← Акыда

Акыда · id 30888

إسلامية لا وهابية

ناصر العقل

Полный текст (421 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بعضهم بالمكاتبات والرسائل للعلماء والزعماء في سائر العالم الإسلامي، ولسلاطين الدولة العثمانية والأشراف. وقام آخرون بالرحلات إلى مواطن البدع واستنهض همم أهلها، واستعداهم على الدعوة وإمامها وأتباعها. ولعل من أكبر أسباب الدعاية المضادة للدعوة الإصلاحية السلفية، إزالتها للبدع الظاهرة والمنكرات المتفشية، فكلما وصلت إلى بلد أزالت القباب والمشاهد على القبور وهدمت الأضرحة التي يتجاوز بناؤها السنة وأزالت الأحجار والأشجار والمزارات البدعية، وأقامت الحدود، وقضت على المنكرات الظاهرة، وعلى كل مظاهر الدجل والسحر والشعوذة وأكل أموال الناس بالباطل وسائر المظالم. وهذا مما لا شك فيه أنه سيثير حفيظة أهل الباطل والمنكر والبدع، ويوقع في نفوسهم الهلع، وتنقطع به منافعهم ومصالحهم، ومنافع كثير من المرتزقين بالبدع والمنكرات والدجل من زعماء وشيوخ وسدنة ومزورين وعاملين وغيرهم كثير من الخاصة والعامة. وهذا من أكبر عوامل الإثارة ضد الدعوة وضد السنة إلى اليوم؛ لأنها تقضي على مظاهر الارتزاق بالشركيات والبدع والمنكرات وسائر أسباب الكسب الحرام، والجاه المشبوه، وتكشف ألاعيب الدجالين والمتاجرين بالدين. [اختلاف المناهج والمشارب] ٢ - اختلاف المناهج والمشارب: ومما يحسن التنبيه له - وهو مهم جدا - في إعطاء التصور العلمي الحقيقي في مسألة النزاع بين الدعوة وخصومها وما يثيرونه حولها من شبهات ومزاعم وانتقادات. ألا وهو اختلاف المناهج والمشارب، المتمثل بالاختلاف العقدي والمنهجي بين السنة وأهلها وبين البدعة وأهلها، فالإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه وكل من نهج نهج السنة والجماعة وطريق السلف الصالح يقررون السنة وينصرونها، ويجانبون البدع ويحاربونها. فالحق الذي يقولونه - وهو بيِّن - وأدلتهم من القرآن والسنة - وهي جليّة - غير معتمدة وغير مقبولة أصلًا عند أهل البدع؛ لأنهم تقوم مناهجهم ومصادرهم وأدلتهم واستدلالاتهم على غير منهج الحق، بل تقوم مصادرهم على التلفيق، ومناهجهم على التحريف، واستدلالاتهم على

стр. 142

التلبيس واتباع المتشابه كما قال الله سبحانه عنهم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] [سورة آل عمران، آية: ٧] . وعليه فلا نتوقع أن يكون الحق الذي يقول به أهل السنة عند أهل البدع مقبولا. ولا نتوقع أن يكون النهج الذي عليه أهل السنة عند أهل البدع مرضيا. إلا من وفقه الله للتجرد للحق، (فليس كل أهل البدع يتعمدون الباطل لكنهم قد يجهلون الحق) . أو من كان عليه الأمر ملتبسًا وهو يريد الحق أصلا، فقد يرجع للحق إذا انكشف له الأمر. أو من كان ضحية التضليل ودعاية السوء فتكشف له الحقيقة بعد البيان. أو من كان محايدًا يميل إلى العدل والإنصاف فينظر في دعاوى الطرفين. حتى يتبين له وجه الحق. إذًا فليس من شرط تحقيق الحق تسليم الخصم وإقراره به. ولكن معذرة إلى ربكم ولعلهم يرجعون. [كشف العوار] [دعوة إلى الإنصاف والموضوعية] ٣ - كشف العوار: مما لا شك فيه أنه بظهور الحق ينكشف الباطل، وبطلوع الشمس تنجلي ظلمات الليل، وبشيوع العلم يرتفع الجهل، وبإحياء السنن تموت البدع. وهذا ما حصل فعلًا عندما قامت هذه الدعوة الإصلاحية المباركة، فقد كشفت عوار أهل البدع والأهواء والافتراق، وأظهرت جهلهم وزيفهم، حين قامت على الدليل - القرآن والسنة - واعتمدت منهج السلف الصالح، ونشرت العلم والسنة، وحاربت الشركيات والبدع والخرافة والجهل، ولذلك تداعوا عليها من كل مكان وأجلبوا عليها بخيلهم ورجلهم ولا يزالون، لكنها لا تزال ولن تزال - بحول الله وقوته - ظاهرة بالحق منصورة تحقيقًا لوعد الله تعالى وخبر رسوله ﷺ «لا تزال طائفة في أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (١) .

стр. 143

* دعوة إلى الإنصاف والموضوعية: وإنا لندعو أولئك الذين يروجون هذه الاتهامات والدعاوى، والذين ينصرونها إلى التروي والإنصاف والموضوعية، ومن القواعد والأسس العلمية والموضوعية، والقواعد الجلية التي ندعو إليها كل من يريد أن يحاكم هذه الدعوة وأهلها أو يقومها ويسددها، أو ينظر في حقيقة مقالات خصومها فيها ودعاواهم حولها إلى: ١ - رد ما اختلف فيه خصوم الدعوة من المسلمين معها ومع أهلها إلى القاعدة المجمع عليها عند المسلمين وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] [سورة النساء، آية: ٥٩] أي إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وبالمنهج العلمي المعتبر عند مجتهدي الأمة، وهذا هو المنهج الذي سلكه إمام الدعوة وعلماؤها، فكانوا يعتمدون الدليل من القرآن والسنة وآثار سلف الأمة وأقوال علمائها كما سأبينه في مناقشة دعاوى الخصوم تفصيلا. ٢ - أن يكون الحكم عليها من خلال منهجها المعلن، قولًا وعملًا واعتقادا. من خلال منهج أئمتها وعلمائها ومؤلفاتهم ورسائلهم، وأقوالهم ومعاملاتهم التي عليها جملتهم. ٣ - أن لا يحكم عليها من أقوال خصومها دون تثبت؛ لأن الدعوة لها كيان وواقع ماثل للعيان في علمائها وأتباعها ودولتها ومجتمعها، وآثارها العلمية والعملية، مما يستدعى وجوب التثبت مما ينسبه إليها الآخرون من أقوال وأفعال ومواقف، فإن أكثره عند التحقيق لا يثبت، وما ثبت له وجه من الحق والعُذر. ٤ - يجب أن تكون النظرة في الحكم على الدعوة شاملة من جميع الزوايا والجوانب في الاعتقاد والقول والعمل والتعامل. لا من زاوية واحدة، ولا من تصرفات وأعمال ومواقف شاذة أو فردية، أو زلات عارضة، فإن العبرة بالأصول والمنهج، لا بالمفردات والجزئيات. ٥ - أن لا يحكم عليها بلوازم الأقوال والأفعال إلا حين تلتزمها، أو يثبت أن ذلك من منهجها بدليل قاطع. ٦ - يجب النظر في دفاعها عن الحق الذي تعلنه، فقد دافعت الدعوة عن مبادئها؛ إمامها ودولتها وعلماؤها وأتباعها ومؤيدوها، والمنصفون من العلماء وغيرهم، كلهم تصدوا للدفاع بالدليل والحجة والبرهان. ٧ - كما أن شهادات الآخرين لها بشتى أصنافهم - من المسلمين أو غيرهم - معتبرة وهي كثيرة

стр. 144

ومتنوعة من المسلمين وغير المسلمين، ومن مختلف الطوائف والشعوب، من علماء ومفكرين وأدباء وسياسيين ونحوهم. ٨ - ثم إنه ليس كل خلاف بين المتنازعين كأهل الدعوة وخصومهم - أو غيرهم - يكون معتبرًا ويعتد به شرعًا وعقلا. إنما العبرة بالموازين والقواعد الشرعية المستمدة من الأدلة الشرعية، (الوحي المعصوم) ، وبالبراهين العقلية المتفق عليها عند العقلاء. وهذا لا يمكن أن يكون عند المسلمين إلا بالرجوع إلى الكتاب وصحيح السنة على نهج السلف الصالح في التلقي والاستدلال، وفي العلم والعمل. ٩ - يجب على الناقد والناظر في حقيقة هذه الدعوة أن يضع بعين الاعتبار أنها واجهت في الأمة أمراضًا مزمنة، ومعضلات كبرى، وأدواء مستعصية تحتاج في إصلاحها إلى دعوة قوية، وهمم عالية، ومنهج شامل، وتغير جذري (هو تجديد السنة وإحياء ما أهمل منها، وحرب البدع ومظاهرها) . إن الدعوة واجهت قوى بدعية كبرى استشرت في جسم الأمة كالتصوف، والرفض، والتجهم، والمقابرية، والفرق المفترفة، والفلسفات، والشعوبية، والقبلية، والتقاليد والأعراف الموضوعة، والأطماع والشهوات والشبهات، والإعراض عن الدين، فمن هنا كانت ردود الأفعال والتحديات والمفتريات كبيرة كذلك. ١٠ - كما ينبغي للباحث المنصف أن يضع في اعتباره كذلك، أن الدعوة تعرضت لمظالم كبرى. أولها الكذب والبهتان، والاستعداء الظالم، والإعلام المرجف، ثم المحاصرة الدينية والاقتصادية والسياسية من قبل الخصوم المجاورين والبعيدين. إلى أن وصل الحال إلى منع اتباعها من الحج ومنعهم بالقوة من إبلاغ الدعوة وإظهار شعائر الدين والتوحيد وقتل دعاتهم وحبسهم وطردهم، بل وصل الأمر إلى تجييش الجيوش لقتالهم في دارهم وبلادهم الأولى (نجد) . ١١ - أن أكثر ما رميت به الدعوة من خصومها والجاهلين بحقيقها من المفتريات، هي عند التحقيق العلمي المتجرد بريئة منه. وحين نجد أنها بريئة منه؛ بالمقابل نجد أن هؤلاء الخصوم الذين بهتوها هم الواقعون بما افتروه على الدعوة، فهم كما يقال في المثل (رمتني بدائها وانسلت) . فالتكفير والتشدد والقتال، وتنقص حق الرسول ﷺ وإهانة الأولياء، والنصب والرفض، والتجسيم، والعدوان والظلم، والكذب والبهتان، والاستعداء والتضليل،

стр. 145

وكل ذلك حاصل من أهل البدع والأهواء والافتراق من خصوم الدعوة - ضدها بمختلف طوائفهم وأصنافهم وأزمانهم. ١٢ - أن في منهج إمام الدعوة وسيرته العلمية والعملية، وما كتبه وعمله هو وأتباعه من العلماء والحكام والمؤيدين، والمنصفين، في الدعوة وأصولها وآثارها، وفي الدين - ما يبطل دعاوى الخصوم ويفنِّد شبهاتهم، ويكشف حقيقة مفترياتهم، وزيف دعاواهم. ومما يؤكد هذه الحقيقة أن المتأمل لمفتريات الخصوم يجد أنها مع توافر كتب الدعوة ورسائلها لا تستند إلى دليل، ولا نقل موثق، ولا إسناد صحيح. وغاية ما عند الخصوم: قيل وقالوا، ويقال. وبالمقابل نجد كل دعوى وافتراء وبهتان قيلت عن الدعوة وإمامها وأهلها - قد ردها الإمام نفسه، وعلماء الدعوة وأنصارها، والمنصفون من غيرهم. وكتبهم ورسائلهم وحواراتهم ومواقفهم كلها مسطورة منشورة، وكذلك مؤلفات المنصفين والمحايدين ومقالاتهم كثيرة موفورة، وما قد يوجد من نقول الخصوم عن علماء الدعوة - وهو قليل - فلا يسلم من عوارض الخطأ والانحراف في الاستدلال من البتر، والتلبيس، والخلل في النقل أو في الحكم، أو النزاع فيما لا يوافق عليه المنازع، أو اتهام النيات، أو الإلزام بما لا يلزم. ونحو ذلك مما تنطوي عليه مناهج المخالفين من أهل الأهواء والبدع من الخلل والانحراف. [وقفة تأمل ومراجعة] وقفة تأمل ومراجعة: ومع ذلك فيجب أن نعترف أنه من الطبيعي أن تحدث من بعض المنتسبين للدعوة بعض الأخطاء والتجاوزات والزلات - كما ذكرت أكثر من مرة - التي لا تسلم منها أعمال البشر - وليس معصوم إلا النبي ﷺ (والكمال لله وحده سبحانه) لكن هذه الأخطاء ليست هي المنهج الذي تسير عليه الدعوة لأنها تنطلق في الإسلام نفسه، وتسير على السنة، والإسلام والسنة هما دين الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ومعلوم أن كل أمة، وكل مبدأ، وكل نظام إنما يكون الحكم له أو عليه من خلال أصوله وقواعده ومناهجه ونظمه وجملة الواقع الذي يعيشه أتباعه، لا بما يند عن ذلك من أقوال أو أفعال أو أحكام تخرج عن الأصل.

стр. 146

[المبحث الرابع نماذج من المفتريات والاتهامات] [الأنموذج الأول والتعليق عليه] المبحث الرابع نماذج من المفتريات والاتهامات الأنموذج الأول وجوابه: ويمثل أخطر رسالة وأهمها في أول الدعوة في استعداء العالم الإسلامي على الدعوة وصاحبها وأتباعه. وهي رسالة سليمان بن محمد بن سحيم وهي بمثابة البرقية العاجلة الموجهه إلى سائر العلماء في العالم الإسلامي: «من الفقير إلى الله تعالى، سليمان بن محمد بن سحيم، إلى من يصل إليه من علماء المسلمين وخُدّام شريعة سيِّدِ ولَدِ آدم من الأولين والآخِرين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فالذي يحيط به علمُكم أنه قد خرج في قطرنا رجل مبتدعٌ جاهل، مُضِلٌّ ضال، من بضاعة العلم والتقوى عاطل (١) ؛ جرت منه أمور فظيعة، وأحوال شنيعة، منها شيء شاع وذاع، وملأ الأسماع، وشيء لم يتعدّ أماكننا بعد (٢) . فأحببنا نشر ذلك لعلماء المسلمين وورثَة سيِّد المرسَلين ليصيدوا هذا المبتدِع صيْدَ أحرار الصُّقور لصغار بُغَاث الطيور، ويردُّوا بِدَعَهَ وضلالته، وجهله وهفواته (٣) . والقصد من ذلك: القيام لله ورسوله، ونصرة الدين؛ جعلنا الله وإياكم من الذين يتعاونون على البر والتقوى. فمن بدعه وضلالته: أنه عمد إلى شهداء أصحاب رسول الله ﷺ الكائنين في الجُبَيْلَة: زيد بن الخطاب وأصحابه، وهدم قبورهم وبعثرها، لأجل أنهم من حجارة ولا يقدرون أن يحفروا لهم، فطووا على أضرحتهم قدْرَ ذراع ليمنعوا الرائحة والسباع، والدافع لهم خالد، وأصحاب رسول الله ﷺ (٤) .

стр. 147

وعمد أيضًا إلى مسجد في ذلك وهدمه، وليس داعٍ شرعي في ذلك إلا اتباع الهوى (١) . ومنها: أنه أحرق «دلائل الخيرات» لأجل قول صاحبها: سيدنا ومولانا وأحرق أيضًا «روض الرياحين» وقال: هذا روض الشياطين (٢) . ومنها: أنه صحّ عنه أن يقول: لو أقدر على حجرة الرسول هدمتُها، ولو أقدر على البيت الشريف أخذت ميزابه، وجعلت بدله ميزاب خشب (٣) . أما سمع وجه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] . ومنها: أنه ثبت أنه يقول: الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء. وتصديق ذلك أنه بعث إليَّ كتابا يقول فيه: أقرُّوا أنكم قبلي جُهَّال ضُلال (٤) . ومن أعظمها: أنّ من لم يوافقه في كل ما قال ويشهد أن ذلك حقٌّ، يَقْطْع بكفره، ومن وافقه وصدّقه في كل ما قال - قال: أنت موحِّد، ولو كان فاسقًا محضا، أو ماكسًا (٥) .

стр. 148

وبهذا ظهر أنه يدعو إلى توحيد نفسه لا إلى توحيد الله (١) . ومنها: أنه بعث إلى بلداننا كتابًا مع بعض دُعاته بخطِّ يده، وحلف فيه بالله أن علمه هذا لم يعرفه مشايخه الذين ينتسب إلى أخذ العلم منهم - في زعمه، وإلا فليس له مشايخ - ولا عرفه أبوه، ولا أهل «العارض» . فيا عجبًا إذا لم يتعلمه من المشايخ ولا عرفه أبوه ولا أهل قُطْره، فمن أين علمه؟ وعن من أخذه؟ هل أوحى إليه؟ أو رآه مناما؟ أو أعلمه به الشيطان؟ وحلفه هذا أشرف عليه جميع أهل العارض (٢) . ومنها: أنه يقطع بتكفير ابن الفارض وابن عربي (٣) . ومنها: أنه قاطع بكفر سادةٍ عندنا من آل الرسول، لأجل أنهم يأخذون النذور، ومن لم يشهد بكفرهم فهو كافر عنده (٤) . ومنها: أنه ثبت عنه لمّا قيل له: اختلافُ الأئمة رحمة؛ قال: اختلافهم نقمة (٥) . ومنها: أنه يقطع بفساد الوقف، ويكذِّب المروي عن رسول الله ﷺ وأصحابه أنهم وقفوا (٦) . ومنها: إبطال الجعالة على الحج (٧) . ومنها: أنه ترك تمجيد السلطان في الخطبة، وقال: السلطان فاسق لا يجوز تمجيده (٨) . ومنها: أنه قال: الصلاة على رسول الله ﷺ يوم الجمعة وليلتها هي بدعة وضلالة تَهْوِي بصاحبها إلى النار (٩) .

стр. 149

ومنها: أنه يقول: الذي يأخذه القضاة قديمًا وحديثًا - إذا قضوا بالحق بين الخصمين، ولم يكن بيت مال لهم ولا نفقة - إن ذلك رشوة (١) . هذا القول بخلاف المنصوص عن جميع الأمَّة: أن الرشوة ما أُخِذ لإبطال حقٍّ أو لإحقاق باطل، وأن للقاضي أن يقول للخصمين: لا أقضي بينكما إلا بجُعْل. ومنها: أنه يقطع بكفر الذي يذبح الذبيحة ويسمِّي عليها ويجعلها لله تعالى، ويدخل مع ذلك دفع شر الجن، ويقول: ذلك كفر واللحم حرام، فالذي ذكره العلماء في ذلك أنه مَنْهِيٌّ عنه فقط وذكره في حاشية «المنتهى» (٢) . فبيِّنوا رحمكم الله للعوامِّ المساكين الذي لبَّس عليهم، وأبطل عليهم الاعتقاد الصحيح، فإن رأيتم أن ذلك صواب فبيِّنُوه لنا ونرجع إلى قوله (٣) «وإن رأيتموه خطأ فادعوه وازجروه (٤) وبينوا للناس خطأه، فقد افتتن بسببه ناس كثير من أهل قُطْرنا، فتداركوا - رحمكم الله - الأمر قبل أن يرسخ في النفوس، فإن الجواب متعيِّنٌ على من وقف عليه ممن له معرفة بحكم الله ورسوله؛ لأن ذلك إظهار للحق عند خفائه، وإدحاض للباطل» (٥) . [جواب الإمام وابنه عبد الله على هذه المفتريات ونحوها] جواب الإمام وابنه عبد الله على هذه المفتريات ونحوها: ومما يكشف حقيقة هذا الرجل «ابن سحيم» وأمثاله هذه الرسالة القيمة التي بعثها الشيخ الإمام إليه ناصحًا وعاتبًا وموبخًا له وكاشفًا لحاله وما كان عليه من التناقض والاضطراب والكيد للدعوة وإمامها. ومما قال فيها: «فإن كان هذا قدر فهمك، فهذا من أفسد الأفهام، وإن كنت

стр. 150

تلبس به على الجهال، فلا أنت برابح» (١) . ثم قال مشفقًا على أولئك الجهال الذي يلبس عليهم ابن سحيم: «يعتقدون أنكم علماء، ونداريكم نود أن الله يهديكم ويهديهم، وأنت إلى الآن أنت وأبوك، لا تفهمون شهادة أن لا إله إلا الله» . «ونكشف لك هذا كشفًا بيناً، لعلك تتوب إلى الله، وتدخل في دين الإسلام، إن هداك الله» (٢) . ثم قال: «وكشف ذلك بوجوه: الوجه الأول: أنكم تقرون، أن الذي يأتيكم من عندنا هو الحق، وأنت تشهد به ليلًا ونهارا، وإن جحدت هذا، شهد عليك الرجال والنساء. ثم [مع] هذه الشهادة «أن هذا دين الله» أنت وأبوك: مجتهدان، وتبهتون وترمون المؤمنين بالبهتان العظيم، وتصورون على الناس الأكاذيب الكبار، فكيف تشهد أن هذا دين الله، ثم تتبين (٣) في عداوة من تبعه؟! الوجه الثاني: أنك تقول إني أعرف التوحيد، وتقر أن من جعل الصالحين وسائط، فهو كافر، والناس يشهدون عليك أنك تروح للمولد (٤) وتقرؤه لهم، وتحضرهم وهم ينخون (٥) ويندبون مشايخهم، ويطلبون منهم الغوث والمدد، وتأكل اللقم من الطعام المعد لذلك، فإذا كنت تقر: أن هذا كفر، فكيف تروح لهم، وتعاونهم عليه، وتحضر كفرهم؟! . الوجه الثالث: أن تعليقهم التمائم، من الشرك (٦) بنص رسول الله ﷺ وقد ذكر

стр. 151

تعليق التمائم صاحب الإقناع، في أول الجنائز، وأنت تكتب الحجب، وتأخذ عليها شرطًا حتى أنك تكتب لامرأة حجابًا لعلها تحبل، وشرطت لك أحمرين، وطالبتها تريد الأحمرين، فكيف تقول: إني أعرف التوحيد؟ وأنت تفعل هذه الأفاعيل؟ وإن أنكرت، فالناس يشهدون عليك بهذا. الوجه الرابع: أنك تكتب في حجبك طلاسم، وقد ذكر في الإقناع أنها من السحر، والسحر يكفر صاحبه، فكيف تفهم التوحيد، وأنت تكتب الطلاسم؟ وإن جحدت فهذا خط يدك موجود. الوجه الخامس: أن الناس فيما مضى، عبدوا الطواغيت، عبادة ملأت الأرض، بهذا الذي تقر أنه من الشرك، ينخونهم ويندبونهم، ويجعلونها وسائط، وأنت وأبوك تقولان نعرف هذا، ولكن ما سألونا، فإذا كنتما تعرفانه، كيف يحل لكما أن تتركا الناس يكفرون؟ ما تنصحانهم ولو ما سألوكما. الوجه السادس: أنّا لما أنكرنا عبادة غير الله، بالغتم في عداوة هذا الأمر وإنكاره، وزعمتم أنه مذهب خامس، وأنه باطل، وإن أنكرتم فالناس يشهدون عليكم بذلك، وأنتم مجاهرون به، فكيف تقولون هذا كفر، ولكن ما سألونا عنه؟ فإذا قام من يبين للناس التوحيد، قلتم إنه مغير الدين، وآت بمذهب خامس، فإذا كنت تعرف التوحيد، وتقر أن كلامي هذا حق، فكيف تجعله تغييرًا لدين الله؟ وتشكونا عند أهل الحرمين؟» (١) . ثم أجاب الشيخ كذلك عن شبهات سليمان بن سحيم ومزاعمه في رسالة أخرى بعثها إلى عبد الله بن سحيم قال فيها: «من محمد بن عبد الوهاب إلى عبد الله بن سحيم وبعد: ألفينا مكتوبك وما ذكرت فيه من ذكرك وما بلغك، ولا يخفاك أن المسائل التي ذكرت أنها بلغتكم في كتاب من العارض جملتها أربع وعشرون مسألة بعضها حق وبعضها بهتان وكذب. وقبل الكلام فيها لا بد من تقديم أصل: وذلك أن أهل العلم إذا اختلفوا، والجهّال إذا تنازعوا ومثلي ومثلكم إذا اختلفنا في مسألة هل الواجب اتباع أمر الله ورسوله وأهل العلم؟ أو

стр. 152

الواجب اتباع عادة الزمان التي أدركنا الناس عليها، ولو خالفت ما ذكره العلماء في جميع كتبهم، وإنما ذكرت هذا ولو كان واضحًا لأن بعض المسائل التي ذكرت أنا قلتها لكن هي موافقة لما ذكره العلماء في كتبهم، الحنابلة وغيرهم. ولكن هي مخالفة لعادة الناس التي نشأوا عليها فأنكرها عليّ لأجل مخالفة العادة وإلا فقد رأوا تلك في كتبهم عيانا، وأقروا بها وشهدوا أن كلامي هو الحق لكن أصابهم ما أصاب الذين قال الله فيهم ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] [سورة البقرة، آية: ٨٩] . وهذا هو ما نحن فيه بعينه، فإن الذي راسلكم هو عدو الله ابن سحيم، وقد بينت ذلك له فأقر به، وعندنا كتب يده في رسائل متعددة أن هذا هو الحق، وأقام على ذلك سنين، لكن أنكر آخر الأمر لأسباب أعظمها البغي أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده. وذلك أن العامة قالوا له ولأمثاله إذا كان هذا هو الحق فلأي شيء لم تنهونا عن عبادة شمسان وأمثاله، فتعذروا: أنكم ما سألتمونا، قالوا: وإن لم نسألكم كيف نشرك بالله عندكم ولا تنصحونا، وظنوا أن يأتيهم في هذا غضاضة وأن فيه شرفًا لغيره، وأيضًا لما أنكرنا عليهم أكل السحت والرشا (١) إلى غير ذلك من الأمور، فقام يدجل عندكم وعند غيركم بالبهتان والله ناصر دينه ولو كره المشركون. وأنت لا تستهون مخالفة العادة على العلماء فضلًا عن العوام، وأنا أضرب لك مثلًا بمسألة واحدة وهي مسألة الاستجمار ثلاثًا فصاعدًا غير عظم ولا روث، وهو كاف مع وجود الماء عند الأئمة الأربعة وغيرهم، وهو إجماع الأمة لا خلاف في ذلك، ومع هذا لو يفعله أحد لصار هذا عند الناس أمرًا عظيماً، ولنهوا عن الصلاة خلفه، وبدّعوه مع إقرارهم بذلك ولكن لأجل العادة. إذا تبين هذا فالمسائل التي شنع بها منها: ما هو من البهتان الظاهر وهي قوله: إني مبطل كتب المذاهب. وقوله: إني أقول إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء. وقوله: إني أدعي الاجتهاد.

стр. 153

وقوله: إني خارج عن التقليد. وقوله: إني أقول: إن اختلاف العلماء نقمة. وقوله: إني أكفر من توسل بالصالحين. وقوله: إني أكفر البوصيري لقوله يا أكرم الخلق. وقوله إني أقول: لو أقدر على هدم حجرة الرسول لهدمتها ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزابًا من خشب. وقوله: إني أنكر زيارة قبر النبي ﷺ . وقوله: إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم. وإني أُكَفِّر من يحلف بغير الله. فهذه اثنتا عشرة مسألة جوابي فيها أن أقول: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] [سورة النور، آية: ١٦] ولكن قبله من بهت النبي ﷺ أنه يسب عيسى ابن مريم ويسب الصالحين «تشابهت قلوبهم» وبهتوه بأنه يزعم أن الملائكة، وعيسى، وعزيرًا في النار فأنزل الله في ذلك ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] [سورة الأنبياء، آية: ١٠١] . وأما المسائل الأخرى وهي أني أقول: لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى لا إله إلا الله. ومنها: أني أُعرِّف من يأتيني بمعناها. ومنها: أني أقول الإله هو الذي فيه السر. ومنه: تكفير الناذر إذا أراد به التقرب لغير الله وأخذ النذر كذلك. ومنها: أن الذبح للجن كفر، والذبيحة حرام ولو سمى الله عليها إذا ذبحها للجن. فهذه خمس مسائل كلها حق وأنا قائلها. ونبدأ بالكلام عليها لأنها أمّ المسائل وقبل ذلك أذكر معنى لا إله إلا الله فنقول: التوحيد نوعان توحيد الربوبية وهو: أن الله سبحانه متفرد بالخلق والتدبير عن الملائكة والأنبياء وغيرهم، وهذا حق لا بد منه؛ ليدخل الرجل في الإسلام؛ لأن أكثر الناس مقرون به قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] [سورة يونس، آية: ٣١] .

стр. 154

وأن الذي يدخل الرجل في الإسلام هو توحيد الألوهية، وهو: أن لا يعبد إلا الله لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلا، وذلك أن النبي ﷺ بعث وأهل الجاهلية يعبدون أشياء مع الله، فمنهم من يدعو الأصنام، ومنهم من يدعو عيسى، ومنهم من يدعو الملائكة فنهاهم عن هذا، وأخبرهم أن الله أرسله ليوحد ولا يدعى أحد من دونه لا الملائكة ولا الأنبياء، فمن تبعه ووحد الله فهو الذي شهد أن لا إله إلا الله، ومن عصاه ودعا عيسى والملائكة واستنصرهم، والتجأ إليهم فهو الذي جحد لا إله إلا الله مع إقراره أنه لا يخلق ولا يزرق إلا الله. وهذه جملة لها بسط طويل، لكن الحاصل أن هذا مجمع عليه بين العلماء، ولما جرى في هذه الأمة ما أخبر به نبيها ﷺ حيث قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» (١) وكان من قبلهم كما ذكر الله عنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] [سورة التوبة، آية: ٣١] ، فصار ناس من الضالين يدعون أناسًا من الصالحين في الشدة والرخاء مثل عبد القادر الجيلاني، وأحمد البدوي، وعدي بن مسافر، وأمثالهم من أهل العبادة والصلاح، فأنكر عليهم أهل العلم غاية الإنكار، وزجروهم عن ذلك، وحذروهم غاية التحذير والإنذار من جميع المذاهب الأربعة في سائر الأقطار والأمصار فلم يحصل منهم انزجار بل استمروا على ذلك غاية الاستمرار. وأما الصالحون الذين يكرهون ذلك فحاشاهم من ذلك، وبيّن أهل العلم أن أمثال هذا هو الشرك الأكبر، وأنت ذكرت في كتابك تقول: يا أخي ما لنا والله دليل إلا من كلام أهل العلم وأنا أقول: كلام أهل العلم رضى، وأنا أنقله لك وأنبهك عليه فتفكر فيه وقم لله ساعة ناظرًا ومناظرًا مع نفسك ومع غيرك، فإن عرفت أن الصواب معي، وأن دين الإسلام اليوم من أغرب الأشياء أعني دين الإسلام الصرف الذي لا يمزج بالشرك والبدع وأما الإسلام الذي ضده الكفر فلا شك أن أمة محمد ﷺ آخر الأمم وعليها تقوم الساعة. فإن فهمت أن كلامي هو الحق فاعمل لنفسك، واعلم أن الأمر عظيم، والخطب

стр. 155

جسيم، فإن أشكل عليك شيء فسفرك إلى المغرب في طلبه غير كثير، واعتبر لنفسك حيث قلت لي فيما مضى: إن هذا هو الحق الذي لا شك فيه لكن لا نقدر على تغييره، وتكلمت بكلام حسن، فلما غربلك (١) الله بولد المويس ولبَّس عليك، وكتب لأهل الوشم يستهزئ بالتوحيد، ويزعم أنه بدعة، وأنه خرج من خراسان ويسب دين الله ورسوله لم تفطن لجهله وعظم ذنبه وظننت أن كلامي فيه من باب الانتصار للنفس، وكلامي هذا لا يغيرك فإن مرادي أن تفهم أن الخطب جسيم، وأن أكابر أهل العلم يتعلمون هذا ويغلطون فيه فضلًا عنا وعن أمثالنا فلعله إن أشكل عليك تواجهني. هذا إن عرفت أنه حق وإن كنت إذا نقلت لك عبارات العلماء عرفت أني لم أفهم معناها وأن الذي نقلت لك كلامهم أخطئوا، وأنهم خالفهم أحد من أهل العلم فنبهني على الحق وأرجع إليه إن شاء الله تعالى» (٢) . كما رد الشيخ عبد الله بن الإمام محمد على كثير من هذه المزاعم: قائلا: «وأما ما يكذب علينا: سترًا للحق، وتلبيسًا على الخلق. بأنا نفسر القرآن برأينا، ونأخذ من الحديث ما وافق فهمنا، من دون مراجعة شرح، ولا معول على شيء. وأنا نضع من رتبة نبينا محمد ﷺ بقولنا: النبي رمة في قبره، وعصا أحدنا أنفع له منه، وليس له شفاعة، وأن زيارته غير مرغوبة، وأنه كان لا يعرف معنى لا إله إلا الله، حتى أنزل عليه فاعلم أنه لا إله إلا الله، مع كون الآية مدنية. وأنا لا نعتمد على أقوال العلماء. ونتلف مؤلفات أهل المذاهب، لكون فيها الحق والباطل. وأنا مجسمة. وأنا نكفر الناس على الإطلاق أهل زماننا، ومن بعد الستمائة، إلا من هو على ما نحن عليه.

стр. 156

ومن فروع ذلك: أنا لا نقبل بيعة أحد إلا بعد التقرير عليه بأنه كان مشركا، وأن أبويه ماتا على الإشراك بالله. وأنا ننهى عن الصلاة على النبي ﷺ . ونحرم زيارة القبور المشروعة مطلقا، وأن من دان بما نحن عليه، سقطت عنه جميع التبعات، حتى الديون. وأنا لا نرى حقًا لأهل البيت - رضوان الله عليهم - وأنا نجبرهم على تزويج غير الكفء لهم. وأنا نجبر بعض الشيوخ على فراق زوجته الشابة، لتنكح شابا، إذا ترافعوا إلينا. فلا وجه لذلك؛ فجميع هذه الخرافات، وأشباهها لما استفهمنا عنها من ذكر أولا، كان جوابنا في كل مسألة من ذلك: سبحانك هذا بهتان عظيم؛ فمن روى عنا شيئًا من ذلك، أو نسبه إلينا، فقد كذب علينا وافترى. ومن شاهد حالنا، وحضر مجالسنا، وتحقق ما عندنا، علم قطعا: أن جميع ذلك وضعه، وافتراه علينا، أعداء الدين، وإخوان الشياطين، تنفيرًا للناس عن الإذعان، بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة، وترك أنواع الشرك، الذي نص الله عليه بأن الله لا يغفره ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] [سورة النساء، آية: ٤٨] فإنا نعتقد: أن من فعل أنواعًا من الكبائر، كقتل المسلم بغير حق، والزنا، والربا، وشرب الخمر، وتكرر منه ذلك: أنه لا يخرج بفعله ذلك عن دائرة الإسلام، ولا يخلد به في دار الانتقام، إذا مات موحدًا بجميع أنواع العبادة. والذي نعتقده: أن رتبة نبينا محمد ﷺ أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حي في قبره، حياة برزخية، أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام المسلم عليه، وتسن زيارته، إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس، ومن أنفق نفيس أوقاته، بالاشتغال بالصلاة عليه ﷺ الواردة عنه، فقد فاز بسعادة الدارين، وكفي همه وغمه، كما جاء في الحديث عنه» (١) .

стр. 157

[الأنموذج الثاني والتعليق عليه] الأنموذج الثاني: المفتريات التي ساقها صاحب (خلاصة الكلام) والتعليق عليه: وهي تمثل خلاصة الشبهات والتهم والمفتريات على الدعوة وإمامها من قبل خصوم الدعوة خارج نجد (١) . يقول صاحب (خلاصة الكلام) في حوادث سنة (١٢٠٥هـ) وقد كتبها بعد وفاة الإمام محمد بن عبد الوهاب بقرن (٢) «وفي هذه السنة كان ابتداء الحرب والقتال بين مولانا الشريف غالب وطائفة الوهابية التابعين لمحمد بن عبد الوهاب في عقيدته التي كفَّر بها المسلمين» (٣) . وينبغي قبل ذكر المحاربة والقتال ذكر ابتداء أمرهم وحقيقة حالهم فإن فتنتهم من أعظم الفتن التي ظهرت في الإسلام طاشت من بلاياها العقول وحار فيها أرباب العقول (٤) وكان ابتداء ظهور محمد بن عبد الوهاب سنة ألف ومائة وثلاث وأربعين واشتهر أمره بعد الخمسين، فأظهر العقيدة الزائغة (٥) بنجد وقُراها. فقام بنصرته وإظهار عقيدته محمد بن سعود أمير الدرعية بلاد مسيلمة الكذاب (٦) فحمل أهلها على متابعة محمد بن عبد الوهاب فيما يقول فتابعه أهلها، وسيأتي ذكر شيء من

стр. 158

عقيدته التي حمل الناس عليها (١) وما زال يطيعه على هذا الأمر كثير من أحياء العرب حي بعد حي حتى قوي أمره فخافته البادية. وكان يقول لهم إنما أدعوكم إلى التوحيد، وترك الشرك بالله، فكانوا يمشون معه حيثما مشى، ويأتمرون له بما شاء حتى اتسع له الملك (٢) . وكانوا في مبدأ أمورهم قبل اتساع ملكهم وتطاير شرورهم راموا حج البيت الحرام وكان ذلك في دولة الشريف مسعود بن سعيد بن سعد بن زيد فأرسلوا يستأذنونه في الحج (٣) . وأرسلوا قبل ذلك ثلاثين من علمائهم ظنًا منهم أنهم يفسدون عقائد علماء الحرمين ويدخلون عليهم الكذب والمين (٤) وطلبوا الإذن في الحج ولو بمقرر يدفعونه (٥) . وكان أهل الحرمين يسمعون (٦) بظهورهم في الشرق وفساد عقائدهم ولم يعرفوا حقيقة ذلك، فأمر مولانا الشريف مسعود أن يناظر علماء الحرمين العلماء الذين أرسلوا فناظروهم (٧) فوجدوهم ضحكة ومسخرة كحمر مستنفرة فرت من قسورة، ونظروا إلى

стр. 159

عقائدهم فإذا هي مشتملة على كثير من المكفرات (١) فبعد أن أقاموا عليهم البرهان والدليل أمر الشريف مسعود قاضي الشرع أن يكتب حجة بكفرهم الظاهر ليعلم به الأول والآخر وأمر بسجن أولئك الملاحدة الأنذال (٢) ووضعهم في السلاسل والأغلال فسجن منهم جانبًا وفرَّ الباقون ووصلوا إلى الدرعية وأخبروا بما شاهدوا فعتى أمرهم واستكبر، ونأى عن هذا المقصد وتأخر حتى مضت دولة الشريف مسعود وأقيم بعده أخوه الشريف مساعد بن سعيد فأرسلوا في مدته يستأذنون في الحج فأبى وامتنع من الإذن لهم فضعفت عن الوصول مطامعهم فلما مضت دولة الشريف مساعد وتقلد الأمر أخوه الشريف أحمد بن سعيد أرسل أمير الدرعية جماعة من علمائه كما أرسل في المدة السابقة. فلما اختبرهم علماء مكة وجدوهم لا يتدينون إلا بدين الزنادقة (٣) فأبى أن يقر لهم في حمى البيت الحرام قرار ولم يأذن لهم في الحج بعد أن ثبت عند العلماء أنهم كفار كما ثبت في دولة الشريف مسعود (٤) . فلما أن ولي الشريف سرور أرسلوا أيضًا يستأذنونه في زيارة البيت المعمور فأجابهم: بأنكم إن أردتم الوصول آخذ منكم في كل سنة وعام صرمة مثل ما نأخذها من

стр. 160

الأعاجم وآخذ منكم زيادة على ذلك مائة من الخيل الجياد فعظم عليهم تسليم هذا المقدار وأن يكونوا مثل العجم فامتنعوا من الحج في مدته (١) كلها فلما توفي وتولى سيدنا الشريف غالب أرسلوا أيضًا يستأذنون في الحج فمنعهم وتهددهم بالركوب عليهم وجعل ذلك القول، فعلًا فجهز عليهم جيشًا في سنة ألف ومائتين وخمسة (٢) واتصلت بينهم المحاربات والغزوات إلى أن انقضى تنفيذ مراد الله فيما أراد وسيأتي شرح تلك الغزوات والمحاربات بعد توضيح ما كانوا عليه من العقائد الزائغة التي كان تأسيسها من محمد بن عبد الوهاب (٣) . وقد عاش من العمل سنين حتى كاد أن يعد من المنظرين فإن ولادته كانت سنة ألف ومائة وخمس عشرة، ووفاته سنة ألف ومائتين وسبعة وأرخ بعضهم وفاته بقوله: «بها هلاك الخبيث» (٤) فعمره اثنتان وتسعون سنة وخلف أولادًا أخبث (٥) منه قاموا بنشر دعوته بعده وأولاده هم عبد الله وحسن وحسين وعلي وكان عبد الله الأكبر فقام بالدعوة بعد أبيه، وخلف سليمان، وعبد الرحمن، وكان سليمان متعصبًا تعصبًا شديدًا في أمرهم قتله إبراهيم باشا سنة ثلاث وثلاثين، وعبد الرحمن قبض عليه وأرسله إلى مصر فعاش مدة ثم مات بمصر، وأما حسن بن محمد بن عبد الوهاب، فخلف عبد الرحمن وولي قضاء مكة في بعض السنين التي كانوا يحكمون فيها بمكة، وعُمِّر عبد الرحمن هذا حتى قارب المائة ومات قريبًا وخلَّف عبد اللطيف وأما حسين بن محمد بن عبد الوهاب فخلَّف أولادًا كثيرين وكذا علي بن محمد بن عبد الوهاب خلف

стр. 161

أولادًا كثيرين ولم يزل نسلهم باقيًا إلى الآن بالدرعية يسمونهم أولاد الشيخ. وكان القائم بنصرة محمد بن عبد الوهاب ونشر عقيدته محمد بن سعود، ولما مات قام بعده بالأمر ولده عبد العزيز ثم ولده سعود. وكان محمد بن عبد الوهاب في ابتداء أمره من طلبة العلم وكان يتردد على مكة والمدينة وأخذ عن كثير من علماء مكة والمدينة وممن أخذ عنه من علماء المدينة الشيخ محمد بن سليمان الكردي مؤلف حواشي شرح مختصر بافضل في مذهب الشافعي، وأخذ أيضًا عن الشيخ محمد حياة السندي من أكابر علماء الحنفية بالمدينة. وكان الشيخان المذكوران وغيرهما من أشياخه الذين أخذ عنهم يتفرسون فيه الإلحاد والضلال ويقولون: سيضل هذا ويضل الله به من أبعده وأشقاه فكان الأمر كذلك، وما أخطأت فراستهم فيه (١) . وكذا والده عبد الوهاب فإنه كان من العلماء الصالحين فكان يتفرس فيه الإلحاد ويذمه كثيرًا ويحذر الناس منه (٢) . وكذا أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب فإنه أنكر عليه ما أحدثه من البدع والضلال والعقائد الزائغة وألف كتابًا في الرد عليه (٣) . وكان في أول أمره مولعًا بمطالعة أخبار من ادعى النبوة كاذبًا كمسيلمة الكذاب وسجاح، والأسود العنسي، وطليحة الأسدي (٤) وأضرابهم فكان يضمر في نفسه دعوى النبوة ولو أمكنه إظهار هذه الدعوى لأظهرها (٥) .

стр. 162

وكان يسمى جماعته من أهل بلده الأنصار، ويسمى من اتبعه من الخارج المهاجرين (١) . وإذا تبعه أحد وكان قد حج حجة الإسلام يقول له حج ثانيًا فإن حجتك الأولى فعلتها وأنت مشرك، فلا تقبل ولا تسقط عنك الفرض. وإذا أراد أحد أن يدخل في دينه يقول له بعد الإتيان بالشهادتين: اشهد على نفسك أنك كنت كافرًا واشهد على والديك أنهما ماتا كافرين واشهد على فلان وفلان، ويسمى له جماعة من أكابر العلماء الماضين أنهم كانوا كفار، فإن شهدوا قبلهم وإلا أمر بقتلهم (٢) . وكان يصرح بتكفير الأمة من منذ ستمائة سنة، وكان يكفر كل من لا يتبعه وإن كان من اتقى المتقين فيسميهم مشركين ويستحل دماءهم وأموالهم ويثبت الإيمان لمن اتبعه وإن كان من أفسق الفاسقين (٣) . وكان ينتقص النبي ﷺ كثيرًا بعبارات مختلفة ويزعم أن قصده المحافظة على التوحيد فمنها أن يقول: إن طارش وهو في لغة أهل الشرق بمعنى الشخص المرسل من قوم إلى آخرين بمعنى أنه ﷺ حامل كتب مرسلة معه أي غاية أمره أنه كالطارش الذي يرسله الأمير أو غيره من أمر لأناس ليبلغهم إياه ثم ينصرف (٤) . ومنها أنه كان يقول: نظرت في قصة الحديبية فوجدت بها كذا وكذا كذبه، إلى غير ذلك مما يشبه هذا حتى أن أتباعه كانوا يفعلون ذلك أيضا، ويقولون مثل قوله، بل يقولون أقبح مما يقوله، ويخبرونه بذلك فيظهر الرضا، وربما أنهم تكلموا بذلك بحضرته فيرضى به حتى أن

стр. 163

بعض أتباعه كان يقول عصاي هذه خير من محمد لأنها ينتفع بها في قتل الحية ونحوها، ومحمد قد مات ولم يبق فيه نفع أصلا، وإنما هو طارش مضى (١) . قال بعض العلماء: إن ذلك كفر في المذاهب الأربعة بل هو كفر عند جميع أهل الإسلام (٢) . ومن ذلك أنه كان يكره الصلاة على النبي ﷺ ويتأذى بسماعها وينهى عن الإتيان بها ليلة الجمعة، وعن الجهر بها على المنابر ويؤذي من يفعل ذلك ويعاقبه أشد العقاب، حتى أنه قتل رجلًا أعمى كان مؤذنًا صالحًا ذا صوت حسن نهاه عن الصلاة عن النبي ﷺ في المنارة بعد الأذان فلم ينته وأتى بالصلاة على النبي ﷺ فأمر بقتله فقتل (٣) . ثم قال: إن الربابة في بيت الخاطئة يعني الزانية أقل إثمًا ممن ينادي بالصلاة على النبي ﷺ في المنائر، ويلبس على أصحابه وأتباعه بأن ذلك كله محافظة على التوحيد فما أقطع قوله، وما أشنع فعله (٤) . وأحرق دلائل الخيرات وغيرها من كتب الصلاة على النبي ﷺ ويتستر بقوله: إن ذلك بدعة وأنه يريد المحافظة على التوحيد (٥) . وكان يمنع أتباعه من مطالعة كثير من كتب الفقه والتفسير والحديث وأحرق كثير منها (٦) . وأذن لكل من تبعه أن يفسر القرآن بحسب فهمه حتى همج الهمج من أتباعه، فكان

стр. 164

كل واحد منهم يفعل ذلك ولو كان لا يحفظ شيئًا من القرآن حتى صار الذي لا يقرأ منهم يقول لمن يقرأ: اقرأ لي شيئًا من القرآن وأنا أفسره لك فإذا قرأ له شيئًا يفسره وأمرهم أن يعملوا بما فهموه منه، وجعل ذلك مقدمًا على كتب العلم ونصوص العلماء (١) . وتمسك في تكفير الناس بآيات نزلت في المشركين فحملها على الموحدين وقد روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر ﵄ في وصف الخوارج أنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها في المؤمنين (٢) وفي رواية أخرى عن ابن عمر عند غير البخاري أنه ﷺ قال: «أخوف ما أخاف على أمتي رجل متأول للقرآن يضعه في غير موضعه» ، فهذا وما قبله صادق على ابن عبد الوهاب ومن تبعه (٣) ومما يدعيه محمد بن عبد الوهاب أنه أتى بدين جديد كما يظهر من أقواله وأفعاله وأحواله (٤) ولهذا لم يقبل من دين نبينا ﷺ إلا القرآن (٥) مع أنه إنما قبله ظاهرًا فقط لئلا يعلم الناس حقيقة أمره فينكشفوا عليه بدليل أنه هو وأتباعه إنما يئولونه بحسب ما يوافق أهواءهم لا بحسب ما فسره النبي ﷺ وأصحابه والسلف الصالح وأئمة التفسير فإنه لا يقول بذلك كما أنه لا يقول بما عدا

стр. 165

القرآن من أحاديث النبي ﷺ وأقاويل الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين ولا بما استنبطه الأئمة من القرآن والحديث ولا يأخذ بالإجماع ولا القياس الصحيح (١) . وكان يدعي الانتساب إلى مذهب الإمام أحمد ﵁ كذبًا وتسترًا وزورا، والإمام أحمد بريء منه، ولذلك انتدب كثير من علماء الحنابلة المعاصرين له للرد عليه، وألفوا في الرد عليه رسائل كثيرة حتى أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب ألف رسالة في الرد عليه وأعجب من ذلك أنه كان يكتب إلى عماله الذين هم من أجهل الجاهلين اجتهدوا بحسب فهمكم ونظركم، واحكموا بما ترونه مناسبًا لهذا الدين ولا تلتفتوا لهذه الكتب فإن فيها الحق والباطل (٢) . وقتل كثيرًا من العلماء والصالحين وعوام المسلمين لكونهم لم يوافقوه على ما ابتدعه (٣) وكان يقسم الزكاة على ما يأمره به شيطانه وهواه (٤) . وكان أصحابه لا ينتحلون مذهبًا من المذاهب بل يجتهدون كما كان يأمرهم ويتسترون ظاهرًا بمذهب الإمام أحمد ﵁ ويلبسون بذلك على العامة (٥) وكان ينهى عن الدعاء بعد الصلاة ويقول: إن ذلك بدعة وإنكم تطلبون أجرًا على الصلاة (٦) . وأمر القائم بدينه عبد العزيز بن سعود أن يخاطب المشرق والمغرب برسالة يدعوهم إلى التوحيد وأنهم عنده مشركون شركًا أكبر يستبيح به الدم والمال (٧) فكان ضابط الحق عنده

стр. 166

ما وافق هواه وإن خالف النصوص الشرعية وإجماع الأئمة، وضابط الباطل عنده ما لم يوافق هواه وإن كان على نص جلي أجمعت عليه الأمة (١) . وكان يقول في كثير من أقوال الأئمة الأربعة ليست بشيء (٢) وتارة يتستر ويقول إن الأئمة على حق، ويقدح في أتباعهم من العلماء الذين ألفوا في المذاهب الأربعة وحرروها، يقول إنهم ضلوا وأضلوا (٣) . وتارة يقول إن الشريعة واحدة فما لهؤلاء جعلوها مذاهب أربعة هذا كتاب الله وسنة رسوله لا نعمل إلا بهما، ولا نقتدي بقول مصري وشامي وهندي، يعني بذلك أكابر علماء الحنابلة وغيرهم ممن لهم تأليف في الرد عليه واحتجوا في الرد عليه بنصوص الإمام أحمد ﵁ (٤) . وكان يخطب للجمعة في مسجد الدرعية ويقول في كل خطبة ومن توسل بالنبي فقد كفر (٥) وكان أخوه الشيخ سليمان ينكر عليه إنكارًا شديدًا في كل ما يفعله أو يأمر به، ولم يتبعه في شيء مما ابتدعه، وقال له أخوه سليمان يوما: كم أركان الإسلام يا محمد بن عبد الوهاب فقال: خمسة، فقال: بل أنت جعلتها ستة السادس من لم يتبعك فليس بمسلم هذا ركن سادس عندك للإسلام (٦) . وقال رجل آخر يومًا لمحمد بن عبد الوهاب: كم يعتق الله كل ليلة في رمضان؟ فقال له: يعتق في كل ليلة مائة ألف وفي آخر ليلة يعتق مثل ما أعتق في الشهر كله، فقال له: لم

стр. 167

يبلغ من تبعك عشر عشر ما ذكرت فمن هؤلاء المسلمون الذين يعتقهم الله تعالى وقد حصرت المسلمين فيك وفيمن تبعك فبهت الذي كفر (١) . ولما طال النزاع بينه وبين أخيه خاف أخوه أن يأمر بقتله فارتحل إلى المدينة وألف رسالة في الرد عليه وأرسلها له فلم ينته. ثم قال ص (٢٣٢) من خلاصة الكلام وما بعدها: «ومن قبائحه الشنيعة أنه منع الناس من زيارة قبر النبي ﷺ (٢) فبعد منعه خرج أناس من الأحساء وزاروا النبي ﷺ وبلغه خبرهم فلما رجعوا مروا عليه في الدرعية فأمر بحلق لحاهم ثم أركبهم مقلوبين من الدرعية إلى الأحساء (٣) . وبلغه مرة أن جماعة من الذين لم يتابعوه من الآفاق البعيدة قصدوا الزيارة والحج وعبروا على الدرعية فسمعه بعضهم يقول لمن تبعه خلوا المشركين يسيرون طريق المدينة والمسلمين يعني جماعته يخلفون معنا (٤) . والحاصل أنه لبَّس على الأغبياء ببعض الأشياء التي توهمهم بإقامة الدين، وذلك مثل أمره للبوادي بإقامة الصلاة والجماعة ومنعهم من النهب، ومن بعض الفواحش الظاهرة كالزنا واللواط، وكتأمين الطرق والدعوة إلى التوحيد، فصار الأغبياء الجاهلون يستحسنون حاله وحال أتباعه (٥) ويغفلون ويذهبون عن تكفيرهم الناس من منذ ستمائة سنة، وعن استباحتهم أموال الناس ودمائهم، وانتهاكهم حرمة النبي ﷺ بارتكابهم أنواع

стр. 168

التحقير له ولمن أحبه، وغير ذلك من قبائحهم التي ابتدعوها وكفروا الأمة بها» (١) . ثم قال: «وقد أخبر النبي ﷺ عن هؤلاء الخوارج في أحاديث كثيرة فكانت تلك الأحاديث من أعلام نبوته ﷺ حيث كانت من الإخبار بالغيب» . ثم قال: «وفي قوله ﷺ «سيماهم التحليق» تنصيص على هؤلاء القوم الخارجين من المشرق التابعين لمحمد بن عبد الوهاب فيما ابتدعه؛ لأنهم كان يأمرون من اتبعهم أن يحلق رأسه لا يتركونه يفارق مجلسهم إذا تبعهم حتى يحلقوا رأسه (٢) ولم يقع مثل ذلك قط من أحد من الفرق الضالة التي مضت قبلهم أن يلتزموا مثل ذلك فالحديث صريح فيهم وكان السيد عبد الرحمن الأهدل مفتي زبيد يقول لا يحتاج التأليف في الرد على ابن عبد الوهاب بل يكفي في الرد عليه قوله ﷺ : «سيماهم التحليق» فإنه لم يفعله أحد من المبتدعة، وكان محمد بن عبد الوهاب يأمر أيضًا بحلق رءوس النساء اللاتي يتبعنه فأقامت عليه الحجة مرة امرأة دخلت في دينه، وجددت إسلامها على زعمه، فأمر بحلق رأسها فقالت له: لم تأمر بحلق الرأس للرجال فلو أمرتهم بحلق اللحية لساغ لك أن تأمر بحلق رءوس النساء؛ لأن شعر الرأس للنساء بمنزلة اللحية للرجال فبهت الذي كفر، ولم يجد لها جوابًا لكنه إنما فعل ذلك ليصدق عليه وعلى من اتبعه قوله ﷺ : «سيماهم التحليق» فإن المتبادر منه حلق الرأس (٣) فقد صدق ﷺ فيما قال. وقوله ﷺ حين أشار إلى المشرق من حيث يطلع قرن الشيطان جاء في رواية قرنا الشيطان بصيغة التثنية قال بعض العلماء: المراد من قرني الشيطان مسيلمة الكذاب ومحمد بن عبد الوهاب (٤) .

стр. 169

وجاء في بعض الروايات وبها يعني نجد الداء العضال. قال بعض الشراح: وهو الهلاك وفي بعض التواريخ بعد ذكر قتال بني حنيفة قال ويخرج في آخر الزمان في بلد مسيلمة رجل يغير دين الإسلام (١) . وذكر العلامة السيد علوي بن أحمد بن حسن بن القطب سيدي عبد الله بن علوي الحداد في كتابه الذي ألفه في الرد على ابن عبد الوهاب المسمى جلاء الظلام في الرد على النجدي الذي أضل العوام من جملة الأحاديث التي ذكرها في الكتاب المذكور حديثًا مرويًا عن العباس بن عبد المطلب ﵁ عن النبي ﷺ : «يخرج في ثاني عشر قرنًا في وادي بني حنيفة رجل كهيئة الثور لا يزال يلعق براطمه يكثر في زمانه الهرج والمرج. يستحلون أموال المسلمين ويتخذونها بينهم متجرا، ويستحلون دماء المسلمين ويتخذونها بينهم مفخرًا وهي فتنة يعتز فيها الأرذلون والسفل تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه» ولهذا الحديث شواهده تقوي معناه وإن لم يعرف من خرجه (٢) . ثم قال السيد المذكور في الكتاب الذي مر ذكره وأصلح من ذلك أن هذا المغرور محمد بن عبد الوهاب من تميم فيحتمل أنه من عقب ذي الخويصرة التميمي (٣) الذي جاء فيه

стр. 170

حديث البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁» . ثم قال: «قال السيد علوي الحداد لما وصلت الطائف لزيارة حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵄ اجتمعت بالعلامة الشيخ طاهر سنبل الحنفي ابن العلامة الشيخ محمد سنبل الشافعي فأخبرني أنه ألف كتابًا في الرد على هذه الطائفة سيما الانتصار للأولياء الأبرار، وقال لي: لعل الله ينفع به من لم تدخل بدعة النجدي في قلبه وأما من دخلت في قلبه فلا يرجى فلاحه (١) لحديث البخاري يمرقرن من الدين ثم لا يعودون فيه. قال السيد علوي الحداد: وأما ما نقل عن العلامة الحفظي ساكن الحجاز أنه استصوب بعض أفعال النجدي من جمعه البدو على الصلاة وترك النهب، وإزالة بعض الفواحش الظاهرة كالزنا واللواط، ومن تأمينه الطرق ودعوته إلى التوحيد (٢) فهو غلط حيث حسن للناس فعله ولم يطلع على ما ذكرناه من منكراته وتكفير الأمة من ستمائة سنة. وإحراقه الكتب الكثيرة (٣) . وقتله لكثير من العلماء وخواص الناس وعوامهم واستباحته دماءهم وأموالهم (٤) وإظهار التجسيم للباري – (٥) . وعقده الدروس لذلك، وتنقيصه للرسل عليهم الصلاة والسلام وللأولياء، ونبشه قبورهم، وأمر في الأحساء أن تجعل بعض قبور الأولياء محلًا لقضاء الحاجة (٦) . ومنع الناس من قراءة دلائل الخيرات، ومن الرواتب، والأذكار ومن قراءة

стр. 171

مولد النبي ﷺ ، ومن الصلاة على النبي ﷺ في المنائر بعد الأذان (١) وقتل من فعل ذلك (٢) وكان يعرِّض لبعض الغوغاء الطعام بدعوات النبوة ويُفهمهم ذلك من فحوى الكلام (٣) ومنع الدعاء بعد الصلاة (٤) . وكان يقسم الزكاة على هواه (٥) وكان يعتقد أن الإسلام منحصر فيه وفيمن تبعه وأن الخلق كلهم مشركون (٦) . وكان يصرح في مجالسه وخُطَبه بكفر المتوسل بالأنبياء والملائكة والأولياء (٧) بل يزعم أن من قال لأحد: مولانا أو سيدنا فهو كافر (٨) ويمنع من زيارة النبي ﷺ ويجعله كغيره من الأموات (٩) وينكر علم النحو واللغة والفقه والتدريس لهذه العلوم ويقول: إن ذلك كله بدعة (١٠) . ثم قال السيد علوي الحداد: والحاصل أن المحقق عندنا من أقواله وأفعاله ما يُوجب خروجه عن القواعد الإسلامية لاستحلاله أمورًا مجمعًا على تحريمها معلومة من الدين بالضرورة بلا تأويل سائغ مع تنقيصه الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين وتنقيصهم تعمدًا كفر بالإجماع عند الأئمة الأربعة (١١) . اهـ.

стр. 172

ما زال كذلك يحبه قوم ويكرهه آخرون فآواه أهل الدرعية وظن بعض منهم أنه رسول لكافة البرية (١) فصنف لهم رسالة سماها "كشف الشبهات عن خالق الأرض والسماوات" كفَّر فيها جميع المسلمين وزعم أن الناس كفار منذ ستمائة سنة وحمل (٢) الآيات التي نزلت في الكفار من قريش على أتقياء الأمة (٣) وكان ممن تبعه وقبل منه كل ما يقول محمد بن سعود أمير الدرعية (٤) واتخذه وسيلة لاتساع الملك وانقياد الأعراب (٥) له فصار يدعوهم إلى الدين، وأثبت في قلوبهم أن جميع من هو تحت السبع الطباق مشرك على الإطلاق (٦) ومن قتل مشركًا فله الجنة، فتابعوه وصارت نفوسهم بهذا الاعتقاد مطمئنة. وكان محمد بن سعود يتمثل ما يأمره به، فإذا أمره بقتل إنسان أو أخذ ماله سارع إلى ذلك، فكان محمد بن عبد الوهاب معهم كالنبي في أمته لا يتركون شيئًا مما يقوله ولا يفعلون شيئًا إلا بأمره، ويعظمونه غاية التعظيم ويُجِلّونه غاية التجليل» (٧) ثم ذكر صفة اتساع ملك الأمير محمد بن سعود، وكيف دانت له جزيرة العرب، ودخوله مكة بالصلح وخروجه منها سنة ١٢٢٧هـ.

стр. 173

إلى أن قال: «وقد أرَّخ ذلك مفتي مكة عبد الملك القلعي لما سأله مولانا الشريف غالب هل أرختم خروجهم فقال: قطع دابر الخوارج (١) » (٢) . [وقفة حول هذه المفتريات والاتهامات] وقفة حول هذه المفتريات والاتهامات: ١ - هذه المفتريات التي ذكرها صاحب كتاب «خلاصة الكلام» تعد أنموذجًا لأكثر ما قاله خصوم الدعوة والجاهلون بحقيقتها من خارج نجد، فهو قد التقط ما قاله السابقون له في الدعوة وإمامها، ومن جاؤوا بعده أخذوا عنه الكثير كذلك. ٢ - أن ما ذكره من مفتريات حول الدعوة وإمامها وأميرها وأتباعها - غالبه من الكذب البيّن، وما قد يوجد فيه من معلومات صحيحة فهي محرَّفة ومصوَّرة بصورة الباطل، ومخرَّجة مخرج التلبيس والتهويل. ٣ - أن المؤلف جمع هذه الاتهامات من الشائعات وما قاله الخصوم قبله كابن سحيم وابن عفالق والرافضة وغيرهم من أهل البدع والمعروفين بالعداوة الصريحة للدعوة وإمامها وأتباعها ودولتها. ٤ - وعند إخضاع هذا المطاعن والمفتريات والاتهامات للنهج الشرعي والعلمي نجد أكثرها ساقطًا لما يلي: أولاً: خلوها من الأسانيد أو نقل شهود العيان، وإن كان من الخصوم، وخلوها كذلك من التوثيق فلم ينقل عن كتاب معتمد أو رسالة أو خطبة أو مقالة أو نحو ذلك من المصادر الموثوقة. ثانياً: أن الكاتب نفسه لم يعش تلك الحقبة التي تحدث عنها ولم يرو عن ثقاة ولا غيرهم. ثالثاً: خلوها من الأدلة والبراهين والأمثلة والشواهد مطلقاً. رابعاً: أن الواقع يشهد بخلافها فسيرة الإمام والأمير محمد بن سعود وأحفادهما ليست على ما ذكر.

стр. 174

خامساً: أن ما هو مسطور ومكتوب إلى الآن من كتب الإمام ورسائله وأقواله وأحواله، وكتب الدعوة، وسير رجالها وتاريخها وواقعها يرد كل التُّهَم والمفتريات التي ذكرها. بل الإمام نفسه ردَّها وفنَّدها في كتبه ورسائله ورُدودهِ، وردها تلاميذه وأتباعه ومناصروه في كل مكان. سادساً: شهادة المنصفين - وما أكثرهم بحمد الله - بأن ما ذكره صاحب خلاصة الكلام وأمثاله عن الدعوة من البهتان والكذب، وأنه يخالف الحق والواقع، وأكتفي في هذا المقام بشهادة واحد منهم؛ لأن الموضوع سيُعرض تفصيلاً في فصول تالية إن شاء الله. يقوم الشيخ محمد رشيد رضا في مقدمته لكتاب «صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان» للشيخ محمد بشير السهسواني الهندي. «تصدى للطعن في الشيخ محمد بن الوهاب والرد عليه أفرادٌ من أهل الأمصار المختلفة، منهم رجل من أحد بيوت العلم في بغداد، قد عهدناه يفتخر بأنه من دعاة التعطيل والإلحاد (١) . وكان أشهر هؤلاء الطاعنين مفتي مكة المكرمة الشيخ أحمد زيني دحلان المتوفي سنة (١٣٠٤) ألَّف رسالة في ذلك تدور جميع مسائلها على قطبين اثنين: قطب الكذب والافتراء على الشيخ، وقطب الجهل بتخطئته فيما هو مصيب فيه» . «وكانت توزع بمساعدة أمراء مكة ورجال الدولة على حجاج الآفاق فعم نشرها، وتناقل الناس مفترياته وبهاءته في كل قطر، وصدقها العوام وكثير من الخواص، كما اتخذ المبتدعة والحشوية والخرافيون رواياته ونقوله الموضوعة والواهية والمنكرة، وتحريفاته للراويات الصحيحة، حججًا يعتمدون عليها في الرد على دعاة السنة المصلحين» . «ولكن الألسن والأقلام لا تزال تتناقل كل ما فيها من غير عزو إليها، ودأب البشر العناية بنقل ما يوافق أهواءهم، فكيف إذا وافقت هوى ملوكهم وحكامهم. كنا نسمع في صغرنا أخبار الوهابية المستمدة من رسالة دحلان هذا ورسائل أمثاله فنصدقها بالتبع لمشايخنا وآبائنا» . «وأنا لم أعلم بحقيقة هذه الطائفة إلا بعد الهجرة إلى مصر والاطلاع على تاريخ الجبرتي

стр. 175

وتاريخ الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى، فعلمت منهما أنهم هم الذين كانوا على هداية الإسلام دون مقاتليهم، وأكده الاجتماع بالمطلعين على التاريخ من أهلها ولا سيما تواريخ الإفرنج الذي بحثوا عن حقيقة الأمر فعلموها وصرحوا أن هؤلاء الناس أرادوا تجديد الإسلام وإعادته إلى ما كان عليه في الصدر الأول، وإذًا لتجددَ مجده، وعادت إليه قوته وحضارته، وأن الدولة العثمانية ما حاربتهم إلا خوفًا من تجديد ملك العرب، وإعادة الخلافة الإسلامية سيرتها الأولى» . «ثم اطلعت على أكثر كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ورسائله وفتاويه وكتب أولاده وأحفاده ورسائلهم ورسائل غيرهم من علماء نجد في عهد هذه النهضة التجديدية فرأيت أنه لم يصل إليهم اعتراض ولا طعن فيهم إلا وأجابوا عنه، فما كان كذبًا عليهم قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] وما كان صحيحًا أو له أصل بينوا حقيقته وردوا عليه وقد طبعت أكثر كتبهم، وعرف الألوف من الناس أصل تلك المفتريات عنهم ومن المستبعد جدًّا أن يكون الشيخ أحمد دحلان لم يطلع على شيء من تلك الكتب والرسائل وهو في مركزه بمكة المكرمة على مقربة منهم، فإن كان قد اطلع عليها فلِمَ أصر على ما عزاه إليه من الكذب والبهتان - ولا سيما ما نفوه صريحًا وتبرءوا منه - فأي قيمة لنقله ولدينه وأمانته؟ وهل هو إلا ممن باعوا دينهم بدنياهم؟ . وإذا فرضنا أن الشيخ أحمد دحلان لم ير شيئًا من تلك الكتب والرسائل، ولم يسمع بخبر عن تلك المناظرات والدلائل، وأن كل ما كتبه في رسالته قد سمعه من الناس وصدقه، أفلم يكن من الواجب عليه أن يتثبت فيه، ويبحث ويسأل عن كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ورسائله ويجعل رده عليها، ويقول في الأخبار اللسانية قال لنا فلان أو قيل عنه كذا، فإن صح فحكمه كذا؟ إن علماء السنة في الهند واليمن قد بلغهم كل ما قيل في هذا الرجل فبحثوا وتثبتوا وتبينوا كما أمر الله تعالى، فظهر لهم أن الطاعنين فيه مفترون لا أمانة لهم، وأثنى عليه فُحولهم في عصره وبعد عصره، وعدُّوه من أئمة المصلحين المجدِّدين للإسلام ومن فقهاء الحديث كما نراه في كتبهم» (١) .

стр. 176

[المبحث الخامس القضايا الكبرى التي أثيرت حول الدعوة ومناقشتها] [أولا قضية التوحيد والسنة والشرك والبدعة وما يتفرع عنها وفيها] [أنها القضية الكبرى] المبحث الخامس القضايا الكبرى التي أثيرت حول الدعوة ومناقشتها أولاً: قضية التوحيد والسنة والشرك والبدعة وما يتفرع عنها. لقد أثار خصوم الدعوة شبهات ومفتريات كثيرة حول الدعوة ورجالها ودولتها وأتباعها سائرها يدور حول رفض الخصوم لدعوة التوحيد والسنة، والإصلاح، وإصرارهم على ما هم عليه من البدع والجهالات والأوضاع الفاسدة لأسباب كثيرة، سبق الحديث عن بعضها أذكر هنا نماذج لأهم المسائل التي دار حولها الصراع. فالقضية الكبرى: بين إمام الدعوة وأتباعه والدولة السعودية حاملة لواء الدعوة وبين خصومهم من أهل البدع والأهواء والضلال والافتراق - هي قضية التوحيد والشرك والسنة، والبدعة، والضلال والهدى، والحق والباطل، وهي قضيّة الأنبياء: إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وغيرهم مع خصومهم في كل زمان، وهي قضية العلماء المصلحين في كل أمة، وهي قضية أئمة الدين السلف الصالح أهل السنة والجماعة مع أعداء التوحيد والدين والسنة، وكانت دعوة نوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ وسائر المرسلين تقوم على الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله وحده والنهي عن الشرك وعن عبادة غير الله كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] [سورة النحل، آية (٣٦) .] وقال تعالى مخبرًا عن الأنبياء في دعوتهم لأقوامهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٥٠] [سورة هود، آية (٥٠) .] ، وقال: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢٦] [سورة هود، آية (٢٦) .] ، وقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] [سورة النساء، آية (٣٦) .] ، وقوله سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] [سورة الأنعام، آية (١٥٣) .] . إنها قضية توحيد الله تعالى بالعبادة والطاعة ومحاربة الشرك والبدع والأهواء. وقد أعلن الشيخ وأتباعه ودولتهم وكل المتمسكين بالسنة والجماعة هذه القضية بوضوح وبكل الوسائل المتاحة لهم ليس في جزيرة العرب فحسب، بل في كل العالم الإسلامي. فأعلن الإمام وجوب تحرير العبادة لله تعالى وحده لا شريك له وتعظيمه سبحانه بأسمائه وصفاته، ونبذ كل مظاهر الشرك والبدع وذرائعهما، ومحاربة المحدثات في ذلك، وفي الدين كله.

стр. 177

نعم لقد حارب الإمام ومعه كل أهل السنة بحزم وقوة كل الشركيات والبدع والمحدثات من البناء على القبور والمشاهد، وما يصاحب ذلك من الشركيات والتبرك البدعي وصرف أنواع العبادة لغير الله وسائر البدع الصوفية والقبورية، والدجل والشعوذة والسحر بمختلف أشكالها، وكل ذلك كان امتثالاً لأمر الله تعالى ووصية رسوله ﷺ . وليس ذلك المنهج مذهبًا شخصيًّا ولا مسلكًا ينفردون به عن كوكبة الدعوة في تاريخ البشرية، بل هو امتداد لمنهج الأنبياء عمومًا ومنهج نبينا محمد ﷺ والسلف الصالح على الخصوص، إنه منهج الدين الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] [سورة آل عمران، آية (١٩) ] ، وقال ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] [سورة آل عمران، آية (٨٥) .] ، وقوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] [سورة يوسف، آية (١٠٨) ] . فكان الإمام محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود وسائر علماء الدعوة وأتباعها على بصيرة من أمرهم سائرين على منهاج النبوة معتمدين على الله ومتوكلين عليه دليلهم القرآن والسنة، وقدوتهم الرسول ﷺ وصحابته والسلف الصالح وأحوالهم وأقوالهم وكتبهم وسيرهم شاهدة بذلك بحمد الله. وقد دافع الإمام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة وسائر أهل السنة والجماعة في كل مكان عن هذه القضية، وبيَّنوا الحق بدليله من القرآن والسنة وآثار السلف الصالح وأقوال العلماء المعتَبرين عند عامة المسلمين، فأقاموا الحجة وبيَّنوا المحجة. [جهود الإمام في بيان هذه الحقيقة ورد الاتهامات] جهود الإمام في بيان هذه الحقيقة ورد المفتريات: ولنترك المجال للإمام نفسه يبين لنا حقيقة الخلاف بينه وبين خصوم السنة في هذه القضية الكبرى، ويشرح ذلك للشريف غالب حاكم الحجاز ولعلماء الأمة هناك سنة (١٢٠٤هـ) فيقول: «من محمد بن عبد الوهاب: إلى العلماء الأعلام في بلد الله الحرام، نصر الله بهم دين سيد الأنام؛ عليه أفضل الصلاة والسلام، وتابعي الأئمة الأعلام.

стр. 178

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ وبعد: جرى علينا من الفتنة، ما بلغكم، وبلغ غيركم، وسببه: هدم بناء في أرضنا على قبور الصالحين (١) ؛ ومع هذا نهيناهم عن دعوة الصالحين، وأمرناهم بإخلاص الدعاء لله، فلما أظهرنا هذه المسألة، مع ما ذكرنا من هدم البناء على القبور، كبر على العامة، وعاضدهم بعض من يدعي العلم؛ لأسباب ما تخفى على مثلكم، أعظمها اتباع الهوى، مع أسباب أخر. فأشاعوا عنا: أنا نَسُبّ الصالحين، وأنَّا على غير جادة العلماء، ورفعوا الأمر إلى المشرق والمغرب، وذكروا عنا أشياء يستحي العاقل من ذكرها، وأنا أخبركم بما نحن عليه، بسبب أن مثلكم ما يروج عليه الكذب؛ ليتبين لكم الأمر، وتعلموا الحقيقة. فنحن - ولله الحمد - متبِعون لا مبتدِعون، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وتعلمون - أعزكم الله - أن المُطاع في كثير من البلدان، لو يتبين بالعمل بهاتين المسألتين، أنها تكبر عند العامة، الذين درجوا هم وآباؤهم على ضد ذلك، وأنتم تعلمون - أعزكم الله - أن في ولاية أحمد بن سعيد، وصل إليكم الشيخ عبد العزيز بن عبد الله، وأشرفتم على ما عندنا، بعدما أحضروا كتب الحنابلة، التي عندنا عمدة، وكالتحفة، والنهاية عند الشافعية، فلما طلب منا الشريف غالب - أعزه الله ونصره - امتثلنا أمره، وأجبنا طلبه، وهو إرسال رجل من أهل العقل والعلم، ليبحث مع علماء بيت الله الحرام» . وقال مخاطبًا عامة علماء المسلمين: «محمد بن عبد الوهاب: إلى من يصل إليه من علماء الإسلام، آنس الله بهم غربة الدين، وأحيا بهم سنة إمام المرسلين، ورسول رب العالمين، سلام عليكم معشر الإخوان، ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فإنه قد جرى عندنا فتنة عظيمة، بسبب أشياء نهيت عنها بعض العوام،

стр. 179

من العادات التي نشؤوا عليها، وأخذها الصغير عن الكبير؛ مثل: عبادة غير الله، وتوابع ذلك، من تعظيم المشاهد، وبناء القباب على القبور، وعبادتها، واتخاذها مساجد، وغير ذلك، مما بينه الله ورسوله غاية البيان، وأقام الحجة، وقطع المعذرة؛ ولكن الأمر كما قال ﷺ : «بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريبًا كما بدأ» (١) (٢) . فلما عظم [على] العوام: قطع عادتهم؛ وساعدهم على إنكار دين الله: بعض من يدعي العلم، وهو من أبعد الناس عنه - إذ العالم من يخشى الله - فأرضى الناس بسخط الله؛ وفتح للعوام باب الشرك بالله، وزين لهم، وصدهم عن إخلاص الدين لله؛ وأوهمهم: أنه من تنقيص الأنبياء والصالحين؛ وهذا بعينه هو الذي جرى على رسول الله ﷺ لما ذكر أن عيسى ﵇: عبد، مربوب، ليس له من الأمر شيء؛ قالت النصارى: إنه سب المسيح وأمه؛ وهكذا قالت الرافضة: لمن عرف حقوق أصحاب رسول الله وأحبهم، ولم يَغْلُ فيهم، رموْه: ببغض أهل بيت رسول الله ﷺ . وهكذا هؤلاء، لما ذكرت لهم، ما ذكره الله ورسوله، وما ذكره أهل العلم، من جميع الطوائف، من الأمر بإخلاص الدين لله، والنهي عن مشابهة أهل الكتاب من قبلنا، في اتخاذ الأحبار، والرهبان، أربابًا من دون الله؛ قالوا لنا: تنقصتم الأنبياء، والصالحين، والأولياء؛ والله تعالى ناصر لدينه، ولو كره المشركون. [وقال مبينًا أن مستنده كلام العلماء من كل الطوائف] : وها أنا أذكر مستندي في ذلك، من كلام أهل العلم، من جميع الطوائف، فرحم الله من تدبرها بعين البصيرة، ثم نصر الله، ورسوله، وكتابه، ودينه، ولم تأخذه في ذلك لومة لائم. [كلام الحنابلة] : فأما كلام الحنابلة، فقال الشيخ: تقي الدين، ﵀ لما ذكر حديث الخوارج: فإذا كان في زمن النبي ﷺ ، وخلفائه ممن قد انتسب إلى الإسلام، من مرق منه، مع

стр. 180

عبادته العظيمة، فيعلم: أن المنتسب إلى الإسلام، والسنة، قد يمرق أيضاً؛ وذلك بأمور، منها: الغلو، الذي ذمَّه الله تعالى؛ كالغلو في بعض المشائخ، كالشيخ عدي؛ بل الغلو في علي بن أبي طالب؛ بل الغلو في المسيح، ونحوه. فكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعًا من الإلهية، مثل أن يدعوه من دون الله، بأن يقول: يا سيدي فلان: أغثني؛ أو أجرني؛ أو أنت حسبي؛ أو أنا في حسبك؛ فكل هذا شرك، وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل؛ فإن الله أرسل الرسل ليُعْبَد وحده، لا يُجعل معه إله آخر، والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى، مثل الملائكة، أو المسيح، أو العزير، أو الصالحين، أو غيرهم، لم يكونوا يعتقدون: أنها تخلق وترزق؛ وإنما كانوا يدعونهم، يقولون: «هؤلاء شفعاؤنا عند الله» فبعث الله الرسل: تنهى أن يدعى أحد من دون الله، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة، انتهى. وقال في: الإقناع، في أول باب حكم المرتد: إن من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم، فهو: كافر إجماعاً. [كلام الحنفية] : وأما كلام الحنفية، فقال الشيخ: قاسم، في شرح: درر البحار؛ النذر: الذي يقع من أكثر العوام، بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء، قائلاً: يا سيدي، إن رد غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي: فلك من الذهب، أو الطعام، أو الشمع، كذا، وكذا، باطل إجماعاً، لوجوه؛ منها: أن النذر للمخلوق، لا يجوز؛ ومنها: أنه ظن الميت يتصرف في الأمر، واعتقاد هذا: كفر؛ إلى أن قال: وقد ابتلي الناس بذلك، ولا سيما في مولد الشيخ أحمد البدوي. وقال الإمام: البزازي، في فتاويه: إذا رأى رقص صوفية، زماننا هذا، في المساجد مختلطًا بهم جهّال العوام، الذين لا يعرفون القرآن، والحلال والحرام؛ بل لا يعرفون الإسلام، والإيمان، لهم نهيق، يشبه نهيق الحمير، يقول: هؤلاء لا محالة اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، فويل للقضاة، والحكام، حيث لا يغيرون هذا، مع قدرتهم. [كلام الشافعية] : وأما: كلام الشافعية، فقال الإمام مُحدِّث الشام: أبو شامة، في كتاب: الباعث على إنكار البدع والحوادث - وهو في زمن الشارح، وابن حمدان - لكن نبين من هذا: ما وقع فيه جماعة من جهال العوام، النابذين لشريعة الإسلام، وهو ما يفعله الطوائف، من
следующие страницы →