وفقهاء الزيدية يرون أن المتولي الوقف أن يؤجر الوقف لمدة معلومة بشرط ألا تزيد عن ثلاث سنين، وعللوا ذلك بأن خلاف ذلك الإفراط سيؤدي إلى اشتباه الوقف بالملك، قال الإمام الهادي وهو من أئمة الزيدية: تجوز إجارة الوقف مدة قريبة نحو سنة أو سنتين دون المدة الطويلة، فإن ذلك مكروه، وتزول الكراهة بأن يكون وقفه مستفيضًا (أي مشهورًا)، وقيل: يجدد الإشهاد على الإجارة في كل ثلاث سنين، نعم فإن أجَّر مدة طويلة صحَّ مع الكراهة، وأجيب عنه بأن لا معنى لتجدد الإشهاد؛ لأنه قد انعقدت الإجارة على وجه فاسد لطول المدة، وقيل: إن كان المؤجَّر له صاحب المنافع صحت الإجارة، وإن كان واليًا كمتولي أوقاف المساجد .. ونحو ذلك، فشرط صحة الإجارة أن نفرض للمسجد ونحوه مصلحة في طول المدة تفوت هذه المصلحة مع قصر المدة، وإلا فالإجارة فاسدة من أصلها (١).
أما الإباضية فيرون أن الضابط العام فيما يجوز وقفه هو كل مال متملك فيه منفعة، بحيث تبقى عينه وينتفع بمنفعته، والعين تخرج عن ملكية صاحبها الواقف وتصير وقفًا غير ممتلكة لأحد، فلا تباع ولا تشترى ولا توهب ولا ترهن ولا يتصرف فيها أي تصرف، والقائم عليها أمين عليها فقط وملكها خاص بما وقفت له، ويرون أن تأجيرها الأوقاف جائز ما دام يحقق فائدة دينية أو اجتماعية أو اقتصادية لصالح الوقف، كما أن للواقف أن يشترط في وقفه ما لا يخل بتعاليم الإسلام (٢).
стр. 1087
المبحث الثالث الطرف المستأجر في عقد إجارة الوقف
إن من الصلاحيات الممنوحة شرعًا للناظر أن يؤجر الموقوف لمن يرغب فيه، إلا أن الأمر ليس على إطلاقه بل إنه منضبط بمراعاة مصلحة الوقف وعدم القيام بما يضره، فلا يصح إكراء الوقف لمن يضر به، وهو أمرٌ مجمعٌ عليه لدى علماء الإسلام قاطبة، ولا يمنع الموقوف عليه من أن يكون مستأجرًا للوقف، حيث إن حقه في الغلة لا في الرقبة، فلو أجر القيم الوقف ممن يستحق غلته جاز (١).
هذا هو الأصل العام، إلا أنه يثور البحث حول مدى جواز تأجير الناظر العين الموقوفة لنفسه أو لأهله القريبين كوالده أو ولده أو والدته، حيث اختلف الفقهاء في المسألة على أربعة أقوال:
القول الأول: إن هذا العقد بهذه الصورة لا يجوز عند المالكية، والشافعية، وعند الصاحبين من الحنفية، والقول المفتي عند بعض الحنابلة، وهو مذهب الإباضية، والعلة في عدم الجواز الخوف من حصول غبن أو محاباة في كراء هذا الوقف، ولوجود شائبة التهمة من هذا العقد الذي يجريه الناظر لنفسه أو لأحد أصوله أو فروعه أو مكاتبه أو عبده أو لمن لا تقبل شهادته له، ولأنه أي الناظر لا يجوز له تولي طرفي هذا العقد فهو في ذلك كالوكيل والوصي ونحوهما، ممن يمتنع عليه أن يبيع أو يشترى أو يستأجر لنفسه من مال الموكل أو اليتيم أو شبههما (٢).
стр. 1088
القول الثاني: يجوز عقد هذه الإجارة إذا كانت من ابن الناظر البالغ أو والده بشرط تحقق الخيرية فيها، وهو رأي أبي حنيفة، وتتحقق الخيرية عند الحنفية بالزيادة عن أجرة المثل كأن يأخذ ما يساوي عشرة بخمسة عشر، وهذا الرأي هو المفتى به عند الحنفية (١).
القول الثالث: أن هذا العقد يصح إذا كان بأجرة المثل وهو وجه عند الحنابلة (٢).
القول الرابع: أنه يصح مطلقًا، وهو وجه ثالث للحنابلة (٣)، وهو ما ذهب إليه الزيدية، أما إذا تولى هذا العقد القاضي كأن طلب الناظر منه بتولي هذا العقد، فإنه يكون صحيحًا، ولا يقال: إن القاضي لا يملك هذا التصرف مع وجود الناظر؛ لأن المقام في هذه الحالة مقام نزاع على صحة تصرف الناظر، فساغ اللجوء إلى القاضي.
وذهب فقهاء الزيدية إلى أنه يجوز للناظر معاملة نفسه فيجوز له البيع والشراء من غلة الوقف ويسلم العوض، ويجوز له أن يزرع أرض الوقف أو يؤجرها لنفسه ويدفع أجرة المثل كغيره بلا عقد من الإمام أو الحاكم، ويكون حكم ذلك في يده حكم المعاطاة إلا أنه يجب أن يتحرى المصلحة وألا يأخذ المثل وقت غلائه بمثله في وقت رخصه (٤).
أما فقهاء الإمامية فالظاهر من بعد تتبع كلماتهم أنهم لا يمنعون من أن يقوم الناظر بتأجير الوقف لنفسه، ما دام بعيدًا عن أي قصور أو تقصير من جانبه في تحقيق مصلحة الوقف، فقد نصّوا على أن عمل ناظر الوقف مقيد بشروط الواقف المنصوص عليها في صك الوقف، إلا ما يكون باطلًا منها وأن مسؤولية المتولي كمسؤولية (٥) الوكيل والمودع؛ سواء قلنا بأنه وكيل عن الواقف أو الوقف أو المستحقين (٦)؛ لا سيما وأن وظيفة الناظر مع الإطلاق هي عمارة الوقف وإجارته وتحصيل الغلة وقسمتها على مستحقيها، ولو فوض إليه بعضها لم يتعدَّه (٧).
стр. 1089
المبحث الرابع المدة في إجارة الوقف
عند إبرام عقد إجارة الوقف فإننا نحتاج إلى تحديد زمن معيَّن لهذا العقد، شأنه شأن سائر العقود، إلا أن هناك سمة خاصة تمتاز بها إجارة الوقف عن إجارة الملك، وهي عبارة عن خصوصية الموقوف؛ إذ إن الأصل فيه يظل محبوسًا أبدًا، وأن المنفعة هي التي تسبل لله تعالى لينتفع منها، ولذلك فإن المدة التي تضرب في عقد إجارة الوقف يجب أن تحقق مصلحة الموقوف، فلا تؤدي إلى تلفه أو خرابه أو إلحاق أي ضرر به مهما كان.
وفي البحث حول مدة الإجارة الوقفية هناك حالات لا تقرر فيها مدة خاصة بهذا العقد، وحالات قدرت فيها المدة إلا أنه لم يلتزم بها مضافًا إلى بيان حكم الإجارة الطويلة وغيرها من المسائل المرتبطة بهذه المسألة، كالآتي:
المسألة الأولى: إذا تم تقييد إجارة الوقف بمدة زمنية
فهل يعني ذلك أنه لا يجوز أن تطلق الإجارة وأن التقييد لازمٌ؟ أم أنه يمكن إجارة الوقف دون تحديد المدة؟ فقد اختلف فيها الفقهاء على أقوال:
القول الأول: يجيز الإجارة بشكل مطلق دون الحاجة إلى بيان مدة ما سواء كان الموقوف ضيعة أي عقار أم غيرها، وقد اختص به الإمام نجم الدين الطرسوسي في فتاويه وأنه: يجب العمل بأقوال المتقدمين من الأصحاب ﵏ لوجوه؛ الأول: لوفرة علمهم واجتهادهم، الثاني: لقربهم من عصر الإمام - أي الإمام أبي حنيفة - والأئمة الأعلام، الثالث: لحسن نظرهم وقوة تحريهم للمسائل التي ليس فيها رواية منصوصة، الرابع: لأن ما قالوه موافق للأصل المعروف من أي المقادير لا تعرف إلا سماعًا لا مدخل للقياس فيها، الخامس: أن قولهم لا يخلو إما أن يكون عن رواية وهو الظاهر، أو ليس عن رواية لكنه موافق للقواعد والفروع والشواهد، وأما البحث عن بيان الرواية فلا قدرة لنا عليه؛ لأنها نقل، ولم نقف في ذلك على رواية منقولة عن الإمام ولا عن أبي يوسف ومحمد، وأما البحث عن أنه موافق للقواعد والفروع والشواهد فهو أن بيع المنافع كبيع الأعيان وهو أصلها، وفي بيع الأعيان لم
стр. 1090
يحفظ للتقدير فيها مدة عن أحد من الأصحاب، ولا من أهل العلم فكذا في بيع المنافع لأنها فرعها فلا يرد السلم؛ لأنه خرج بالنص فلا يقاس عليه، السادس: أننا إن تنزلنا وقلنا: إن قول المتقدمين عن تخريج لا عن رواية فقد تأيد بموافقة من قال من المتأخرين وهم الأشياخ الأعلام، فهؤلاء كلهم توافقوا في القول بعدم التقرير ولا شك في أن الاجتماع الآراء قوة معتبرة (١).
القول الثاني: فإنه يرى عدم جواز إجارة الوقف إلا لمدة محددة، وتقع باطلة إذا كانت مطلقة غير محددة المدة، فالإجارة عندهم جائزة إذا أجرها هو إلى وقت معلوم (٢)، وهو الرأي المعتمد عند بعض أئمة المذاهب الأخرى، إذ إن المالكية والشافعية والزيدية لا يجيزون إجارة الوقف إلا لمدة محددة ويمنعون الإطلاق في المدة، فلا يجوز كراء الأحباس الغير أمد ولا يجوز لأمدٍ بعيد؛ لأنه لغير أمد كراء مجهول (٣)، فيصح لمتولي الوقف تأجيره مدة معلومة تبقى فيها العين المؤجرة غالبًا؛ ليتم استيفاء المعقود عليه (٤).
أما الحنابلة فلم نعثر على نص لهم يتناول حكم عدم جواز إجارة الوقف لمدة غير محددة، إلا أنه يتبين أنهم يتناولون المدة وضرورة تحديدها؛ إذ يتحدثون عن مقدار المدة وما قد يشترطه الواقف من تحديد لها، كما في عبارات بعض فقهائهم (٥).
стр. 1091
وأما الإمامية فإن الكلام عندهم يقع في الإجارة لمدة معلومة معروفة الابتداء والانتهاء، وهذا يتضح من استقراء مسائل عديدة منشورة في مصادرهم الفقهية المعتبرة، وعليه فإنه إذا أجر العين الموقوفة البطن الأول من الموقوف عليهم في الوقف الترتيبي، وانقرضوا قبل انقضاء مدة الإجارة؛ فإنهم يرون أن الإجارة لا تصح بالنسبة إلى بقية المدة، ومحل الشاهد من هذه المسألة أنها تبين أن الإجارة يجب أن تكون لمدة معلومة ومحددة لا مطلقة؛ سواء كانت مدة قصيرة كاليوم أو طويلة كالسنين، تبدأ من الوقت المسمى في العقد، وإلا فمن وقت العقد (١).
وأما الإباضية فلقد ورد في استفتاء وجه إلى مفتي الإباضية في عمان حول تأجير بيت لمدة أربعين عاما بأجرة ثابتة .. قوله: "لا مانع منه لأن للواقف أن يشترط في وقفه ما لا يخل بتعاليم الإسلام" (٢)، ويقول الشيخ الخليلي في موضع آخر من فتاويه عن الإجارة: إن اتفق الجانبان على إكراه المحل التجاري إلى زمن محدود فالإكراء صحيح (٣).
وأما الظاهرية فورد في كتاب الإجارات من المحلى للإمام ابن حزم قوله: "ومن الإجارات ما لابد فيه من ذكر العمل الذي يستأجر عليه فقط ولا يذكر فيه مدة كالخياطة والنسيج وركوب الدابة إلى مكان مسمَّى أو نحو ذلك، ومنها ما لابد فيه من ذكر المدة كسكني الدار وركوب الدابة ونحو ذلك، ومنه ما لابد فيه من الأمرين معًا كالخدمة ونحوها فلابد من ذكر المدة والعمل؛ لأن الإجارة بخلاف ما ذكرنا مجهولة وإذا كانت مجهولة فهي أكل مال بالباطل" (٤).
стр. 1092
المسألة الثانية: إذا لم يحدد الواقف مدة معينة لتأجير الوقف إهمالًا
فقد اختلف الفقهاء في مدى صلاحية الناظر لتحديد مدة عقد الإجارة وحدودها وفق التفصيل الآتي:
أولًا: المذهب الحنفي:
اختلف أصحابه فيما لو أهمل الواقف مدة الإجارة على آراء؛ فمنهم من يرى أنه إذا أهمل الواقف تحديد المدة فإن الأمر للناظر يكري الوقف إلى المدة التي يراها أصلح، وهو رأي المتقدمين من الحنفية (١)، وهناك من يرى أن المدة تُقيَّد بسنة مطلقًا تجنبًا لطول المدة التي قد تؤدي إلى إبطال الوقف؛ حيث إن من رآه يتصرف منها تصرف المُلَّاك على طول الزمان قد يتوهمه الناس مالكًا، ولذلك ودفعًا لمثل هذا التوهم فقد رأى بعض الفقهاء أن المدة يجب أن تحدد واختلف في تحديدها، فبعضهم كما ذكرنا يرى أن مدة السنة هي المدة الأقل لدفع مثل هذا الخطر عن الوقف، وقد فصَّل البعض؛ إذ إن إجارة السنة هي لوقف الدار، أما الأرض فثلاث سنين، إلا إذا كانت المصلحة بخلاف ذلك، وهذا قد يختلف زمانًا وموضعًا، بل يرى بعضهم أنه لو احتيج لذلك فإنه يعقد عقودًا مترادفة؛ كل عقد لسنة بكذا، هذا في الدار، أما بالنسبة لإجارة الأراضي الموقوفة فيصبح كل عقد لثلاث سنين، ويذكر في عقد واحد أنه يؤجر له الدار سنة كذا بأجر كذا، وهكذا لمدة ثلاث سنين، وهكذا إلى تمام المدة ويكون العقد الأول لازمًا فقط؛ لأن جميع ما عداه يكون مضافًا، وكل ذلك إذا كان المؤجر غير الواقف، أما إذا كان المؤجر هو الواقف فله التأجير لأكثر من مدة السنة والثلاث سنين (٢).
ثانيًا: المذهب المالكي:
تتعدد الأحكام بتعدد المسائل وشرائطها، وهي كما يأتي:
١ - إذا كان الموقوف أرضًا للزراعة، وكان المكتري من ليس مرجع الوقف له، وكان الناظر من جملة الموقوف عليهم؛ فإن كان الوقف قد تم على معينين أو معيَّن فإنه يجوز للناظر إجارة الأرض الموقوفة سنتين أو ثلاث سنين، ولا يجوز أكثر
стр. 1093
من ذلك، أما إذا كان الوقف على غير معيَّن كالفقراء ونحوهم من العناوين العامة فإنه يجوز عندئذ أن تكري وتؤجر أربع سنين لا أكثر، قال ابن رشد: وأما الأحباس المحبسة على المساجد والمساكين .. وما أشبه ذلك؛ فلا ينبغي لمتولي النظر فيها أن يكريها لأكثر من أربعة أعوام إن كانت أرضًا، وعليه مضى عمل القضاة في كراء الأحباس.
٢ - إذا كان الموقوف دارا فلا يُؤجر الناظر الوقف أكثر من سنة؛ سواء أكان الموقوف عليه معينًا أم غير معيَّن.
٣ - إن أكرى الناظر الوقف أكثر مما تقدم ذكره سواء بالنسبة للدار أو الأرض؛ فإنه لابد أن يكون محققًا لمصلحة الوقف، وعندئذ يُمضى، وإلا يفسخ؛ لأنه بموته لا تنفسخ الإجارة.
٤ - أما إذا كان الكراء لمن مرجع الوقف له جاز الكراء لعشر سنين ونحوها سواء كان الموقوف دارًا أم أرضًا وسواء كان الموقوف عليهم معينين أو غير معينين، وقد أكرى الإمام مالك، منزله عشر سنين وهو صدقة على هذا الحال (١).
٥ - يكون تحديد المدة السابقة في الحالات الطبيعية أما إذا اقتضت الضرورة الإجارة لأكثر من هذه المدد مثل حالة تهدم الوقف فيجوز كراؤه بما يبنى به ولو طال الزمان كأربعين عامًا أو أزيد بقدر ما تقتضي الضرورة، وهو خير من ضياعه واندراسه (٢).
ثالثًا: المذهب الشافعي:
اختلف فقهاء الشافعية على ثلاثة أقوال (٣):
стр. 1094
القول الأول: أن إجارة الوقف هنا لا تقيد بمدة زمنية محددة بل يصح العقد إلى مدة تبقى فيها العين المؤجرة غاليا وعلى ما يليق بها فالمرجع في المدة التي تبقى فيها العين غالبًا يعود إلى أهل الخبرة وكل شيء يحبسه فيؤجر الرقيق مثلًا ثلاثون عامًا أما الدابة فقد يليق بها أن تؤجر لعشر سنين والثوب سنة أو سنتين.
القول الثاني: أن لا يؤجر الوقف لأكثر من سنة لاندفاع الحاجة بها.
القول الثالث: أنه لا يزاد في إجارة الوقف على ثلاثين سنة لأنها نصف العمر الغالب.
رابعًا: المذهب الحنبلي:
فقهاء الحنابلة لا يقيدون إجارة الوقف بمدة معينة إذا أهملها الواقف وتقدير المدة عندهم متروك إلى ما تقتضيه المصلحة ما دام الوقف على جهة عامة (١).
خامسًا: المذهب الزيدي:
يرى فقهاء الزيدية أن لناظر الوقف ومتوليه أن يؤجر الوقف مدة معلومة دون ثلاث سنين وأن الزائد على هذه المدة سيؤدي إلى اشتباه الوقف بالملك (٢) قال الإمام الهادي: "تجوز إجارة الوقف مدة قريبة نحو سنة أو سنتين دون المدة الطويلة فإن ذلك مكروه"، ولقد فسَّر فقهاء الزيدية الكراهة بأنها كراهة حظر تمنع الصحة مع حصول اللبس، ولكن الكراهة تزول إذا كان الوقف مشهورًا استفاض العلم بوقفيته بين الناس، وقد يقول بعض الفقهاء أنه إن كان المؤجر له صاحب المنافع صح ذلك ووجهه أنه أجَّر ملكه وهو المنفعة سواء كانت تورث عنه أو تنتقل إلى من بعده بالوقف بخلاف المتولي فليس مالكا للمنفعة أما إن كان المؤجَّر له واليًا كمتولي أوقاف المساجد ونحو ذلك فشرط صحة الإجارة أن نفرض للمسجد
стр. 1095
ونحوه مصلحة في طولها تفوت هذه المصلحة مع قصر المدة وإلا فالإجارة فاسدة من أصلها أي باطلة" (١).
سادسًا: المذهب الإمامي:
يرى فقهاء هذا المذهب أنه كلما كانت الأجرة والمنفعة والمدة معلومة صحَّت الإجارة، ويتفرع على لزوم تعيين المدة أنه لو آجره كل شهر بكذا أوكل سنة بكذا، ولم يُبيَّن مقدار الأشهر أو السنين لم تصح الإجارة لجهالة المدة وهذه هي الضابطة العامة في الإجارة عندهم (٢)؛ ولذلك فإنهم يرون أنه لا يجوز إيجار الوقف مدة طويلة يخشى عليه من تغلب الأيدي وترتب أثر الملكية عليه، هذا رأيهم مع الإطلاق أي في حال لم يشترط الواقف شيئًا، أما إذا اشترط أن لا يؤجر أكثر من سنة أو سنتين وقام المتولي أو الناظر بعقد إجارة لأكثر من ذلك بطل الزائد، قال الإمام كاشف الغطاء: "ولا تجدي الحيلة بإيجاره عقودًا متعددة سنتين سنتين؛ لأنه خلاف غرض الواقف وإن وافق لفظه، وهو من جملة الشواهد على أن الأغراض تُقيّد الألفاظ" (٣).
سابعًا: المذهب الإباضي:
من خلال استفتاء وُجّه إلى مفتي الإباضية وفقيهها في العصر الحاضر الإمام الشيخ أحمد الخليلي، ورد فيه أن ثلاثة أخوة أوقفوا بيتهم على مسجد ومدارس ثابتة له على أن يُؤجر لهم البيت لمدة أربعين عامًا، وأن الذي حملهم على تنجيز الوقف بسرعة هو الخشية من وقوع التبديل من ورثتهم؛ فأجابهم سماحة المفتي بأنه لا مانع من ذلك، من باب أن للواقف أن يشترط في وقفه ما لا يخل بتعاليم الإسلام، فالإجارة لهذه المدة الطويلة وبتلك الكيفية صحيحة عندهم (٤).
стр. 1096
المسألة الثالثة: الإجارة الطويلة
وهو مفهوم واسع يشمل الدور والأراضي، ويدخل فيه ما يسمى لدى الفقهاء بالحكر والاستحكار، وهو يختص برقبة الأرض الخالية، فيجري عقد استحكارها للبناء عليها أو الغرس فيها، ويقصد من إجارتها منع الغير، وإبقاء الأرض الموقوفة في يد المستأجر للبناء عليها أو غرسها بالأشجار المثمرة، أو لأي غرض آخر لمصلحة الوقف، على أن يكون على نفقة المستأجر، لقاء أن يدفع المستأجر أجرًا رمزيًا محددًا، ودون تحديد لمدة زمنية، وينتقل التحكير من الآباء للأبناء ومن الأبناء إلى الأحفاد، فهو عقد يُورَّث (١).
ولقد اختلف فيها الفقهاء على التفصيل الآتي:
أولًا: المذهب الحنفي:
١ - أنه يجوز عقد هذه الإجارة الطويلة مطلقًا، دون الحاجة إلى ضرورة مدعاة، فتجوز إجارته أي مدة كانت (٢).
٢ - أنه لا تجوز الإجارة الطويلة إلا إذا كانت هناك حاجة إليه كوسيلة ضرورية للوقف، ولزم الأمر تعجيل الأجرة؛ فإنه يجوز للناظر أن يعقد عقودًا متفرقة مترادفة كل عقد على سنة، يكتب فيه: "استأجر فلان بن فلان كذا ثلاثين سنة بثلاثين عقدًا، كل عقد على سنة كذا"، ويكون العقد الأول لازمًا؛ لأنه ناجز، ويكون العقد الثاني غير لازم؛ لأنه مضاف (٣).
стр. 1097
٣ - أنه لا تجوز الإجارة الطويلة سواء كانت بعقد واحد أم بعقود مترادفة، فالإجارة باطلة لتحقق المحذور؛ وهو أن طول المدة يؤدي إلى إبطال الوقف، وقد اعترض عليه بعض الفقهاء بأن الاضطرار إلى الإجارة الطويلة؛ لحاجة عمارة الوقف بتعجيل أجرة سنين مقبلة .. يزيل المحذور؛ إذ إن المقتضي موجود؛ وهو أن يكون الوقف بحاجة إلى عمارة، كما لو خرب وتعطل الانتفاع به، لا سيما عندما لا يكون لدى الوقف أموال يُعمَّر بها، ولا يوجد من يمكنه أن يقرض الوقف ما يحتاج إليه في الإعمار، ولا يوجد عقار آخر ذو ريع يمكن استبدال الوقف محل الكلام به .. عندئذ يصح الإجارة الطويلة وتكون لصالح الوقف؛ لا سيما إذا لم يكن هناك موانع شرعية غير ما ذكر، وهي الفتوى عند الحنفية؛ بالإجارة لمدة سنة واحدة؛ سواء كانت الأرض أو عقار، ولابد في نهاية هذه الفقرة الإشارة إلى أن هذه الآراء تنظر إلى المسألة في حال كان المؤجر غير الواقف، أما إذا كان المؤجر هو الواقف فإن التأجير لمدة طويلة جائز، ولو دون تحقق حالة ضرورة ودون حاجة إلى رفع الأمر إلى القاضي الشرعي؛ لأن الواقف يحتاط في وقفه شأنه شأن المالك في ملكه، وولايته عليه أقوى من ولاية غيره (١).
ثانيًا: المذهب المالكي:
يري المالكية أنه إذا كان الناظر من الموقوف عليهم فلا يجوز له تأجير الوقف الأمد بعيد؛ سواء كان لضرورة أو لغير ضرورة؛ لأن بموته تنفسخ الإجارة، أما إذا كان الناظر من غير الموقوف عليهم فإن لم تكن هناك ضرورة للإجارة الطويلة فلا تجوز، أما إذا كانت هناك ضرورة لتعمير الوقف وما شابه فإنه تجوز الإجارة الطويلة في الدور وشبهها، ولا تجوز في الأرض والعقار؛ إذ لا يتصور أن يلحقها خراب مع مرور الزمن (٢).
стр. 1098
ولقد أفتى بهذا الرأي بعض أكابر أهل المغرب من فقهاء المالكية؛ وهو القاضي ابن باديس، فأجاز كراء دار محبسة على الفقراء تخربت ولم يوجد ما تعمر به السنين الكثيرة، وشرط الفتوى بالجواز أن يكون إصلاحها من إجارتها وكرائها، ولقد منع هذا الفقيه المغربي أن يباع الوقف، ولم ينكر عليه أحد من أهل عصره (١)، مما يعني تلقي فقهاء المالكية هذا الرأي بالقبول والاتفاق.
ثالثًا: المذهب الشافعي:
أنه لا تصح الإجارة الطويلة في الوقف مطلقًا إلا إذا كانت هناك حاجة إليها، أو كانت هناك مصلحة تعود إلى الوقف لا إلى المستحق، وتثبت هذه الحاجة أو المصلحة عند القاضي (٢).
رابعًا: المذهب الحنبلي:
أنه لا تجوز الإجارة الطويلة إلا إذا كانت هناك حاجة إليها، أو كانت هناك مصلحة للوقف لا للموقوف (٣).
خامسًا: المذهب الزيدي:
أنه تجوز الإجارة الطويلة بشرط أن يكون الوقف مستفيضًا مشهورًا؛ بحيث تنتفي فيه المخاوف من التباسه بما هو ملك خاص، أو إذا كان المؤجر هو صاحب المنافع، وإن كان واليًا؛ كمتولي أوقاف المساجد ونحو ذلك، فشرط صحة الإجارة أن نفرض للمسجد ونحوه مصلحة في طولها تفوت هذه المصلحة مع قصر المدة، وإلا فالإجارة فاسدة من أصلها (٤).
стр. 1099
سادسًا: المذهب الإمامي:
أنه لا يجوز إيجار الوقف مدة طويلة يخشى فيه على الوقف من تغلب الأيدي وترتب أثر الملكية عليه، هذا مع الإطلاق، وهم من أصحاب القول الأول في المسألة، ولو شرط الواقف أن لا يؤجر أكثر من سنة أو سنتين فآجر المتولي أو المرتزقة أكثر من ذلك بطل الزائد، ولا تجدي الحيلة بإيجاره عقودًا متعددة سنتين سنتين؛ لأنه خلاف غرض الواقف، وإن وافق لفظه (١).
سابعًا: المذهب الإباضي:
ذكرنا فيما مضى فتوى إمام الإباضية في العصر الحاضر؛ سماحة العلامة الشيخ أحمد الخليلي .. بجواز إجارة الوقف لمدة طويلة تزيد على أربعين عامًا، وأن ذلك لا ينافي تعاليم الإسلام، مع حفظ العقار الموقوف (٢).
مما سبق يتضح أن هناك أقوالًا: الأول منها يقول بجواز الإجارة الطويلة مطلقًا، والثاني يرى عدم جوازها مطلقًا، أما الثالث فإنه يجيزها في حال الضرورة، ومن الملاحظ أن الإجارة الطويلة الأمد أسلوب استثماري قد لا يبدو نافعًا فيما إذا كان العمل غير منضبط قانونيًا وإداريًا كما كان في العصور الماضية، فلقد كانت المدة الطويلة سببًا لفقدان العارفين بالوقف والشهود فيه، وبالتالي يسهل وضع اليد عليه، فإن من رآه يتصرف فيه تصرف المُلَّاك مدة طويلة يخال هذا مالكًا فتضيع الأوقاف والحقوق المترتبة عليها، إلا أن هذا المحذور غير ذي أهمية في عصرنا الحاضر؛ إذ إن التنظيم الإداري والقانوي لعملية توثيق المعاملات والملكيات وما إلى ذلك قد بلغت مبلغًا عظيمًا من التنظيم والإتقان، وينبغي أن يستفاد منها في عملية التوثيق الوقفي وإدارة الأوقاف وصناعة استثمار الوقف، في عالم يسوده الاقتصاد المتحرك والنشط في هذا القرن المتميز من الزمان، ولا ريب أن هناك عديدا مما يمكن استخدامه كضوابط شرعية في إجارة الوقف، بالإضافة إلى الضوابط التي ذكرناها في المدخل التمهيدي.
стр. 1100
المسألة الرابعة: الإجارة بأجرتين
هي من المسائل المستجدة، وهي طريقة ابتكرها بعض الفقهاء علاجًا لمشكلة حدثت للعقارات الموقوفة في إسطنبول عام ١٠٢٠ هـ، عندما نشبت حرائق كبيرة أتلفت معظم العقارات الوقفية، وشوهَّت المظاهر الخارجية لبعض الأوقاف الأخرى، واجهت إدارة النظارة الوقفية مشكلة عدم توافر الأموال اللازمة لتعميرها؛ فاقترح العلماء آنذاك أن يكون هناك عقد إجارة على العقار المتدهور أو التالف بأجرتين؛ إحداهما أجرة كبيرة معجلة تقارب قيمة هذا العقار، يستلمها الناظر ليعمر بهذه الأموال العقار الموقوف، أما الأجرة الثانية فهي أجرة سنوية مؤجلة وقليلة، ويتجدد هذا العقد كل سنة، وهو طويل الأجل بطبيعته؛ إذ إنه لابد فيه من أن يسترد المستأجر كل مبالغه التي دفعها من خلال ضرب هذه المدة الطويلة؛ إذ هي الضمان الوحيد له ليستعيد أمواله، إذ إن هذا العقد هو عقد تمويلي في الواقع، وهذه الصيغة التمويلية تعالج مشكلة عدم جواز بيع العقار الموقوف، إذ إن الأجرة الكبيرة المعَجَلَّة تحقق نفس ما قد يحققه البيع، وهي تحقق أيضًا منافع للمستأجر في البقاء فترة طويلة في العقار المؤجر؛ سواء كان منزلًا أو دكانًا أو غير ذلك، وهذه الطريقة تتناغم مع القول الأول الذي يجيز الإجارة الطويلة، إذ إن وجود الأجرة يحمي العقار الموقوف من إدعاء المستأجر أنه قد تملكه بالشراء أو غيره، كما أن ما يبني على هذه الأرض الموقوفة يظل ملكا للوقف دون المستأجر (١).
وقد اختلف فقهاء الشافعية في إجارة الموقوف بأجرتين، والراجح عندهم عدم الجواز، فورد لديهم: أنهم إن جوزوا الإجارة أكثر من سنة، فهل يجب تقدير حصة كل سنة؟ فهناك قولان: أصحهما: لا، كما لو باع أعيانا صفقة واحدة لا يجب تقدير حِصَّة كل عين منها، وكما لو أرسنة لا يجب تقدير حِصّة كل شهر. والثاني: ويحكي عن رواية الربيع، وحرملة، والمزني في "الجامع الكبير": نعم؛ لأن
стр. 1101
المنافع تتفاوت قيمها بالسنين، وربما تهلك العين في المدة، فيتنازعان في قدر الواجب من الأجرة، ومن قال بالأول يوزع الأجرة المُسَمَّاة على قيمة منافع السنين، فينقطع النزاع. وبنى القولين بعضهم على القولين فيما إذا أسلم في شيئين، أو في شيء إلى أجلين، ففي قول يجوز أخذًا بظاهر السلامة، وفي قول: لا لما عساه أن يقع من الجهالة بالأجرة، ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب: "فالأصح الجواز" - بالواو - لأن القاضي أبا القاسِمِ بنَ كَجٍّ حكى طريقة أخرى قاطعة بإنه لا يجب التقدير، واختارها مذهبًا (١).
المسألة الخامسة: الإجارة المنتهية بالتمليك
هي مسألة مستجدة، وتتناول صيغة جديدة من صيغ الإجارة، وهي ذات صور عديدة بعضها لا ينسجم مع أحكام الوقف وضوابطه، إلا أن هناك من صورها ما يصلح في باب الوقف وهو أن تؤجر إدارة الوقف (أو الناظر) الأرض الموقوفة لمستثمر (شخصيًا اعتبارًا كان أو شخصيًا طبيعيًا) مع السماح له بالبناء عليها سواء مباني أو محلات أو غير ذلك حسبما سيتم الاتفاق عليه، ويستغلها المستثمر فترة من الزمن ثم يعود كل ما بناه المستثمر بعد انتهاء الزمن المتفق عليه إلى الوقف، إذ يتضمن العقد تعهدًا بالهبة من قبل المستثمر تلك المباني وغيرها إلى الوقف، أو أن يتضمن أحد بنود عقد الإجارة هبة معلقة أو وعدًا بالبيع ثم يتم البيع في الأخير بعقد جديد، ويمكن أن ينص في العقد على أن تعطى للوقف أجرة ولو كانت قليلة حتى يستفيد منها في إدارة أموره، وقد يقال بجواز تمديد الفترة لقاء ذلك (٢).
стр. 1102
المبحث الخامس أجرة الوقف
من المتفق عليه أن ولاية الناظر على الوقف مقيدة بأن تكون أفعاله وتصرفاته في مصلحة الوقف، ولما كانت الأجرة أحد أركان عقد الإجارة فلا ريب عندئذ أن نشهد اهتمامًا فقهيًا بالبحث حول الأجرة ومقدارها على التفصيل، فهل يصح أن تكون الإجارة بأقل، والإجارة إذا انشغلت على غبن فاحش وآثارها، وأثر تغيير أجرة الوقف بعد العقد بزيادة أو نقصان، وبعبارة أخرى: أثر الظروف الطارئة على الأجرة (١) وغيرها من مسائل، إلا أنه من الضرورة التأكيد على أن الأصل العام في تقدير أجرة الوقف هو أن تكون بمقدار أجرة المثل ولا تجوز بأقل منها، حيث إن الالتزام بأقل من أجرة المثل التزام يسبب ضررًا للمستحقين إلا إذا كان النقصان يسيرًا لا يسبب ضررًا معتمدًا به فالإجارة عندئذ صحيحة، والأصل أن تسمى الأجرة وهي تملك، إلا إذا كانت الإجارة باطلة أو فاسدة فإنه عندئذ تلزم أجرة المثل؛ إذ إن الإجارة الفاسدة والباطلة متساويتان في استحقاق بدل المثل.
ورغم تعدد الأقوال الفقهية في أحكام الفروع الكثيرة لهذا البحث، إلا أن الفقهاء يتفقون على أن الضابط العام في بدل الإجارة (أي الأجرة) أن يكون مالًا معلومًا مملوكًا طلقًا مقدورًا على تسليمه، وهذا كما يصلح أن يكون ثمنًا في البيع فإنه يصلح أن يكون عوضًا في الإجارة سواء بسواء (٢).
وسنتناول تفصيل ما ذكرنا إجماله في أول البحث وذلك على النحو الآتي:
أولًا: حكم إجارة الوقف بأقل من أجرة المثل (الغبن الفاحش):
إذا أجر الناظر العين الموقوفة بأقل من أجرة المثل وكان النقصان يسيرًا يتغابن الناس في مثله، والذي إن وجد فإن الناس تتسامح فيه في معاملاتهم وتتقبله من بعضها البعض عادةً؛ فإن الإجارة تكون نافذة سواء كان المستأجر من المستحقين أو
стр. 1103
من غيرهم (١)، وهذا يخرج عما نحن بصدده في هذه المسألة، إذ إننا نتناول هنا حالة النقصان الفاحش، وقد اختلف الفقهاء على قولين:
القول الأول: يرى الفسخ والضمان: وذهب إليه الحنفية، والمالكية، والشافعية، والظاهرية، والزيدية:
فالحنفية يرون أن الإجارة تفسد عندهم، ويجب على القاضي إذا رُفع ذلك إليه أن يبطل الإجارة، إلا إذا اقتضت الضرورة إجارته بهذا الغبن الفاحش (٢)، وعندهم أيضًا أن الواقف إذا آجر بالأقل مما لا يتغابن الناس فيه لم تجز، ويبطلها القاضي، فإن كان الواقف مأمونًا وفعل ذلك عن طريق السهو لا بقصد فإنه لا يعزل، بل يقره القاضي في يده، ولكن يأمره بالإجارة بالأصلح، وإلا أخرجها من يده وجعلها في يد من يثق بدينه، وتجوز عندهم أيضًا الإجارة بالأقل إذا كانت للضرورة، ومن صور الضرورة هنا إذا كانت العين غير مرغوب في إجارتها إلا بالأقل، أو إذا أصيب الوقف بنائية، أو كان عليه دين، أو كان الدار عليها مرصد، والمرصد هو دين على الوقف ينفقه المستأجر لعمارة الدار لعدم مال حاصل في الوقف؛ ففي مثل حالات الضرورة هذه ومثيلاتها تجوز الإجارة بالأقل، أما في حال لا توجد فيه ضرورة معتبرة شرعًا فإن المستأجر يلزمه تمام أجرة المثل (٣).
وفقهاء المالكية ذهبوا إلى أنه إذا أجَّر الناظر العين الموقوفة بدون أجرة المثل فإنه يضمن تمام أجرة المثل إن كان مليًا، وإلا رجع على المستأجر لأنه مباشر، وكل من رجع عليه لا يرجع على الآخر، هذا إذا كان المستأجر لا يعلم بأن الأجرة المسماة أقل من أجرة المثل، فإن كلا منهما ضامن فيبدأ به، وبناء على ذلك فلو وقعت الإجارة بما هو أقل من أجرة المثل، ثم زاد شخص آخر ما يبلغ أجرة المثل؛ فإن إجارة الأول
стр. 1104
تفسخ وتؤجر للشخص الثاني الذي زاد، ولو التزم الشخص الأول بتلك الزيادة لم يكن له ذلك، إلا أن يزيد على الشخص الثاني الذي زاد حيث لم تبلغ زيادة من زاد أجرة المثل، فإن بلغتها فلا يلتفت إلى زيادة من زاد (١).
أما فقهاء الشافعية فإنهم وإن رأوا فساد الإجارة إذا وقفت بغبن فاحش؛ إلا أنهم يفرقون بين أن يؤجر الناظر العين الموقوفة على غيره وبين أن يؤجر العين الموقوفة على نفسه؛ فإنه لا يجوز للناظر أن يؤجرها على غيره بأقل من أجرة المثل، فلو أجرها بالأقل فإن العقد يكون غير صحيح (٢)، ولم يتعرضوا لذكر الفسخ والضمان في كتبهم.
أما بالنسبة للزيدية فقد ذكر الإمام أحمد المرتضى في كتابه شرح الأزهار، في معرض بيان ما يجوز للمتولي فعله وما لا يجوز؛ أنه لا يجوز للمتولي أن يبيع شيئًا مما تعلق بما تولَّاه بثمن الممثل مع وقوع الطلب من غير المشتري بالزيادة على ثمن المثل، فإن باع كان البيع فاسدًا؛ لأنه قد خان فبطلت ولايته في ذلك، فأما لو لم تقع المطالبة من الغير لكن غلب في ظن المتولي أنه لو أشهر بيع هذا الشيء حصل فيه مع الثمن أكثر فإنه يصح البيع، وإن كان مكروها على أجود الأقوال (٣)، وقد يُقال: إن المناط في الإجارة هو نفسه في البيع، إلا أن البيع تمليك العين أو الرقبة، والإجارة تمليك المنفعة، ومن الواضح أن الملاك فيها واحد؛ إذ إن البيع والإجارة تقعان كلتيهما على العين، إلا أن البيع يقع على العين من حيث رقبتها وذاتها، والإجارة تقع على العين من حيث منافعها وغلتها، وبذلك يقترب رأيهم مع أصحاب القول الأول.
وقول ابن حزم الظاهري يتفق مع أصحاب القول الأول؛ إذ إنه يرى أنه لا تجوز إجارة الأرض أصلًا، لا للحرث فيها ولا للغرس فيها ولا للبناء فيها، ولا لشيء من الأشياء أصلًا لا لمدة مسماة قصيرة ولا طويلة، ولا لغير مدة مسماة لا بدنانير ولا
стр. 1105
بدراهم ولا بشيء أصلًا، فمتى وقع فُسخ أبدًا، ولا يجوز في الأرض إلا المزارعة بجزء مسمى مما يخرج منها، أو المغارسة كذلك فقط، فإن كان فيها بناء قل أو كثر جاز استئجار ذلك البناء، وتكون الأرض تبعا لذلك البناء غير داخلة في الإجارة أصلًا.
ولا يجوز عند الظاهرية استئجار دار ولا عبد ولا دابة ولا شيء أصلًا ليوم غير معين، ولا لشهر غير معيَّن، ولا لعام غير معيَّن؛ لأن الكراء لم يصح على شيء لم يعرف فيه المستأجر حقه؛ فهو أكل مال بالباطل وعقد فاسد (١).
القول الثاني: لا يرى فسخ وضمان العقد: وإليه ذهب الحنابلة، والإمامية، والإباضية:
١) فالحنابلة يرون أن العقد يكون صحيحًا إلا أن الناظر يضمن قيمة النقص الفاحش، لأنه يتصرف في مال غيره على وجه الحظ، فيضمن ما نقصه بعقده، وهو في ذلك كالوكيل إذا باع بدون ثمن المثل، أو أجَّر بدون أجرة المثل (٢)، ويجب أن يلاحظ هنا أنه إذا كانت العين موقوفة على الناظر فإنه يجوز أن يؤجرها بأقل من أجرة المثل؛ قياسًا على جواز الإجارة، هذا عند الشافعية.
٢) أما فقهاء الحنابلة فإن لهم في هذه الصور رأيان؛ أولهما: يجيز الإجارة كما الشافعية، وثانيهما: لا يجيزه، كما أن بعض فقهاء الحنابلة يرتبون أثرًا على ذلك يتعلق ببطلان ولاية الناظر؛ إذ يرونه مفرطا، فتزول ولايته بانتفاء شرطها؛ وهو الأمانة، وهناك من يرى أن نظارته لا تبطل، ويكتفي بتضمينه وحسب (٣).
стр. 1106
وفقهاء الإمامية يرون أن الضابط العام في بدل الإجارة أن يكون مالًا معلومًا مملوكًا طلقًا مقدورًا على تسليمه، وهذا كما يصلح أن يكون ثمنًا في البيع يصلح أن يكون عوضًا في الإجارة (١)، ومن الواضح من استقراء بعض الأحكام أن الأصل أن الوقوف على حسب ما وقفها أهلها؛ ولذلك فإنه يجوز عندهم أن يجعل الواقف للولي والناظر مقدارًا معينًا منه ثمرة العين الموقوفة أو منفعتها؛ سواء كان أقل من أجرة المثل أم أكثر أم مساويًا، إذن فالأجرة المسماة هي الأصل، أما إن لم يجعل له شيئًا كان له أجرة المثل إن كان لعمله أجرة، إلا إن يظهر من الواقف قصد المجانية (٢)، ولو أجرَّ الناظر مدة فزادت الأجرة منها أو ظَهَرَ طالب بالزيادة لم ينفسخ العقد؛ لأنه جرى بالغبطة في وقته، إلا أن يكون في زمن خياره فيتعيَّن الفسخ حينئذ، ثم إن شرط له شيء عوضًا من عمله لزم، وليس له غيره، وإلا فله أجرة المثل عن عمله مع قصد الأجرة به وقضاء العادة بعدم تبرعه به (٣).
ونصَّ الإباضية على عدم جواز بيع غلة الموقوف بأقل من سعر المثل؛ حيث قال في الفتاوى الخليلية: "لا يباع شيء من غلَّة الموقوف بأقل من سعره؛ إذ لا محاباة في الوقف"، وقوله: "تجب مراعاة مصلحة الوقف كاليتيم"، وقوله: "تراعى في ذلك مصلحة الوقف، فإن كانت المصلحة في ذلك متعينة جاز، ولا بد أن يتم ذلك على أيدي الأمناء ذوي الخبرة في مصالح الأموال"، وقوله أيضا: "وأن لا يكون غبن في الوقف، لا في بيع الأصل، ولا في ابتياع البديل، وأن يكون البديل خيرًا من الأصل" (٤).
ثانيًا: مسألة تغيير الأسعار بعد إبرام عقد الإجارة:
إذا أجَّر الناظر أو غيره الوقف بأجرة المثل ثم طرأ على هذه الأجرة تغيَّر بعد إبرام العقد؛ فإن مثل هذا التغيير لا يخلو إما أن يكون بنقصان أو بزيادة في الأسعار، فما حكم التغير الحاصل وفق الآتي:
стр. 1107
أ) إذا كان التغيير بنقصان الأجرة:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة إلى قولين:
القول الأول: يرى أنه يحط من الكراء عن المستأجر بقدر ما نقص، ولا يفسخ العقد إلى تمام مدة الإجارة ما دامت قد انعقدت صحيحة، وهو ما ذهب إليه المالكية والحنابلة على تفصيل أقوالهم كما يأتي:
قال المالكية: إذا طرأ ما ينقص من قيمة العين الموقوفة أو يحول دون استيفاء المنفعة المقصودة من وراء إجارتها، فعلى الناظر أن يحط من الكراء ولا يفسخ العقد، والحط يعني أن يقلل من قيمة الأجرة، ويشترط هنا أن يكون السبب عارض لا بد للمستأجِر فيه؛ كالأمر السماوي (قوة قاهرة)، ولكن لابد بعد انتهاء المدة التي يقع فيها هذا العارض ويستغرقها لابد أن تعاد أجرة الكراء كما كانت، وتستمر إلى تمام مدة الإجارة أو الكراء، ولا يفسخ العقد (عقد الإجارة) (١).
وقال الحنابلة: إذا استأجر ما تكون منفعة إيجاره للناس مثل الحمام وغيره؛ فنقصت المنفعة المعروفة؛ مثل أن ينتقل جيران المكان، ويقل الزبون لخوف أو أخراب أو تحويل ذوي سلطان لهم .. ونحو ذلك، فإنه يحط للمستأجر من الأجرة، وذلك بقدر ما نقص من المنفعة المعروفة؛ سواء رضي الناظر وأهل الوقف أم سخطوا، ولا يرجع على المستأجر بما وضع عنه إذا لم يوضع إلا قدر ما نقص من المنفعة المعروفة (٢)، كما أنهم لا يرون تغير الأسعار بعد إبرام عقد الإجارة الشرعية سببًا شرعيًا صحيحًا للفسخ (٣).
القول الثاني: يرى أنه لا يُحط من الكراء شيء، فإذا نقصت أجرة المثل لأي سبب بعد إبرام العقد فإنه يبقى ساريا إلى نهاية مدته، ويلتزم المستأجر بدفع الأجرة المتفق عليها؛ دفعًا للضرر، ولا يفسخ العقد، وإلى هذا ذهب الحنفية؛ إذا نقصت أجرة المثل لأي سبب كان بعد إبرام العقد فإن العقد لا يفسخ، بل يبقى ساريا إلى نهاية مدته،
стр. 1108
ويلتزم المستأجر بدفع الأجرة المتفق عليها في العقد؛ دفعًا للضرر الذي قد يلحق الوقف بسبب ذلك؛ ولأن الناظر لا يملك الفسخ والإقالة إلا إذا كان فيها خيرٌ للوقف وللموقوف علي لهم، وهو غير متحقق هنا فلا يصح الفسخ، كما أن الأجرة ينظر إلى كونها مثلية حين إبرام العقد، فلا يضرها أن تتغير بعد ذلك (١).
ب) إذا كان التغيير بزيادة الأجرة:
فقد اختلف الفقهاء إلى الأقوال الآتية:
القول الأول: أنه إذا كان عقد الإجارة صحيحًا وكان بأجرة المثل فإنه يستمر كما هو ولا يفسخ بزيادة الأجرة، بناء على أن أجر المثل يعتبر وقت العقد فلا يضر التغيير بعد ذلك، ولأنه قد جرى بالغبطة في وقته، فأشبه ما إذا باع الولي مال الطفل أو اليتيم ثم ارتفعت القيم بالأسواق أو ظهر طالب بالزيادة بعد ذلك، وإلى هذا ذهب الحنابلة، والمالكية على المعتمد، والشافعية في الأصح، ورواية عند الحنفية، والإمامية:
قال الحنابلة: إذا طلب أحدهم العين الموقوفة بزيادة عن الأجرة الأولى فإن الإجارة لا تنفسخ ما دامت قد انعقدت صحيحة، حتى وإن لم يكن في تلك الزيادة ضرر؛ لأن الإجارة عقدها لازم من الطرفين (٢)، وقالوا: الإجارة الصحيحة ليس للمؤجر ولا غيره فسخها لزيادة حصلت، ولو كانت العين وقفًا (٣)، هذا ولقد خص بعض الفقهاء الحكم المذكور آنفًا بما لو كان الموقوف عليه هو من أجر الوقف، أما إذا كان الناظر قد أجَّر ما هو على سبيل الخيرات ثم طلب الزيادة؛ فلا فسخ، على الصحيح من المذهب، وإن كان هناك قول باحتمال فسخه (٤).
стр. 1109
وقال المالكية: إذا طرأ ما يزيد في أجرة الوقف بعد العقد، فإنه إذا ما اشترط في العقد على قبول الزيادة من مكتر آخر؛ فإن هذا العقد يبطل؛ لأنه من الغدر، ويكون ذريعة إلى بيع وسلف، أو إلى سلف جرَّ منفعة (١)، ولكن إذا لم يشترط في الكراء ذلك فإنه ينظر إلى الأمر على النحو الآتي؛ إذا وقع العقد بأجرة المثل وحصلت زيادة فيها؛ فقد افترق فقهاء المالكية على رأيين؛ الأول: يرى أنه إذا وقع الكراء على وجه الغبطة في الحال بأن أجَّر بأجرة المثل وجاء من يطلبه بأزيد مما أكتري به؛ فإن هذه الزيادة لا تجوز ولا يلتفت إليها، ولا يفسخ العقد، بل يستمر كما هو (٢)، أما الرأي الثاني فيرى أنه إذا كان الزيادة في حدود الثلث فإنها تقبل؛ فيخيَّر الأول في الزيادة أو الترك (٣)، أما إذا وقع بأقل من أجرة المثل فإن الزيادة تقبل حينئذ؛ لأن العقد قد حصل فيه غبن، ويثبت ذلك بالبينة أن بالكراء الأول غبنًا على الحبس (٤)، وتفسخ إجارة المستأجر الأول للمستأجر الثاني الذي زاد سواء كان حاضرا وقت إجارة الأول أو غائبًا، ولو التزم الأول تلك الزيادة التي زيد عليه لم يكن له ذلك، إلا أن يزيد على من زاد حيث لم تبلغ زيادة من زاد أجرة المثل، فإن بلغتها فلا يلتفت لزيادة من زاد (٥).
وقال الشافعية: إذا أجَّر الموقوف عليه بحكم الملك العين الموقوفة وزادت الأجرة في المدة، أو ظهر طالب بالزيادة؛ فإن العقد يسري كما هو ولا يتغير بذلك (٦)، وهذا
стр. 1110
الحكم معتبر حتى في حالة ما إذا أجر الموقوف بأقل من أجرة المثل وكان الناظر من الموقوف عليهم؛ لأن المؤجر إذا كان من المستحقين جاز له الإيجار بأقل من أجرة المثل عند الشافعية (١)، أما إذا أجَّر الناظر باعتباره متوليا ثم طرأت هذه الزيادة أو ظهر من يطالب بها؛ فإن العقد لا يتأثر بذلك على أصح الأقوال عندهم، ويعللون ذلك بأن العقد قد جرى بالغبطة في وقته (٢)، وبه أفتى الإمام النووي، وعنده أن العقد لا ينفسخ ولا يجوز للناظر ولا لغيره فسخه؛ سواء زيد فيه الثلث أو أكثر (٣).
ومقابل أصح الأقوال هناك قولان: القول الأول منهما مفاده أن العقد ينفسخ الوقوعه مخالفًا للمصلحة والغبطة في وقته؛ لا سيما إذا كان طالب الزيادة ثقة وكانت الزيادة معتدًا بها، وهو رأي ابن الصلاح (٤)، والقول الثاني أنه إذا كانت الإجارة السنة فما دونها فإن العقد لا يتأثر، وإذا كانت أكثر فالزيادة مردودة (٥).
ويرى فقهاء الإمامية أنه لو أجر الناظر مدة فزادت الأجرة فيها أو ظهر طالب بالزيادة لم ينفسخ العقد؛ لأنه جرى بالغبطة في وقته، إلا أن يكون في زمن خياره؛ فيتعيَّن الفسخ حينئذ (٦).
стр. 1111
القول الثاني: إن هذا العقد يفسخ ويعقد ثانية بالأجرة الزائدة للمستأجر الأول إذا رغب في ذلك؛ لأنه أحق من غيره أو لغيره إذا لم يقبل الزيادة، وإلى هذا ذهب القول الأصح عند الحنفية؛ لأن عقد الإجارة عندهم ينعقد وقتًا فوقتًا؛ إذ إن المعقود عليه فيه هو المنفعة وهي توجد وقتًا فوقتًا، ولأن من مصلحة الوقف فسخ الإجارة، ولا ضرر على المستأجر؛ لأنه لم يلزم بأكثر من أجرة المثل، وقال الحنفية: إذا زادت أجرة المثل فإذا كانت الزيادة قد حصلت بقصد الإضرار بالمستأجر؛ فلا يعتد بهذه الزيادة ما دامت المدة باقية؛ لأنها زيادة غير مشروعة، وتبقى الأجرة كما هي وقت إبرام العقد (١)، أما إذا كانت قد حصلت لكثرة الرغبة في المستأجر وزيادته في ذاته؛ فإن المسألة تختلف عما إذا كان منشأ الرغبة البناء أو الغرس أو الأعمال التي استحدثها المستأجر لنفسه في الوقف، بحيث لو أُزيلت المستحدثات فإنها لن تؤجر إلا بالأجرة الأولى، فإنه هنا لا يعتد بالزيادة؛ لأن منشأها ملك للمستأجر لا للوقف (٢).
ولكن إذا كان منشأ الرغبة يرجع إلى الوقف ذاته مثل كثرة الحاجة إلى هذا الوقف؛ فإن فقهاء الحنفية قد افترقوا في هذه المسألة إلى فريقين (٣):
١ - الفريق الأول: يرى أن هذه الزيادة لا يُعتد بها؛ فما دام عقد الإجارة قد انعقد صحيحًا فالمعتبر أجرة المثل وقت إبرام العقد، وتكون الإجارة بانعقادها صحيحة لازمة طول مدتها، فلا يضرها تغيُّر الأجرة بزيادة أو نقصان؛ ولأن المستأجر ملك المنفعة في مدة الإجارة بالأجر المسمى، فلا وجه بطلب الزيادة منه.
стр. 1112
٢ - الفريق الثاني: يرى أن للناظر حق لفسخ، حيث إن الإجارة تعقد وقتًا فوقتًا؛ إذ إن المعقود عليه فيها هو المنفعة وهي توجد وقتًا فوقتًا، ولذا فإن من مصلحة لوقف فسخ الإجارة ولا ضرر على المستأجر؛ لأنه لم يلزم بأكثر من أجرة المثل؛ ولذلك فإنه إن لم تفسخ الإجارة فإنه يكون لى المستأجر المسمى فقط، فإن امتنع الناظر من الفسخ فسخه القاضي، ويعلم القاضي بالزيادة بقول عدلين من أهل البصر الأمانة عند محمد بن الحسن، أما القاضي وأبي حنيفة فإنه يكتفي عندهما بقول العدل الواحد فقط.
ولذلك فإنه قبل الفسخ يُخيّر الناظر المستأجر بين قبول الزيادة وبين الفسخ فإن قبلها فلا فسخ ما دامت المدة باقية، ولقد زال العارض الذي سوَّغ الفسخ قبول المستأجر للزيادة؛ ولذلك يسقط حق الفسخ (١).
أما إذا امتنع عن قبول الزيادة فإنه ينظر إلى المستأجَر؛ فإن كان غير مشغول بالمؤجر يفسخ العقد ويؤجر لغيره، وإن كان مشغولًا به وكان لعمله الذي يشغله فيه نهاية معلومة؛ فلا يفسخ العقد بل ننتظر نتهاء العمل هذا، مثل إذا كان يزرع الأرض المؤجرة فإننا ننتظر وقت الحصاد؛ فيحصد زرعه وتضاف إليه الزيادة في الأجرة من وقت حصولها إلى وقت الحصاد، ثم يفسخ عقد الإجارة وتؤجر الأرض لمن يدفع أجر المثل، أما إذا لم يكن للعمل نهاية معلومة لا يفسخ العقد، بل يترك المستأجَر في يده إلى نهاية مدة الإجارة، ولكن تضاف إليه الزيادة من وقت حصولها إلى انتهاء المدة (٢).
والقاضي لا يبتدئ بالفسخ إلا إذا امتنع الناظر عن ذلك؛ إذ إن الناظر هو من له حق الفسخ وهو الذي يرفع الأمر إلى القاضي، يفسخ العقد بحضور المستأجِر أمام القاضي، ودور القاضي ليس سوى إمضاء ذلك الفسخ، ويحكم به مع العلم بالخلاف، أما ذا امتنع الناظر فإن القاضي عندئذ يبتدئ بالفسخ ويحكم به (٣).
стр. 1113
ولا يوجد في المحلَّى للإمام ابن حزم الظاهري نص واضح في هذه المسألة، إلا ما ورد كأصل عام في المسألة (١٣٢٦)، عندما نصَّ على أنه "لا تجوز الإجارة إلا بمضمون مسمى محدود في الذمَّة، أو بعينٍ معيَّنة متميزة معروفة الحد والمقدار، وأن العقود المقتضى بها لا تكون إلا بمعلوم" (١).
وعند الزيدية: فإن شرط صحة عقد الإجارة وجود مصلحة تتحقق به، ومثلَّوا لذلك بالمدة القصيرة وغيرها، فإن لم تكن هناك مصلحة محققة للوقف من الشرط فإن الإجارة تكون فاسدة من أصلها، كما ورد في شرح الأزهار، وهو من الكتب المعتبرة في فقه الزيدية (٢)، وهذا أصل عام في المسألة.
стр. 1114
المبحث السادس انتهاء عقد إجارة الوقف
يتناول البحث أسباب انتهاء عقد إجارة الوقف، وفق الآتي:
المسألة الأولى: أسباب انتهاء عقد إجارة الوقف
ينتهي عقد إجارة الوقف بأحد سببين: الأول: هو السبب الطبيعي وهو موت طرفي العقد أو أحدهما، والثاني: هو السبب العقدي أي انقضاء مدة العقد وفق الآتي:
السبب الأول: السبب الطبيعي:
وهو موت أحد طرفي العقد أو كليهما: فإذا مات طرفا العقد أو أحدهما فإن العقد لا ينقضي؛ حيث إن أي عقد ليس إلا اجتماع إرادتين على أمر لمدة معينة، ولما كان عقدًا لازمًا فإن مقتضى لزومه أن لا ينفسخ بالموت ويخلف المستأجِر وارثُه في استيفاء المنفعة، وقد اختلف فقهاء المذاهب في انتهاء إجارة الوقف بموت المتعاقدين أو أحدهما إلى قولين:
القول الأول: يرى أن إجارة الوقف لا تنتهي بموت المتعاقدين أو أحدهما ولا تنفسخ بهذا الموت، بل تبقى إلى انقضاء مدتها لأن الإجارة عقد لازم، ويخلف المستأجر وإرثه في استيفاء المنفعة:
وهذا في الجملة، وإليه ذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، والإمامية، والإباضية، وتفاصيل أقوال هذه المذاهب بقيودها ومحترزاتها على النحو الآتي:
قال المالكية: إذا مات المؤجر قبل تمام مدة الإجارة وكان من المستحقين فإن الإجارة تفسخ وذلك في باقي المدة سواء انتقل الاستحقاق إلى من في طبقة المؤجر أو إلى من يليه أو انتقاله إلى ولده لأن لمستحق الوقف التصرف مدة حياته ولذلك كان لوارثه الفسخ (١)، وإن قال بعضهم بعدم فسخ عقد الإجارة (٢)، وإذا مات المؤجر
стр. 1115
قبل تمام مدة الإجارة ولم يكن المؤجر من المستحقين؛ فإن موته لا يؤثر على العقد ودوامه إلى مدته التي ضربت له (١)، أما إذا مات المستأجر فإن عقد الإجارة لا ينفسخ (٢)، وهذا الحكم وارد في إجارة الملك أيضًا كما في إجارة الوقف.
وقال الشافعية: لا تنفسخ إجارة ناظر الوقف بموته سواء كان الناظر هو الواقف أو الحاكم أو منصوبه أو من شرط له النظر على بيع البطون لأنه ناظرٌ للجميع ولا يختص ببعض الموقوف عليهم (٣).
وإذا كان الناظر المتوفى ممن له حق في الوقف لكونه وقفًا عليه وأجر بدون أجرة المثل ومات خلال مدة عقد الإجارة فإن في هذه المسألة، حالتان: الأولى: إذا كان هذا الناظر قد شرط له النظر على جميع حصص المستحقين فإن فريقًا من الشافعية يرى أن الإجارة تنفسخ في حصته فقط ويبقى العقد ساريًا على أنصبة باقي الموقوف عليهم (٤)، أما الفريق الآخر فيرى أن الإجارة لا تبطل؛ لأنه أجره في حق نفسه وحق غيره بولاية (٥) (أي بسبب ولاية النظارة التي له)، أما الحالة الثانية فهي إذا شرط لهذا الناظر النظر على حصته فقط مدة استحقاقه وسواء كان هذا الناظر متعددًا أو متحدًا، فقد اختلفوا في المسألة على رأيين؛ أولهما: يرى أن الإجارة تنفسخ فيما بقي من مدة؛ إذ إن استحقاق الوقف قد انتقل بموت المؤجر لغيره، ولا ولاية له عليه ولا نيابة، وثانيهما أن الإجارة لا تنفسخ كما هي في إجارة الملك؛ فإن فيها لا تنفسخ
стр. 1116
بموت المؤجر وتبقى إلى انقضاء المدة لأنها عقد لازم، ويرجع الخلاف بين أصحاب هذين الرأيين إلى مسألة البطن الثاني من المستحقين، وهل أنهم يتلقون الوقف من الواقف أم من البطن الأول؛ فمن قال أنه يتلقى الوقف من الواقف فقد رأى انفساخ العقد (١)، أما إذا مات المستأجر فإنه لا ينفسخ العقد كما في إجارة الملك (٢).
وقال الحنابلة: يختلف حكم المسألة عند فقهاء الحنابلة بين ما إذا كان المؤجر هو الحاكم والناظر العام، في حال عدم وجود ناظر خاص أو من شرط له النظر وكان أجنبيًا، وبين حال ما إذا كان المؤجر هو الموقوف عليه، ففي حال ما إذا كان المؤجر فيها هو الناظر العام أو من شُرط له النظر ولو كان أجنبيًا، ومات أحدهما قبل انتهاء مدة الإجارة؛ فإن العقد لا ينفسخ بموته بالاتفاق (٣).
أما إذا كان المؤجر هو الموقوف عليه؛ فإما أن يكون هذا المؤجر الموقوف عليه مؤجرًا بأصل الاستحقاق؛ فلدى فقهاء الحنابلة رأيان:
١ - الرأي الأول: إنّه إذا مات قبل تمام المدة فإن الإجارة تنفسخ، وهذا هو المذهب عندهم؛ لأن الطبقة الثانية تستحق العين بجميع منافعها تلقيًا عن الواقف بانقراض الطبقة الأولى، فلا حقَّ للأولى فيه بعد انقراضهم (٤).
٢ - الرأي الثاني: إن الإجارة لا تنفسخ؛ وذلك لأن الثاني لا حق له في العين إلا بعده، فهو بهذا كالوارث، وذكر بعضهم أن هذا الرأي هو المذهب، وهو أشهر، وعليه العمل (٥).
стр. 1117
ومنشأ الخلاف بين الرأيين أنه إذا أجره مدة يعيش فيها غالبًا، وإلا فإن الإجارة تنفسخ قولًا واحدًا (١).
فبناء على الرأي الأول فإن البطن الثاني يستحق حصته من الأجرة من تركة المؤجر إن كان قد قبضها، وإن لم يكن قبضها فعلى المستأجر، وبناء على الرأي الثاني فإن المستأجر يرجع على ورثة المؤجر القابض إن لم يكن له تركة، فإن كانت له فالرجوع يكون فيها (٢).
وإذا كان المؤجر هو الموقوف عليه وكان مشروطًا له النظر، أو كان الواقف قد تكلم بكلام يدل على أنه جعل النظر للموقوف عليه؛ فالمسألة لا تخلو من الآتي (٣):
١. طريقة تفيد بعدم بطلان الإجارة بموته في المدة، وتلحق هذه الحالة بحالة الناظر العام ونحوه، وهو ما أفتى به المتأخرون؛ لأن الإيجار من الناظر هنا بولاية، ومن يلي بعده إنما يملك التصرف فيما لم يتصرف فيه الأول.
٢. إذا كان الموقوف عليه مؤجرًا بأصل الاستحقاق فإنه إذا مات قبل تمام المدة فإن الإجارة تنفسخ عند قوم، وعند آخرين لا تنفسخ.
٣. إذا مات المستأجر فإن الإجارة لا تنفسخ.
وعند فقهاء الإمامية فإن الإجارة لا تُبطل بموت المؤجر أو المستأجر إلا إذا أخذت خصوصية أحدهما في المنفعة؛ التي هي موضوع الإجارة، كما إذا آجر نفسه للعمل بنفسه أو استأجر الدار ليسكنها بنفسه؛ حيث يتعذر استيفاء المنفعة حينئذ، وذلك مبطل للإجارة، كما أنه لا أثر لموت الولي والوكيل الذي يتولى الإجارة (٤)، فلو وقعت الإجارة صحيحة، ثمّ عرض لأحدهما الجنون أو فقد التمييز أو مات لم تبطل؛ لأن الأهلية شرط؛ حدوثًا لا استدامةً (٥).
стр. 1118
وتناول فقهاء المذهب الإمامي فروعًا كثيرة منها: ما إذا كان المؤجر من البطن الأول من المستحقين، ثمّ مات في أثناء مدة الإجارة؛ فإنه على القول بعدم بطلان الإجارة بالموت؛ فإن في المسألة تردد أظهره البطلان، ويكون الخيار للبطن الثاني؛ بين الإجازة في الباقي من المدة وبين الفسخ فيه (١).
أما لو كان المؤجر هو الناظر الذي هو من غير الموقوف عليهم؛ فإن كانت الإجارة قد راعت مصلحة الوقف فقط؛ فإنها تصح وتنفذ بالنسبة إلى سائر البطون، دون الحاجة إلى إجازتهم، أما لو وقعت مراعاة للبطن اللاحق دون أصل الوقف؛ فنفوذها بالنسبة إليهم دون إجازتهم محل إشكال (٢).
ويرون أن عقد الإجارة عقد لازم بلا خلاف ولا إشكال، فلا يبطل إلا بالتقابل أو بأخذ الأسباب المقتضية للفسخ، إلا أن هناك قولًا بأن الإجارة تبطل بالموت، كما أن هناك من يرى أنها تبطل بموت المستأجر، ولا تبطل بموت المؤجر، إلا أن الرأي الذي كان في صدر المسألة نسبته إليهم أجمع هو الأشهر بين متأخريهم (٣).
ويرى الإباضية أن عقد الإيجار واقع على منفعة العين المؤجرة والثمن عوض عن تلك المنفعة؛ لأن المستأجر لا يملك العين وإنما يملك المنفعة، فلو حيل بينه وبين استيفاء تامٍ لها لم يكن عليه من الثمن إلا بقدر ما استوفاه، فإذا أمكنه الانتفاع بالعين فيما اكتراها له لم تنفسخ الإجارة؛ لأن المنفعة المعقود عليها لم تزل بالكلية (٤).
стр. 1119
القول الثاني: يرى أن عقد الإجارة ينفسخ بموت العاقدين أو أحدهما:
وإليه ذهب الحنفية في الجملة، والظاهرية، والزيدية.
وقيَّد الحنفية هذا الحكم إذا كان قد عقدها لنفسه، أما إذا كان العاقد هو الحاكم أو نائبه أو الناظر؛ سواء كان الواقف أو من شرط له النظر وكان الوقف على غيره، فإنهم يذهبون إلى ما ذهب إليه القول الأول (١)، وقال الحنفية: إذا كان المؤجر غير الواقف فإن الإجارة لا تبطل بموته؛ سواء كان من المستحقين أم من غيرهم، وسواء كان هو القاضي أم أمينه (٢)، قولًا واحدًا، وعلل ذلك في الإسعاف بأنها (أي الإجارة) وقعت للوقف، وأنها لا تنفسخ، كما في حالة موت الوكيل المؤجر أو القاضي (٣).
وإذا كان المؤجر هو الواقف فإن فقهاء الحنفية قد انقسموا في ذلك على رأيين؛ أحدهما: يرى أن في حكم هذه المسألة قياس إن غلبناه فلابدَّ أن نحكم ببطلان الإجارة، كما أن في حكمها استحسان إن أخذ به فلابدَّ من القول بعدم اقتضاء الإجارة، وبقائها إلى الوقت الذي سمَّاه الواقف (٤)، أما الثاني في هذه المسألة فإن مفاده أن الإجارة لا تبطل بموت المؤجر الواقف؛ لأنه لم يؤاجرها بملك، إنما آجرها للوقف (٥).
وإذا مات المستأجر خلال مدة عقد الإجارة وقبل انقضائها فإن الإجارة تنفسخ، ويرجع ورثته بما عجل من الأجرة لما بقي من المدة على القابضين أو على من ضمن الدرك في الإجارة، وإذا استمروا على الانتفاع بالعين المستأجرة فعليهم أجرة المثل
стр. 1120
إلى وقت الفسخ، فالإجارة هنا منتقضة؛ لأن المستأجر إنما أجرها لغيره فالإجارة جائزة، كما لو أن رجلًا قد وكلَّه آخر ليستأجر لآخر دارًا فمات الوكيل؛ فإن الإجارة جائزة إلى الأبد (١).
وقال ابن حزم من الظاهرية في المحلى، وموت الأجير، أو موت المستأجر، أو هلاك الشيء المستأجر، أو عتق العبد المستأجر، أو بيع الشيء المستأجر من الدار أو العبد أو الدابة .. أو غير ذلك، أو خروجه عن ملك مؤجره بأي وجه خرج .. كل ذلك يبطل عقد الإجارة فيما بقي من المدة خاصة قلَّ أو كثر، وينفذ العتق والبيع والإخراج عن الملك بالهبة والإصداق والصدقة؛ برهان ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ (٢)، وقول رسول الله: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام"، وإذا مات المؤجر فقد صار ملك الشيء المستأجر لورثته أو للفقراء، إنما استأجر المستأجر منافع ذلك الشيء، والمنافع إنما تحدث شيئًا بعد شيء، فلا يحل له الانتفاع بنافع حادثة في ملك من لم يستأجر منه شيئًا قط، وهذا هو أكل المال بالباطل جهارًا، ولا يلزم الورثة في أموالهم عقد ميت قد بطل ملكه عن ذلك الشيء، ولو أنه آجر منافع حادثة في ملك غيره لكان ذلك باطلًا بلا خلاف، وهذا هو ذلك بعينه، وأما موت المستأجر فإن كان عقد صاحب الشيء معه لا مع ورثته؛ فلا حق له عند الورثة، ولا عقد له معهم، ولا ترث الورثة منافع لم تُخلق بعد ولا ملكها مورثهم قط، وهذا في غاية البيان، وهو قول الشعبي وسفيان الثوري والليث بن سعد وأبي حنيفة وأبي سليمان وأصحابهما، ومطرف ابن أَبِي شيبة، نا عبد الله بن أدريس الأودي، عن طمطرف بن طريف، عن الشعبي قال: ليس لبيت شرط، ومن طريف ابن أَبِي شيبة، نا عبد الصمد (هو ابن عبد الوارث) عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحكم بن عتيبة .. فيمن آجر داره عشر سنين فمات قبل ذلك؛ قال: تنتفي الإجارة، وقال مكحول: قال ابن سيرين وأياس بن معاوية: لا تنتقض، وقال
стр. 1121
عثمان اللبثي ومالك والشافعي وأصحابهما: لا تنتفي إلا ببرهان، قلنا: صدقتم، ما احتجوا به أن قالوا: عقد الإجارة قد صحَّ، فلا يجوز أن ينتقض إلا ببرهان، قلنا: صدقتم، وقد جئناكم بالبرهان، وقالوا: فكيف تصنعون في الأحباس؟ قلنا: رقبة الشيء المحبس لا مالك لها إلا الله، وإنما المحبس عليهم المنافع فقط؛ فلا تنتقض الإجارة بموت أحدهم، ولا بولادة من يستحق بعض المنفعة، لكن إن مات المستأجر انتقضت الإجارة؛ لما ذكرنا من أن عقده قد بطل بموته ولا يلزم غيره؛ إذ النهى من القرآن قد أبطل ذلك بقوله : ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾، فإن قالوا: قد ساقي رسول الله ﷺ خيبر اليهود وملكها للمسلمين، وبلا شك فقد مات من المسلمين قوم ومن اليهود قوم والمساقاة باقية، قلنا: إن هذا الخبر حق، ولا حجة لهم فيه، بل هو حجة لنا عليهم؛ لوجوهٍ أربعةٍ:
أولها: أن ذلك العقد لم يكن إلى أجل محدود، بل كان مجملًا، يخرجونهم إذا شاءوا، ويقرونهم ما شاءوا، وليست الإجارة هكذا.
والثاني: إنّه إن كان لم ينقل إلينا تجديد عقده ﷺ أو عامله الناظر على تلك الأموال مع ورثة من مات من يهود وورثه من مات من المسلمين، فلم يأت أيضًا ولا نُقل أنه اكتفى بالعقد الأول من تجديد آخر؛ فلا حجة لهم فيه ولا لنا، بل لا يشك في صحة تجديد العقد في ذلك.
والثالث: أنهم لا يقولون بما في هذا الخبر، ومن الباطل احتجاج قوم بخبر لا يقولون به على من يقول به، وهذا معكوس.
والرابع: أن هذا الخبر إنما هو في المساقاة والمزارعة، وكلامنا هنا في الإجارة، وهي أحكام مختلفة، وأول من يخالف بينهما، فالمالكيون والشافعيون المخالفون لنا في هذا المكان فلا يجيزان المزارعة أصلًا قياسًا على الإجارة، ولا يريان للمساقاة حكم الإجارة، فمن المحال ألا يقيسوا الإجارة عليهما وهم أهل القياس، ثمّ يلزموننا أن نقيسها عليها ونحن نُبطل القياس (١).
стр. 1122
وعند الزيدية: إذا أجر المُصرِف وقفًا يرجع بعد موته إلى من بعده بالوقف؛ فإنه يبطل تأجير الأول بموته، أما إذا كان المؤجر المتولي للوقف؛ فلا تنفسخ الإجارة بموته (١).
السبب الثاني: السبب التعاقدي:
ويتحقق بانقضاء مدة عقد الإجارة: فعقد إجارة الوقف من العقود التي لابد أن تكون لمدة معلومة، وأن العقد عندما يضرب له أجل فإنه ينتهي بانتهاء أجله، ويتساوى في ذلك إجارة الملك وإجارة الأوقاف، وبناء على ذلك فإذا انتهت مدة الإجارة وجب على المستأجر تسليم الموقوف المؤجَّر إلى ناظر الوقف، ولكن عند انتهاء مدة الإجارة فإن الأمر لا يخلو من الآتي:
أولًا: أن يكون المستأجَر كما هو على حالته الأولى دون نقصان أو زيادة.
ثانيًا: أن يطرأ على المستأجر نقصان.
ثالثًا: أن يطرأ على المستأجر زيادة.
أما أولًا: فإن المستأجر يلتزم بتسليم العين المستأجرة إلى الناظر ولا يرجع أحدهما على الآخر بشيء؛ لأن ملك المنفعة قد انتهى بانتهاء مدته فلا يحق للمستأجر إبقاؤه تحت يده إلا بعقد جديد، ولا مقتضى لتغريم أحدهما شيئًا للآخر (٢).
أما ثانيًا: فإنه إذا نقص المستأجر عن حالته التي كان عليها وقت عقد الإجارة كما في حالة تعدي المستأجر على الوقف وهدمه فإنه يضمن، وهناك اتفاق على الضمان أو الإصلاح بالإعادة كما يتجلى من النظر في الآراء الفقهية المتعددة.
стр. 1123
فعند الحنفية أنه إذا كان النقصان قد تسبب في عدم إمكانية إعادة المستأجَر، كما إذا كانت العين المستأجرة شجرة وقد تم قلعها ولا يمكن إعادة غرسها؛ فإن الناظر ضامن لقيمة ما نقص ويصرف الضمان في عمارة الموقوف، لا بإعطاء القيمة إلى الموقوف عليهم؛ إذ إن القيمة المذكورة بدل عما نقص من الوقف، أما إذا كانت إعادته ممكنة فإن المستأجر يؤمر بإعادته إلى حالته الأولى كما كان سابقًا، محافظًا بذلك على الصفة التي كان عليها قبل النقصان، ولا يغير في هذه الصفة إلا إذا غيَّر لما هو أكثر نفعًا للوقف، ويكون الناظر في هذه الحالة متبرعًا بالزائد، فيبقى ما بناه على حالته لجهة الوقف ولا يُعطى له شيء مقابل ما أنفقه على عمارة الوقف، أما إذا لم يكن التغيير أنفع للوقف فإنه يؤمر بهدمه وإعادة العين إلى ما كانت عليه (١).
والمالكية: يرون أن القيمة تلزم الناظر في هذه المسألة، وهو الرأي المعتبر في المذهب عندهم، فالواجب في الهدم القيمة؛ ملكًا كان المهدوم أم وقفًا عقارًا أو غيره، فيقوَّم الموقوف قائمًا ومهدومًا، ويؤخذ ما بين القيمتين، كما إذا قوَّم قائمًا بعشرة ومهدومًا بستة فما بينهما أربعة فيعطاها، والنقض باقٍ على الوقفية، وإن فوت النقص يلزمه قيمته بتمامه، وتجعل تلك القيمة في عقار مثله يُجعل وقفًا عوضًا عن المهدوم (٢).
ويرى الشافعية بأن النقص الذي لحق بالموقوف يضمنه المستأجر إذا كان متعديًا، أما إذا لم يكن متعديًا، بل جاء النقص بسبب الاستعمال العادي أو لآفة سماوية؛ فلا ضمان على المستأجر؛ لأن الإجارة من عقود الأمان (٣).
والحنابلة صرَّحوا بأن ما نقصه المستأجر من الوقف فإن عليه ضمانه مطلقًا (٤).
стр. 1124
ولقد ذكر الظاهرية أن الإجارة جائزة في كل شيء له منفعة فيؤاجر لينتفع به ولا يستهلك عينه، ومن الإجارات ما لابد فيه من ذكر العمل دون المدة، ومنه ما لابد فيه من الأمرين معًا، وإلا كانت الإجارة مجهولة، وإذا كانت مجهولة فهي أكل مال بالباطل (١)، ولا ضمان على أجير مشترك أو غير مشترك، ولا على صانع أصلًا إلا ما ثبت أنه تعدى فيه أو أضاعه، والقول في كل ذلك ما لم تقم عليه بينةٌ قوله مع يمينه، فإن قامت عليه بينة بالتعدي أو الإضافة ضمن، وله في كل ذلك الأجر فيما أثبت أنه كان عمله، فإن لم تقم بينة حُلّفَ صاحب المتاع أنه ما يعلم أنه عمل ما يدعي أنه عمله، ولا شيء عليه حينئذٍ (٢).
وعند الزيدية: تنتهي إجارة الوقف بانتهاء مدة الإجارة، فشرط كل مؤجر ولايته وتعيينه ومدته أو ما في حكمها (٣)، فإن أجر المتولي ثلاث سنين فأزيد كان ذلك محظورًا، وتبطل ولايته، ولا تصح الإجارة سواء كان المؤجر صاحب المنافع أم المتولي (٤).
أما فقهاء الإمامية فقد ذكروا مسائل عديدة في حال نقصان المستأجَر وعدم بقائه على حاله؛ منها مسألة ما إذا استأجر عينًا فآجرها لغيره وسلمها له؛ فإن صحت الإجارة الثانية، فتلفت عند الثاني أو تعيبَّت بتقصير من الثاني؛ كان الثاني ضامنًا، وأما الأول فلا يضمن إلا إذا كان الثاني الذي سلمها له غير مأمون عنده، وكذا الحال إذا استؤجر على عمل في عين يأخذها عنده فاستأجر آخر على العمل فيها وسلمها له (٥).
أما الإباضية: فيرون أن المكتري لا يكلف إصلاح ما اكتراه عندما تعرض له عوارض خارجة عن ممارسته، قد تؤدي إلى تحوُّل العين المكتراة عن طبعها وعدم صلاحها للغرض الذي اكتريت من أجله، كما أن للمكتري أن يرجع إلى المكري فيما
стр. 1125
دفعه إليه من الكروة، إن تعذر انتفاعه بالعين المكتراة بسبب ما طرأ عليها مما هو خارج عن تسببات المكتري؛ سواء كان هذا الرجوع بالفسخ الذي يطرأ على العقد تلقائيًا بسبب هذه العوارض، أم كان ذلك بما للمكتري من حق الخيار بسببها (١).
المسألة الثانية: الأثر المترتب على انتهاء عقد إجارة الوقف
إذا انتهت إجارة الوقف وقد طرأ على العين المستأجرة زيادة أو طرأ عليها نقصان؛ فقد اتفق الفقهاء على إعمال الأثر المترتب على ذلك بما يخدم مصلحة الوقف، وهذا مستفاد من مقتضى الفروع.
أما المختلف فيه، ففيه الأقوال الآتية:
القول الأول: يرى أن المستأجر لا يمتلك الزيادة وإنما الوقف فقط:
وإليه ذهب الحنفية، والمالكية، وبعض الشافعية والحنابلة، والظاهرية، والإمامية، والزيدية، والإباضية، وهذا تفصيله:
١ - مذهب الحنفية:
يقول فقهاء الحنفية أنه إذا زاد المستأجر بأي شيء كبناء جديد أو غرس أو زرع، فإذا كان لزوالها نهاية معلومة؛ فإنها تترك في يد المستأجر إلى أن يحصل عليها؛ مثل الزرع في الأرض الذي يُترك إلى أن يحصد، ويلزم المستأجر بدفع أجر المثل عن المدة التي شغل فيها زرعه للأرض؛ لأن الزرع موضوع فيها بحق، فلو تمَّ تكليف المستأجر بقلع الزرع وتسليم الأرض لتضرر، ولو تركناها في يده إلى إدراك الزرع بدون أجر فإن مصلحة الوقف لن تراعي؛ لذا فإنه مراعاة لكلا المصلحتين، فإن المستأجِر يترك في يد المستأجَر ويلزم الأخير بدفع أجرة المثل (٢) كما ذكرناه آنفًا، أما إذا لم يكن للزيادة نهاية معلومة؛ فإنه إمَّا أن تكون الزيادة موضوعة بحق؛ بما معناه أنه قد أذن الناظر للمستأجر بالبناء أو الغرس؛ فإن المستأجر يكون أولى بالإجارة