- من هذه الأعذار فقد الأهلية أو نقصها، كما لو كان صاحب الحق صغيرًا أو محجورًا عليه لجنون أو سفه أو ما شابه ذلك، ولم يكن له ولي يرعى شؤونه، فالمدة التي تمر أثناء فقد الأهلية أو نقصها لا تدخل في حساب مدة التقادم المانعة من سماع الدعوى مهما قصرت تلك المدة أو طالت (١).
- ومنها الغيبة، وهي من الأعذار التي توقف مرور الزمن، وهي عند الحنفية معتبرة في المدعي والمدعى عليه، أما عند المالكية فهي معتبرة في غيبة المدعي فقط دون المدعى عليه (٢)، وجوهر الخلاف هو أن المالكية يجيزون الحكم على الغائب، خلافًا للأحناف الذين يشترطون في صحة الحكم حضور المدعى عليه واعتبار الغيبة عذرا مقيدًا بما لو كان ثبوت الحق لصاحبه في حالة غيابه، فلو ثبت في حال حضوره وهو عالم بذلك ولم يدَّعِ ثم غاب؛ فإن غيابه مدةً لا يعتبر عذرًا يوقف مرور الزمان (٣).
- ومنها التغلب، بأن يكون المدعى عليه صاحب سلطة أو نفوذ أو سطوة، ويخشى المدعي سطوته ونفوذه وسلطانه ويخاف منه على نفسه أو حقه (٤).
قال اطفيش: "والذي عندي أن من شرط الحيازة أن يكون صاحب الأصل قادرًا أن يتكلم على حقه ويخاصم، وإلا فلا يجاز عنه أصله إلا أنه إذا لم يقدر أشهد سرًّا أنه على حقه لم يتركه، وأنه إذا قد تكلم به، ولعل جابرًا دفع الرجل عن أصله مع قوله إنه لا يقدر على دفع خصمه ولا على خصومته؛ لأنه لم يشهد على ذلك، ثم رأيت في
стр. 1262
الديوان "النص على اشتراط القدرة؛ إذ قالوا: وإنما تجوز الحيازة على الحر البالغ الصحيح العقل ذكرًا كان أو أنثى، موحدًا أو مشركًا، إلَّا أرض الجزية، فلا يحوزها المسلمون، ويحوزها أهل الكتاب فيما بينهم، وهذا كله إذا حضر صاحب الحق حتى تمت مدة الحيازة، ولم يغير ولم ينكر من حاز أصله شيئًا، فسكت ولم يمنعه، ولم يحتج عليه عند المسلمين في موضع يدرك حقه فيه، حتى مكث فيه وحازه عشر سنين أو عشرين سنة، فيكون لا حجة له عليه" (١).
- فإذا وجد عذر من هذه الأعذار، فلا تعتبر المدة التي قام فيها العذر ضمن الزمن المعتبر في التقادم.
هذا فيما يتعلق بوقف التقادم، أما قطعه فمعناه وجود سبب من الأسباب التي تؤدي إلى سقوط المدة السابقة عليه وعدم اعتبارها في المدة المعتبرة في التقادم.
ومن الأسباب الموجبة للقطع ما يرجع إلى صاحب الحق أو المدعي، ومنها ما يرجع إلى المدعى عليه.
أما ما يرجع إلى المدعي فهو المطالبة القضائية، والمقصود بها قيام صاحب الحق برفع دعوى إلى القاضي، الذي له صلاحية النظر فيها، على خصمه الشرعي، يطالبه فيها بحقه، فإذا صنع ذلك أعتبر سببًا لسقوط التقادم، أعني للزمن الذي سبق المطالبة القضائية، حتى لو ترك المدعي دعواه قبل الحكم فيها، أما السبب الذي يرجع إلى المدعى عليه فهو إقراره بالحق الذي يدعيه المدعي، فإذا أقر به صراحة انقطع التقادم، وعلل بأن تقييد القضاة بقبول الدعوى التي لم يمضِ عليها التقادم دون غيرها، مع أن الحق لا يسقط بمرور الزمان إنما هو لمنع التزوير والاحتيال، ومع الإقرار ينتفي ذلك، وبأن الإقرار إذا كان يلزم القاضي بالحكم بموجبه حتى عند مضي مدة التقادم وانقضائها، فأولى به أن يكون سببًا لقطع المدة وإسقاطها (٢).
стр. 1263
ولا يظهر أن الإقرار المسقط يجب أن يكون في مجلس القضاء، فعبارة الفقهاء مطلقة في هذا الشأن، نعم نقل ابن عابدين عن بعض شيوخه تقييده بذلك (١)، ولعل المقصود منه الإقرار الشفاهي دون الكتابي، فلا يشترط فيه أن يكون أمام القاضي وفي مجلسه، وفي ذلك خلاف سيأتي عند الحديث على وسائل الإثبات في دعوى القضاء.
فإذا ثبت المدعى عليه إقراره في ورقة بخط يده أو إمضائه فهو قاطع لمرور الزمن ومسقط للتقادم، وهو أداة إثبات كذلك إن لم يمضِ عليه زمان جديد عن إبرازه أمام القاضي (٢).
سادسًا: وسائل الإثبات في دعوى الوقف:
دعوى الوقف كغيرها من الدعاوى لا بد لإثباتها من بينة يؤيد بها المدعي دعواه، والبينة هي ما يبين به الحق ويظهر، وهي شرعًا الشهادة العادلة (٣).
والأدلة التي يثبت بها الحق في الدعوى بعضها محل اتفاق بين العلماء، وبعضها الآخر محل خلاف، ونحن لا يعنينا هنا الدخول في تفاصيل هذا الخلاف، وموضعها مباحث القضاء بشكل عام، وما يعنينا هنا هو كونها أدلة إثبات في دعوى الوقف، وفي كيفية الاستفادة منها، ووجه تطبيقها وشروط صحتها وقيمتها ووسائل الإثبات في العموم هي الإقرار والشهادة واليمين.
أ) الإقرار: معناه، حجيته، وأنواعه:
أما الإقرار فهو إظهار مكلف مختار ما عليه (لفظًا أو كتابة أو إشارة)، أو على موكله أو موليه أو مورثه بما يمكن صدقه، أو هو إخبار شخص بحق لغيره على
стр. 1264
نفسه (١)، وهو حجة شرعًا ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع والعقل (٢)، ومكانه إما مجلس القاضي أو خارجه.
والمتفق عليه بين الفقهاء أن الإقرار الذي يتم أمام القاضي هو المعول عليه في الحكم؛ لانتفاء شبهة التزوير والتلفيق، ولأنه أمام من خول سلطة الفصل في الخصومات فلا مناص من الاعتداد به واعتباره (٣).
وأما الإقرار خارج المحكمة فيفرق فيه بين نوعين:
- النوع الأول: الإقرار الشفاهي، وللعلماء فيه قولان:
القول الأول: ذهب عامة الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والزيدية إلى أن الإقرار الشفهي معتبر؛ سواء كان في مجلس القضاء أم خارجه (٤)، ويستدل (٥) لذلك بأن المدعي يمكنه إثبات إقرار المدعى عليه المنكر الذي وقع خارج
стр. 1265
مجلس القاضي بالبينة، ومتى أثبته حكم له بمقتضاه سواء كانت البينة هي الشهادة، أو توجيه اليمين إليه بعدم الإقرار (١).
ولو شهد عدلان أن فلانًا وقف هذه الأرض، فقال، ورثته: بل هذه، صارتا وقفًا؛ الأولى بالشهادة، والأخرى بالإقرار (٢)، والقول لمدعيه لجملة الفقراء، ويبين مدعية لمخصوصين؛ إذ الأصل الإطلاق، قال صاحب البحر: ولا يد مع الإقرار بالوقف (٣).
القول الثاني: ذهب بعض فقهاء الشافعية إلى أن الإقرار الشفهي لا يعول عليه إلَّا إذا كان في مجلس القاضي؛ لأن الإقرار إخبار بلا سبب للزوم المقربه على المقر، والإخبار يحتمل الصدق والكذب (٤).
стр. 1266
- أما النوع الثاني وهو الإقرار الكتابي، فلا خلاف بين العلماء - الذين يرون صحة الإثبات بالخط - في جواز الإثبات بالإقرار الكتابي الواقع في غير مجلس القضاء؛ سواء كان بخط يد المقر أم بخط غيره وعليه توقيعه أو ختمه (١).
والمقصود هنا هو الإقرار بالوقف، والمتفق عليه بين العلماء أن الإقرار حجة قاصرة على المقر لا يتعداه إلى غيره .. فإذا أخبر المقر بحق على نفسه نفذ عليه، وإن كان على غيره لم ينفذ على ذلك الغير إلَّا بتصديقه، وإن كان الإقرار عليه وعلى غيره نفذ في حق نفسه وتوقف بالنسبة إلى غيره (٢).
والإقرار بالوقف إما أن يصدر عن الواقف، وإما أن يصدر عن غيره، وهو إما يكون الوارث للواقف، وإما أن يكون أجنبيًا عنه له علاقة بالوقف، كواضع اليد على الموقوف، وإما أن يكون المتولي، ولكل شق منها حكمه الذي سنعرفه عند تفصيل صور المنازعات عما قريب.
ب) الشهادة: معناها، حجيتها، أركانها وشروطها:
عرف الكمال من الحنفية "الشهادة" بأنها: إخبار صدق لإثبات حق بلفظ الشهادة في مجلس القضاء (٣)، وعرفها الدردير من المالكية: بأنها إخبار حاكم من علم ليقضي بمقتضاه (٤)،
стр. 1267
وعرفها الجمل من الشافعية بأنها: إخبار بحق للغير على الغير بلفظ أشهد (١)، وعرفها الشيباني من الحنابلة بأنها: الإخبار بما علمه بلفظ أشهد أو شهدت (٢).
والشهادة هي إخبار صادق بحق للغير على آخر بلفظ الشهادة في مجلس القضاء (٣)، وهي حجة شرعية في إثبات الحقوق، دل عليها الكتاب والسنة والإجماع والعقل (٤)، وركن الشهادة هو لفظ "أشهد" دون غيره من الألفاظ، ولو أفادت معنى العلم واليقين (٥)؛ لأن في لفظ أشهد معنى المشاهدة والقسم والإخبار في الحال، وهي معاني مفقودة في غيره. واشتراط لفظ "أشهد" هو مذهب الحنفية، والمالكية في الصحيح، والشافعية والحنابلة، وهو الراجح من مذهب الإمامية (٦).
стр. 1268
وسبب أدائها هو إما طلب ذي الحق الشهادة، أو خوف الشاهد فوت حق صاحب الحق بأن لم يكن ذو الحق يعلم بحقه (١).
وفي فقه الزيدية: تقبل شهادة الفقراء لوقف أرض على جملة الفقراء، إذ لا يتعين للشهود، وكذا بوقف على المسلمين، وكذا لو شهد اثنان بحق الاثنين، وشهد الاثنان بحق لهما صح، وقيل: لا، للتهمة (٢).
وتؤدي الشهادة في مجلس القاضي، فلو أداها الشاهد في مكان آخر فلا يلزم الحكم بها من قبل القاضي (٣)؛ لأن الشهادة لا تصير حجة ملزمة إلَّا بقضائه فتختص بمجلسه، وهو ما يتفق فيه الإباضية وسائر المذاهب (٤).
ومن شروط قبول الشهادة في حقوق العباد أن تكون هناك دعوى من قبل صاحب الحق أو وكيله، والسبب أن الشهادة متوقفة على مطالبة صاحب الحق، وهي لا تقوم إلَّا بدعوى (٥)، وعلى ذلك اتفاق الفقهاء توثيق.
стр. 1269
أما بالنسبة لحق الله تعالى: فلا يشترط لقبول الشهادة سبق الدعوى؛ وذلك لوجوب إقامتها على كل أحد، ولما كان الوقف من الحقوق التي يرجح فيها حق الله؛ فإن الشهادة فيها تقبل حسبة، ولو بدون سبق دعوى من أحد بذلك (١)؛ فمن علم بوقف وضع الغير يده عليه يشغله ويصرف ريعه في غير مصارفه وجب عليه المبادرة إلى الشهادة (٢).
وقبول الشهادة حسبة منحصر فيما لو كانت الشهادة على ثبوت أصل الوقف، أما لو كانت على إثبات الاستحقاق فيه مثلًا فلا تقبل بالاتفاق، ولا بد عندها من تقديم الدعوى ممن يدعي الاستحقاق في الوقف، ويقدم الشاهد شهادته على ذلك على طلبها أمام القاضي (٣).
واستثنى فقهاء الحنفية، والمالكية، والحنابلة، من وجوب المبادرة إلى الشهادة في أصل الوقف حتى مع عدم وجود دعوى حالة الوقف على المعين (٤)؛ فإنه لا يجب فيه المبادرة؛ لأن الوقف على معين يرجح فيه حق الآدمي فله حق إسقاطه حتى بعد قبوله (٥).
стр. 1270
ولقد اشترط فقهاء الحنفية كذلك لقبول الشهادة مطلقًا أن تكون مطابقة للدعوى ولو في المعنى، لكن ذلك شرط فيما يرجح فيه حق العبد لوجوب سبق الدعوى فيه على الشهادة، أما ما يرجح فيه حق الله تعالى كما في إثبات أصل الوقف فلا؛ لأن تقدم الدعوى ليس شرطًا فوجودها كعدمها فلا يضر عدم التوافق (١).
واشترط كذلك مطابقة الشهادة للشهادة بأن يتطابق اللفظان في إفادة المعنى، وفصل أبو حنيفة بضرورة التطابق على الوضع لا التضمين، واكتفى محمد وأبو يوسف صاحبا أبي حنيفة بالموافقة المعنوية ولو بالتضمين (٢).
وفي الشهادة على الوقف فلو شهد شاهدان بأن دارًا بعينها موقوفة وزاد أحدهما شيئًا، أو زاد كل واحدٍ منهما شيئًا على الآخر، تبطل الزيادة، وتقبل الشهادة على ما اتفقا عليه (٣).
فلو قال أحدهما: إن الواقف جعل الأرض صدقة موقوفة على فلان، وشهد الآخر أنه جعلها على الآخر، قبلت الشهادة على أصل الوقف (٤)، وتكون الغلة للفقراء والمساكين؛ لأنهما اتفقا على الشهادة بأنها صدقة موقوفة، واختلفا فيما سوى ذلك، فيقبل ما اتفقا عليه ويرد ما اختلفا فيه.
أما اختلاف الشهود في زمان الوقف ومكان صدور الوقف من الواقف وانعقاده فلا يؤثر في الشهادة في شيء؛ وذلك لأن الألفاظ تتكرر في كل زمان ومكان (٥)، نعم لو اختلفا في المحل الموقوف فإن ذلك يؤثر في الشهادة فيبطلها (٦).
стр. 1271
واشترط فقهاء الحنفية لقبول الشهادة في دعوى الوقف خاصة ذكر الواقف والجهة الموقوف عليها، لكن اشتراط الواقف ليس محل اتفاق بينهم، فثمة من فرق بين الوقف القديم والوقف الجديد، فاشترط ذلك في الثاني دون الأول، فجوز الشهادة في الوقف القديم ولو بدون ذكر الواقف، تغليبًا لمصلحة الوقف.
ومنهم من حمل هذا الرأي على اختلاف الصاحبين مع أبي حنيفة: في ملكية العين بعد وقفها، فأبو حنيفة يرى: بقاء الملك على حكم ملك الواقف، فلا بد من ذكر الواقف لقبول الشهادة، ولما كانت الفتوى في الوقف على مذهب أبي يوسف الذي يرى: انتقال ملكية العين الموقوفة إلى ملك الله تعالى، فإن الراجح في مذهب الحنفية عدم اشترط ذكر الواقف في الشهادة على الوقف (١).
١ - الشهادة بالتسامع:
اشترط الفقهاء أن تكون الشهادة مفيدة لمعنى العلم واليقين، لا لمعنى الظن والتخمين، واستدلوا له بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٢)، وبما روي عن ابن عباس من أن رجلا سأل النبي ﷺ عن الشهادة فقال ﷺ : "هل ترى الشمس؟ "، قال: نعم، قال ﷺ "مثلها فاشهد أو دع" (٣)، وإذا كان الأصل في الشهادة اعتماد اليقين (٤)، فإنه لا يجوز للمرء أن يشهد إلَّا بما علمه عن رؤية أو سماعه (٥).
ولم يستثن الفقهاء من ذلك إلَّا حالات محددة أجازوا فيها الشهادة بالتسامع، وما يعنينا هنا هو رأيهم في الشهادة بالتسامع على أصل الوقف حيث اختلفوا في ذلك على قولين:
стр. 1272
القول الأول: ذهب بعض مشايخ فقهاء الحنفية، وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي، وبرهان الدين المرغيناني وغيرهما، والمالكية، والشافعية، والحنابلة في المذهب إلى جواز الشهادة بالتسامع في أصل الوقف (١).
واحتجوا لذلك: بأن السماع على الأول سماع من الشهود عليه، نحو الإقرار والطلاق والعتق والوقف، الخ .. فهو يشهد بما يسمع، والشهادة بالقول يشترط فيها الإبصار والسمع ... وعلى الثاني: سماع من جهة الاستفاضة فيما يتعذر علمه في الغالب إلَّا بذلك، وهذا هو الذي يسمى الشهادة بالتسامع أو الاستفاضة (٢).
стр. 1273
القول الثاني: ذهب بعض مشايخ الحنفية، وهو وجه عند الحنابلة إلى أنه لا تحل الشهادة بالتسامع على أصل الوقف (١).
وإذا كان جمهور الفقهاء، وهم أصحاب القول الأول، قد ذهبوا إلى جواز الشهادة على أصل الوقف بالتسامع، فإنهم اختلفوا في جواز الشهادة بالنسبة لشروط الواقف على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ذهب بعض مشايخ الحنفية، وفقهاء المالكية، والحنابلة في المذهب إلى قبول الشهادة بالتسامع على شرائط الوقف (٢).
القول الثاني: ذهب بعض مشايخ الحنفية، وبعض الشافعية وهو ما أفتى به النووي إلى عدم ثبوت الشهادة بالتسامع على شروط الوقف (٣).
القول الثالث: ذهب بعض فقهاء الحنفية في المفهوم من كلامهم، وبعض فقهاء الشافعية، وهو ما أفتى به ابن الصلاح وغيره إلى التفصيل، فقالوا: تثبت الشهادة
стр. 1274
بالتسامع على شروط الوقف، إن ذكرت ضمن الشهادة على أصل الوقف، وإن شهد بها منفردة؛ فإنها لا تسمع ولا تثبت (١).
ولقبول الشهادة بالاستفاضة في الوقف يشترط أن يقوم في نفس الشاهد صدق ما سمعه من الناس، وعليه فلا يكفي أن يقول سمعت الناس يقولون كذا، وإن كانت شهادته مبنية عليها، بل يقول: أشهد أن هذه الأرض وقف مثلًا على الفقراء والمساكين؛ لأنه قد يعلم خلاف ما سمع، فلو صرح بذلك لم تقبل شهادته على الأصح؛ لأن كلامه يشعر بعدم جزمه بشهادته، كما أن القاضي لا تزيده الشهادة هذه شيئًا على ما يعلمه فلا يجوز له أن يحكم بها (٢)، واستثني من ذلك ما لو ذكره لتقوية أو حكاية حال؛ كما لو قال بعد شهادته: لم أعاين الوقف، ولكن اشتهر عندي أو أخبرني به من أثق به، فإن شهادته حينئذ صحيحة (٣).
٢ - الشهادة على الشهادة:
ويقصد بها الشهادة غير المباشرة التي يشهد فيها الشاهد على ما سمعه من الشاهد الأصلي الذي يشهد بما رآه أو سمعه بنفسه، وقد أجاز الفقهاء مثل هذه الشهادة استحسانًا للضرورة، ولقيام الحاجة إليها؛ لأن الأصل قد يتعذر عليه أداء الشهادة بنفسه أمام القاضي لمرض أو سفر أو نحو ذلك، ولأن الشهادة حق لازم فيشهد عليها كسائر الحقوق؛ ولأنها طريق تظهر الحق كالإقرار؛ ولأن عدم قبولها قد يفوت كثيرا من الحقوق على أصحابها (٤).
стр. 1275
واستثنى جمهور الفقهاء - عدا المالكية - من ذلك، الحدود والقصاص، فلا تقبل فيها الشهادة على الشهادة حجتهم في ذلك أن الحدود تدرأ بالشبهات (١).
أما المالكية فيرون جوازها في إثبات أي حق من الحقوق سواء كان ذلك حق الله، أم حق الناس (٢).
وأما في الوقف، فلقد ذهب فقهاء الحنفية في الصحيح عندهم، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية إلى أن الشهادة على الشهادة جائزة في أصله (٣).
وعلى الشاهد أن يؤدي الشهادة على الصفة التي تحملها، فيقول: أشهد أن فلانًا يشهد أن الأراضي الفلانية موقوفة من قبل فلان على الفقراء والمساكين أو على أولاده .. إلخ (٤).
ج) اليمين والنكول عنها:
اختلف العلماء في اعتبار اليمين، أو النكول عنها طريقًا من طرق الإثبات في القضاء.
١ - اليمين:
واليمين في الاصطلاح: حلف بالله تعالى بفعل شيء أو تركه (٥)، أو هي قسم بالله تعالى يصدر من أحد المتخاصمين على صحة دعواه أو عدم صحتها (٦).
стр. 1276
ولا خلاف بين العلماء في وجوب توجيه اليمين إلى المدعى عليه المنكر إذا طلبها المدعي عند عجزه عن إثبات دعواه، أو تنازله عن تقديم البينة، واستدلوا له بقول النبي ﷺ : "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" (١).
وإذا كان الفقهاء قد اتفقوا على وجوب توجيه اليمين إلى المدعى عليه؛ فإنهم اختلفوا في اعتبار اليمين طريقًا من طرق القضاء على قولين:
القول الأول: أن اليمين طريق من طرق القضاء، ينقضي بأدائها الحق وتقطع الخصومة، فإذا وجه المدعي اليمين إلى المدعى عليه وحلف، ردت الدعوى، وذلك لأن المدعي بتوجيهه اليمين إلى المدعى عليه قد تنازل عما سواها من الأدلة. وينبني عليه أنه إذا أقام المدعى بينة على ما حلف عليه المدعى عليه المنكر لم تسمع، وهذا هو مذهب الظاهرية، والإمامية، وبعض القضاة من السلف، ووافقهم المالكية على ذلك في المشهور عندهم، لكن المالكية اشترطوا لذلك أن يكون المدعي على علم بهذه البينة وقت حلف المدعى عليه، وأنها كانت حاضرة أو غائبة غيبة قريبة، كالثمانية أيام ونحوها ذهابًا وإيابًا.
أما أن كان المدعى غير عالم وقت الحلف، أو كان عالمًا بها لكنها كانت غائبة غيبة بعيدة، فله القيام بها، ويجب على القاضي سماعها والحكم بموجبها، والقول قوله في نفي العلم مع يمينه.
وينطبق نفس الحكم أيضًا على ما إذا كانت البينة حاضرة وقت الحلف ونسيها (٢).
стр. 1277
القول الثاني: عدم اعتبار اليمين طريقًا من طرق القضاء، بمعنى أنه لو حلف المدعى عليه فإن ذلك لا يبطل حق المدعي في إقامة دعوى جديدة عند ظهور البينة، وبهذا قال فقهاء الحنفية، والشافعية، ووافقهم الحنابلة على ذلك بشرط أن تكون هذه البينة وقت الحلف بعيدة عن المدعي، أو كان لا يمكنه إحضارها، أو لا يريد إقامتها، أو كانت حاضرة ولم يرد إقامتها، حيث إن هذه البينة تسمع في هذه الأحوال، ويجب على القاضي الحكم بمقتضاها.
أما لو كان للمدعي بينة حاضرة، وطلب يمين المدعي عليه، ثم إقامة البينة بعد ذلك، فإنه لا يملك استحلاف المدعي عليه في هذه الحالة عند الحنابلة في وجه (١).
٢ - معنى النكول:
هو في الاصطلاح الامتناع عن اليمين إذا وجهت من القاضي إلى المدعى عليه المنكر بناء على طلب المدعي (٢).
ولقد اختلف العلماء في حجية النكول؛ كاختلافهم في حجية اليمين، وتنازعوا في اعتباره طريقًا للإثبات أو لا وذلك على أربعة أقوال:
القول الأول: النكول إن كان في دعوى المال، أو ما يقصد منه المال فهو طريق من طرق الإثبات (٣)، فيحكم على المدعى عليه إذا نكل عن اليمين الموجهة إليه إذا طلبها
стр. 1278
المدعي في مجلس القضاء، وهذا مذهب الحنفية، وإحدى روايتين عن أحمد في الصحيح عنه وهو الذي اختاره أتباعه (١)، وهو الراجح من مذهب الإمامية (٢).
واستدلوا له بجملة أخبار؛ منها الخبر السابق عن النبي ﷺ : "البينة على المدعي، واليمين على المنكر"، بتقريب أنه ﷺ قسم الحجة، فجعل البينة في جانب المدعي واليمين في جانب المنكر، والقسمة تنافي الشركة (٣)، مضافًا إلى ما ورد منه عن الصحابة في أقضيتهم، وهو كثير.
القول الثاني: ذهب المالكية إلى أن القضاء بالنكول على المدعي عليه، فيه تفصيل بيانه فيما يأتي:
стр. 1279
• أن نكول المدعي عليه عن اليمين، إما أن يكون في دعوى المال أو فيما يئول إليه المال أو لا (١): فإن كان النكول في دعوى المال أو ما يئول إليه، فلا تخلو الدعوى من أن تكون دعوى تحقيق أو دعوى اتهام (٢).
• فإن كانت دعوي تحقيق، فإن القاضي لا يحكم للمدعي بما ادعاه على المدعي عليه بنكوله حتى يحلف المدعي، فإن لم يحلف سقط حقه، وإن كانت الدعوى دعوى اتهام، فإن القاضي يحكم عليه بمجرد نكوله في المشهور، ولا ترد اليمين على المدعي (الطالب).
• أما إن كان نكول المدعي عليه في الدعاوي التي ليست بمال ولا فيما يؤول إليه المال، فإنه يحبس حتى يقر أو يحلف، ولا ترد اليمين على المدعي، ولم يحكم عليه بما يدعيه (٣).
стр. 1280
القول الثالث أن النكول وحده لا يعتبر طريقًا، بل لا بد من يمين المدعي، فإن حلف، قضي له، وإن نكل لا يقضي له بشيء وردت دعواه لأن نكول المدعى عليه يحتمل أن يكون لأجل اشتباه عنده، أو لأجل التورع عن اليمين الكاذبة أو الترفع عن اليمين الصادقة، وهو مذهب الشافعي (١) ومالك (٢)، وصوبه أحمد (٣)، وهو أحد الرأيين عند الإمامية (٤)، وعمدة ما استدل به هؤلاء هو ما روي من أن النبي ﷺ رد اليمين على طالب الحق (٥).
وهو رأي الإباضية، فقد جاء في المصنف: في المدعى عليه الجراحة، إذا ردّ اليمين على المدّعي، فحلف؛ فلا أرى على المدّعى عليه قصاصًا، وإنما يلزمه الأرش، ولا أرى عليه تعزيرًا؛ ما لم تقم عليه بذلك الجرح، بيّنة عدل، أو يقرَّ له: أنَّه جرحه (٦).
القول الرابع: أنه لا يقضى للمدعي بنكول المدعى عليه، ولا ترد اليمين على المدعي، بل يجبر المدعى عليه على اليمين، وهو مذهب الظاهرية (٧)، ورأي الزيدية (٨).
قال في المحلى: "فإن لم يكن للطالب بينة وأبى المطلوب من اليمين أجبر عليها، أحب أم كره، ولا يقضى عليه بنكوله في شيء من الأشياء أصلًا، ولا ترد اليمين على طالب البينة"، واستدل له: بعدم وجود دليل من القرآن ولا من السنة ولا من الإجماع على القضاء بالنكول ولا باليمين المردودة، والنبي ﷺ قال: "بينتك أو يمينك، ليس لك إلَّا ذلك"، قال في المحلى: "فصح يقينًا أنه لا يجوز أن يعطى المدعي بدعواه دون
стр. 1281
بينة، فبطل بهذا أن يعطى شيئًا بنكول خصمه أو بيمينه إذا نكل خصمه، وصح أن اليمين على المدعى عليه، فوجب أن لا يعطى المدعي يمينًا أصلًا ... " (١).
ولليمين شروط لا مجال هنا لذكرها، هذا في اليمين بشكل عام، أما في خصوص الوقف، فإنه لما كان المتولي على الوقف هو الخصم في الدعوى المقامة من الوقف أو عليه، فإن له صورتين: أن يكون مدعيًا، وأن يكون مدعى عليه، وفي كلتا الصورتين تطبق القواعد الكلية الخاصة بالمسائل التي توجه فيها اليمين على المدعى عليه والتي لا تتوجه اليمين؛ وهي (٢):
- كل موضع إذا أقر المدعى عليه يكون ملزمًا، فإذا أنكر تلزمه اليمين.
- كل شخص يقر بشيء لا يجور إقراره به، فلا تلزمه اليمين في حالة الإنكار.
وسوف نرى هاتين الصورتين للمتولي من خلال تطبيق القاعدتين السابقتين في استعراضنا لصور النزاع فيما يأتي.
سابعًا: صور المنازعة في الوقف:
أ) المنازعة بين المتولي من جهة، والمستحقين والقاضي من جهة أخرى:
١ - المنازعة بين المتولي والمستحقين:
لما كان الناظر أمينًا على ما في يده من أموال الوقف، فهو مسؤول عما يقوم به من تصرفات. وإذا كان للقاضي أن يشرف على أعمال الناظر وتصرفاته وأن يراقبه ويحاسبه على إخلاله بوظيفته فلقد جعل فقهاء الشافعية والحنابلة كذلك للمستحقين حق محاسبته، ومخاصمته إذا كانوا معينين، ولهم حق مطالبته أمام القضاء ببيان ما استفادة الوقف من غلة، ووجوه التصرف التي اتبعها (٣).
стр. 1282
واستدلوا لذلك بأن النبي ﷺ كان يحاسب عامله على الصدقة، مع أن له ولاية صرفها، والمستحق غير معين، فبالأولى إذا كان معينًا (١)؛ ولأن المستحقين المعينين يملكون منافع الوقف وغلاته، والناظر إنما يتصرف فيما يملكون، فلهم محاسبته ومساءلته (٢).
فللمستحق حق المخاصمة حينئذٍ في الوقف ومنازعة المتولي مع أنه ليس خصمًا في الدعوى، وأن الخصم هو المتولي، ويقرر فقهاء الحنفية صورتين لذلك:
الصورة الأولى: أن يخاصم المستحق المتولي في دعوى يرفعها لإثبات أحقيته في التولية أو أنه من المستحقين في الوقف، أو أن المتولي لم يدفع له كل ما يستحقه من الغلة، أو يطالب من قبل المتولي برد ما أخذه من الغلة زيادة على استحقاقه (٣).
الصورة الثانية: أن يأذن القاضي لأحد المستحقين في الوقف بمخاصمة المتولي إذا كان المتولي منصوبًا من قبل الواقف، وذلك: بأن ينصبه متوليًا مؤقتًا، توكل إليه مهمة مقاضاة المتولي الأصلي، كمحاسبته على خيانة أو طلب عزل، لعجز أو تقصير في إدارة الوقف (٤).
والمتولي في كل الأحوال إما أن يكون مدعيًا أو مدعى عليه، فإن كان مدعيًا، فإن أمكنه إثبات دعواه بالبينة فذاك، وإلَّا فله تحليف المدعى عليه، ولا يملك المدعى عليه
стр. 1283
رد اليمين، ويقضى عليه بنكوله (١)، ولو ادعى الناظر الأمين الصرف على المستحقين، وأنكروا فإنه يقبل قوله فيما يدعيه بلا بينة، لأنه من جملة عمله في الوقف (٢)؛ ولأنه أمين، والأمين يُقبل قوله إذا ادعى إيصال الأمانة إلى مستحقيها وهل يحلف، اختلف الحنفية والأغلب عندهم إنه يحلف (٣)، وذهب آخرون إلى أن لا يحلف.
فإن كان مدعى عليه، فعلى المدعي إثبات دعواه على المتولي بالبينة، فإن عجز فهنا حالتان:
الحالة الأولى: إذا كانت الدعوى متعلقة بأجر ولم يدع بوقوعه من قبل المتولي نفسه، فلا توجه اليمين إلى المتولي، كما أن نكوله لا يعتبر سببًا للحكم؛ وذلك لأن النكول عن اليمين إما أن يكون بذلًا أو إقرارًا، وكلا الأمرين لا يملكهما المتولي في حق ما سلط عليه شرعًا (٤).
الحالة الثانية: إذا كانت الدعوى ناشئة عن تصرف واقع من قبل المتولي نفسه، فإن الفقهاء يرون توجيه اليمين إليه، وإذا نكل حكم عليه بنكوله؛ لأن اليمين متعلقة بفعل نفسه سواء كان الحق المدعي إنما هو من قبل المستحقين كما هو موردنا، أو كان من قبل أجنبي، كما لو ادعى شخص على المتولي طالبًا تسليمه دار الوقف التي استأجرها منه، وأنكر المتولي ذلك (٥).
стр. 1284
ولا يملك المتولي في كل حالات الادعاء حق الإقرار أو تصديق المدعي؛ سواء كان الإقرار متصلًا بأصل الوقف أو بغلته ومنافعه؛ لأنه ليس خصمًا أصيلًا في الدعوى بل وكيل عن غيره (١).
فلو ادعى شخص الاستحقاق في الوقف أو أن له زيادة في الغلة هي من حقه فليس له أن يقر له، ولا يعتد بإقراره.
ولقد استثنى فقهاء الحنفية من ذلك حالتين: الحالة الأولى: إذا ادعى عليه بفعل فعله بنفسه، كما لو أجر دارًا للوقف ثم حدث نزاع بينه وبين المستأجرين فإنه يملك الإقرار بالعقد، والحالة الثانية: أن يكون إقراره موافقًا لشرط الواقف، فإن إقراره صحيح، كما لو أقر متولي الوقف في دعوى مقامة ضده من قبل شخص يدعي استحقاقًا له في الغلة باعتباره من ذرية الواقف الموقوف عليهم، وأن شرط الواقف يقتضي إعطاءه حصة المتوفي إلى ذريته واعتراف المتولي بالدعوى، وكانت الوقفية تحتوي على هذا الشرط فإقراره معتبر ولا يلتفت إلى إنكاره بعد ذلك (٢).
ومن أمثلة التنازع عند الزيدية ما إذا تنازع ذو الولاية للوقف والمتولي للمسجد أيهما يحرث الوقف ويبقى تحت يده، فمن طلب ذلك بغير أجرة أو بأقل فهو أولى، وإن طلبا معًا بغير أجرة أو بأجرة متساوية فمتولي الوقف أقدم بذلك كالحضانة (٣).
стр. 1285
٢ - المنازعة بين المتولي والقاضي:
للقاضي محاسبة الناظر سواء اتهمه أم لم يتهمه؛ لأنه ناظر عام يرعى شؤون الأوقاف، ويشرف عليها ويرقب أعمال النظار والمتولين (١).
ولقد اختلف الفقهاء في كيفية محاسبة القاضي للناظر وقبول قوله على ثلاثة أقوال:
القول الأول: للحنفية (٢) والمالكية (٣)، حيث فرقوا بين كون الناظر أمينًا وبين كونه غير أمين.
فقال الحنفية: لو كان أمينًا معروفا بذلك اكتفى القاضي منه بالإجمال في بيان تصرفاته في الوقف وكيفية صرف الغلة، ومصارف الوقف المختلفة، من غير أن يجبره على التفصيل، ويقبل قوله بلا بينة في صرف غلة الوقف فيما لا يكذبه الظاهر (٤)، ثم
стр. 1286
فصّلوا في قبول قول الناظر في حالة الإنكار بين إنكار المستحقين الصرف لهم وبين إنكار أرباب الوظائف الصرف لهم. فلو ادعى الصرف على المستحقين قبل قوله بلا بينة، وهل يحتاج إلى يمين، ذهب بعض الحنفية إلى ذلك، والأكثر على عدم تحليفه (١).
ولو ادعى الصرف على أرباب الوظائف، فلقد اختلف في قبول دعواه على قولين؛ القول الأول: قبول دعواه لأنه أمين (٢)، وهو قول أغلب الحنفية. القول الثاني: وهو أنه لا يقبل قوله لأن ما يأخذه أرباب الوظائف من قبيل الأجرة. وهو قول أبو السعود (٣).
ولقد ذكر الحنفية حالة يحلف فيها الناظر الأمين، وهي ما فيما لو اتهمة القاضي، وهو يحلفه على كل حال سواء ادعى عليه شيئا معلومًا أو غير معلوم (٤).
وإذا كان الناظر غير أمين فإن القاضي لا يكتفي منه بالإجمال ويجبره على تقديم حساب بالتفاصيل، فإن امتنع أو ماطل هدده وخوفه، فإن قدم الحساب وإلا اكتفى القاضي منه باليمين (٥)، ولقد ذكر الحنفية حالات يطالب فيها الناظر بالبنية ولا يكتفي فيها بمجرد قوله أو يمينه؛ وهي:
стр. 1287
١ - إذا ظهرت خيانته فإنه لا يصدق قوله ولو بيمينه (١).
٢ - إذا ادعى الناظر أمرًا يكذبه الظاهر، فلا يصدق قوله ولو بيمينه (٢).
٣ - إذا اتصف بما يخالف الشرع من الصفات كما لو ظهر فسقه فلا يقبل قوله إلا ببينة (٣).
٤ - إذا كان الناظر مفسدًا مبذرًا، وبه أفتى أبو السعود (٤).
وذهب المالكية إلى أن اشتراط الواقف في أصل الوقف أن لا يصرف الناظر شيئًا إلا بمعرفته، فإن الناظر لا يصدق فيما ادعاه من صرف الغلة وإن كان أمينًا إلا ببينة عملًا بشرط الواقف، فإن لم يشترط الواقف ذلك، فإن الناظر يصدق بلا يمين فيما ادعاه من صرف الغلة إن كان أمينًا، فإن لم يكن أمينًا أو اتهمه القاضي فإنه لا يصدق إلا بيمين (٥).
القول الثاني: للشافعية الذين فرقوا بين كون الموقوف عليهم معينين، وبين كونهم غير معينين فلو ادعى الناظر صرف الغلة لهم وكانوا معينين فلا يصدق، والقول قولهم في عدم الصرف، ولهم مطالبته بالحساب قولًا واحدًا.
وإن كانوا غير معينين، فإنه يصدق في دعوى الصرف، وللقاضي مطالبته في أوجه الوجهين وإن اتهمه حلفه (٦).
стр. 1288
القول الثالث: للحنابلة حيث ذهبوا إلى أنه إذا اختلف الناظر مع المستحقين في الصرف لهم، كأن يدعي أنه دفع لهم ما يستحقونه من غلة الوقف وهم ينكرون ذلك، فالحكم أنه يفرق في محاسبة الناظر بين كونه متبرعًا وبين كونه غير متبرع، وعلى الأول فالقول قوله مع يمينه، وعلى الثاني لا يُقبل قوله إلا ببينة.
وعلّلوا للأول بأنه قبض المال لنفع مالكه فقط فيُقبل قوله؛ كالوصي والمودع المتبرع، وعللوا للثاني بأنه قبض العين لحظة، فلا تقبل دعواه إلا ببينة (١).
أما عن محاسبتهم له فيما يتم قبضه وصرفه من غلات الوقف، وكذا محاسبة الدولة له في ذلك، فمذهب الحنابلة هو أن لأهل الوقف مساءلته عما يحتاجون إلى علمه من أمر وقفهم، وإن كانت بعض كتب الحنابلة قيدت هذه المساءلة بكونها في حالة اتهام الناظر.
أما عن محاسبة الدولة للناظر، فمذهبهم أن لولي الأمر ذلك إذا رأى فيه مصلحة وقد يكون واجبا عليه (٢).
ولقد قرر قانون الوقف المصري مسؤولية الناظر جنائيًا إذا اختلس مالًا من أموال الوقف أو بدده أو أساء استعماله؛ لأن يده يد وكالة عن المستحقين فتسري عليه أحكام الوكيل ويُسأل جنائيًا عن فعله (٣)، ولا يُقبل قوله في الصرف وفي تسليم الغلة للمستحقين إلا بسند كتابي، ولو مات مجهلا مالًا ضمن من تركته، وكان ورثته مسئولين عنه، ولو قصر في المحافظة على أعيان الوقف أو غلته ضمن، ولم يستثن القانون من ذلك إلا حالتين:
стр. 1289
الحالة الأولى: إذا كان تصرفه مما جرى العرف بعد أخذ سند به؛ كصرف ثمن على الفقراء أو إطعامهم.
الحالة الثانية: إذا كان متطوعًا ولا أجرله، على أن يكون تقصيره بسيرًا لا يعتد به (١).
ب) المنازعة في الاستحقاق في الوقف وتفسير شرط الواقف:
من صور النزاع والخصومة في الوقف، ذاك الذي يكون منشوه دعوى الاستحقاق، وهو إنما يوجد عند عدم ذكر الواقف صراحة مستحقين بأعيانهم، واكتفائه بألفاظ من قبيل ولدي وأولادي، فلا يعرف أنه هل قصد من ولده أو أولاده ما يشمل أولاد الأولاد كذلك وما يشمل أولاد الظهور وأولاد البطون؟ وهل قصد أن يدخل أولاد الأولاد مع الأولاد في الشركة عند موت آبائهم فيشاركون أعمامهم في الاستحقاق؟ وعلى أي حال فلو كان الواقف موجودًا فالقول قوله في تحديد مقصوده وإلا وقع النزاع، وقد يكون كلام الواقف واضحًا لا لبس فيه، فلا يكون هناك موضوعًا للنزاع حينئذٍ، ولو ادعى رجل الاستحقاق احتج عليه بكلام الواقف؛ كما لو قال مثلًا: هو وقف على أولادي وأولاد أولادي، من أبناء الظهور دون أبناء البطون، يتساوون في غلته، يأخذون منها حق آبائهم عند موتهم، وهو بعدهم للفقراء .. كان المستحق هنا واضًا لا ينازع في حقيقته (٢).
وكذا لو قال: وقفت على أولادي من أبناء الظهور، ويكون بعده لأولاد أولادهم لا يشاركون أعمامهم ما داموا أحياء، فهو واضح لا يقبل مخاصمة أو نزاع.
نعم .. يحصل النزاع فيما لو وقف على أولاده وعلى أولاد أولاده، فتموت ابنة له؛ فهل ينتقل حقها في الاستحقاق إلى أولادها أو لا؟
ومثله ما لو ذكر الواقف طبقة واحدة بلفظ المفرد، كأن يقول: وقفت على ولدي ثم على الفقراء؛ فهل ينفرد بالاستحقاق أولاده المباشرين فلا يشمل أولاد الأولاد؛ لأنه
стр. 1290
اقتصر في الاستحقاق على طبقة واحدة؛ لأن الولد المضاف إلى الشخص حقيقة في ولده المباشر، وولد الولد ولد على المجاز، ولا يجمع بين الحقيقة والمجاز أو أنه يشملهم لأنه ولد عرفًا؟
وكذا ينشأ النزاع فيما لو قال الواقف: وقفت داري هذه على أولادي لصلبي بالسوية بينهم، ثم على أولاد أولاده، ثم على أولاد أولاد أولادهم بطنًا بعد بطن ونسلًا بعد نسل، فلو مات عن ثلاثة ذكور وبنتين، ثم توفي أحد الذكور عن ثلاثة أولاد وثلاث بنات، وإحدى البنتين عن ولد .. فكيف تقسم الغلة؟ وينشأ النزاع هنا في أولاد إحدى البنتين؛ هل يدخلون في الوقف أو لا؟ فيعود نصيب أمهم إلى أصل الغلة؟
ومنه ما لو قال الواقف: وقفت داري هذه على أولادي ثم على أولاد أولادي ثم على أولادهم، فهل يدخل ولد الولد لو مات أبوه في حياة أعمامه أو لا؟ وهل يكون الترتيب هنا ترتيب طبقات فلا يستحق أحد من الطبقة الثانية ما دام هناك مستحق من الأول؟ أو أن الترتيب ترتيب أولاد فيستحق ولد الولد نصيب أبيه بعد موته ولو كان هناك مستحق من الطبقة الأولى؟
وللفقهاء (١) في مثل هذه المواضع مذاهب، وهم لم يتفقوا على قاعدة يمكن الاحتكام إليها عند حصول التنازع في الاستحقاق في الصور التي عرضنا بعضها.
ومنه: إذا تنازع الواقف والموقوف عليه في قصد القربة، فالقول للواقف؛ إذ لا يعرف إلا من جهته، فلو عرف من نفسه عدم قصد القربة نحو أن يقصد منع الوارث من البيع أو فرارًا من الدين؛ فإنه يجوز له البيع في الباطن لا في الظاهر، حيث كان في لفظه بالوقف أو بالمصرف ما يقتضي القربة لم يجز له البيع، فإن قصد القربة ومنع الوارث من البيع أو حرمان وارث كالنساء أو غيرهن أو فرارًا من الدين صح الوقف؛ لحصول الشرط، وهو قصد القربة (٢).
стр. 1291
ويمكن إرجاع النزاع (١) في ذلك إلى طبيعة نظرهم إلى الوقف، وأنه عمل يتضمن معنى التقرب والعبادة، فيفسر قول الواقف المطلق فيما يحقق القربة كما عليه الحال عند الحنابلة، أو أنه عقد من جملة العقود (٢)، فيحمل فيه كلام الواقف المطلق على ظاهره، حتى ولو اقتضى حرمان بعض طبقات الذرية من غلة الوقف حتى مع حاجتهم إليها، كما هو حال الحنفية، والمالكية، والظاهرية، والإمامية (٣).
والذين يعتبرون الوقف قربة يفسرون شرط الواقف بما يحقق ذلك، فلا يعتبر من الشروط إلا ما يحققها، لأن الإنسان ليس له أن يبذل ماله إلا فيما فيه منفعة في الدين والدنيا، فما دام الإنسان حيًا فله أن يبذل ماله في تحصيل الأغراض المباحة؛ لأن في ذلك نفعًا معتدًا به مرغوبًا، وأما الميت فلا يبقى له بعد موته من عمل ينتفع به إلا عمل صالح أقر به وأعان عليه أو هدى إليه، فلا يعتد بما ليس طاعة منها، ولا ينتفع به الميت بعد موته، فإذا اشترط الواقف عملًا أو صفة لا ثواب فيها، كان السعي في تحصيلها سعيًا فيما لا نفع فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة، ومثله لا يجوز؛ لأن المقصود من الوقف التقرب؛ ولذلك اتجه ابن تيمية (٤) إلى القول ببطلان الشروط التي لا نتحقق منها القربة، وبني على ذلك أمرين:
الأمر الأول: أن الوقف ينفذ بعد الوفاة في أكثر مقاصده إذا كان يتحقق منها فعل القربة، بمعنى إذا كانت مطلوبة من الشرع على جهة الندب والاستحباب، أما ما يكون منها على جهة الإباحة فلا ينفذ؛ لأنه لا يتحقق منه فائدة للميت بعد وفاته وإن تحققت في حياته.
стр. 1292
الأمر الثاني: أن ما لا قربة فيه من الشروط فلا يجب الوفاء به، وإلى مثله ذهب ابن القيّم حيث قال: "الإثم مرفوع عمن أبطل من شروط الواقفين ما لم يكن إصلاحًا، وما كان فيه جنف أو إثم" (١).
وقد قسّم الشروط إلى أربعة فقال: "وبالجملة فشرط الواقفين أربعة أقسام: شروط محرمة في الشرع، وشروط مكروهة لله تعالى ورسوله ﷺ ، وشروط تتضمن ترك ما هو أحب إلى الله ورسوله، وشروط تتضمن فعل ما هو أحب إلى الله تعالى ورسوله، فالأقسام الثلاثة الأُوَل لا حرمه لها ولا اعتبار، والقسم الرابع هو الشرط المتبع الواجب الاعتبار" (٢).
وسُئل عن الواقف إذا ما وقف ماله على أشخاص وارتضاهم ولم يرض بنقله لغيرهم، وإن كان الإنفاق عليهم أفضل من الإنفاق على الموقوف عليهم؛ فأجاب: "الله ملكه المال، لينتفع به في حياته وإذن له أن يحبسه لينتفع به بعد وفاته، فلم يملكه أن يفعل بعد موته ما كان يفعل به في حياته، بل حجر عليه فيه، وملكه ثلثه يوصي به بما يجوز ويسوغ أن يوصي به حتى إن حاف أو جار أو أثم في وصيته جاز، بل وجب على الوصي والورثة رد ذلك الجور والحيف والإثم، ورفع سبحانه الإثم عمن يرد ذلك الحيف والإثم من الورثة والأوصياء، فهو سبحانه لم يملكه أن يتصرف في تحبيس ماله بعده إلا على وجه يقربه إليه، ويدنيه من رضاه، لا على أي وجه أراد، ولم يأذن الله ولا رسوله للمكلف أن يتصرف في تحبيس ماله بعد على أي وجه أراده أبدًا" (٣).
ومثله ما جاء في الفتاوى الكبرى لابن تيمية؛ حيث قال: "ولا يلزم الوفاء بشرط الواقف إلا إذا كان مستحبًا خاصة، وهو ظاهر المذهب أخذًا من قول أحمد في اعتبار القربة في أصل الجهة الموقوف عليها ... " (٤)، وفي شرح منتهى الإرادات:
стр. 1293
"الإطلاق إذا كان له عرف صح وحمل عليه، وعرف المصرف هنا أولى الجهات به، وورثته أحق الناس ببره" (١).
ويقول ابن تيمية: "إن لفظ الواقف يحمل على مذهبه وعادته في خطابه، ولغته التي يتكلم بها، وافق لغة العرب أو الشرع أو لا، والعادة المستمرة والعرف المستقر في الوقف يدل على شرط الواقف أكثر مما يدل على الاستفاضة ... " (٢).
فلو قدر وسئل الواقف أن سكوته مثلًا عن أيلولة استحقاق الميت من الأولاد لا ينتقل إلى أولاد أولاده لصلبه، وإنما يعود إلى إخوته؛ فهل كان يوافق على ذلك ويحرم أولاد أولاده لصلبه؟ والظاهر أن سكوته عن بيان الأيلولة ضمن الشروط مبني على العرف الشرعي القاضي بأن من مات يعود نصيبه إلى ولده (٣).
ونص قانون الوقف المصري الصادر سنة ١٩٤٦ في المادة ٣٢ منه؛ حيث جاء فيها: "إذا كان الوقف على الذرية مرتب الطبقات لا يحجب أصل فرع غيره، ومن مات صرف ما استحقه أو كان يستحقه إلى فرعه، ولو لم يذكر الواقف أن الفرع يقوم مقام أصله".
وتنص المادة ٤٠ من قانون الأوقاف اللبناني على أنه: "إذا كان الوقف مرتب الطبقات لا يحجب الأصل فرع غيره، ومن مات صرف ما استحقه أو ما كان يستحقه إلى فرعه، وإذا مات مستحق عن حصته وليس له فرع يليه في الاستحقاق عادت حصته إلى غلة الوقف الذي كان يستحق فيه، وإذا لم يوجد أحد في طبقته صرف الريع إلى الطبقات التي تليها، إلى أن يوجد أحد من أهل تلك الطبقة فيعود الاستحقاق إليها".
والفقهاء في العموم وضعوا قواعد لتفسير شروط الواقفين، تم ذكرها في الفصل السابع (ألفاظ الواقفين وشرحها) من المدونة، وقالوا في ذلك: إن كلام الواقف قد يكون صريحًا واضحًا في الدلالة على معناه المراد منه، فيناط الحكم
стр. 1294
حينئذٍ به دون النظر إلى الإرادة الخافية كمن يقول: وقفت أرضي هذه على أولادي الأحياء الآن دون غيرهم ودون أولاد أولادي، وقد يكون مكتنفًا بالغموض، ومحتملًا الأكثر من معنى، فتفسيره حينئذٍ استنادًا إلى قرائن الأحوال، ثم إلى العرف، فإن لم يوجد نية للواقف، كما لو قال: وقفت على أولادي وسكت، فإن لم يتحقق من نيته أخذ بمطلق اللفظ، فيشمل حينئذٍ الموجودين والذين سيولدون، والواضح أن مثل هذه القواعد إنما تجري مع تحقق عرف أو وجود قرينة حال، أو إمكان معرفة نية الواقف.
ج) المنازعة بين الموقوف عليهم من جهة، وبينهم وبين الورثة من جهة أخرى:
هناك نزاعات في الوقف تنشأ بين الموقوف عليهم أو بينهم وبين الورثة، وهي تنشأ في عمومها من ادعاء الوقف، أو من الاختلاف حول أعيان المستحقين؛ لأن النزاع حول مقدار الاستحقاق إنما يكون مع المتولي حينما يتهم بعدم إعطاء المستحق ما يستحقه من الغلة، وها نحن ذا نستعرض بعض صور هذا التنازع وحكمها.
ومما جاء في ذلك في كتب الحنفية ما يأتي:
قال الخصاف بعد أن ذكر صُورًا من التنازع في الأوقاف القديمة ونحوها، قال: "قلتُ: فإن تنازع في ذلك - يعني الوقف - قوم، فقال فريق منهم: هو لنا، وقال آخرون: هو لنا، وكل واحد من الفريقين يقول: وقفه فلان بن فلان علينا، وليس بينة تشهد على الوقف؟ قال: إن كان لفلان ورثة فأقروا أن صاحبهم وقف ذلك على شيء بينوه، جاز ذلك، وإلا حمل الذين تنازعوا فيه على التثبيت؛ فإن اصطلحوا على أخذه وليس لهم رسم في ديوان يعمل عليه استحسنت أن أنفذ ذلك لهم، وأقسم غلته بينهم، قلت: فما تقول إن أقر ورثة الواقف أنه وقف ذلك على أحد الفريقين، هل يجوز إقرارهم والشيء ليس في أيديهم، وإنما وجده القاضي في يدي أمين من أمناء القاضي الذي كان قبله؟ قال: أقبل قول الورثة وأجعله للفريق الذي أقروا لهم به دون الآخر.
стр. 1295
قلتُ: فما تقول إن قال الورثة، لم يقفه صاحبنا، وهو ميراث لنا؟ قال: أحكم بموجبه (١)، قلت: فإن قالوا: إنما وقفه علينا وعلى أولادنا خاصة ثم من بعدنا على المساكين؟ قال: الوقف في أيدي القضاة، ولا يجوز أن أقبل قولهم فيما ليس في أيديهم، ألا ترى أن قول من كان هذا الوقف في يده: إن فلانًا وقفه .. ليس بإقرار أن فلانًا وقفه وهو مالك له، من قبل أن رجلًا لو كانت في يده ضيعة يزعم أنها له، فقال رجل: هذه الضيعة ضيعتي، وقفتها على المساكين، وأقام المدعي شاهدين أنه وقفها على المساكين لم يستحقها بهذه البينة، إلا أن يشهد له الشهود أنه وقفها وهو مالك لها فيأخذها من يده، ولو قال الذي في يديه: قد وقفها فلان هذا، ولكنها لي وفي ملكي، وليست لهذا؛ لم يكن قوله - بأن هذا وقفها - إقرارًا منه بأنها له؛ لأن الرجل قد يقف ما لا يملك.
قلت: فما تقول في قاضٍ صار إلى بلد من البلدان قاضيًا بين أهله، فأتاه رجل فقال: إني كنت أمينًا للقاضي الذي كان ههنا قبلك، وفي يدي ضيعة كذا وكذا كانت الرجل يُقال له: فلان بن فلان الفلاني؛ فوقفها على قوم معلومين سماهم؟ قال: إذا لم يعلم القاضي من أمر هذه الضيعة شيئًا غير ما أقرَّ به الرجل عنده قبل إقرار هذا الرجل، فإن كان لفلان بن فلان هذا ورثة، فالقول قولهم في هذه الضيعة، فإن أقروا أنها وقف على ما أقر به الرجل عنده أنفذ ذلك عليهم، وإن أنكروا أن يكون الميت وقفها وقالوا: هي ميراث بيننا، كان القول قولهم في ذلك.
قلت: فما تقول إن قال الرجل: كنت أمين القاضي في هذه الضيعة، وهذه الضيعة كانت لفلان فوقفها على كذا وكذا، وقال الورثة، بل وقفها علينا وعلى أولادنا ونسلنا ومن بعدنا على المساكين، والذي قاله الورثة خلاف ما قاله الرجل؟ قال: فالقول قول الورثة في ذلك، ويمضيه القاضي على ما أقروا به.
стр. 1296
قلت: فإن قال الرجل الذي ادعى أنه أمين: في يدي هذه الضيعة وهي وقف على كذا وكذا، ولم يقل كانت لفلان وأن فلانًا وقفها؟ قال: يقبل القاضي قوله فيما في يده ويمضية على ذلك، وإنما يقبل القاضي قول الورثة إذا كان القاضي قبض هذه الضيعة على أنها ملك الرجل الذي يدَّعون أنه وقفها، فيكون القول في ذلك قول الورثة، وإن كان القاضي إنما قبض هذه الضيعة على تنازع كان بينهم فيها، ولم يقبضها على ملك الرجل الذي يقولون إنه وقفها؛ لم ينظر إلى قول الورثة في ذلك، وكان الأمر فيها على ما يوجد من رسمها في ديوان القاضي" (١).
وقال الطرابلسي في الإسعاف: "ولو تنازع فيه قوم وادعى كل فريق أنه وقفه فلان بن فلان علينا وليس لهم بينة؛ فإن كان للواقف ورثة يرجع في البيان إليهم ويعمل بقولهم، وإن لم يكن الوقف في أيديهم بل كان في يد أمين القاضي الذي كان قبله، وإلا حملوا على التثبت، فإن اصطلحوا على أخذه وليس لهم رسم في ديوان القاضي ليعمل به؛ يستحسن تنفيذه وقسمة غلته بينهم، وإلا يصرف إلى الفقراء؛ لأنه بمنزلة اللُقَطة؛ لأنه مال تعذر إيصاله إلى مستحقه، ولو أنكر الورثة وقف مورثهم إياه وقالوا: هو ميراث لنا؛ كان ملكًا لهم، ولو قالوا: إنما وقفه علينا وعلى أولادنا خاصة ثم من بعدنا على المساكين؛ قال الخصاف: الوقف في أيدي القضاة، ولا يجوز أن أقبل قولهم فيما ليس في أيديهم، ومحمل قوله هذا على ما ذكر في آخر هذا الفصل؛
стр. 1297
ولو أتى القاضيَ رجلٌ وقال: إني كنت أمينًا لمن كان قبلك، وفي يدي ضيعة كذا، وهي وقف زيد بن عبد الله على جهة كذا؛ فإنه يرجع في أمرها إلى ورثة زيد، فإن ذكروا جهة تخالف قوله عمل بقولهم، وإن قالوا: هي وقف علينا وعلى أولادنا ثم من بعدنا على المساكين، أو قالوا: ليست بوقف، وإنما هي ميراث لنا عنه؛ عُمل بقولهم وقفًا وملكًا، ولو لم ينسب المقر الوقف إلى أحد، أو نسبه ولكن ليس للمنسوب إليه ورثة؛ فحينئذ يعمل القاضي بقول الأمين، ما لم يثبت عنده خلافه، ورجوع القاضي إلى قول الورثة وبيانهم مقيد بما إذا قبض القاضي الوقف على أنه كان ملك الرجل الذي يدعي المتنازعون فيه أنه وقفه، وأما إذا قبضه على نزاع وقع بينهم ولم يقبضه على أنه كان ملك الذي يدعون أنه وقفه؛ فإنه لا ينظر إلى قول الورثة فيه، وإنما يرجع فيه إلى ما يوجد من رسمه في ديوان القاضي الذي كان قبله، ويعمل به هذا محصل ما ذكره الخصاف (١).
ومن صور بين الموقوف عليهم ما ذكره قاضيخان في الفتاوى: "وقف على نفر استولى عليه ظالم لا يمكن الانتزاع منه، فادعى أحد الموقوف عليهم على واحد منهم أنه باع الوقف من الغاصب وسلمه إليه، فأنكر المدعى عليه؛ فأراد المدعي تحليفه .. قال الفقيه أبو جعفر - رحمه الله تعالى - له ذلك، فإن نكل عن اليمين أو قامت عليه البينة يقضى عليه بقيمتها، ثم يشتري بتلك القيمة ضيعة أخرى فتكون على سبيل الوقف الأول؛ لأن العقار يضمن بالبيع والتسليم عند الكل؛ لأن البيع والتسليم استهلاك .. رجل باع أرضًا ثم ادعى أنه كان وقفها قبل البيع، فإذا أراد تحليف المدعى عليه؛ ليس له ذلك عند الكل؛ لأن التحليف بعد صحة الدعوى، ودعواه لم تصح، المكان التناقض" (٢).
стр. 1298
ومنها أيضًا: "رجل مات وترك ابنين، وفي يد أحدهما ضيعة يزعم أنها وقف عليه من أبيه، والابن الآخر يقول: هي وقف علينا .. قال الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى: القول قول الذي يد عمي الوقف عليهما؛ لأنها تصادقا أنها كانت في يد أبيهما، وقال غيره: القول قول ذي اليد، والأول أصح" (١).
ومما ورد في كتب الإمامية:
١ - لو ادعى بعض الورثة أن الميت وقف عليهم دارًا ومن بعدهم على نسلهم، طولبوا بالبينة، ويكفي فيها شاهد ويمين عند الأكثر، فإن حلفوا مع شاهدهم قضي بها لهم، فلا يؤدي منه حينئذٍ دين ولا ميراث ولا وصية، فإذا انقرض المدعون معًا أو على التعاقب؛ فهل يأخذ البطن الثاني الدار من غير يمين؟ أو يتوقف على يمينهم؟ قولان.
ومستند التوقف أن البطن الثاني لا يندرج حقه في حق البطن الأول ليكون اليمين من الأولين مثبتًا لحقهم، واليمين إنما هي حجة شرعية في حق من يدعي الحق، لا أنها حجة لإثبات الشيء في نفس الأمر (٢).
واستدل لعدم التوقف بأن أفراد البطن الثاني يتلقون الوقف عن البطن الأول لا عن الواقف، وقد ثبت كونه وقفًا بحجة يثبت بها الوقف فيدوم، كما لو ثبت بالشاهدين؛ ولأنه حق ثبت لمستحق فلا يفتقر بعده إلى اليمين (٣).
٢ - ولو ادعى بعض الورثة أن الميت وقف عليهم دارًا، ومن بعدهم على نسلهم، ونكلوا عن الحلف، فإنه يحكم بها ميراثًا، لكن يبقى نصيب المدعين وقفًا، لأن إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، دون نصيب غيرهم، فإذا مات الناكلون صرفت حصتهم إلى أولادهم على سبيل الوقف بغير يمين اتفاقًا؛ لأن الإقرار من ذي النصيب هنا كاف في ثبوت الوقف لهم، ولا وجه لليمين مع عدم المنازع؛ إذ الفرض
стр. 1299
هو إقرار أبيهم بما أصابه من نصيب الإرث، وليس لشركائهم مخاصمتهم في ذلك، وهل للأولاد أن يحلفوا على أن جميع الدار وقف؟ وجهان: من كون الأولاد تبعا لآبائهم فإذا لم يحلف الآباء لم يحلف الأبناء، ومن أنهم يتلقون الوقف من الواقف فلا تبعية، والأظهر الثاني؛ لأن حلف الأولاد يقتضي عدم انقطاع الوقف في الواقع، وإن انقطع لعارض حيث نكل الآباء؛ ولأن البطن الثاني كالأول في تلقي الوقف من الواقف؛ ولأن منع الثاني يؤدي إلى جواز إفساد البطن الأول الوقف عليه (١).
٣ - ولو ترك الميت ثلاثة أبناء، فحلف واحد منهم على كون دار معينة وقفًا وقفه أبوه على أبنائه؛ ثبت نصيبه وقفًا، وكان الباقي مطلقًا بالنسبة إلى غير المدعي؛ تُقضى منه الديون وتُخرج الوصايا، وما فضل فهو ميراث للجميع حتى للحالفين؛ الاعتراف غيرهم من الورثة باشتراكه بينهم أجمع، وإن كان مدعي الوقف ظالمًا بأخذ حصته منه بيمينه (٢).
٤ - ولو ادعى ورثة الميت أن أباهم وقف عليهم دارًا وعلى ذريتهم على نحو التشريك، فالحلف على الجميع، ويحتاج الأولاد إلى يمين مستأنفة، فلا يُكتفى بيمين المدعين، وكل واحد إنما يثبت حقه بيمينه، بلا خلاف في ذلك ضرورة تلقي الجميع من الواقف، فلو وجد للحالف ولد بعد حلفه، فلا تثبت حصته إلا بيمينه؛ لأنه يتلقى عن الواقف كما لو كان موجودًا وقت الدعوى، فلو امتنع؛ فهل يعود نصيبه إلى شركائه لأنه يجري بامتناعه مجرى المعدوم؟ أو أنه يصرف إلى الناكل لاعتراف إخوته باستحقاقه؟ أو أنه يبقى وقفًا تعذَّر مصرفه فيرجع إلى الواقف أو ورثته؟ أقوال، والأظهر رجوعه إلى شركائه على نحو الوقف؛ فيدخل في الموقوف، لا على نحو الإرث (٣).
стр. 1300
٥ - ولو ادعى بعض الورثة الوقف على الترتيب، وأثبتوا ذلك بشاهد ويمين، فادعى أولادهم أن الوقف هو على التشريك؛ فإن حلفوا وأقاموا شاهدا تشاركوا، ولهم حينئذ مطالبة آبائهم بحقهم من النماء من حين وجودهم، ويكون النزاع هنا بينهم وبين آبائهم، لا بينهم وبين الورثة الآخرين ممن لم يدع الوقف، فإن نكلوا خلص الوقف للأولين ما بقي منهم أحد.
وإن ادعى أولاد الأولاد التشريك وحلفوا قبل أن يحلف آباؤهم؛ كانوا خصومًا لهم ولغيرهم من الورثة، ونكول أولاد الأولاد لا ينفع آباءهم عند حلفهم؛ لأن الآباء لما ادعوا الاختصاص وحلفوا مع شاهدهم قُضي بالوقف لهم، فإذا نكل أولاد الأولاد لم يشاركوهم، وكان الوقف خاصًّا للأولين لا يشاركهم فيه أحد، ولو انعكس بأن حلف أولاد الأولاد دون الأولاد؛ أخذ أولاد الأولاد حقهم من التركة، وكان نصيب الأولاد ميراثًا (١).
هذه جملة من صور المنازعة بين الموقوف عليهم، وبينهم وبين الورثة؛ تتبدَّي من خلالها أوجه التنازع من جهة، وآليات رفع الخصومة والحكم من جهة أخرى، وهي أبرز ما يمكن أن نقع عليه من صور التنازع في المقام.