← Акыда

Акыда · id 30888

إسلامية لا وهابية

ناصر العقل

Полный текст (421 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقال الشيخ حمد بن ناصر بن معمر وهو من كبار علماء الدعوة: «ونحن - بحمد الله - من أعظم الناس إيجابًا لرعاية الرسول ﷺ ، تصديقًا له فيما أخبر، وطاعة له فيما أمر، واعتناء بمعرفة ما بعث به، واتباع ذلك دون ما خالفه، عملًا بقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] [سورة الأعراف، آية: ٣] وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥] [سورة الأنعام، آية: ١٥٥] . وقال الشيخ سليمان بن سحمان: «من سليمان بن سحمان، إلى عبد العزيز العلجي، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فقد بلغني أنك استدركت عليّ فيما تزعم، كلمات في أبيات، وذلك في قولي: على السيد المعصوم والآل كلهم ... وأصحابه مع تابعي نهجهم بعد فزعمت: أنا ننكر، ونشدد على من قال: سيدنا محمد ﷺ ، وأن هذا مذهبنا أهل "نجد" وهذا كذب، وافتراء علينا، ما أنكر ذلك منا أحد، ولا كان ذلك مذهبنا» . إلى أن قال: «وأما نحن: فلا ننكر ذلك، لقوله ﷺ : «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (١) وقوله: «إن ابني هذا سيد» (٢) وقوله للأنصار: «قوموا إلى سيدكم» (٣) وقوله: « «من سيدكم يا بني سلمة» فقالوا له: الجد بن قيس، على أنا نبجله فينا، ثم قال ﷺ : «بل سيدكم عمرو بن الجموح» » (٤) إذا فهمت هذا، فمن أين لك أنا ننكر ذلك ونشدد فيه؟ ومن حدثك بهذا؟ أو نقل عنا؟ وفي أي كتاب وجدت ذلك؟ وقد كان لي عدة رسائل، ومناظيم، وكل ذلك قد ذكرته فيها» (٥) .

стр. 107

[رد مفتريات الخصوم في أن الإمام وأتباعه ينتقصون من حق النبي ﷺ ] رد مزاعم الخصوم في أن الإمام وأتباعه ينتقصون حق النبي ﷺ : من أعظم التلبيس الذي سلكه خصوم الإمام (خصوم السنة) وهم أهل البدع والأهواء والافتراق رميهم الإمام وعموم أهل السنة بأنهم لا يحبون النبي ﷺ وأنهم ينتقصونه وذلك لأن أهل السنة لا يرفعون النبي ﷺ إلى مقام الربوبية والألوهية، ولا يطرونه كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، وأهل البدع يطرونه ويزعمون أن من لم يفعل ذلك فإنه لا يحب النبي ﷺ وأنه ينتقصه، وهذا من التلبيس والبهتان، ومن إغواء الشيطان حيث دخل عليهم من باب التنطع والإطراء. ولخطورة هذه الافتراءات ورواجها بين الذين يجهلون الحقيقة وينساقون وراء تضليلات الخصوم والمغرضين والحاسدين، دون تثبت ولا روية ولا تبصر، أسوق مزيدًا من الأقوال والنقول التي تكشف زيف هؤلاء الخصوم ويتبين الحق لمن يريده: فإن خصوم الإمام وهم خصوم السنة وأهلها من أهل الأهواء والافتراق والبدع ومن شايعهم سلكوا مسلك الكذب والافتراء في كثير من الأحيان، وأحيانًا أخرى مسلك التلبيس والتمويه، فمن ذلك: قول أحدهم: «أنه (يعني الإمام محمد بن عبد الوهاب) أحرق دلائل الخيرات لأجل قول سيدنا ومولانا» (١) وأنه قال: «الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة وليلتها هي بدعة وضلالة تهوي بصاحبها إلى النار» (٢) وأن «تعظيم الرسول ﷺ شرك» (٣) وزعموا أنه قال: «لو أقدر على حجرة الرسول ﷺ هدمتها» (٤) وأنه «يحرم زيارة قبر النبي ﷺ » (٥) . وهذا كله كذب صريح وقد تبرأ منه الإمام نفسه وقال بعد أن ساق هذه المفتريات وغيرها: «سبحانك هذا بهتان عظيم» (٦) وفي مقام آخر قال في هذه المزاعم ونحوها «فكل هذا كذب وبهتان مما افتراه عليَّ الشياطين الذين يريدون أن يأكلوا أموال الناس بالباطل ... » (٧) .

стр. 108

وقد قال في رده على أحد الذين بهتوه بانتقاص النبي ﷺ : «سبحانك هذا بهتان عظيم، وقبله من بهت محمد ﷺ أنه يسب عيسى ابن مريم ويسب الصالحين، فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب وقول الزور ... » (١) . وقال في رد مقولة أنه ينهى عن الصلاة عن النبي ﷺ : «وأما إحراقها (يعني كتاب دلائل الخيرات) والنهي عن الصلاة على النبي ﷺ بأي لفظ كان، فنسبة هذا إليَّ من الزور والبهتان» (٢) . ويقول صاحب كتاب (المقالات الوفية) مفتريًا على الإمام: «وكذا تنقيصه الرسل والأنبياء وهدم قببهم ... ومنعه من قراءة خبر مولد النبي ﷺ ، وضرب رقاب من يناجي في المنارة للصلاة على النبي ﷺ » (٣) وهذا من الكذب والتلبيس على الإمام محمد وأتباعه، أما القِبَاب فهي من البدع التي جاء النهي الصريح عنها في السنة وفي هدمها إزالة للبدع، وكذلك قراءة خبر مولد النبي ﷺ والنداء بالصلاة على النبي ﷺ على نحو ما يفعله المبتدعة من المحدثات والبدع. ويقول صاحب كتاب (تبيين الحق والصواب) عن أتباع الإمام محمد بن عبد الوهاب: «ومما يدل على استنقاصهم واستخفافهم لقدر نبينا محمد ﷺ هذه اللفظة المجردة عن الأدب والحياء وهي (محمد لا يعلم الغيب) (٤) . ونقول له: إنه ليس من تعظيم النبي ﷺ أن ندعي له شيئًا من خصائص الرب تعالى وهو علم الغيب، فهو لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله إياه، قال الله له ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨] [سورة الأعراف، آية: ١٨٨] . وهذه المقولات كلها أكاذيب ومفتريات وإفك ظاهر، ونبدأ في كشف هذا الإفك العظيم بما ذكره الشيخ محمد منظور النعماني في كتابه (دعايات مكثفة ضد الشيخ محمد بن عبد الوهاب) قال: «وقد سمعت وقتئذٍ أكذوبة عجيبة: أن رجلًا يحمل اسم عبد الوهاب

стр. 109

النجدي وكان يتزعم الطائفة الوهابية، كان قد بلغ من عدوانه للنبي ﷺ إلى أن ورد المدينة المنورة يتظاهر بالصلاح والتقوى ... وسكن بيتًا على الكراء من أجل أن يتخذ في داخل الأرض سربًا من بيته إلى روضة النبي ﷺ حتى يتمكن من العبث بالجثة المطهرة - نعوذ بالله من ذلك - إلا أنه لم يستطع تحقيق أمنيته حيث تراءى النبي في المنام للملك الذي كان يحكم الحجاز آنذاك، وقال له في المنام: إن رجلًا من نجد خبيثًا رقيعًا يتخذ النفق في الأرض من أجل الغرض الخبيث، فبحث الملك عن الرجل عبد الوهاب النجدي، وقبض عليه فعلًا وضرب عنقه. ولا أزال أذكر أن الناس كانوا يتناقلون هذه الأكذوبة كحقيقة تاريخية معلومة مقررة، ولذلك فلم أشك فيها قط، لأني لم أجد أحدًا يرفضها أو يشك فيها» (١) . ويقول الإمام نفسه في تكذيب المزاعم: «وما ذكره المشركون عليّ أني أنهى عن الصلاة على النبي، أو أني أقول لو أن لي أمرًا هدمت قبة النبي ﷺ أو أني أتكلم في الصالحين، أو أنهى عن محبتهم، فكل هذا كذب وبهتان، افتراه عليّ الشياطين الذين يريدون أن يأكلوا أموال الناس بالباطل» (٢) . ويقول في رسالته إلى الشيخ عبد الرحمن السويدي أحد علماء العراق مفندًا ما نسب إليه: «يا عجبًا كيف يدخل هذا في عقل عاقل، هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون، وكذلك قولهم أنه يقول لو أقدر أهدم قبة النبي ﷺ لهدمتها (أي من البهتان) ، وأما (دلائل الخيرات) فله سبب، وذلك أني أشرت إلى من قبل نصيحتي من إخواني، أن لا يصير في قلبه أجلّ من كتاب الله، ويظنّ أن القراءة فيه أجلّ من قراءة القرآن، وأما إحراقه والنهي عن الصلاة على النبي ﷺ بأي لفظ كان فهذا من البهتان» (٣) . ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب مبيّنًا المنهج الذي كانوا عليه إبان دخولهم مكة عام (١٢١٨هـ) : «وأما ما يكذب علينا: سترًا للحق، وتلبيسًا على الخلق،

стр. 110

بأنّا نفسر القرآن برأينا، ونأخذ من الحديث ما وافق فهمنا، من دون مراجعة شرح، ولا معول على شيخ، وأنّا نضع من رتبة نبينا محمد ﷺ بقولنا: النبي رمة في قبره، وعصا أحدنا أنفع له منه، وليس له شفاعة، وأن زيارته غير مندوبة، وأنه كان لا يعرف معنى لا إله إلا الله، حتى أنزل عليه ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] ، مع كون الآية مدنية ... » إلى أن قال: «فجميع هذه الخرافات، وأشباهها لما استفهمنا عنها من ذكر أولاً، كان جوابنا في كل مسألة من ذلك، سبحانك هذا بهتان عظيم، فمن روى عنّا شيئًا من ذلك، أو نسبه إلينا، فقد كذب علينا وافترى. ومن شاهد حالنا، وحضر مجالسنا، وتحقق ما عندنا، علم قطعاً: أن جميع ذلك وضعه، وافتراه علينا، أعداء الدين، وإخوان الشياطين» . إلى أن قال: «والذي نعتقده: أن رتبة نبينا محمد ﷺ أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حي في قبره حياة برزخية، أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام المسلم عليه، وتسن زيارته، إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس، ومن أنفق نفيس أوقاته، بالاشتغال بالصلاة عليه ﷺ الواردة عنه، فقد فاز بسعادة الدارين، وكفى همه وغمه، كما جاء في الحديث عنه» (١) . وقال الشيخ عبد الله بن سليمان البليهد: «فحق النبي ﷺ محبته المقدمة على محبة النفس والولد والأهل والمال وتصديقه وطاعته» (٢) . وقال الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود في رسالته إلى أحمد بن علي القاسمي: «وأما قولك أن ناسًا من أصحابنا ينقمون عليكم في تعظيم النبي المختار ﷺ ، فنقول بل الله سبحانه افترض على الناس محبة النبي ﷺ وتوقيره، وأن يكون أحب إليهم من أنفسهم وأولادهم والناس أجمعين، لكن لم يأمرنا بالغلو فيه وإطرائه، بل هو ﷺ نهى عن ذلك» (٣) . ويقول الشيخ محمد بن عثمان الشاوي في كتابه (القول الأسد في الردَّ على الخصم

стр. 111

الألد) ردًا على خصوم الدعوة السلفية: «وقد رموهم بعظائم يعلم الله تعالى أنها لم تصدر منهم، ونسبتهم إلى تنقص الرسول وعدم الصلاة عليه، وما ذاك إلا أنهم لم يغلوا امتثالًا لقوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» (١) وإلا فهم بحمد الله أعظم الناس محبة للرسول ومتابعة له، ورعاية لحقه، وهو أجل في عيونهم من أن يخالفوا سنته، أو يخالفوا أقواله، بمجرد العوائد الباطلة، أو الأقيسة الفاسدة، بخلاف كثير من هؤلاء الذين جمعوا بين الإفراط والتفريط، فأفرطوا بالغلو فيه وإطرائه، حتى رفعوه من منزلة العبودية إلى منزلة الإلهية والربوبية، وفرطوا في اتباعه، فنبذوا سنّته وراء ظهورهم، ولم يعبئوا بأقواله، وخالفوا نصوصه الصريحة الصحيحة بغير مسوغ، ولم يكتفوا بذلك حتى جعلوا يعيبون على من جدّ واجتهد في اتباعه، لما ألفوه من العوائد الباطلة، والنبي ﷺ إنما حقه هو تعزيره وتوقيره واتباع ما جاء به، واقتفاء أثره، وتصديقه، وتقديم محبته على الأهل والمال، وأما العبادة فهي له وحده، لا يشركه فيها ملك مقرب، ولا نبي مرسل» (٢) . ويقول مسعود الندوي في كتابه (محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه) : «إن الزمان لغريب، وإن نوادره لعجيبة، فالرجل الذي يقوم ويقعد وينام تحت ظل ظليل من سنّة الرسول ﷺ وكأنها هي غطاءه، وفراشه يُتهم بإنكار الحديث» (٣) . ويقول صاحب كتاب (النفخة على النفحة) ردًّا على هذه الفرية: «وأما المصطفى ﷺ فلا تظن أن أحدًا من المسلمين على كرة الأرض يهم بتنقيصه، أو يبغضه، وفي مذهب الحنابلة أن شاتم الرسول يقتل تاب أو لم يتب» (٤) . ويقول الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي في كتاب (نقض كلام المفترين) عن الإمام وأتباعه في تعظيمهم لرسول الله ﷺ وما جاء به من الحق والهدى: «والشيخ محمد ﵀ ألّف (مختصر السيرة) ، وقد طبع عدة مرات، وانتشر في سائر الأقطار، فلو لم يكن محبًا

стр. 112

للرسول لما ألف سيرة له، ومن لا يحب الرسول لا يكون مسلمًا بل يكون يهوديًا أو نصرانياً ... والشيخ وأتباعه يحثون الناس على التمسك بسنّة الرسول الصحيحة، ويشددون النكير على من يخالف سنّة الرسول ويدعونه مبتدعاً، أما هذا دليل على كمال حبهم وتعظيمهم لرسول الله ﷺ ؟ ولكن المنحرفين يرون حب الرسول ﷺ في قراءة الأناشيد والأشعار والاستغاثات فمن عمل بهذا فهو محب للرسول، وإن ارتكب الموبقات وتلطخ بقاذورات المبتدعات ومن لا فلا» (١) . ويشهد حافظ وهبة بأن ما نسب إلى علماء الدعوة السلفية وأتباعها هم أبرياء منه. فيقول تحت عنوان: «ما ينسب إلى النجديين وهم أبرياء منه» : ثم يقول: «لا شك أن الحرب النجدية المصرية في القرن الماضي وما أعقب ذلك من خلاف بين آل سعود والأتراك قد صحبه كثير من الدعايات السيئة ضد النجديين. وكثير من الأشياء التي نسبت إليهم مكذوبة. ١ - لقد نسب إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب والآخذين بدعوته كراهية النبي ﷺ ، والحط من شأنه وشأن سائر الأنبياء والأولياء الصالحين. لقد نسب هذا إلى الإمام ابن تيمية وإلى تلاميذه، كما لا يزال ينسب إلى كثير من العقلاء والمصلحين في الهند وغيرها حتى ممن ليست لهم أي صلة بنجد وأهلها. إن منشأ هذه النسبة هو أن النجديين استنادًا إلى حديث: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (٢) يرون أن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يعملها أحد من الصحابة أو التابعين، ولم يأمر بها النبي ﷺ ، وقد سبق ابن تيمية وابن عبد الوهاب طوائف كثيرة من العلماء المتقدمين بهذا الرأي. ٢ - إن النجديين يمنعون استقبال قبر الرسول ﷺ عند الدعاء، كما يمنعون السجود عند قبره وقبر غيره، ويمنعون التمسح والتمرغ عند القبر، كما يمنعون كل ما من شأنه الاستغاثة أو الطلب مما شاع عمله عند قبر النبي ﷺ وقبور الصالحين في مصر وبغداد والهند وكثير من الأمصار.

стр. 113

٣ - هدم القباب والأبنية المقامة على القبور وإبطالهم لسائر الأوقاف التي رصدت على القبور والأضرحة: ٤ - إنكارهم على البوصيري قوله في البردة: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم وقوله: ومن علومك علم اللوح والقلم. وقوله: إن لم تكن في معادي آخذًا بيدي ... فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم فإن هذا القول مجازفة وغلو، وفيه مخالفة صريحة لنصوص القرآن والأحاديث الصحيحة؛ وهم - فوق هذا - يعتقدون أن من اعتقد هذا على ظاهره فهو مشرك كافر. فاتهمهم خصومهم بكراهية النبي، ونسبوا إليهم أقوالًا هم أبرياء منها، نسبوا إليهم القول بأن العصا خير من النبي، إلى غير ذلك من التهم الباطلة. ولقد سمعت في نجد أن حكام نجد الشمالية أثناء خصومتهم مع آل سعود كانوا يكتبون إلى الأتراك أن آل سعود اتخذوا راية شعارها: لا إله إلا الله مَحَدْ رسول (بحذف ميم محمد) أي لا أحد رسول الله، وهذا كله تنفير للأتراك من خصومهم، وهم يعلمون حق العلم أن هذا كذب. ولقد حضر إلى مكة أثناء الحرب الحجازية النجدية في سنة (١٩٢٥م) بعض أفاضل السنغاليين وَتِطْوَان، وكانوا أثناء حديثهم يبكون لشدة تأثرهم؛ لقد أخبرونا أنهم سمعوا في الإسكندرية أشياء كثيرة تنسب إلى النجديين، لم يجدوا لها أثرًا في الحجاز، لقد سمعوا من بعض الناس: أن الوهابيين هدموا الكعبة لأنها حجر، وسمعوا أنهم في الأذان يقولون «أشهد أن لا إله إلا الله» فقط ولا يقولون «أشهد أن محمدا رسول الله» . إن النجديين أحرص الناس على محبة الرسول ﷺ ، ولكنهم يكرهون الغلو، ويقاومون البدع مهما كان نوعها، ومهما كان الدافع لها، ويقولون: إن المحبة للرسول ﷺ هي الاهتداء بهدي الرسول واتباعه، أما الابتداع وتعطيل الشريعة وتقديم الأهواء فهو كراهة لا محبة، وفي القرآن الكريم ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] (١) .

стр. 114

[دفع فرية التلويح بدعوى النبوة عن الإمام محمد بن عبد الوهاب] دفع فرية التلويح بدعوى النبوة عن الإمام محمد بن عبد الوهاب: وبعد عرض ما كان عليه أهل السنة من تعظيم مقام النبي ﷺ ورفع مكانته التي فضله الله بها. يحسن الوقوف عند تهمة مكشوفة، وكذبة ظاهرة لُمِز بها الإمام محمد بن عبد الوهاب من قبل بعض أهل الأهواء والبدع والافتراق وهي تلكم التهمة الصلعاء التي أثارها بعض خصوم الإمام محمد بن عبد الوهاب حين زعموا أنه يلوّح حول دعوى النبوة، بل زعم بعضهم أنه يدعيها!! (١) وهذه فرية شنيعة وبهتان عظيم. فإنه في حين لا نجد في منهج الإمام وآثاره وأعماله ما يشير إلى شيء من ذلك - أي دعوى النبوة - فإن العكس هو الواقع المحتم، إذ أن الإمام أكَّد في عقيدته ودروسه وشروحه ورسائله وخطبه ومؤلفاته عقيدة ختم النبوة بمحمد ﷺ وأن خلاف ذلك كفر يجب قتل مدَّعيها ومن يصدقه. قال فيما يجب على كل مسلم بعد أن ذكر الحقوق الواجبة على المسلم: «وأعظمها حق النبي ﷺ ، وأفرضه شهادتك له أنه رسول الله، وأنه خاتم النبيين وتعلم أنك لو ترفع أحدًا من الصحابة في منزلة النبوة صرت كافرًا» (٢) . وقال: «وأؤمن بأن نبينا محمد ﷺ خاتم النبيين والمرسلين ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته» (٣) . ومن علامات الافتراء والخذلان لمروجي هذه الفرية أن أول من روَّجها، وأكثر الذي تابعوه، زعموا أنه (الإمام محمد بن عبد الوهاب) ادعى النبوة بلسان حاله، وأنه كان يُضمر دعوى النبوة في قلبه! (٤) .

стр. 115

وهذه حيلة العاجز المهزوم إذ كيف اطلعوا على ما في القلوب مما لا يعلمه إلا علاَّم الغيوب ، مع أن الحقيقة الثابتة أنه قال وأعلن الحق بدليله، ثم ما القرائن التي دلت بلسان الحال على هذه الفرية؟ لم يذكروا شيئاً. ولما شاع هذا البهتان العظيم، وروَّجه الخصوم من أهل الأهواء والبدع والافتراق الذين يكرهون السنة وأهلها، وتلقفته ألسنة الغوغاء والهمج، من أتباع الفرق والطرق - تصدى له علماء السنة في بلاد الشيخ الإمام وغيرها من سائر بلاد المسلمين، ممن شهدوا بالحق، وأنصفوا الخلق (١) . وقال الشيخ سليمان بن سحمان: «إن الشيخ (يعني محمد بن عبد الوهاب) قد ذكر في كتاب التوحيد ما رواه البرقاني في صحيحه قوله في الحديث:» وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان وإنه سيكون من أمتي كذّابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي « (٢) . ..» إلى آخر الحديث. وقال (يعني محمد بن عبد الوهاب) في المسائل المستنبطة من هذا الباب، «الثامنة: العجب العجاب خروج من يدعي النبوة مثل المختار مع تكلمه بالشهادتين وتصريحه أنه من هذه الأمة وأن الرسول حق وأن القرآن حق» (٣) . وفيه أن محمدًا خاتم النبيين ومع هذا يصدق في هذا كله مع التضاد الواضح وقد خرج المختار في آخر عهد الصحابة، فكيف يضمر مع هذا دعوى النبوة، وكيف يزعم هذا ويرمي به الشيخ رجل يؤمن بالله واليوم الآخر، وبهذا تعلم أن هذا من تزوير من شرق بهذا الدين من أعداء الله ورسوله وتنفيرًا للناس عن الإذعان لإخلاص التوحيد لله بالعبادة» (٤) .

стр. 116

كما رد الشيخ ناصر الدين الحجازي (١) على هذه الفرية بأسلوب آخر، وذلك في رسالته "النفخة على النفحة"، حيث يزعم صاحب كتاب (النفحة الزكية) أن الإمام قد ادعى النبوة، فكان جواب الشيخ ناصر الدين الحجازي على هذا الإفك: «وأما قولك وكان يضمر دعوى النبوة إلا أنه لم يتمكن من إظهارها فهذه دعوى كشف واطلاع على ما في القلوب، فهي بين أمرين إما تصريح بالكذب وإما مشاركة لله تعالى في قوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] [سورة غافر، آية: ١٩] . فاختر أي الشقين شئت، وإن كنت مدعيًا فعليك الدليل من كتبه التي طبعت في الهند وفي مصر وسارت في الأقطار» (٢) . [عقيدتهم في شفاعة النبي ﷺ ] عقيدتهم في شفاعة النبي ﷺ . وعقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه كسائر السلف الصالح أهل السنة والجماعة في شفاعة النبي ﷺ ، فيثبتون كل ما صح من شفاعاته ﷺ كالشفاعة العظمى، والمقام المحمود، وشفاعته لأهل الكبائر من أمته، وغيرها. يقول الإمام محمد: «وأومن بشفاعة النبي ﷺ وأنه أول شافع وأول مشفع، ولا ينكر شفاعة النبي ﷺ إلا أهل البدع والضلال، ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضى كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] [سورة الأنبياء، آية: ٢٨] ، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [سورة البقرة، آية: ٢٥٥] وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] [سورة النجم، آية: ٢٦] ، وهو لا يرضى إلا التوحيد؛ ولا يأذن إلا لأهله، وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] [سورة المدثر، آية: ٤٨] » (٣) .

стр. 117

وهذا ينفي المزاعم والمفتريات التي زعمها خصومهم بأنهم ينكرون شفاعة النبي ﷺ . وقال في الرد على الذين يزعمون أنه وسائر أهل السنة ينكرون شفاعة النبي «ثم بعد هذا يذكر لنا أن عدوان الإسلام، الذين ينفرون الناس عنه، يزعمون أننا ننكر شفاعة الرسول ﷺ فنقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، بل نشهد أن رسول الله ﷺ الشافع المشفع، صاحب المقام المحمود، نسأل الكريم رب العرش العظيم: أن يشفعه فينا، وأن يحشرنا تحت لوائه» (١) . ويقول ابنه الشيخ عبد الله: «ونثبت الشفاعة لنبينا محمد ﷺ يوم القيامة، حسب ما ورد، وكذلك نثبتها لسائر الأنبياء، والملائكة، والأولياء، والأطفال حسب ما ورد أيضاً؛ ونسألها من المالك لها، والإذن فيها لمن يشاء من الموحدين، الذين هم أسعد الناس بها كما ورد، بأن يقول أحدنا - متضرعًا إلى الله تعالى -: اللهم شفع نبينا محمدا ﷺ فينا يوم القيامة أو: اللهم شفع فينا عبادك الصالحين، أو ملائكتك، أو نحو ذلك، مما يطلب من الله، لا منهم فلا يقال: يا رسول الله، أو يا ولي الله لك الشفاعة أو غيرها، كأدركني، أو أغثني، أو اشفني، أو انصرني على عدوي، ونحو ذلك، مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فإذا طلب ذلك مما ذكر في أيام البرزخ، كان من أقسام الشرك، إذ لم يرد بذلك نص من كتاب أو سنة، ولا أثر من السلف الصالح في ذلك؛ بل ورد الكتاب، والسنة، وإجماع السلف: أن ذلك شرك أكبر، قاتل عليه رسول الله ﷺ » (٢) . [عقيدتهم في آل بيت رسول الله ﷺ ] عقيدتهم في آل بيت رسول الله ﷺ وكذلك عقيدتهم في آل بيت رسول الله لا تخرج عما أوصى به النبي ﷺ وما كان عليه السلف الصالح من محبة آل البيت ومودتهم ورعاية حقوقهم. كل ذلك على المنهج الشرعي؛ بلا تقصير كما فعلت الخوارج الناصبة ومن وافقهم، ولا غلو كما فعلت الرافضة ومن سلك سبيلهم، فليس من حق آل البيت الغلو فيهم، ولا اعتقاد قداستهم، ولا عصمتهم.

стр. 118

ورعاية حقوق آل بيت رسول الله ﷺ مشروطة بشروطها وهي استقامتهم على منهاج النبوة، أما من خرج عن الحق والسبيل فلا حق له. يقول الشيخ الإمام في حق أحد الأشراف ومبينًا خطأ الذين أنكروا هذا الحق. «وقد أوجب الله لأهل بيت رسول الله ﷺ على الناس حقوقًا فلا يجوز لمسلم أن يسقط حقهم ويظن أنه من التوحيد بل هو من الغلو ونحن ما أنكرنا إلا إكرامهم لأجل ادعاء الألوهية فيهم أو إكرام المدعي لذلك» (١) . ويقول الشيخ: عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: «وأما أهل البيت: فقد ورد سؤال على علماء الدرعية في مثل ذلك، وعن جواز نكاح الفاطمية غير الفاطمي، وكان الجواب عليه ما نصه: أهل البيت - رضوان الله عليهم - لا شك في طلب حبهم ومودتهم، لما ورد فيه من كتاب وسنة، فيجب حبهم ومودتهم، إلا أن الإسلام ساوى بين الخلق، فلا فضل لأحد إلا بالتقوى، ولهم مع ذلك التوقير والتكريم، والإجلال، ولسائر العلماء مثل ذلك، كالجلوس في صدور المجالس، والبداءة بهم في التكريم، والتقديم في الطريق إلى موضع التكريم، ونحو ذلك، إذا تقارب أحدهم مع غيره في السن والعلم» (٢) . وقال الإمام عبد العزيز بن سعود بن محمد «من عبد العزيز بن سعود: إلى جناب أحمد بن علي القاسمي، هداه الله، لما يحبه ويرضاه. أما بعد: فقد وصل إلينا كتابك، وفهمنا ما تضمنه من خطابك، وما ذكرت من أنه قد بلغكم: أن جماعة من أصحابنا، صاروا ينتقمون على من هو متمسك بكتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ ممن مذهبه مذهب أهل البيت الشريف. فليكن لديك معلومًا أن المتمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما عليه أهل البيت الشريف فهو لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. ولكن الشأن: في تحقيق الدعوى بالعمل» . ثم قال: «وأما ما ذكرت: من أن مذهب أهل البيت أقوى المذاهب، وأولاها

стр. 119

بالاتباع، فليس لأهل البيت مذهب إلا اتباع الكتاب، والسنة، كما صح عن علي بن أبي طالب ﵁ «أنه قيل له: هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إلا فهم يؤتيه الله عبدًا في كتابه، وما في هذه الصحيفة ... » الحديث؛ وهو مخرج في الصحيحين» (١) . وقال: «فإن أصل دين رسول الله ﷺ ، وأهل بيته، ﵈، هو: توحيد الله بجميع أنواع العبادة، لا يدعى إلا هو، ولا ينذر إلا له، ولا يذبح إلا له، ولا يخاف خوف السر إلا منه، ولا يتوكل إلا عليه؛ كما دل على ذلك الكتاب العزيز. فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [سورة الجن، آية: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٤] [سورة الرعد، آية: ١٤] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] [سورة النحل، آية: ٣٦] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] . [سورة الأنبياء، آية: ٢٥] . فهذا التوحيد، هو: أصل دين أهل البيت ﵈ من لم يأت به، فالنبي ﷺ وأهل بيته: براء منه، قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] [سورة التوبة، آية: ٣] . ومن مذهب أهل البيت: إقامة الفرائض، كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، ومن مذهب أهل البيت الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإزالة المحرمات، ومن مذهب أهل البيت محبة السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، وأفضل السابقين الأولين: الخلفاء الراشدون، كما ثبت ذلك عن علي من رواية ابنه محمد بن الحنفية، وغيره من الصحابة، أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر، ثم عمر، والأدلة: الدالة على فضيلة الخلفاء الراشدين، أكثر من أن تحصر. فإذا كان مذهب أهل البيت: ما أشرنا إليه، وأنتم تدعون أنكم متمسكون بما عليه

стр. 120

أهل البيت، مع كونكم على خلاف ما هم عليه؛ بل أنتم مخالفون لأهل البيت، وأهل البيت براء مما أنتم عليه؟ فكيف يدعي اتَّباع أهل البيت: من يدعو الموتى؟! ويستغيث بهم في قضاء حاجاته، وتفريج كرباته؟! والشرك ظاهر في بلدهم، فيبنون القباب على الأموات، ويدعونهم مع الله، والشرك بالله هو أصل دينهم، مع ما يتبع ذلك من ترك الفرائض، وفعل المحرمات، التي نهى الله عنها في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ، وسب أفاضل الصحابة أبو بكر، وعمر، وغيرهما من الصحابة» (١) . وقال أبناء الإمام محمد بن عبد الوهاب والشيخ حمد بن ناصر المعمَّر: «وأما السؤال عما ورد في فضائل أهل بيت النبي ﷺ ؟ فنقول: قد صح في فضائل أهل البيت أحاديث كثيرة؛ وأما كثير من الأحاديث، التي يرويها من صنف في فضائل أهل البيت، فأكثرها لا يصححه الحفاظ؛ وفيما صح في ذلك كفاية» (٢) . [عقيدتهم في الصحابة] عقيدتهم في الصحابة والإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه عقيدتهم في الصحابة لا تخرج عن عقيدة سائر أهل السنة والسلف الصالح جملة وتفصيلاً، والمتأمل لمزاعم أهل البدع خُصُوم السنة يجد أنهم مع كثرة شبهاتهم على الدعوة وأهلها، لم يكن لهم دعاوى حول عقيدتهم في الصحابة إلا نادراً. ولذا أوجزت الحديث عن عقيدتهم في الصحابة. يقول الإمام محمد: «وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة ﵁ وأتولى أصحاب رسول الله ﷺ وأذكر محاسنهم، وأترضى عنهم، وأستغفر لهم، وأكف عن مساويهم، وأسكت عما شجر بينهم، وأعتقد فضلهم عملًا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] [سورة الحشر، آية: ١٠]

стр. 121

وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء» (١) . وسئل أبناء الإمام، وحمد بن ناصر ﵏ عن مذهبهم في الصحابة ﵃؟ فأجابوا: «مذهبنا في الصحابة، هو مذهب أهل السنة والجماعة وهو: أن أفضلهم بعد رسول الله ﷺ ، أبو بكر، وأفضلهم بعد أبي بكر: عمر؛ وأفضلهم بعد عمر: عثمان؛ وأفضلهم بعد عثمان: علي ﵃. ومنزلتهم في الخلافة، كمنزلتهم في الفضل؛ وقد نازع بعض أهل السنة، في أفضلية عثمان على علي؛ فجزم قوم بتفضيل علي على عثمان؛ ولكن الذي عليه الأئمة الأربعة، وأتباعهم، هو: الأول» (٢) . [عقيدتهم في الشفاعة عمومًا] عقيدتهم في الشفاعة عموماً وكذلك في الشفاعة عموماً، فإنهم يثبتون من الشفاعات ما جاء به الشرع وثبت بالنص. يقول الإمام محمد: «وأومن بشفاعة النبي ﷺ وأنه أول شافع وأول مشفَّع، ولا ينكر شفاعة النبي ﷺ إلا أهل البدع والضلال» (٣) . وقال: «والشفاعة شفاعتان؛ شفاعة منفية، وشفاعة مثبتة، فالشفاعة المنفية هي التي تطلب من غير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله، والدليل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] [سورة البقرة، آية: ٢٥٤] ، والمثبتة هي التي تطلب من الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله، والشافع مكرم بالشفاعة، والمشفوع له من رضي الله قوله وعمله، بعد الإذن، والدليل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [سورة البقرة، آية: ٢٥٥] » (٤) .

стр. 122

ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن: «ونؤمن بشفاعة النبي ﷺ ، وأنه أول شافع، وأول مشفع، ولا ينكرها إلا مبتدع ضال، وأنها لا تقع إلا بعد الإذن والرضا، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] [سورة الأنبياء، آية: ٢٨] ، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] [سورة النجم، آية: ٢٦] ، وهو سبحانه، لا يرضى إلا التوحيد، ولا يأذن إلا لأهله، قال أبو هريرة ﵁ للنبي ﷺ «من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: «من قال لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه» (١) فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص، بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله، قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] [سورة المدثر، آية: ٤٨] » (٢) . [عقيدتهم في اليوم الآخر والجنة والنار والرؤية] عقيدتهم في اليوم الآخر والجنة والنار والرؤية ويؤمنون باليوم الآخر وأحواله ومشاهده كما ثبت في النصوص. قال الإمام: «وأعتقد الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فأومن بفتنة القبر ونعيمه، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد، فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلًا تدنو منهم الشمس، وتنصب الموازين وتوزن بها أعمال العباد، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون، وتنشر الدواوين فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله» (٣) . وقال الإمام: «وأومن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان، وأنهما لا يفنيان» (٤) .

стр. 123

[عقيدتهم في الرؤية] عقيدتهم في الرؤية وقال: «وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته» (١) . [عقيدتهم في القدر] عقيدتهم في القدر وفي القدر هم على ما كان عليه السلف الصالح أهل السنة والجماعة. قال الإمام «وأومن بأن الله فعال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المقدور ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور» (٢) . وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن: «وأن الله تعالى قد علم الأشياء قبل وجودها إجمالًا وتفصيلًا وعلم ما يتعلق بها، وقدَّر في الأزل لكل شيء قدرا، فلا يزيد ولا ينقص، ولا يتقدم ولا يتأخر، وأنه لا يوجد شيء إلا بإرادة الله ومشيئته، والله بكل شيء عليم، وما قدر الله يكون، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن» (٣) . ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في القدر: «ونعتقد أن الخير والشر كله بمشيئة الله تعالى، ولا يكون في ملكه إلا ما أراد فإن العبد لا يقدر على خلق أفعاله، بل له كسب مرتب عليه الثواب فضلًا والعقاب عدلا، ولا يجب على الله لعبده شيء» (٤) . [عقيدتهم في الأولياء وكراماتهم] عقيدتهم في الأولياء وكراماتهم كثرت مزاعم أهل البدع والأهواء ومفترياتهم على أهل السنة ومنهم الإمام محمد بن عبد الوهاب، وأتباعه حول موقفهم في الأولياء وكراماتهم، وسائرها تدور على الزعم

стр. 124

بأنهم يبغضون الأولياء وينتقصونهم ويؤذونهم، وأنهم ينكرون كراماتهم، والحق أن الأمر على خلاف ذلك، فإن أقوالهم وأفعالهم تثبت أنهم يحبون أولياء الله ويؤمنون بكراماتهم. يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب: «وأقر بكرامات الأولياء وما لهم من المكاشفات إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئًا ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله» (١) . وقال: «ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال» (٢) . ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: «ولا ننكر كرامات الأولياء، ونعترف لهم بالحق، وأنهم على هدى من ربهم، مهما ساروا على الطريقة الشرعية، والقوانين المرعية، إلا أنهم لا يستحقون شيئًا من أنواع العبادات، لا حال الحياة، ولا بعد الممات، بل يطلب من أحدهم الدعاء في حال حياته، بل ومن كل مسلم؛ فقد جاء في الحديث:» دعاء المرء المسلم مستجاب لأخيه «الحديث، وأمر ﷺ عمر، وعليا بسؤال الاستغفار من " أويس " ففعلا» (٣) . [عقيدتهم في أئمة المسلمين والسمع والطاعة] عقيدتهم في أئمة المسلمين والسمع والطاعة يقول الإمام: «وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه» (٤) . وقال: «وقد أمر رسول الله ﷺ بالسمع والطاعة لمن تأمر علينا ولو كان عبدًا حبشيًا» (٥) وقال مبينًا أن عدم السمع والطاعة لولاة الأمور من خصال الجاهلية: «وقد أمر

стр. 125

رسول الله ﷺ بالصبر على جور الولاة وأمر بالسمع والطاعة لهم والنصيحة، وغلظ في ذلك، وأبدى فيه وأعاد» (١) . وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن: «ونرى وجوب السمع والطاعة، لأئمة المسلمين، برهم، وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية، ونرى هجر أهل البدع، ومباينتهم، ونرى أن كل محدثة في الدين، بدعة» (٢) . وكذلك عقيدتهم في الجهاد مع أئمة المسلمين، فإنهم يلتزمون في ذلك وصية النبي ﷺ ، وما عليه السلف الصالح، من مشروعية الجهاد مع ولاة المسلمين أبرارًا كانوا أو فجارا. قال الإمام: «وأرى الجهاد ماضيًا مع كل إمام برا كان أو فاجرا، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة» (٣) . أما ما يثار على الدعوة من دعوى الخروج على الدولة التركية فقد ناقشته في مبحث مستقل (٤) . [موقفهم من عموم المسلمين] موقفهم من عموم المسلمين يعتقدون أن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ فهو المسلم له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، أما من لا يقر بالشهادتين، أو أتى بما ينافيهما فليس بمسلم. فلا يكفرون المسلم ولا يخرجونه من دائرة الإسلام إلا إذا أتى بناقض من نواقض الإسلام كالشرك، والاستهزاء بالله أو برسوله ﷺ أو بالدين، أو نحو ذلك مما قام الدليل على أنه من نواقض الإسلام وموجبات الردة، ويترحمون على أموات المسلمين، ولا يشهدون لأحد منهم بالجنة أو النار إلا من جاء به النص الصحيح. ويؤدون واجب النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم.

стр. 126

قال الشيخ الإمام: «وإني لا أعتقد كفر من كان عند الله مسلما، ولا إسلام من كان عند الله كافرًا» (١) . قال الإمام: «ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة أو نار إلا من شهد له رسول الله ﷺ ، ولكني أرجو للمحسن وأخاف على المسيء» (٢) . ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: «ونحن نقول فيمن مات - يعني من المسلمين - تلك أمة قد خلت» (٣) . [عقيدتهم في مرتكبي الكبيرة] قولهم في مرتكب الكبيرة وهم في مسألة مرتكب الكبيرة يلتزمون الدليل (القرآن وما صح من السنة) ومنهج السلف الصالح. ويعتقدون أن التكفير من الأحكام الشرعية التي مردها إلى الكتاب والسنة فلا يرون تكفير مسلم بقول أو فعل، ما لم يدل دليل شرعي على ذلك، ولا يلزم عندهم من إطلاق حكم الكفر على قول أو فعل ثبوت موجبه في حق المعين، إلا إذا تحققت الشروط وانتفت الموانع. والتكفير من أخطر الأحكام فيوجبون التثبت والحذر من تكفير المسلم. إذ يرون أن الكفر الوارد ذكره في الألفاظ الشرعية قسمان: أكبر مخرج من الملة، وأصغر غير مخرج من الملة، ويسمى أحيانًا بالكفر العملي، أو كفر دون كفر. وعليه فإنهم يعتقدون أن مرتكب الكبير التي دون الكفر والشرك لا يخرج من الإيمان، فهو في الدنيا مؤمن ناقص الإيمان، وفي الآخرة تحت مشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، والموحدون كلهم مصيرهم إلى الجنة وإن عذّب منهم بالنار من عذب، ولا يخلد أحد منهم فيها قط. وما اتهموا به من التكفير ونحوه فهو من البهتان والجهل من خصومهم بحقيقة منهجهم. وقد أفردت لهذه الفرية بحثًا مستقلًا فليراجع (٤) .

стр. 127

يقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف حسن: «ونؤمن بآيات الوعيد، والأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، ولا نقول بتخليد أحد من المسلمين من أهل الكبائر في النار، كما تقول الخوارج والمعتزلة لما ثبت عن النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة في أنه يخرج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وإخراجهم من النار، بشفاعة نبينا محمد ﷺ فيمن يشفع له من أهل الكبائر من أمته، وشفاعة غيره من الملائكة والأنبياء، ولا نقف في الأحكام المطلقة، بل نعلم أن الله يدخل النار من يدخلها من أهل الكبائر، وآخرون لا يدخلونها لأسباب تمنع من دخولها، كالحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، ونحوها» (١) . [عقيدتهم في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] عقيدتهم في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يرون الجهاد من فرائض الدين، وأنه قائم وماض إلى قيام الساعة كما أخبر بذلك النبي ﷺ «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (٢) كما يرون الجهاد مع ولاة الأمر أبرارًا كانوا أو فجارًا كما سبق بيانه. قال الإمام: «والجهاد ماض منذ بعث الله محمدًا ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل» (٣) . ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن: «ونرى الجهاد مع كل إمام برًا كان أو فاجراً، منذ بعث الله محمدًا ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال» (٤) . وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شعائر الدين وواجباته عندهم كما جاءت به النصوص. قال الإمام: «وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه

стр. 128

الشريعة المحمدية الطاهرة» (١) . وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف: «ونرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على كل قادر بحسب قدرته واستطاعته بيده، فإن تعذر فبلسانه، فإن تعذر فبقلبه، كما في الحديث الصحيح، عن النبي ﷺ أنه قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (٢) (٣) . [قولهم في الاجتهاد والتقليد] قولهم في الاجتهاد والتقليد ومنهجهم في مسألة الاجتهاد والتقليد لا تخرج عما كان عليه علماء السلف كالأئمة الأربعة وغيرهم، فيرون الاجتهاد سائغ بشروطه، والتقليد لمن لم يقدر على الاجتهاد، وأن الحق مع الدليل ولا معصوم إلا الرسول ﷺ . يقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: «ونحن أيضا في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ولا ننكر على من قلد أحد الأئمة الأربعة دون غيرهم، لعدم ضبط مذاهب الغير الرافضة، والزيدية، والإمامية، ونحوهم، ولا نقرهم ظاهرًا على شيء من مذاهبهم الفاسدة، بل نجبرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة. ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق، ولا أحد لدينا يدعيها، إلا أننا في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي من كتاب، أو سنة غير منسوخ، ولا مخصص، ولا معارض بأقوى منه، وقال به أحد الأئمة الأربعة، أخذنا به وتركنا المذهب، كإرث الجد والإخوة، فإنا نقدم الجد بالإرث، وإن خالف مذهب الحنابلة (٤) . ولا نفتش على أحد في مذهبه، ولا نعترض عليه، إلا إذا اطلعنا على نص جلي، مخالفًا لمذهب أحد الأئمة، وكانت المسألة مما يحصل بها شعار ظاهر، كإمام الصلاة، فنأمر

стр. 129

الحنفي، والمالكية مثلا بالمحافظة على نحو الطمأنينة في الاعتدال، والجلوس بين السجدتين، لوضوح دليل ذلك، بخلاف جهر الإمام الشافعي بالبسملة، فلا نأمره بالإسرار، وشتان ما بين المسألتين، فإذا قوي الدليل أرشدناهم بالنص، وإن خالف المذهب، وذلك يكون نادرًا جدا ولا مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض، فلا مناقضة لعدم دعوى الاجتهاد، وقد سبق جمع من أئمة المذاهب الأربعة، إلى اختيارات لهم في بعض المسائل، مخالفين للمذهب، الملتزمين تقليد صاحبه» (١) . وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب في ذلك: «وأما ما ذكرتم من حقيقة الاجتهاد، فنحن مقلدون الكتاب والسنة، وصالح سلف الأمة، وما عليه الاعتماد، من أقوال الأئمة الأربعة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وأحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى» (٢) . ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن: «وأما مذهبنا فمذهب الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة، في الفروع، والأحكام، ولا ندعي الاجتهاد، وإذا بانت لنا سنة صحيحة، عن رسول الله ﷺ عملنا بها، ولا نقدم عليها قول أحد، كائنًا من كان، بل نتلقاها بالقبول والتسليم؛ لأن سنة رسول الله ﷺ في صدورنا أجل وأعظم من أن نقدم عليها قول أحد، فهذا الذي نعتقده وندين الله به، فمن نسب عنا خلاف ذلك، أو تقول علينا ما لم نقل، فعليه لعنة الله، والملائكة والناس أجمعين» (٣) . [موقفهم من البدع وأهلها] موقفهم من البدع وأهلها ويرون أن «كل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة» (٤) كما ثبت عن النبي ﷺ ، وأنه يجب رد البدعة والإنكار على أهلها، وهجر من يصر عليها.

стр. 130

قال الإمام: «وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر وأكل سرائرهم إلى الله، وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة» (١) . وقال في رسالته إلى علماء الإسلام: «وجب اتباع سنة رسول الله ﷺ وترك البدع وإن اشتهرت بين أكثر العوام وليعلم أن العوام محتاجون إلى كلام أهل العلم في تحقيق هذه المسائل» (٢) . وقد كان من أهم بواعث قيام الدعوة محاربة البدع بكل أنواعها وأشكالها وتخليص قلوب المسلمين وعباداتهم وأعمالهم من أوضار البدع التي حرفتهم عن حقيقة الدين وفرقتهم إلى فرق وطرق ومذاهب ومناهج متعادية وأوقعت بينهم العداوة والبغضاء، وكثير منهم في الشركيات والكبائر حتى سارت مظاهر البدعة والشركيات في كثير من بلاد المسلمين. وبعد: فهذه عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه، وهذا منهجهم في الدين، الذي هو بحذافيره منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة ومن سلك سبيلهم ولم يبتدع ولم يبدل. وبهذا تسقط مزاعم المفترين حين يعيرونهم بالوهابية، وحين يزعمون أنهم مذهب خامس، أو خوارج، أو نحو ذلك من البهتان.

стр. 131

[الفصل الثالث أهم المزاعم والاتهامات التي أثارها الخصوم ضد الدعوة وإمامها] [المبحث الأول تمهيد] [حقيقة الصراع بين الدعوة وخصومها] الفصل الثالث أهم المزاعم والاتهامات التي أثارها الخصوم ضد الدعوة وإمامها المبحث الأول تمهيد حقيقة الصراع بين الدعوة وبين خصومها: إن خصوم هذه الدعوة الإصلاحية المباركة إنما كانوا دائمًا (في كل زمان، وكل مكان) وفي كل أمة هم خصوم الأنبياء والدعاة والمصلحين، وهم خصوم السنة وأهلها، وخصوم السلف الصالح، من أهل الأهواء، والبدع والافتراق والجهل والحسد، كما قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] [سورة الأنعام، آية: ١١٢] ، وكذلك الحال مع ورثة الأنبياء وهم العلماء الدعاة المصلحون. إن الصراع بين الدعوة وبين خصومها لم يكن في حقيقته صراعًا سياسيًا ولا ماديا، ولا صراعًا على المصالح الدنيوية أيا كان نوعها (وإن كانت هذه الأمور من أسبابه) . إنما كان صراعًا عقديًا بالدرجة الأولى، ومظاهر الصراع السياسي وغيره جاءت تباعا؛ لأن الدعوة أعلنت نشر التوحيد والسنة، ومحاربة الشركيات والبدع السائدة وأعلنت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود، وتحقيق العدل ورفع الظلم، والعمل بشرع الله في أمور الحياة وسعت إلى نشر العلم، ومحاربة الجهل والدجل والسحر والفساد. فقد انطلقت الدعوة من قاعدة ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] [سورة النحل، آية: ٣٦] ، وهذا يتصادم مع عقائد أهل البدع والأهواء والافتراق، والمنتفعين من شيوع البدع والجهل والتخلف. هذه هي الحقيقة ولا شك. وكل رسائل الدعوة وكتبها وأعمالها وتعاملاتها تدور على هذا الأصل: العودة للإسلام والسنة، كما هي في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسيرة السلف الصالح، نقية صافية من شوائب الشركيات والبدع والأهواء والجهالات والطرق والفرق. وهذا منبع الخلاف ومنشأ الصراع. نعم، لقد واجهت هذه الدعوة المباركة إمامها وعلماؤها وقادتها ودولتها، وأتباعها وأنصارها ومؤيدوها حيثما كانوا - ولا تزال تواجه - أصنافًا من الخصوم، وأنواعًا من التحديات والمفتريات والدعايات المضادة والخصومات. فهي - كأي دعوة وحركة إصلاحية جادة - قد اصطدمت بقوى وتحديات وعقبات كبرى ومكائد عظيمة، وخصوم أقوياء، وأعداء أشداء من ديانات وفرق ومذاهب، ودول

стр. 132

وجماعات، وعلماء ورؤساء وأمراء، بل وغوغاء وجهلة. ومع ذلك كله كانت هذه الدعوة - حين قامت على الحق والعدل - تنتصر وتنتشر، فقد قاوم إمامها وعلماؤها وأتباعها وأمراؤها كل هذه التحديات، بقوة الإيمان واليقين والعلم والحلم، والصبر والثبات. وإن الواقع ليشهد أن هذه الدعوة - رغم التحديات الكبيرة - كانت تظهر وتعلو وتؤتي ثمارها الطيبة حتى في فترات ضعف السلطة، بل وفي البلاد التي لا توجد فيها لها سلطان ولا قوة حين لا تملك إلا قوة الحجة، وما ذلك إلا لأنها تمثل الإسلام الحق الذي كتب الله له البقاء والظهور إلى قيام الساعة، ولأنها تملك عوامل البقاء والثبات ومقومات القوة والنصر، ولأنها تستمد القوة من نصرها لدين الله دين الحق والعدل، ومن وعد الله تعالى لكل من نصر هذا الدين كما قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] [سورة الحج، آية: ٤٠] . ولأنها كانت تخاطب العقول السليمة والفطرة المستقيمة، والقلوب الواعية المتجردة من الهوى. [عدم التكافؤ المادي بين الدعوة وخصومها] عدم التكافؤ المادي بين الدعوة وبين خصومها إن انتصار الدعوة وانتشارها وقيام دولتها مهيبة شامخة مع عدم التكافؤ بين إمكاناتها وإمكانات خصومها دليل كافٍ على ما تحمله من الحق والعدل. لقد تهيأ لخصوم الدعوة والمعارضين لها من الإمكانات والوسائل والقوى، والإغراءات والأسباب المادية، للهجوم على الدعوة ما لا تملك الدعوة منه إلا اليسير سوى القوة المعنوية، لا سيما في أول عهدها. فكان الخصوم يستعدون دولة كبرى وهي الدولة التركية التي ساندت المناوئين للدعوة في أول الأمر ثم تحولت إلى خصم لدود للدعوة في نهاية المطاف، وأعلنت الخصومة المذهبية والعقدية والسياسية، والحرب العسكرية على الدعوة وأهلها؛ لأن الدولة التركية في آخر عهدها تبنت البدع ودانت بالتصوف والقبورية، وهذا التوجه لا شك أنه معاكس لمنهج الدعوة الإصلاحية التي تقوم على تصحيح العقيدة والعبادة وتحارب التصوف والقبورية.

стр. 133

وكذلك أمراء الحجاز وهم خصومٌ أَلِدَّاء للدعوة وأتباعها كانوا يملكون من الوسائل ما لا تملكه الدعوة في أول عهدها. وكانت دعايتهم المضادة للدعوة تنطلق من مكة التي يؤمها المسلمون من كل مكان. ومن وراء أولئك وهؤلاء شيوخ الفرق والطرق وأتباعها، وأصحاب المطامع والشهوات والأهواء، وأعداء الإسلام من الكافرين والمنافقين، الذي يرهبونه، ويكيدون للدين وأهله، الذين قال الله فيهم وهو سبحانه العليم الخبير ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨] [سورة آل عمران، الآية: ١١٨] . فالدولة التركية، وأمراء الأقاليم المجاورة وأصحاب الطرق والفرق، وأعداء الإسلام كانوا كلهم يملكون من القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية، ووسائل النشر والإعلام الشيء الكثير، في حين أن الدعوة ودولتها لا تملك من ذلك إلا القليل (كما أسلفت) . فمن مكة (مثلا) في عهد الأشراف والأتراك كانت تنطلق الشائعات الكاذبة، والمفتريات شفاهًا وبالكتب والرسائل وغيرها ضد الدعوة، إلى كل مكان وبسرعة مذهلة، ثم كانت وسائل الإعلام تنشر هذه المفتريات وكأنها حقائق في كل بقاع الدنيا، وكون هذه الشائعات والمفتريات تصدُر من مكة والمدينة، ومن أشراف، وتؤيدها السلطة التركية، هذه الأمور كافية عند عامة المسلمين البسطاء؛ لأن تُصَدَّق دون مناقشة. ووسائل الإعلام والنشر خارج العالم الإسلامي كثيرًا ما تعتمد ذلك دون تثبُّت ولا روَّية. بل كان أمراء الحجاز وأمراء الأحساء ومن شاكلهم حريصين على كل ما يقضي على الدعوة ودولتها الفتية الناشئة في مهدها بما في ذلك استعمال القوة العسكرية، والحرب الإعلامية، واستثارة عواطف الجهلة والغوغاء، وأصحاب المطامع، والمحجوبين عن الحقائق من العلماء والمفكرين وغيرهم. يقول الدكتور عبد الله الصالح العثيمين تحت عنوان: «موقف القوى المحيطة بنجد من الدولة السعودية الأولى» : «كان متوقعًا أن تهتم جهات متعددة بالتطورات

стр. 134

السريعة التي حدثت في نجد إثر ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقيام الدولة السعودية على أساسها، وكان أهم تلك الجهات أشراف مكة وزعماء بني خالد، وكان زعماء بني خالد أكثر التصاقًا بالأحداث الجارية في نجد؛ لأنهم أقرب جغرافيًا إلى مركز تلك الأحداث من أشراف مكة، ولأن نفوذهم في إقليم العارض الذي انطلق منه دعوة الشيخ محمد كان أقوى من نفوذ أولئك الأشراف؛ بل كان النفوذ الوحيد الموجود حينذاك» . «لقد اتخذ أشراف مكة موقفًا عدائيًا من دعوة الشيخ محمد والدولة السعودية على حدٍّ سواء منذ البداية. فقد سجن أحد أولئك الأشراف الحجاج التابعين للدولة السعودية سنة (١١٦٢هـ) (١) . وأصدر قاضي الشرع في تلك البلدة المقدسة فتوى بتكفير الشيخ محمد وأتباعه (٢) . ولذلك مُنِعوا من أداء الحج سنوات طويلة (٣) . وكم كانت فرحة الشيخ عظيمة عندما تلقى رسالة من الشريف أحمد بن سعيد عام (١١٨٥هـ) ، طالبًا منه بعث عالم نجدي لشرح الدعوة التي نادى بها. وقد أرسل إليه الشيخ تلميذه عبد العزيز الحُصيِّن. وبعث معه رسالة تنبئ عبارتها بما كان يختلج في نفسه من مشاعر طيّبة تجاه ذلك الشريف، وما كان يملأ جوانحه من آمال في مناصرته لدعوة الحق. قال الشيخ: «بسم الله الرحمن الرحيم. المعروض لديك، أدام الله فضل نِعَمه عليك، حضرة الشريف أحمد بن الشريف سعيد - أعزَّه الله في الدارين، وأعزَّ به دين جدِّه سيِّد الثقلين - أن الكتاب لما وصل إلى الخادم وتأمَّل ما فيه من الكلام الحسن رفع يديه بالدعاء إلى الله بتأييد الشريف لما كان قصده نصر الشريعة المحمدية ومن تبعها، وعداوة من خرج عنها. وهذا هو

стр. 135

الواجب على ولاة الأمور ... فلا بدَّ من الإيمان به - أي بالنبي ﷺ ولا بد من نصرته لا يكفي أحدهما عن الآخر. وأحقُّ الناس بذلك وأولاهم أهل البيت الذين بعثه الله منهم، وشرَّفهم على أهل الأرض. وأحقُّ أهل البيت بذلك من كان من ذريته ﷺ » (١) . على أن هذه الرسالة اللطيفة لم تُجن منها الثمار المرجوَّة. ذلك أن الشريف أحمد نفسه لم يبق في الحكم أكثر من سنة (٢) . فتلاشى ما دار في ذهن الشيخ من أمل، واستمر منع أنصاره من أداء الحج. ومع مرور الأيام لم يكتف أشراف مكة بذلك المنع؛ بل بدءوا بمهاجمة الأراضي النجدية التابعة للدولة السعودية عام (١٢٠٥هـ م) (٣) . وكانت النتيجة أن انتصر السعوديون في نهاية المطاف على أولئك الأشراف حتى دخلت الحجاز تحت حكمهم (٤) . ولم يكن موقف زعماء بني خالد من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والدولة السعودية أقلَّ عداوة من موقف أشراف مكة» (٥) . إن الدعوة لم تكن تملك (في مراحلها الأولى) من وسائل الإغراء ما يملكه خصومها من المال والجاه والمنافع المادية، وبهارج الدنيا وزينتها ما يرغب الناس فيها، ويجذب النفعيين والغوغاء، وأصحاب المطامع إليها، لكنها بالمقابل كانت تملك الجاذبية الفطرية، جاذبية الإيمان والتوحيد، والحق والبرهان والعقل السليم، والدين القويم. وتلكم والله مقومات السعادة الحقيقية التي تنشدها البشرية، والتي من تذوقها تشبث بها، وبذل أغلى ما يملك فداءً لها. وهذه الجاذبية الساحرة هي السر الذي جعل من تأثر بهذه الدعوة (بالإسلام الحق) يتميز بالقوة والثبات والتضحية في سبيل الله.

стр. 136

ولعل هذا هو السبب في أن بعض المبتدئين والأعراب وقليلي الفقه يكون عندهم شيء من الاندفاع والحماس غير المنضبطين حين لا يلتزم صاحبه بالحكمة والفقه في الدين والرجوع إلى أهل الذكر والعلم والتجربة. [حقيقة المفتريات والاتهامات ضد الدعوة] حقيقة المفتريات والتهم ضد الدعوة: إن إحساس خصوم الدعوة بقوتها وسرعة تأثيرها، وعمق أثرها، واستجابة الناس لها، وما تملكه من الدليل والبرهان جعلهم يبادرون إلى مقاومتها والصد عنها بكل الوسائل. وكان أقوى سلاح رموها به استعداء الآخرين عليها من القريبين والبعيدين، واستباحة الكذب والبهتان والتلبيس في نشر الدعاية ضدها. كما أن المفتريات التي أثيرت حول الدعوة وإمامها وعلمائها ودعاتها ودولتها وأتباعها لا تصمد أمام التمحيص والموضوعية والبحث العلمي المتجرد. فهي تراكمات من الشائعات والأكاذيب والمفتريات والبهتان الذي لا يصبر عليه الموافق، ولا يقره المنصف، ولا يثبت أمام الدليل وينفيه الواقع فهو إما من الكذب والافتراء، والشتم واللمز. - أو من اللوازم التي لا تلزم. - أو من الحق الذي ألبس بالباطل. - أو من زلات بعض المنتسبين للدعوة أو المنسوبين لها بغير حق. - أو من الحكم على الضمائر والقلوب مما لا يعلمه إلا علاَّم الغيوب – . وسأبين شيئًا من ذلك في البحث التالي:

стр. 137

[المبحث الثاني أبرز المفتريات والتهم التي رميت بها الدعوة إجمالاً] [وصفهم بالوهابية] المبحث الثاني أبرز المفتريات والتهم التي رميت بها الدعوة وأتباعها إجمالًا (١) ١ - وصفهم بالوهابية: إن وصف خصوم الدعوة لها ولإمامها وأتباعها بالأوصاف المشينة والألقاب الشنيعة، وإلصاق التهم والمفتريات، والهمز واللمز والسّخرية منهم ومن أقوالهم وأعمالهم. كل ذلك من الظلم والباطل وهو راجع إلى اختلال الموازين، وخلل المناهج لدى المخالفين والناقدين، فأكثر ما ذموهم به، أو أطلقوه عليهم من الأوصاف إن لم يكن من الكذب والبهتان وهو الغالب فهو من التلبيس والتضليل أو المبالغات، أو الجهل بالحق وأدلته. فقد عيّروهم بالوهابيين لإيهام الناس بأنهم جاءوا بمذهب جديد مبتدع. [رميهم بالتجسيم] ٢ - رميهم بالتجسيم: ووصفوهم بأنهم (مجسمة) لأنهم يثبتون الصفات لله تعالى كما جاءت في نصوص القرآن والسنة وكما أثبتها السلف الصالح، وهذا هو الحق لكن المخالفين صوروه بصورة الباطل لهؤلاء الخصوم على منهج الجهمية في التعطيل والتأويل، الذين يسمون الإثبات تجسيما. [بهتانهم بالتنقص من حق النبي ﷺ ] ٣ - بهتانهم بتنقص النبي ﷺ وبغض الأولياء: وبهتوهم بتنقص النبي ﷺ وبغضه، أو بغض الأولياء حين أنكروا بدع الموالد وإطراء النبي ﷺ ، وحين أزالوا بدع القبور، ونهوا عن دعاء غير الله تعالى والحلف بغير الله ونحو ذلك، مما هو في حقيقة الأمر تعظيم لقدر النبي ﷺ وامتثال لسنته، وتكريم للأولياء والصالحين. [اتهامهم بالتشدد] ٤ - اتهامهم بالتشدد: ورموهم بالتزمت والتشدد حين أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وأقاموا شعائر الدين؛ لأن أهل الأهواء لا يريدون أن تنكر عليهم منكراتهم وبدعهم أو يُصَدُّون عن شهواتهم.

стр. 138

[اتهامهم بالتكفير والقتال] ٥ - اتهامهم بالتكفير واستحلال القتال: ولما ظلموهم وقاتلوهم؛ هبوا للدفاع عن أنفسهم ودينهم ودولتهم وحقوقهم، إلى أن صار لهم كيان وقامت لهم دولة تنشر السنة، وتحارب الشركيات والبدع، وتنصر المسلمين وتقيم العدل، وتحكم بالشرع، بعد ذلك، اتهمهم خصومهم بالقتال والتكفير والتشدد ونحو ذلك من الأوصاف التي هي إلى المدح والتزكية أقرب منها إلى الذم والتجريح؛ لأنهم حين قاتلوا ابتداء قاتلوا دفاعًا عن أنفسهم وعن دعوة الحق حتى صارت لهم دولة وكيان يحمون به حقوقهم ودينهم ومصالحهم. وحين تمسكوا بالدين وأخذوا بالسنة فهذا أمر ممدوح وإن سماه خصومهم والجاهلون تشدداً. فالعبرة بالمضامين والحقائق لا بالألفاظ التي يتلاعب بها الشياطين. [دعوى معارضة علماء المسلمين لهم] ٦ - دعوى معارضة علماء المسلمين وعقلائهم لها: ومما يثار على الدعوة من قبل خصومها والجاهلين بحقيقتها، أن بعض العلماء والصالحين، وبعض العقلاء الأقربين قد عارضوها، مع أن بعضهم كان قد وافق الإمام في أول دعوته، ثم عارضه أو تخلى عنه. فأقول: أولًا ليس شرطًا في صحة الدعوة وسلامتها موافقة كل العلماء والأمراء والعقلاء والصالحين. فقد تصرفهم عنها الصوارف التي تعتري البشر، من الأهواء والحسد، والخوف، والشهوات، والشبهات، والتلبيس، والاجتهاد الخاطئ، وغيرها من الصوارف. وثانيا: أن كثيرين من العلماء والصالحين والوجهاء والأمراء كانوا قد وافقوا الشيخ والإمام في أول دعوته، لكنها لما وصلت إلى مرحلة الصدع بالحق، ورفع الظلم والجهل والبدع والحزم والقوة، ولما رأوا الجد والتبعات التي تترتب على إعلان الحق والتصدي للباطل، تراجع بعضهم، وضعف آخرون، وتأثرت فئة ثالثة بالدعاية المضادة، واستجابت لضغوط الواقع، وإرجاف أهل الباطل، وسكت آخرون إيثارًا للعافية. وظهرت ردود الأفعال قوية عنيفة فلم يستطع الثبات أمام عواصفها إلا أولو العزم والصبر - وهم قليل - وتلك سنة الله في خلقه.

стр. 139

[دعوى مخالفة أكثرية المسلمين وأنهم مذهب خامس] ٧ - دعوى مخالفتها لأكثرية المسلمين وأنها مذهب جديد (أو خامس) : وإن من أكثر ما يثار على الدعوة ومنهجها وإمامها دعوى أنها تخالف الأكثرية من المسلمين وأنها مذهب جديد أو خامس. وهذه دعوى لا اعتبار لها في ميزان الشرع والعقل السليم والواقع كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] [سورة الأنعام، آية: ١١٦] . وقد أخبر النبي ﷺ أن هذه الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلا واحدة (١) . كما أن اعتبار الأغلبية في الدين خلاف السنن التي قامت عليها دعوة الأنبياء والمصلحين، فالعبرة بسلوك السبيل الحق، المتمثل بالقرآن والسنة ونهج السلف الصالح، والحق والعدل فحسب دون اعتبار لعدد السالكين أو الهالكين. كما أن الناظر في واقع المسلمين في العصور المتأخرة لا يجد للأكثرية مذهبًا معينًا فقد تنازعتهم المذاهب والفرق والبدع والطرق والاتجاهات والشعارات والحزبيات، هذا مع ضرورة الاحتفاظ بقاعدة: «أن الحق ما وافق السنة والسلف الصالح وإن كنت وحدك» وأعني بذلك أنا لو افترضنا - جدلًا - أن المسلمين اجتمع أكثرهم على مذهب يخالف السنة، فلا عبرة بذلك شرعا. وقد اعتمد إمام الدعوة مذهب الإمام أحمد بن حنبل رابع الأئمة الأربعة الذين ارتضتهم الأمة، ولم يأت بمذهب جديد كما زعموا. [دعوى تحريم التبرك والتوسل والشفاعة مطلقا] ٨ - دعوى منع التبرك والتوسل والشفاعة مطلقا: لما نهى علماء الدعوة من التوسلات البدعية، والتبرك البدعي، وكذلك الشركيات والبدع التي يسميها أهل الأهواء شفاعة، رموهم بأنهم يحرمون التوسل والتبرك والشفاعة مطلقا. وهذا كذب وبهتان. وقد بينت في موطن آخر من هذا البحث أن السلف الصالح أهل السنة والجماعة ومنهم أتباع هذه الدعوة يثبتون التبرك المشروع، والتوسل المشروع، والشفاعة الثابتة بمقتضى النصوص، ويدينون الله بذلك اعتقادًا وعملا. لكنهم يحاربون البدع والشركيات في ذلك كله.

стр. 140

[المبحث الثالث لماذا هذه المفتريات والاتهامات] [الحسد والخوف على السلطان والمصالح] المبحث الثالث * لماذا هذه المفتريات والتهم؟ عند التحقيق في دعاوى المناوئين وشائعات الخصوم، وغيرهم نجد أن الناس الذي ينقلون هذه الشائعات ويتداولونها ليس لديهم مستندًا علميًا على ما يشيعون أو يفترون، بل غالبًا إنما ينقل بعضهم عن بعض، ويتداولون المقولات، ويزيدون عليها، فحين تظهر فرية تطير بها الشياطين في الآفاق حتى تتشعب وتزداد إلى أن تصبح من الأساطير والملاحم الكبرى التي قد تصل إلى كتب ومصنفات مصدرها الخيالات والأوهام والشائعات واللوازم التي لا أصل لها. والله حسبنا ونعم الوكيل. ومن أهم أسباب ذلك: ١ - الحسد والخوف على السلطان والمصالح: ومما تجدر الإشارة إليه أن من أعظم ما استثار خصوم الدعوة سواء كانت خصومتهم مذهبية - وهو الغالب - وأعني بهم أهل الأهواء والبدع والافتراق - أو كانت خصومتهم دنيوية بسبب الحسد، أو الخوف على المصالح، أو من كانت خصومتهم سياسية، كل هؤلاء وغيرهم ممن عارضوا الدعوة ووقفوا ضدها، أو كرهوا ظهورها وانتشارها - إنما أزعجهم واستثارهم أن يكون للدعوة دولة وسلطان وإمارة وكيان سياسي، لا سيما وأن أول من احتضنها وهو الإمام محمد بن سعود وأحفاده كانت تتوفر فيهم صفات الزعامة والقيادة والسيادة، فكان ابن سعود يمتاز عن كثيرين ممن حوله بالدين والخلق والعدل والحنكة والحلم والصبر، وسداد الرأي، وسلامة المعتقد مما أكسبه السمعة الحسنة والذكر الطيب، وكثيرون من عقلاء الناس وساستهم يعرفون أن هذه هي مؤهلات التمكين والظهور بعد توفيق الله. ولا شك أن هذه المؤهلات القيادية أثارت غيرة الزعامات المجاورة وغير المجاورة وحسدهم، وخوفهم على مراكزهم ومصالحهم، فكانوا في طليعة المناوئين للدعوة وإمامها وأميرها ودولتها. وفي مقدمة هذا الصنف: المناوءون الأوائل الذين وقفوا ضد الحركة الإصلاحية وأثاروا العالم حول إمامها الشيخ محمد بن عبد الوهاب. فإنهم حين رأوا الحزم والجد من قبل الشيخ في نشر دعوة التوحيد وإزالة البدع والمنكرات وإقامة الحدود، شرعوا في استعداء الناس عليه ليس في نجد فحسب، بل قام

стр. 141

بعضهم بالمكاتبات والرسائل للعلماء والزعماء في سائر العالم الإسلامي، ولسلاطين الدولة العثمانية والأشراف. وقام آخرون بالرحلات إلى مواطن البدع واستنهض همم أهلها، واستعداهم على الدعوة وإمامها وأتباعها. ولعل من أكبر أسباب الدعاية المضادة للدعوة الإصلاحية السلفية، إزالتها للبدع الظاهرة والمنكرات المتفشية، فكلما وصلت إلى بلد أزالت القباب والمشاهد على القبور وهدمت الأضرحة التي يتجاوز بناؤها السنة وأزالت الأحجار والأشجار والمزارات البدعية، وأقامت الحدود، وقضت على المنكرات الظاهرة، وعلى كل مظاهر الدجل والسحر والشعوذة وأكل أموال الناس بالباطل وسائر المظالم. وهذا مما لا شك فيه أنه سيثير حفيظة أهل الباطل والمنكر والبدع، ويوقع في نفوسهم الهلع، وتنقطع به منافعهم ومصالحهم، ومنافع كثير من المرتزقين بالبدع والمنكرات والدجل من زعماء وشيوخ وسدنة ومزورين وعاملين وغيرهم كثير من الخاصة والعامة. وهذا من أكبر عوامل الإثارة ضد الدعوة وضد السنة إلى اليوم؛ لأنها تقضي على مظاهر الارتزاق بالشركيات والبدع والمنكرات وسائر أسباب الكسب الحرام، والجاه المشبوه، وتكشف ألاعيب الدجالين والمتاجرين بالدين. [اختلاف المناهج والمشارب] ٢ - اختلاف المناهج والمشارب: ومما يحسن التنبيه له - وهو مهم جدا - في إعطاء التصور العلمي الحقيقي في مسألة النزاع بين الدعوة وخصومها وما يثيرونه حولها من شبهات ومزاعم وانتقادات. ألا وهو اختلاف المناهج والمشارب، المتمثل بالاختلاف العقدي والمنهجي بين السنة وأهلها وبين البدعة وأهلها، فالإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه وكل من نهج نهج السنة والجماعة وطريق السلف الصالح يقررون السنة وينصرونها، ويجانبون البدع ويحاربونها. فالحق الذي يقولونه - وهو بيِّن - وأدلتهم من القرآن والسنة - وهي جليّة - غير معتمدة وغير مقبولة أصلًا عند أهل البدع؛ لأنهم تقوم مناهجهم ومصادرهم وأدلتهم واستدلالاتهم على غير منهج الحق، بل تقوم مصادرهم على التلفيق، ومناهجهم على التحريف، واستدلالاتهم على

стр. 142

التلبيس واتباع المتشابه كما قال الله سبحانه عنهم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] [سورة آل عمران، آية: ٧] . وعليه فلا نتوقع أن يكون الحق الذي يقول به أهل السنة عند أهل البدع مقبولا. ولا نتوقع أن يكون النهج الذي عليه أهل السنة عند أهل البدع مرضيا. إلا من وفقه الله للتجرد للحق، (فليس كل أهل البدع يتعمدون الباطل لكنهم قد يجهلون الحق) . أو من كان عليه الأمر ملتبسًا وهو يريد الحق أصلا، فقد يرجع للحق إذا انكشف له الأمر. أو من كان ضحية التضليل ودعاية السوء فتكشف له الحقيقة بعد البيان. أو من كان محايدًا يميل إلى العدل والإنصاف فينظر في دعاوى الطرفين. حتى يتبين له وجه الحق. إذًا فليس من شرط تحقيق الحق تسليم الخصم وإقراره به. ولكن معذرة إلى ربكم ولعلهم يرجعون. [كشف العوار] [دعوة إلى الإنصاف والموضوعية] ٣ - كشف العوار: مما لا شك فيه أنه بظهور الحق ينكشف الباطل، وبطلوع الشمس تنجلي ظلمات الليل، وبشيوع العلم يرتفع الجهل، وبإحياء السنن تموت البدع. وهذا ما حصل فعلًا عندما قامت هذه الدعوة الإصلاحية المباركة، فقد كشفت عوار أهل البدع والأهواء والافتراق، وأظهرت جهلهم وزيفهم، حين قامت على الدليل - القرآن والسنة - واعتمدت منهج السلف الصالح، ونشرت العلم والسنة، وحاربت الشركيات والبدع والخرافة والجهل، ولذلك تداعوا عليها من كل مكان وأجلبوا عليها بخيلهم ورجلهم ولا يزالون، لكنها لا تزال ولن تزال - بحول الله وقوته - ظاهرة بالحق منصورة تحقيقًا لوعد الله تعالى وخبر رسوله ﷺ «لا تزال طائفة في أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (١) .

стр. 143

* دعوة إلى الإنصاف والموضوعية: وإنا لندعو أولئك الذين يروجون هذه الاتهامات والدعاوى، والذين ينصرونها إلى التروي والإنصاف والموضوعية، ومن القواعد والأسس العلمية والموضوعية، والقواعد الجلية التي ندعو إليها كل من يريد أن يحاكم هذه الدعوة وأهلها أو يقومها ويسددها، أو ينظر في حقيقة مقالات خصومها فيها ودعاواهم حولها إلى: ١ - رد ما اختلف فيه خصوم الدعوة من المسلمين معها ومع أهلها إلى القاعدة المجمع عليها عند المسلمين وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] [سورة النساء، آية: ٥٩] أي إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وبالمنهج العلمي المعتبر عند مجتهدي الأمة، وهذا هو المنهج الذي سلكه إمام الدعوة وعلماؤها، فكانوا يعتمدون الدليل من القرآن والسنة وآثار سلف الأمة وأقوال علمائها كما سأبينه في مناقشة دعاوى الخصوم تفصيلا. ٢ - أن يكون الحكم عليها من خلال منهجها المعلن، قولًا وعملًا واعتقادا. من خلال منهج أئمتها وعلمائها ومؤلفاتهم ورسائلهم، وأقوالهم ومعاملاتهم التي عليها جملتهم. ٣ - أن لا يحكم عليها من أقوال خصومها دون تثبت؛ لأن الدعوة لها كيان وواقع ماثل للعيان في علمائها وأتباعها ودولتها ومجتمعها، وآثارها العلمية والعملية، مما يستدعى وجوب التثبت مما ينسبه إليها الآخرون من أقوال وأفعال ومواقف، فإن أكثره عند التحقيق لا يثبت، وما ثبت له وجه من الحق والعُذر. ٤ - يجب أن تكون النظرة في الحكم على الدعوة شاملة من جميع الزوايا والجوانب في الاعتقاد والقول والعمل والتعامل. لا من زاوية واحدة، ولا من تصرفات وأعمال ومواقف شاذة أو فردية، أو زلات عارضة، فإن العبرة بالأصول والمنهج، لا بالمفردات والجزئيات. ٥ - أن لا يحكم عليها بلوازم الأقوال والأفعال إلا حين تلتزمها، أو يثبت أن ذلك من منهجها بدليل قاطع. ٦ - يجب النظر في دفاعها عن الحق الذي تعلنه، فقد دافعت الدعوة عن مبادئها؛ إمامها ودولتها وعلماؤها وأتباعها ومؤيدوها، والمنصفون من العلماء وغيرهم، كلهم تصدوا للدفاع بالدليل والحجة والبرهان. ٧ - كما أن شهادات الآخرين لها بشتى أصنافهم - من المسلمين أو غيرهم - معتبرة وهي كثيرة

стр. 144

ومتنوعة من المسلمين وغير المسلمين، ومن مختلف الطوائف والشعوب، من علماء ومفكرين وأدباء وسياسيين ونحوهم. ٨ - ثم إنه ليس كل خلاف بين المتنازعين كأهل الدعوة وخصومهم - أو غيرهم - يكون معتبرًا ويعتد به شرعًا وعقلا. إنما العبرة بالموازين والقواعد الشرعية المستمدة من الأدلة الشرعية، (الوحي المعصوم) ، وبالبراهين العقلية المتفق عليها عند العقلاء. وهذا لا يمكن أن يكون عند المسلمين إلا بالرجوع إلى الكتاب وصحيح السنة على نهج السلف الصالح في التلقي والاستدلال، وفي العلم والعمل. ٩ - يجب على الناقد والناظر في حقيقة هذه الدعوة أن يضع بعين الاعتبار أنها واجهت في الأمة أمراضًا مزمنة، ومعضلات كبرى، وأدواء مستعصية تحتاج في إصلاحها إلى دعوة قوية، وهمم عالية، ومنهج شامل، وتغير جذري (هو تجديد السنة وإحياء ما أهمل منها، وحرب البدع ومظاهرها) . إن الدعوة واجهت قوى بدعية كبرى استشرت في جسم الأمة كالتصوف، والرفض، والتجهم، والمقابرية، والفرق المفترفة، والفلسفات، والشعوبية، والقبلية، والتقاليد والأعراف الموضوعة، والأطماع والشهوات والشبهات، والإعراض عن الدين، فمن هنا كانت ردود الأفعال والتحديات والمفتريات كبيرة كذلك. ١٠ - كما ينبغي للباحث المنصف أن يضع في اعتباره كذلك، أن الدعوة تعرضت لمظالم كبرى. أولها الكذب والبهتان، والاستعداء الظالم، والإعلام المرجف، ثم المحاصرة الدينية والاقتصادية والسياسية من قبل الخصوم المجاورين والبعيدين. إلى أن وصل الحال إلى منع اتباعها من الحج ومنعهم بالقوة من إبلاغ الدعوة وإظهار شعائر الدين والتوحيد وقتل دعاتهم وحبسهم وطردهم، بل وصل الأمر إلى تجييش الجيوش لقتالهم في دارهم وبلادهم الأولى (نجد) . ١١ - أن أكثر ما رميت به الدعوة من خصومها والجاهلين بحقيقها من المفتريات، هي عند التحقيق العلمي المتجرد بريئة منه. وحين نجد أنها بريئة منه؛ بالمقابل نجد أن هؤلاء الخصوم الذين بهتوها هم الواقعون بما افتروه على الدعوة، فهم كما يقال في المثل (رمتني بدائها وانسلت) . فالتكفير والتشدد والقتال، وتنقص حق الرسول ﷺ وإهانة الأولياء، والنصب والرفض، والتجسيم، والعدوان والظلم، والكذب والبهتان، والاستعداء والتضليل،

стр. 145

وكل ذلك حاصل من أهل البدع والأهواء والافتراق من خصوم الدعوة - ضدها بمختلف طوائفهم وأصنافهم وأزمانهم. ١٢ - أن في منهج إمام الدعوة وسيرته العلمية والعملية، وما كتبه وعمله هو وأتباعه من العلماء والحكام والمؤيدين، والمنصفين، في الدعوة وأصولها وآثارها، وفي الدين - ما يبطل دعاوى الخصوم ويفنِّد شبهاتهم، ويكشف حقيقة مفترياتهم، وزيف دعاواهم. ومما يؤكد هذه الحقيقة أن المتأمل لمفتريات الخصوم يجد أنها مع توافر كتب الدعوة ورسائلها لا تستند إلى دليل، ولا نقل موثق، ولا إسناد صحيح. وغاية ما عند الخصوم: قيل وقالوا، ويقال. وبالمقابل نجد كل دعوى وافتراء وبهتان قيلت عن الدعوة وإمامها وأهلها - قد ردها الإمام نفسه، وعلماء الدعوة وأنصارها، والمنصفون من غيرهم. وكتبهم ورسائلهم وحواراتهم ومواقفهم كلها مسطورة منشورة، وكذلك مؤلفات المنصفين والمحايدين ومقالاتهم كثيرة موفورة، وما قد يوجد من نقول الخصوم عن علماء الدعوة - وهو قليل - فلا يسلم من عوارض الخطأ والانحراف في الاستدلال من البتر، والتلبيس، والخلل في النقل أو في الحكم، أو النزاع فيما لا يوافق عليه المنازع، أو اتهام النيات، أو الإلزام بما لا يلزم. ونحو ذلك مما تنطوي عليه مناهج المخالفين من أهل الأهواء والبدع من الخلل والانحراف. [وقفة تأمل ومراجعة] وقفة تأمل ومراجعة: ومع ذلك فيجب أن نعترف أنه من الطبيعي أن تحدث من بعض المنتسبين للدعوة بعض الأخطاء والتجاوزات والزلات - كما ذكرت أكثر من مرة - التي لا تسلم منها أعمال البشر - وليس معصوم إلا النبي ﷺ (والكمال لله وحده سبحانه) لكن هذه الأخطاء ليست هي المنهج الذي تسير عليه الدعوة لأنها تنطلق في الإسلام نفسه، وتسير على السنة، والإسلام والسنة هما دين الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ومعلوم أن كل أمة، وكل مبدأ، وكل نظام إنما يكون الحكم له أو عليه من خلال أصوله وقواعده ومناهجه ونظمه وجملة الواقع الذي يعيشه أتباعه، لا بما يند عن ذلك من أقوال أو أفعال أو أحكام تخرج عن الأصل.
следующие страницы →