← Фикх общий

Фикх общий · id 308

مدونة أحكام الوقف الفقهية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

رابعًا: حكم توثيق الوقف (١): تقدم أن توثيق التصرفات عمومًا مشروع، ويبقى الكلام هنا بصورة أخص في حكم توثيق الوقف، وفي حكمه التكليفي وهو مخرج على حكم الأمر بالكتابة والإشهاد؛ لأن الوقف صورة من صور التصرفات التي يدخلها التوثيق، ويحتاجها الناس في معاملاتهم. وقد اختلف الفقهاء في حكم الأمر بالكتابة والإشهاد على قولين: القول الأول: أن الأمر للندب؛ وذلك لأن الأمر بالكتابة والإشهاد في المبايعات والمداينات لم يرد إلا مقرونا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٢)، ولم ينقل عن النَّبِيّ ﷺ أنه أشهد في بياعاته، أو أمر بذلك، وكذلك فعل الصحابة ﵃ في عقود المداينات والأشرية والبياعات، وكذلك الفقهاء من بعدهم إلى يومنا هذا، كما أن الإشهاد مع كثرة البياعات سيؤدي إلى وقوع الحرج على الناس؛ فالأمر في الآية أمر إرشاد إلى حفظ الأموال والتعليم، وهو ظاهر ما صرح به الأئمة الأربعة، وإليه ذهب أبو سعيد الخدري، وأبو أيوب الأنصاري، والشعبي، والحسن وإسحاق، وجمهور الأمة من السلف والخلف. كما أن القول بالندب هو قول أكثر الحنفية الذين فصلوا فيه على النحو الآتي: فقال الجصاص: "لا يخلو قوله تعالى: ﴿فاكتبوه﴾، إلى قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ... من أن يكون موجبًا للكتابة والإشهاد على الديون الآجلة في حال نزولها، وكان هذا حكمًا مستقرًا ثابتًا إلى أن ورد نسخ إيجابه بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، أو أن يكون نزول الجميع معًا؛ فإن كان كذلك فغير جائز أن يكون المراد بالكتابة

стр. 1192

والإشهار الإيجاب لامتناع ورود الناسخ والمنسوخ معا في شيء واحد؛ إذ غير جائز نسخ الحكم قبل استقراره، ولما لم يثبت عندنا تاريخ نزول هذين الحكمين من قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾؛ رجب الحكم بورودهما ما، فلم يرد الأمر بالكتاب والإشهاد إلا مقرونا بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، فثبت بذلك أن الأمر بالكتابة والإشهاد ندب غير واجب، وما روي عن ابن عباس من أن آية الدين محكمة لم ينسخ منها شيء، لا دلالة فيه على أنه رأى الإشهاد واجبًا؛ لأنَّهُ جائز أن يريد أن الجميع ورد معا، فكان في نسق التلاوة ما أوجب أن يكون الإشهاد ندبًا، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، وما روي عن ابن عمر أنه كان يشهد، وعن إبراهيم وعطاء أنه يشهد على القليل؛ كله عندنا أنهم رأوه ندبًا لا إيجابًا. وما روي عن أبي موسى: "ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: أحدهم من له على رجل دين ولم يشهد" فلا دلالة على أنه رآه واجبًا، ألا ترى أنه ذكر معه من له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها؟ ولا خلاف أنه ليس بواجب على من له امرأة سيئة الخلق أن يطلقها؛ وإنما هذا القول منه على أن فاعل ذلك تارك للاحتياط والتوصل إلى ما جعل الله تعالى له فيه المخرج والخلاص. ولا خلاف بين فقهاء الأمصار أن الأمر بالكتابة والإشهاد والرهن المذكور جميعه في هذه الآية ندب وإرشاد إلى ما لنا فيه الحظ والصلاح والاحتياط للدين والدنيا، وأن شيئًا منه غير واجب. وقد نقلت الأمة خلف عن سلف عقود المداينات والأشرية والبياعات في أمصارهم من غير إشهاد، مع علم فقهائهم بذلك من غير نكير منهم عليهم، ولو كان الإشهاد واجبًا لما تركوا النكير على تاركه مع علمهم به. وفي ذلك دليل على أنهم رأوه ندبا، وذلك منقول من عصر النَّبِيّ ﷺ إلى يومنا هذا، ولو كانت الصحابة والتابعون تشهد على بياعاتها واشريتها لورد النقل به متواترا مستفيضا وأنكرت على فاعله ترك الإشهاد، فلما لم ينقل عنهم الإشهاد بالنقل المستفيض ولا إظهار النكير على تاركه

стр. 1193

من العامة ثبت بذلك أن الكتاب والإشهاد في الديون والبياعات غير واجبين؛ وقوله تعالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾؛ مخاطبة لمن جرى ذكره في أول الآية؛ وهو: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ فإنما أمر بذلك للمتدابنين" (١). وقال الكاساني: " ... فدل أن الوصية جائزة وقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ ندبنا إلى الإشهاد على حال الوصية فدل أنها مشروعة (٢). القول الثاني: أن الأمر للوجوب؛ لظاهر الأمر، وهو فعل ابن عمر، وبه قال الضحاك، وعطاء، وجابر بن زيد، والنخعي، وابن جرير الطبري. كما ذهب بعض الحنفية للقول بأن الأمر للوجوب، فقد نقل برهان الدين بن مازه في المحيط البرهاني في الفقه النعماني عن: "فتاوي أهل سمرقند: ذكر أن الإشهاد على المداينة والبيع فرض على العباد؛ لأن بدونه يخاف تلف المال وفي تلف الأموال تلف الأبدان، وحرام على الآدمي إتلاف البدن، فيفرض عليه الإشهاد الذي هو طريق الصيانة، إلا إذا كان شيئًا حقيرا لا يخاف عليه التلف، وبعض المشايخ على أن الإشهاد مندوب، وليس بفرض، وهذا القائل يحمل الأمر المذكور في كتاب الله تعالى نحو قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٣)، ونحو قوله: (٤) ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ .. على الندب" (٥).

стр. 1194

وقال ابن بطال: "الإشهاد واجب في الوقف، ولا يتم إلَّا به، وقال المهلب: إذا لم يبين الحدود في الوقف، إنما يجوز إذا كانت الأرض معلومة يقع عليها، ويتعين به كما كان بيرحاء وكالمخراف معينًا عند من أشهده، وعلى هذا الوجه تصح الترجمة، وأما إذا لم يكن الوقف معينًا، وكانت له مخاريف وأموال كثيرة فلا يجوز الوقف إلا بالتحديد والتعيين، ولا خلاف في هذا" (١). هذا وتجدر الإشارة إلى أن مذهب الإمام أبي حنيفة هو أكثر المذاهب اهتماما بعلم التوثيق، والذي يعرف أيضًا بعلم الشروط (٢)، بل مذهبه أسبق المذاهب إليه، فقال السرخسي: "وأبو حنيفة ﵀ سبق العلماء ﵏ ببيان علم الشروط، وبذلك يستدل على أن مذهبه أقوى المذاهب" (٣)، وقال حاجي خليفة في كشف الظنون: "ذكر الجرجاني في ترجيح مذهب أبي حنيفة: أن الشروط لم يسبقه إليه أحد (٤). وقال السرخسي: "اعلم بأن علم الشروط من آكد العلوم، وأعظمها صنعة، فإن الله تعالى أمر بالكتاب في المعاملات، فقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٥)، ورسول الله ﷺ أمر بالكتاب في المعاملة بينه وبين من عامله، وأمر بالكتاب فيما قلد فيه عماله من الأمانة وأمر بالكتاب في الصلح فيما بينه وبين المشركين، والناس تعاملوه من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، ولا يتوصل إلى ذلك إلا بعلم الشرط، فكان من آكد العلوم وفيه المنفعة من أوجه: أحدها:

стр. 1195

صيانة الأموال، وقد أمرنا بصيانتها ونهينا عن إضاعتها، والثاني: قطع المنازعة فإن الكتاب يصير حكما بين المتعاملين ويرجعان إليه عند المنازعة فيكون سببًا التسكين الفتنة، ولا يجحد أحدهما حق صاحبه مخافة أن يخرج الكتاب وتشهد الشهود عليه بذلك فيفتضح في الناس، والثالث: التحرز عن العقود الفاسدة؛ لأن المتعاملين ربما لا يهتديان إلى الأسباب المفسدة للعقد ليتحرزا عنها فيحملهما الكاتب على ذلك إذا رجعا إليه ليكتب، والرابع: رفع الارتياب فقد يشتبه على المتعاملين إذا تطاول الزمان مقدار البدل ومقدار الأجل فإذا رجعا إلى الكتاب لا يبقى لواحد منهما ريبة، وكذلك بعد موتهما تقع الريبة لوارث كل واحد منهما بناء على ما ظهر من عادة أكثر الناس في أنهم لا يؤدون الأمانة على وجهها فعند الرجوع إلى الكتاب لا تبقى الريبة بينهم (١).

стр. 1196

المبحث الثاني ثبوت الوقف ينشأ الوقف بالألفاظ الدالة علية الصادرة من الواقف أو ما يقوم مقامها من كتابة أو إشارة أو غيرها، ولإثبات الوقف طرق وأساليب متعددة سيأتي بيانها: أولا: ثبوت الوقف بالحجة الوقفية (الصك الوقفي) (١): أ) تعريف الحجة الوقفية: وهي: "وثيقة إنشاء الوقف عليها علامة القاضي أعلاها وخط الشاهدين أسفلها". والصك الوقفي: "ما كتب فيه إنشاء الوقف والحجة تتناول الصك والسجل (٢) والمحضر، وشروطه" (٣). ثم أطلقت في العرف على كل سند عليه علامة القاضي أعلاه وخط الشاهدين أسفله (٤). ب) حكم الاعتماد على الحجج الوقفية: اختلف الفقهاء في حكم الاعتماد على الحجج الوقفية في ثبوت الوقف في حال كانت الحجة ليست بخط القاضي الذي ينظر النزاع إلى قولين:

стр. 1197

القول الأول: أن الحجج الوقفية التي لم تكن في أيدي القضاة وليست لها رسوم في دواوينهم لا يعتمد عليها ولا يعمل بها، وإليه ذهب الحنفية (١)، والمالكية في المذهب (٢)، والشافعية" (٣)، والحنابلة في المذهب (٤)، والإمامية (٥)، والزيدية (٦)، والإباضية في قول (٧). استدل أصحاب هذا القول بما يأتي: ١ - أن عدم اعتماد القاضي على هذا النوع من الحجج عند المنازعة؛ لأن الخط مما يزور ويفتعل، ولأن الخطوط قابلة للتشابه والمحاكاة، فسدا لذريعة التزوير وتغيير الحقيقة تمنع مثل هذه الحجج (٨). ٢ - أن سبب مقتل عثمان ﵁ بسبب الخط؛ فإنهم صنعوا مثل خاتمه وكتبوا مثل كتابه حتَّى جرى ما جرى، ولذلك قال الشعبي: لا تشهد أبدا إلا على شيء تذكره، فإنه من شاء انتقش خاتمًا ومن شاء كتب كتابًا (٩).

стр. 1198

القول الثاني: أنه يعتمد على هذا النوع من الحجج الوقفية إذا ثبتت عند القاضي ثبوتًا لا يشك فيه ذهب إليه بعض المالكية، ومنهم سحنون وأشهب (١)، وبعض الحنابلة (٢)، والإباضية في قول (٣)، والظاهرية (٤). واستدل أصحاب هذا القول بالأدلة الآتية: ١ - أن التزام الحكام، والناس، في زمانهم إجازة كتب القضاة بمعرفة الخط، والعمل به في عامة الجهات للاضطرار إلى ذلك. ٢ - ولأن المطلوب إنما هو قيام الدليل وثبوته، على أن ذلك الكتاب كتاب القاضي، فإذا ثبت عند المكتوب إليه أنه كتاب القاضي بمعرفة خطه ثبوتًا لا يشك فيه، أشبه الشهادة عليه وقام مقامها. ٣ - أن العمل بالخط في الحجج الوقفية مشروط؛ فإذا كان القاضي المكتوب إليه يعرف خط القاضي الكاتب أو لا يتحقق ذلك، فإن كان القاضي يعرفه ويتحققه فجائز، وهو ليس من باب قضاء القاضي بعلمه، ويترتب عليه: أنه لا بد من الشهادة عنده على صحة الخط، كما تكون الشهادة على قول القاضي لقاضٍ غيره بالمشافهة منه له. ٤ - أن القاضي إن لم يتحقق من خط الكاتب فلا بد من شاهدين عدلين يعرفان خط القاضي الكاتب، فيشهدان أن ذلك خط القاضي كما يكون ذلك في خط الشاهد الغائب (٥).

стр. 1199

ج) حكم العمل بالحجة الوقفية بخط القاضي الذي ينظر النزاع: اختلف الفقهاء إذا كانت الحجة الوقفية بخط القاضي نفسه، ولا يتذكر الحادثة إلى قولين: القول الأول: أنه لا يعتمد عليها ولا يحكم بموجبها ما لم يتذكر، وإليه ذهب المالكية في المذهب (١) والشافعية في الأصح؛ بشرط تذكر الواقعة بتفصيلها (٢)، والحنابلة (٣)، وأبو حنيفة (٤). استدل أصحاب هذا القول بالأدلة الآتية: ١ - أن الحكم بتذكره مع نسيانه فيه تضييع للحق لا يحكم بموجب خطه لاحتمال التزوير، وخاصة فيما اشترطه الشافعية (٥)، والخطوط قد تشتبه ويزور عليها ما لا يكاد يفرق بينهما ويحتال على الختوم فصار إمضاء الحكم به من غير ذكر مشتبهًا ولا يجوز للقاضي إلزام حق وإمضاء حكم مع الاشتباه والاحتمال (٦). ٢ - قول الله : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٧).

стр. 1200

وجه الدلالة: أنه إن أمضاه القاضي بخطه ولم يذكره فقد قفا ما لم يعلمه، وهو غير صحيح، فكان الحكم به باطلًا. ٣ - لأن الحكم أغلظ من الشهادة لما تضمنه من الإلزام، فلما لم تجز الشهادة بمعرفة الخط إلا مع الذكر؛ كان الحكم بذلك أحق (١). القول الثاني: أنه يعمل بها على تفصيل فيما بينهم، وإليه ذهب أبو يوسف ومحمد ويعمل القاضي بخطه إذا رآه ولا يتذكر الحادثة، والفتوى على قولهما (٢)، وهو وجه عند الشافعية إذا وجد القاضي الحجة في ورقة مصونة ووثق بأنها كُتبت بخطه ولم يداخله فيه ريبة (٣). واستدل أصحاب هذا القول بالأدلة الآتية: ١ - أن الغلط في الخط في هذه الحالة نادر وأثر التغيير يمكن الاطلاع عليه، وقلما يشتبه الخط من كل وجه، فإذا يتقن ذلك جاز الاعتماد عليه؛ توسعة على الناس (٤). ٢ - أن هذا الحكم نوع رخصة، فالقاضي لكثرة اشتغاله يعجز أن يحفظ كل حادثة؛ ولهذا يكتب، وإنما يحصل المقصود إذا جاز له أن يعتمد على الكتاب عند النسيان، فإن الآدمي ليس في وسعه التحرز عند النسيان (٥). د) ثبوت الحجة الوقفية التي هي في أيدي القضاة ولها رسوم في دواوينهم: هذه الحجة الوقفية تثبت الوقف، وهي تجري على الرسوم الموجودة فيها عند النزاع، فلو أن قاضيا تولى بلدا فوجد في ديوان من كان قبله ذكر أوقاف وهي في

стр. 1201

أيدي أمناء ولها رسوم في ديوانه فإنه يعمل بها استحسانًا، وإليه ذهب الحنفية (١)، وبعض المالكية (٢)، وبعض الحنابلة (٣)، والإباضية في قول (٤)، والظاهرية (٥). ومقتضى القياس عند الحنفية ضرورة التثبت فمن برهن على شيء حكم له وإلا فلا (٦). ثانيًا: ثبوت الوقف بشهادة الشهود: أ) تعريف الشهادة: الشهادة لغة: اسم من المشاهدة وهي الاطلاع على شيء عيانًا (٧). وعند الفقهاء: إخبار عن ثبوت حق للغير على الغير في مجلس القضاء (٨). والشهادة من أهم وسائل الإثبات، وأعظمها مكانة، وأقدمها استعمالًا، وأوسعها تطبيقًا، واتفق الفقهاء على مشروعية الإثبات بالشهادة.

стр. 1202

ب) حكم توثيق الوقف بالشهادة: إذا توفرت شروط الشهادة، وانتفت موانعها، فقد اتفق العلماء على أنها تُثبت الحق عند إنشائه، وتظهره عند التنازع فيه فيصبح كالثابت بالعيان (١)، ويجب على القاضي أن يحكم بموجبها، لأنها حجة ملزمة له، ومُظهرة للحق، قال الكاساني: "فحكمها وجوب القضاء على القاضي؛ لأن الشهادة عند استجماع شرائطها مظهرة للحق، والقاضي مأمور بالقضاء بالحق (٢). واتفق الفقهاء على ثبوت الوقف بشهادة الرجلين، أو بشهادة رجل وامرأتين؛ لأنَّهُ مال، ومحله الأمور المالية التي يقبل فيها ذلك، لما ورد في آية المداينة التي تشمل البيع والسلم، ويقاس عليها سائر الأمور المالية، قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٣)، فالآية طلبت الشهادة على البيع وله عوض، فلأن تشرع في الوقف الذي لا عوض له أولى، وهو ما سارت عليه الأمة كاملة، وقال تعالى في توثيق الوصية، وهي مال، والشهادة

стр. 1203

بها: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١)، والوقف فيه شبه بالوصية؛ لأنَّهُ تبرع لله تعالى. وشهادة الرجلين أو الرجل والمرأتين حجة كاملة في جميع حقوق العباد والمعاملات المالية، والوقف منها، واتفق الفقهاء على قبول الرجل والمرأتين مع وجود الرجلين في الأموال وما يؤول إلى المال، ومن ذلك توثيق الوقف عند إنشائه، وإثباته عند التنازع فيه، والحكم به أمام القاضي (٢). والدليل على ذلك: حديث سعد بن عبادة أنه قال للرسول ﷺ : "فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عليها"، ولذا بوَّب البخاري لهذا الحديث بقوله: "باب الإشهاد في الوقف والوصية" (٣).

стр. 1204

قال ابن قدامة: "المال كالقرض والغصب والديون كلها، وما يُقصد به المال؛ كالبيع والوقف ... تثبت بشهادة رجل وامرأتين ... ولا خلاف في أن المال يثبت بشهادة النساء مع الرجال ... وأجمع أهل العلم على القول به" (١). ج) صور الشهادة على الوقف: للشهادة على الوقف صور منها: ١ - الشهادة على الوقف لغير المعين: اتفق فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة، والإمامية، والزيدية، والإباضية على قبول الشهادة حسبة في الوقف، فلا تفتقر الشهادة به إلى تقديم الدعوى، إذا كان الوقف على غير معين (٢)؛ كالوقف على ما كان حقًّا لآدمي غير معين؛ كالوقف على الفقراء والمساكين أو جميع المسلمين، أو على مسجد أو سقاية أو مقبرة مسبلة، أو الوصية لشيء من ذلك .. ونحو هذا (٣). وكذلك الشهادة حسبة على الوقف على جهة عامة ولو مالًا، فلو أنه وقف مالا على أولادهم ثم الفقراء فاستولى عليها ورثته وتملكوها فشهد اثنان حسبة قبل انقراض أولاده على وقفيته قبلت شهادتهما؛ لأن آخره وقف على الفقراء (٤)، ولابد للشهود أن يبادروا بالرفع للقاضي إذا كان الوقف على غير معين والواضع يده عليه غير الواقف (٥).

стр. 1205

٢ - الشهادة على الوقف للمعين: ذهب جمهور فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة إلى أنه يشترط تقدم الدعوى لسماع الشهادة إذا كان الوقف على معين، ويرى بعض الحنفية قبول الشهادة على الوقف مطلقًا سواء كان على معين أو غير معين لماله للفقراء (١). ثالثًا: ثبوت الوقف بالتسامع: أ) تعريف التسامع لغة وفقها: التسامع لغة: من سمع، والسمع: حسّ الأذن، واستمع إليه وله: أصغى، والتسامع: على وزن تفاعل فيه اشتراك بين طرفين، وتسامع الناس بالكلام سمعه بعضهم من بعض وتناقلوه بينهم (٢). التسامع فقها: تعددت تعريفات الفقهاء للشهادة بالتسامع، فعرفها الحنفية بقولهم: "أن يُشتهر الأمر ويستفيض وتتواتر به الأخبار عند الشاهد، من غير تواطؤ على الكذب؛ حتَّى يصير كالمحسوس بحاسة البصر والسمع" (٣). وقال المالكية: "لقب لما صرح الشاهد فيه بإسناد شهادته لسماع من غير معين" (٤)؛ أي يعتمد الشاهد على ما سمعه من خبر منتشر بين الناس.

стр. 1206

وقال الشافعية: هي أن يسمع الشاهد أمرًا لم يعارض بإنكار المنسوب إليه مثلًا، أو بإخبار من يورث خبره ريبة بأن لم يقطع بكذبه (١). وقال الحنابلة: هي ما تظاهرت به الأخبار، واستقرت معرفته في قلب من شهد به، كالشهادة على النسب والولادة (٢). وقالت الإمامية: "إنها شيوع الخبر إلى حد يفيد السامع الظن الغالب القريب للعلم، ولا ينحصر ذلك في عدد، بل يختلف باختلاف المخبرين، لكن يعتبر أن يزيدوا عن عدد الشهود المعدلين ليحصل الفرق بين خبر العدل وغيره" (٣). ويستعمل اصطلاح الشهادة بالاستفاضة تعبيرًا عن الشهادة بالتسامع، وبعضهم يسميها: شهادة السماع، وكلها بمعنى واحد (٤).

стр. 1207

ب) مشروعية الإثبات بشهادة التسامع: اتفق الفقهاء على جواز الشهادة بالتسامع، مع اختلافهم في تحديد شروطها، واختلافهم في الحالات التي تقبل فيها. واتفق أهل العلم على صحة الشهادة بالتسامع في النسب والولادة والموت والنكاح، وفيما وراء ذلك اختلفوا فيما يؤخذ به الشهادة عليه بالتسامع (١). وتقبل شهادة التسامع (الاستفاضة) في الأمور التي مبناها على الاشتهار للأسباب الآتية: ١ - أنه يتعذر العلم غالبًا بدون الاستفاضة. ٢ - أن هذه الأمور الحالات يختص بمعاينة أسبابها خواص الناس، وقد يمر عليها دهور، وتمضي الأزمان على إنشائها، فلو لم تقبل فيها الشهادة بالتسامع والاستفاضة لأدى ذلك إلى الحرج، وتعطيل الأحكام، وضياع الحقوق (٢). ج) إثبات الوقف بالتسامع: استقرت المذاهب الفقهية على جواز ثبوت الوقف بالتسامع، وذلك للأدلة الآتية: ١ - ما قاله مالك: ليس عندنا من يشهد على أحباس أصحاب رسول الله ﷺ إلا بالسماع (٣). ٢ - أن الوقف يشتهر بين الناس، وتستفيض الأخبار به، وخاصة الشهادة بالتسامع على أصل الوقف، وهو كل ما تتوقف عليه صحته من الأركان والشروط المكونة للوقف، ويتحقق بها الوجود الشرعي للوقف.

стр. 1208

٣ - أن الوقف دائم، وكثيرًا ما يكون قديمًا وتوالى عليه الأعمار ويموت الشهود عليه وتبيد الحجج مع اشتهار كون المال موقوفًا، فلو لم تقبل الشهادة فيه بالتسامع والاستفاضة الأدي ذلك إلى ضياع الأوقاف القديمة، وضياع الوقف الحاضر في المستقبل (١). ٤ - أن الحاجة والضرورة متأكدة لقبول إثبات الوقف بالتسامع؛ لأن أوقاف المسلمين كثيرة، ولم يكن التسجيل شائعًا عند إنشاء الوقف، ويندر وجود ديوان خاص لسجلات الوقف إلا ما أوجده بعض القضاة في تسجيل الأحكام الصادرة في الوقف، وقد تمر عصور طويلة أو قصيرة على الأوقاف، وغالبًا ما يشيع أمر الوقف، ويستفيض، ويشتهر بين الناس، فاقتضت المصلحة أن تقبل فيه الاستفاضة أو شهادة التسامع، أو شهادة السماع، للمحافظة على بقاء الوقف وتحقيق غاياته (٢). رابعا: ثبوت الوقف بوضع اليد: أ) تعريف وضع اليد: ترد اليد في اللغة، ويراد بها: الملك والحوز، يقال: هذا في يد فلان أي في حوزه وملكه، وهذه الضيعة في يد فلان أي ملكه، وهذه الدار في يد فلان وكذا هذا الوقف في يد فلان أي في تصرفه وتحدثه (٣). واصطلاحًا: يستعملها الفقهاء بمعناها اللغوي، فيراد بها: حوز الشيء والتمكن من الانتفاع به، والتصرف فيه تصرف الملاك (٤).

стр. 1209

قال الزركشي: "المراد بها (أي اليد)، الاستيلاء على الشيء بالحيازة ... لأن باليد يكون التصرف" (١). وجاء في مجلة الأحكام العدلية أنها: "تصرف ذي اليد في عين بالفعل، أو ثبوت تصرفه فيها تصرف الملاك" (٢). ب) مشروعية العمل بوضع اليد: الأصل في مشروعية العمل بوضع اليد ما روى أبو موسى الأشعري ﵁: "أن رجلين ادعيا بعيرًا أو دابة إلى النبي ﷺ ليست لواحد منهما بينة فجعله النَّبِيّ ﷺ بينهما" (٣). وجه الدلالة: الظاهر كون هذا البعير أو الدابة التي كانت في أيديهما معًا فجعله النَّبِيّ ﷺ بينهما الاستوائهما في الملك باليد، ولولا ذلك لم يكونا بنفس الدعوى يستحقانه لو كان الشيء في يد أحدهما (٤)، فاليد تدل على الملك، والتصرف يقوي ذلك (٥). ج) حالات وضع اليد: يكون وضع اليد في حالتين: الحالة الأولى: أن يكون وضع اليد بلا تنازع أو مشاحنة، كأن يضع شخص يده على أرض، ولا منازع له ولا معارض ثم يدعي وقفيتها، فيصح إقراره، ويثبت به الوقف ويصح في قول عامة الفقهاء (٦)، واستدل فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة بالأدلة الآتية:

стр. 1210

١ - أن وضع اليد قرينة الملك، ودليل عليه؛ ولأن سبب الملك، وهو وضع اليد، قد وجد منه فلا ينصرف عنه إلا ببينة (١). ٢ - أن وضع اليد والتصرف من أقوى ما يستدل به على الملك؛ فإنه ليس للإمام أن يخرج شيئًا من يد أحد إلا بحق ثابت معروف. ٣ - أن تجويز الحكم برفع الموجود المحقق؛ أي: وضع اليد بغير بينة لمجرد أصل مستصحب؛ لزم تسليط الظلمة على ما في أيدي الناس، وهو ممنوع (٢). ٤ - أن الأوقاف تكون غالبًا في أيدي القوام عادة، فلو لم يصح الإقرار ممن هي في أيديهم لبطلت أوقاف كثيرة (٣). الحالة الثانية: أن يكون وضع اليد مع التنازع، وتقابل البينات، فيكون وضع اليد مرجحًا فقط، ولا يثبت الوقف بمجرد قول واضع اليد لأن وضع اليد، من باب الظاهر - فلا تثبت به الحقوق، وإنما ترجح به الدعوى (٤).

стр. 1211

وعند الزيدية: ليس من شرطه أن يخرجه عن يده (١)، فمن أحكام صيغة الوقف أنه لا يحتاج بعد لفظه إلى قبول الموقوف عليه، حيث هو آدمي معين، ولا إلى قبض ينوب مناب القبول؛ لأنه ليس من شرط صحته أن يخرجه الواقف عن يده، بل عدم الرد من الموقوف كاف (٢). خامًسا: ثبوت الوقف بالكتب العرفية: تعريف الكتب العرفية: وثيقة إنشاء الوقف ليس له وسم في دواوين القضاة ولا لدى الجهات الحكومية المأمونة من التزوير (٣). أ) حكم ثبوت الوقف بالكتب العرفية: اختلف الفقهاء في ثبوت الوقف بالكتب العرفية على قولين في الجملة: القول الأول: أن الوقف لا يثبت بالكتب العرفية، وإليه ذهب أبو حنيفة وأبو يوسف، وهو المذهب عند الحنفية (٤)، والمالكية في المذهب (٥)، والشافعية في المذهب (٦).

стр. 1212

واستدل أصحاب هذا القول بالأدلة الآتية: ١ - أن الكتب العرفية لا تعتبر بينة واضحة يثبت به الحق (١)، ولا يثبت الحق إلا بأمر ثابت معروف (٢)؛ ولأن الخط قد يشبه الخط (٣)؛ ولأن الخط لا يحكم به باعتراف كاتبه بأنه على ما كتبه؛ لأنه قد يكتب أشياء لا يؤخذ بها (٤). ٢ - أن الكتب العرفية إقرار بالوجود لا بالوجوب؛ لأنه أخبر بأنه وجد أو فعل هكذا، والوجود لا يدل على الوجوب؛ لأنه قد يجد في كتابه مكتوب غيره وقد يكتب ممتحنًا للخط فلا يكون إقرارا بالوجوب (٥). ٣ - أن الاعتماد على الكتب العرفية كان بدون شهادة ولا استفاضة، ولا يجوز اعتماد مجرد الكتاب من غير إشهاد ولا استفاضة (٦). القول الثاني: أن الوقف يثبت بكتاب الوقف العرفي إذا كان موثوقًا به، وحصل العلم بنسبة الخط إلى الواقف، وإليه ذهب الحنابلة في المذهب (٧)، والإمام محمد بن الحسن الشيباني فيما رواه عنه ابن رستم (٨)، وبعض المالكية (٩)، والشافعية في وجه (١٠).

стр. 1213

واستدل أصحاب هذا القول بالأدلة الآتية: ١ - قول النبي ﷺ : "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده" (١)، وجه الدلالة: أن النبي ﷺ يذكر أمرًا زائدًا على الكتابة المطلقة الموثقة، فدل على الاكتفاء بها. ٢ - أن النبي ﷺ كتب إلى عماله وغيرهم ملزمًا للعمل بتلك الكتابة، وكذا الخلفاء الراشدون من بعده؛ ولأن الكتابة تنبئ عن المقصود فهي كاللفظ (٢). ٣ - أن ثبوت الخط يتوقف على معاينة البينة أو الحاكم لفعل الكتابة الموثقة، لا على مجرد الكتابة غير الموثقة (٣)؛ ولأنه لم تدخله ريبة إذا كان الخط محفوظًا عنده؛ ومثله خط غيره إذ المدار على كونه ظنًا مؤكدًا (٤). ٤ - أن العمل بالكتب العرفية يشترط معه الموثوقية؛ ولأن الحكم مناط بالمعرفة والشهرة من غير اعتبار لمعاينة الفعل؛ ليحصل المقصود وهو العلم بنسبة الخط إليه، وذلك موجود بحيث يستقر في النفس استقرارا لا تردد معه فوجب الاكتفاء به (٥). ٥ - أن الخط يمكن تمييزه عن غيره، وإن لم يكن الخط الذي في الصك في يد الشاهد؛ لأنه لا يجري فيه التبديل والتغيير، فإنه لو ثبت يثبت بالخط، والخط قلما يشبه الخط؛ لأن الله تعالى كما خلق الأجسام متفاوتة إظهارًا لقدرته خلق الأمثال كذلك فالخط لا يشبه الخط إلا نادرًا، والنادر لا حكم له ولا اعتبار لتوهم التغيير فإن له أثر يوقف عليه فإذا لم يظهر ذلك جاز الاعتماد عليه (٦).

стр. 1214

الكتب العرفية إقرار يلزم، وإن لم يكتب على هذا الرسم؛ فالقول قوله مع يمينه؛ وأن انتفاء الشبهة ظاهرًا حاصل (١)؛ ولأنه غالبًا لا يمكن أن يستعمل فيه خطًا غير خطه (٢). وعند الزيدية: يصح ثبوت الوقف بالكتب العرفية، فقد حكي في أصول الأحكام وغيره عن زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي .. "أنه وقف من ماله بينبع ووادي القرى وغيرهما، وأنه تصدق بها وكتب كتابًا فيه، واشترط لا تباع ولا توهب ولا تورث أنا حي أو ميت" (٣)؛ لكن لو كتب صريح الوقف نحو: تصدقت لله، فهو غير كاف؛ لأن الكتابة بالوقف كناية يشترط فيها النطق بالقربة، أو بما يدل عليها، فعلى هذا يلزم أن لا يكفي كتابة القربة مع كتابة صريح الوقف، بل لابد أن ينطق بأيهما حال الكتابة أو بعدها، وإلا لم يصح كما هو ظاهر الأزهار (٤). ب) حكم ثبوت الوقف بالكتابة على أبواب المدارس والربط والحيوان ونحوها: اختلف الفقهاء في حكم ثبوت الوقف بالكتابة على أبواب المدارس والربط، ونحوها على قولين: القول الأول: ثبوت الوقف بالكتابة على أبواب المدارس والربط والدور والحيوان وعلى كتب العلم إذا اشتهرت؛ ما لم يعارض ذلك معارض أقوى كالبينة من شهادة ونحوها، وإليه ذهب المالكية (٥)، والحنابلة (٦).

стр. 1215

استدل أصحاب هذا القول بالأدلة الآتية: ١ - أن الشهرة للمدرسة أو الكتب في المدرسة أو الرباط دليل على الموثوقية وأن يوجد مكتوبًا عليه "وقف على طلبة العلم بالمدرسة الفلانية أو وقف على طلبة العلم ومقره بالمدرسة الفلانية" فإن كانت مشهورة بالكتب ثبتت وقفيته، وإن لم تكن مشهورة بذلك لم تثبت وقفيته (١). ٢ - أن ما يوجد على ظهور الكتب وهوامشها كتابة الوقف؛ فإنه يحكم بصحتها باختلاف قرائن الأحوال (٢)؛ فإن قويت حكم بها، وإن ضعفت لم يلتفت إليها، وإن توسطت توقف فيها وكشف عنها وسلك طريق الاحتياط، إذا ما لم يعارض معارض، فإن عارض ذلك شيء نظر فيه. فإذا رأينا كتبًا مودعة في خزانة في مدرسة وعليها كتابة الوقف وقد مضى عليها مدة طويلة. كذلك وقد اشتهرت بذلك لم نشك في كونها وقفًا، وحكمها حكم المدرسة في الوقفية، فإن انقطعت كتبها أو فقدت ثم وجدت عليها تلك الوقفية، وشهرة كتب المدرسة في الوقفية معلومة، فيكفي في ذلك الاستفاضة فإن الوقف، يثبت بالاستفاضة ويثبت بالسماع ويثبت مصرفه بذلك، بخلاف ما إذا رأينا كتابًا لا يعلم مقره ولا يعرف من كتب عليه الوقفية فهذا يجب التوقف في أمره حتى يتبين حاله، وهو عيب يثبت للمشتري به الرد. ٣ - أن الحكم لذلك للعرف والعادة؛ في حال الاشتهار؛ وأنه يقبل قول متولي نظر الوقف في مصرفه إذا لم يوجد كتاب الوقف وذكر أن العادة جرت بصرف غلته في الوجوه التي يذكرها (٣).

стр. 1216

٤ - أن البلد الذي يستولي عليه الكفار، ثم يفتحه المسلمون، فتوجد أبواب مكتوب عليها كتابة المسلمين أنها وقف: أنه يحكم بذلك، لقوة هذه الأمارة وظهورها في ثبوت الوقف (١). القول الثاني: أنه لا يثبت الوقف بما يوجد على أبواب المدارس والربط ونحوها من العقارات من كتابات تفيد وقفيتها، وإليه ذهب الحنفية، ويستفاد من كلام الشافعية (٢). واستدل أصحاب هذا القول بالأدلة الآتية: ١ - أن مجرد الكتابة الوقفية في مثل هذه الأمور لا تكفي لإثبات وقفيتها؛ بدلالة عدم وجود الإقرار ولا البينة ولا الشهود (٣). ٢ - أن مثل هذه العلامات لا تعتبر عيبًا يرد به العقار، ولأنها علامة لا تبني الأحكام عليها (٤). سادسًا: ثبوت الوقف بالإقرار أ) تعريف الإقرار ومشروعيته وأهميته: الإقرار: هو إخبار الشخص بحق لغيره على نفسه (٥). والإقرار حجة لقول الله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ (٦)، فأمر الله تعالى المدين بالإملال، فلو لم يقبل إقراره لما كان

стр. 1217

لإملاله معني (١)، ولقول النبي ﷺ : " ... واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" (٢)، ويضاف لذلك إقامة حد الزنا على ماعز بعد إقراره (٣)، وعلى الغامدية بعد إقرارها (٤). لا خلاف بين الأمة على أن الإقرار حجة (٥)، وتعلق الحكم به (٦)، والمؤاخذة عليه (٧). ب) الإقرار بالوقف من الواقف: الإقرار بالوقف من الواقف نفسه، وله ثلاث حالات: الحالة الأولى: إقرار الواقف حال صحته: إذا أقر الواقف بوقف ماله وهو في حال صحته صح الإقرار وثبت الوقف ما دام مستوفيًا شروط الإقرار وتوافرت فيه شروط الواقف؛ لأن الإقرار حجة في حق المقر (٨).

стр. 1218

الحالة الثانية: إقرار الواقف حال مرضه مرض الموت: إذا أقر الواقف في مرض موته بأنه وقف في مرضه وأسند وقفه في حال مرضه؛ صح وقفه في حدود ثلث ماله، فإن خرج الوقف من الثلث صح الوقف وثبت، وإن زاد الوقف على الثلث توقف ما زاد على إجازة الورثة (١). الحالة الثالثة: إقرار الواقف حال مرضه أنه وقف في صحته: اختلف الفقهاء فيما لو أقر الواقف في مرض موته أنه وقف في صحته على ثلاثة أقوال: القول الأول: عدم صحة إقراره، ويترتب على عدم صحة إقراره عدم صحة الوقف، وإليه ذهب المالكية، فقد قال مالك في ذلك: "ما أقر به المريض أنه فعله في صحته من عتق أو كفالة أو حبس أو صدقة أو غيره لوارث أو غيره فإقراره باطل، ولا يجوز ذلك في ثلث ولا غيره ويكون ميراثًا" (٢). القول الثاني: صحة إقراره بالوقف في هذه الحالة، وإليه ذهب الشافعية، حيث إن "الإقرار بالوقف السابق على المرض وبالهبة المقبوضة الصحيحة السابقة على المرض، وبالعتق السابق عليه صحيح، ويخرج المقر به في الثلاثة من رأس المال، ولا يتعلق به دين ولا تزاحمه وصية، ولا يحتاج لإجازة ورثته" (٣). القول الثالث: عدم التفريق بين إسناد المريض مرض الموت الوقف إلى حال صحته أو حال مرضه فيصح الوقف في الحالتين، ويخرج من الثلث إلا أن يجيز

стр. 1219

الورثة أو يصدقوا مورثهم المريض في إسناد الوقف إلى حال الصحة فيصبح الوقف حينئذ في الكل، وإليه ذهب الحنفية (١). ج) إقرار الورثة بالوقف: إقرار الورثة بأن مورثهم وقف أرضًا له أو مالًا له حالتان: الحالة الأولى: أن يقع الإقرار من جميع الورثة: فإن وقع الإقرار من جميع الورثة صح الوقف وثبت. هذا ما نص عليه الحنفية وقواعد المذاهب الأخرى لا تأباه، فقد صرحوا بأنه إن أقر الورثة على مورثهم بدين لزمهم قضاؤه من التركة؛ واستدلوا على ذلك بالأدلة الآتية: ١ - أن الوارث يقوم مقام الميت في ميراثه وديونه والديون التي عليه وبيناته ودعاويه والأيمان التي له وعليه. ٢ - أنه لو أقر رجل بأن أباه وقف أرضه للمساكين وأنه جعل ولايتها إليه، وليس معه وارث غيره يصح إقراره بالوقف ويقبل قوله في الولاية استحسانًا (٢). ٣ - أنه لو أقر رجل فقال: هذه الأرض صدقة موقوفة عن أبي على الفقراء والمساكين تصير وقفًا، ولو كان معه وارثًا آخر فجحد الوقفية لا يستحق شيئًا حتى يثبت عند القاضي أنها كانت لأبيه؛ لأنه لما قال عن أبي لم يقر أنها كانت لأبيه، لاحتمال أن يكون الواقف لها غيره والولاية عليها له إلا أن يثبت أنها لغيره،

стр. 1220

بخلاف ما إذا قال صدقة موقوفة من أبي؛ لأنه جعل ابتداء الوقف من أبيه، فيرجع إلى قول شريكه في حصته منها (١). ولو أقر أن أباه أوصى أن تكون أرضه صدقة موقوفة ولم يكن له وارث غيره وقال: ليس له مال غيرها كان ثلثها وقفًا، وله أن يبطله في الباقي إن لم يظهر له مال يخرج من ثلثه (٢). ٤ - أنه لو أقر بأنها وقف من قبل أبيه وأبوه ميت صح إقراره، ثم إن كان على أبيه دين وأوصى بوصية وليس له مال غيرها يباع منها ما يوفي به دينه وتنفذ وصيته، وما فضل يكون وقفًا؛ لعدم نفاذ إقراره في حق أبيه، وإن أحاط بها الدين تباع كلها به إلا أن يقضى دينه عنه (٣). الحالة الثانية: أن يقع الإقرار من بعض الورثة: فإن وقع الإقرار من بعض الورثة، وجحده بعضهم، صح الوقف في حصة المقر وبطل في حصة من جحد، هذا ما صرح به الحنفية وتوافق قواعد المذاهب الأخرى، إذ قالوا: لو أقر أحد الورثة بدين على أبيه أو أقر له وصية، فأنكر سائر الورثة؛ فإن الواجب للمقر له فضل ما في يد المقر عن ميراثه (٤)، واستدلوا على ذلك: أنه لو ترك رجل ابنين وفي يدهما أرض، فقال أحدهما: وقفها أبونا علينا وأنكر الآخر الوقف تكون حصة المقر وقفًا عليه، وحصة المنكر ملكًا له، ولا حق له في الوقف؛ لأن إنكاره له بمنزلة رده.

стр. 1221

وعليه: فإن زاد المقر وقال: وقفها علينا وعلى أولادنا ونسلنا أبدًا ما تناسلوا ثم من بعدهم على المساكين كانت حصته وقفًا على من أقر، ثم إن صدق أولاد المنكر عمهم فيما في يده أخذوا استحقاقهم منه، ولا يبطل حقهم منه بإنكار أبيهم، وإن وافقوه بعد موت أبيهم فيما كان في يده صارت كلها وقفًا، وإن تابعوه على الإنكار يحرمون من الوقف، وإن وافقه كلهم في حياة أبيهم وأنكروا بعد موته صارت كلها وقفًا لإقرارهم السابق، وإن وافقه بعضهم وأنكر بعضهم بعد موت أبيهم يضم نصيب الموافق إلى الوقف وتقسم غلته على حكم ما اعترفوا به، ونصيب المنكر منهم ملك له (١). د) إقرار الأجنبي واضعًا يده على أرض وأقر بأنها وقف حال صحته: وله حالتان: الحالة الأولى: إقرار الأجنبي مطلقًا من غير تعيين الواقف: ومثاله أن يقر رجل صحيح بأرض في يده أنها صدقة موقوفة ولم يزد على ذلك صح إقراره، وتصير وقفًا على الفقراء المساكين، لأن الأوقاف تكون في يد القوام عادة، فلو لم يصح الإقرار ممن هي في أيديهم لبطلت أوقاف كثيرة، ولا يجعل هذا الواقف لها إلا أن يقيم بينة فإن الأرض كانت له حين أقر فحينئذ يكون هو الواقف لها (٢). الحالة الثانية: إقرار الأجنبي ذي اليد في إقراره بالوقف مقيدًا معينًا: وله صور: الصورة الأولى: تعيين الواقف: فلو أقر الأجنبي ذي اليد بأن هذه الأرض كانت لفلان بن فلان وقد وقفها في وجوه سماها فإنه يرجع إلى الواقف إن كان حيًا وإلى ورثته إن كان ميتًا في الوقفية وعدمها (٣).

стр. 1222

الصورة الثانية: تعيين الموقوف عليه: فلو أقر الأجنبي ذي اليد أن الأرض التي في يده وقف عليه وعلى ولده ونسله أبدًا ومن بعدهم على المساكين يقبل قوله، ولا يكون هذا الواقف لها؛ لأن العادة جرت بأن يكون الوقف عليهم من غيرهم. ولو ادعى عليهم بعد ذلك جماعة بأنها وقف عليهم بانفرادهم فأقر لهم به صح إقراره على نفسه فقط، فتكون حصته منه لهم ويرجع إلى أولاده فيما ينوبهم، فإن كانوا كبارًا وأقروا به لهم كان لهم وإلا تقسم الغلة عليه وعلى ولده ونسله، فما أصاب كان للمقر لهم والباقي لأولاده. وإذا أقرَّ الأجنبي بوقفية دار في يده ولم ينسب الأرض إلى واقف معين، ولكنه عين المستحقين فيه وكانوا أجانب منه ولم ينازعه أحد في الملكية ولا في الاستحقاق؛ صح إقراره وصارت الدار وقفًا على المعينين؛ لأنه لا منازع له فينفذ عليه (١). ولو أقر أجنبي ذي اليد بالوقف الباطل: كأن أن أقر الذي الأرض في يديه أن المسلم وقفها على البيع والكنائس وبيوت النيران، أو أقر أن المسلم وقفها على شيء من الوجوه التي لا يتقرب بها المسلمون إلى الله تعالى .. فإن إقراره على هذه الأشياء باطل لا يجوز (٢). وعند الزيدية يثبت الوقف بالإقرار، فلو شهد عدلان أن فلانًا وقف هذه الأرض، فقال: ورثته: بل هذه، صارتا وقفًا، الأولى بالشهادة، والأخرى بالإقرار (٣)، ونصَّ على أنه لا بد مع الإقرار بالوقف (٤).

стр. 1223

المبحث الثالث محتويات حجة الوقف تتضمن محتويات الوقف كتابة الوقف الأركان المكونة لها، وهذه الكتابة مما تعارف عليها المسلمون منذ صدور الإسلام فقد ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب كتابًا بوقفه فعن عمر بن شبة بن أبي غسان المدني، وسيأتي تفصيلها فيما يأتي. وعنون البخاري بباب "الوقف كيف يكتب" وذكر تحته حديث عمر المشهور من هذا الحديث أخذ الفقهاء كيفية كتابة الصك الوقفي، وأنه لابد من اشتماله على عدة أمور أساسية وهي: ١ - اسم الواقف: وذلك بما يميزه عن غيره بذكر اسم أبيه وجده ولقبه الذي اشتهر به، ويشترط ذكر أن الواقف أهل للوقف عند كتابة الصك، ويشهد له ما ورد في كتاب وقف عمر: "هذا ما كتب عبد الله عمر أمير المؤمنين ....... ". ٢ - الصيغة: وهي التي تعبر عن إرادة الواقف بإنشاء الوقف، مثل: حبّست وسبّلت ووقفت .. وما يقوم مقامها من ألفاظ دالة على إنشاء الوقف (١). ٣ - الموقوف: وذلك بما ينفي الجهالة عنه، فلو كان الموقوف عقارًا لابد من ذكر حدوده التي تميزه عن غيره، إلا إذا كان مشهورًا يستغنى بشهرته عن تحديدها، وكذلك كل عين موقوفة توصف بأوصاف تميزها عن غيرها وتنفي الجهالة عنها (٢).

стр. 1224

٤ - الموقوف عليه: هو الجهة التي يصرف لها غلة الوقف، هذا وقد جرى العرف بأن بعض الواقفين يذكرون في الحجة الوقفية شروطًا يتوخون من جراء ذكرها كيفية استغلال الوقت وإدارته واستحقاق الموقوف عليهم كما تشمل بعض هذه الحجج على اسم من كتبها والشهود الذين شهدوا عليها، وللفقهاء تفصيل في العمل بهذه الشروط سبق ذكرها في المبحث الخاص بشروط الواقفين. وفيما يأتي نموذج من الحجج الوقفية: وقفية عمر بن الخطاب ﵁: هي أول وقفية كتبت في الإسلام كتبها في خلافته وإن كان وقفها في زمن النبي ﷺ ، فهي أول وثيقة مروية بالسند الصحيح وقد رويت بطرق صحيحة متعددة (١). فقد روى عمر بن شبة عن أبي غسان المدني: هذه نسخة صدقة عمر أخذتها من كتابه الذي عند آل عمر فنسختها حرفًا حرفًا "هذا ما كتب عبد الله عمر أمير المؤمنين في ثمغ أنه إلى حفصة ما عاشت تنفق ثمره حيث أراها الله، فإن توفيت فإلى ذوي الرأي من أهلها، لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث، في الفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله والضيف وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقًا غير متمول فيه، والمائة وسق الذي أطعمني النبي ﷺ . فإنها مع ثمغ على سننه الذي أمرت به، وإن شاء ولي ثمغ أن يشتري من ثمره رقيقًا يعملون فيه فعل، وكتب يعقب وشهد عبد الله بن الأرقم (٢). وفي رواية أبي داود عن يحيى بن سعيد، عن صدقة عمر بن الخطاب ﵁ قال نسخها لي عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب (٣)، ثم ذكر النص المتقدم ببعض الزيادات وزاد الترمذي في روايته للحديث: قال ابن عون: فحدثني به رجل آخر أنه قرأها (وثيقة صدقة عمر) في قطعة أديم أحمر (٤).

стр. 1225

المبحث الرابع المتطلبات القانونية لإثبات الوقف وتوثيقه أولًا: تنظيم التوثيق في العصر الحاضر: أمر الله تعالى بالتوثيق بطرق متعددة كما سبق كالشهادة والكتابة والرهن والكفالة (الضمان) والاحتباس، وكان ذلك تكليفًا شخصيًا للأفراد، وفي عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ أنشئت الدواوين الرسمية في الدولة، وبدأ التدوين في بعض المجالات، ثم شرع القضاة لاحقًا بتسجيل الأحكام، بدءًا من المواريث والوقف وأموال الأيتام، وانتهاء بتسجيل جميع الأحكام التي تصدر من الحاكم، ثم قررت الحكومات في العصور الأخيرة تسجيل جميع المعاملات، حتى فرضت على التجار مسك الدفاتر وتسجيل جميع النشاطات التجارية. وفي العصر الحديث أصدرت الدولة أنظمة وقوانين للتوثيق، وأنشأت دوائر التوثيق (وسميت بمصر هيئة التصرفات في المحاكم الشرعية) وصدر نظام كتّاب العدل، ثم أنشئ السجل العقاري (أو الشهر العقاري) لتسجيل الأراضي والأبنية ثم فرضت الدول وجوب تسجيل المركبات البرية والبحرية والجوية، وقررت تسجيل جميع الأنشطة في أجهزة الدولة ومؤسساتها. وإن التوثيق الذي عرف في تاريخ الإسلام والفقه الإسلامي هو بعينه التوثيق في الوقت الحاضر، مع بعض الاختلاف الذي ينحصر في أن كاتب الوثائق قديمًا لم يكن موظفًا عموميًا، وكان التوثيق اختياريًا، فإذا اتفق المتعاقدان على توثيق تصرفاتهم استكتبوا فقيهًا ديِّنًا ليكتب لهم ما اتفقوا عليه بينهم. وفي الوقت الحاضر اشترطت الأنظمة والقوانين توثيق التصرفات، واشترطت أن يتم ذلك أمام الموثق باعتباره موظفًا عمومًا حاصلًا على مؤهلات محددة ومعينة من الدولة، فينحصر الفرق في أمرين: صفة الإلزام، والموثق العمومي (١)، وكذلك الحال للتوثيق بالنسبة للدول الإسلامية على اختلافها.

стр. 1226

ثانيًا: تسجيل الوقف في العصر الحاضر عن طريق قوانين خاصة صادرة لهذا الغرض: فقد اهتمت معظم الدول العربية والإسلامية في العصر الحاضر بالأوقاف، وأولتها رعاية كبيرة، وأصدرت بشأنها أنظمة وقوانين عديدة، وخصصت لها وزارة وأضافت بعض الدول إنشاء الأمانة العامة للأوقاف، ولذلك نماذج منها: - توثيق الوقف في المملكة العربية السعودية: صدر نظام مجلس الأوقاف الأعلى الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/ ٣٥ تاريخ ١٨/ ٧/ ١٣٨٦ هـ، والذي أجريت عليه بعض التعديلات، منها قرار مجلس الوزراء رقم ٢١ تاريخ ١٥/ ١/ ١٤١٩ م، ومنها لائحة تنظيم الأوقاف الخيرية الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم ٨٠ تاريخ ٢٩/ ١/ ١٣٩٣ م؛ بهدف حصر وتمحيص وتسجيل الأوقاف في دفتر لحصر وتسجيل صكوك أعيان الأوقاف الخيرية العامة، ودفتر لحصر أعيان الأوقاف الخيرية الخاصة (المادة/ ٧) (١)، كما أن نظام المرافعات الشرعية ولوائحه التنفيذية في المملكة حدد القواعد المتعلقة بتوثيق الوقف (المادة / ٣٢/ ٢) (٢). - توثيق الوقف في مصر: صدر القانون ٤٨ لسنة ١٩٤٦ م بأحكام الوقف، وصرحت المادة الأولى منه أنه لا يصح الوقوف ولا الرجوع فيه، ولا التغيير في مصارفه وشروطه، ولا الاستبدال به من الواقف إلا إذا أصدر بذلك إشهاد ممن يملكه لدى إحدى المحاكم الشرعية ... وضبط بدفتر المحكمة"، ثم صدر في مصر القانون رقم ٦٨ لسنة ١٩٤٧ الذي قرر إنشاء مكاتب التوثيق، فمنعت المحاكم من عمل التوثيقات (٣).

стр. 1227

- توثيق الوقف في سورية: صدر قانون السجل العقاري (الطابو) ليشمل تسجيل جميع العقارات، بما في ذلك المساجد، والأراضي الموقوفة، والأبنية الموقوفة، ويكتب في حقل المالك: وقف، وهذا أعلى درجات التوثيق، وأكثرها ضمانًا وثباتًا وحماية وحجة، ونصت المادة ٥٣٨ من قانون أصول المحاكمات السوري على اختصاص المحكمة الشرعية، وفيه: "ج: تنظيم وثيقة الوقف الخيري، والحقوق المترتبة عليه" (١). - توثيق الوقف في دولة الإمارات العربية المتحدة: صدر قانون الوقف بتاريخ ٢٢/ ٦/ ١٤٢٨ هـ الموافق ٧/ ٧/ ٢٠٠٧ م لائحة توثيقات تنفيذ قانون الأحوال الشخصية رقم ٢٨ لسنة ٢٠٠٥، ومن ذلك توثيق الوقف (المواد ٧١ - ٨٠)، مع وجود الأمانة العامة للأوقاف. ويشترط في إنشاء الوقف، في العصر الحاضر، أن يحصل على إشهاد على يد الموثق، مهما كانت الجهة، وذلك للمصلحة، فإن فات الشرط، فلم ينشأ الوقف بإشهاد رسمي فلا يكون للوقف وجود قانوني لفوات هذا الشرط، فإن كان الواقف مقرًا بالوقف كان له وجود شرعي؛ لأن الشرع لم يشترط لأي تصرف كان أن يكون مقيدًا بالكتابة، ثم يسجل الوقف حسب القانون والأنظمة (٢). ثالثًا: تحديد الاختصاص في توثيق الوقف في القوانين المعاصرة: تعددت الجهات لتوثيق الوقف في الأنظمة والقوانين المعاصرة، وحددت كل دولة جهة معينة لتقوم بإثبات الوقف وتوثيقه، حسب هذه الجهات. ففي السعودية مثلًا: نص نظام المرافعات الشرعية على أن إثبات الوقف وسماع الإقرار به من اختصاص المحاكم العامة، واستثنت اللائحة التنفيذية الأراضي المخصصة مساجد في المخططات المعتمدة، سواء أكانت ممنوحة أو مملوكة لأشخاص،

стр. 1228

فتوثيقها من اختصاص كاتب العدل، وأما الأراضي التي لم تخصص مساجد، ويراد وقفها فتوثيقها من اختصاص المحاكم (١). وفي مصر حصرت تسجيل الأوقاف بمكاتب التوثيق بالشهر العقاري، ومنعت المحاكم من ذلك، ثم ألغيت المحاكم الشرعية بالقانون رقم ٤٦٢ سنة ١٩٥٥ م، وأحيلت الدعاوى المنظورة أمامها إلى المحاكم الوطنية (٢). وفي سورية يتم تسجيل الوقف بالسجل العقاري، وقد يتم تسجيلها أمام القاضي الشرعي بدعوى صورية يقر فيها الواقف بالوقف (مع إثبات ملكيته للموقوف) ويصدر القاضي الشرعي حكمًا بثبوت الوقف ليكون حجة على الجميع ويأخذ طريقه للتنفيذ رسميًا. وفي الإمارات تقوم المحاكم الشرعية بتسجيل الوقف وتوثيقه، ونصت المادة الثانية على أنه: "ينشأ في كل محكمة قسم يسمى قسم الإشهادات والتوثيقات، ويلحق به موثق أو أكثر حسب الحاجة ... ويتبع قاضي التوثيقات، ويقوم القاضي بالإشراف على القسم والنظر في الطلبات والمعاملات المقدمة إليه"، ثم نصت المادة الثالثة: "يختص قسم التوثيقات بالمحاكم الشرعية بإصدار الإشهادات ... وتوثيق المعاملات والتصرفات والإقرارات المتعلقة بالأحوال الشخصية"، ومنها الوقف (٣). رابعًا: إجراءات توثيق الوقف في القوانين المعاصرة: حددت الأنظمة والقوانين المعاصرة إجراءات توثيق الوقف لإثباته وتسجيله والحفاظ عليه، وتختلف جزئيًا من بلد إلى آخر.

стр. 1229

ففي السعودية يتم طلب توثيق الوقف من فرد إذا كان الوقف خالصًا، أو من جهة رسمية خولت بموجب النظام حق طلب توثيق الوقف، ويكون طلب التوثيق إلى رئيس المحكمة المختصة أو قاضي المحكمة، ويرفق مع الطلب ما يثبت تملكه للعين التي يريد وقفها ثم يتابع إجراءات وقفه حتى يتم توثيقه، ويقيد طلبه، ويحال للقاضي لتوثيقه ليتأكد من توافر أركان الوقف وعناصره التي يجب تسجيلها عند إنشاء الوقف وتوثيقه، وهي: ١ - الواقف وتوفر الشروط المعتبرة فيه، وأهليته، ويدوّن ذلك في ضبطه. ٢ - الموقف من عقار أو غيره، مع التأكد من توفر الشروط المعتبرة فيه شرعًا. ٣ - الموقف عليه كجهة بر، أو على شخص بعينه. ٤ - الصيغة، وهي الألفاظ الدالة على الوقف بأن تكون صريحة واضحة ومنجزة وجازمة، فإذا توفرت تلك الأركان سجل القاضي إقرار الموقف، وسجل شروطه الموافقة للأصول الشرعية، وحدود الناظر على الوقف، وسجل أسماء الشهود على ذلك، مع توقيع الجميع في الضبط، وأخيرًا تقرير القاضي الموثق بثبوت الوقفية أو الإقرار، ثم يسلم الصك للموقف أو للناظر أو للجهة المسؤولة عنه إن كان الوقف عامًا بعد اكتمال إجراءاته الشرعية والنظامية (١). وكل ذلك لإثبات الوقف وتوثيقه والحفاظ عليه وتنظيم أموره، ومنع الاعتداء عليه، أو التراجع عنه، أو استبداله إلا بما يقتضيه الشرع، وأن يشمل ذلك الأوقاف القديمة سواء كانت لها وثائق أم لا، لحصرها واستثمارها وتوزيع ريعها على الموقوف عليهم.

стр. 1230

وفي مصر حدد القانون وظائف مكاتب التوثيق، وبين الإجراءات اللازمة لتوثيق الوقف وغيره حسب العمليات التالية: ١ - تلقي المحررات وتوثيقها. ٢ - إثبات المحررات الرسمية في الدفاتر المعدة لذلك. ٣ - وضع الصيغة التنفيذية على صورة المحررات الرسمية الواجبة التنفيذ. ٤ - حفظ أصول المحررات التي تم توثيقها. ٥ - إعداد فهارس للمحررات التي توثق. ٦ - إعطاء الصور التي تطلب من المحررات الموثقة. ٧ - التصديق على توقيعات ذوي الشأن في المحررات العرفية. ٨ - إثبات تاريخ المحررات العرفية. ٩ - إعطاء الشهادات بحصول التصديق على التوقيعات أو إثبات التاريخ في المحررات العرفية. وهكذا أصبح تسجيل الوقف لازمًا بالنسبة للواقف وللمستحقين وللغير، ليكون حجة على الجميع، ويشترط في إنشاء الوقف أن يحصل بإشهاد على يد الموثق المختص بذلك (١). وفي دولة الإمارات العربية المتحدة حددت لائحة التوثيقات في دولة الإمارات إجراءات التوثيق، فوضعت قواعد عامة في (المادة ٥) وهي: "يشترط لإصدار الإشهاد أو توثيق المستند ما يأتي:
следующие страницы →