← Фикх общий

Фикх общий · id 308

مدونة أحكام الوقف الفقهية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

ويقول الزركشي: "وحكى في التلخيص عن أبي الخطاب أنه لا يجوز بيع الوقف مطلقًا، وهو غريب لا يعرف في كتبه" (١). الصورة الرابعة: في سكوت الواقف عن شرط الاستبدال، والموقوف معطل النفع وهو عقار غير مسجد (٢): إذا خرب الوقف - وهو غير مسجد - وصار بحيث لا يرد شيئًا؛ أي لا يرد شيئًا ينتفع به على أهل الوقف، أو يرد شيئًا لا عبرة فيه .. فقد اختلف الفقهاء في حكم إستبداله على ثلاثة أقوال: القول الأول: يرى أنه إذا خرب الوقف وتعطلت منافعه فإنه يباع ويشترى بثمنه ما يرد على أهل الوقف وجعل وقفًا كالأول. وإليه ذهب الحنفية (أبو يوسف ومحمد) (٣)، والحنابلة في الصحيح من المذهب (٤)، وبعض الشافعية (٥)، والزيدية (٦).

стр. 1157

وهو رواية عن الإمام مالك، فقد روى أبو الفرج عنه أنه قال: إن رأي الإمام بيع ذلك لمصلحة جاز ويجعل ثمنه في مثله (١). وقد استدل أصحاب هذا القول على استبدال العقار غير المسجد إذا خرب على بما يأتي: ١ - روي أن عمر كتب إلى سعد لما بلغه أن بيت المال الذي بالكوفة نقب: أن أنقل المسجد الذي بالتمارين - موضع سوق التمر - واجعل بيت المال في قبلة المسجد، فإنه لن يزال في المسجد مصلّ، وكان ذلك بمشهد من الصحابة ولم يظهر خلافه فكان كالإجماع (٢). ٢ - القول بجواز استبدال الوقف حال تعطله فيه استبقاء للوقف عند تعذر بقائه صورة، ومن ثم وجب القول باستبداله، قياسًا على ما لو استولد جارية موقوفة أو قتلها، أو قتلها غيره، حيث يجب بدلها (٣). ٣ - الغرض من تأبيد الوقف هو انتفاع الموقوف عليه على وجه الدوام، وإذا لم يكن تأييده على وجه تخصيصه استبقينا الغرض وهو الانتفاع على الدوام في عين أخرى، واتصال الإبدال جرى مجرى الأعيان، والقول بعدم استبدال العين مع تعطلها تضييع للغرض (٤). ٤ - بالقياس على جواز بيع الفرس الحبيس (الموقوف) إذا لم يصلح للغزو وشراء ما يصلح للغزو بثمنه، حيث أجمع العلماء على جواز بيعها إذا كبرت فلم تصلح للغزو، وأمكن الانتفاع بها في شيء آخر، مثل: أن تدور في الرحى، أو يحمل عليها التراب، أو تكون الرغبة في نتاجها، أو حصانًا يتخذ للطراق (ضراب الفحل)، فإنه يجوز بيعها ويشتري بثمنها ما يصلح للغزو (٥).

стр. 1158

٥ - مصلحة أهل الوقف تقضي إبداله إذا تعطل بما يقوم مقامه، لأن المصلحة أصل في هذا الباب، بل هي أصل في عامة العقود، فإن الله تعلى أمر بالصلاح ونهى عن الفساد وبعث رسله بتحصيل المصالح كلها وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها (١) وقال موسى لأخيه هارون: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٢). وقال شعيب: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ (٥). القول الثاني: يرى أن العقار إذا خرب وصار لا ينتفع به، فإنه يخرج عن الوقف؛ أي: يبطل ويعود إلى الواقف أو لورثته إذا كان غير معد للاستغلال؛ كرياط خرب (وهو الذي يبنى للفقراء) وحوض محلة خرب. أما إذا كان معدًا للاستغلال عند جماعة المسلمين؛ كبيت انهدم؛ فإنه يبطل الوقف (أي يخرج عن الوقفية)، ويعود النقض إلى بانيه أو ورثته دون ساحته؛ لأن ساحته يمكن استغلالها، وذلك كحانوت احترق، وصار بحيث لا ينتفع به، ولا يستأجر بشيء البتة، وهذا ما روي عن محمد (٦). ونظرًا لاختلاف الرواية عن محمد حيث روى عنه بطلان الوقف إن تعطلت منافعه وهي المذكورة هنا، وما رواه هشام عنه من جواز استبداله إذا خرب وصار لا ينتفع به، وجدنا الكمال ابن الهمام قد قال: "ينبغي ألا يفتي على قوله (محمد)

стр. 1159

برجوعه إلى ملك الواقف وورثته بمجرد تعطله وخرابه، بل إذا صار بحيث لا ينتفع به يشتري بثمنه وقف آخر يستغل، ولو كان غلته دون غلة الأول" (١). القول الثالث: يرى أنه لا يجوز استبدال العقار الموقوف الذي خرب وصار لا ينتفع به سواء كان دارًا أو حوانيت أو غيرها. وإليه ذهب المالكية (٢) في المذهب، وأكثر الشافعية (٣)، وبعض مشايخ الحنفية (٤)، وبعض الحنابلة (٥)، وهو قول الإمامية (٦). وقد استدلوا على ذلك بما يأتي: ١ - القول بجواز الاستبدال فيه فتح باب الفساد الذي لا يعد ولا يحصى، لأن بعض الظلمة من القضاء جعلوه حيلة إلى إبطال أكثر أوقاف المسلمين وفعلوا ما فعلوا (٧). ٢ - ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه، لا يجوز مع تعطلها، قياسا على العتق (٨). واستثنى المالكية في المذهب من عدم جواز بيع العقار الموقوف واستبداله جواز بيعه لتوسيع المسجد والطريق. قال الخرشي المالكي: "إذا ضاق المسجد بأهله واحتاج إلى توسعة وبجانبه عقار حبس أو ملك؛ فإنه يجوز بيع الحبس لأجل توسعة المسجد، وإن أبي صاحب الحبس أو صاحب الملك عن بيع ذلك فالمشهور أنهم يجبرون على بيع ذلك، ويشترى بثمن الحبس ما يجعل حبسًا كالأول، ومثل توسعة المسجد توسعة طريق المسلمين ومقبرتهم" (٩).

стр. 1160

هذا وقد اختلف المالكية في استبدال العقار الموقوف الخرب بعقار غير خرب، قال المواق نقلًا عن ابن الجهم: واختلف في المعارضة بالربع الخرب بربع غير خرب، ثم نقل عن ابن رشد قوله: "إن كانت هذه النقطة من الأرض المحبسة انقطعت منفعتها جملة وعجز عن عمارتها وكرائها فلا بأس بالمعارضة فيها بمكان يكون حبسًا مكانها، ويكون ذلك بحكم القاضي بعد ثبوت ذلك السبب والغبطة في ذلك للعوض عنه ويسجل ذلك ويشهد به" (١). الصورة الخامسة: في سكوت الواقف عن شرط الاستبدال والموقوف مسجد معطل النفع: اختلف الفقهاء في حكم استبدال المسجد في هذه الحالة على أربعة أقوال: القول الأول: يرى أنه إذا خرب المسجد أو خرب ما حوله واستغنى أهل محلته عن الصلاة فيه بأن كان قرية فخربت وحولت مزارع، فإنه يبقى مسجدًا ولا يعود ملكًا ولا يباع ولا يتصرف في عمارته. وإليه ذهب الحنفية، عدا محمد بن الحسن (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة في قوله (٥).

стр. 1161

واستدلوا على ما ذهبوا إليه بما يأتي: ١ - قياس المسجد على الكعبة فإن الإجماع على عدم خروج موضعها عن المسجدية والقربة (١)، مع ما كان حولها من الأصنام التي كانت تعبد من دون الله في الجاهلية، فكذا سائر المساجد تبقى مكانًا للطاعة حتى ولو خرب ما حولها (٢). ٢ - لما جعل الواقف مكانًا ما مسجدًا، فقد حرره وجعله خالصا لله تعالى على الإطلاق وصح ذلك فلا يحتمل العود إلى ملكه كالإعتاق (٣)، فإن من أعتق شخصًا لا يعود إلى ملك معتقه مرة ثانية فكذا هذا، حيث لا يعود المسجد إلى ملك بانيه بعد خرابه مرة ثانية. ٣ - في القول بعدم بقاء المسجد موضعا للطاعة والقرية ولو بعد خرابه، ربما يجعله الباني بعد عوده إليه اصطبلًا للحيوان بعد أن كان مسجدًا (٤). ٤ - بقاء أحباس السلف داثرة دليل على منع الاستبدال (٥). ٥ - ما لا ينقل الوقف عن مقتضاه إذا لم يخرب فإنه لا ينقله عن مقتضاه وإن خرب كالغصب (٦). ٦ - إمكانية الانتفاع به حالًا بالصلاة في أرضه (٧). القول الثاني: يرى أنه لو خرب المسجد، أو خرب جواره واستغني عنه، فإن المسجد يعود إلى ملك الواقف إن كان حيًا، أو إلى ورثته إن كان ميتًا؛ حتى يجوز لهم أن يبيعوه أو يبنوه دارًا، وذلك بشرط ألا يكون للمسجد من الغلة ما يمكن به عمارته

стр. 1162

حال خرابه، وإن لم يعرف باني المسجد ولا ورثته كان لأهل محلته بيعه والاستعانة بثمنه في بناء مسجد آخر (١)، وإلى هذا القول، ذهب محمد بن الحسن الشيباني، وهو رواية عن أبي حنيفة (٢). واستدل محمد بن الحسن الشيباني على ما ذهب إليه من عود المسجد إلى ملك الواقف بما يأتي: ١ - الواقف أزال ملكه بوجه مخصوص وهو التقرب إلى الله تعالى بمكان يصلي فيه الناس، فإذا استغني عنه فقد فات غرض الواقف من المسجد فيعود إلى ملكه (٣). ٢ - عود المسجد إلى بانيه حال خرابه أو خراب ما حوله، قياسًا على عود حصير المسجد وحشيشه إذا استغني عنه (كان الحشيش فرش بدل الحصير قديمًا في بعض البلاد)، وقنديله إذا خرب المسجد، إلى ملك متخذه (٤). ٣ - بالقياس على عود الكفن إلى ملك مالكه، حالة ما لو كفن ميتًا فافترسه سبع (٥). ٤ - بالقياس على رجوع هدي الإحصار إلى صاحبه ليصنع فيه ما شاء حالة زوال الإحصار وإدراك الحج (٦). ٥ - في القول بعدم رجوع المسجد إلى ملك بانيه حالة خرابه ربما يصير مكانًا لإلقاء المهملات عند تطاول المدة (٧).

стр. 1163

القول الثالث: يرى أن المسجد إذا خرب ما حوله وتفرق الناس عنه، فإنه لا يعود إلى ملك الواقف ولكن يباع نقضه بإذن القاضي ويصرف ثمنه إلى مسجد آخر، وهذا ما روي عن أبي يوسف (١). ويستدل على ذلك بأنه لو لم تنقل أنقاضه إلى مسجد آخر، أو لو لم تبع أنقاضه ويصرف ثمنها إلى مسجد آخر لاستولى عليه اللصوص والمتغلبون، وكذلك أوقافه يأكلها النظار أو غيرهم، ويلزم من عدم نقل أنقاضه، خراب المسجد الآخر المحتاج إلى النقل إليه (٢). وعلى ذلك فليس لأهل الناحية بيع المسجد القديم وإن خرب لصرفه في مسجد جديد على كلا القولين (قول أبي يوسف وقول محمد)، أما على قول أبي يوسف فلأنه لا يعود إلى ملك الباني، وأما على قول محمد فلأنه بعد الاستغناء يعود إلى ملك الباني أو ورثته (٣). أما بالنسبة لآلات المسجد من حصير وقناديل ونحوها، إن خرب المسجد ووقع الاستغناء عنه وعنها، فإنها تكون لواقفها أو لورثته عند محمد. وعند أبي يوسف، تباع ويصرف ثمنها على حوائج المسجد، وإن استغني عنه تحول على مسجد آخر. والفتوى على قول محمد في آلات المسجد وعلى قول أبي يوسف في تأبيد المسجد (٤). القول الرابع: يرى أنه إذا أصبح المسجد لا ينتفع به بأن انتقل أهل القرية عنه وصار في موضع لا يصلي فيه، أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه في موضعه، أو تشعب جميعه فلم تمكن عمارته، فإنه يباع ويشترى بثمنه مكانًا يجعل مسجدًا، والحكم للمسجد الثاني ويبطل حكم الأول وإليه ذهب الحنابلة في المذهب (٥)، وبعض مشايخ الحنفية (٦).

стр. 1164

وأدلة الحنابلة ومن وافقهم على ما ذهبوا إليه، هي نفس أدلتهم على بيع الموقوف إذا تعطلت منافعه (١). الصورة السادسة: في اشتراط الواقف عدم الاستبدال: إذا اشترط الواقف عدم استبدال الموقوف فإنه يجوز عند الحنفية والحنابلة مخالفة شرطه، إذا كان ذلك أنفع لحاجة الوقف ومستحقيه، وهذه المسألة إحدى المسائل السبع التي أجاز الحنفية مخالفة شرط الواقف فيها" (٢). وقد استدلوا على ذلك بما يأتي: ١ - المدار في الوقف على نظر الحاكم في الأزمان والأحول المتجددة، لأنه الولي الحاضر وكذلك في الشروط المخالفة لرأي الحاكم ونظيره إذا وافقه فيها لحسن المدار فيها على رأي الحاكم بحسب كل زمان (٣). ٢ - جواز مخالفة القاضي شرط الواقف عدم الاستبدال متى وجدت المصلحة؛ لأن القاضي نظره أعلى، وهذا شرط فيه تفويت المصلحة للموقوف عليهم وتعطيل للوقف فيكون شرطا لا فائدة فيه للوقف ولا مصلحة، فلا يقبل (٤). ٣ - اشتراط الواقف عدم استبدال الوقف شرط فاسد (٥)؛ لأنه مخالف لحديث النبي ﷺ : "ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله" (٦). ٤ - بطلان شرط الواقف عدم استبدال الوقف، لأن الاستبدال قد يكون ضرورة في بعض الأحوال، وقد يكون فيه منفعة للموقوف عليهم (٧).

стр. 1165

المبحث الثاني أحوال جواز الإبدال والاستبدال ١ - إذا نص الواقف على جواز استبدال الوقف، وهذا ما ذهب إليه أبو يوسف من الحنفية (١)، أما إذا نص الواقف على عدم الاستبدال فيعمل بشرطه ولا يجوز استبداله إلا إذا اقتضت الضرورة ذلك، ومن ثم يخالف شرطه، وهذا ما نصت عليه كتب الحنفية والحنابلة (٢). ٢. إذا تعطلت منافع الوقف تعطلًا كاملًا، وهذا ما ذهب المالكية في المذهب، والحنابلة في المذهب كذلك، والشافعية في وجه، والحنفية فيما يجوز وقفه من المنقول عندهم (٣). ٣. إذا تعطلت منافع الوقف وهو عقار غير مسجد، حيث يجوز استبداله، وهذا ما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد من الحنفية، والحنابلة في الصحيح من المذهب، وبعض الشافعية، والزيدية، وهو رواية عن مالك (٤). ٤ - إذا تعطل الموقوف وهو مسجد، فيجوز استبداله عند محمد بن الحسن من الحنفية، وهو رواية عن أبي حنيفة (٥). ٥ - إذا قلت الثمرة المرجوة من الوقف، وذلك بأن كانت إيرادات الوقف لا تغطي نفقاته، وهو ما عبر عنه الحنفية بقولهم: لا تفضل غلة الأرض عن مؤنتها (٦). ٦ - إذا كان في استبدال الوقف ريع يزيد عن ريعه زيادة معتبرة، فيجوز الاستبدال عند أبي يوسف من الحنفية، ويكون ذلك تحت إشراف الجهة التي تتولى ذلك على نحو ما سيأتي، يقول ابن عابدين: "وإن كان للوقف ريع ولكن يرغب شخص في استبداله إن أعطى بدله أكثر ريعًا منه في صقع - أي ناحية أو جهة - أحسن من صقع الوقف جاز عند القاضي أبي يوسف والعمل عليه، وإلا فلا يجوز" (٧).

стр. 1166

٧ - إذا احتاج الوقف بيع بعضه لإصلاح الباقي، فيجوز بيعه لذلك، وهذا ما ذهب إليه الحنابلة، ووافقهم الحنفية على ذلك في بيع ما انهدم من بناء الوقف وآلته. يقول ابن قدامة: "الوقف إذا خرب، وتعطلت منافعه ... أو تشعب جميعه فلم تمكن عمارته ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه، جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته" (١). ويقول المرغيناني في الهداية: "وما انهدم من بناء الوقف وآلته صرفه الحاكم في عمارة الوقف إن احتاج إليه، وإن استغني عنه أمسكه حتى يحتاج إلى عمارته فيصرفه فيهما؛ لأنه لابد من العمارة ليبقى على التأبيد فيحصل مقصود الواقف" (٢). أما بيع بعض أرض الوقف لإصلاح ما خرب من الباقي بثمن ما بيع، فليس للقيم ولا لغيره ذلك عند الحنفية (٣). ٨ - يستبدل الوقف ولو كان غير خرب للمصلحة العامة التي لا مناص منها؛ كتوسيع لمسجد، أو بناء لقنطرة، أو مقبرة، أو توسعة الطريق ونحو ذلك، وإن امتنع صاحب الحبس عن البيع، أجبر على ذلك، ويشترى بثمن الحبس ما يجعل حبسًا كالأول، وهذا ما ذهب إليه الحنفية، والمالكية. يقول ابن الهمام: "ولو ضاق المسجد وبجنبه أرض وقف عليه أو حانوت جاز أن يؤخذ ويدخل فيه ... يعني إذا احتاجوا إلى ذلك، ولأهل المسجد أن يجعلوا الرحبة مسجدا، وكذا على القلب ويحولوا الباب أو يحدثوا له بابا آخر ... إلا أن قوله وعلى القلب يقتضي جعل المسجد رحبة، وفيه نظر" (٤). ويقول ابن عابدين: "وإن أراد أهل المحلة أن يجعلوا شيئًا من المسجد طريقا للمسلمين فقد قيل: ليس لهم ذلك، وإنه صحيح، ثم نقل عن العتَّابيّة عن خُواهر زاده: إذا كان الطريق ضيقًا والمسجد واسعًا لا يحتاجون إلى بعضه تجوز الزيادة في الطريق من المسجد؛ لأن

стр. 1167

كلها للعامة ا. هـ. والمتون على الثاني، فكان هو المعتمد لكن كلام المتون في جعل شيء منه طريقًا، وأما جعل كل المسجد طريقًا، فالظاهر أنه لا يجوز قولًا واحدًا، نعم في التتارخانية سُئل أبو القاسم عن أهل مسجد أراد بعضهم أن يجعلوا المسجد رحبة والرحبة مسجدًا، أو يتخذوا له بابًا أو يحولوا بابه عن موضعه، وأبي البعض ذلك، قال: إذا اجتمع أكثرهم وأفضلهم ليس للأقل منعه. ا. هـ .. قلت: ورحبة المسجد ساحته، فهذا إن كان المراد به جعل بعضه رحبة فلا إشكال فيه، وإن كان المراد جعل كله فليس فيه إبطاله من كل جهة؛ لأن المراد تحويله بجعل الرحبة مسجدًا بدله بخلاف جعله طريقًا تأمل" (١). وقال في الفتح: "ولو ضاق المسجد وبجنبه أرض وقف عليه أو حانوت جاز أن يؤخذ ويدخل فيه ... وتقييده بقوله: وقف عليه أي على المسجد يفيد أنها لو كانت وقفًا على غيره لم يجز، لكن جواز أخذ المملوكة كرهًا يفيد الجواز الأولى؛ لأن المسجد لله تعالى، والوقف كذلك" (٢). ويقول الدردير في شرحه على خليل: "لا يجوز بيع العقار المحبس، وإن خرب ولو بعقار غير خرب خلافًا لمن قال بجواز بيع الخرب بغيره، إلا أن يباع العقار الحبس ولو غير خرب لتوسيع المسجد. والطريق والمقبرة، والمراد بالمسجد الجامع، فيجوز بيع حُبُس غير هذه الثلاثة لتوسيع الثلاثة وسواء تقدم الحبس على أحد هذه الثلاثة، أو تأخر فالصور ست، والمراد بالجواز الإذن؛ فلذا قال: (ولو جبرًا) إن أبي المستحق أو الناظر وإذا جبر على ذلك في الوقف، فالملك أحرى" (٣). ويقول الخرشي: "إذا ضاق المسجد بأهله واحتاج إلى توسعة وبجانبه عقار حبس أو ملك فإنه يجوز بيع الحبس لأجل توسعة المسجد، وإن أبي صاحب الحبس أو صاحب الملك عن بيع ذلك فالمشهور أنهم يجبرون على بيع ذلك ويشترى بثمن الحبس ما يجعل حبسًا كالأول، ومثل توسعة المسجد توسعة طريق المسلمين ومقبرتهم" (٤).

стр. 1168

المبحث الثالث استثمار أموال البدل أولًا: تعريف استثمار أموال بدل الوقف: ١ - هو تنمية الأموال الوقفية سواء كانت أصولًا أم ريعًا بوسائل ومجالات استثمارية مباحة شرعًا (١). ٢ - هو توظيف الأموال الوقفية الفائضة عن الحاجة الضرورية في نشاط اقتصادي مشروع ومنتج، بقصد تنمية هذه الأموال والحصول على عوائد مجزية تساعد في تحقيق رسالة الوقف ومقاصده السامية (٢). ٣ - يقصد باستثمار الوقف: إستغلاله واستعماله بطريقة تدر ريعًا؛ سواء كان عن طريق التجارة فيه، كما في وقف النقود المخصصة للتجارة أو المضاربة، أو عن طريق التأجير ونحوه، أو عن طريق الاستثمار المباشر (٣). ٤ - المراد به استثمار أصل الوقف عقارًا كان أو منقولًا، أو استثمار الريع الناتج عن استغلال الوقف (٤). هذا وقد فرق بعض الباحثين بين مصطلح استثمار الوقف وبين مصطلح الاستثمار في الوقف، حيث ذكر أن المقصود من الثاني هو إنشاء الوقف والإضافة إليه، والمحافظة على قدرته الإنتاجية بإصلاح ما خرب منه عن طريق تجديده، أو استبداله بوقف آخر.

стр. 1169

وهذا ما يمكن أن يطلق عليه تنمية الوقف، ومن ثم فالوقف هنا يكون طالبًا للتمويل. أما المقصود من المصطلح الأول، فهو استخدام مال الوقف للحصول على المنافع، أو الغلة التي تصرف في أوجه البر الموقوف عليها، وعليه فالوقف هنا يعتبر ممولًا (١). ثانيًا: أنواع الموقوف بالنسبة للاستثمار: ١ - استثمار أموال البدل إذا لم يتوفر البديل، وأمكن تسلمه عند توافر البدل. ٢ - استثمار مخصصات الاستهلاك والصيانة، وإعادة الإعمار، والإبدال، والديون المشكوك في تحصيلها، وما في حكمها وتتبع المخصص في حكمها. ٣ - استثمار الفائض من الريع بعد توزيع الربح على المستحقين وحسم النفقات والمخصصات، مع إلحاق ريع استثمار أموال البدل في هذه الحالة بأصل المال المستثمر (٢). هذا وهناك طريقة ذكرها بعض الباحثين لبيان أنواع الموقوف بالنسبة للاستثمار وعدمه وهي على النحو الآتي: ١ - موقوف لا يجوز استثماره بحكم طبيعته؛ كالمساجد، والمقابر وأسلحة الجهاد .. ونحوها. ٢ - موقوف لا يجوز استثماره لنص الواقف على استعماله دون استثماره؛ كالمستشفيات الموقوفة لعلاج المرضى بدون أجرة مثلًا.

стр. 1170

٣ - موقوف لا يتحقق الغرض من وقفه إلا باستثماره؛ كالنقود الموقوفة للاستفادة من ربحها عن طريق المرابحة ونحوها عند من يرى وقفها. ٢ - موقوف الغرض منه حبس الأصل وتسبيل المنفعة؛ كالعقارات التي توقف للاستفادة من أجرتها، وكالأشجار التي توقف للاستفادة من ثمرها، وكالأراضي الزراعية التي توقف للاستفادة منها عن طريق المزارعة أو المساقاة، أو الإجارة ونحو ذلك للنفقة على الموقوف عليهم (١). ثالثًا: وسائل استثمار أموال بدل الوقف: الوسيلة الأولى: الإجارة: لا خلاف بين فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية في أن الإجارة تعتبر من طرق الاستثمار في الوقف (٢)، وإن كان لهم بعض التفصيلات التي تتعلق بها، وأذكر منها ما يلي: ١ - مدة إجارة الوقف: ذهب فقهاء الحنفية إلى أن مدة إجارة الوقف تختلف بحسب شرط الواقف، وعليه فإن نص على مدة فهي على ما شرط، طالت أو قصرت؛ لأن شروط الواقف تراعي كالنصوص. وإن لم ينص الواقف على مدة، فلا يجوز أن تزاد على ثلاث سنين في المختار عندهم، خوفًا من دعوى المستأجر أنها ملكه إذا تطاولت المدة. وأفتى بعضهم بأن مدة الإجارة في الأوقاف تقدر بثلاث سنين في الضياع (العقارات) إلا إذا كانت المصلحة في منع ذلك، وفي غير الضياع تقدر بسنة، ولا يجوز فيما زاد إلا إذا كانت المصلحة في الجواز (٣).

стр. 1171

وذهب فقهاء المالكية إلى أن مدة إجارة الوقف تختلف فيما إذا كان الحبس (الوقف) على معينين كبني فلان، وبين ما إذا كان على غير معينين؛ كالمساجد والمساكين وشبههما حيث جعلوا مدة الإجارة في الأول من سنتين إلى ثلاث، ولا يجوز أكثر من ذلك، وقدروا مدة الإجارة في الثاني بما لا يزيد عن أربعة أعوام في الأرض وبما لا يزيد على عام في الدار، وأجاز بعضهم إجارة الأرض لتبني دارًا مدة أربعين سنة وإن كانت الأرض موقوفة على غير معينين (١). وذهب فقهاء الشافعية في الأصل عندهم إلى عدم تقدير مدة الإجارة الوقف؛ لأنه لا توقيف فيه، وذلك بناء على مذهبهم في عدم تقدير الإجارة بمدة وترك ذلك لأهل الخبرة بشرط أن يكون ذلك على وفق الحاجة والمصلحة العين الوقف بأن توقفت عمارته على تلك المدة الطويلة لا للموقوف عليهم وذلك لفساد الزمان بغلبة الاستيلاء على الوقف عند طول المدة، وبشرط ألا يكون هناك نص من الواقف على تقدير مدة (٢). ٢ - أجرة المثل في إجارة الوقف: ذهب فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية إلى أنه لا تجوز إجارة الوقف إلا بأجرة المثل أو أكثر، وعليه فلو أجر الناظر بدون أجرة المثال لا تصح الإجارة (٣). وذهب فقهاء الحنابلة إلى أن الناظر لو أجر الوقف بأنقص من أجرة مثله، فإن عقد الإجارة صحيح، ويضمن الناظر النقص الذي لا يتغابن الناس به عادة إن كان المستحق غيره؛ لأنه يتصرف في مال غيره على وجه الحظ، فضمن ما نقصه بعقده كالوكيل (٤)، أما لو أجره الموقوف عليه بدون أجر المثل؛ ففيه وجهان (٥):

стр. 1172

٣ - الزيادة على أجر المثل: ذهب فقهاء الحنفية في رواية فتاوى السمرقندي، والمالكية، والشافعية في الأصح، والحنابلة في الصحيح من المذهب إلى أن أرض الوقف إذا أجرت بأجرة المثل، ثم زاد أجرها بعد مضي مدة من الزمان أو ظهر طالب بزيادة بعد ذلك، فإن العقد لا يفسخ ولو أجره سنين؛ لأن العقد جرى بالغبطة في وقته، فأشبه ما لو باع الولي مال طفله ثم ارتفعت القيمة بالأسواق، أو ظهر طالب بالزيادة (١). وذهب الحنفية في قول، والشافعية في مقابل الأصح، والحنابلة في قول إلى أن أرض الوقف إذا زادت أجرتها، فإن العقد يفسخ، ويجدد العقد بالزائد، ويلزم المستأجر إلى وقت الفسخ المسمى الأول لتبين وقوع العقد على خلاف الغبطة. وزيادة الأجرة إنما تعتبر عند هؤلاء الفقهاء إذا زادت عند الكل بأن زادت الرغبات وغلا السعر، أما لو زاد واحد تعنتًا ومضارة فلا تعتبر هذه الزيادة (٢). الوسيلة الثانية: المزارعة والمساقاة: ذهب إلى استثمار أرض الوقف عن طريق المزارعة أو المساقاة فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة (٣).

стр. 1173

ومدة الإجارة هنا ينطبق عليه ما أشرنا إليه سابقًا من كلام الفقهاء على مدة إجارة الوقف. وقد نص الفقيه أبو جعفر من فقهاء الحنفية على أنه لا يجوز لناظر الوقف أن يؤجر أرض الوقف أكثر من سنة إن كانت تزرع كل سنة مرة، وإن كانت تزرع في كل سنتين مرة أو في ثلاث سنين مرة، كان له أن يؤجرها مدة يتمكن المستأجر فيها من الزراعة. وهذا بشرط ألا يكون الواقف قد شرط ألا تؤجر الأرض أكثر من سنة، فإن كان قد شرط اتبع شرطه، وإن كان هناك مصلحة للوقف وللموقوف عليهم، فللناظر أن يرفع الأمر إلى القاضي ليفعل ما فيه المصلحة؛ لأن له ولاية النظر للفقراء وللغائب وللميت (١). الوسيلة الثالثة: الاستصناع: عقد الاستصناع هو عقد وارد على العمل والعين في الذمة، وهو ملزم للطرفين متى توافرت فيه الأركان والشروط (٢). وتظهر صورة هذا العقد في حالة أن تتفق إدارة الأوقاف مع جهة تمويلية كبنك أو مستثمر، بأن تبني على أرض الوقف مشاريع عقارية؛ كمجمعات سكنية وتجارية ومصانع ونحو ذلك على أن تكون ملكًا لهذه الجهة التمويلية، وفي المقابل تتعهد إدارة الأوقاف بشراء هذه الأبنية بعد اكتمالها، وذلك على أقساط سنوية أو شهرية وبذلك تنتقل ملكية هذه المشاريع إلى الأوقاف (٣). الوسيلة الرابعة: صكوك المقارضة: وهو عقد يقوم على المضاربة الشرعية بين إدارة الأوقاف بصفتها مضارب، وبين حملة الصكوك بصفتهم أصحاب الأموال.

стр. 1174

وتظهر صورة هذا الاستثمار عند وجود أرض وقف تريد الإدارة أن تقوم بعمل مشروع عليها، ولا يوجد تمويل ذاتي لإعمارها، فتقوم الإدارة بعد الدراسة الاقتصادية للمشروع بتحديد المبالغ اللازمة للبناء، وتقسيمه إلى فئات صغيرة تصدر بها صكوكًا بقيمة اسمية من فئات المبلغ، ثم تعرض للاكتتاب العام على الممولين للبناء على أن يأخذ الوقف صكوكًا بقيمة الأرض، ومن مجموع المبلغ يتم إقامة المبنى وتأجير وحداته، ومن قيمته الإيجارية يتم دفع عائد لحملة الصكوك بما فيهم جهة الوقف كل بحسب صكوكه، وفي نفس الوقت يتم دوريًا استرداد جهة الوقف للصكوك عن طريق دفع قيمتها إلى أصحابها من العائد الذي تحصل عليه حتى تستهلك في نهاية المدة، وتعود الملكية الكاملة للبناء بجانب الأرض إلى إدارة الوقف (١). وقد أجاز مجمع الفقه الإسلامي هذا التعامل بشروط وضوابط محددة (٢). الوسيلة الخامسة: المشاركة المنتهية بالتمليك (المشاركة المتناقصة): وتظهر صورة هذه الوسيلة الاستثمارية في اتفاق يتم بين إدارة الوقف وبين أحد الممولين؛ أي المستثمرين على إقامة مشروع على أرض الوقف، تشارك إدارة الوقف بالأرض، والمستثمر بالبناء، وبعد استكمال المشروع، يتم تأجيره، وتقسم الأجرة بينهما على حسب الاتفاق، ثم يخرج المستثمر تدريجيًا عن طريق بيع حصته لإدارة الوقف مقابل نصيبها من أجرة المشروع؛ حتى تعود كامل الملكية إلى الوقف بانتهاء مدة الشركة (٣).

стр. 1175

وهذه الوسيلة ثم إقرارها بواسطة المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة، وطبق في بعض المصارف الإسلامية، كما طبق فعلًا في تمويل بعض أراضي الوقف في السودان (١). رابعًا: ضوابط استثمار أموال بدل الوقف: يجب أن يراعى عند استثمار هذه الأموال ما يأتي: ١ - أن تكون صيغة الاستثمار مشروعة وفي مجال مشروع. ٢ - الاعتماد على الطرق الفنية والوسائل الحديثة، ودراسات الجدوى، ورعاية أهل الإخلاص والاختصاص والخبرة فيمن يعهد إليهم الاستثمار. ٣ - تنوع مجالات الاستثمار لتقليل المخاطر. ٤ - التعامل مع الشركات الاستثمارية التي يتوافر فيها الأمن والأمان، والتعامل مع البنوك الإسلامية التي يتوافر فيها الضمانات اللازمة. ٥ - توثيق عقود الاستثمار. ٦ - اختيار وسائل الاستثمار الأكثر أمانًا، وتجنب الاستثمارات ذات المخاطر العالية بما يقتضيه العرف التجاري والاستثماري. ٧ - أن يكون الاستثمار بالطريقة التي تحافظ على الأصل الموقوف وعلى مصالح الموقوف عليهم، ومن ثم فإن كانت الأصول الموقوفة أعيانًا فاستثمارها يكون بما لا يؤدي إلى زوال ملكيتها، وإن كانت نقودًا فاستثمارها يكون بالوسائل المناسبة لذلك؛ كالمضارية، والمرابحة، والاستصناع .. ونحو ذلك. ٨ - أن تكون الأولوية في الاستثمار للبلاد الإسلامية. ٩ - ألا يخالف الاستثمار شروط الواقف ما دامت لا تخالف الشرع. ١٠ - ألا يضر الاستثمار بمصلحة الموقوف عليهم (٢).

стр. 1176

المبحث الرابع شروط الإبدال والاستبدال ذكر فقهاء الحنفية وبعض الحنابلة عدة شروط لصحة إستبدال الوقف تتلخص فيما يأتي: ١ - خروج الوقف عن الانقطاع بالكلية. ٢ - ألا يكون هناك ريع للوقف يعمر به. ٣ - ألا يكون البيع بغبن فاحش؛ لأن القيم بمنزلة الوكيل. ٤ - أن يكون المستبدل قاضي الجنة المستصف بالعلم والعمل؛ لئلا يحصل التطرق إلى أبطال أوقاف المسلمين، علمًا بأن مهمة هذا القاضي هي الاستبدال فقط وليس الشراء بالثمن. ٥ - اشترط بعض الحنفية أن يكون إبدال الوقف بعقار وليس بدارهم ودنانير خوفًا من عدم شراء بدل الوقف أو أكل للنظار للثمن. في حين ذهب بعضهم إلى جواز الاستبدال بالدراهم والدنانير، وقد أرجع بعض الحنفية سبب هذا الاختلاف إلى تغير الزمان. ٦ - ألا يبيعه القاضي ممن لا تقبل شهادته له، كابنه، ولا ممن له عليه دين؛ لأن الوقف لما لم يجز استبداله بالعروض، فإن عدم استبداله بالدين أولى. ٧ - أن يكون البدل والمبدل في محلة واحدة (أي ناحية أو بلد واحدة) أو محلة الأخرى أفضل وأحسن، وبالعكس لا يجوز.

стр. 1177

٨ - أن يكون البدل والمبدل من جنس واحد، كالدار بالدار، والأرض بالأرض، ولا يجوز بالعكس، وهذا إذا كانت الأرض موقوفة للسكن، لأن قصد الواقف من وقفها الانتفاع بالسكن. بخلاف الموقوفة للاستغلال؛ لأن القصد منها كثرة الريع وقلة المَرَمَّة والمؤنة، ومن ثم لو استبدل الحانوت بأرض تزرع ويحصل منها غلة قدر أجرة الحانوت، كان أحسن؛ لأن الأرض أدوم وأبقى وأغنى عن كافة الترميم والتعمير. هذا وشروط الاستبدال المذكورة إنما تكون فيما إذا لم يشترط الواقف استبدال الوقف لنفسه أو لغيره، فلو شرط الاستبدال لنفسه أو لغيره فلا يشترط خروجه عن الانتفاع ولا مباشرة القاضي له، ولا عدم ريع يُعمَّر به (١). وزاد بعض الفقهاء شروطًا تتعلق ببيع المنقول، منها ما يأتي: ١ - تعذر عود المنقول؛ كالأنقاض ونحوها إلى محلها، حيث يباع ويصرف ثمنه إلى المَرَمَّة صرفًا للبدل مصرف المبدل. ٢ - أن يكون البيع بثمن فيه حظ ومصلحة للوقف (٢).

стр. 1178

المبحث الخامس الجهة المخولة بالتصرف في الوقف بالاستبدال نعرض لأقوال الفقهاء في بيان الجهة التي تتولى استبدال الوقف، وذلك على النحو الآتي: أولًا: مذهب الحنفية: ذكر الحنفية أن جهة تولي بيع استبدال الوقف خمسة وهي على ما يأتي: ١ - القاضي وذلك حالة بيع العقار الموقوف وعدم اشتراط الواقف الاستبدال لنفسه أو لغيره (١). ٢ - أهل المحلة: ولهم بيع المسجد إذا لم يعرف بانيه وصرف ثمنه في مسجد آخر، ولهم تحويله إلى مكان آخر إن تركوه بحيث لا يصلي فيه (٢). ولهم أيضًا بيع نقض المسجد (منقوضه من خشب وحجر وآجر) إذا خرب أو خرب ما حوله وصرف ثمنه إلى مسجد آخر بإذن القاضي (٣). ٣ - الواقف، وله البيع والاستبدال بغير أمر القاضي إن كان قد شرط لنفسه الاستبدال، ويجوز لغير الواقف أيضًا، إن كان الواقف قد شرط له ذلك (٤). ٤ - متولي الوقف (ناظر الوقف) (٥).

стр. 1179

٥ - الموقوف عليه، لكن لا ينفذ بيعه حتى يقضي القاضي بصحته (١). ثانيًا: مذهب الحنابلة: ذكر فقهاء الحنابلة إلى أن جهة استبدال الوقف ثلاثة: ١ - الحاكم (القاضي) أو نائبه وذلك إن كان الوقف على سبيل الخيرات؛ كالمساجد، والقناطر، والمدارس، والفقراء والمساكين .. ونحو ذلك، لأن البيع والاستبدال فسخ العقد لازم مختلف فيه اختلافًا قويًا، فيتوقف على الحاكم كما قيل في الفسوخ المختلف فيها. ٢ - ناظر الوقف، وذلك إذا لم يكن الوقف على سبيل الخيرات، كأن كان على شخص معين، أو جماعة معينين، أو من يؤم أو يؤذن، أو يبيت في هذا المسجد .. ونحو ذلك. والأحوط أن يبيعه الناظر بإذن الحاكم؛ لأنه يتضمن البيع على من سينقل إليهم بعد الموجودين الآن، قياسًا على البيع على الغائب. ٣ - الموقوف عليه بناء على القول بأنه يملكه (٢).

стр. 1180

مصادر ومراجع الفصل العاشر ١ - الأشباه والنظائر، السيوطي، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١١ هـ/ ١٩٩٠ م. ٢ - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، المرداوي، دار إحياء التراث العربي، ط ٢. ٣ - البحر الرائق، ابن نجيم، نشر دار الكتاب الإسلامي، ط ٢. ٤ - البحر الزخار، ابن المرتضي، در الحكمة اليمانية صنعاء. ٥ - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، الكاساني، نشر دار الكتب العلمية، ط ٢، ١٤٠٦ هـ/١٩٨٦ م. ٦ - التاج والإكليل لمختصر خليل للعبدري (المواق) نشر دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٦ هـ/١٩٩٤ م. ٧ - تحفة المحتاج إلى شرح المنهاج، ابن حجر الهيتمي، دار إحياء التراث العربي. ٨ - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي، دار الفكر. ٩ - حاشية الرملي على أسنى المطالب (مطبوع مع أسنى المطالب)، أبو العباس الرملي، دار الكتاب الإسلامي. ١٠ - الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي، الماوردي، دار الفكر، ١٤٢٤ هـ/٢٠٠٣ م. ١١ - الدر المختار شرح تنوير الأبصار للحصكفي مطبوع مع حاشية رد المحتار لابن عابدين، طبع دار الفكر، بيروت، ط ٢، ١٤١٢ هـ/١٩٩٣ م. ١٢ - درر الحكام شرح غرر الأحكام، منلا خسرو، نشر دار إحياء الكتب العربية. ١٣ - الذخيرة، القرافي، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٢٢ هـ/ ٢٠٠١ م. ١٤ - رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين، نشر دار الفكر، بيروت، ط ٢، ١٤١٢ هـ/ ١٩٩٢ م.

стр. 1181

١٥ - السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، الشوكاني، دار ابن حزم، ط ١. ١٦ - شرح الزركشي على مختصر الخرقي، دار العبيكان، ط ١، ١٤١٣ هـ/١٩٩٣ م. ١٧ - شرح السير الكبير، السرخسي، الشركة الشرقية للإعلانات، ١٩٧١ م. ١٨ - الشرح الكبير للدردير مطبوع مع حاشية الدسوقي، نشر دار الفكر. ١٩ - شرح مختصر خليل، الخرشي، دار الفكر. ٢٠ - شرح منتهى الإرادات، منصور البهوتي، عالم الكتب، ط ١، ١٤١٤ هـ/١٩٩٣ م. ٢١ - العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية، ابن عابدين، دار المعرفة. ٢٢ - العناية شرح الهداية، البابرتي، نشر دار الفكر. ٢٣ - الفتاوى الكبرى، ابن تيمية، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٧ م. ٢٤ - الفتاوى الهندية للشيخ نظام ومجموعة من علماء الهند نشر دار الفكر، ط ٢، ١٣١٠ هـ. ٢٥ - فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، عليش، دار المعرفة. ٢٦ - فتح القدير لابن الهمام، نشر دار الفكر. ٢٧ - الفروع، ابن مفلح، نشر، عالم الكتب، ط ٢، ١٤١٥ هـ/ ١٩٨٥ م. ٢٨ - الفواكه الدواني على رسالة أبي زيد القيرواني، النفراوي، دار الفكر، ١٤١٥ هـ /١٩٩٥ م. ٢٩ - كتاب أحكام الأوقاف، الخصاف، مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة. ٣٠ - كشاف القناع عن متن الإقناع، منصور البهوتي، دار الفكر وعالم الكتب، ١٤٠٢ هـ/ ١٩٨٢ م. ٣١ - لسان العرب، ابن منظور، دار صادر - بيروت، ط ١، (بدون سنة طبع أو تاريخ نشر). ٣٢ - المبدع في شرح المقنع أبو إسحاق برهان الدين بن مفلح، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط ١٤١٨، ١ هـ ١٩٩٧ م.

стр. 1182

٣٣ - محاضرات في الوقف، أبو زهرة، دار الفكر العربي. ٣٤ - المحلى بالآثار، ابن حزم، دار الكتب العلمية، بيروت. ٣٥ - المصباح المنير في غريب شرح الكبير للفيومي، نشر دار الفكر. ٣٦ - مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى، الرحيباني، المكتب الإسلامي، ط ٢، ١٤١٥ هـ/ ١٩٩٤ م. ٣٧ - المعجم الوسيط اعتنى به إبراهيم مصطفى وأحمد الزيات وحامد عبد القادر ومحمد النجار، دار الدعوة، تحقيق: مجمع اللغة العربية. ٣٨ - معجم لغة الفقهاء، قلعة جي، دار النفائس، ط ١، ١٤١٦ هـ/ ١٩٩٦ م. ٣٩ - معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، ١٣٩٩ هـ/ ١٩٧٩ م. ٤٠ - معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام العلاء الدين الطرابلسي، دار الفكر. ٤١ - المغني شرح مختصر الخرقي، موفق الدين بن قدامة، مكتبة القاهرة، ١٣٨٨ هـ/ ١٩٦٨ م. ٤٢ - المنتقى شرح الموطأ، الباجي، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، ط ٢. ٤٣ - منحة الخالق على البحر الرائق لابن عابدين، مطبوع مع البحر الرائق، طبع دار الكتاب الإسلامي. ٤٤ - الهداية شرح بداية المبتدى للمرغيناني، مطبوع مع شرح فتح القدير لابن الهمام، دار الفكر.

стр. 1183

الفصل الحادى عشر توثيق الوقف

стр. 1184

المبحث الأول تعريف توثيق الوقف ومشروعيته أولًا: تعريف توثيق الوقف: التوثيق لغة: من وثُق الشيء، بالضم، وثاقة: قوي وثبت فهو وثيق ثابت محكم (١)، فيدور المعنى اللغوي للتوثيق حول: التقوية والتثبيت والإحكام والربط. والتوثيق في اصطلاح الفقهاء: إثبات العقود والتصرفات والالتزامات على وجه يحتج به (٢) أمام القضاء، وهو لا يخرج في هذا الاستعمال عن المعنى اللغوي. وأما علم التوثيق: فهو علم يبحث عن كيفية إثبات العقود والتصرفات على وجه يصح الاحتجاج والتمسك به. ومحل علم التوثيق العقود نفسها والالتزامات وسائر التصرفات التي يراد إثباتها في محرر أو صك، والأثر الذي يثبت في محل علم التوثيق حفظ الحقوق وصيانتها، واكتساب هذه العقود والالتزامات والتصرفات التي حررت بها وثيقة؛ صفة الإلزام والصلاحية للاحتجاج بها والإثبات أمام القضاء (٣).

стр. 1185

وأما أهمية التوثيق عمومًا فيكون في النقاط الآتية: ١ - حفظ الأموال والدماء والأعراض والأنساب في المواريث من الضياع، وإصلاح العقود المتعلقة بها، مما يشيع الأمن في المجتمع، والتحرز من العقود الفاسدة، بسبب جهل طرفي العقد لفقه المعاملات، أو تحيّلهما، أو تواطئهما معًا على وجه من التعاقد لا تجيزه الشريعة لمصلحة في نفسهما، وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١)، وقد باشر الرسول ﷺ وأصحابه عقود بيع وشراء وصلح وعهود عديدة مع المسلمين والمشركين، ويكفي في الالتزام به أنه أعدل طريق لضمان الحقوق وما وصفه الله تعالى بالعدل، فليس للمرء بدّ أن يعدل إلى غيره، حيث قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ (٢). ٢ - إثبات الحقوق والتسهيل على الناس: يعدّ التوثيق من الوسائل القوية في إثبات الحقوق عند التقاضي، إذا ما كانت الوثيقة المستند إليها حال التقاضي مستوفية للشروط التي تمكّن من الاحتجاج على الخصم، فإنّ أي دعوى لا تقوم على أمر موثق ليس بإمكانها إثبات حق لا دليل عليه، وبناء عليه يعدّ توثيق الحقوق بمنزلة الضامن لثباتها عند ادعاء الغير على صاحبها. ٣ - قطع المنازعات والارتياب بين المتعاملين حال الحياة والوفاة، ونفي الخصومة بسبب الإنكارات للحقوق أو عدم القدرة على استيفاء شروط الالتزام أو عدم القدرة على أداء الحق، وذلك عند الرجوع إلى الوثائق التي كتبت حسب الشروط الشرعية، وبكتابة عدل، وبإظهار الحق بشهوده لا تحدثه نفسه بالإنكار والجحود خوفًا أو حياء.

стр. 1186

٤ - حصول الطمأنينة لصاحب الحق في استيفاء حقه، وثبوته عند المنازعة بمعرفة الأجل وحلوله، ومقدار الحق، وخاصة إذا بعد الزمن؛ لأن الإنسان معرض للنسيان والموت (١). ونظرًا لأهمية التوثيق فقد أولته الدول في العصر الحاضر رعاية فائقة، فصدرت أنظمة كتّاب العدل، والسجل العقاري لتوثيق الأراضي والمساكن، والسجلات والدواوين لتسجيل جميع المعاملات، وتسجيل المركبات عامة، والسيارات والسفن والطائرات خاصة، وتسجيل الشركات وأنظمة الوزارات والجامعات وجميع المرافق العامة والخاصة (٢). وأما طرق التوثيق: فإنها تكون بالشهادة، والإقرار، والكتابة، والتسجيل في السجلات الرسمية في الدولة، أو في الديوان قديمًا، والتسجيل في المحكمة أو عند كاتب العدل، أو في السجل العقاري حديثًا .. ونحو ذلك. كما يكون التوثيق عامة بالكفالة والضمان والرهن، والحوالة، والحجر، وبالاحتباس كاحتباس المبيع بالثمن إلى حين الأداء، واحتباس الدائن بعض مال المدين إلى حين الوفاء، والمنع من السفر، ونحو ذلك (٣). وأهم طرق التوثيق في العصر الحاضر التوثيق بالكتابة، والتسجيل في السجلات الرسمية عند موظف مختص، أو كاتب العدل (٤).

стр. 1187

مما تقدم يمكن تعريف توثيق الوقف بأنه: "إثبات عقد الوقف، وإحكامه بواسطة جملة من الإجراءات بطرائق مخصوصة على وجه يحتج به أمام القضاء يمنع من ديمومته أو التصرف في عينه ومنفعته في غير الوجه الشرعي له، أو الاعتداء عليه". ثانيًا: مشروعية توثيق الوقف: ثبتت مشروعية توثيق الوقف بالكتاب والسنة والمعقول، وذلك على النحو الآتي: أ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٢)، وقال : ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٣). وجه الدلالة: قال ابن الجوزي في تفسير الآية الكريمة: "والمعنى إذا كان لبعضكم على بعض دين إلى أجل مسمى فاكتبوه، فأمر الله تعالى بكتابة الدين، وبالإشهاد حفظًا منه للأموال وللناس من الظلم لأن من كانت عليه بينة قلت تحديثه لنفسه بالطمع في إذهابه (٤). ويقاس على توثيق الدين بالكتابة، توثيق الوقف بالكتابة أيضًا بجامع حفظ الحق في كل، ولما كان توثيق الوقف بالكتابة نوع من أنواع التوثيق ثبتت مشروعية التوثيق للوقف عمومًا. ب - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٥). وجه الدلالة: يأمر الحق ﵎ بتوثيق الدين في السفر بالرهان حفاظًا عليه، ويقاس على توثيق الدين في السفر بالرهن المقبوض توثيق الوقف بالرهن أيضًا، بجامع الحفاظ على الحق في كل، ولما كان التوثيق الرهن المقبوض نوعًا من أنواع التوثيق كان ذلك دالا على مشروعية توثيق الوقف عمومًا.

стр. 1188

ج - قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٢). وجه الدلالة في الآيتين الكريمتين: يندب الحق ﵎ إلى توثيق دفع المال إلى اليتامى بالشهادة، وكذلك في توثيق الطلاق، ويقاس عليهما توثيق الوقف الشهادة بجامع حفظ الحق في كل، وإذا كانت الشهادة أحد أنواع التوثيق للوقف، فيقاس عليها سائر أنواع التوثيق للوقف، فتكون مشروعة أيضًا. د - ومن السنة قول النَّبِيّ ﷺ : "ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده". نقل النووي عن الشافعي أنه قال: "معنى الحديث ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده"، ثم قال: "ويستحب تعجيلها، وأن يكتبها في صحته، ويشهد عليه فيها: ويكتب فيها ما يحتاج إليه" (٣). ويقاس على مشروعية توثيق الوصية، مشروعية توثيق الوقف بجامع حفظ حق العبد وحق الله في كل. هـ - ومن السنة أيضًا ما روى ابن عباس ﵄ أن سعد بن عبادة ﵁ توفيت أمه وهو غائب، فأتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها شيء إن تصدقت به عنها؟ قال: نعم، قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عليها (٤).

стр. 1189

وجه الدلالة: قول سعد بن عبادة: "أشهدك" نص في توثيق الوقف بالإشهاد عليه، ولذلك وضع البخاري بابًا لذلك وعنونه بقوله: "باب الإشهاد في الوقف والصدقة" (١)؛ فدل ذلك على مشروعية توثيق الوقف بالشهادة، مع الإقرار به، ويقاس عليهما سائر طرق التوثيق. و - ومن السنة أيضًا ما روي عن ابن عمر ﵄ قال: أصاب عمر بخيبر أرضا، فأتى النَّبِيّ ﷺ ، فقال: أصبت أرضًا لم أصب مالًا قط أنفس منه، فكيف تأمرني به؟ قال: "إن شئت حبّست أصلها، وتصدقت بها"، فتصدق عمر: أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث، في الفقراء، والقربى، والرقاب، وفي سبيل الله، والضيف، وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقًا غير متمول فيه (٢). وقد يدل البخاري لهذا الحديث بعنوان "الوقف كيف يكتب؟ " (٣) ويتأكد ذلك من رواية أبي داود رحمه الله تعالى للحديث، عن يحيى بن سعيد عن صدقة عمر بن الخطاب، قال: نسخها لي عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به عبد الله أمير المؤمنين إن حدث به حدث ... (٤)، فدل على مشروعية كتابة الوقف والإشهاد عليه. ز - المعقول: أن الله تعالى أمر بحفظ الأموال وعدم إضاعتها، وهذا يوجب كتابتها لتبقى مصونة لأصحابها، مع احتمال النسيان، والاختلاف، والجحود، والنكران (٥).

стр. 1190

ثالثًا: فوائد توثيق الوقف: التوثيق الوقف فوائد عديدة، منها: ١ - توثيق الوقف وسيلة لصيانتة وحفظه من الضياع، والادعاء من الغير، وتأكيد الحق فيه وتقويته؛ بمنع الاعتداء عليه، فالتوثيق يقطع الأطماع المتجه للاستيلاء عليه، أو إنكار وقفيته، أو إدعاء ملكيته. ٣ - منع المنازعات في ملكية الوقف: لأن طول الزمن، وكثرة الموقوف عليهم، وتعدد النظار، كثيرًا ما يؤدي للنزاع والاختلاف وتعدد وجهات النظر والدعاوى في شروطه وتفاصيله فتكون الوثيقة مرجعًا يعمل بمقتضاها عند النزاع. ٤ - التحرز عن الفساد والبطلان في تحديد الوقف وحدوده ووصفه الدقيق، فعندما يتحرر الوقف في وثيقة أمام موثق عالم بالتوثيق والأحكام (١)، أو أمام شهود، فيتم التنبيه عن الخلل فيه، وعما يفسده، أو يجعله ناقصا، ليكون موافقًا للشروط الشرعية (٢).

стр. 1191

رابعًا: حكم توثيق الوقف (١): تقدم أن توثيق التصرفات عمومًا مشروع، ويبقى الكلام هنا بصورة أخص في حكم توثيق الوقف، وفي حكمه التكليفي وهو مخرج على حكم الأمر بالكتابة والإشهاد؛ لأن الوقف صورة من صور التصرفات التي يدخلها التوثيق، ويحتاجها الناس في معاملاتهم. وقد اختلف الفقهاء في حكم الأمر بالكتابة والإشهاد على قولين: القول الأول: أن الأمر للندب؛ وذلك لأن الأمر بالكتابة والإشهاد في المبايعات والمداينات لم يرد إلا مقرونا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٢)، ولم ينقل عن النَّبِيّ ﷺ أنه أشهد في بياعاته، أو أمر بذلك، وكذلك فعل الصحابة ﵃ في عقود المداينات والأشرية والبياعات، وكذلك الفقهاء من بعدهم إلى يومنا هذا، كما أن الإشهاد مع كثرة البياعات سيؤدي إلى وقوع الحرج على الناس؛ فالأمر في الآية أمر إرشاد إلى حفظ الأموال والتعليم، وهو ظاهر ما صرح به الأئمة الأربعة، وإليه ذهب أبو سعيد الخدري، وأبو أيوب الأنصاري، والشعبي، والحسن وإسحاق، وجمهور الأمة من السلف والخلف. كما أن القول بالندب هو قول أكثر الحنفية الذين فصلوا فيه على النحو الآتي: فقال الجصاص: "لا يخلو قوله تعالى: ﴿فاكتبوه﴾، إلى قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ... من أن يكون موجبًا للكتابة والإشهاد على الديون الآجلة في حال نزولها، وكان هذا حكمًا مستقرًا ثابتًا إلى أن ورد نسخ إيجابه بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، أو أن يكون نزول الجميع معًا؛ فإن كان كذلك فغير جائز أن يكون المراد بالكتابة

стр. 1192

والإشهار الإيجاب لامتناع ورود الناسخ والمنسوخ معا في شيء واحد؛ إذ غير جائز نسخ الحكم قبل استقراره، ولما لم يثبت عندنا تاريخ نزول هذين الحكمين من قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾؛ رجب الحكم بورودهما ما، فلم يرد الأمر بالكتاب والإشهاد إلا مقرونا بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، فثبت بذلك أن الأمر بالكتابة والإشهاد ندب غير واجب، وما روي عن ابن عباس من أن آية الدين محكمة لم ينسخ منها شيء، لا دلالة فيه على أنه رأى الإشهاد واجبًا؛ لأنَّهُ جائز أن يريد أن الجميع ورد معا، فكان في نسق التلاوة ما أوجب أن يكون الإشهاد ندبًا، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، وما روي عن ابن عمر أنه كان يشهد، وعن إبراهيم وعطاء أنه يشهد على القليل؛ كله عندنا أنهم رأوه ندبًا لا إيجابًا. وما روي عن أبي موسى: "ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: أحدهم من له على رجل دين ولم يشهد" فلا دلالة على أنه رآه واجبًا، ألا ترى أنه ذكر معه من له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها؟ ولا خلاف أنه ليس بواجب على من له امرأة سيئة الخلق أن يطلقها؛ وإنما هذا القول منه على أن فاعل ذلك تارك للاحتياط والتوصل إلى ما جعل الله تعالى له فيه المخرج والخلاص. ولا خلاف بين فقهاء الأمصار أن الأمر بالكتابة والإشهاد والرهن المذكور جميعه في هذه الآية ندب وإرشاد إلى ما لنا فيه الحظ والصلاح والاحتياط للدين والدنيا، وأن شيئًا منه غير واجب. وقد نقلت الأمة خلف عن سلف عقود المداينات والأشرية والبياعات في أمصارهم من غير إشهاد، مع علم فقهائهم بذلك من غير نكير منهم عليهم، ولو كان الإشهاد واجبًا لما تركوا النكير على تاركه مع علمهم به. وفي ذلك دليل على أنهم رأوه ندبا، وذلك منقول من عصر النَّبِيّ ﷺ إلى يومنا هذا، ولو كانت الصحابة والتابعون تشهد على بياعاتها واشريتها لورد النقل به متواترا مستفيضا وأنكرت على فاعله ترك الإشهاد، فلما لم ينقل عنهم الإشهاد بالنقل المستفيض ولا إظهار النكير على تاركه

стр. 1193

من العامة ثبت بذلك أن الكتاب والإشهاد في الديون والبياعات غير واجبين؛ وقوله تعالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾؛ مخاطبة لمن جرى ذكره في أول الآية؛ وهو: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ فإنما أمر بذلك للمتدابنين" (١). وقال الكاساني: " ... فدل أن الوصية جائزة وقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ ندبنا إلى الإشهاد على حال الوصية فدل أنها مشروعة (٢). القول الثاني: أن الأمر للوجوب؛ لظاهر الأمر، وهو فعل ابن عمر، وبه قال الضحاك، وعطاء، وجابر بن زيد، والنخعي، وابن جرير الطبري. كما ذهب بعض الحنفية للقول بأن الأمر للوجوب، فقد نقل برهان الدين بن مازه في المحيط البرهاني في الفقه النعماني عن: "فتاوي أهل سمرقند: ذكر أن الإشهاد على المداينة والبيع فرض على العباد؛ لأن بدونه يخاف تلف المال وفي تلف الأموال تلف الأبدان، وحرام على الآدمي إتلاف البدن، فيفرض عليه الإشهاد الذي هو طريق الصيانة، إلا إذا كان شيئًا حقيرا لا يخاف عليه التلف، وبعض المشايخ على أن الإشهاد مندوب، وليس بفرض، وهذا القائل يحمل الأمر المذكور في كتاب الله تعالى نحو قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٣)، ونحو قوله: (٤) ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ .. على الندب" (٥).

стр. 1194

وقال ابن بطال: "الإشهاد واجب في الوقف، ولا يتم إلَّا به، وقال المهلب: إذا لم يبين الحدود في الوقف، إنما يجوز إذا كانت الأرض معلومة يقع عليها، ويتعين به كما كان بيرحاء وكالمخراف معينًا عند من أشهده، وعلى هذا الوجه تصح الترجمة، وأما إذا لم يكن الوقف معينًا، وكانت له مخاريف وأموال كثيرة فلا يجوز الوقف إلا بالتحديد والتعيين، ولا خلاف في هذا" (١). هذا وتجدر الإشارة إلى أن مذهب الإمام أبي حنيفة هو أكثر المذاهب اهتماما بعلم التوثيق، والذي يعرف أيضًا بعلم الشروط (٢)، بل مذهبه أسبق المذاهب إليه، فقال السرخسي: "وأبو حنيفة ﵀ سبق العلماء ﵏ ببيان علم الشروط، وبذلك يستدل على أن مذهبه أقوى المذاهب" (٣)، وقال حاجي خليفة في كشف الظنون: "ذكر الجرجاني في ترجيح مذهب أبي حنيفة: أن الشروط لم يسبقه إليه أحد (٤). وقال السرخسي: "اعلم بأن علم الشروط من آكد العلوم، وأعظمها صنعة، فإن الله تعالى أمر بالكتاب في المعاملات، فقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٥)، ورسول الله ﷺ أمر بالكتاب في المعاملة بينه وبين من عامله، وأمر بالكتاب فيما قلد فيه عماله من الأمانة وأمر بالكتاب في الصلح فيما بينه وبين المشركين، والناس تعاملوه من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، ولا يتوصل إلى ذلك إلا بعلم الشرط، فكان من آكد العلوم وفيه المنفعة من أوجه: أحدها:

стр. 1195

صيانة الأموال، وقد أمرنا بصيانتها ونهينا عن إضاعتها، والثاني: قطع المنازعة فإن الكتاب يصير حكما بين المتعاملين ويرجعان إليه عند المنازعة فيكون سببًا التسكين الفتنة، ولا يجحد أحدهما حق صاحبه مخافة أن يخرج الكتاب وتشهد الشهود عليه بذلك فيفتضح في الناس، والثالث: التحرز عن العقود الفاسدة؛ لأن المتعاملين ربما لا يهتديان إلى الأسباب المفسدة للعقد ليتحرزا عنها فيحملهما الكاتب على ذلك إذا رجعا إليه ليكتب، والرابع: رفع الارتياب فقد يشتبه على المتعاملين إذا تطاول الزمان مقدار البدل ومقدار الأجل فإذا رجعا إلى الكتاب لا يبقى لواحد منهما ريبة، وكذلك بعد موتهما تقع الريبة لوارث كل واحد منهما بناء على ما ظهر من عادة أكثر الناس في أنهم لا يؤدون الأمانة على وجهها فعند الرجوع إلى الكتاب لا تبقى الريبة بينهم (١).
следующие страницы →