← Акыда

Акыда · id 30885

قمع الدجاجلة الطاعنين في معتقد أئمة الإسلام الحنابلة

عبد العزيز بن فيصل الراجحي

Полный текст (487 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قالوا له: "لا حكم إلا لله، وقد حكمت الرجال في دين الله "! وهكذا كان فهمهم للوحي، ولهذا أشار ابن قيم الجوزية في "نونيته" حين قال في وصف حالهم: ولهم نصوص قصروا في فهمها ... فأتوا من التقصير في العرفان الرابع: أننا ننزه السلف الصالح، مما رماهم ووصفهم به المالكي، بأنهم يكفرون! ويفسقون! ويضللون! ويفحشون القول! ويفتون بقتل مخالفيهم ظلما! واستحلال دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم! نعرف لهم فضلهم، وعلمهم، وسابقتهم في الإسلام، ونشرهم لعلومه، وإظهار المندرس من رسومه، ومنافحتهم عنه، وذبهم عن حياضه، حتى بقي صافيا، فجل وعلا من أقامهم لحفظ دينه. ولا يستقيم إسلام رجل غمطهم حقهم، أو رأى ضلالهم! فالإسلام الحق ما كانوا عليه، والإيمان الصالح ما كانوا يدعون إليه. فمن أفتوا بكفره وضلاله: فهو كافر ضال، ومن حكموا بردته وأوجبوا قتله: فهو حكم الله فيه، فما حكموا في أحد قط بغير الوحي، ولا تحاكموا وحاكموا أحدا إلا إليه، حيا كان أو ميتا. وخلاف هؤلاء الأئمة مع أولئك المكفرين الضالين من الأمة: من جنس خلاف النبي ﷺ مع مشركي وقته. فما كان تضليلهم أو تكفيرهم لأحد لهوى أو دنيا، أو نزاع شخصي ونحوه، حاشا لله أن يقال ذلك في حملة الإسلام وهداة الأنام.

стр. 72

ومن كفروه أو ضللوه لقول قاله، فكل من قال ذلك عندهم: ضال هالك، لا تتبدل أحكامهم بتبدل حكامهم، ولا تغير فتاواهم تغير أيامهم وأعوامهم. قولهم ثابت، وحكمهم ماض، إن جلدوا فهم عليه، وإن قتلوا فمصيرهم إلا الله تعالى ليس إليه. أو لم يجلد أحمد، ليقول ما لا يحمد، فما تزعزع قوله، ولا خالف حكم الله وما جاء به رسوله، بل كان شامخا كالجبل، ثابتا على الحق الذي أوتيه، كالأنبياء والرسل، حتى عادت السنة، وسلمت الأمة، وارتفعت عن الإسلام وأئمته الغمة. فلله درهم، لا تفارق خشية الله قلوبهم، ولم تجف من وجلهم عيونهم، رحماء بالمؤمنين، هداة قداة للمتبعين، حتى إذا كاد المبطلون للدين، وأرادوا حماه الحصين، هبوا لنصرته أشداء قاسين، لا يعرف الضعف إليهم مسلكا، ولا الوهن منهم موضعا، وصدق الله -وهو أصدق القائلين- حين وصف محمد ﷺ ومن معه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] . فكل من أبغض أئمة الإسلام الأبرار: كان نصيبه من هذه الآية ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] .

стр. 73

الخامس: أن المقصود بالسلف الصالح عندنا: الصحابة ﵃ جميعا، والتابعون لهم بإحسان، وأتباعهم على ذلك. وهذا منضبط غير مضطرب، وهم مقبولون عند جميع المسلمين، عدا عباد الضلالة من الرافضة والجهمية ونحوهم. فهؤلاء هم سلفنا الصالح: الصحابة والتابعون وتابعوهم، لا من زعم المالكي! وليذكر لنا -إن كان صادقا-: من الكذابون الذين أدخلناهم في السلف الصالح وليسوا منهم؟! أما السلف الطالح: فهم من تلبس بالبدع المخالفة للشرع الحنيف، وأحدثوا في الدين ما ليس منه، كانوا من كانوا. وعبادتهم -إن كانت- وصدقهم: لا يثبت لهم الاتباع والاستقامة على السنة، وقد كان في اليهود والنصارى عباد صادقون، إلا أن ذلك لا ينفعهم ولم ينفعهم، حتى يتابعوا نبينا محمدا ﷺ ويؤمنوا به، فيسلموا، قال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا - الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥] وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ - وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ - عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ - تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً - تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ١ - ٥] .

стр. 74

[فصل في رمي المالكي المسلمين كافة بأن ضابط الصلاح عندهم هو المذهبية] فصل في رمي المالكي المسلمين كافة، بأن ضابط الصلاح عندهم، هو المذهبية والتعصب لها، لا الالتزام بالشرع! قال المالكي ص (٢٢) : (فضابط الصلاح عند كل فرقة من فرق المسلمين بلا استثناء، هو المذهبية والتعصب لها لا غير، وليس الالتزام بأوامر الله ، واجتناب نواهيه) اهـ. والجواب: أن كلام المالكي هنا عن المسلمين: إن كان حقا - وكان ضابط الصلاح عند فرق المسلمين بلا استثناء، هو المذهبية والتعصب-: فهو الصواب! لإجماع المسلمين- بلا استثناء من جميع الفرق والمذاهب -عليه، وأمة محمد ﷺ لا تجتمع على ضلالة، ويكون على ذلك ضابط الصلاح: هو المذهبية والتعصب! وإن كان ذلك باطلا، وضابط الصلاح: هو متابعة الوحيين، والاستقامة عليهما- فإن الأمة لم تجتمع، ولن تجتمع على خلافه -فكلام المالكي كذب محض. وقد بينا فيما سبق من هم السلف الصالح، فمن سار على نهجهم، واقتدى بهم، فهو مهتد صالح، ومن خالفهم، فهو ضال طالح.

стр. 75

[فصل في اضطراب معنى السلف الصالح عند المالكي] فصل في اضطراب معنى "السلف الصالح" عند المالكي! باختلاف المراد به عند أهل المذاهب والفرق وبيان معناه الصحيح، والرد عليه قال المالكي ص (٢٢) : (فسلف الحنابلة يختلف عن سلف الأحناف والشافعية والمالكية والظاهرية وسائر الأشاعرة. وسلف هؤلاء، يختلف عن سلف المعتزلة والشيعة. وسلف هؤلاء، يختلف عن سلف الإباضية والنواصب. وهكذا أصبح المصطلح -مصطلح السلف الصالح- مصطلح عائم (١) يدور مع المذهبية أينما كانت، وليس مع الصلاح. وأصبح هذا الصلاح يضبط بمعايير المذهبية، وليس بالقرآن الكريم، ولا بما صح من السنة النبوية. فمن كان معنا: فهو العالم الصالح، الثقة الزاهد، الحريص على دينه إلخ. ومن خالفنا في اجتهاد: فهو المشكوك في كلامه، وفي نيته، بل وفي دينه! وعلى هذا، فهو الكذاب المتعصب المبتدع إلخ) اهـ

стр. 76

والجواب من وجوه: أحدها: أن سلف أهل السنة باختلاف مذاهبهم: متفق واحد، قد قدمنا من يدخل فيهم عندنا، ومن يخرج، وذكرنا بعض أعلامهم قبل نشوء المذاهب الفقهية وبعد نشوئها. والمالكي لجهله، يخلط بين المذاهب الفقهية والمذاهب العقدية! فيذكر المذاهب الفقهية الأربعة، مع الأشاعرة والمعتزلة والشيعة والإباضية والناصبة!! وهذا شيء وذاك آخر. الثاني: أن مشاركة أهل البدع لأهل السنة في تسمية أسلافهم بالسلف الصالح، لا يجعل في هذا المصطلح اضطرابا، فلا تكاد تجد مصطلحا أو لفظا إلا وجماعات متباينة تدعيه وتزعمه، والعبرة في ذلك كله بالحق لا بمجرد الدعوى. فاليهود قد زعموا أن إبراهيم ﵊ سلفهم، وكذلك زعموا في موسى ﵇ فكذبهم الله تعالى في مزاعمهم تلك، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] . ولما رأى النبي ﷺ اليهود بالمدينة تصوم عاشوراء وتقول: إنه يوم نجى الله فيه موسى من الغرق، فنحن نصومه شكرا لله، قال النبي ﷺ : «نحن أولى بموسى منهم» فصامه وأمر بصيامه. والثالث: أن السلف الصالح ﵏، كانوا مستقيمين على الكتاب والسنة، ولهذا رضيهم أهل السنة سلفا.

стр. 77

وكيف يكون سلف أهل السنة، مرتبطا ومتعلقا بالمذهبية، وقد وجدوا قبل أن تخلق المذاهب وأصحابها. والرابع: أن المخالفات الاجتهادية الفرعية: قد حصلت في الصدر الأول وما بعده، ولم توجب نزاعا بينهم ولا بين من بعدهم كما زعم المالكي. أما الأمور الاعتقادية: فلا يسوغ فيها الاجتهاد، وإنما هو الاتباع لا الابتداع. ومن خالف: فهو مبتدع، إلا أنه لا يكون عند أهل السنة كاذبا بذلك إلا إن كَذب، خلاف زعم المالكي الكذوب. دليل ذلك: رواية أئمة أهل السنة حنابلة وغيرهم، عن جماعة من أهل البدع لصدقهم في روايتهم مع ابتداعهم، فلو كان سبب التوثيق عندهم وقبول الرواية: المذهبية! لردوا حديث أولئك، وجعلوهم كذابين! ولما تركوا الرواية عن جماعة من أهل السنة وضعفوهم، لضعف حفظهم أو اختلاطهم ونحو ذلك. وطعن المالكي هنا في أهل السنة، وأن ضابط التعديل والتجريح عندهم في رواة الحديث: التعصب والمذهبية، لا إتقان الراوي: لم ينفرد به المالكي، بل هو طعن طعن به أسلافه من أهل البدع زيدية وغيرهم في أهل السنة، ومن أولئك: علم أعلامهم، وأطول أقزامهم، مرجعهم في المشكلات، ومضلهم في الواضحات الجليات: علي بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن جعفر الصنعاني (ت ٨٣٧ هـ) ، كتبه في كتاب مشهور، وأظهره إظهار مجاهر مغرور،

стр. 78

فرد عليه الإمام العلامة محمد بن إبراهيم الوزير ﵀، فلم يبق له من شبهاته لا قليلا ولا كثيرا، في كتابين صنفهما ردا عليه، أولهما: "العواصم والقواصم "، ومختصره "الروض الباسم، في الذب عن سنة أبي القاسم ﷺ "، تجدها في المختصر في (١ / ١٩٥) .

стр. 79

[فصل في طعن المالكي في الإمام ابن أبي يعلى ورميه للعقائديين بأن مقياسهم في الرجال مبتدع] فصل في طعن المالكي في الإمام ابن أبي يعلى! ورميه للعقائديين كما يزعم، بأن مقياسهم في الرجال مبتدع! والرد عليه قال المالكي في حاشية ص (٢٢) : (يقول ابن أبي يعلى: "ما أحب أحد أحمد بن حنبل من محب صادق، أو عدو منافق، إلا وانتفت عنه الظنون، وأضيفت إليه السنن ". انظر "طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلى (١ / ١٥) . وهذا دليل على إهمال العقائديين لمقياس الإسلام، وإعمالهم للمقياس المبتدع المتمثل في الثناء على الموافق، ولو كان منافقا كاذبا فاجرا، بل يصبح ما يقوله سنة!!) إلخ كلامه. والجواب من وجهين: أحدهما: أن الإمام الكبير الحافظ أبا الحسين محمد بن أبي يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف ابن الفراء الحنبلي البغدادي (٤٥١ هـ - ٥٢٦ هـ) ﵀ رحمة واسعة: لم يضع مقياسا للسنة والاتباع، وإنما يحكي حال الناس وعلماء المسلمين مع محب أحمد ومبغضه، فيقول: إنه لحب الناس للإمام أحمد وقيامه بالسنة، حتى أصبح إمام أهلها في عصره بإجماع أئمة الإسلام: قد ارتضوه وجعلوه محنة واختبارا، يعرفون بحبه المهتدي، كما يعرفون ببغضه الضال الردي.

стр. 80

فليس في أحمد ﵁ وأرضاه- شيء يبغض لأجله، سوى تمسكه بالسنة ونصرته لها، فإذا رأى الناس محبا له -سواء كان صادقا في حبه، أو منافقا أراد خداع الناس بذلك-: انتفت عنه ظنونهم أن يكون مبتدعا، أو متلبسا ببدعة، وأضيفت إليه السنن، أي إلى اتباعها. لا كما يهذو به المالكي: أن ما يقوله محب أحمد يصبح سنة! الثاني: أن ما ذكره الإمام ابن أبي يعلى: لم ينفرد به، بل قاله وذكره جماعة من أئمة الإسلام وحفاظه الكبار، مثل: - قول أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي الإمام (ت ٢٠٤ هـ) : "من أبغض أحمد بن حنبل: فقد كفر". - وقول قتيبة بن سعيد بن جميل الثقفي (ت ٢٤٠ هـ) : " أحمد بن حنبل إمامنا، من لم يرض به: فهو مبتدع ". وقال قتيبة أيضا: " إذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل: فاعلم أنه صاحب سنة". - وقول أحمد بن إبراهيم الدورقي (ت ٢٤٦ هـ) : "من سمعتموه يذكر أحمد بن حنبل بسوء: فاتهموه على الإسلام ". - وقول سفيان بن وكيع بن الجراح (ت ٢٤٧ هـ) : " أحمد عندنا محنة، من عاب أحمد عندنا: فهو فاسق " اهـ. - وقول محمد بن يحيى الأزدي البصري (ت ٢٥٢ هـ) : " إنا تقول بقول أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وإنه إمامنا، وهو بقية المؤمنين،

стр. 81

ولا نخالفه، وقد رضينا به إماما [فيما] فيه خلف من العلماء، ونتبرأ ممن خالفه، فليس يخالفه إلا مخذول مبتدع". - وقول أبى داود سليمان بن الأشعث السجستاني صاحب " السنن " (ت ٢٧٥ هـ) : " إذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل: فاعلم أنه صاحب سنة". - وقول أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر الرازي (ت ٢٧٧ هـ) : " إذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل: فاعلم أنه صاحب سنة، وهو المحنة بيننا وبين أهل البدع ". - وأنشد إسماعيل الترمذي مادحا الإمام أحمد ﵁: إذا ميز الأشياخ يوما وحصلوا ... فأحمد من بين المشايخ جوهر هو المحنة اليوم الذي يبتلى به ... فيعتبر السني فينا ويسبر - وقول الحافظ الإمام الكبير، أبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) ، صاحب "التفسير": "وأنا أتبع في هذا قول أبي عبد الله ﵀ في جميع ما تكلم فيه الناس من هذه المعاني، وخاضوا فيه. وهو الرضا عندنا، والإمام في كل ما قال، ومن حاد عنه: فهو مبتدع رديء. ومن قصده بعيب، أو ذكره بسوء، أو ببغض، أو أحدا من أوليائه، وأتباعه، ومن كان على مذهبه: فهو رديء خبيث.

стр. 82

لأنه الشيخ الإمام الذي ارتضاه أهل الإسلام، وأهل الدين والسنة والجماعة" اهـ. - وقول علي بن أحمد الطرخاباذي: " أحمد بن حنبل محنة، به يعرف المسلم من الزنديق ". - وأنشد غير واحد من أئمة أهل السنة هذين البيتين الشهيرين: أضحى ابن حنبل محنة مأمونة ... وبحب أحمد يعرف المتنسك فإذا رأيت لأحمد متنقصا ... فاعلم بأن ستوره ستهتك - وأنشد الحافظ أبو مزاحم موسى بن عبيد الله بن يحيى الخاقاني (ت ٣٢٥ هـ) : جزى الله ابن حنبل التقيا ... عن الإسلام إحسانا هنيا فقد أعطاه إذ صبر احتسابا ... على الأسواط إيمانا قويا وجاء بصادق الآثار حتى ... أقام بذلك الدين الرضيا فأحمد جامع ورعا وزهدا ... وعلما نافعا حبرا تقيا وأحمد كان للفتوى إمام ... رضي للمسلمين معا وقيا وأحمد محنة للناس طرا ... نميز به المعوج والسويا وأنشد أيضا ﵀: لقد صار في الآفاق أحمد محنة ... وأمر الورى فيها ليس بمشكل ترى ذا الهوى جهلا لأحمد مبغضا ... وتعرف ذا التقوى بحب ابن حنبل

стр. 83

- وأنشد شيخ الإسلام أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي الأنصاري (ت ٤٨١ هـ) في مدح الإمام أحمد، وذكر مناقبه ﵁: وإمامي القوام لله الذي ... دفنوا حميد الشأن في بغدان جمع التقى والزهد في دنياهم ... والعلم بعد طهارة الأردان حبر العراق ومحنة لذوي الهوى ... يدرى ببغضته ذوو الأضغان هانت عليه نفسه في دينه ... ففدى الإمام الدين بالجثمان لله ما لقي ابن حنبل صابرا ... عزما وينصره بلا أعوان أنا حنبلي ما حييت فإن أمت ... فوصيتي ذاكم إلى إخواني فما ذكره الإمام ابن أبي يعلى: حق لا ريب فيه. ولا ينفرد الإمام أحمد ﵁ بذلك، بل يشاركه في ذلك كل إمام عرف بنصرة السنة والقيام بها، والرد على أهل البدع. وكما نعرف أن محب الشيخين أبي بكر وعمر ﵄ ومقدمهما على سائر الصحابة في الفضل: بريء من الرفض في الظاهر. وكما نعرف أن محب علي ﵁ ومقدمه على سائر الصحابة عدا الثلاثة قبله: بريء من النصب. وكما نعرف أن محب معاوية بن أبي سفيان ﵄ والمرضي عنه، ومجتنب الطعن فيه، لصحبته رسول الله ﷺ : سالم من معتقدات الرافضة في الصحابة، وأقوالها المنكرة.

стр. 84

كذلك نعرف المتبع المهتدي، بحبه لأهل السنة، وبغض من يبغضهم. وعكس ما تقدم: عكسه، فمبغض أحد الصحابة ﵃ جميعا-: رافضي خبيث. ومحب عبد الرحمن بن ملجم، أو عمران بن حطان، أو أحمد بن أبي دؤاد، أو الجهم بن صفوان، أو الجعد بن درهم ونحوهم من أئمة الضلال، ممن لم يعرف إلا بضلالة وشر: هو ضال مضل مبتدع. فالحب والبغض في الله ، أعظم عرى الإيمان. وما سبق دليل واضح صادق، لسلامة الرجل واستقامته، أو بدعته وضلالته، وقد قال الإمام أبو عبد الله القحطاني الأندلسي في "نونيته" الشهيرة: لا يمدح البدعي إلا مثله ... تحت الرماد تأجج النيران تنبيه قد تلاعب " المالكي عمدا بكلام ابن أبي يعلى ﵀ ولم يتمه، ولو أتمه لنقض كلامه! وأفسد مراده! وأنا أذكر كلام ابن أبي يعلى تاما ليظهر تلاعبه، قال الإمام أبو الحسين محمد بن أبي يعلى ﵀ في "طبقات الحنابلة" (١ / ١٥) : (أنه ما أحبه أحد -إما محب صادق، وإما عدو منافق-: إلا وانتفت عنه الظنون، وأضيفت إليه السنن.

стр. 85

ولا انزوى عنه رفضا، وأظهر له عنادا أو بغضا: إلا واتفقت الألسن على ضلالته، وسفه في عقله وجهالته. وقد قدمنا قول الشافعي: "من أبغض أحمد بن حنبل: فقد كفر"، وقال قتيبة بن سعيد: " أحمد بن حنبل إمامنا، من لم يرض به: فهو مبتدع" اهـ. فسبب حذف المالكي تتمة كلام ابن أبي يعلى، المتضمن قول الشافعي، وقول قتيبة بن سعيد: ظاهر! ولو ذكره لكان الشافعي ﵀: أولى بالنقد والطعن والرمي بالتعصب من ابن أبي يعلى! كيف لا؟! وهو يجعل مبغض أحمد كافرا؟!

стр. 86

[فصل في أسباب نكسات المسلمين عند المالكي وبيان فساد طريق السلامة منها عنده] فصل في أسباب نكسات المسلمين عند المالكي، وبيان فساد طريق السلامة منها عنده! قال المالكي ص (٢٥) : (لو تتبعنا أسباب نكسات المسلمين في الماضي، كسقوط بغداد، واحتلال الشام، وفلسطين من قبل الصليبيين، وسقوط الأندلس: لوجدنا أن السبب الظاهر للخاصة والعامة، هو تفرق المسلمين. ولو نظرنا لسبب هذا التفرق: لوجدناه يكمن في الاتهامات المتبادلة، بالضلالة والبدعة والكفر، مع الاستغلال السياسي لهذه الطوائف؛ إذ أصبحت كل فرقة ترى أن اليهود والنصارى والصليبيين والمغول، أقرب لها من الطائفة الأخرى التي تلتقي معها في الأصول العامة للإسلام) اهـ. والجواب: أن هذا قياس منطقي صحيح المقدمات، فاسد النتيجة! فإن سبب نكسات المسلمين في الماضي والحاضر، هو التفرق، وعلاج ذلك وحله، هو الاعتصام بحبل الله كما أمر فقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ، وقال : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] . فالحل والعلاج: هو الاعتصام

стр. 87

بحبل الله جل وعلا، واتباع ما أنزل في كتابه وأتى به رسوله ﷺ ، لا مجرد الاجتماع والاتفاق الظاهري! وكما قال الأول: وإذا الجرح رم على فساد ... تبين فيه تفريط الطبيب ولا يصلح حال آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، كما قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵁. والمسلمون ليسوا قلة كي تكون قوتهم في اجتماعهم وتجمعهم ليكونوا كثرة، وإنما علتهم القاتلة: بعدهم عن الوحي والاعتصام بدينهم، فكانت كثرتهم وحالهم هذه كالغثاء، كما أخبر النبي ﷺ حين قال: «تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها " قالوا: أمن قلة نحن يا رسول الله يومئذ؟ قال: "لا! أنتم كثير لكن غثاء كغثاء السيل» [حم (٥ / ٢٧٨) د (٤٢٩٧) من حديث ثوبان ﵁] . ولم يسقط دول المسلمين ويسلط عليهم أعداءهم إلا فشو المعاصي فيهم، والبدع والضلالات، واللهو والمجون. وأما سقوط بغداد: فلم يكن سببه تقريب اليهود والنصارى، وإنما كان سببه تقريب المبتدعة والضلال، حتى إذا تمكنوا من وزارة الخلافة العباسية: كشفوا أسرارها، وأظهروا لعدو المسلمين عوارها، وشجعوه على النيل منها، فقدمت جيوشهم على حين غرة، فقتلوا الخليفة والعلماء والقضاة، وكثيرا من عامة المسلمين، حتى ذكر بعض العلماء: أن القتلى من المسلمين بلغوا ألف ألف نفس، أو نحو ذلك.

стр. 88

وقال غيره: لم ينقص القتلى عن سبع مائة ألف، ولم يزيدوا على ألفي ألف نفس، فالمقل يقول: سبع مائة ألف نفس، والمكثر يقول: ألفي ألف نفس. وكان ذلك بسبب استوزار آخر خلفاء بني العباس المستعصم لابن العلقمي الرافضي، الذي كان يراسل هولاكو قائد جيوش المغول، ويشجعهم على غزو دار الخلافة بغداد -مع إكرام المستعصم له، وثقته الكبيرة به، ومنزلته في دولته-: فقدمت جيوش المغول، وأسقطت الخلافة الإسلامية فيها، وأبادوا أهلها، فشفى هذا اللعين نفسه الخبيثة من المسلمين ودولتهم، وسانده في ذلك رفيق دينه وشبيهه الرافضي الآخر المسمى بالنصير الطوسي، فكان منجما مقربا عند هولاكو، وكان هولاكو يستشيره قبل همه في كثير من أموره، فأشار عليه الطوسي بقتل العلماء والقضاة وأهل الحل والعقد، ولا يبقي فيها أحدا سوى أهل الصنائع والحرف فحسب! فأخذ هولاكو بمشورته، وأنفذ وصيته، فأباد أهل بغداد، وأتلف غالب كتبهم الشرعية، بل بلغ القتل بالنساء والأطفال، فتبدلت بغداد على عارفيها، وأصبحت أثرا بعد عين، فهل يعتبر المسلمون اليوم؟! قال الإمام أبو عبد الله ابن القيم في "نونيته " ذاكرا ذلك: وكذا أتى الطوسي بالحرب الصري ...

стр. 89

وأتى إلى الإسلام يهدم أصله ... من أسه وقواعد البنيان عمر المدارس للفلاسفة الألى ... كفروا بدين الله والقرآن وأراد تحويل "الإشارات " التي ... هي لابن سينا موضع الفرقان لكنه علم اللعين بأن هـ ... ـذا ليس في المقدور والإمكان إلا إذا قتل الخليفة والقضا ... ة وسائر الفقهاء في البلدان فسعى لذاك وساعد المقدور بالـ ... أمر الذي هو حكمة الرحمن فأشار أن يضع التتار سيوفهم ... في عسكر الإيمان والقرآن لكنهم يبقون أهل صنائع الد ... نيا لأجل مصالح الأبدان فغدا على سيف التتار الألف في ... مثل لها مضروبة بوزان وكذا ثمان مئينها في ألفها ... مضروبة بالعد والحسبان حتى بكى الإسلام أعداه اليهو ... د كذا المجوس وعابد الصلبان فشفى اللعين النفس من حزب الرسو ... ل وعسكر الإيمان والقرآن وقال ﵀ في موضع آخر منها: وكذلك الطوسي لما أن غدا ... ذا قدرة لم يخش من سلطان قتل الخليفة والقضاة وحاملي الـ ... قرآن والفقهاء في البلدان

стр. 90

إذ هم مشبهة مجسمة وما ... دانوا بدين أكابر اليونان وما زال الروافض يحيكون المكائد بالمسلمين، ويسعون لما سعى إليه نصير الكفر الطوسي، كادهم الله، وجعل النار مثواهم ومثواه. وما زالت الروافض يعدون مكائد الطوسي تلك، من محاسنه ومناقبه، قال السيد حسين الموسوي، أحد علماء النجف، وخريج الحوزة العلمية النجفية الشيعية، في كتابه "كشف الأسرار، وتبرئه الأئمة الأطهار" ص (٩٥) : (وتحدثنا كتب التاريخ، عما جرى في بغداد عند دخول هولاكو فيها، فإنه ارتكب أكبر مجزرة عرفها التاريخ، بحيث صبغ نهر دجلة باللون الأحمر، لكثرة من قتل من أهل السنة. فأنهار من الدماء جرت في نهر دجلة، حتى تغير لونه فصار أحمر، وصبغ مرة أخرى باللون الأزرق، لكثرة الكتب التي ألقيت فيه. وكل هذا بسبب الوزيرين: النصير الطوسي، ومحمد بن العلقمي، فقد كانا وزيرين للخليفة العباسي، وكانا شيعيين، وكانت تجري بينهما وبين هولاكو مراسلات سرية، حيث تمكنا من إقناع هولاكو بدخول بغداد، وإسقاط الخلافة العباسية، التي كانا وزيرين فيها. وكانت لهما اليد الطولى في الحكم، ولكنهما لم يرتضيا تلك الخلافة؛ لأنها تدين بمذهب أهل السنة. فدخل هولاكو بغداد، وأسقط الخلافة العباسية، ثم ما لبثا حتى صارا وزيرين لهولاكو، مع أن هولاكو كان وثنيا) . ثم ذكر الموسوي

стр. 91

بعض من كان يترضى عن الطوسي وابن العلقمي من الرافضة، لأعمالهم تلك، ويعدونها من أعظم الخدمات الجليلة للإسلام! ثم قال السيد الحسين الموسوي بعد ذلك: (وأختم هذا الباب، بكلمة أخيرة، وهي شاملة وجامعة في هذا الباب، قول السيد نعمة الله الجزائري في حكم النواصب، أهل السنة فقال: " إنهم كفار، أنجاس، بإجماع علماء الشيعة الإمامية، وإنهم شر من اليهود والنصارى. وإن من علامات الناصبي، تقديم غير علي عليه في الإمامة " "الأنوار النعمانية" (٢٠٦- ٢٠٧) اهـ كلام الموسوي، وقد كان من كبار علماء شيعة العراق، ومن المرضيين عندهم. إلا أنه لما ظهر له الحق، وظهر له فساد اعتقاد الشيعة، وأنهم صنيعة يهودية مجوسية، رجع إلى السنة، وكتب كتابه هذا -المنقول منه- مبينا مكيدة الشيعة بالإسلام وأهله، وما رآه -هو- منهم من فساد وإفساد وضلال وحقد على المسلمين جميعا، وعزا ذلك كله إلى كتبهم المشهورة المعتبرة عندهم -وهو الخبير المقدم فيها- ووعد بكتابة غيره، وفضحهم، إلا أنهم عاجلوه بالقتل -قتلهم الله- فمات شهيدا في نحو شهر رجب عام (١٤٢٢ هـ) ﵀ رحمة واسعة، وأبدل سيئاته حسنات. وهذا الأمر -أعني حدوث البدع، وظهور المبتدعة- هو سبب كل الفتن والمحن، من أول فتنة حدثت في صدر الإسلام إلى هذا اليوم. فبسببهم -لعنهم الله- قتل عثمان ﵁، واستحل دمه

стр. 92

الطاهر الشريف. وبسببهم خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وقاتلوه في النهروان وغيرها، وهكذا سار ركبهم، ينقض بناء الإسلام، وينخر في جوف أعمدته العظام. فمن تولاهم، أو دافع عنهم، أو زين ما هم فيه: فقد كاد الإسلام، وسعى في هدمه، هدم الله أركانه.

стр. 93

[فصل في إبطال المالكي الانتساب إلى السلف الصالح لتردد معناه عند أهل الفرق] فصل في إبطال المالكي الانتساب إلى السلف الصالح! لتردد معناه عند أهل الفرق، والرد عليه قال المالكي ص (٢٥- ٢٦) : (والغريب: أن كل الفرق الإسلامية، دعواها واحدة، فكل فرقة تزعم أنها امتداد للسلف الصالح، وللمنهج الصحيح!! وأن الفرقة الأخرى، هي المبتدعة، المبتعدة عن الطريق الصحيح. وأصبحت كل فرقة، تسرد أسماء بعض علماء الصحابة والتابعين في سلفها الصالح!! ثم تدلل على ذلك بأقوال موهمة لهذا الصحابي، أو هذا التابعي. وأغلب تلك الأقوال أو الآثار، تكون ضعيفة أو موضوعة، وإن صحت تكون دلالتها موهمة، أو غير صريحة) اهـ. والجواب من وجوه ثلاثة: أحدها: تقدم أول الكتاب في "المقدمة الثانية" (ص ١٣- ١٤) ، وأن العبرة بصواب وصدق الادعاء، وموافقة الوحي، لا بمجرد وجوده. ولو اطرد هذا الشك والحيرة عند المالكي: لفسد الإسلام عنده، فإن أهل الأديان، يدعون في أديانهم وصحتها، ما تدعيها أهل الفرق في صحة مذاهبها، فاليهود والنصارى، يدعون أنهم على

стр. 94

دين الله الذي ارتضاه لعباده، وأنهم أتباع الأنبياء والرسل! الثاني: زعم المالكي، أن كل فرقة تزعم أنها امتداد للسلف الصالح: باطل، فمنها: من يدعي ذلك، سواء صدق في دعواه، أم لم يصدق. ومنها: من لا يدعيها! ولا يتشرف بنسبته إليهم! كرءوس المعتزلة، وكبار أئمة الاعتزال، عمرو بن عبيد ومن بعده. الثالث: أنا -بحمد الله- قاطعون جازمون بلا شك ولا ريب، بعلم ضروري قطعي: أن الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان، وتابعيهم على ذلك: كانوا على عقيدة أهل السنة. روى معتقداتهم، بأسانيدها الصحيحة العالية: أئمة الإسلام في مصنفاتهم، المفردة في العقيدة، أو العامة التي تطرقوا فيها إلى مسائل الاعتقاد. فأما المفردة التي صنفها أئمة السلف: فزادت على المائتين. وأما مصنفاتهم العامة في التفسير، والحديث، والفقه، وغيرها التي تطرقوا فيها لجملة من مسائل الاعتقاد: فهي أكثر من أن تحصى. قال الإمام ابن قيم الجوزية في "نونيته ": وانظر إلى السنن التي قد صنف الـ ... ـعلماء بالآثار والقرآن زادت على المئتين منها مفرد ... أوفى من الخمسين في الحسبان منها لأحمد: عدة موجودة ... فينا رسائله إلى الإخوان واللاء في ضمن التصانيف التي ... شهرت ولم تحتج إلى حسبان

стр. 95

فكثيرة جدا فمن يك راغبا ... فيها يجد فيها هدى الحيران أصحابها فم حافظو الإسلام لا ... أصحاب جهم حافظو الكفران وهم النجوم لكل عبد سائر ... يبغي الإله وجنة الحيوان وسواهم والله قطاع الطـ ... ـريق أئمة تدعو إلى النيران ما في الذين حكيت عنهم آنفا ... من حنبلي واحد بضمان بل كلهم والله شيعة أحمد ... فأصوله وأصولهم سيان وبذاك في كتب لهم قد صرخوا ... وأخو العماية ماله عينان فمن ادعى غير ذلك، كانت دعواه كاذبة، محتاجة إلى دليل، لا قدرة له عليه ولا سلطان. أما زعم المالكي: أن أقوالهم موهمة الدلالة! ضعيفة الأسانيد غالبا! : فكبقية مزاعمه، لا وجود لها إلا في مخيلته وذهنه، لذا لم يأت بمثال، ولو كان مثالا يتيما!

стр. 96

[فصل في تنازع الفرق رجالا من أئمة السلف كلهم يدعيهم] فصل في تنازع الفرق رجالا من أئمة السلف كلهم يدعيهم مما يدل على بطلان دعاواهم جميعا عند المالكي! والرد عليه قال المالكي ص (٢٦) : (والغريب: أن الفرق تتنازع أسماء معينة، فرجل مثل علي بن أبي طالب مثلا، يذكره السنة في سلفهم، وكذلك المعتزلة يذكرونه في سلفهم، ويذكره الشيعة في سلفهم وهكذا. وكذلك الحال في الحسن البصري، وجعفر الصادق، وزيد بن علي، والشافعي، وأبي حنيفة، وغيرهم من العلماء المشهورين. إذ تحاول كل فرقة، أن تجعله على منهجها، وتدعي أنه من سلفها الذين تسير على خطاهم!!) اهـ كلامه. والجواب: أن زعم المعتزلة والشيعة أن عليا ﵁ من أسلافهم! كدعوى اليهود في إبراهيم ﵊ فهي دعوى باطلة، لا دليل لها، ولم تخلق المعتزلة إلا بعده، فأينه وأينهم؟! أما دعوى أهل السنة فيه: فصحيحة، لا ريب فيها ولا مرية، بأبي هو وأمي ﵁ وأرضاه، فقد تواتر عنه أنه خطب في الكوفة - مركز الشيعة- وتوعد من فضله أو قدمه على الشيخين أبي بكر وعمر

стр. 97

رضي الله عنهم، بأن يجلده حد المفتري. ولما سأله ابنه محمد: من أفضل الناس بعد النبي ﷺ ؟ قال ﵁: " أبو بكر ثم عمر " وهذا في "صحيح البخاري". فمن أين تصح دعوى الشيعة فيه؟! ولم يتركوا له، أمرا إلا خالفوه، ولا نهيا إلا ارتكبوه؟! أو لم يخبر ﵁ بنسخ نكاح المتعة، وأنه آخر الأمر، فلم خالفوا أمره، وردوا خبره؟! وسر دعواهم في علي ﵁ معروف ظاهر، وإن خفي على الأغمار، فما الذي وجدته الرافضة فيه، ولم تجده في إخوانه من الصحابة السابقين؟! وإنما القوم أرادوا الكيد بالإسلام، وقد روى الإمام الكبير أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي في "الرد على الجهمية" (٣٨٢) عن الإمام الحافظ أبي الربيع الزهراني -وهو أحد شيوخه الثقات- أنه قال: (كان من هؤلاء الجهمية رجل، وكان الذي يظهر من رأيه الترفض، وانتحال حب علي بن أبي طالب ﵁، فقال رجل ممن يخالطه ويعرف مذهبه: قد علمت أنكم لا ترجعون إلى دين الإسلام، ولا تعتقدونه، فما الذي حملكم على الترفض، وانتحال حب علي؟! قال: " إذا أصدقك أنا، إن أظهرنا رأينا الذي نعتقده، رمينا بالكفر والزندقة، وقد وجدنا أقواما ينتحلون حبا علي ويظهرونه، ثم

стр. 98

يقعون بمن شاءوا، ويعتقدون ما شاءوا، ويقولون ما شاءوا، فنسبوا إلى الترفض والتشيع! فلم نر لمذهبنا أمرا ألطف من انتحال حب هذا الرجل! ثم نقول ما شئنا! ونعتقد ما شئنا! ونقع بمن شئنا! فلأن يقال لنا: رافضة، أو شيعة، أحب إلينا من أن يقال: زنادقة كفار. وما علي عندنا أحسن حالا من غيره، ممن نقع بهم ") اهـ وهذا المعنى، ذكره غير واحد من الأئمة، بل من طالع كتب الرافضة: وقف على غمزهم لآل البيت، بل لأئمة الآل ﵃: كعلي بن أبي طالب، وزوجه فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، والحسن والحسين ابني علي، وعبد الله بن عباس، وجعفر الصادق وتسميتهم له بالكاذب! وزيد بن علي، وموسى الكاظم، وزين العابدين علي بن الحسين، ومحمد الباقر. ومحمد القانع طعنوا في نسبه، وشككوا فيه! أكان ابنا للرضا، أم ابن زنا!! بل لم يسلم منهم النبي ﷺ نفسه، فرموه في زوجه، ونسبوها إلى ما برأها الله منه، حين قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ - لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: ١١ - ١٢] . فكانت الرافضة كلها ممن تولى كبره، وحق عليها، ما حق على سالفها.

стр. 99

وارتقى طعنهم في النبي ﷺ فوق ذلك، فقال عالمهم، ومقدم جهالهم علي غروي، أحد أكبر علماء حوزتهم: (إن النبي ﷺ لا بد أن يدخل فرجه النار؛ لأنه وطىء بعض المشركات) يريد بذلك أمي المؤمنين: عائشة بنت أبي بكر الصديقة بنت الصديق، وحفصة بنت عمر رضي الله عن زوجات رسول الله ﷺ وأرضاهن. وهل خفيت مكيدتهم بابن رسول الله ﷺ وسبطه وريحانته: الحسين بن علي ﵄، حين غرروا به، فبايعه منهم عشرون ألفا، حتى إذا لقي خصمه، تركوه يقتل وأهله! وقد اعترفوا بذلك! في كبار كتبهم وأصولهم، فذكر صاحب "الاحتجاج " (٢ / ٢٨) -وهو أحد صحاح كتبهم عندهم-: (أن فاطمة الصغرى ﵂، خطبت في أهل الكوفة فقالت: "يا أهل الكوفة، يا أهل الغدر والمكر والخيلاء، إنا أهل البيت، ابتلانا الله بكم، وابتلاكم بنا، فجعل بلاءنا حسنا. . فكفرتمونا، وكذبتمونا، ورأيتم قتالنا حلالا، وأموالنا نهبا. . كما قتلتم جدنا بالأمس، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت. تبا لكم، فانتظروا اللعنة والعذاب، فكأن قد حل بكم.. . ويذيق بعضكم بأس بعض، ثم تخلدون في العذاب الأليم يوم القيامة، بما ظلمتمونا، ألا لعنة الله على الظالمين.

стр. 100

تبا لكم يا أهل الكوفة! كم قرأت لرسول الله صلى الله عليه وآله قبلكم، ثم غدرتم بأخيه علي بن أبي طالب، وجدي، وبنيه، وعترته الطيبين". فرد عليها أحد أهل الكوفة مفتخرا فقال: "نحن قتلنا عليا، وبني علي، بسيوف هندية ورماح، وسبينا نساءهم سبي ترك، ونطحناهم فأي نطاح ") اهـ. بل كتب الرافضة المعتمدة، مليئة من شكوى آل البيت من شيعتهم، وأذاهم لهم، وانتقاص هؤلاء المتشيعين لهم. وقد أعرضت عن ذكرها لكثرتها، ولئلا يطول هذا الموضع، فيخرج عن المراد، ومن أراد أن يرى ذلك مجموعا في كتاب، فليطالع كتاب "كشف الأسرار، وتبرئة الأئمة الأطهار" للحسين الموسوي (ص ١٤-٣٢) . ومن وقف على هذا الكتاب ونحوه، أو كلام أئمة الإسلام والسنة: قطع بأن الرافضة، مزيج من المجوس الفرس، واليهود الطبرسيين وغيرهم. جمعهم الكيد للإسلام، فلم يبقوا للإسلام ركنا إلا سعوا في هدمه، فطعنوا في القرآن بالنقص! وفي السنة برواية النواصب لها! وأنهم كفار، لا يصح الاحتجاج بأقوالهم. ثم عمدوا إلى رسول الله ﷺ ، وزوجاته، وأصحابه، وآل بيته، فنفوا عنهم كل فضيلة! وألصقوا بهم كل رذيلة!

стр. 101

فجميع دعاوى الرافضة في آل البيت، أو الصحابة، أو علماء الإسلام الصالحين: دعوى باطلة، وإنما سلفهم اليهود والصابئون. وكيف تصح دعوى المعتزلة في علي ﵁، وهم مقرون أن ما أمروا الناس به، وحملوهم عليه: لم يدعو النبي ﷺ إليه، ولا أحد من الصحابة؟! وإنما المالكي رجل أعمى الله قلبه وبصيرته، وتلبسته الفتن والشكوك، حتى غدا في ليل من الشك مظلم، فما يدري ما الصحيح من السقيم، ولا السمين من ذي الورم، نسأل الله السلامة والعافية. وقل مثل ذلك، في دعوى هؤلاء المبتدعة في الحسن البصري، وأبي حنيفة وغيرهم. أما الشافعي: فما نصيبهم منه، إلا حكمه فيهم بضربهم بالنعال والجريد، وأن يطاف بهم في القرى والهجر، وينادى عليهم: هذا حكم من ترك كتاب الله إلى علم الكلام.

стр. 102

[فصل في زعم المالكي أن المستفيد من كتب اعتقاد المسلمين هم أعداء الإسلام] فصل في زعم المالكي أن المستفيد من كتب اعتقاد المسلمين، هم أعداء الإسلام وإيجابه الاقتصار على الإيمان الجملي بأركان الإيمان الستة! والإتيان بالواجبات الكبرى! والانتهاء عن المنهيات الكبرى! ليتحد المسلمون، ويكونوا صفا واحدا! والرد عليه، وبيان أن هذا باب الزندقة قال المالكي ص (٢٧) : (وأكثر المستفيدين من التراث العقدي، المليء بالتكفير والتفسيق والتبديع، هم أعداء الأمة الإسلامية، من أهل الإلحاد، واليهود والنصارى. واستفادتهم لم تكن مؤامرة منهم، وإنما بمبادرة منا نحن المسلمين، الذين رضينا أن نعيش في الصراعات المزمنة، وننسى المهمة الكبرى، التي يجب أن نقوم بها، من الاعتصام بحبل الله، والالتقاء على الأصول الجامعة، من الإيمان الجملي، بالله، واليوم الآخر، والرسل، والكتب، والأنبياء، والقضاء والقدر. وفعل الواجبات الظاهرة: من صلاة، وصيام، وحج، وزكاة. والأخلاق الواجبة: من عدل، وصدق، وأمانة، ووفاء، وتعاون إلخ. وتزك المحرمات المعروفة: من ظلم، وسرقة، ونهب، وغش، وزنا، وشرب للخمر، وكذب، وخيانة، إلخ.

стр. 103

فهذه الإيمانيات الكبرى، والواجبات الكبرى، والمنهيات الكبرى: علامات بارزة، لمن أراد الهداية والاستقامة، وكان له حط من تدبر وتعقل. وهذه الإيمانيات، والواجبات، والمنهيات، كل لا يتجزأ، وهي التي يتفق عليها جميع المسلمين. فالاعتصام بهذه الأصول الكبرى، مع الاتفاق بين المسلمين، كانت خيرا للمسلمين، من التركيز على الفرعيات والجزئيات، التي لا يمكن الاتفاق فيها، مع ما يسببه هذا، من التفرق، والاختلاف بينهم، فما نكرهه في الاجتماع، خير مما نحبه في الفرقة) اهـ كلامه. والجواب من وجوه: أحدها: أنا لا نسلم أن المستفيد من كتب العقائد السلفية السنية، هم أعداء الأمة الإسلامية! ولا وجه لذلك. بل أعداء الأمة هم المستفيدون من تركها، ليدخل في المسلمين غيرهم من الكفرة والملحدين ونحوهم، ممن تتضمن عقائدهم، مزعزعات في العقيدة الصحيحة، في الله ﷻ ، أو في دلالة الكتاب والسنة، أو صحتهما، ونحو ذلك. الثاني: أن الإيمان الجملي بأركان الإيمان الستة: بالله، وملائكته، ورسله، وكتبه، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره: لا يصح ولا ينفع صاحبه، إذا خالطه شيء مما يبطله، أو لم يؤمن ببعض فروع

стр. 104

تلك الأصول، إذا بلغته فردها. فهل يكون مؤمنا بالله جل وعلا: من أنكر أسماءه وصفاته؟! أو آمن ببعض وكفر ببعض؟! أو رد شيئا من كلام الله تعالى؟! وهل يكون مؤمنا بنبينا محمد ﷺ : من رد ما ثبت عنه بغير وجه حق، بل بأمور بدعية محدثة، لم يعرفها المسلمون في سالف عصرهم؟! وهل يكون مؤمنا بكتب الله سبحانه: من زعم أنها ليست كلام الله حقيقة وأن القرآن لم يتكلم به الله على الحقيقة وإنما خلقه كسائر مخلوقاته؟! وهل يكون مؤمنا باليوم الآخر وما فيه: من أنكر أحواله التي وصفها الله سبحانه لنا، أو وصفها رسوله ﷺ ، أو بغضها، كالميزان حقيقة، ووزن الأعمال به، ومخاطبة الله سبحانه لعبيده في ذلك اليوم العظيم، ورؤيتهم له، وإتيانه إليهم، والصراط ونصبه، والحوض، وغير ذلك مما صح وثبت؟! وهل يكون مؤمنا بالقدر خيره وشره: من يقول بالجبر أو ينفيه؟! فالإيمان بأركان الإيمان السابقة، دون معانيها المذكور شيء منها سابقا، هو إيمان بألفاظ لا يدرى معناها الحق! وماذا يتضمن ذلك اللفظ من معان، يجب فيها، ما يحب في أصلها. وأما الاقتصار على الإتيان بالواجبات الكبرى -كما يسميها المالكي - وتجنب المنهيات الكبرى: فهو باطل كذلك.

стр. 105

لأن سبب الإتيان بالطاعة، أو الامتناع عن المعصية: هو أمر الله سبحانه أو نهيه، أو أمر رسوله الكريم ﷺ ، أو نهيه، لا كونها كبرى أو صغرى! أو اختلف الناس فيها! أو لم يختلفوا! فمن بلغه أمر الله أو أمر رسوله ﷺ الموجب الصحيح غير المنسوخ فرده، أو نهيه فلم يجتنبه: كان عاصيا آثما باغيا، وافقه غيره أو لم يوافقه، قال : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] . وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤] ، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢] . وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] . وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] . وقال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨] . والآيات في هذا، والأحاديث كثيرة معلومة. فبأي حجة أو دليل، يرد المالكي أمر الله وأمر رسوله ﷺ ؟! إلا بزندقة يراد منها، أن تؤتى معاصي الله، وتجتنب مراضيه، بحجة اجتماع الناس! ألا يأمرهم أيضا، بترك ما أبقاه لهم من طاعات، حتى يكون الجمع أكبر؟! ويدخل فيهم اليهود والنصارى والصابئون؟!

стр. 106

أليست الكثرة مقصدا صحيحا عنده؟! فهكذا أكثر! والجمع أكبر! وأبى الله إلا أن يملأ جهنم. الثالث: أن المالكي يأمر الناس أن يقتصروا على الإيمان الجملي بالكليات، والإتيان بالطاعات الكبرى! واجتناب المعاصي الكبرى! وهو -مع بطلان هذه المزاعم وفسادها كما سبق- يناقض نفسه! ويخالف أمره! فلماذا لا يلتزم بما نصح به، ودعى إليه، ويترك البحث في عدالة الصحابة؟! ومن يصح أن يسمى منهم صحابيا، ومن لا يصح! وهل القعقاع بن عمرو التميمي، رجل له حقيقة ووجود؟! أو مختلق مفقود؟! ولماذا لا يترك الطعن في عقائد السلف الصالح، تحت ستار الطعن في عقائد الحنابلة؟! ويترك النصب والنواصب؟! والبحث في عبد الله بن سبإ؟! وهلم جرا. أم أنه أصبح يراها من الإيمانيات الكبرى، التي لا يصح الإسلام إلا بها! فمن لم يعتقد أن القعقاع بن عمرو رجل مختلق، فهو مرتد لا يصح إسلامه؟!

стр. 107

[فصل في زعم المالكي أن كتب عقائد المسلمين فيها باطل كثيروحق قليل] فصل في زعم المالكي أن كتب عقائد المسلمين، فيها باطل كثير! وحق قليل! والرد عليه قال المالكي ص (٢٨) : (وكتب العقائد رغم ما فيها من حق قليل، إلا أن فيها الكثير من الباطل، بل هو الغالب عليها، لما فيها من الأحاديث المكذوبة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والإسرائيليات المشككة للمسلم، والتكفير للمسلمين، وزرع بذور الشقاق، والتباغض، والتنازع بين المسلمين، وغير ذلك من الهوى والظلم والجهل، سواء كان ذلك في كتب العقائد عند الشيعة، أو السنة، أو الإباضية، أو الصوفية، أو غيرهم) اهـ. والجواب من وجهين: أحدهما: أن هذا كلام باطل بإجماع المسلمين كافة، بجميع فرقهم، فكلهم يرى أن مذهبه فيه الهدى والخير كله، فالمسلمون في الجملة، مجمعون على صحة كتبهم في المعتقد، كل فرقة في كتبها، ولا يرى أحد منهم، ما يراه المالكي: أن في كتب العقائد عامة، حقا قليلا، وباطلا كثيرا. الثاني: أن عقائد أهل السنة كلها، خير وحق، لا باطل فيها أبدا، لاعتمادها على الوحيين، وعلى أئمة السلف والإسلام، في فهم معانيهما.

стр. 108

لذلك لم يستطع المالكي -مع كذبه- أن يأتي بدليل على صحة كلامه، أو يضرب مثالا، وكأن كلامه المجرد، دليل بنفسه يستدل به لا له! أما عقائد غيرهم: فلا يصح منها، إلا ما وافق الوحيين.

стр. 109

[فصل في رد دعوى المالكي أنه لم يسلم من كتب العقائد إلا شيء قليل جدا] فصل في رد دعوى المالكي: أنه لم يسلم من كتب العقائد، إلا شيء قليل جدا قال المالكي ص (٢٨) : (ولم ينج من كثير من ذلك، إلا بعض كتب المجتهدين في الماضي أو الحاضر، وهي قلة، نسبة إلى هذه الكثرة) . ثم بين المالكي في حاشية تلك الصفحة من يعني فقال: (كالإمام ابن الوزير في كتابه "إيثار الحق على الخلق"، والإمام المقبلي في كتابه "العلم الشامخ، في تفضيل الحق على الآباء والمشايخ"، وابن الأمير الصنعاني في كتابه "إيقاظ الفكرة"، وجمال الدين القاسمي في كتاب "تاريخ الجهمية والمعتزلة"، و"الجرح والتعديل"، وغيرهم من العلماء، الذين حاولوا التخلص من المذهبية العقدية والفقهية، والعودة لأصول الإسلام الجامعة، والابتعاد عن الجزئيات المفرقة، مع إعذار من اجتهد فأخطأ من سائر الطوائف الإسلامية) اهـ. والجواب من وجوه: أحدها: تقدم ببيان نجاة أهل السنة جميعا، مما وصمهم به المالكي، لاعتصامهم بالوحي. وتقدم كذلك ذكر شذوذ المالكي بقوله هذا، وأنه مخالف لإجماع المسلمين كافة، باختلاف طوائفهم.

стр. 110

الثاني: مطالبته ببيان الفروق، التي ميزت كتب المجتهدين السابقين -كما وصفهم المالكي - عن كتب غيرهم من أهل العلم. فإن قال -كما زعم سابقا-: محاولتهم التخلص من المذهبية العقدية والفقهية، والعودة لأصول الإسلام الجامعة، والابتعاد عن الجزئيات المفرقة، وعذر المجتهد إن أخطأ من جميع الطوائف. قلنا: هذا غير صحيح! وكتبهم كلها تدل على خلاف ذلك، فابن الوزير -وهو إمام مجتهد بحق- لم يعذر شيخه علي بن محمد بن أبي القاسم (ت ٨٣٧ هـ) عندما صنف كتابا عاب فيه على أهل السنة والحديث أمورا، وتنقص بعض الأئمة، وطعن في بعض الأحاديث، وقال بمعتقدات مخالفة. ورد عليه ابن الوزير في كتابه الكبير "العواصم والقواصم، في الذب عن سنة أبي القاسم ﷺ " وهو في بضعة مجلدات. ثم زاد في إيجاع خصمه باختصاره المسمى "الروض الباسم" وبين منزلة المردود عليه العلمية، وتنقصه تنقصا بالغا، وسفه ما جاء به. أما المقبلي: "فالعلم الشامخ" دليل ظاهر على عدم إعذاره لأي مخالف له، فحمل على شيخ الإسلام ابن تيمية حملة كبيرة بغير حق، وحمل على القائلين بعلو الله سبحانه على خلقه، وتكلم في حقهم بكلام عظيم، يدل على أنه إمام لكن في الضلالة. وكذلك حمل على الزيدية، وسفه أقوالهم وأحلامهم، حتى قال قائل الزيدية فيه (وهو الحسن الهبل ت ١٠٧٩ هـ) ، ضمن أبيات جائرة:
следующие страницы →