقم من عنده ودعه ") اهـ. والجواب من وجوه: أحدها: أن مراد أئمة الإسلام بهذا ونحوه كقول البربهاري ﵀ وغيره أمران: ١ - أن يرد الخصم السنة، ولا يحتج بها، ولا يقبلها، ولا يريد إلا القرآن فحسب،

стр. 389

وهذا قد قدمنا بيان كفره، وأن من قبل القرآن ورد السنة الصحيحة فهو كافر، والواجب قبولها. وقد حذر النبي ﷺ من هذه الفئة المارقة فقال: «يوشك أن يقعد الرجل على أريكته، ويحدث بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدناه فيه حلالا استحللناه، وما وجدناه حراما حرمنا، ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله» ، رواه الإمام أحمد في " مسنده " (٤ / ١٣٢) ، والدارمي (٥٩٢) ، والترمذي (٢٦٦٤) وابن ماجه (١٢) ، والحاكم (١ / ١٠٩) ، وجماعة، من حديث المقدام بن معدي كرب ﵁. ٢ - أن يستدل على الخصم بالقرآن، وتكون الآية ذات وجوه ومحامل، فيبين للخصم المراد منها بسنة رسول الله ﷺ ، أو آثار أصحابه وتابعيهم، فلا يقبلها، ويردها، يريد حمل القرآن على عقله وهواه. ولا يقصد أئمة الإسلام غير هذين الأمرين، وهما ظاهران، وقد ساق الأئمة حنابلة وغيرهم كالدارمي في " السنة "، والبربهاري في " شرح السنة "، والآجري في " الشريعة "، واللالكائي في " السنة "، والبيهقي، وابن عبد البر في " جامع العلم "، والخطيب البغدادي في " الفقيه والمتفقه " وفي غيره، والسيوطي في " مفتاح الجنة " عشرات الآثار في هذا الباب عن بعض الصحابة، وجماعة من التابعين، ومن بعدهم.

стр. 390

والحنابلة أشد الناس احتجاجا بالقرآن، وتمسكا به، وبالسنة، وكيف يرد القرآن من يحتج بالسنة، وينتصر لها، ويذب عنها؟ وكيف يستقيم الاحتجاج بالسنة لأحد لا يحتج بالقرآن؟ وهذه " العقيدة الواسطية " لشيخ الإسلام ابن تيمية، مع أنها وريقات في المعتقد إلا أن فيها أكثر من (١٤٠) آية من القرآن محتجا بها. ورادو السنة بزعم الاحتجاج بالقرآن ليس حرصا منهم على القرآن، وقياما بأمره، وتمسكا بأحكامه، وإلا لأخذوا بالسنة، وإيجاب الأخذ بها منصوص عليه فيه، وإنما أرادوا إسقاط السنة، وترويج ذلك على السذج ونحوهم؛ كي لا ينتصف منهم، ويبقى القرآن مجملا في كثير من أحكامه دون مبين مفصل، فيحرفوا ظاهره بأهوائهم وآرائهم. الوجه الثاني: أن سلف الحنابلة وغيرهم من أئمة الإسلام في تقييد فهم القرآن بالسنة هم صحابة رسول الله ﷺ ، كعلي بن أبي طالب ﵁، فقد أخرج ابن سعد في " الطبقات " من طريق عكرمة عن ابن عباس أن علي بن أبي طالب أرسله إلى الخوارج فقال: (اذهب إليهم فخاصمهم، ولا تحاجهم بالقرآن، فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة) .

стр. 391

فما ألزم به المالكي الحنابلة - لما أمروا بالتحاكم إلى السنة في فهم القرآن - أنهم يزهدون في القرآن ويردونه، يلزم عليا ﵁، بل يلزمه ﵁ فوق ذلك. وروى اللالكائي في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة " عنه ﵁ قال: (سيأتي قوم يجادلونكم فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله) ، وروى الدارمي (١٢١) واللالكائي (٢٠٢) وابن عبد البر في " الجامع " (٢ / ١٣٢) والخطيب في " الفقيه والمتفقه " وغيرهم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (إنه سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنة أعلم بكتاب الله) . وهذه الآثار هنا وغيرها مما ورد في هذا الباب يبين مراد علماء الإسلام بأقوالهم تلك، كقول البربهاري ﵀ وغيره، على الوجه الذي قدمناه في الوجه الأول. [فصل في بيان قول البربهاري إن القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن] فصل ثم قال المالكي ص (١٦٤) : (وقال - يعني البربهاري: " وإن القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن ". أقول [القائل المالكي] : السنة عظيمة المنزلة، لكن ليست أهم من القرآن، وهي أحوج إلى القرآن.

стр. 392

فالسنة تحاكم إلى القرآن، فيعرف ما ثبت عن رسول الله، وما لم يثبت، إذ إن من منهج المحدثين في معرفة ضعف بعض متون السنة مخالفتها للقرآن الكريم) اهـ. والجواب من وجهين: أحدهما: أن القرآن الكريم لما كانت أحكام العبادات فيه والتشريع مجملة غالبا، وكانت السنة مفصلة، سواء كانت قولية أو فعلية أو تقريرا، كان القرآن أحوج إليها من هذا الوجه. وخذ مثلا: أمر الله في كتابه الكريم في آيات كثيرة بالصلاة والزكاة، ولكنه سبحانه لم يبين أركانها، وواجباتها، وشروطها، وعددها، وما يبطلها، وكم نصاب الزكاة؟ وما يزكى، وما يترك، وأجناس المزكيات، وغير ذلك مما لم تبينه إلا السنة، فالقرآن أحوج إلى السنة من السنة إليه لهذا الوجه، ولتضمن السنة أحكام القرآن مفصلة. الثاني: أن هذا القول على هذا الوجه لم ينفرد به البربهاري، بل قاله قبله: مكحول الشامي (ت ١١٣ هـ) أحد أئمة التابعين ومحدثيهم وفقهائهم، بل هو عند أبي حاتم الرازي، وسعيد بن عبد العزيز أفقه أهل الشام بإطلاق. وقال يحيى بن أبي كثير (ت ٢٣١ هـ) وهو أحد كبار أئمة التابعين: (السنة قاضية على القرآن، وليس القرآن بقاض على السنة) رواه عنه

стр. 393

الدارمي في " سننه " (٥٨٧) ، وبوب عليه (باب السنة قاضية على القرآن) . والمالكي يعلم مراد البربهاري، إلا أنه ارتضى التلبيس، فقد بين محقق " شرح السنة " - الردادي جزاه الله خيرا - للبربهاري (في الطبعة التي اعتمدها المالكي) مراد البربهاري، وساق ما ذكرته هنا وغيره في بيان ذلك. والسنة الصحيحة غير المنسوخة لا تخالف القرآن، بل هي موافقة له، وما يراه بعضهم مخالفا فإن ذلك في تصوره وعقله، لا في حقيقة الأمر، أما ما لم يصح من السنة فلا ينظر فيه، وافق القرآن أم خالفه.

стр. 394

[فصل في زعمه أن البربهاري يقدم الرجال على النبي ﷺ ] فصل في زعمه أن البربهاري يقدم الرجال على النبي ﷺ ، والرد عليه قال المالكي ص (١٦٤ - ١٦٥) : (وقال [يعني البربهاري] : " التكبير على الجنائز أربع، وهو قول مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والحسن بن صالح، وأحمد بن حنبل، والفقهاء، وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ". أقول: انظروا كيف جعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم آخر هؤلاء؟) اهـ كلام المالكي. والجواب على هذا التلبيس من وجهين: أحدهما: أن البربهاري ﵀ استدل على صحة قول هؤلاء الأئمة بأنه قول رسول الله ﷺ ، ولم يستسغ أن يذكر قول رسول الله ﷺ ، ثم يعقب عليه بذكر قولهم. الثاني: أن البربهاري قد ملأ كتابه " شرح السنة " - وهو مصدر المالكي - بتعظيم السنة، وأقوال النبي ﷺ ، وتقديمها وعدم تقدمها، ووجوب الحاكم إليها، لا إلى أقوال الرجال أو غير ذلك، حتى قال المالكي لشدة ما رأى من تمسك البربهاري ﵀ بالسنة بأنه يقدم السنة على القرآن، فكيف يجعله المالكي الآن يقدم أقوال الرجال عليها؟

стр. 395

قال البربهاري ﵀ في كتابه " شرح السنة " (١٠٤ - ١٠٥) : (ومن خالف الكتاب والسنة فهو صاحب بدعة، وإن كان كثير العلم والكتب، واعلم رحمك الله أن من قال في دين الله برأيه وقياسه وتأويله من غير حجة من السنة والجماعة، فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن قال على الله ما لا يعلم فهو من المتكلفين) اهـ. [فصل في قول البربهاري إذا سمعت الرجل يطعن على الآثار أو يرد الآثار أو يريد غير الآثار فاتهمه على الإسلام] فصل ثم قال المالكي ص (١٦٥) : (وقال البربهاري أيضا: " وإذا سمعت الرجل يطعن على الآثار، أو يرد الآثار، أو يريد غير الآثار، فاتهمه على الإسلام، ولا تشك أنه صاحب هوى مبتدع ". أقول: وهل الذي يطعن على القرآن الكريم، أو لا يريد القرآن، ويريد أقوال الرجال، هل هذا مبتدع أم لا؟) اهـ كلام المالكي. وأقول: إن كان أمر البربهاري بالأخذ بالسنة، وفهم القرآن على ضوئها، يلزم منه رد القرآن - كما زعم المالكي -، فأولى الناس بالطعن علي بن أبي طالب ﵁، وجماعة غيره من أئمة الإسلام المتقدمين على البربهاري؛ لأمرهم بفهم القرآن بالسنة، وجعلهم السنة قاضية على القرآن.

стр. 396

وإن كان دافع المالكي لقول ما سبق في البربهاري هو الغيرة على كتاب الله الكريم فأين غيرته - المزعومة - من الرافضة، وهو يلمعهم، ويهون اختلافاتنا معهم، وينتصر في غير موطن لهم، وهم مجمعون على الطعن في القرآن بأنه ناقص غير تام، ومجمعون على رد كتب السنة جميعا؛ لأنها من رواية الناصبة؟

стр. 397

[فصل في زعمه أن من صفات الحنابلة التزهيد والتساهل في كبائر الذنوب والموبقات] فصل في زعمه أن من صفات الحنابلة التزهيد والتساهل في كبائر الذنوب والموبقات، مع التشدد في أمور مختلف فيها، والرد عليه ثم قال المالكي ص (١٦٦) في سياقه ذكر صفات الحنابلة بزعمه، تحت عنوان " التزهيد والتساهل في كبائر الذنوب والموبقات، مع التشدد في أمور مختلف فيها ": (وهذا خلاف نصوص القرآن الكريم، فضلا عن السنة، قال البربهاري: " إذا رأيت الرجل من أهل السنة، رديء المذهب والطريق (١) فاسقا فاجرا، صاحب معاصي ضالا، وهو على السنة، فاصحبه، واجلس معه، فإنه ليس يضرك معصيته، وإذا رأيت الرجل مجتهدا في العبادة، متقشفا محترقا بالعبادة، صاحب هوى، فلا تجالسه، ولا تمشِ معه في طريق ") اهـ. والجواب من وجوه: أحدها: بإصلاح ما حرفه المالكي في نقله من كتاب البربهاري ﵀ وإتمامه، قال البربهاري ص (١٢٤) : (وإذا رأيت الرجل مجتهدا في العبادة، متقشفا محترقا بالعبادة، صاحب هوى، فلا تجالسه، ولا تقعد معه، ولا تسمع كلامه، ولا تمش معه

стр. 398

في طريق، فإني لا آمن أن تستحلي طريقته، فتهلك معه. ورأى يونس بن عبيد ابنه وقد خرج من عند صاحب هوى، فقال: " يا بني من أين جئت؟ ". قال: من عند فلان. قال: " يا بني، لأن أراك خرجت من بيت خنثى أحب إلي من أن أراك تخرج من بيت فلان وفلان، ولأن تلقى الله يا بني زانيا، فاسقا، سارقا، خائنا، أحب إلي من أن تلقاه بقول فلان وفلان ". ألا ترى أن يونس بن عبيد قد علم أن الخنثى لا يضل ابنه عن دينه، وإلى صاحب البدعة يضله حتى يكفر؟) اهـ كلام البربهاري. الثاني: أن هذا ليس تهوينا للكبائر والموبقات، وإنما هو تعظيم للبدع والمحدثات، وأنه مع عظم الزنا والسرقة وغيرهما من المعاصي والفجور، إلا أن البدع أعظم جرما، وصحبة أربابها أشد ضررا من وجهين: أحدهما: اغترار الناس بالمبتدع إذا كان مظهرا للصلاح والعبادة، مما يغر بعض العامة، ومن لا بصيرة له. الثاني: أن المبتدع يتخذ بدعته دينا يتدين به، ويدعو إليه، ويذب عنه، ويجادل فيه، فخطر التأثر به كبير، أما العصاة فإنهم إن لم يستروا معاصيهم ويخجلوا منها لم يدعوا إليها. وإن دعوا إليها لم يستجب لهم؛ لظهور قبحها للعامة والخاصة.

стр. 399

وإن تأثر بهم أحد فهو أخف من تأثره ببدعة مبتدع ربما أخرجته من الإسلام جملة. وليس بخاف على أحد أن علماء المسلمين جميعا ينهون عن الكبائر والمعاصي، وعن صحبة أربابها، وهم حين يجعلون البدع والمبتدعة أشر من العصاة والمعاصي فلبيان خطر البدع والمبتدعة، لا لتهوين المعاصي والكبائر.

стр. 400

[فصل في زعمه أن البربهاري يقدم الزناة والفساق والخونة على علماء الحنفية] فصل في زعمه أن البربهاري يقدم الزناة والفساق والخونة على علماء الحنفية، والمختلفين مع الحنابلة، والرد عليه ثم قال المالكي ص (١٦٦) : (وقال أيضا - يعني البربهاري -: " لأن تلقى الله زانيا، فاسقا، سارقا، خائنا، أحب إلي من أن تلقاه بقول فلان وفلان ". أقول: ويقصد بفلان وفلان علماء الحنفية، أو المعتزلة، أو المختلفين مع الحنابلة، لكن البربهاري يلقانا بقوله، وقول الأوزاعي، وحماد بن زيد، وهم على فضلهم بشر يصح أن يقال فيهم فلان وفلان، وهذا تناقض، ولا بد من منهج يحمي من التناقض) اهـ. والجواب من وجوه ثلاثة: أحدها: أن ما عابه المالكي على البربهاري ونسبه إليه ليس من قوله، وإنما هو من كلام يونس بن عبيد، أحد أئمة التابعين وحفاظهم، وحديثه مخرج في الصحاح الستة، وقد ذكرنا نصه في الفصل السابق. الثاني: أن مراد يونس بن عبيد (بفلان وفلان) عمرو بن عبيد، كما في بعض نسخ كتاب البربهاري، وذلك مذكور في حاشية طبعته، وقد ذكر الذهبي قصة يونس بن عبيد مع أبيه، وفيها التصريح بعمرو بن عبيد، فذكر الذهبي في " سير أعلام النبلاء " (٦ / ٢٩٤) :

стр. 401

(أن خويلا - يعني ختن شعبة - قال: كنت عند يونس، فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله تنهانا عن مجالسة عمرو بن عبيد، وقد دخل عليه ابنك؟ قال: ابني؟ قال: نعم. فتغيظ الشيخ، فلم أبرح حتى جاء ابنه، فقال: يا بني قد عرفت رأيي في عمرو ثم تدخل عليه؟ قال: كان معي فلان، وجعل يعتذر. قال: أنهاك عن الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، ولأن تلقى الله بهن أحب إلي من أن تلقاه برأي عمرو وأصحاب عمرو) اهـ. فمراد هذا الإمام الكبير ظاهر، ولم يرد الحنفية الذين أقحمهم المالكي لهوى في نفسه ومرض، ويظهر هنا تحذير يونس ﵀ لابنه من المعاصي، وتبيينه لابنه أنها مع عظمها ونهيه له عنها إلا أن بدعة عمرو بن عبيد أعظم؛ لأنها كفر. الثالث: أن قياس المالكي عمرو بن عبيد وأصحابه من أهل البدع المرتدين بأئمة الإسلام كالأوزاعي وحماد بن زيد قياس فاسد، يدل على ضلاله وجهله.

стр. 402

[فصل في زعمه أن من صفات الحنابلة التقارب مع اليهود والنصارى والتشدد على المسلمين] فصل في زعمه أن من صفات الحنابلة التقارب مع اليهود والنصارى، والتشدد على المسلمين، والرد عليه ثم قال المالكي ص (١٦٧) في سياقه صفات الحنابلة بزعمه تحت عنوان " التقارب مع اليهود والنصارى، والتشدد على المسلمين ": (من سمات كتب العقائد عند غلاة الحنابلة أنهم يتساهلون مع اليهود والنصارى، ويفضلون مخالطتهم ومآكلتهم على إخوانهم المسلمين، نقل البربهاري أثرا تقول (١) " آكل مع يهودي ونصراني ولا آكل مع مبتدع ") اهـ. والجواب من وجهين: أحدهما: أن صاحب هذا القول ليس بحنبلي، لا من الغلاة، ولا من المعتدلين، وهو الإمام العابد الكبير الفضيل بن عياض (ت ١٨٧ هـ) من أئمة العلم والزهد والحديث، احتج به الشيخان. الثاني: أن عدم مآكلة المبتدع ومشاربته والأكل مع اليهودي والنصراني ليس لقرب اليهود والنصارى منا، ولا لخفة ضلالهم، ولكن مخافة إضلال هذا المبتدع لجليسه ومآكله؛ لاستدلاله على ضلالاته بمتشابه القرآن وتحريفه الكلم عن مواضعه فربما زل سامعه لجهله،

стр. 403

أما اليهودي والنصراني فضلالهما ظاهر بين. هذا مراد الأئمة من هذا وأمثاله، ويراعون في كل ذلك المصلحة، ألم تر أن النبي ﷺ هجر الثلاثة الذين خلفوا، واشتد عليهم في ذلك مع صلاحهم وصدقهم، ولم يهجر المنافقين مع كفرهم وكذبهم؟ فهل يقول أحد: إن المنافقين أحب إلى رسول الله ﷺ من صحابته الصالحين، أو أنه ﷺ يقارب مع المنافقين، ويتشدد على المؤمنين؟ وإنما كانت مصلحة الثلاثة المخلفين في هجرهم؛ ليتوبوا ويصدقوا الله، ويتوب الله عليهم، ويعفو - سبحانه - عن زللهم، فيكمل أجرهم، ويستقيم أمرهم، أما المنافقون فلا خير فيهم، ولا رجاء لاستقامة حالهم.

стр. 404

[فصل في زعمه أنا لا نخشى إلا من المسلمين أما الكفار فلا] فصل في زعمه أنا لا نخشى إلا من المسلمين، أما الكفار فلا، والرد عليه ثم قال المالكي ص (١٦٧) : (ونحن إلى اليوم لا نخشى إلا من المسلمين، ولا نحذر إلا منهم، ولو جاء مسافر من بريطانيا أو أمريكا لما استنكرنا شيئا، لكن لو قال: جئت من سلطنة عمان، أو من دولة إيران، لنظرنا إليه شزرا؛ لأن عمان إباضية، وإيران فيها أغلبية شيعية، ولا بد أن نسأل صاحبنا: لماذا سافرت إلى هناك؟ ولو علمنا به قبل سفره لحذرناه منهم كثيرا، بينما لا نحذره من اليهود ولا النصارى، بل ولا من الملحدين، ولنا في هذا تأويلات واعتذارات لا يسعني استعراضها، ولا الجواب عليها) اهـ. والجواب من وجوه: أحدها: أن خشية المالكي من المسلمين، وتحذيره منهم، وعدم استنكاره على المسافرين لبريطانيا وأمريكا وغيرها من بلاد المشركين، أمر يخصه، يدل على ضعف ديانته وجهله. أما الحنابلة وغيرهم من أئمة المسلمين فيحرمون السفر لبلاد الكفار، بريطانيا وأمريكا وغيرها، إلا لضرورة أو مصلحة راجحة

стр. 405

للمسلمين، قال الإمام ابن قيم الجوزية الحنبلي ﵀ في " زاد المعاد " (٣ / ١٢٢) : ومنع رسول الله ﷺ من إقامة المسلمين بين المشركين إذا قدر على الهجرة من بينهم، وقال: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين "، قيل: يا رسول الله ولم؟ قال: " لا تراءى ناراهما» . وقال: «من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله» إلى آخر كلامه، ونحوه عند ابن قدامة ﵀ في " المغني " (١٣ / ١٤٩ - ١٥٢) . فإذا حرم البقاء في أرض المشركين وهي موطن ذلك المقيم، فكيف يجوز السفر من بلاد المسلمين إلى بلاد المشركين؟ وقد أفتى علماء بلادنا المعاصرون والسابقون - رحم الله ميتهم، وحفظ حيهم - بحرمة السفر إلى بلاد الكفار إلا لمسوغ شرعي ظاهر. وأصدرت " اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء " بدار الإفتاء بالمملكة العربية السعودية عدة فتاوى تحرم السفر إلى بلاد الكفار، وما يتعلق بذلك، ومن جملة الموقعين عليها: سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. وفضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀. وفضيلة الشيخ عبد الله بن حسن بن قعود شفاه الله، ومتعه بالصحة والعافية.

стр. 406

وفضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان حفظه الله. وفضيلة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله. الثاني: أن السفر إلى بلاد المسلمين التي فيها مبتدعة قلوا أم كثروا إن لم يخش على دين المسافر إليها، جائز، وبدعتهم وضلالهم لا تجعل بلادهم بلاد كفر وشرك. الثالث: أن ما نسبه المالكي إلى الحنابلة من تشدد على المسلمين، وتساهل مع الكافرين، باطل كما سبق، إلا أن المالكي هو الواقع فيه، فإن كتبه وأبحاثه الهزيلة كلها في الطعن في الصحابة، أو بني أمية، أو بني العباس، أو في علماء الحنابلة، أو أئمة السلف والتابعين، وغيرهم من مشايخ الإسلام، أما اليهود والنصارى فلم نر له شيئا فيهم قط، لا قليلا ولا كثيرا، وقد نبهنا على هذا في أول الكتاب عند ذكرنا تناقضات المالكي وكثرتها.

стр. 407

[فصل في رميه الحنابلة بمخالفة المروءة لفرحهم بمصائب خصومهم من أهل البدع] فصل في رميه الحنابلة بمخالفة المروءة لفرحهم بمصائب خصومهم من أهل البدع، والرد عليه ثم قال المالكي ص (١٦٨) : (روى الخلال الحنبلي في " كتاب السنة " (٥ / ١٢٩) (١) أن أحمد بن حنبل [سئل] (٢) هل يأثم الرجل يفرح بما ينزل بأصحاب ابن أبي دؤاد " المعتزلي "؟ فقال: ومن لا يفرح بهذا؟ قيل له: إن ابن المبارك قال: الذي ينتقم من الحجاج هو ينتقم للحجاج من الناس، قال: أي شيء يشبه هذا من الحجاج؟ هؤلاء أرادوا تبديل الدين. أقول: أنا أستبعد هذا عن أحمد، لكن هذا الأثر وأمثاله يدل على فرح الحنابلة بحصول المصائب لمخالفيهم، وهذا خلاف المروءة، فضلا عن مخالفته لرحمة الإسلام وتعاليمه) اهـ. والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا أثر صحيح ثابت عن أحمد ﵁، فرواه الخلال عن أبي بكر المروذي، وهو عن أحمد، وهؤلاء أئمة ثقات كبار.

стр. 408

الثاني: أنه لما كان المسلم يفرح بعز وحياة من يكون في عزه وحياته نصر للإسلام، وإظهار للمسلمين، ويحزن إذا تخلف ذلك، كان الفرح بما يكون لأصحاب ابن أبي دؤاد من مصائب مشروعا، بل مسنونا؛ لحملهم الناس على الكفر، وقتلهم علماء الأمة، وحفاظها، وسجنهم البقية الباقين وتعذيبهم، أفيكون هذا ممنوعا، ويكون فعل المعتزلة بالأمة والأئمة محمودا؟ الثالث: أن مراد ابن المبارك في قوله سابقا أن من يذكر الحجاج بما ليس فيه، ويبغي عليه، فإن الذي سينتقم من الحجاج وبغيه على المسلمين وعلمائهم سينتقم ممن يبغي على الحجاج نفسه، ولعن الحجاج وذكر ظلمه بحق ليس فيه مصلحة مرجوة للمسلمين، بخلاف الطعن في المبتدعة، وتحذير الناس منهم، وبيان ضلالهم، فإن هذا فيه سلامة معتقداتهم، وصونا لدينهم. الرابع: أن زعم المالكي أن هذا خلاف المروءة ومخالف لرحمة الإسلام وتعاليمه باطل، وكيف تنتفي المروءة عنده إذا طعن في أعداء السنة وأهل البدع، ولا تنتفي عنه وهو يطعن في معاوية ﵁، بل في مسلمة الفتح جميعا، ويخرجهم من الصحبة، ويطعن في أئمة التابعين، وجماعات غيرهم من أئمة المسلمين؟ أما رحمة الإسلام ففي استقامة الناس على دين الله ، ودعوتهم إليه، وتحذيرهم مما يخالفه، بل ضرب رقاب أعدائه، ليبقى

стр. 409

صافيا كما أنزل على محمد ﷺ ، ولنا أسوة حسنة في أمر النبي ﷺ بعض أصحابه بقتل ذلك الخارجي الذي كان يصلي، وفي ضرب عمر ﵁ لصبيغ بن عسل، وشجه لرأسه بالدرة، وقتال علي ﵁ للخوارج، ففعلهم غاية البر والرحمة، إلا عند المنافقين والمرجفين والمبطلين.

стр. 410

[فصل في زعمه أن من صفات الحنابلة الحكم الجائر على نيات الآخرين] فصل في زعمه أن من صفات الحنابلة الحكم الجائر على نيات الآخرين، والرد عليه ثم قال المالكي ص (١٦٨) في سياقه صفات الحنابلة بزعمه، تحت عنوان " الحكم الجائر على نيات الآخرين ": (روى الخلال عن أحمد (٥ / ١٢١) : " ما أحد أضر على أهل الإسلام من الجهمية، ما يريدون إلا إبطال القرآن، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ". أقول: وهذا وأشباهه أستبعده عن أحمد أيضا، وهو مروي بكثرة في كتب الحنابلة، وقد سبقت أحكام جائرة من هذا النوع في فقرات سابقة) اهـ كلام المالكي. والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا الأثر ثابت عن الإمام أحمد، صحيح عنه، مشتهر به، وجاء نحوه عن غيره من السلف ﵏، والمالكي يعلم هذا، لذا أشار إلى كثرة روايته في كتب الحنابلة، وهو مروي أيضا عند غيرهم، فيلزمه أحد أمرين: * إما أن يكذبهم، ويرد رواياتهم عن الإمام أحمد بهذا الأثر وغيره. وإما أن يصدقهم، ويأخذ بقولهم.

стр. 411

فإن كان الأول لم يوافقه على ذلك أحد، والحنابلة من أئمة الدين، وعلماء المسلمين فقهاء ومحدثين، والطعن فيهم طعن في جماعات من علماء المسلمين بغير حق. وإن كان الثاني لزمه الطعن في الإمام أحمد، وهذا ما يحاول المالكي تجنبه؛ خوفا من المسلمين، وعلما منه بعدم رضاهم، بالطعن في أحد جبال العلم والحفظ والزهد والورع. الثاني: أن حكم الإمام أحمد ليس حكما على النيات، ولا المغيبات، وإنما هو حكم على الجهمية بأعمالهم الظاهرة، وأقوالهم المشتهرة، بل والمتواترة. فإنهم لم يتركوا آية في أسماء الله أو صفاته، أو في أمور الآخرة، أو في أمور الغيب عامة، إلا حرفوها، وأخرجوها عن ظاهرها إلى معان أخرى مخالفة لتأويلها الصحيح، ولبقية كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وما عليه السلف الصالح وأئمة الهدى. وكذلك فعلوا بالسنة حين ردوها بأنواع التكلفات، وما قبلوه منها فعلوا به كما فعلوا بآيات القرآن، وهذا عين الإبطال، بل وأخبثه؛ لانخداع بعض العامة والرعاع بما قد يسمعونه منهم من متشابه القرآن وغيره.

стр. 412

[فصل في زعمه أن من صفات الحنابلة الأمر بقطيعة الرحم من أجل العقيدة] فصل في زعمه أن من صفات الحنابلة الأمر بقطيعة الرحم من أجل العقيدة، والرد عليه قال المالكي ص (١٦٩) في سياقه صفات الحنابلة بزعمه، تحت عنوان " الأمر بقطيعة الرحم من أجل العقيدة ": (الله أمر بصلة الرحم، ولو كان الأرحام كفارا، وأخص الأرحام هما الوالدان، فأمر الله بالإحسان إلى الوالدين ولو كانا كافرين، لكن لا يطيعهما الإنسان إذا أمراه بالكفر، أما أصحاب العقائد من غلاة الحنابلة فيرون أنه يجب على الابن ألا يكلم أباه إذا كان هذا الوالد يرى أن القرآن مخلوق، أو توقف " السنة " للخلال (٥ / ١٤٣)) اهـ. والجواب من وجوه: أحدها: أن الله ورسوله ﷺ لم يأمر بقطيعة الرحم من أجل العقيدة فحسب، بل وقتالهم وسفك دمائهم، والبراءة منهم، كما هو هدي أنبيائه - عليهم الصلاة والسلام - نوح مع ابنه وقومه، وإبراهيم مع أبيه وقومه، ولوط مع زوجه، ومحمد ﷺ مع قومه وعمه وبني عمه، وهكذا صحابته ﵃، وأئمة الهدى المقتدين بهم.

стр. 413

قال : ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] . قال الحافظ ابن كثير عندها في "تفسيره ": (وقد قال سعيد بن عبد العزيز وغيره: أنزلت هذه الآية- ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [المجادلة: ٢٢] إلى آخرها- في أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح حين قتل أباه يوم بدر، ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁، حين جعل الأمر شورى بعده في أولئك الستة: "ولو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته ". وقيل في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] : نزلت في أبي عبيدة قتل أباه يوم بدر. ﴿أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] في الصدِّيق هَمَّ يومئذ بقتل ابنه عبد الرحمن. ﴿أَوْ إِخْوَانَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] في مصعب بن عمير، قتل أخاه عبيد بن عمير يومئذ. ﴿أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] في عمر قتل قريبا له يومئذ أيضا. وفي حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يومئذ، فالله أعلم) .

стр. 414

ثم قال ابن كثير: (ومن هذا القبيل: حين استشار رسول الله ﷺ المسلمين في أسارى بدر، فأشار الصديق بأن يفادوا، فيكون ما يؤخذ منهم قوة للمسلمين وهم بنو العم والعشيرة، ولعل الله تعالى أن يهديهم. وقال عمر: لا أرى ما رأى يا رسول الله ﷺ ! هل تمكنني من فلان- قريب لعمر - فأقتله، وتمكن عليا من عقيل، وتمكن فلانا من فلان، ليعلم الله أنه ليست في قلوبنا موادة للمشركين، القصة بكمالها) . ثم قال ابن كثير: (وفي قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] سر بديع، وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله تعالى، عوضهم بالرضا عنهم، وأرضاهم عنه، بما أعطاهم من النعيم المقيم، والفوز العظيم، والفضل العميم) اهـ كلام ابن كثير ﵀. والمحادّة لله ورسوله ﷺ : درجات، فمنها ما يكون بالكفر والشرك، كمحادة المشركين واليهود والنصارى، ومن ذلك أيضا: محادة الرافضة والجهمية والباطنية وأضرابهم. ومن المحادة أيضا، دون ذلك، كمحادة أهل البدع، ممن لم تخرجهم بدعهم من الإسلام. ومنها دون ذلك، كمحادة العصاة وأصحاب الكبائر، حتى جعل بعض الأئمة: سلاطين الجور المسلمين من المحادين كسفيان ﵀ وغيره.

стр. 415

ويجب في كل نوع: الهجر، وعدم الموادة، والبراءة إلى الله من أصحابها، ونصحهم، وزجرهم، إلا أنهم في ذلك درجات، حسب درجات محادتهم. إلا إن كان في صلة أولئك: مصلحة شرعية راجحة، فتُراعى المصلحة، علها تتحقق. الثاني: أن ما حكاه المالكي، وعزاه "للسنة" للخلال (٥ / ١٤٣) : باطل غير صحيح، ففي ذلك الموضع، ما يخالف ما زعمه المالكي، وهذا نص ما عند الخلال في ذلك الموضع، قال ﵀: (أخبرنا محمد بن النقيب بن أبي حرب الجرجرائي قال: سألت أبا عبد الله عن رجل له والد واقفي، فقال: "يأمره ويرفق به ". قلت: فإن أبى! يقطع لسانه عنه؟ قال: (نعم) اهـ. ثم قال الخلال: (وأخبرنا محمد بن أبي حرب قال: سألت أبا عبد الله عن رجل له أخت أو عمة، ولها زوج واقفي؟ قال: "يلتقي بها، ويسلم عليها". قلت: فإن كانت الدار له؟ قال: "يقف على الباب، ولا يدخل ") . ثم قال الخلال: أخبرنا أحمد بن أصرم المزني قال: سمعت أبا عبد الله، قال له رجل: إن لي أخا واقفيا، فأقطع لساني عنه؟

стр. 416

قال: نعم، نعم " مرتين أو ثلاثا) اهـ النقل من "السنة" للخلال. قلت: هذا جميع ما ذكره الخلال ﵀، في الموضع الذي عزا إليه المالكي، وذكر فيه ما ذكر، وليس فيه شيء مما زعمه! فإذا ظهر هذا، علمت بغي المالكي أيضا في قوله ص (١٦٩) بعد كلامه السابق، حين قال معلقا: (وهذا ما لا أعلمه في طائفة من الطوائف؛ لما للوالدين من مكانة كبيرة حث عليها الإسلام. وقد سمعنا في زماننا هذا بمن يهجر والديه لأدنى مخالفة، سواء في العقائد أو الأحكام!! وهذه نتيجة طبيعية، لهذه الكتب يجب ألا نغضب منها!! ما دمنا نصحح مضامينها!!) اهـ كلامه. وهذه نتيجة فاسدة، بمقدمة كاذبة، كما بينا سابقا. ولا أدري هل المالكي يعني بمن سمع به في زماننا هذا، أنه يهجر والديه لأدنى مخالفة سواء في العقائد أو الأحكام: ذلك العاق! الذي كان يكره أباه ويعقه، لذبه عن معاوية، وشدته على زوجته، لانحرافها عنه أو لا؟!! والمالكي يعلم من أعني!!

стр. 417

[فصل في زعمه أن من صفات الحنابلة النصب والرد عليه وبيان حكم الرافضة] فصل في زعمه أن من صفات الحنابلة: النصب! والرد عليه، وبيان حكم الرافضة ثم قال المالكي ص (١٧٠) في سياقه صفات الحنابلة بزعمه تحت عنوان "النصب ": (هذا الموضوع في غاية الأهمية؛ لأن أكبر الفرق الإسلامية التي بيننا وبينها خصومة شديدة، هي الشيعة. صحيح أن جذور هذه الخصومة كانت في القرن الأول، إذ لجأ بنو أمية، إلى الفتك بمحبي أهل البيت وإذلالهم، فقتلوا حجر بن عدي صبرا في عهد معاوية؛ لأنه أنكر سب علي على المنابر، وقتلوا عمرو بن الحمق الخزاعي، وكان ممن لقي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهاجر إليه، وكذلك كان حجر بن عدي. وقتلوا الحسن بن علي سيد شباب أهل الجنة بالسم، وقتلوا أخاه الحسين بالسيف، وارتكبوا مجزرة كربلاء) اهـ. والجواب من وجوه: أحدها: أن جميع ما ذكره المالكي هنا، كان قبل أن يُخلق أحمد! فلم يكن حينها أحمد! ولا صاحب لأحمد! فكيف تكون تلك أفعالا للحنابلة؟! بل صفة من صفاتهم؟!

стр. 418

الثاني: أن من ولي قتل حجر بن عدي ﵁: بنو أمية، وليس الحنابلة! أنا عمرو بن الحمق: فاختُلف في سبب موته، فقيل: قتل، وقيل: نهشته حية فمات، وقيل: إنه قتل حدا؛ لأنه أحد الأربعة الذين دخلوا على عثمان ﵁. وعلى جميع الأحوال، فلا علاقة للحنابلة، ولا حتى علماء المسلمين أجمعين بهذه الفتن. وكذلك سم الحسن وقتل الحسين، ﵄ وأرضاهما. وقتلهما مصيبة عظيمة، وقد قدمنا في هذا شيئا من التفصيل، في فصل تقدم. الثالث: أن الحنابلة جميعا، وأهل السنة عامة، محبون لأهل البيت، مقدمون لهم، مكرمون لمقامهم، يحفظون وصية رسول الله ﷺ فيهم. وهم بنو هاشم، وأزواج رسول الله ﷺ ، وقد حرمت عليهم الزكاة، تطهيرًا لهم، وإكمالا لرفعتهم، وإظهارا لعزتهم، وفد ذكرت في مواضع تقدمت شيئا من النقل عن الحنابلة في ذلك. الرابع: أن المالكي رمى الحنابلة بالنصب، وهم براء منه، ودافع عن الإباضية، وهم نواصب بلا شك، يجاهرون في كتبهم بسب علي بن أبي طالب - رضي الله عن علي - ولعنهم

стр. 419

ويدافع كذلك عن الروافض، وهم نواصب، فسبهم للحسن بن علي ﵄ مشهور، وتسميتهم له بمسود وجوه المؤمنين! وخديعتهم للحسين ﵁ وإظهارهم له النصرة والقتال، حتى خرج من مكة هو وأبناؤه- وكانوا بها آمنين- وبرز له عدوه: خلوا بينه وبينهم، ليسفك دمه الطاهر. وطعن الرافضة في عبد الله وعبيد الله ابني العباس بن عبد المطلب ﵃: ظاهر غير خافٍ، وكذلك طعنهم في أمّي المؤمنين عائشة بنت الصديق، وحفصة بنت الفاروق ﵃ جميعا- فهم الروافض والنواصب حقا. وقد بين العلامة الحسين الموسوي، أحد علماء الحوزة النجفية في كتابه "كشف الأسرار"، وتبرئة الأئمة الأطهار": طعن الرافضة في النبي ﷺ نفسه! وفي علي ﵁! وعزا ذلك كله لمصادرهم المعتمدة المعتبرة، بل ذكر أنه ما من أحد من آل البيت، إلا وقد طعنوا فيه وانتقصوه! الخامس: عد الرافضة من فرق المسلمين، أو داخلة فيهم: غير مُسلَّم، فهم مجمعون على القول بخلق القرآن، وعلى نقص القرآن، وعلى الطعن في أم المؤمنين عائشة ﵂، وغير ذلك. وآحاد هذه المسائل يكفر صاحبها بإجماع الأمة، وتقدم بيانه.

стр. 420

وأنا أنقل هنا كلام بعض علماء الحنفية، في هؤلاء الرافضة، ليرى المالكي اتفاق الحنابلة مع غيرهم من علماء المسلمين وأئمتهم، أحنافا وغيرهم. قال السيد المطهر بن عبد الرحمن بن علي بن إسماعيل المدني الحنفي ابن قاضي العرب في رسالته في (تكفير الشيعة " (١) (٦١ / أ) : (قال في "الوجيز" و"الخلاصة": "الروافض إن كان يسب الشيخين ويلعنهما: فهو كافر. وإن كان يفضل عليا عليهما: فهو مبتدع. ومن قذف عائشة بالزنا: كفر") اهـ. وقال (٦٢ / أ) : (قال في "الوجيز" و"الخلاصة": "من أنكر خلافة أبي بكر: فهو كافر في الصحيح، ومنكر خلافة عمر: كافر في الأصح ") اهـ كلام السيد المطهر بن عبد الرحمن المدني الحنفي، ابن قاضي العرب في رسالته في "تكفير الشيعة". وقال العلامة زين العابدين بن يوسف بن محمد بن زين العابدين الكوراني - وكان من أئمة الحنفية- في رسالته "اليمانيات المسلولة، على الروافض المخذولة" (٢) التي جمعها لبيان حال الرافضة، وصواب تكفير

стр. 421

من كفرهم، والرد على منكره، قال في أولها واصفا رسالته تلك (ص ١٠٤- ١٠٥) : (ناعية على الشيعة الشنيعة، والرافضة البشيعة بالإكفار، حاكمة عليهم بمباينة الدار، والخلود في دار البوار، مع ما سمحت به في ذلك آراء أكابر الأئمة، وأنظار علماء الأمة، الذاهبين في المذاهب الأربعة المستقيمة، السالكين مسلك السنة القويمة، جمعتها وأنا العبد المفتقر إلى الله الغني، زين العابدين بن يوسف. . . الكوراني بعدما رأيت بعض علماء السنة جازما بكفر هؤلاء المارقين الكافرين، وبعضا آخر قادحا في المكفرين، علما من الأول بقوانين الدين، وجهلا من الثاني بالحق المبين) . ثم قال ﵀ (ص ٢٩١-٢٩٤) : (المقالة الثالثة: في إفتاء العلماء بكفرهم. قد أفتى بذلك الإمام مالك والإمام الشافعي ﵄، ووافقهما كثيرون من أئمة المسلمين كما سبق في المقالة الثانية، نقلا عن الشيخ ابن حجر. ونقل القاضي عياض عن الإمام مالك كيفية عقوبتهم من القتل وغيره. وكل ذلك مفصل في كتابه المسمى بـ "الشفاء". . . ووقع في "الفتاوى البزازية" القول بكفرهم؛ لقولهم برجعة الأموات إلى الدنيا، وإنكارهم خلافة الشيخين وغير ذلك من قباحاتهم. . . وقال الإمام فخر الإسلام البزدوي في "أصوله": "وقد صح عن أبي يوسف ﵀ أنه قال: ناظرت أبا حنيفة ﵁ في مسألة خلق القرآن ستة أشهر، فاتفق رأيي ورأيه على أن من قال بخلق القرآن فهو كافر. وقد صح هذا

стр. 422

القول عن محمد ﵀" انتهى. وهو صريح في كفر هؤلاء الضالين؛ لاتفاقهم مع المعتزلة على كون القرآن مخلوقًا على ما هو مسطور في كتبنا وكتبهم) . ثم قال ﵀ (ص ٢٩٥) : (ووقع في "الفتاوى التتارخانية": أن من أنكر خلافة أبي بكر، فالصحيح أنه كافر، وكذا خلافة عمر ﵄. ونقل الإمام الرازي في "التفسير الكبير": القول بكفرهم وكفر الخوارج أيضا) . ثم قال (ص٣٠٥) : (المقالة الرابعة: في بيان حال المتأخرين منهم، وحكم دارهم، وإفتاء العلماء فيهما. اعلم أن ما سبق هو بيان حال مطلق الشيعة والرافضة، فلو تنزلنا عن إكفارهم جميعا، فلا شك أن كثيرا من متأخري هذه الفرقة سيما الإمامية، قد التحقوا بالفرق الضالة كما مر مفصلا) . ثم قال (ص٣٢٣-٣٢٤) : (وممن صرح بإكفارهم، وأفتى به فيما بلغنا: العالم الزاهد المحقق المدقق مفتي الثقلين أستاذ الفريقين: المولى أبو السعود قدس الله سره. ومنهم: العالم الفاضل والمدقق الحافل المولى جلال الدين الدواني، مع كمال خبرته بحال هؤلاء الضالين. ومنهم: الفاضل الكامل المولى عصام الدين الإسفراييني، مع كثرة ممارسته لهم، وطول مؤانسته بهم) .

стр. 423

ثم قال (ص ٣٢٥) : (وأيضا أفتى بذلك رئيس المفسرين، خالي العزيز المولى عبد الكريم الكوراني - ابن المولى المذكور مصنف "التفسير الواضح " وغيره من التصانيف المعتبرة، مع تبحره في العلم وكمال خبرته بحال هؤلاء الضالين) . ثم قال ﵀ (ص ٣٣١) : (خاتمة في التكلم إجمالا فيما سبق وبيان ما حصل منه. اعلم أنا قد بينا في هذه الرسالة معظم عقائد الشيعة والرافضة بالنقل عن الكتب المعتبرة، والعلماء المهرة، وبينا ما أثبت الأئمة والعلماء به كفرهم، من الآيات والأحاديث، وذكرنا ما كفروا به من الأفعال والعقائد، ومن أفتى بكفرهم من العلماء، سيما علماء المذاهب الثلاثة، مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة، ومذهب الإمام الشافعي، ومذهب الإمام مالك رضي الله تعالى عنهم مع التحقيق في ذلك كله. وأثبتنا كون دار متأخريهم المخصوصة بهم دار كفر بلا شبهة، وأوضحنا أن إفتاء العلماء المتأخرين في حق هؤلاء الضالين، إنما كان مع علم وورع واختبار) إلى آخر كلام العلامة زين العابدين الكوراني، وهو مهم ومفيد، ﵀ رحمة واسعة.

стр. 424

[فصل في رميه الحنابلة بالاستدراك على الشرع باشتراطهم فهم السلف الصالح لنصوص الوحيين] فصل في رميه الحنابلة بالاستدراك على الشرع! باشتراطهم فهم السلف الصالح لنصوص الوحيين، وهذا عنده بدعة! والرد عليه قال المالكي ص (١٧٨) تحت عنوان "الاستدراك على الشرع، أو بدعة اشتراط فهم السلف) : (ترى أصحاب العقائد- وأخص هنا أصحابنا السلفية- يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، ولا سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ليقطعوا به كل آمال الاتفاق. فالله أرشدنا عند اختلافنا مع المسلمين، أن نرجع للكتاب والسنة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] . فلما رأى أصحاب العقائد، ومنهم السلفية الحنابلة، أن العودة للكتاب والسنة، سيلغي أكثر الشئائم، والتكفيرات، والتبديعات، والمخالفات الموجودة في كتب العقائد: لجأوا إلى الزيادة على ما ذكره الله بقولهم: "إن الكتاب والسنة لا تكفي، فلا خير في كتاب بلا سنة ولا خير في سنة بلا فهم السلف الصالح"!! وهكذا نفوا الخيرية عن الكتاب والسنة، بهذا الشرط البدعي الذي اشترطوه، وانتقصوا به من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم) اهـ.

стр. 425

والجواب من وجوه: أحدها: أن الكتاب والسنة- بلا شك- كافيان لكل مؤمن مهتد، في أمور دينه ودنياه. لكن على فهم مَن نفهم نصوصهما، وقد اختلفت أفهام الناس لهما؟! أعلى فهم الجهمية؟! أم فهم المعتزلة؟! أم فهم الرافضة؟! أم فهم الخوارج؟! أم فهم الأشاعرة؟! أم فهم الباطنية؟! أم على فهم أئمة الإسلام والدين، السلف الصالح المزكين بالوحي وإجماع الأمة؟ فكل من ذكرت، يستدل بالكتاب، وتارة بالسنة، واستدلالاتهم من الآيات، مختلفة متباينة متناقضة! فتجعل طائفة آية ما، في وجوب أمر ما، وتجعلها طائفة أخرى في كفر موجبها!! وهكذا!! ألم تعلم أن الأزارقة من الخوارج: استدلوا على جواز قتل أطفال المسلمين مع آبائهم، بقول الله تعالى: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] !! قالوا: فسماهم بالكفار وهم أطفال!! فكيف جاز ذلك في قوم نوح، ولا يجوز في قومنا؟! وما بيننا وبينهم إلا السيف!! كما زعم كبيرهم نافع بن الأزرق (١) . وقالت المطبخية- أتباع أبي إسماعيل المطبخي - بأن لا صلاة واجبة، غير ركعة بالغداة، وركعة بالعشي! واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤] .
следующие страницы →