قلت: فإن قال الرجل الذي ادعى أنه أمين: في يدي هذه الضيعة وهي وقف على كذا وكذا، ولم يقل كانت لفلان وأن فلانًا وقفها؟ قال: يقبل القاضي قوله فيما في يده ويمضية على ذلك، وإنما يقبل القاضي قول الورثة إذا كان القاضي قبض هذه الضيعة على أنها ملك الرجل الذي يدَّعون أنه وقفها، فيكون القول في ذلك قول الورثة، وإن كان القاضي إنما قبض هذه الضيعة على تنازع كان بينهم فيها، ولم يقبضها على ملك الرجل الذي يقولون إنه وقفها؛ لم ينظر إلى قول الورثة في ذلك، وكان الأمر فيها على ما يوجد من رسمها في ديوان القاضي" (١).
وقال الطرابلسي في الإسعاف: "ولو تنازع فيه قوم وادعى كل فريق أنه وقفه فلان بن فلان علينا وليس لهم بينة؛ فإن كان للواقف ورثة يرجع في البيان إليهم ويعمل بقولهم، وإن لم يكن الوقف في أيديهم بل كان في يد أمين القاضي الذي كان قبله، وإلا حملوا على التثبت، فإن اصطلحوا على أخذه وليس لهم رسم في ديوان القاضي ليعمل به؛ يستحسن تنفيذه وقسمة غلته بينهم، وإلا يصرف إلى الفقراء؛ لأنه بمنزلة اللُقَطة؛ لأنه مال تعذر إيصاله إلى مستحقه، ولو أنكر الورثة وقف مورثهم إياه وقالوا: هو ميراث لنا؛ كان ملكًا لهم، ولو قالوا: إنما وقفه علينا وعلى أولادنا خاصة ثم من بعدنا على المساكين؛ قال الخصاف: الوقف في أيدي القضاة، ولا يجوز أن أقبل قولهم فيما ليس في أيديهم، ومحمل قوله هذا على ما ذكر في آخر هذا الفصل؛
стр. 1297
ولو أتى القاضيَ رجلٌ وقال: إني كنت أمينًا لمن كان قبلك، وفي يدي ضيعة كذا، وهي وقف زيد بن عبد الله على جهة كذا؛ فإنه يرجع في أمرها إلى ورثة زيد، فإن ذكروا جهة تخالف قوله عمل بقولهم، وإن قالوا: هي وقف علينا وعلى أولادنا ثم من بعدنا على المساكين، أو قالوا: ليست بوقف، وإنما هي ميراث لنا عنه؛ عُمل بقولهم وقفًا وملكًا، ولو لم ينسب المقر الوقف إلى أحد، أو نسبه ولكن ليس للمنسوب إليه ورثة؛ فحينئذ يعمل القاضي بقول الأمين، ما لم يثبت عنده خلافه، ورجوع القاضي إلى قول الورثة وبيانهم مقيد بما إذا قبض القاضي الوقف على أنه كان ملك الرجل الذي يدعي المتنازعون فيه أنه وقفه، وأما إذا قبضه على نزاع وقع بينهم ولم يقبضه على أنه كان ملك الذي يدعون أنه وقفه؛ فإنه لا ينظر إلى قول الورثة فيه، وإنما يرجع فيه إلى ما يوجد من رسمه في ديوان القاضي الذي كان قبله، ويعمل به هذا محصل ما ذكره الخصاف (١).
ومن صور بين الموقوف عليهم ما ذكره قاضيخان في الفتاوى: "وقف على نفر استولى عليه ظالم لا يمكن الانتزاع منه، فادعى أحد الموقوف عليهم على واحد منهم أنه باع الوقف من الغاصب وسلمه إليه، فأنكر المدعى عليه؛ فأراد المدعي تحليفه .. قال الفقيه أبو جعفر - رحمه الله تعالى - له ذلك، فإن نكل عن اليمين أو قامت عليه البينة يقضى عليه بقيمتها، ثم يشتري بتلك القيمة ضيعة أخرى فتكون على سبيل الوقف الأول؛ لأن العقار يضمن بالبيع والتسليم عند الكل؛ لأن البيع والتسليم استهلاك .. رجل باع أرضًا ثم ادعى أنه كان وقفها قبل البيع، فإذا أراد تحليف المدعى عليه؛ ليس له ذلك عند الكل؛ لأن التحليف بعد صحة الدعوى، ودعواه لم تصح، المكان التناقض" (٢).
стр. 1298
ومنها أيضًا: "رجل مات وترك ابنين، وفي يد أحدهما ضيعة يزعم أنها وقف عليه من أبيه، والابن الآخر يقول: هي وقف علينا .. قال الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى: القول قول الذي يد عمي الوقف عليهما؛ لأنها تصادقا أنها كانت في يد أبيهما، وقال غيره: القول قول ذي اليد، والأول أصح" (١).
ومما ورد في كتب الإمامية:
١ - لو ادعى بعض الورثة أن الميت وقف عليهم دارًا ومن بعدهم على نسلهم، طولبوا بالبينة، ويكفي فيها شاهد ويمين عند الأكثر، فإن حلفوا مع شاهدهم قضي بها لهم، فلا يؤدي منه حينئذٍ دين ولا ميراث ولا وصية، فإذا انقرض المدعون معًا أو على التعاقب؛ فهل يأخذ البطن الثاني الدار من غير يمين؟ أو يتوقف على يمينهم؟ قولان.
ومستند التوقف أن البطن الثاني لا يندرج حقه في حق البطن الأول ليكون اليمين من الأولين مثبتًا لحقهم، واليمين إنما هي حجة شرعية في حق من يدعي الحق، لا أنها حجة لإثبات الشيء في نفس الأمر (٢).
واستدل لعدم التوقف بأن أفراد البطن الثاني يتلقون الوقف عن البطن الأول لا عن الواقف، وقد ثبت كونه وقفًا بحجة يثبت بها الوقف فيدوم، كما لو ثبت بالشاهدين؛ ولأنه حق ثبت لمستحق فلا يفتقر بعده إلى اليمين (٣).
٢ - ولو ادعى بعض الورثة أن الميت وقف عليهم دارًا، ومن بعدهم على نسلهم، ونكلوا عن الحلف، فإنه يحكم بها ميراثًا، لكن يبقى نصيب المدعين وقفًا، لأن إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، دون نصيب غيرهم، فإذا مات الناكلون صرفت حصتهم إلى أولادهم على سبيل الوقف بغير يمين اتفاقًا؛ لأن الإقرار من ذي النصيب هنا كاف في ثبوت الوقف لهم، ولا وجه لليمين مع عدم المنازع؛ إذ الفرض
стр. 1299
هو إقرار أبيهم بما أصابه من نصيب الإرث، وليس لشركائهم مخاصمتهم في ذلك، وهل للأولاد أن يحلفوا على أن جميع الدار وقف؟ وجهان: من كون الأولاد تبعا لآبائهم فإذا لم يحلف الآباء لم يحلف الأبناء، ومن أنهم يتلقون الوقف من الواقف فلا تبعية، والأظهر الثاني؛ لأن حلف الأولاد يقتضي عدم انقطاع الوقف في الواقع، وإن انقطع لعارض حيث نكل الآباء؛ ولأن البطن الثاني كالأول في تلقي الوقف من الواقف؛ ولأن منع الثاني يؤدي إلى جواز إفساد البطن الأول الوقف عليه (١).
٣ - ولو ترك الميت ثلاثة أبناء، فحلف واحد منهم على كون دار معينة وقفًا وقفه أبوه على أبنائه؛ ثبت نصيبه وقفًا، وكان الباقي مطلقًا بالنسبة إلى غير المدعي؛ تُقضى منه الديون وتُخرج الوصايا، وما فضل فهو ميراث للجميع حتى للحالفين؛ الاعتراف غيرهم من الورثة باشتراكه بينهم أجمع، وإن كان مدعي الوقف ظالمًا بأخذ حصته منه بيمينه (٢).
٤ - ولو ادعى ورثة الميت أن أباهم وقف عليهم دارًا وعلى ذريتهم على نحو التشريك، فالحلف على الجميع، ويحتاج الأولاد إلى يمين مستأنفة، فلا يُكتفى بيمين المدعين، وكل واحد إنما يثبت حقه بيمينه، بلا خلاف في ذلك ضرورة تلقي الجميع من الواقف، فلو وجد للحالف ولد بعد حلفه، فلا تثبت حصته إلا بيمينه؛ لأنه يتلقى عن الواقف كما لو كان موجودًا وقت الدعوى، فلو امتنع؛ فهل يعود نصيبه إلى شركائه لأنه يجري بامتناعه مجرى المعدوم؟ أو أنه يصرف إلى الناكل لاعتراف إخوته باستحقاقه؟ أو أنه يبقى وقفًا تعذَّر مصرفه فيرجع إلى الواقف أو ورثته؟ أقوال، والأظهر رجوعه إلى شركائه على نحو الوقف؛ فيدخل في الموقوف، لا على نحو الإرث (٣).
стр. 1300
٥ - ولو ادعى بعض الورثة الوقف على الترتيب، وأثبتوا ذلك بشاهد ويمين، فادعى أولادهم أن الوقف هو على التشريك؛ فإن حلفوا وأقاموا شاهدا تشاركوا، ولهم حينئذ مطالبة آبائهم بحقهم من النماء من حين وجودهم، ويكون النزاع هنا بينهم وبين آبائهم، لا بينهم وبين الورثة الآخرين ممن لم يدع الوقف، فإن نكلوا خلص الوقف للأولين ما بقي منهم أحد.
وإن ادعى أولاد الأولاد التشريك وحلفوا قبل أن يحلف آباؤهم؛ كانوا خصومًا لهم ولغيرهم من الورثة، ونكول أولاد الأولاد لا ينفع آباءهم عند حلفهم؛ لأن الآباء لما ادعوا الاختصاص وحلفوا مع شاهدهم قُضي بالوقف لهم، فإذا نكل أولاد الأولاد لم يشاركوهم، وكان الوقف خاصًّا للأولين لا يشاركهم فيه أحد، ولو انعكس بأن حلف أولاد الأولاد دون الأولاد؛ أخذ أولاد الأولاد حقهم من التركة، وكان نصيب الأولاد ميراثًا (١).
هذه جملة من صور المنازعة بين الموقوف عليهم، وبينهم وبين الورثة؛ تتبدَّي من خلالها أوجه التنازع من جهة، وآليات رفع الخصومة والحكم من جهة أخرى، وهي أبرز ما يمكن أن نقع عليه من صور التنازع في المقام.
стр. 1301
مصادر ومراجع الفصل الثاني عشر
١ - أحكام الأوقاف، أبو بكر أحمد بن عمرو الشيباني المعروف بالخصاف، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ومطبعة ديوان عموم الأوقاف المصرية، ط ١، ١٩٢٢ م.
٢ - أحكام الأوقاف، حسن رضا، مطبعة الأهلية، بغداد، ط ٢، ١٩٦٥ م.
٣ - أحكام الأوقاف، حسين علي الأعظمي، مطبعة الاعتماد، بغداد، ١٩٤٩ م.
٤ - أحكام الأوقاف، محمد شفيق العاني، مطبعة الإرشاد، بغداد، ١٩٦٥ م.
٥ - أحكام الوقف، زهدي يكن، المكتبة العصرية، بيروت.
٦ - الاختيار لتعليل المختار، عبد الله الموصلي، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط ١، ١٣٥٥ هـ.
٧ - الإسعاف في أحكام الأوقاف، برهان الدين إبراهيم الطرابلسي، المطبعة الكبرى المصرية، ١٢٩٢ هـ.
٨ - أسنى المطالب في شرح روض الطالب، زين الدين أبو يحيى زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري السنيكي، دار الكتاب الإسلامي.
٩ - الأشباه والنظائر، جلال الدين السيوطي، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، ١٩٥٧ م.
١٠ - الأشباه والنظائر، زين الدين بن نجيم، المطبعة الحسينية المصرية، ١٣٢٢ هـ.
١١ - أصول المرافعات في القضاء الشرعي، محمد شفيق العاني، مطبعة الإرشاد، بغداد، ١٩٦٥ م.
١٢ - إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن قيم الجوزية.
١٣ - الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، محمد الشربيني، المطبعة العامرة، مصر، ١٢٩١ هـ.
١٤ - الإقناع، المقدسي، المكتبة التجارية، مصر.
١٥ - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، المرداوي، مطبعة السنة المحمدية، مصر، ١٩٥٨ م.
стр. 1302
١٦ - أنفع الوسائل في تجريد المسائل (الفتاوى الطرسوسية)، نجم الدين الطرسوسي، مطبعة الشرق، مصر، ١٩٢٦ هـ.
١٧ - البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ابن نجيم، المطبعة العلمية، مصر، ط ١، ١٣١١ هـ.
١٨ - البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار، أحمد بن المرتضي، مطبعة أنصار السنة المحمدية، مصر، ط ١، ١٩٤٩ م.
١٩ - بحوث وفتاوى فقهية معاصرة، محمد الكردي، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ١٩٩٢ م.
٢٠ - بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد الحفيد، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، ١٣٣٩ هـ.
٢١ - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، علاء الدين الكاساني، دار الفكر، بيروت، مصورة عن مطبعة الإمام، ١٩٧١ م.
٢٢ - تاج اللغة وصحاح العربية، الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، مطابع دار الكتاب العربي، مصر، ١٣٧٧ هـ.
٢٣ - التاج والإكليل لمختصر خليل، أبو عبد الله المواق، مطبوع على هامش مواهب الجليل. ٢٤ - تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، ابن فرحون، مطبوع على هامش فتح العلي المالك (فتاوى الشيخ عليش).
٢٥ - تبصرة القضاة والإخوان في وضع اليد وما يشهد له من البرهان، حسن العدوي الحمزاوي، طبعة ١٢٧٢ هـ /١٨٥٩ م.
٢٦ - تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، فخر الدين الزيلعي، المطبعة الأميرية، مصر، ط ١، ١٣١٣ هـ.
٢٧ - تحفة المحتاج بشرح المنهاج، أحمد بن حجر الهيتمي، مطبوع على هامش حاشيتي الشرواني والعبادي، مطبعة مصطفى محمد.
стр. 1303
٢٨ - التعريفات الجرجاني، الطبعة التونسية، ١٩٧٠ م.
٢٩ - جامع الفصولين، ابن قاضي سماوة، المطبعة الأميرية الكبرى، مصر، ط ١، ١٣٠٠ هـ.
٣٠ - جوابات السالمي، نور الدين عبد الحميد السالمي، مكتبة الإمام السالمي، سلطنة عمان ٢٠١٠ م.
٣١ - جواهر الإكليل شرح مختصر خليل، صالح الأزهري، دار إحياء الكتب العربية، ١٣٣٢ هـ.
٣٢ - جواهر الروايات، البشتاوي، المطبعة العامرية الشرقية، ١٣١٩ هـ.
٣٣ - جواهر الكلام، محمد حسن النجفي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د. ت.
٣٦ - حاشية الباجوري على شرح ابن القاسم الغزي، الشيخ إبراهيم الباجوري، مطبعة دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي.
٣٥ - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ("الشرح الكبير للشيخ أحمد الدردير على مختصر خليل" بأعلى الصفحة يليه مفصولًا بفاصل "حاشية الدسوقي" عليه)، محمد عرفة الدسوقي، مطبعة محمد على صبيح، ١٩٣٤ م.
٣٦ - حاشية الرملي على أسنى المطالب، أبو عباس أحمد الرملي، ط ٢، مطبوع بهامش أسنى المطالب.
٣٧ - حاشية العدوي على شرح الخرشي، العدوي، مطبوعة على هامش الخرشي.
٢٨ - حاشيتا قليوبي وعميرة على شرح جلال الدين المحلى على منهاج الطالبين (بأعلى الصفحة "شرح العلامة جلال الدين المحلى على منهاج الطالبين للشيخ محيي الدين النووي"، بعده مفصولًا بفاصل "حاشية شهاب الدين أحمد بن أحمد بن سلامة القليوبي"، بعده مفصولًا بفاصل "حاشية أحمد البرلسي عميرة")، شهاب الدين أحمد بن أحمد بن سلامة القليوبي وأحمد البرلسي عميرة، دار الفكر، بيروت، ١٤١٥ هـ/ ١٩٩٥ م.
стр. 1304
٣٩ - الحاوي في فقه الشافعي، أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الشهير بالماوردي، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٤ هـ/ ١٩٩٤ م.
٤٠ - حبل الشرع المتين وعروة الدين المبين، الخجندي، المطبعة السلفية، القاهرة، ١٣٧٥ هـ.
٤١ - دخول أولاد البنات في الوقف، عبد الله سنوسي، مجلة وقفنا، السبت ٣ ذي الحجة ١٤٢٧ هـ.
٤٢ - الدر المختار شرح تنوير الأبصار، مطبوع على حاشية ابن عابدين، علاء الدين الحصكفي.
٤٣ - الدراري المضية، محمد علي الشوكاني، مطبعة مصر الحرة، ط ١، ١٣٦٧ هـ.
٤٤ - درر الحكام شرح غرر الأحكام، محمد بن فرامرز بن علي الشهير بملا أو منلا أو المولى خسرو، دار إحياء الكتب العربية.
٤٥ - درر الحكام شرح مجلة الأحكام، علي حيدر خواجة أمين أفندي، دار الجيل، طـ ١.
٤٦ - ذيل أصول المرافعات المدنية العراقي، العاني، منشور في جريدة الوقائع العراقية رقم ٨٦٦، ١٩٦٣ م.
٤٧ - رد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين)، ابن عابدين، طبعة البابي الحلبي، دار الفكر بيروت، مصورة عن طبعة البابي الحلبي، د. ت.
٤٨ - الروض النضير، شرف الدين الصنعاني، مطبعة السعادة، مصر، ط ١، ١٣٤٧ هـ.
٤٩ - الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، الشهيد الثاني، قم، د. ت.
٥٠ - روضة الطالبين، أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، طـ ١.
стр. 1305
٥١ - روضة القضاة وطريق النجاة، أبو القاسم علي بن محمد بن أحمد الرحبيّ المعروف بابن السَّمناني، تحقيق: د. صلاح الدين الناهي، مؤسسة الرسالة، بيروت - دار الفرقان، عمان، ط ٢، ١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤ م.
٥٢ - سبل السلام، الصنعاني، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، طـ ٤، ١٩٦٠ م.
٥٣ - السراج الوهاج على متن المنهاج، الشيخ الغمراوي، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، ١٩٣٣ م.
٥٤ - سنن ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني، مطبعة عيسى البابي الحلبي، ١٩٧٢ م.
٥٥ - شرائع الإسلام، المحقق الحلي، مطبعة دار مكتبة الحياة، بيروت.
٥٦ - شرح الخرشي على مختصر خليل، محمد الخرشي، المطبعة الأميرية، ١٣١٧ هـ.
٥٧ - شرح الزرقاني على الموطأ، أبو عبد الله الزرقاني، مطبعة مصطفى محمد، مصر، ١٩٣٦ م.
٥٨ - شرح النيل وشفاء العليل، محمد بن يوسف أطفيش، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
٥٩ - شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية العراقي، ضياء شيت خطاب، مطبعة العاني، بغداد، ١٩٦٧ م.
٦٠ - شرح مجلة الأحكام العدلية، سليم رستم باز، المطبعة الأدبية، بيروت، ط ٢، ١٨٩٨ م.
٦١ - شرح منتهى الإرادات، البهوتي، المطبعة العامرية الشرفية، ط ١، ١٣١٩ هـ، مطبوع على هامش كشاف القناع.
٦٢ - شرح منح الجليل على مختصر العلامة خليل، وبهامشه حاشية المسماة تسهيل منح الجليل، الشيخ محمد عليش، مكتبة النجاح، ليبيا.
стр. 1306
٦٣ - شروط الواقفين بين الوضوح والغموض، عبد الله سنوسي، مجلة وقفنا، الخميس ٩ ذي القعدة ١٤٢٧ هـ.
٦٤ - صحيح البخاري، البخاري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د. ت.
٦٥ - صحيح مسلم، مسلم، القاهرة: البابي الحلبي، ١٩٥٥ م.
١٦ - الطرق الحكمية في السياسات الشرعية، ابن قيم الجوزية، مطبعة السنة المحمدية، مصر، ١٣٧٢.
٦٧ - عقود الجواهر المنيفة في أدلة مذهب أبي حنيفة، محمد مرتضى الحسيني، القسطنطنية، ط ٢، ١٣٠٩ هـ.
٦٨ - العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية، ابن عابدين، محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي الحنفي، دار المعرفة.
٩٩ - العناية شرح الهداية ("الهداية للمرغيناني" بأعلى الصفحة يليه مفصولًا بفاصل شرحه "العناية شرح الهداية" للبابرتي)، أكمل الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمود بن الشيخ شمس الدين بن الشيخ جمال الدين الرومي البابرتي، دار الفكر.
٧٠ - الغبن، جبر جاسم اليعقوب، جامعة الكويت، الكويت، ١٩٨٧ م.
٧١ - غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر ("الأشباه والنظائر لابن نجيم" بأعلى الصفحة يليه، مفصولًا بفاصل، شرحه "غمز عيون البصائر" لأحمد الحموي)، أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد مكي الحسيني الحموي الحنفي، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م.
٧٢ - الفتاوى الخيرية لنفع البرية، خير الدين الرملي، المطبعة المنيرة العثمانية، ١٣١٠ هـ.
٧٣ - الفتاوى الكاملية في الحوادث الطرابلسية، محمود الطرابلسي، مطبعة مصطفى محمد، ١٨٩٥ م.
стр. 1307
٧٤ - الفتاوى الكبرى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٧ م.
٧٥ - الفتاوى المهدية في الوقائع المصرية، الشيخ محمد العباسي المهدي، المطبعة الزهرية، ط ١، ١٣٠١ هـ.
٧٦ - الفتاوي الهندية (الفتاوى العالمكيرية)، جماعة من علماء الهند، المطبعة الأميرية، مصر، ط ٢، ١٣١٠ هـ.
٧٧ - فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك (فتاوى الشيخ عليش)، محمد أحمد عليش، المطبعة الكبرى الأميرية، ١٣٠٦ هـ.
٧٨ - فتح القدير، ابن الهمام، مطبعة مصطفى محمد، ١٣٥٦ هـ.
٧٩ - فتح القدير، محمد بن علي الشوكاني، ط ١، مطبعة الحلبي، ١٣٥٠ هـ.
٨٠ - فتح الوهاب شرح منهج الطلاب، الشيخ زكريا الأنصاري، مطبعة دار إحياء الكتب العربية، مصر، ١٩٣٥ م.
٨١ - فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب المعروف بحاشية الجمل (منهج الطلاب اختصره زكريا الأنصاري من منهاج الطالبين للنووي ثم شرحه في شرح منهج الطلاب)، سليمان بن عمر بن منصور العجيلي الأزهري المعروف بالجمل، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
٨٢ - الفروع، ابن مفلح، عالم الكتب، بيروت، ١٩٨٥ م.
٨٣ - الفقه المقارن، حسن أحمد الخطيب، مطبعة دار التأليف، مصر، ١٩٥٧ م.
٨٤ - الفواكه الدواني، النفراوي، مطبعة السعادة، ط ١، ١٣٣٢ هـ.
٨٥ - القاموس المحيط، الفيروز آبادي، المطبعة المصرية، ط ٣، ١٩٣٣ م.
٨٦ - القانون المدني العراقي، لسنة ١٩٥١ م.
٨٧ - القانون المدني المصري، لسنة ١٩٤٨ م.
стр. 1308
٨٨ - قرة عيون الأخبار لتكملة "رد المحتار"، محمد علاء الدين عابدين، المطبعة العثمانية، ١٣٢٧ هـ.
٨٩ - القوانين الفقهية، ابن جزي، مطبعة النهضة، تونس، ١٩٢٦ م.
٩٠ - الكافي في فقه الإمام أحمد، أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي (الشهير بابن قدامة المقدسي)، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٥، ١٩٨٨ م.
٩١ - كشاف القناع عن متن الإقناع، البهوتي، المطبعة العامرة، مصر، ط ١، ١٣١٩ م.
٩٢ - لسان العرب، ابن منظور، بولاق، ١٣٠١ هـ.
٩٣ - مباحث الوقف، محمد زيد الأبياني، مكتبة وهبة، ط ٣، ١٩٢٤ م.
٩٤ - المبسوط، أبو بكر السرخسي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٩٩٣ م، مصورة عن طبعة مطبعة السعادة، مصر.
٩٥ - مجلة الأحكام العدلية الصادرة سنة ١٢٩٣ هـ.
٩٦ - مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، عبد الرحمن بن محمد بن سليمان المدعو بشيخي زاده يعرف بداماد أفندي، دار إحياء التراث العربي.
٩٧ - مجموعة القوانين والأنظمة الخاصة بالأوقاف، العراق ديوان الأوقاف، ١٩٧٢ م.
٩٨ - محاسبة ناظر الوقف ومسؤوليته، عطية فتحي الويشي، الأمانة العامة للأوقاف، الكويت، ٢٠٠٢ م.
٩٩ - محاضرات في الوقف، الشيخ محمد أبو زهرة، دار الثقافة العربية للطباعة الناشر دار الفكر العربي، ط ٢، ١٩٧١ م.
١٠٠ - المحلى، ابن حزم، المطبعة المنيرية، ط ١، ١٣٥١ هـ.
١٠١ - مختصر كتاب مباحث المرافعات الشرعية، محمد زيد الأبياني، مطبعة النهضة، مصر، ١٩٢٥ م.
стр. 1309
١٠٢ - مرسوم تصفية الوقف الذري العراقي، منشور في جريدة الوقائع العراقية رقم ٩٦٥، ١٩٥٥ م.
١٠٣ - المصباح المنير، الفيومي، بولاق، ١٣٢٤ هـ.
١٠٤ - المصنف، أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان.
١٠٥ - مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهي، مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة الرحيباني مولدا ثم الدمشقي الحنبلي، المكتب الإسلامي، ١٤١٥ هـ/١٩٩٤ م.
١٠٦ - المطلع على أبواب المقنع، شمس الدين البغلي، دمشق: المكتب الإسلامي، ١٩٦٥ م. ١٠٧ - معالم التنزيل في التفسير، الفراء، مطبعة التقدم العلمية، مصر، ١٣٤٩ هـ، مطبوع بهامش تفسير الخازن.
١٠٨ - معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام، أبو الحسن، علاء الدين، علي بن خليل الطرابلسي الحنفي، دار الفكر.
١٠٩ - مغني المحتاج شرح المنهاج، محمد الشربيني، مطبعة مصطفى محمد، مصر.
١١٠ - المغني، ابن قدامة، مطبوع على الشرح الكبير، مطبعة المنار، مصر، ١٣٤٨ هـ.
١١١ - مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة، المحقق الكركي، طهران، د. ت.
١١٢ - منار السبيل، ابن ضويان، المكتب الإسلامي، بيروت.
١١٣ - منتهى الإرادات، ابن النجار، مطبعة دار الجيل الجديد، تحقيق: فضيلة الشيخ عبد الغني محمد عبد الخالق، ١٩٦١ م.
١١٤ - منحة الخالق على البحر الرائق، ابن عابدين، مطبوع بهامش البحر الرائق.
١١٥ - المهذب، أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي، مطبعة عيسى البابي الحلبي.
стр. 1310
١١٦ - مواهب الجليل شرح مختصر خليل، أبو عبد الله محمد الحطاب، مطبعة السعادة، ط ١، مصر، ١٣٢٩ هـ.
١١٧ - نصب الراية، عبد الله بن يوسف الزيلعي، مطبعة دار المأمون، مصر، ١٩٣٨ م.
١١٨ - نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، شمس الدين الرملي، مصر: المطبعة العامرة الكبرى، ١٢٩٢ م.
١١٩ - نيل الأوطار، محمد بن علي الشوكاني، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، ١٣٤٧ هـ.
١٢٠ - نَيْلُ المَآرِب بشَرح دَلِيل الطّالب، عبد القادر بن عمر بن عبد القادر بن عمر بن أبي تغلب بن سالم التغلبي الشَّيباني، مكتبة الفلاح، الكويت، ط ١، ١٤٠٣ هـ/ ١٩٨٣ م.
١٢١ - الهداية الكافية الشافية لبيان حقائق الإمام ابن عرفة الوافية المعروف بشرح حدود ابن عرفة، أبو عبد الله محمد بن قاسم الأنصاري الرصاع التونسي المالكي، المكتبة العلمية، ط ١، ١٣٥٠ هـ.
١٢٢ - الوقف دراسات وأبحاث، سليم حريز، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، ١٩٩٤ م.
стр. 1311
الفصل الثالث عشر انتهاء الوقف
стр. 1312
مقدمة: معنى انتهاء الوقف فقهًا (١):
يختلف انتهاء الوقف من مذهب إلى آخر، وذلك لخلافهم في مقتضى انتهاء الوقف، لكن الفقهاء لم يتعرضوا لمعنى انتهاء الوقف كتعريف اصطلاحي، وإن أبانوا بعض صوره التي يُفهم منها معنى انتهاء الوقف على الخلاف الوارد بين الفقهاء.
فهو عند المالكية: أن يشترط الواقف عند وقفه أن يكون لمدة معلومة أو إلى أجل مجهول، فإذا انتهت المدة المشروطة انتهى الوقف (٢).
وعند الحنابلة: أن يعلِّق الواقف انتهاء وقفه على شرط؛ نحو قوله: داري وقف إلى سنة، وذلك في إحدى الروايتين في المذهب (٣).
ومنه: أن ينقطع الموقوف عليهم والواقف حي فيرجع إليه (٤).
انتهاء الوقف في استعمال الفقهاء: لا يخرج عن المعنى اللغوي له، فهو: وصول الوقف النهاية، ووقوفه عن أداء غرضه الذي أنشيء من أجله.
стр. 1313
وحالات انتهاء الوقف على خلاف الأصل المستقر عند جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة في المذهب، وهو تأبيد الوقف؛ خلافًا للمالكية والحنابلة في وجه القائلين بجواز كون الوقف مؤقتًا وسيأتي تفصيله، وقد جاءت حالات انتهاء الوقف استثناء عن هذا الأصل، وهو رأي لبعض الفقهاء على ما سيأتي بيانه.
وقد عرَّفه الشيخ عبد الوهاب خلاف هذه الحالة الاستثنائية بقوله: "زوال الوقف، وذهاب آثاره فالعين التي ينتهي وقفها لا تبقى محبوسة عن تملكها، ولا عن التصرف فيها بتصرف التمليك، ولا يبقى ريعها حقًّا لمن كانت وقفًا عليه، بل تصبح العين الموقوفة ملكًا خالصًا، ومحلًا لجميع التصرفات التمليكية وريعها لمالكها" (١).
ويتنوع انتهاء الوقف إلى نوعين؛ الأول منهما: أن يكون الانتهاء تلقائيًا، أي من ذاته، دون فعل فاعل، أو تدخل من أحد من الناس، وأما النوع الثاني: فهو أن يكون الانتهاء بإرادة الواقف، أو من له الولاية على الوقف كالقاضي (٢).
هذا، ومن صور انتهاء الوقف انقطاعه، وهو لغة: مأخوذ من قطع، وهو في الأصل يدل على صرم، وإبانة شيء عن شيء (٣)، والعلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي أن صيرورة الوقف إلى عدم وجود مصرفه المخصص له، قطع له عن تأديته لمقصده الذي شرع من أجله.
وانقطاع الوقف فقهًا يعني: عدم وجود مصرفه المعين في حجة الوقف مع بقاء العين الموقوفة وقفًا كما أنشأ الواقف، وبذلك يختلف الانتهاء من الانقطاع، فالوقف المنتهي يزول ويعود الموقوف ملكًا، وهو انتهاء للوقف باعتبار ملكية عين الوقف، في حين أن الوقف المنقطع باقٍ، ولكن لا يوجد مصرفه المعين بشرط الواقف (٤)، وهو انتهاء الوقف باعتبار مصرفه.
стр. 1314
المبحث الأول حالات انتهاء الوقف
هناك حالات لاحتمال انتهاء الوقف عند الفقهاء على النحو الآتي:
أولًا: انتهاء الوقف المؤقت بانتهاء مدته:
اختلف الفقهاء في تأقيت الوقف بمدة معينة؛ كأن يقول الواقف: وقفت داري هذه على طلبة العلم الشرعي لمدة سنة، أو وقفت داري هذه على فلان وأولاده لمدة عشر سنين، فإذا نشأ الوقف مؤقتًا، فهل ينتهي بانقضاء الوقت المحدد، وترجع العين الموقوفة إلى الواقف أو ورثته، أو أنه يتأبد الوقف إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: جواز توقيت الوقف، فللواقف أن يرجع الموقوف ملكًا إليه أو لغيره عند انتهاء وقتها (١)، وإليه ذهب أبو يوسف في رواية (٢)، والمالكية (٣)، وابن سريج من الشافعية (٤)، والحنابلة في وجه ذكره أبو الخطاب (٥)، والإباضية في وقف غير
стр. 1315
المسجد (١)، والإمامية في قول غير قوي (٢).
واستدل أصحاب هذا الرأي بالأدلة الآتية:
١ - أنه لما جاز للواقف أن يتقرب بكل ماله وببعضه؛ جاز له أن يتقرب به في كل الزمان، وفي بعضه.
٢ - قال ابن سريج في رده على الاستدلال بكون الوقف المؤقت عارية وليس وقفًا: "وإن قيل: فهذه عارية وليست وقفًا، قيل له: ليس كذلك، فإن العارية يرجع فيها، وهذه لا رجعة فيها" (٣).
٣ - لأن الواقف على نيته في ماله، ولكل إمرئ ما نوى، كما جاء في الحديث: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل إمرئ ما نوى" (٤).
القول الثاني: أن الوقف إذا اشترط فيه التأقيت، صحَّ الوقف مؤبدًا، وبطل شرط التأقيت، وإليه ذهب الشافعية في المشهور عندهم (٥)، والظاهرية (٦)، والزيدية (٧)، وأبو يوسف (٨).
стр. 1316
واستدل أصحاب هذا الرأي: بأنه شرط ليس في كتاب الله تعالى، وهما فعلان متغايران (١).
القول الثالث: بطلان الوقف المؤقت، وإليه ذهب الحنفية في المعتمد عندهم" (٢)، والإمامية في القول الأقوى عندهم (٣).
ثانيًا: انتهاء الوقف بالرجوع فيه:
اختلف الفقهاء في لزوم الوقف على قولين:
القول الأول: لزوم الوقف، وعدم جواز رجوع الواقف عن الوقف، وإليه ذهب جمهور الفقهاء من المالكية مع جواز اشتراط الخيار (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧)، والزيدية (٨)، والصاحبين من الحنفية وهو المفتى به عندهم (٩)، والإمامية (١٠).
стр. 1317
استدل أصحاب هذا الرأي بالأدلة الآتية:
١ - بما رُوي عن ابن عمر ﵄: قال: أصاب عمر ﵁ أرضًا بخيبر، فأتي النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط هو أنفس عندي منه، فقال: "إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها"، قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث في الفقراء وفي القربي وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضعيف (١).
وجه الدلالة: قوله: "لا يباع ولا يوهب ولا يورث"؛ يدل على أن الحبس المشروع في الوقف هو المانع من التصرفات، فالرسول يقول لعمر ﵁: "إن شئت حبست أصلها"، ويفسر ذلك التحبيس بأنه لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولا يورث، وعمر ﵁ يمتثل لذلك، ويشرط في كتاب وقفه الذي أشهد عليه كبار الصحابة لا تباع ولا توهب ولا تورث، فيمنع التصرفات الناقلة للملكية في حياته وبعد موته، والمنع من التصرفات يدل على لزوم الوقف.
قال الترمذي: "العمل في هذا الحديث عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، لا نعلم بين أحد من المتقدمين منهم في ذلك اختلافًا" (٢).
٢ - بما رُوي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له (٣).
وجه الدلالة: قوله: "صدقة جارية؛ يُشعر أن الوقف يلزم، ولا يجوز نقضه، ولو جاز النقض لكان صدقة منقطعة، وقد وصفه في الحديث بعدم الانقطاع (٤).
стр. 1318
٣ - إن الوقف ولزومه مشتهر بين الصحابة ﵃ فذكر الحميدي: أن أبا بكر ﵁ تصدق بداره على ولده، وعمر بربعة عند المروة على ولده، وعثمان برومة، وتصدق علي بأرضه بينبع، وتصدق الزبير بداره بمكة، وداره بمصر، وأمواله بالمدينة على ولده، وتصدق سعد بداره بالمدينة وداره بمصر على ولده، وعمرو بن العاص بالوهط وداره بمكة على ولده، وحكيم بن حزام بداره بمكة والمدينة على ولده، فذلك كله إلى اليوم (١)؛ أي لم يرجع عنه؛ لأنه عقد يقتضي التأبيد، فكان من شأنه ذلك، ويلزم الوقف بمجرد القول بدون حكم حاكم (٢).
٤ - واستدل للخيار عند المالكية بأنه ينبغي أن يوفي له بشرطه، كما قالوا: إنه يوفي له بشرطه إذا شرط أنه إذا تسوَّر عليه قاضٍ رجع له (٣).
٥ - ولأن الوقف تبرع يمنع البيع والهبة والميراث، فلزم بمجرد صدور صيغته من الواقف كما في العتق (٤).
٦ - واستدل الإمامية بالإجماع؛ لأنه كالضروروي عندهم (٥).
القول الثاني: أن الوقف جائز غير لازم، وللواقف الرجوع فيه حال حياته مع الكراهة، وإليه ذهب الإمام أبو حنيفة (٦) وزفر (٧)، والإباضية (٨)، وحكاه بعضهم عن علي وابن مسعود وابن عباس ﵃ (٩).
стр. 1319
ويلزم الوقف عندهم بأحد الأمور الآتية (١):
الأمر الأول: أن يحكم الحاكم (القاضي) بلزوم الوقف، فإن حصل نزاع بين الواقف والناظر في العين الموقوفة، وحكم القاضي بكونه وقفًا صار لازمًا؛ لأن قضاء القاضي في المسائل الاجتهادية يحسم النزاع، ويرفع الخلاف في المسألة.
الأمر الثاني: أن يكون الوقف على مسجد، ويأذن للناس بالصلاة فيه، فيلزم هذا الوقف بذلك، دون حاجة إلى حكم حاكم، فلا يجوز الرجوع عنه، ولا يكون ميراثًا بعد وفاة الواقف؛ لأن المسجد يكون خالصًا لله تعالى، ويتخصص للصلاة، فيكون لازمًا.
الأمر الثالث: أن يخرج الوقف مخرج الوصية؛ بأن يعلق الواقف الوقف بوفاته؛ كأن يقول: وقفت داري بعد موتي على الفقراء والمساكين، فإذا قال ذلك؛ خرج الوقف عن ملك الواقف بعد وفاته محسوبًا من ثلث التركة.
الأمر الرابع: أن يخرج الوقف مخرج نذر التصدق بالغلة؛ كأن يقول في حياته: وقفتها في حياتي، وبعد وفاتي مؤبًدا وما دام الواقف حيًا، فهو نذر بالتصدق بالغلة، فعليه الوفاء، وله الرجوع، فإن لم يرجع حتى مات، نفذ الوقف من الثلث، فالوقف في الأمرين الأوليين يكون لازمًا في حياة الواقف بلا توقف على موته، ويزول عنه الملك، ويلزم في الحال، كما يلزم أيضًا بالموت، وأما في الأمرين الأخيرين فلا يلزم الوقف، ولا يزول الملك عن الواقف إلا بموته، أما في حال حياته فيجوز للواقف الرجوع عن الوقف ما دام حيًا، غنيًا كان أو فقيرًا، بأمر قاضٍ أو غيره.
واستدل أصحاب هذا الرأي بالأدلة الآتية:
стр. 1320
١ - بما رُوي عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه أنه جاء إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله، إن حائطي هذا صدقة إلى الله ورسوله، فجاء أبواه، فقالا: يا رسول الله، كان قوام عيشنا، فرده رسول الله ﷺ عليهما، ثم ماتا، فورثهما ابنهما بعدهما (١).
وجه الدلالة: لقد ردَّ الرسول ﷺ الصدقة، ولو كان الوقف لازمًا لما رده وحكم بالرجوع فيه.
٢ - ما أخرجه البيهقي في الشعب من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال لما نزلت آية الفرائض: "لا حبس بعد سورة النساء" (٢).
وجه الدلالة: قوله: "لا حبس بعد سورة النساء"؛ يدل على جواز الرجوع عن الوقف؛ لأنه من جملة الأحباس المشروعة الباقية.
٣ - ما روى الطحاوي عن الزهري: أن عمر ﵁ قال: "لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله ﷺ لرددتها" (٣).
وجه الدلالة: أن قول عمر يُشعر أن الوقف لا يمتنع الرجوع عنه، وأن الذي منع عمر من الرجوع كونه ذكره للنبي ﷺ ، فكره أن يفارقه على أمر، ثم يخالفه إلى غيره (٤).
٤ - لأن الواقف أخرج ماله على وجه القربة من ملكه؛ فلا يلزم بمجرد القول؛ كالصدقة (٥).
стр. 1321
٥ - لأن الوقف تمليك منفعة دون العين (الرقبة)، فلا يلزم؛ كالعارية؛ أي: أن التبرع بالريع غير لازم، فيجوز الرجوع عنه وفسخه، وتظل العين الموقوفة على ملك الواقف، فيجوز له التصرف بها كما يشاء، وإذا مات الواقف ورثها ورثته، ويجوز له الرجوع في وقفه متى شاء، كما يجوز له أن يغير في مصارفه وشروطه كيفما يشاء.
٦ - لأن الوقف في رأيه شرعًا: حبس العين على ملك الواقف، بالمنفعة بمنزلة العارية، كما أن المنفعة في رواية عنه معدومة، فالتصدق بالمعدوم لا يصح، فلا يجوز الوقف أصلا عنده، لكن الأصح أن الوقف مشروع أو جائز عنده إلا أنه غير لازم بمنزلة العارية.
٧ - ولأن الوقف لا ينفذ إلا بعد القبض، وإلا فللواقف الرجوع؛ لأنه صدقة ومن شرطها القبض.
ثالثًا: انتهاء الوقف بتخرب الأعيان الموقوفة:
إذا خربت أعيان الوقف كلها أو بعضها، وأصبحت لا ريع لها، ولم يمكن تعميرها، ولا الاستبدال بها، ولا الانتفاع بها بطريق يفيد الموقوف عليهم من غير إضرار بهم؛ فهل ينتهي الوقف في هذا المتخرب؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الوقف لا ينتهي بتخرب الأعيان الموقوفة مطلقًا إذا سواء أكان مسجدا أم غيره، فلا ينتقل الملك إلى الواقف أو وارثه، وإليه ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (أبي حنيفة وأبي يوسف)، والمالكية، والشافعية في الصحيح، والحنابلة (١)، والظاهرية، والإمامية. وفيما يأتي تفصيل ذلك:
فأبو حنيفة وأبو يوسف ذهب (٢) إلى أن المسجد له صفة الأبدية، فلا تنسلخ عنه صفة المسجدية، ولو استغني عنه، فلو خرب المسجد، وليس فيه ما يعمر به، وقد استغني الناس عنه لبناء مسجد آخر، يظل مسجدًا أبدًا إلى قيام الساعة، وبرأيهما يفتي، فلا
стр. 1322
يعود إلى ملك الباني وورثته، ولا يجوز نقله، ونقل ماله إلى مسجد آخر، والفتوى عند مشايخ الحنفية بيع الأنقاض بأمر الحاكم، وصرف ثمنها إلى مسجد آخر.
أما بسط المسجد وحصره وقناديله إذا استغني عنها، فتنقل في رأي أبي يوسف إلى مسجد آخر.
وكذلك الرباط (مسكن المجاهدين)، والبئر إذا لم ينتفع بهما واستغني عنهما، تنقل في رواية عن أبي يوسف إلى مسجد آخر.
وأما المالكية (١)، فقد ذهبوا إلى أنه لا يحل بيع المسجد أصلًا بالإجماع، وكذلك لا يباع العقار وإن خرب إلا أن يشتري منه بحسب الحاجة لتوسعة مسجد أو طريق.
وأما المنقولات كعروض التجارة وأفراد الحيوان إذا ذهبت منفعتها؛ كهرم الفرس وصيرورة الثوب خلقًا (باليًا) بحيث لا يُنتفع بها، فتباع ويصرف الثمن في مثله، ونسل الأنعام كأصلها يباع ويعوض عنه إناثًا صغارًا، لتمام النفع بها.
وقال الشافعية (٢): إذا انهدم المسجد أو خرب، لم يجز التصرف فيه بالبيع وغيره؛ لأن ما كان الملك فيه لحق الله تعالى لا يعود إلى الملك بالاختلال، وإذا خيف على المسجد السقوط، نقض، وبني الحاكم بأنقاضه مسجدًا آخر إن رأى ذلك، وإلا حفظه؛ أي لا ينتهي وقف المسجد، وتنقل أنقاض القناطر الموقوفة إلى محل الحاجة لمثلها.
وأما غلة الثغور (أرض المسلمين التي تلاصق بلاد الكفار) الموقوفة إذا تعرضت للخلل؛ فيحفظها الناظر؛ لاحتمال عودة الثغر إلى ما كان عليه.
стр. 1323
وقال الحنابلة: إن الوقف إذا خرب وتعطلت منافعه، كدار انهدمت، أو أرض خربت، وعادت مواتًا، ولم تمكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه، وصار في موضع لا يصلى فيه، أو ضاق بأهله، ولم يمكن توسيعه في موضعه أو تشعب جميعه، فلم تمكن عمارته، ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته، وإن لم يمكن الانتفاع بشيء منه بيع جميعه (١).
وقال الظاهرية (٢): إنه لا يجوز انتهاء الوقف بتخريبه.
وقال الحلي من الإمامية: "إذا وقف مسجدًا فخرب، أو خربت القرية أو المحلة لم يعد إلى ملك الواقف، ولا تخرج العرصة (الساحة) عن الوقف" (٣)، فهو يقتضي بقاء عرصة المسجد الموقوف مسجدًا، ولا يجوز بيع الوقف، فلا تخرج أرض الوقف عن الوقف، فالمسجد يظل مسجدًا والأرض التي بني عليها الدار تبقى وقفًا، لإمكان الانتفاع بالإجارة؛ أي إجارة الأرض، وقيل: يجوز بيع النخلة الموقوفة لو انقلعت، وقيل: لا يجوز؛ لإمكان الانتفاع بإجارة جذع النخلة للتسقيف وشبهه، وهو أشبه.
واستدل أصحاب هذا الرأي بالأدلة الآتية:
١ - قول النبي ﷺ : "لا يباع أصلها، ولا تبتاع ولا توهب، ولا تورث" (٤).
وجه الدلالة: نهي النبي ﷺ عن بيعها، وعدم هبتها، وميراثها نص في بقائها وقفًا في كل حال؛ سواء أكانت عامرة أم خاربة؛ بدلالة العموم في: (أصلها)، فهو مفرد مضاف، فيعم كل أصل باقٍ، ولا دليل لتخصيص هذا العموم.
٢ - بما روي: أن عمر ﵁ كتب إلى سعد بن أبي وقاص، لما بلغه أنه قد نُقب بيت المال الذي بالكوفة: انقل المسجد الذي بالتمارين، واجعل بيت المال في قبلة
стр. 1324
المسجد، فإنه لن يزال في المسجد مصلٍّ، وكان هذا بمشهد من الصحابة، ولم يظهر خلافه، فكان إجماعًا (١).
وجه الدلالة: أن عمر ﵁ أمر بتوسعة بيت مال المسلمين بجزء من المسجد، وهو قبلته، ولم يزل المسجد كاملًا؛ لوجود بقية من المصلين فيه، وعمله هذا يدل على بقاء الوقف لله ، حتى في حالة صيرورته إلى غير مالك.
٣ - أن المسجد له صفة الأبدية، فلا تنسلخ عنه صفة المسجدية إلى قيام الساعة (٢).
٤ - لأنه عمومًا ما كان الملك فيه لحق الله تعالى لا يعود إلى الملك بالاختلال (٣).
٥ - لأن الحبس (الوقف) لا يخرج إلى غير مالك، بل إلى أجلِّ المالكين؛ وهو الله تعالى؛ كالعتق؛ أي له صفة الدوام (٤).
٦ - لأن انتقال الوقف الذي تخرب إلى وقف آخر استبقاء للوقف بمعناه عند تعذُّر إبقائه بصورته (٥).
٧ - قال ابن عقيل: "الوقف مؤبد؛ فإذا لم يمكن تأبيده على وجه يخصصه استبقاء الغرض، وهو الانتفاع على الدوام في عين أخرى، وإيصال الأبدال جرى مجرى الأعيان، وجمودها على العين مع تعطلها تضييع للغرض" (٦).
٨ - القياس على الهدي إذا عطب في السفر؛ فإنه يذبح في الحال، وإن كان يختص بموضع، فلما تعذر تحصيل الغرض بالكلية استوفي منه ما أمكن، وترك مراعاة
стр. 1325
المحل الخاص عند تعذره؛ لأن مراعاته مع تعذره تفضي إلى فوات الانتفاع بالكلية، وهكذا الوقف المعطل المنافع (١).
٩ - ولأن ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه لا يجوز بيعه مع بقاء تعطلها؛ كالمعتق، والمسجد أشبه الأشياء بالمعتق (٢).
القول الثاني: أن الوقف المتخرب الذي تعطلت منافعه، وليس له من الغلة ما يعمر به، ينتهي مطلقًا؛ سواء كان مسجدًا أم غيره، فيرجع إلى الواقف أو ورثته، وإليه ذهب الإباضية (٣)، ومحمد بن الحسن من الحنفية (٤):
فإذا خربت الدار وانهدمت، وكذا الأرض إذا خربت وعادت مواتًا، ولا يمكن عمارتها، وكذا المسجد إذا انصرف أهل القرية عنه، وصار في موضع لا يصلى فيه، أو ضاق بأهله، ولا يمكن توسيعه في موضع، أو تشعب جميعه، فلا يمكن عمارته ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه لعمارة بقيته، أو لا يمكن الانتفاع بشيء منه، فيباع جميعه.
قال ابن أطفيش: " (وإن عين) مسجدًا (قصد به) ما عين، (إلا إن خرب)؛ أي: هدم، ولا يرجى له بناء، أو تُرك عمارته، (أو منع من وصوله)؛ للبعد أو لقطع الطريق أو المضرة؛ كحمى لازمة للموضع في كل وقت؛ لتعطل منفعته؛ لأن المساجد لله في حال بقائها" (٥).
وجاء عند الحنفية: "وترجع إلى المالك أو إلى ورثته في رأي محمد بن الحسن إذا خرجت من الانتفاع المقصود للواقف بالكلية، والفتوى على قول محمد بن الحسن" (٦)، "وترجع إلى المالك في رأي محمد بن الحسن، والفتوى أن أنقاضهما تباع وتُنقل إلى رباط أو بئر آخر؛ لأن غرض الواقف انتفاع الناس بالموقوف؛ ولئلا يأخذها المتغلبون" (٧).
стр. 1326
واستدل أصحاب هذا الرأي بالأدلة الآتية:
١ - أن الواقف عين الوقف لنوع قربة، وقد انقطعت، فينقطع هو أيضًا (١).
٢ - لأن فيما ذكر استبقاء الوقف بمعناه، عند تعذر إبقائه بصورته، فوجب البيع (٢).
٣ - لأن الوقف إنما هو تسبيل المنفعة؛ فإذا زالت كنفعته زال حق الموقوف عليه منه، فزال ملكه عنه (٣).
القول الثالث: ذهب الشافعية في الأصح عندهم (٤)، والزيدية إلى انتهاء الوقف المتخرب في غير المسجد.
أما الزيدية (٥)، فيقولون: بأن ما بطل نفعه في المقصود بيع لإعاضته؛ كثوب خلق (بلي) أو شجر يبس، لا كمسجد انهدم، لبقاء العرصة (الساحة) وفي غيره إضاعة مال، وقد نهي عنه.
واستدل أصحاب هذا الرأي بالأدلة الآتية:
١ - لأن ما لا يرجى منفعته، يكون بيعه أولى من تركه، بخلاف المسجد، فإنه يمكن الصلاة فيه مع خرابه (٦).
٢ - ولأن في ترك بيعه، وإعادته لمالكه إضاعة مال، وقد نهي عنه (٧).
стр. 1327
رابعًا: انتهاء الوقف بقلة غلته:
إذا كان الوقف عامرًا غير خرب، ولكن صارت غلته قليلة، لا سيما في الوقف الأهلي، حيث تصير حصة كل شخص من أفراد الموقوف عليهم ضئيلة وتافهة لا يؤبه بها، ولم يمكن الاستبدال به، ولم يكن الموقوف عليه مسجدًا، فهل ينتهي الوقف بذلك، وكيف ينتهي؟
لم يتعرض أكثر الفقهاء لهذه الحالة، وإنما ذكره الحنابلة؛ فقال ابن قدامة الحنبلي: "إن لم تتعطل مصلحة الوقف بالكلية، لكن قلّت، وكان غيره أنفع منه وأكثر ردًا على أهل الوقف؛ لم يجز بيعه، لأن الأصل تحريم البيع، وإنما أبيح للضرورة صيانة لمقصود الوقف من الضياع، مع إمكان تحصيله ومع الانتفاع وإن قلَّ ما يضيع المقصود، اللهم إلا أن يبلغ في قلة النفع إلى حدٍّ لا يعد نفعًا، فيكون وجود ذلك كالعدم" (١).
وهذا الكلام غاية ما يدل عليه: أن التصرف بهذا الوقف بالبيع الذي يعود بالنفع على جهة مماثلة أو مناظرة للوقف أو في وجوه الخير؛ ولأن "ما قارب الشيء يعطى حكمه" (٢)؛ ولعدم تحقيق المقصود من الوقف، وربما تكون المصاريف أو النفقات أكثر من الغلة الناتجة، ومنها نفقات التحصيل.
وإذا انتهى الوقف بذلك فيمكن أن تصرف الغلة إلى جهة مماثلة؛ كالمسجد، والثغر، والقنطرة، والبئر، أو لمصلحة إسلامية، أو لأقرب الناس إلى الوقف.
وعند الشافعية: إن وقف نخلة فانقلعت أو يبست، أو وقف مسجدًا فانكسرت خشبة منه .. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز بيعها.
والثاني: يجوز بيعها؛ لأن منفعتها بطلت، فكان بيعها أولى من تركها (٣).
стр. 1328
وللحنفية في هذه المسألة تفصيل بيانه فيما يأتي:
إذا كان الوقف عامرًا غير خرب، ولكن صارت غلته قليلة، لا سيما في الوقف الأهلي، حيث تصير حصة كل شخص من أفراد الموقوف عليهم ضئيلة وتافهة لا يؤبه بها، ولم يمكن الاستبدال به، ولم يكن الموقوف عليه مسجدًا، فهل ينتهي الوقف بذلك، وكيف ينتهي؟
هذه الحالة أدرجها الحنفية ضمن وجوه استبدال الوقف الثلاثة.
قال ابن عابدين: "والثالث: أن لا يشترطه أيضًا - أي لم يشترط الواقف الاستبدال - ولكن فيه نفع في الجملة، وبدله خير منه ريعًا ونفعًا" (١).
وللحنفية في ذلك اتجاهان:
الأول: يجوز استبدال الوقف ببيع ونحوه إذا ضعف وقلَّ ريعه.
وهو مذهب أبي يوسف، ونقله في لسان الحكام عن محمد أيضًا، كما سيأتي، وفي فتاوى قارئ الهداية: وعليه العمل، ونقل ابن عابدين عن فتواي قارئ الهداية: أنَّ عليه الفتوى.
الثاني: لا يجوز استبداله ببيع ونحوه، وعليه الفتوى.
قال ابن نجيم: "وذكر محمد في السير الكبير مسألة تدل على عدم جواز الاستبدال بالوقف" (٢)، وقال ابن عابدين: "على الأصح المختار"، وقال ابن الهمام: "ينبغي ألا يجوز"، وقال صدر الشريعة عن المذهب الأول: "ونحن لا نفتي به".
стр. 1329
ويبدو أن في المفتى به في هذه المسألة خلاف، كما أشار إليه ابن عابدين نفسه، وتتضح الصورة أكثر بما سيأتي ذكره من نصوص فقهاء المذهب على النحو الآتي:
١ - قال ابن نجيم: "نقل صدر الشريعة أن أبا يوسف يجوز الاستبدال بغير شرط إذا ضعفت الأرض عن الريع، ونحن لا نفتي به، وقد رأينا فيه من الفساد ما لا يعد ولا يحصى؛ فإن ظلمة القضاة جعلوه حيلة إلى إبطال أوقاف المسلمين، وفعلوا ما فعلوا" (١).
٢ - وقال ابن الهمام: "وكذا أرض الوقف إذا قلَّ نزلها، بحيث لا تحتمل الزراعة ولا تفضل غلتها عن مؤنتها، ويكون صلاح الأرض في الاستبدال بأرض أخرى .. وفي نحو هذا من الأنصاري صحة الشرط، لكن لا يبيعها إلا بإذن الحاكم، وينبغي للحاكم إذا رفع إليه ولا منفعة في الوقف أن يأذن في بيعها إذا رآه أنظر لأهل الوقف .. والحاصل أن الاستبدال إما عن شرطه (يعني الواقف) ... أو لا عن شرطه، فإن كان لخروج الوقف عن انتفاع الموقوف عليهم به فينبغي أن لا يختلف فيه ... وإن كان لا لذلك بل اتفق أنه أمكن أن يؤخذ بثمن الوقف ما هو خير منه مع كونه منتفعًا به، فينبغي أن لا يجوز؛ لأن الواجب إبقاء الوقف على ما كان عليه دون زيادة أخرى؛ ولأنه لا موجب لتجويزه؛ لأن الموجب في الأول (٢) الشرط، وفي الثاني الضرورة، ولا ضرورة في هذا؛ إذ لا تجب الزيادة فيه، بل تبقيته كما كان" (٣).
٣ - وفي فتاوى قارئ (الهداية) حين سُئل عن صورة الاستبدال؛ وهل هو قول أبي حنيفة وأصحابه؟ فقال: "إذا تعين بأن كان الموقوف لا ينتفع به، وثمَّ من يرغب فيه ويعطي بدله أرضًا أو دارًا لها ريع يعود نفعه إلى جهة الوقف، فالاستبدال في هذه الصورة قول أبي يوسف ومحمد، وإن كان للوقف ريع ولكن يرغب إنسان في
стр. 1330
استبداله إن أعطي مكانه بدلًا أكثر ريعًا منه، وفي صقع أحسن من صقع الوقف؛ جاز عند القاضي أبي يوسف، والعمل عليه، وإلا فلا. ا. هـ" (١).
٤ - وفي لسان الحكام: "وفي المنتقى: قال هشام: سمعت محمدًا يقول: الوقف إذا صار بحيث لا ينتفع به المساكين؛ فللقاضي أن يبيعه ويشتري بثمنه غيره، وليس ذلك إلا للقاضي، وذكر في المنبع عن أبي يوسف أنه يجوز استبدال الأرض الموقوفة إذا تعطلت؛ لأن الأرض قد تخرب فلا تغل إلا بمؤنة تربو على قيمتها وغلتها، وفي البزازي ما هو أعلى من هذا، وهو ما روي عن محمد؛ أن أرض الوقف لو قل ريعها فللقيم أن يبيعها ويشتري بثمنها أرضًا أخرى ريعها أكثر نفعًا للفقراء، فجوَّز استبدال الأرض بالأرض. ا. هـ" (٢).
٥ - قال ابن عابدين في حاشيته رد المحتار: "مطلب لا يستبدل العامر إلا في أربع (٣) ... الرابعة: أن يرغب إنسان فيه ببدل أكثر غلة وأحسن صقعًا؛ فيجوز على قول أبي يوسف، وعليه الفتوى كما في فتاوى قارئ الهداية".
قال صاحب النهر في كتابه إجابة السائل قول قارئ الهداية والعمل على قول أبي يوسف معارَض بما قاله صدر الشريعة، نحن لا نفتي به، وقد شاهدنا في الاستبدال ما لا يعد ويحصى؛ فإن ظلمة القضاة جعلوه حيلة لإبطال أوقاف المسلمين، وعلى تقديره فقد قال في الإسعاف: المراد بالقاضي هو قاضي الجنة المفسر بذي العلم والعمل. ا. هـ، بينما قال العلامة البيري بعد نقله: أقول: وفي فتح القدير والحاصل أن الاستبدال إما
стр. 1331
عن شرط الاستبدال أو لا عن شرطه، فإن كان لخروج الوقف عن انتفاع الموقوف عليهم فينبغي أن لا يختلف فيه، وإن كان لا لذلك بل اتفق أنه أمكن أن يؤخذ بثمنه ما هو خير منه مع كونه منتفعًا به فينبغي أن لا يجوز؛ لأن الواجب إبقاء الوقف على ما كان عليه دون زيادة، ولأنه لا موجب لتجويزه؛ لأن الموجب في الأول الشرط وفي الثاني الضرورة، ولا ضرورة في هذا؛ إذ لا تجب الزيادة، بل نبقيه كما كان. ا. هـ، أقول: ما قاله هذا المحقق هو الحق الصواب. ا. هـ كلام البيري، وهذا ما حرره العلامة القنالي كما قدمناه (١).
ثم بيَّن ابن عابدين أن صدر الشريعة إنما منع من الصورة الرابعة، وفسرها بقوله: "أي استبدال العامر إذا قل ريعه ولم يخرج عن الانتفاع بالكلية وهو الصورة الرابعة" (٢).
٦ - وذكر ابن نجيم الأسباب المجوزة لبيع الوقف بعد لزومه، وذكر منها: "إما بشرط الاستبدال وهو صحيح على قول أبي يوسف المفتى به، أو بضعف غلته كما هو قولهما" (٣).
٧ - ونقل ابن عابدين عن صاحب البحر في رسالته في الاستبدال أن الخلاف في الثالث إنما هو في الأرض إذا ضعفت عن الاستغلال، بخلاف الدار إذا ضعفت بخراب بعضها ولم تذهب أصلًا، فإنه لا يجوز حينئذ الاستبدال على كل الأقوال، قال: ولا يمكن قياسها على الأرض؛ فإن الأرض إذا ضعفت لا يرغب غالبًا في استئجارها بل في شرائها، أما الدار فيرغب في استئجارها مدة طويلة لأجل تعميرها للسكنى (٤).
وعليه؛ فلو كثر أولاد الواقف وولد ولده ونسله حتى ضاقت الدار عليهم ليس لهم إلا سكناها تُقَسَّطُ على عددهم.
ولو كانوا ذكورًا وإناثًا إن كان فيها حجر ومقاصير كان للذكور أن يسكنوا نساهم معهم وللنساء أن يسكن أزواجهن معهن.
стр. 1332
وإن لم يكن فيها حجر لا يستقيم أن تقسم بينهم ولا يقع فيها مهايأة إنما سكناها لمن جعل الواقف له ذلك لا لغيرهم.
وعن هذا يعرف أنه لو سكن بعضهم فلم يجد الآخر موضعًا يكفيه لا يستوجب الآخر أجرة حصته على الساكنين، بل إن أحب أن يسكن معه في بقعة من تلك الدار بلا زوجة أو زوج إن كان لأحدهم ذلك، وإلا ترك المتضيق وخرج، أو جلسوا معًا كل في بقعة إلى جنب الآخر (١).
خامسًا: انتهاء الوقف بانقراض الموقوف عليهم:
لقد تحدث الفقهاء من مسألة: انقراض الموقوف عليهم في كل من الوقف الأهلي؛ والوقف الخيري من ناحيتين: الأولى منهما: تتعلق بصحة هذا النوع من الوقف وعدمه، وأما الناحية الثانية: فبناء على القول بصحة الوقف على من ينقرض؛ هل ينتهي الوقف بانقراض الموقوف عليهم؟ وسوف نعرض لذلك مركزين على الناحية الثانية؛ لأنها تدخل في موضوعنا، والأمر في هذه المسألة لا يخلو من أربعة أنواع؛ وهي (٢):
النوع الأول: أن يكون الموقوف عليهم جهة غير منقطعة؛ كالوقف على الفقراء والمساكين والمساجد، أو على طائفة لا يجوز بحكم العادة انقراضهم؛ كحفظة القرآن الكريم، ومصالح الحرم .. وهو صحيح بالاتفاق (٣).
стр. 1333
وأما ما يترتب على انقطاع هذا الوقف فسيبحث فيما يترتب على انتهاء الوقف.
النوع الثاني: أن يكون الموقوف عليهم جهة منقطعة: كالوقف على قوم يجوز انقراضهم بحكم العادة، ولم يجعل آخره للمساكين؛ فقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول: أن الوقف في هذا النوع صحيح، وإليه ذهب جمهور الفقهاء من المالكية، والحنابلة، والزيدية، والإباضية، والإمامية، وأبي يوسف من الحنفية، والشافعي في قول ثانٍ (١):
استدل أصحاب هذا القول:
١ - بأنه تصرف معلوم المصرف؛ فصحَّ، كما لو صرح بمصرفه المتصل.
٢ - لأن الإطلاق إذا كان له عرف، حمل عليه، كنقد البلد وعرف المصرف، وها هنا هم أولى الجهات به، فكأنه عينهم (٢).
وإذا ثبتت صحة الوقف في هذا النوع فقد اختلف في انصرافه عند انقراض الموقوف عليهم على آراء، سيأتي تفصيلها فيما يترتب على انتهاء الوقف.
стр. 1334
القول الثاني: لا يصح الوقف في هذا النوع؛ لأن الوقف مقتضاه التأبيد، فإذا كان منقطعًا صار وقفًا على مجهول، فلم يصح، وإليه ذهب محمد بن الحسن من الحنفية وهو المفتي به عندهم، والشافعي في أحد قوليه، واستدل أصحاب هذا القول (١):
١ - بالقياس على من وقف على مجهول في الابتداء.
٢ - لأنه لا بد من بيان جهة قرية لا تنقطع؛ لأن مقتضى الوقف التأبيد، وفي هذه الحالة يصير الوقف على مجهول.
النوع الثالث: أن يكون الوقف منقطع الابتداء: كالوقف على من لا يجوز الوقف عليه، كالوقف على نفسه، أو على كنيسة، أو على مجهول غير معين، فإن لم يذكر له مالًا يجوز الوقف عليه ففيه قولان:
القول الأول: يكون الوقف باطلًا، وهو قول الجمهور (٢).
القول الثاني: أن الوقف على النفس صحيح (٣)، وإليه ذهب الظاهرية، وأبو يوسف من الحنفية (٤).
واستدل أصحاب هذا القول:
١ - بقول النبي ﷺ : "ابدأ بنفسك فتصدق عليها" (٥).
وجه الدلالة: أمر النبي ﷺ بالبدء بالنفس للتصدق عليها عام في كل صدقة؛ ومنها: الوقف.
стр. 1335
٢ - بقول عمر ﵁: "تصدق بالثمرة" (١).
وجه الدلالة: إطلاق عمر ﵁ التصدق بالثمرة يدل على جواز صدقته على نفسه، وعلى من شاء.
النوع الرابع: أن يكون الوقف صحيح الطرفين، منقطع الوسط: مثل أن يقف على ولده، ثم على مجهول غير معين، ثم على المساكين، خرج في صحة الوقف وجهان، كمنقطع الانتهاء؛ لأن الوقف للتأبيد، ثم ينظر فيما لا يجوز الوقف عليه، فإن لم يمكن اعتبار انقراضه ألغيناه إذا قلنا بالصحة، وإن أمكن اعتبار انقراضه فهل يعتبر أو يلغى؟ على وجهين، كما سبق (٢).