[المبحث الخامس القضايا الكبرى التي أثيرت حول الدعوة ومناقشتها]
[أولا قضية التوحيد والسنة والشرك والبدعة وما يتفرع عنها وفيها]
[أنها القضية الكبرى]
المبحث الخامس
القضايا الكبرى التي أثيرت حول الدعوة ومناقشتها أولاً: قضية التوحيد والسنة والشرك والبدعة وما يتفرع عنها. لقد أثار خصوم الدعوة شبهات ومفتريات كثيرة حول الدعوة ورجالها ودولتها وأتباعها سائرها يدور حول رفض الخصوم لدعوة التوحيد والسنة، والإصلاح، وإصرارهم على ما هم عليه من البدع والجهالات والأوضاع الفاسدة لأسباب كثيرة، سبق الحديث عن بعضها أذكر هنا نماذج لأهم المسائل التي دار حولها الصراع.
فالقضية الكبرى: بين إمام الدعوة وأتباعه والدولة السعودية حاملة لواء الدعوة وبين خصومهم من أهل البدع والأهواء والضلال والافتراق - هي قضية التوحيد والشرك والسنة، والبدعة، والضلال والهدى، والحق والباطل، وهي قضيّة الأنبياء: إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وغيرهم مع خصومهم في كل زمان، وهي قضية العلماء المصلحين في كل أمة، وهي قضية أئمة الدين السلف الصالح أهل السنة والجماعة مع أعداء التوحيد والدين والسنة، وكانت دعوة نوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ وسائر المرسلين تقوم على الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله وحده والنهي عن الشرك وعن عبادة غير الله كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] [سورة النحل، آية (٣٦) .] وقال تعالى مخبرًا عن الأنبياء في دعوتهم لأقوامهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٥٠] [سورة هود، آية (٥٠) .] ، وقال: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢٦] [سورة هود، آية (٢٦) .] ، وقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] [سورة النساء، آية (٣٦) .] ، وقوله سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] [سورة الأنعام، آية (١٥٣) .] .
إنها قضية توحيد الله تعالى بالعبادة والطاعة ومحاربة الشرك والبدع والأهواء.
وقد أعلن الشيخ وأتباعه ودولتهم وكل المتمسكين بالسنة والجماعة هذه القضية بوضوح وبكل الوسائل المتاحة لهم ليس في جزيرة العرب فحسب، بل في كل العالم الإسلامي.
فأعلن الإمام وجوب تحرير العبادة لله تعالى وحده لا شريك له وتعظيمه سبحانه بأسمائه وصفاته، ونبذ كل مظاهر الشرك والبدع وذرائعهما، ومحاربة المحدثات في ذلك، وفي الدين كله.
стр. 177
نعم لقد حارب الإمام ومعه كل أهل السنة بحزم وقوة كل الشركيات والبدع والمحدثات من البناء على القبور والمشاهد، وما يصاحب ذلك من الشركيات والتبرك البدعي وصرف أنواع العبادة لغير الله وسائر البدع الصوفية والقبورية، والدجل والشعوذة والسحر بمختلف أشكالها، وكل ذلك كان امتثالاً لأمر الله تعالى ووصية رسوله ﷺ .
وليس ذلك المنهج مذهبًا شخصيًّا ولا مسلكًا ينفردون به عن كوكبة الدعوة في تاريخ البشرية، بل هو امتداد لمنهج الأنبياء عمومًا ومنهج نبينا محمد ﷺ والسلف الصالح على الخصوص، إنه منهج الدين الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] [سورة آل عمران، آية (١٩) ] ، وقال ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] [سورة آل عمران، آية (٨٥) .] ، وقوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] [سورة يوسف، آية (١٠٨) ] .
فكان الإمام محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود وسائر علماء الدعوة وأتباعها على بصيرة من أمرهم سائرين على منهاج النبوة معتمدين على الله ومتوكلين عليه دليلهم القرآن والسنة، وقدوتهم الرسول ﷺ وصحابته والسلف الصالح وأحوالهم وأقوالهم وكتبهم وسيرهم شاهدة بذلك بحمد الله.
وقد دافع الإمام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة وسائر أهل السنة والجماعة في كل مكان عن هذه القضية، وبيَّنوا الحق بدليله من القرآن والسنة وآثار السلف الصالح وأقوال العلماء المعتَبرين عند عامة المسلمين، فأقاموا الحجة وبيَّنوا المحجة.
[جهود الإمام في بيان هذه الحقيقة ورد الاتهامات]
جهود الإمام في بيان هذه الحقيقة ورد المفتريات: ولنترك المجال للإمام نفسه يبين لنا حقيقة الخلاف بينه وبين خصوم السنة في هذه القضية الكبرى، ويشرح ذلك للشريف غالب حاكم الحجاز ولعلماء الأمة هناك سنة (١٢٠٤هـ) فيقول: «من محمد بن عبد الوهاب: إلى العلماء الأعلام في بلد الله الحرام، نصر الله بهم دين سيد الأنام؛ عليه أفضل الصلاة والسلام، وتابعي الأئمة الأعلام.
стр. 178
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ وبعد: جرى علينا من الفتنة، ما بلغكم، وبلغ غيركم، وسببه: هدم بناء في أرضنا على قبور الصالحين (١) ؛ ومع هذا نهيناهم عن دعوة الصالحين، وأمرناهم بإخلاص الدعاء لله، فلما أظهرنا هذه المسألة، مع ما ذكرنا من هدم البناء على القبور، كبر على العامة، وعاضدهم بعض من يدعي العلم؛ لأسباب ما تخفى على مثلكم، أعظمها اتباع الهوى، مع أسباب أخر.
فأشاعوا عنا: أنا نَسُبّ الصالحين، وأنَّا على غير جادة العلماء، ورفعوا الأمر إلى المشرق والمغرب، وذكروا عنا أشياء يستحي العاقل من ذكرها، وأنا أخبركم بما نحن عليه، بسبب أن مثلكم ما يروج عليه الكذب؛ ليتبين لكم الأمر، وتعلموا الحقيقة.
فنحن - ولله الحمد - متبِعون لا مبتدِعون، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وتعلمون - أعزكم الله - أن المُطاع في كثير من البلدان، لو يتبين بالعمل بهاتين المسألتين، أنها تكبر عند العامة، الذين درجوا هم وآباؤهم على ضد ذلك، وأنتم تعلمون - أعزكم الله - أن في ولاية أحمد بن سعيد، وصل إليكم الشيخ عبد العزيز بن عبد الله، وأشرفتم على ما عندنا، بعدما أحضروا كتب الحنابلة، التي عندنا عمدة، وكالتحفة، والنهاية عند الشافعية، فلما طلب منا الشريف غالب - أعزه الله ونصره - امتثلنا أمره، وأجبنا طلبه، وهو إرسال رجل من أهل العقل والعلم، ليبحث مع علماء بيت الله الحرام» .
وقال مخاطبًا عامة علماء المسلمين: «محمد بن عبد الوهاب: إلى من يصل إليه من علماء الإسلام، آنس الله بهم غربة الدين، وأحيا بهم سنة إمام المرسلين، ورسول رب العالمين، سلام عليكم معشر الإخوان، ورحمة الله وبركاته.
أما بعد:
فإنه قد جرى عندنا فتنة عظيمة، بسبب أشياء نهيت عنها بعض العوام،
стр. 179
من العادات التي نشؤوا عليها، وأخذها الصغير عن الكبير؛ مثل: عبادة غير الله، وتوابع ذلك، من تعظيم المشاهد، وبناء القباب على القبور، وعبادتها، واتخاذها مساجد، وغير ذلك، مما بينه الله ورسوله غاية البيان، وأقام الحجة، وقطع المعذرة؛ ولكن الأمر كما قال ﷺ : «بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريبًا كما بدأ» (١)(٢) .
فلما عظم [على] العوام: قطع عادتهم؛ وساعدهم على إنكار دين الله: بعض من يدعي العلم، وهو من أبعد الناس عنه - إذ العالم من يخشى الله - فأرضى الناس بسخط الله؛ وفتح للعوام باب الشرك بالله، وزين لهم، وصدهم عن إخلاص الدين لله؛ وأوهمهم: أنه من تنقيص الأنبياء والصالحين؛ وهذا بعينه هو الذي جرى على رسول الله ﷺ لما ذكر أن عيسى ﵇: عبد، مربوب، ليس له من الأمر شيء؛ قالت النصارى: إنه سب المسيح وأمه؛ وهكذا قالت الرافضة: لمن عرف حقوق أصحاب رسول الله وأحبهم، ولم يَغْلُ فيهم، رموْه: ببغض أهل بيت رسول الله ﷺ .
وهكذا هؤلاء، لما ذكرت لهم، ما ذكره الله ورسوله، وما ذكره أهل العلم، من جميع الطوائف، من الأمر بإخلاص الدين لله، والنهي عن مشابهة أهل الكتاب من قبلنا، في اتخاذ الأحبار، والرهبان، أربابًا من دون الله؛ قالوا لنا: تنقصتم الأنبياء، والصالحين، والأولياء؛ والله تعالى ناصر لدينه، ولو كره المشركون.
[وقال مبينًا أن مستنده كلام العلماء من كل الطوائف] : وها أنا أذكر مستندي في ذلك، من كلام أهل العلم، من جميع الطوائف، فرحم الله من تدبرها بعين البصيرة، ثم نصر الله، ورسوله، وكتابه، ودينه، ولم تأخذه في ذلك لومة لائم.
[كلام الحنابلة] : فأما كلام الحنابلة، فقال الشيخ: تقي الدين، ﵀ لما ذكر حديث الخوارج: فإذا كان في زمن النبي ﷺ ، وخلفائه ممن قد انتسب إلى الإسلام، من مرق منه، مع
стр. 180
عبادته العظيمة، فيعلم: أن المنتسب إلى الإسلام، والسنة، قد يمرق أيضاً؛ وذلك بأمور، منها: الغلو، الذي ذمَّه الله تعالى؛ كالغلو في بعض المشائخ، كالشيخ عدي؛ بل الغلو في علي بن أبي طالب؛ بل الغلو في المسيح، ونحوه.
فكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعًا من الإلهية، مثل أن يدعوه من دون الله، بأن يقول: يا سيدي فلان: أغثني؛ أو أجرني؛ أو أنت حسبي؛ أو أنا في حسبك؛ فكل هذا شرك، وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل؛ فإن الله أرسل الرسل ليُعْبَد وحده، لا يُجعل معه إله آخر، والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى، مثل الملائكة، أو المسيح، أو العزير، أو الصالحين، أو غيرهم، لم يكونوا يعتقدون: أنها تخلق وترزق؛ وإنما كانوا يدعونهم، يقولون: «هؤلاء شفعاؤنا عند الله» فبعث الله الرسل: تنهى أن يدعى أحد من دون الله، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة، انتهى.
وقال في: الإقناع، في أول باب حكم المرتد: إن من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم، فهو: كافر إجماعاً.
[كلام الحنفية] : وأما كلام الحنفية، فقال الشيخ: قاسم، في شرح: درر البحار؛ النذر: الذي يقع من أكثر العوام، بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء، قائلاً: يا سيدي، إن رد غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي: فلك من الذهب، أو الطعام، أو الشمع، كذا، وكذا، باطل إجماعاً، لوجوه؛ منها: أن النذر للمخلوق، لا يجوز؛ ومنها: أنه ظن الميت يتصرف في الأمر، واعتقاد هذا: كفر؛ إلى أن قال: وقد ابتلي الناس بذلك، ولا سيما في مولد الشيخ أحمد البدوي.
وقال الإمام: البزازي، في فتاويه: إذا رأى رقص صوفية، زماننا هذا، في المساجد مختلطًا بهم جهّال العوام، الذين لا يعرفون القرآن، والحلال والحرام؛ بل لا يعرفون الإسلام، والإيمان، لهم نهيق، يشبه نهيق الحمير، يقول: هؤلاء لا محالة اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، فويل للقضاة، والحكام، حيث لا يغيرون هذا، مع قدرتهم.
[كلام الشافعية] : وأما: كلام الشافعية، فقال الإمام مُحدِّث الشام: أبو شامة، في كتاب: الباعث على إنكار البدع والحوادث - وهو في زمن الشارح، وابن حمدان - لكن نبين من هذا: ما وقع فيه جماعة من جهال العوام، النابذين لشريعة الإسلام، وهو ما يفعله الطوائف، من
стр. 181
المنتسبين إلى الفقر، الذي حقيقته الافتقار من الإيمان، من مواخات النساء الأجانب، واعتقادهم في مشائخ لهم.
وأطال ﵀ الكلام، إلى أن قال: وبهذه الطرق، وأمثالها: كان مبادئ ظهور الكفر، من عبادة الأصنام، وغيرها؛ ومن هذا: ما قد عم الابتلاء به، من تزيين الشيطان للعامة، تخليق الحيطان، والعمد، وسرج مواضع مخصوصة، في كل بلد، يحكي لهم حاكٍ أنه رأى في منامه بها: أحدًا ممن شهر بالصلاح ثم يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، ويرجون الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم، بالنذر لها، وهي ما بين عيون، شجر، وحائط؛ وفي مدينة: دمشق، صانها الله من ذلك، مواضع متعددة.
ثم ذكر ﵀ الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ لما قاله له بعض من معه: «اجعل لنا ذات أنواط قال: «الله أكبر، قلتم والذي نفس محمد بيده، كما قال قوم موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة» (١) انتهى كلامه ﵀.
وقال في: اقتضاء الصراط المستقيم: إذا كان هذا كلامه ﷺ في مجرد قصد شجرة، لتعليق الأسلحة، والعكوف عندها، فكيف بما هو أعظم منها: الشرك بعينه، بالقبور ونحوها.
[كلام المالكية] : وأما: كلام المالكية، فقال أبو بكر الطرطوشي، في كتاب: الحوادث والبدع، لما ذكر حديث الشجرة، ذات أنواط؛ فانظروا رحمكم الله: أينما وجدتم، سدرة، أو شجرة، يقصدها الناس، ويعظمون من شأنها، ويرجون البرء، والشفاء لمرضاهم، من قِبَلِها؛ فهي: ذات أنواط، فاقطعوها؛ وذكر حديث العرباض بن سارية الصحيح، وفيه قوله ﷺ : «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» (٢) .
قال في البخاري، عن أبي الدرداء أنه قال: والله ما أعرف من أمر محمد شيئًا، إلا
стр. 182
أنهم يصلون جميعًا. وروى مالك: في الموطأ، عن بعض الصحابة، أنه قال: ما أعرف شيئًا مما أدركت عليه الناس، إلا النداء بالصلاة. قال الزهري: دخلت على أنس، بدمشق، وهو يبكي. . . فقال: ما أعرف شيئًا مما أدركت، إلا هذه الصلاة؛ وهذه الصلاة، قد: ضُيِّعت. قال الطرطوشي ﵀ فانظروا رحمكم الله: إذا كان في ذلك الزمن، طمس الحق، وظهر الباطل، حتى ما يعرف من الأمر القديم إلا القبلة؛ فما ظنك بزمانك هذا؟! والله المستعان.
وليعلم الواقف: على هذا الكلام من أهل العلم - أعزهم الله - أن الكلام في مسألتين؛ الأولى: أن الله سبحانه بعث محمدًا ﷺ لإخلاصه الدين لله، لا يُجعل معه أحد، في العبادة، والتأله، لا ملك، ولا نبي، ولا قبر، ولا حجر، ولا شجر، ولا غير ذلك؛ وأن من عظّم الصالحين بالشرك بالله، فهو: يشبه النصارى؛ وعيسى ﵇: بريء منهم.
والثانية: وجوب اتباع سنّة رسول الله ﷺ وترك البدع، وإن اشتهرت بين أكثر العوام، وليعلم: أن العوام محتاجون إلى كلام أهل العلم، من تحقيق هذه المسائل، ونقل كلام العلماء؛ فرحم الله من نصر الله، ورسوله، ودينه، ولم تأخذه في الله لومة لائم؛ والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم» (١) .
وقد أجمل الإمام ذلك كله بقوله: «والحاصل: أن كل ما ذكر عنا من الأشياء غير دعوة إلى التوحيد، والنهي عن الشرك، فكله من البهتان» (٢) .
وهذا بيان وافٍ وردّ كافٍ على المفتريات والشبهات التي أُثيرت على الدعوة وإمامها.
وقال في خطاب عام أرسله إلى عامة المسلمين كذلك: «من محمد بن عبد الوهاب، إلى من يصل إليه من المسلمين: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: أخبركم أني - ولله الحمد - عقيدتي، وديني الذي أدين الله به، مذهب أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين؛ مثل الأئمة الأربعة، وأتباعهم، إلى يوم القيامة.
стр. 183
لكني بينت للناس: إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأنبياء والأموات، من الصالحين، وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يُعبد الله به، من الذبح، والنذر، والتوكل، والسجود، وغير ذلك مما هو حق الله، الذي لا يشركه فيه ملك مقرب، ولا نبي مرسل؛ وهو الذي دعت إليه الرسل، من أولهم إلى آخرهم؛ وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة.
وأنا صاحب منصب في قريتي، مسموع الكلمة، فأنكر هذا بعض الرؤساء؛ لكونه خالف عادة نشؤوا عليها؛ وأيضاً: ألزمت من تحت يدي، بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وغير ذلك من فرائض الله؛ ونهيتهم عن الربا، وشرب المسكر، وأنواع من المنكرات، فلم يمكن الرؤساء القدح في هذا وعيبه؛ لكونه مستحسنًا عند العوام، فجعلوا قدحهم، وعداوتهم فيما آمر به من التوحيد، وما نهيتهم عنه من الشرك، ولبَّسوا على العوام: أن هذا خلاف ما عليه الناس، وكبرت الفتنة جدًّا، وأجلبوا علينا بخيل الشيطان، ورجله» .
إلى أن قال: «فلما جرى في هذه الأمة، ما أخبر به نبيها ﷺ حيث قال: «لتتبعن سنن من كان من قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» (١) وكان من قبلهم، كما ذكر الله عنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] [سورة التوبة، آية: ٣١] ، وصار ناس من الضالين: يدعون أناسًا من الصالحين، في الشدة والرخاء؛ مثل: عبد القادر الجيلاني، وأحمد البدوي، وعدي بن مسافر، وأمثالهم من أهل العبادة والصلاح، صاح عليهم: أهل العلم، من جميع الطوائف؛ أعني: على الداعي؛ وأما الصالحون، الذين يكرهون ذلك فحاشاهم.
وبيَّن أهل العلم: أن هذا هو الشرك الأكبر، عبادة الأصنام» .
إلى أن قال: «فبعث الله محمدًا ﷺ يجدد لهم دين إبراهيم، ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد: محض حق الله تعالى، لا يصلح منه شيء لا لملك مقرب، ولا نبي مرسل، فضلاً عن غيرهما؛ وإلا فهؤلاء المشركون: يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه لا يخلق، ولا يرزق إلا هو؛ ولا يحيي، ولا يميت إلا هو؛ ولا يدبر الأمر إلا هو؛ وأن
стр. 184
جميع السماوات السبع، ومن فيهن، والأراضين السبع، ومن فيهن، كلهم عبيده، وتحت تصرفه وقهره.
فإذا أردت الدليل: على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يشهدون بهذا، فاقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] [سورة يونس، آية: ٣١] ، وغير ذلك: من الآيات الدالات على تحقق أنهم يقولون بهذا كله، وأنه لم يدخلهم في التوحيد، الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ .
وعرفت: أن التوحيد الذي جحدوه، هو توحيد العبادة، الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد، كما كانوا يدعون الله – ليلاً ونهاراً، خوفًا وطمعاً، ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم، وقربهم من الله ، ليشفعوا لهم، ويدعو رجلاً صالحاً، مثل اللات، أو نبيًّا مثل عيسى.
وعرفت: أن رسول الله قاتلهم، على ذلك، ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [سورة الجن، آية: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤] [سورة الرعد آية: ١٤] .
وعرفت: أن رسول الله ﷺ قاتلهم؛ ليكون الدين كله لله، والذبح كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها بالله، وجميع أنواع العبادة كلها لله؛ وعرفت: أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة، والأنبياء، والأولياء: يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله تعالى بهم، هو: الذي أحل دماءهم، وأموالهم، عرفت حينئذ التوحيد، الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون» .
ثم قال: «فإذا عرفت ذلك، وعرفت: أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه أهل فصاحة، وعلم وحجج، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٨٦] [سورة الأعراف، آية: ٨٦] .
стр. 185
فالواجب عليك: أن تعلم من دين الله، ما يصير لك سلاحاً، تقاتل به هؤلاء الشياطين، الذين قال إمامهم، ومقدمهم لربك : ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ - ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧] [سورة الأعراف، الآيات: ١٦ - ١٧] .
ثم قال: «والحاصل: أن كل ما ذكر عنا من الأشياء، غير دعوة الناس إلى التوحيد، والنهي عن الشرك، فكله من البهتان.
ومن أعجب ما جرى من الرؤساء المخالفين: أني لما بيّنت لهم كلام الله وما ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] [سورة الإسراء، آية: ٥٧] ، وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] [سورة يونس، آية: ١٨] ، وقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] [سورة الزمر، آية: ٣] ، وما ذكر الله من إقرار الكفار في قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ [يونس: ٣١] [سورة يونس، آية: ٣١] وغير ذلك.
قالوا: القرآن لا يجوز العمل به لنا، ولأمثالنا، ولا بكلام الرسول؛ ولا بكلام المتقدمين؛ ولا نطيع إلاّ ما ذكره المتأخرون.
قلت لهم: أنا أخاصم الحنفي، بكلام المتأخرين من الحنفية، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، كل أخاصمه بكتب المتأخرين من علمائهم، الذين يعتمدون عليهم فلما أبوا ذلك، نقلت كلام العلماء من كل مذهب لأهله، وذكرت كل ما قالوا، بعدما صرحت الدعوة عند القبور، والنذر لها، فعرفوا ذلك، وتحققوه فلم يزدهم إلا نفورًا» .
إلى أن قال: «فرحم الله: من أدى الواجب عليه، وتاب إلى الله، وأقر على نفسه؛ فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له؛ ونسأل الله أن يهدينا وإياكم لما يحبه ويرضاه» (١) .
وقال مُفَنِّدًا لما نسبه إليه الخصُوم من المفتريات، وذلك في رسالته لابن صباح:
стр. 186
«فلما رأوني: آمر الناس بما أمرهم به نبيهم ﷺ أن لا يعبدوا إلا الله، وأن من دعا عبد القادر، فهو كافر؛ وعبد القادر منه بريء، وكذلك من نخا (١) الصالحين، أو الأنبياء أو ندبهم أو سجد لهم، أو نذر لهم أو قصدهم بشيء من أنواع العبادة التي هي حق الله على العبيد، وكل إنسان يعرف أمر الله ورسوله لا ينكر هذا الأمر، بل يقر به، ويعرفه» (٢) .
وقال في رسالته إلى ابن السويدي، عالم من أهل العراق حين سأله عما يقول الناس فيه، فأجابه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد الوهاب، إلى الأخ في الله: عبد الرحمن بن عبد الله.
سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فقد وصل إليّ كتابك، وسُرَّ الخاطر، جعلك الله من أئمة المتقين، ومن الدعاة إلى دين سيد المرسلين؛ وأخبرك أني - ولله الحمد - متبع، لست بمبتدع عقيدتي وديني الذي أدين الله به، هو مذهب أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة، وأتباعهم إلى يوم القيامة.
ولكنني بيّنت للناس: إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء، والأموات من الصالحين وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يعبد الله به من الذبح والنذر والتوكل والسجود وغير ذلك مما هو حق الله الذي لا يشركه فيه أحد، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل وهو الذي دعت إليه الرسل، من أولهم إلى آخره؛ وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة» (٣) .
ثم قال: «وأيضاً: ألزمْتُ مَنْ تحت يدي، بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وغير ذلك من فرائض الله، ونهيتهم عن الربا وشرب المسكر، وأنواع المنكرات، فلم يمكن الرؤساء القدح في هذا، وعيبه؛ لكونه مستحسنًا عند العوام؛ فجعلوا قدحهم وعداوتهم فيما آمر به من التوحيد، وأنهى عنه من الشرك ولبَّسوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه أكثر الناس، ونسبوا إلينا أنواع المفتريات فكبرت الفتنة وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله.
стр. 187
فمنها: إشاعة البهتان بما يستحي العاقل أن يحكيه فضلاً عن أن يفتريه. ومنها: ما ذكرتم أني أكفر جميع الناس إلا من اتبعني، وأني أزعم أن أنكحتهم غير صحيحة فيا عجبًا كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟! وهل يقول هذا مسلم، إني أبرأ إلى الله من هذا القول، الذي ما يصدر إلا عن مختل العقل، فاقد الإدراك فقاتل الله أهل الأغراض الباطلة. وكذلك قولهم: إني أقول: لو أقدر على هدم قبة النبي ﷺ لهدمتها.
وأما دلائل الخيرات، وما قيل عني: أني حرقتها، فله سبب، وذلك أني أشرت على مَنْ قَبِلَ نصيحتي من إخواني أن لا يصير في قلبه أجلّ من كتاب الله؛ ولا يظن أن القراءة فيه أفضل من قراءة القرآن، وأما: إحراقها والنهي عن الصلاة على النبي ﷺ بأي لفظ كان، فنسبة هذا إليّ من الزور والبهتان.
والحاصل: أن ما ذُكر عني من الأسباب، غير دعوة الناس إلى التوحيد، والنهي عن الشرك، فكله من البهتان؛ وهذا لو خفي على غيركم، فلا يخفى على حضرتكم، ولو أن رجلا من أهل بلدكم ولو كان أحب الخلق إلى الناس قام يُلزم الناس الإخلاص، ويمنعهم من دعوة أهل القبور، وله أعداء وحُسَّاد أشد منه رياسة وأكثر اتباعًا وقاموا يرمونه بمثل هذه الأكاذيب، ويوهمون الناس أن هذا تنقص بالصالحين وأن دعوتهم من إجلالهم واحترامهم لعلمتم كيف يجري عليه» (١) .
وقال في رسالة بعثها إلى أهل المغرب، بعد أن تحدث عن وقوع الافتراق في الأمة: «إذا عُرف هذا، فمعلوم: ما قد عمت به البلوى، من حوادث الأمور، التي أعظمها الإشراك بالله، والتوجه إلى الموتى وسؤالهم النصر على الأعداء، وقضاء الحاجات وتفريج الكربات التي لا يقدر عليها إلاّ ربّ الأرض والسماوات؛ وكذلك التقرب إليهم بالنذور، وذبح القربان، والاستغاثة بهم في كشف الشدائد، وجلب الفوائد إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله.
стр. 188
وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله: كصرف جميعها؛ لأنه سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك، ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ - أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٢ - ٣] [سورة الزمر، الآيات: ٢ - ٣] فأخبر سبحانه: أنه لا يرضى من الدين إلا ما كان خالصًا لوجهه؛ وأخبر: أن المشركين يدعون الملائكة، والأنبياء والصالحين، ليقربوهم إلى الله زلفى ويشفعوا لهم عنده، وأخبر أنه لا يهدي من هو كاذب كفار؛ فكذبهم في هذه الدعوى، وكفَّرهم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣] [سورة الزمر، آية: ٣] وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] [سورة يونس، آية: ١٨] ، فأخبر: أن من جعل بينه وبين الله وسائط، يسألهم الشفاعة، فقد عبدهم وأشرك بهم وذلك: أنَّ الشفاعة كلها لله كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ﴾ [الزمر: ٤٤] [سورة الزمر، آية: ٤٤] .
فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] [سورة البقرة، آية: ٢٥٥] وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] [سورة طه، آية: ١٠٩] وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] [سورة الأنبياء، آية: ٢٨] وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ - وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣] [سورة سبأ، آية: ٢٢ - ٢٣] فالشفاعة: حق ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله تعالى كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [سورة الجن، آية: ١٨] ، وقال: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] [سورة يونس، آية: ١٠٦] فإذا كان الرسول ﷺ وهو سيد الشفعاء، وصاحب المقام المحمود، وآدم فمن دونه تحت لوائه لا يشفع إلا بإذن الله، لا يشفع ابتداء بل «يأتي فيخر ساجدًا فيحمده بمحامد يعلمه إياها، ثم يقال: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع، ثم يحد له حدًّا فيدخلهم الجنة» فكيف بغيره من الأنبياء، والأولياء؟!
стр. 189
وهذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من علماء المسلمين، بل قد أجمع عليه السلف الصالح، من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة، وغيرهم ممن سلك سبيلهم ودرج على منهجهم.
وأما: ما صدر من سؤال الأنبياء، والأولياء الشفاعة بعد موتهم وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها والسُّرُج، والصلاة عندها واتخاذها أعياداً، وجعل السدنة والنذور لها، فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بوقوعها النبي ﷺ وحذَّر منها، كما في الحديث عنه ﷺ أنه قال: «لا تقوم الساعة، حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان» (١) .
وهو ﷺ حمى جناب التوحيد، أعظم حماية وسد كل طريق يوصل إلى الشرك، فنهى أن يُجصص القبر، وأن يُبنى عليه كما ثبت في صحيح مسلم، من حديث جابر (٢) وثبت فيه أيضاً: أنه بعث علي بن أبي طالب ﵁ وأمره أن لا يدع قبرًا مشرفًا إلا سواه، ولا تمثالًا إلا طمسه (٣) ؛ ولهذا قال غير واحد من العلماء: يجب هدم القبب المبنية على القبور؛ لأنها أسست على معصية الرسول ﷺ .
فهذا: هو الذي أوجب الاختلاف، بيننا وبين الناس، حتى آل بهم الأمر، إلى أن كفَّرونا، وقاتلونا واستحلوا دماءنا وأموالنا حتى نصرنا الله عليهم، وظفرنا بهم وهو الذي ندعو الناس إليه ونقاتلهم عليه، بعدما نقيم عليهم الحجة، من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع السلف الصالح، من الأئمة ممتثلين لقوله – : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ﴾ [الأنفال: ٣٩] [سورة الأنفال، آية: ٣٩] فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان، قاتلناه بالسيف والسنان، كما قال تعالى:
стр. 190
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] [سورة الحديد، آية: ٢٥] .
وندعو الناس: إلى إقام الصلاة في الجماعات، على الوجه المشروع، وإيتاء الزكاة، وصيام شهر رمضان، وحج بيت الله الحرام، ونأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] [سورة الحج، آية: ٤١] .
فهذا: هو الذي نعتقد وندين الله به، فمن عمل بذلك فهو أخونا المسلم له ما لنا وعليه ما علينا.
ونعتقد أيضًا: أن أمة محمد ﷺ المتبعين لسنته، لا تجتمع على ضلالة وأنه لا تزال طائفة من أمته على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك وصلى الله على محمد» (١) .
وقال في رسالة له:
«من محمد بن عبد الوهاب، إلى الشيخ فاضل آل مزيد، زاده الله من الإيمان، وأعاذه من نزغات الشيطان.
أما بعد: فالسبب في المكاتبة: أن راشد بن عربان، ذكر لنا عنك كلامًا حسناً، سر الخاطر، وذكر عنك: أنك طالب مني المكاتبة، بسبب ما يجيئك من كلام العدوان (٢) من الكذب، والبهتان؛ وهذا هو الواجب من مثلك أنه لا يقبل كلامًا إلا إذا تحققه.
وأنا أذكر لك: أمرين قبل أن أذكر لك صفة الدين.
الأول: أني أذكر لمن خالفني، أن الواجب على الناس اتباع ما وصى به النبي ﷺ أمته، وأقول لهم: الكتب عندكم، انظروا فيها ولا تأخذوا من كلامي شيئًا، لكن إذا عرفتم كلام رسول الله ﷺ الذي في كتبكم، فاتبعوه ولو خالفه أكثر الناس.
стр. 191
والأمر الثاني: أن هذا الأمر الذي أنكروا علي وأبغضوني وعادوني من أجله إذا سألوا عنه كل عالم في الشام واليمن، أو غيرهم يقول: هذا هو الحق وهو دين الله ورسوله؛ ولكن ما أقدر أظهره في مكاني لأجل أن الدولة (١) ما يرضون، وابن عبد الوهاب أظهره؛ لأن الحاكم في بلده ما أنكره بل لما عرف الحق اتبعه، هذا كلام العلماء وأظنه وصلك كلامهم.
فأنت: تفكر في الأمر الأول وهو قولي: لا تطيعوني ولا تطيعوا إلا أمر رسول الله ﷺ الذي في كتبكم، وتفكر في الأمر الثاني: أن كل عاقل مقر به لكن ما يقدر يظهره، فقدم لنفسك ما ينجيك عند الله، واعلم أنه ما ينجيك إلا اتباع رسول الله ﷺ والدنيا زائلة، والجنة والنار ما ينبغي للعاقل أن ينساهما.
وصورة الأمر الصحيح، أني أقول: ما يُدعى إلا الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى في كتابه: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [سورة الجن، آية: ١٨] ، وقال في حق النبي ﷺ : ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١] [سورة الجن، آية: ٢١] فهذا كلام الله والذي ذكره لنا رسول الله ﷺ ووصانا به، ونهى الناس لا يدعونه فلما ذكرت لهم: أن هذه المقامات التي في الشام والحرمين وغيرها أنها على خلاف أمر الله ورسوله وأن دعوة الصالحين، والتعلق عليهم، هو الشرك بالله الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢] [سورة المائدة، آية: ٧٢] فلما أظهرت هذا: أنكروه وكبر عليهم؛ وقالوا: أجعلتنا مشركين؟ وهذا ليس إشراكاً، هذا كلامهم وهذا كلامي، أسنده عن الله ورسوله وهذا هو الذي بيني وبينكم، فإن ذكر شيء غير هذا فهو كذب وبهتان، والذي يصدق كلامي هذا أن العالم ما يقدر يظهره حتى من علماء الشام من يقول: هذا هو الحق ولكن لا يظهره إلا من يحارب الدولة؛ وأنت -ولله الحمد- ما تخاف إلاّ الله، نسأل الله أن يهدينا وإياكم إلى دين الله ورسوله، والله أعلم» (٢) .
стр. 192
وللشيخ في بيان هذه القضية العادلة الشريفة والدفاع عنها كلام كثير؛ إذ تدور عليها سائر أعماله وأقواله وأحواله ومؤلفاته وأبرزها كتاب (التوحيد) الشهير، و (كشف الشبهات) و (الأصول الثلاثة) و (مسائل الجاهلية) وغيرها كثير.
ومن الرسائل التي بعثها خطابًا عامًا للمسلمين كذلك: «من محمد بن عبد الوهاب: إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فاعلموا رحمكم الله، أن الله بعث محمدًا ﷺ إلى الناس بشيرًا ونذيراً، مبشرًا لمن اتبعه بالجنة، ومنذرًا لمن لا يتبعه عن النار، وقد علمتم إقرار كل من له معرفة أن التوحيد الذي بينا للناس هو الذي أرسل الله به رسله، حتى إن كل مطوَّع معاند (١) يشهد بذلك وأن الذي عليه غالب الناس من الاعتقادات في الصالحين، (٢) وفي غيرهم هو الشرك الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢] [سورة المائدة، آية: ٧٢] فإذا تحققتم هذا وعرفتم أنهم يقولون: لو يتركون أهل العارض التكفير والقتال كانوا على دين الله ورسوله، ونحن ما جئناكم في التكفير، والقتال لكن ننصحكم بهذا الذي قطعتم أنه دين الله ورسوله أن تعلموه وتعملوا به إن كنتم من أتباع محمد باطنًا وظاهرًا» . (٣) .
وفي رسالة للإمام محمد والإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود إلى أحد علماء اليمن بعد الافتتاحية قال:
«من عبد العزيز بن محمد بن سعود، ومحمد بن عبد الوهاب: إلى الأخ في الله: أحمد بن محمد العديلي البكبلي (٤) سلمه الله من جميع الآفات،
стр. 193
واستعمله بالباقيات الصالحات، وحفظه من جميع البليات، وضاعف له الحسنات، ومحا عنه السيئات، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته: أما بعد:
لفانا (١) كتابكم، وسُر الخاطر بما ذكرتم فيه، من سؤالكم، وما بلغنا على البعد، من أخباركم، وسؤالكم عما نحن عليه، وما دعونا الناس إليه، فأردنا أن نكشف عنكم الشبهة بالتفصيل، ونوضح لكم القول الراجح بالدليل، ونسأل الله ﵁ أن يسلك بنا وبكم أحسن منهج وسبيل.
أما: ما نحن عليه من الدين؟ فعلى دين الإسلام، الذي قال الله فيه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] [سورة آل عمران، آية: ٨٥] .
وأما: ما دعونا الناس إليه؟ فندعوهم إلى التوحيد، الذي قال الله فيه خطابًا لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] [سورة يوسف، آية: ١٠٨] وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [سورة الجن، آية: ١٨] .
وأما: ما نهينا الناس عنه؟ فنهيناهم عن الشرك، الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢] [سورة المائدة، آية: ٧٢] وقوله تعالى لنبيه ﷺ على سبيل التغليظ، وإلا فهو منزه، هو وإخوانه من الشرك: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ - بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦] [سورة الزمر، آية: ٦٥ - ٦٦] وغير ذلك من الآيات.
ونقاتلهم عليه، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] [سورة الأنفال، آية: ٣٩] ، وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] [سورة التوبة، آية: ٥]
стр. 194
وقوله ﷺ : «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله » (١)(٢) .
إلى أن قال: «وما جئنا بشيء يخالف النقل، ولا ينكره العقل؛ ولكنهم يقولون ما لا يفعلون، ونحن نقول ونفعل: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] [سورة الصف، آية: ٣] نقاتل: عُبَّاد الأوثان، كما قاتلهم ﷺ ونقاتلهم على ترك الصلاة، وعلى منع الزكاة، كما قاتل مانعها، صديق هذه الأمة أبو بكر الصديق ﵁؛ ولكن ما هو إلا كما قال ورقة بن نوفل: ما أتى أحد بمثل ما أتيت به، إلا عودي، وأوذي، وأخرج، وما قل وكفى، خير مما كثر وألهى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» (٣) .
وقال في رسالته لأحد علماء المدينة:
«وإن سألت عن سبب الاختلاف، الذي هو بيننا وبين الناس؟ فما اختلفنا في شيء من شرائع الإسلام، من صلاة، وزكاة، وصوم، وحج، وغير ذلك ولا في شيء من المحرمات الشيء الذي عندنا زين، هو عند الناس زين؛ والذي عندهم شين هو عندنا شين، إلا أنا نعمل بالزين، ونغصب الذي يدنا عليه، وننهى عن الشين، ونؤدب الناس عليه.
والذي قلب الناس علينا: الذي قلبهم على سيد ولد آدم ﷺ وقلبهم على الرسل من قبله: ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ [المؤمنون: ٤٤] [سورة المؤمنون، آية: ٤٤] ومثل ما قاله ورقة للنبي ﷺ : «والله ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي» (٤) ؛ فرأس الأمر عندنا، وأساسه: إخلاص الدين لله نقول: ما يُدعى إلا الله، ولا يُنذر إلا لله، ولا يُذبح القربان إلا
стр. 195
لله، ولا يخاف خوف الله إلا من الله، فمن جعل من هذا شيئًا لغير الله فنقول: هذا الشرك بالله، الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] [سورة النساء، آية: ٤٨] والكفار الذين قاتلهم النبي ﷺ واستحل دماءهم: يقرون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، النافع الضار، المدبر لجميع الأمور، واقرأ قوله سبحانه لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ [يونس: ٣١] [سورة يونس، آية: ٣١] قُلْ مَنْ ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨ - ٨٩] [سورة المؤمنون، آية: ٨٨ - ٨٩] وأخبر الله عن الكفار: أنهم يخلصون لله الدين أوقات الشدائد، واذكر قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] [سورة العنكبوت، آية: ٦٥] والآية الأخرى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢] [سورة لقمان، آية: ٣٢] وبين الله غاية الكفار، ومطلبهم أنهم يطلبون الشفع (١) واقرأ أول سورة الزمر، تراه سبحانه بيَّن دين الإسلام، وبين دين الكفار ومطلبهم، الآيات في هذا من القرآن: ما تحصى ولا تعد» (٢) .
ثم ذكر جملة من الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ .
[سير أتباعه على هذا المنهاج]
[وسار أتباعه على هذا المنهاج في بيان حقيقة الدعوة والدفاع عنها] : ومن ذلك قول الشيخ عبد الله بن الإمام محمد: «وهذا الدين الذي ندعو إليه، قد ظهر أمره وشاع وذاع، وملأ الأسماع، من مدة طويلة، وأكثر الناس بدّعونا، وخرّجونا، وعادونا عنده، وقاتلونا، واستحلوا دماءنا وأموالنا، ولم يكن لنا ذنب سوى تجريد التوحيد، والنهي عن دعوة غير الله والاستغاثة بغيره، وما أحدث من البدع والمنكرات، حتى غلبوا وقُهِروا، فعند ذلك أذعنوا وأقروا بعد الإنكار» (٣) .
стр. 196
وقال الشيخ: حمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن أحد أحفاد الإمام بعد الافتتاحية:
«من محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، إلى من يراه من أهل القرى، ورؤساء القبائل، من أهل اليمن، وعسير، وتهامة، وشهران، وبني شهر، وقحطان، وغامد، وزهران، وكافة أهل الحجاز، وغيرهم هدانا الله وإياهم لدين الإسلام، وجعلنا وإياهم من أتباع سيد الأنام، آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. . . ثم قال: «وصار بعض الناس: يسمع بنا معاشر الوهابية (١) ولا يعرف حقيقة ما نحن عليه، وينسب إلينا، ويضيف إلى ديننا السفاسف، والأباطيل، تنفيرًا للناس عن قبول هذا الدين، وصدًّا لهم عن توحيد رب العالمين، فأوجب لنا: تسويد هذه العجالة، بيانًا لما نعتقده وندين الله به وندعو إليه ونجاهد الناس عليه.
فاعلموا - أن حقيقة ما نحن عليه، وما ندعو إليه ونجاهد على التزامه، والعمل به - أنَّا ندعو إلى دين الإسلام، والتزام أركانه، وأحكامه، الذي أصله وأساسه: شهادة أن لا إله إلا الله، والأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وهذه العبادة مبنية على أصلين: كمال الحب لله، مع كمال الخضوع، والذل له والعبادة لها أنواع كثيرة؛ فمن أنواعها: الدعاء وهو من أجلّ أنواع العبادة، وسماه عبادة، في عدة مواضع من كتابه، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] [سورة غافر، آية: ٦٠] . ونظائر هذا في القرآن كثير؛ وفي الحديث: «الدعاء مخ العبادة» (٢) .
فنقول: لا يُدعى إلا الله، ولا يُستغاث في الشدائد، وجلب الفوائد إلا به، ولا يذبح
стр. 197
القربان إلا له، ولا يُنذر إلا له، ولا يخاف خوف السر إلا منه وحده، ولا يُتوكل إلا عليه ولا يستعان ولا يستعاذ إلا به، وليس لأحد من الخلق شيء من ذلك لا الملائكة ولا الأنبياء ولا الأولياء، ولا الصالحين ولا غيرهم فلله حق، لا يكون لغيره، وحقه تعالى: إفراده بجميع أنواع العبادة، فلا تأله القلوب محبة وإجلالاً وتعظيمًا وخوفًا ورجاء، إلا الله فهذه هي الحكمة الشرعية الدينية والأمر المقصود في إيجاد البرية» .
وبعد أن شرح هذا المبدأ، واستدل له من القرآن والسنة قال: «ومن كان له معرفة بما بعث الله به رسوله، علم: أن ما يفعل عند القبور، من دعاء أصحابها والاستغاثة بهم، والعكوف عند ضرائحهم والسجود لهم، والنذر لهم أعظم وأكبر من فعل الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، وأقبح وأشنع من قول الذين قالوا اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط.
قال بعض العلماء المحققين، -رحمه الله تعالى-: فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة، لتعليق الأسلحة والعكوف عليها اتخاذ إله، مع أنهم لا يعبدونها ولا يسألونها فما الظن بالعكوف حول القبر، والدعاء به، ودعائه والدعاء عنده؟ فأي نسبة للفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر، لو كان أهل الشرك والبدع يعلمون؟ انتهى.
ولقد حمى النبي ﷺ جناب التوحيد، وسد الذرائع، التي تُفضي إلى الشرك والتنديد، فقال فيما صح عنه ﷺ : «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) ونهى عن إيقاد السرج عليها، فقال ﷺ : «لعن الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد، والسرج» (٢) ونهى: أن تُتخذ عيدًا، ونهى عن البناء عليها، وأمر بتسويتها بالأرض، كما روى مسلم في صحيحه، عن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي ﵁ ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أن لا تدع
стр. 198
تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته (١) ونهى: عن تجصيص القبور، وعن الكتابة عليها.
فنحن: ننكر الغلو في أهل القبور، والإطراء، والتعظيم؛ ونهدم البنايات، التي على قبور الأموات؛ لما فيها من الغلو، والتعظيم الذي هو أعظم وسائل الشرك بالله، وهذه الأمور التي أوجبت عبادتها من دون الله: ابتدعها أناس، أرادوا بها التعظيم، وإظهار تشريفهم، فجاء من بعدهم، فعبدوهم من دون الله، وقصدوا منهم كشف المُلِمات، وسألوهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات؛ واعتقدوا هذا الشرك الوخيم، قربة ودينًا يدينون به، واشتد نكيرهم على من أنكر ذلك، وحذروا عنه، ورموه بالزور والبهتان؛ والله ناصر دينه في كل زمان، ومكان لكنه يمتحن حزبه، بحربه منذ كانت الفئتان» (٢) .
[الشفاعة والتوسُل والتبرك ودعوى منعها]
دعوى منعهم الشفاعة والتوسل والتبرك مطلقا: التوسل والتبرك والشفاعة من الأمور الكبيرة التي أثارها الخصوم من أهل البدع والأهواء والافتراق على أهل السنة والجماعة منذ زمن بعيد؛ ثم لما ظهر الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، ودعا إلى السنة وأنكر البدع، وكان أشهرها وأظهرها إنكار التوسلات البدعية والتبرك البدعي والغلو في باب الشفاعة.
وهذه الأمور أغلب مسائلها تتفرع عن القضية الكبرى التي سبق الحديث عنها وهي قضية: التوحيد وما ينقضه وما ينافيه.
وقد أشاع خصوم السنة -من أهل البدع - حول هذه المسائل شبهات كثيرة وافتروا على أهل السنة عمومًا، وعلى الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه على الخصوص مفتريات ومزاعم كبيرة.
فزعموا أنهم يمنعون التوسل والتبرك والشفاعة مطلقًا.
وأنهم بناء على ذلك ينتقصون الرسول ﷺ وربما قالوا: يبغضونه؛ وأنهم بناء على ذلك يبغضون الأنبياء والصالحين ويكرهون الأولياء! .
стр. 199
والحق: أن أهل السنة ومنهم الإمام محمد وأتباعه - يثبتون كلَّ ما جاء في الأدلة من القرآن وصحيح السنة من ذلك وينفون ما عداه؛ لأن هذا من الأمور التوقيفية التي لا يمكن للناس أن يشرعوا فيها شيئاً. ومن شرع إثباتًا أو نفيًا فقد ابتدع، وأحدث في الدين ما ليس منه، وعمله مردود بقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) وقوله ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢) وهذه نصوص قطعية محكمة.
يعتقد أهل السنَّة والجماعة (ومنهم أتباع هذه الدعوة المباركة) أن الشفاعة نوعان: مثبتة وهي ما جاءت بها النصوص وتوافرت بها الشروط التي ذكر الله تعالى في كتابه كالشفاعة العظمى والمقام المحمود للنبي ﷺ وشفاعته لأهل الكبائر من أمته، وشفاعته لعمه أبي طالب أن يخفف عنه من عذاب النار، ونحو ذلك مما ثبت بدليل وما لم يثبت بدليل، فهو الشفاعة المنفية وهو النوع الثاني.
وقد أفاض الإمام محمد بن عبد الوهاب في هذه المسألة وكذلك علماء الدعوة وسائر أهل السنة وبينوها بأدلتها غاية البيان بالأدلة وكشفوا شبهات أهل البدع بما فيه الكفاية لمن كان قصده الحق.
يقول الإمام منكرًا التوسلات والشفاعات الشركية والبدعية في رسالته لابن صباح: بسم الله الرحمن الرحيم الذي يعلم من وقف عليه من الإخوان، المتبعين محمد ﷺ أن ابن صباح: سألني عما ينسب إليّ؟ فطلب مني: أن أكتب الجواب؛ فكتبته:
الحمد لله رب العالمين؛ أما بعد:
فما ذكره المشركون: على أني أنهى عن الصلاة على النبي، أو أني أقول: لو أن لي أمرًا، هدمت قبة النبي ﷺ أو أني أتكلم في الصالحين، أو أنهي عن محبتهم، فكل هذا كذب وبهتان، افتراه عليَّ الشياطين، الذين يريدون أن يأكلوا أموال الناس بالباطل، مثل أولاد شمسان، وأولاد إدريس، الذين يأمرون الناس ينذرون
стр. 200
لهم، وينخونهم، ويندبونهم، وكذلك فقراء الشيطان، الذين ينتسبون إلى الشيخ عبد القادر ﵀ وهو منهم بريء، كبراءة علي بن أبي طالب من الرافضة.
فلما رأوني: آمر الناس بما أمرهم به نبيهم ﷺ أن لا يعبدوا إلا الله، وأن من دعا عبد القادر، فهو كافر؛ وعبد القادر منه بريء، وكذلك من نخا الصالحين، أو الأنبياء أو ندبهم أو سجد لهم أو نذر لهم، أو قصدهم بشيء من أنواع العبادة، التي هي حق الله على العبيد، وكل إنسان، يعرف أمر الله ورسوله: لا ينكر هذا الأمر، بل يُقِرُّ به، ويعرفه.
وأما الذي ينكره، فهو بين أمرين، إن قال: إن دعوة الصالحين واستغاثتهم والنذر لهم وصيرورة الإنسان فقيرًا لهم، أمر حسن؛ ولو ذكر الله ورسوله: إنه كفر؛ فهو مُصِرّ بتكذيب الله ورسوله، ولا خفاء في كفره فليس لنا معه كلام.
وإنما كلامنا: مع رجل يؤمن بالله واليوم الآخر، ويحب ما أحب الله ورسوله، ويبغض ما أبغض الله ورسوله، لكنه جاهل، قد لبست عليه الشياطين دينه؛ ويظن: أن الاعتقاد في الصالحين حق؛ ولو يدري أنه كفر، يُدْخل صاحبه في النار ما فعله؛ ونحن: نبين لهذا ما يوضح له الأمر، فنقول: الذي يجب على المسلم أن يتبع أمر الله ورسوله، ويسأل عنه والله سبحانه: أنزل القرآن وذكر فيه ما يحبه، ويبغضه، وبيّن لنا فيه ديننا، وأكمل؛ وكذلك محمد ﷺ أفضل الأنبياء، فليس على وجه الأرض أحد أحب إلى أصحابه منه؛ وهم يحبونه على أنفسهم، وأولادهم، ويعرفون قدره، ويعرفون أيضًا: الشرك والإيمان.
فإن كان أحد من المسلمين في زمن النبي ﷺ قد دعاه، أو نذر له أو ندبه (١) أو أحد من أصحابه جاء عند قبره بعد موته يسأله، أو يندبه، أو يدخل عليه للالتجاء له عند القبر، فاعرف: أن هذا أمر صحيح حسن، ولا تطعني، ولا غيري.
وإن كان إذا سألت وجدت أنه: ﷺ تبرأ ممن اعتقد (٢) في الأنبياء، والصالحين وقتلهم وسباهم وأولادهم، وأخذ أموالهم وحكم بكفرهم، فاعرف: أن النبي ﷺ لا يقول إلا الحق ولا يأمر إلا بالحق؛ والواجب على كل مؤمن اتباعه فيما جاء به.
стр. 201
وبالجملة فالذي أنكره: الاعتقاد في غير الله، مما لا يجوز لغيره؛ فإن كنت قلته من عندي، فارم به؛ أو من كتاب لقيته، ليس عليه عمل، فارم به كذلك؛ أو نقلته عن أهل مذهبي، فارم به، وإن كنت قلته عن أمر الله ورسوله، وعما أجمع عليه العلماء في كل مذهب، فلا ينبغي لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرض عنه؛ لأجل أهل زمانه، أو أهل بلده، وأنّ أكثر الناس في زمانه أعرضوا عنه.
واعلم أن الأدلة على هذا، من كلام الله وكلام رسوله كثيرة، لكن: أنا أمثل لك بدليل واحد، ينبهك على غيره، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧] [سورة الإسراء، آية: ٥٦، ٥٧] ذكر المفسرون في تفسيرها: أن جماعة كانوا يعتقدون في عيسى ﵇ وعزير؛ فقال تعالى: هؤلاء عبيدي، كما أنتم عبيدي، ويرجون رحمتي، كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي، كما تخافون عذابي.
فيا عباد الله: تَفَكَّرُوا في كلام ربّكم، ﵎، إذا كان ذكر عن الكفار، الذين قاتلهم رسول الله ﷺ : أن دينهم الذي كفرهم به، هو الاعتقاد في الصالحين؛ وإلا فالكفار يخافون الله، ويرجونه، ويحجون، ويتصدقون، ولكنهم كفروا بالاعتقاد في الصالحين؛ وهم يقولون: إنما اعتقدنا فيهم، ليقربونا إلى الله زلفى، يشفعوا لنا، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] [سورة الزمر، آية: ٣] ، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا﴾ [يونس: ١٨] [سورة يونس، آية: ١٨] .
فيا عباد الله: إذا كان الله ذكر في كتابه، أن دين الكفار، هو الاعتقاد في الصالحين؛ وذكر أنهم اعتقدوا فيهم ودعوهم وندبوهم؛ لأجل أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، هل بعد هذا البيان، بيان؟ فإذا كان من اعتقد في عيسى ابن مريم، مع أنه نبي من الأنبياء، وندبه ونخاه (١) فقد كفر؛ فكيف بمن يعتقدون في الشياطين، كالكلب: أبي حديدة،
стр. 202
وعثمان، الذي في الوادي، والكلاب الأخر في الخرج، وغيرهم في سائر البلدان، الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله؟!» .
ثم قال موجهًا النصيحة لكل مسلم مستمسك بالحق:
«أنت يا من هداه الله، لا تظن أن هؤلاء يحبون الصالحين، بل هؤلاء أعداء الصالحين؛ وأنت والله الذي تحب الصالحين؛ لأن من أحب قومًا أطاعهم، فمن أحب الصالحين وأطاعهم لم يعتقد إلا في الله، وأما من عصاهم ودعاهم يزعم أنه يحبهم فهو مثل النصارى، الذي يدعون عيسى، ويزعمون محبته وهو بريء منهم» .
ثم ذكر الذين يدعون علي بن أبي طالب، وهو بريء منهم.
وقال: «ونختم هذا الكتاب بكلمة واحدة، وهي أن أقول: يا عباد الله، لا تطيعوني، ولا تفكروا (١) ؛ واسألوا أهل العلم من كل مذهب، عما قال الله ورسوله؛ وأنا أنصحكم: لا تظنوا أن الاعتقاد في الصالحين، مثل الزنا، والسرقة، بل هو عبادة للأصنام، من فعله كفر، وتبرأ منه رسول الله ﷺ ، يا عباد الله تفكروا، وتذكروا؛ والسلام» (٢) .
وقال: «ومن أعجب ما جرى من الرؤساء المخالفين أني لما بيّنت لهم كلام الله، وما ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] [سورة الإسراء، آية: ٥٧] وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا﴾ [يونس: ١٨] [سورة يونس، آية: ١٨] وقوله ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] [سورة الزمر، آية: ٣] وما ذكر الله من إقرار الكفار في قوله ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ [يونس: ٣١] [سورة يونس، آية: ٣١] وغير ذلك.
قالوا: القرآن لا يجوز العمل به لنا، ولأمثالنا، ولا بكلام الرسول ﷺ ؛ ولا بكلام المتقدمين، ولا نطيع إلا ما ذكره المتأخرون.
قلت لهم: أنا أخاصم الحنفي، بكلام المتأخرين من الحنفية والمالكي، والشافعي،
стр. 203
والحنبلي، كل أخاصمه بكتب المتأخرين من علمائهم، الذين يعتمدون عليهم، فلما أبوا ذلك، نقلت كلام العلماء من كل مذهب لأهله، وذكرت كل ما قالوا، بعدما صرحت الدعوة عند القبور، والنذر لها، فعرفوا ذلك، وتحققوه، فلم يزدهم إلاّ نفورًا» (١) .
وقد فصَّل الشيخ عبد الله بن الإمام محمد بن عبد الوهاب هذه المسألة فقال مجيباً:
«عمن كان يستغيث بالمخلوق عند الشدائد بالنداء والدعاء ويستغيث ويتوسل ويتوجه بنبيه أو بالصالحين فقد قال النبي ﷺ في أدعية الصباح «أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض وبكل حق هو لك وبحق السائلين عليك أن تقيلني في هذه الغداة» (٢) مع الحديث الآخر: «أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي ﷺ ، وقال له ادع الله أن يعافيني قال: «إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك» قال: ادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضي لي اللهم فشفعه في» (٣) . فهذان الحديثان مصرحان بالتوسل والتوجه والدعاء والتشفع والنداء، وما حكم من فعل ذلك وهو غير قاصد للشرك ولا معاند للإسلام؟ فالفرق ظاهر بينه وبين من قصد الشرك والعناد بعد معرفة التوحيد» .
قال: فنقول: «الجواب: وبالله التوفيق أما سؤال الميت والغائب نبيًّا كان أو غيره تفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، والاستغاثة به في الأمور المهمات فهو من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين لم يأمر الله به ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين، وهذا مما يُعلم بالاضطرار من دين الإسلام، فإنه لم يكن أحد منهم إذا نزلت به تِرَة أو عرضت له حاجة أو نزلت به كربة وشدة يقول لميت يا
стр. 204
سيدي فلان حسبك أو اقض حاجتي أو أنا مستشفع بك إلى ربي؛ كما يقول بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى والغائبين. ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته ولا بغيره من الأنبياء لا عند قبورهم ولا إذا بعدوا عنها ولا كانوا يقصدون قبورهم للدعاء والصلاة عندها. ولهذا ثبت في الصحيح «أن الناس لما قحطوا في زمان عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس وتوسل بدعائه، وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك إذا أجدبنا بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. فيسقون» (١) وكذلك معاوية ﵁ لما استسقى بأهل الشام توسل بيزيد بن الأسود الجرشي (٢) . فهذا الذي ذكره عمر ﵁ توسُّل منهم بدعاء النبي ﷺ وشفاعته في حياته؛ ولهذا توسل بعده بدعاء العباس، وتوسل معاوية بدعاء يزيد بن الأسود. وهذا الذي ذكره الفقهاء في كتاب الاستسقاء، وقالوا: يُستحب أن يستسقى بالصالحين وإذا كانوا من أقارب رسول الله ﷺ فهو أفضل.
وهذه الأمور المبتدعة عند القبور أنواع: أبعدها عن الشرع من يسأل الميت حاجته كما يفعله كثير من الناس وهؤلاء من جنس عُبَّاد الأصنام، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧] [سورة الإسراء، الآيات: ٥٦، ٥٧] الآية. قالت طائفة من السلف كان أقوام يدعون الملائكة والمسيح وعزيرًا فقال الله لهم هؤلاء عبيدي كما أنتم عبيدي يرجون رحمتي كما ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي، فكل من دعا نبيًا أو وليًا أو صالحًا وجعل فيه نوعًا من الإلهية فقد تناولته هذه الآية؛ فإنها عامة في كل من دعا من دون الله مدعوا، وذلك المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة ويرجو رحمته
стр. 205
ويخاف عذابه، فكل من دعا ميتًا أو غائبًا من الأنبياء أو الصالحين سواء كان بلفظ الاستغاثة أو غيرهما فقد فعل الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه.
ومعلوم أن هؤلاء كلهم يجعلونهم وسائط فيما يقدره الله بأفعالهم، ومع هذا فقد نهى عن دعائهم وبيَّن أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله لا يرفعونه بالكلية ولا يحولونه من موضع إلى موضع كتغيير صفته أو قدره.
ولهذا قال: (ولا تحويلا) فذكر نكرة تعم أنواع التحويل فكل من دعا ميتًا أو غائبًا من الأنبياء والصالحين أو دعا الملائكة أو الجن فقد دعا من لا يُغيث ولا يملك كشف ضره ولا تحويله، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] [سورة الجن، آية: ٦] وقد نص الأئمة كأحمد وغيره على أن لا يجوز الاستغاثة بمخلوق. وهذا مما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق، قالوا: لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه استعاذ بكلمات الله وأمر بذلك، فدل على أن كلمات الله غير مخلوقة، وأنها صفة من صفاته؛ لأن الاستغاثة بالمخلوق لا تجوز.
والمقصود أن يعلم السائل وفقه الله تعالى أن الاستغاثة بالمخلوق في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله من كشف الكربات وإغاثة اللهفات وإجابة الدعوات من الشرك الذي لا يغفره الله وهو من الغلو الذي ذمه الله في كتابه حيث قال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] [سورة النساء، آية: ١٧١] ، وقال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] [سورة المائدة، آية ٧٧] .
والغلو في الصالحين هو من فعل المشركين كما حكاه – عن قوم نوح في قوله: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ﴾ [نوح: ٢٣] [سورة نوح، آية: ٢٣] الآية. قال ابن عباس ﵁ «هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما ماتوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كان يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تُعْبَد حتى إذا هلك أولئك ونُسِيَ العلم عُبِدَتْ» (١) .
стр. 206
فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعًا من العبادة، مثل أن يقول يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو اجبرني، أو أنا في حسبك ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل» .
إلى أن قال: «ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يُشرع بناء المساجد على القبور ولا الصلاة عندها؛ وذلك لأن من أكبر أسباب عبادة الأوثان كان تعظيم القبور. ولهذا اتفق العلماء على أن من سلم على النبي ﷺ عند قبره لا يتمسح بحجرته ولا يُقَبِّلها؛ لأن ذلك إنما يكون لأركان بيت الله فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق، كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه الذي لا يقبل الله عملاً إلا به ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] [سورة النساء، آية: ٤٨] .
وقال: «النوع الثاني: من الأمور المبتدعة عند القبور أن يسأل الله تعالى به وهذا يفعله كثير من المتأخرين وهو من البدع المحدثة في الإسلام، ولكن بعض العلماء يرخص فيه وبعضهم ينهى عنه ويكرهه وليس هذا مثل النوع الذي قبله فإنه لا يصل إلى الشرك الأكبر عند من كرهه، ولا يسمى هذا استغاثة بالرسول ﷺ وإنما هو سؤال به، والفرق بينه وبين الذي قبله فرق عظيم أبعد مما بين المشرق والمغرب» .
وقال: «والتوسل إلى الله في الدعاء بغير نبينا ﷺ لا نعلم أحدًا من السلف فعله ولا روي فيه أثر، وقد قال أبوالحسين القدوري الحنفي في شرح الكرخي: قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به وأكره أن يقول بمعاقد العز من عرشك أو بحق خلقك. وهو قول أبي يوسف قال أبو يوسف: بمعقد العز من عرشك هو الله فلا أكره هذا (١) وأكره بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت والمشعر الحرام بهذا الحق يكره قالوا جميعًا. انتهى.
وكذلك قال الشيخ أبو محمد بن عبد السلام الفقيه الشافعي في فتاويه المشهورة عنه: أنه لا يجوز التوسل إلى الله تعالى بخلقه إلا بالنبي ﷺ إن صح الحديث فيه يعني حديث
стр. 207
الأعمى الذي رواه الترمذي (١) وغيره.
والمسألة بخلقه لا تجوز؛ لأنه لا حق للخلق على الخالق فلا يجوز أن يسأل ما ليس بمستحق، ولكن معقد العز من عرشك هل هو سؤال بمخلوق أو بالخالق؟ فيه نزاع بينهم فلذلك تنازعوا فيه، وأبو يوسف بلغه الأثر فيه أسألك بمعقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم وجدك الأعلى وكلماتك التامة فجوزه لذلك (٢) والله أعلم.
(وأما الجواب) عن الحديثين المذكورين فمن وجوه» (٣) ثم ذكرها فلتراجع.
[هدم القباب والأبنية على القبور والمشاهد والمزارات ودعوى بغض الأولياء]
هدم القباب والأبنية على القبور والمشاهد والمزارات ودعوى بغض الأنبياء والأولياء: إن ما ادعاه الخصوم بأن الدعوة إذا تمكنت في بلد قامت بهدم القباب والأبنية على القبور والمشاهد والآثار فهذا حق، وهو عين الصواب، ويجب أن تمدح به ولا تذم، لكن الخصوم صوروا ذلك بصورة الباطل، ولبَّسوا على العامة دينهم وروَّجوا هذه الأخبار، وما يزاد عليها من مزاعم وحكايات في معرض التشنيع والاعتراض على هذه الأعمال. والتلبيس على الناس بأن إزالة هذه البدع تعني بغض الأولياء والصالحين وإهانتهم.
مع أن الدعوة السلفية حين قامت بذلك كانت تفعله امتثالاً لأمر رسول الله ﷺ وإنكارًا لهذه البدع والمنكرات والمظاهر الشركية بمقتضى الأدلة الشرعية والتي منها حديث علي ﵁ الذي أخرجه الإمام أحمد في السنة ومسلم في صحيحه وغيرهما: «عن أبي الهياج الأسدي قال: قال علي ﵁: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته» (٤) .
وكان من أساليب الخصوم وإمعانهم في تهييج عواطف عامة المسلمين وجهالهم
стр. 208
ضد الدعوة أن زعموا أن أهلها يهينون الأولياء والأموات، ولا يعظمونهم.
وهذا تلبيس فإن كان القصد بتعظيم الأولياء والأموات واحترامهم كما جاء به السنة؛ من زيارتهم والسلام عليهم والدعاء لهم، واحترام قبورهم وعدم إهانتها، ونحو ذلك فهذا ما يدين به أهل السنة ويعملون به، ومنهم الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه.
أما إن قصد بذلك تقديسهم ورفعهم إلى مقام الألوهية والربوبية، وصرف شيء من العبادة لهم، أو اتخاذ البدع والمحدثات حول قبورهم من البناء عليها وإسراجها وتجصيصها، والتبرك بها، واتخاذها مساجد وقبابا ومشاهد، فهذا ونحوه إهانة للأولياء والمؤمنين، ومشاقة لرسول الله ﷺ .
يقول الشيخ سليمان بن الإمام محمد في ذلك: «وأما تعظيم القبور بمعنى احترامها، فإن كانت للمسلمين فواجب لا يجوز بول ولا تغوط ولا جلوس ووطء عليها لما في صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي أن النبي ﷺ قال: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» (١) وفيه أيضًا أن النبي ﷺ رأى رجلًا قد اتكأ على قبر فقال: «لا تؤذوا صاحب القبر» (٢) وفيه أيضًا عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر مسلم» (٣) .
وأما تعظيمها بمعنى عبادتها فهو أكبر الكبائر عند الخاص والعام، وأصل فتنة عُبَّاد الأصنام كما قاله السلف من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين الذين في قلوبهم وقار لله فيغضبون لأجله ويغارون على توحيده ويقبحون الشرك وأهله ويجاهدون أعداء الله من
стр. 209
أجله، ولكن من خالفهم فما الحيلة. ما لجرح بميت إيلام. ولا لمن خالف هؤلاء احترام. وإن منشأ هذه الفتنة في الإسلام الفتنة في القبور حتى آل الأمر فيها إلى أن عُبِدَ أربابها من دون الله، وعُبدت قبورهم واتُّخِذَتْ أوثانًا وبُنيت عليها الهياكل فصارت تُدعى وتُرجى وتُخشى» (١) .
وقال بعد أن ساق جملة من الأحاديث الموضوعة التي يتعلق بها المبتدعة:
«وأمثال هذه الأحاديث التي هي مناقضة لدين الإسلام وضعها المشركون وراجت على المدعين من الجهال والضلال الذي هم عن الحق معرضون، والله بعث رسوله يقتل من حسّن ظنه بالأحجار، وجنَّب أمته الفتنة بالقبور، كما جاءت به الآثار واستفاضت عنه في ذلك الأخبار بنقل أهل الصحيح ونقد أهل التصحيح» .
ثم ساق الأحاديث الصحيحة الصريحة في الرد على أصحاب بدع القبور والمشاهد والمزارات فقال: «فروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢) وفي رواية لمسلم: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣) . وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» (٤) وعن عائشة وعبد الله بن عباس قالا: «لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة كانت على وجهه فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر أمته ما صنعوا» متفق عليه (٥) قالت عائشة - رضي الله تعالى عنها- قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه:
стр. 210
«لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا» متفق عليه (١) وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد» (٢) وعن ابن عباس ﵄ قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» رواه الإمام أحمد وأهل السنن (٣) .
وهذا حال من سجد لله عند قبر، فكيف بمن يسجد للقبر نفسه» .
ثم قال: «ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور وما أمر به ونهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضادًا للآخر مناقضًا له بحيث لا يجتمعان أبدًا.
فنهى رسول الله ﷺ عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها.
ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها القبب والمساجد ويسمونها مشاهد مضاهاة لبيوت الله.
ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقادها بالقناديل والسرج فيها.
стр. 211
ونهى عن اتخاذها أعياداً، وهؤلاء يتخذونها مناسك وأعيادًا يجتمعون لها كاجتماعها للعيد أو أكثر.
ونهى عن العَقْر والذبح لها، وهؤلاء يعقرون عليها وينذرون لها ويدعونها.
وأمر بتسويتها كما روى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي واسمه حيان بن حصين قال: «قال لي علي بن أبي طالب ﵁ ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا أدع تمثالًا إلا طمسته ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته» (١) وفي صحيحه أيضًا عن ثمامة بن شفي الهمداني قال «كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بقبره فسوي، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها» (٢) وهؤلاء يبالغون في مخالفة هذين الحديثين فيرفعونها من الأرض كالبيت ويعقدون عليها القباب ويضعون عليها التوابيت ويكسونها كما يُكسى بيت الله الحرام.
ويفعلون عندها الموالد العظام ويجعلون لها السوائب من بهيمة الأنعام.
ويكثر لديها رفع الأصوات والضجيج واختلاط الرجال بالنساء كالحجيج.
ومن ذلك ما يفعله عباد الشيطان عند قبر أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث خارج مكة، وخديجة في المُعَلَّى كل سنة ثلاثة أيام مولد يحصل فيه من الضجيج وارتفاع الأصوات والدعاء بالاستغاثات واختلاط النساء مع الرجال في تلك الساحات.
وكذلك عند قبر عبد الرحمن المحجوب بالدفوف ذوات الصنوج والطبول والبيارق والنحائر داعين مستغيثين به راجينه بذلك ليكون عليهم ناظرًا ولهم حافظًا؛ لأنه المحب المحبوب.
وهكذا عند قبر أبي طالب، وهم يعلمون ظاهر حاله، وما هو عليه قبل الممات فالحكم لعلام الغيوب.
ولو تعلق مظلوم بأستار الكعبة جذبوه من تحتها وفعلوا به ما أرادوا، ولو دخل ظالم بسرقة أو قتل أو نهب مال على قبر أحد هذين الرجلين اللذين الله أعلم بهما من خلقه
стр. 212
وهم فقراء إليه لم يقدموا ليأخذوه منه، ولم يقدموا حدود الله عليه، بل عندهم من فعل ذلك فقد تعدى وظلم ومآله إلى الندم، ومن نهى عن فعل ما تقدم وأمر بما أرسل الله به الرسل إلى سائر الأمم والعمل بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية التي هي نص على توحيده خرّجوه وبدّعوه وكفّروه ونسبوه إلينا وإن كان لا يعرفنا.
وما ذنبنا إلا أن أمرنا بما أمر الله به رسله، ونهينا عما نهى الله ورسوله، فبسبب ذلك عادونا وجلبوا بخيلهم ورجالهم ومدافعهم علينا، وعن حج بيت الله الحرام الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] [سورة الحج، آية: ٢٥] صدونا ومنعونا، وهدي النبي ﷺ صار شعارنا واتباع سنته علمًا علينا.
فهم بذلك يعابوننا ويوبخوننا ويسبوننا ويجاهدوننا وما ذاك منهم علينا إلا اتباع الأهواء وعموم البلوى والطعن في الدين والعناد في اليقين. ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] [سورة الجاثية، آية: ٢٣] ، وهم يفعلون المنكرات ويجعلونها قربات ونتيجتها صدقات زيادة على الشرك الأكبر في تلك المعتقدات.
وذلك كله موجود في حرم الله وغيره من الساحات.
وهل هذا كله إلا لفقد الإسلام وجهله والاستهانة به عند هؤلاء الخاص منهم والعام، حيث جعلوا المنكر دينًا ونتيجة حسنة يقيناً.
ولكن مصيبة فقد الدين تهوِّن ما هو فعل الظالمين المعاندين.
ونهى عن الكتابة عليها كما روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبر وأن يُقْعَد عليه وأن يبنى عليه» (١) وروى أبو داود في سننه عن جابر ﵁ «أن رسول الله ﷺ : «نهى أن تجصص القبور وأن يكتب
стр. 213
عليها» قال الترمذي حديث حسن صحيح (١) .
وهؤلاء يتخذون عليها الألواح ويكتبون عليها القرآن والأشعار ويعلقون عليها بيض النعام وقناديل الفضة والرخام، فهؤلاء المعظمون للقبور المتخذونها أعياداً، الموقدون عليها السرج الذين يبنون عليها المساجد والقباب، مناقضون لما أمر به رسول الله ﷺ ، محادُّون لما جاء به، وأعظم ذلك اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها، وهو من الكبائر.
ومن يزعم أنا نُكَفِّر بمجردها فهو كاذب جائر، إنما نُكَفِّر بالشرك الذي لا يُغْفَر، وهو دعاؤها ورجاؤها والاستغاثة بها وذبح القربان والنذر لها لتدفع سوءًا أو تجلب خيرًا، أو تكون واسطة في ذلك.
نعم نحن نهدم القباب التي على القبور، ونأمر بهدمها كما هدم النبي ﷺ قبة اللات في الطائف، وأمر علي ﵁ بهدمها وخفض القبور المشرفة مطلقًا وتسويتها، وقد أمر به وفعله الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون.
قال الشافعي في الأم ورأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى على القبور (٢) . ويؤيد الهدم قوله: «ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته» ، وحديث جابر المتقدم ذكره الذي في صحيح مسلم؛ ولأنها أسست على معصية لنهيه، فبناءٌ أُسِّس على معصيته ومخالفته بناء غير محترم، وهو أولى بالهدم من بناء الغاصب قطعا، وأولى من هدم مسجد الضرار المأمور بهدمه شرعاً؛ إذ المفسدة هنا أعظم حماية للتوحيد.
وأما هذه الكبائر فقد صرح الفقهاء من أصحاب مالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم من الصحابة والتابعين على تحريمها، وأنها بدعة نهى رسول الله ﷺ عنها، قال أبو محمد المقدسي: لو أبيح اتخاذ السرج عليها لم يلعن من فعله؛ ولأن فيه تضييعًا للمال في غير فائدة، وإفراطًا في تعظيم القبور أشبه تعظيم الأصنام، هذا وبيوت الله ظلمات لا يوقد فيها نور، بل يرون أن الفضل عليها في ذلك القبور، وقد آل الأمر بهؤلاء المعتقدين تعظيم القبور تعظيم عبادة للاحترام في الصدور إلى أن شرعوا لها حجًّا ووضعوا له وقتًا
стр. 214
وجعلوه أضعاف حج بيت الله الحرام سبعاً.
هذا قبر ابن علي الذي في مرباط في بلاد اليمن قد شاع عند الخاص منهم والعام أن زيارته والتبتل إليه في رجب تعدل سبع حجات (١) .
وكذا الزيلعي الذي في اللحية قد شاع عندهم وذاع أن من مات فيها ودفن حوله في تلك البلاد أنه في لحيته ليس عليه حساب ولا عذاب.
وكذا قبر العيدروس الذي في عدن.
وكذا قبر الشاذلي في المخا؛ فإن أهل البر والبحر ليس لهم لهجة في الشدة والرخاء إلا بذكره زاعمين أنهم في أمانه وتحت نظره، وأنه يُغيث من دعاه في الشدة نائيًا كان، أو قريبًا في البر أو في البحر.
حتى صنَّف بعض غلاتهم في ذلك كتابًا سماه «مناسك حج مشاهد الأبرار لمن عني إليهم من المقيمين والزوّار» ، وصنف بعضهم كتابًا سماه «روضة الأبرار في دعوة الأولياء الأخيار عند الشدائد المدلهمة الغزار» ، ولا يخفى أن هذا بعينه مفارق دين الإسلام والدخول في عبادة الأصنام.
ومن نظر منصفًا بإخلاص إلى هذا التباين العظيم في هؤلاء المعتقدين من الناس عن الدين القويم والصراط المستقيم ماز وفرّق بين ما شرعه رسول الله ﷺ وقصده من النهي عما تقدم ذكره في القبور والاعتقاد وجاهد عليه وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه واعتقدوا فيه ودعوه ودعوا إليه، وحينئذ يحق أنَّا إنما ندعو إلى صراط مستقيم، صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، ألا إلى الله تصير الأمور، ويحقق تلك المفاسد الناشئة من خبث العقائد التي يعجز العادّون عن حصرها، وتشمئز قلوب العارفين لذكرها.
فمنها: تعظيمها الموقع في الافتتان بها من العكوف عليها والمجاورة عندها وتعليق الستور، والألواح وبيض النعام وقناديل الفضة والرخام عليها، وسدنتها وعبادها يرجحون المجاورة عندها على المجاورة عند البيت والمسجد الحرام، ويرون أن سدانتها أفضل من خدمة المساجد، والويل عندهم لِقَيِّمِهَا ليلة يطفأ القنديل المعلق عليها.
стр. 215
ومنها: بذل النذور لها ولسدنتها لجلب الخير، ودفع الشرور.
ومنها: اعتقاد المشركين فيها أن بها يُكشف البلاء، ويُنصر على الأعداء، وينزل غيث السماء، وتُفرج الكروب، وتُقضى الحوائج، ويُنصر المظلوم، ويُجار الخائف، ويأمن الحوادث، إلى غير ذلك من الشرك الأكبر الذي يُفعل عندها.
ومنها: الدخول في اللعنة، لعنة الله ورسوله باتخاذ المساجد عليها وإيقاد السُّرُج والقناديل فيها ووقفه عليها.
ومنها: اجتماع الرجال مع النساء واختلاطهم وضجيجهم ودعاؤهم إياهم.
ومنها: جعل المنكرات قربات.
ومنها: إيذاء أصحابها بما يفعله المشركون بقبورهم، فإنهم يؤذيهم ما يُفعل عند قبورهم ويكرهونه غاية الكراهة، كما أن المسيح يكره ما تفعله النصارى عند قبره إذا وجد في الأرض، وما يعتقدونه في قلوبهم من الإفراط والتفريط في الحب، وكذلك غيره من الأنبياء والأولياء والمشايخ يؤذيهم ما يفعله المعتقدون أشباه النصارى وأشكالهم عند قبورهم، ويوم القيامة يتبرءون منهم كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ - قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: ١٧ - ١٨] [سورة الفرقان، آية: ١٧، ١٨] قال الله للمشركين ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ [الفرقان: ١٩] [سورة الفرقان، آية: ١٩] ، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ - قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١] [سورة سبأ، آية: ٤٠، ٤١] .
ومنها: مشابهة اليهود والنصارى في اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها.
ومنها: محادة الله ورسوله ومناقضة ما شرعه فيها.
ومنها: التعب والنصب بالبناء والتشييد ووضع الأبواب ونقشها والجدران والاعتقاد، والتعظيم مع الوزر الكثير والإثم العظيم.
ومنها: إن هذا الاعتقاد يؤول إلى حبط العمل والخسران.
ومنها: إماتة السنن وإحياء البدع.