← Фикх общий

Фикх общий · id 308

مدونة أحكام الوقف الفقهية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

يكون صريحًا بلفظ ما؛ لأنه صريح في التمليك المحض، وأما النية، فإن أضاف إلى جهة عامة بأن قال: تصدقت به على المساكين، ونوى الوقف .. فوجهان؛ أحدهما: أن النية لا تلتحق باللفظ في الصرف عن صريح الصدقة إلى غيره، وأصحهما: تلتحق فيصير وقفًا، وإن أضاف إلى معين فقال: تصدقت عليك، أو قاله لجماعة معينين .. لم يكن وقفًا على الصحيح، بل ينفذ فيما هو صريح فيه، وهو التمليك المحض (١). ووافق الإباضية الشافعية في انعقاد الوقف بلفظ تصدقت، إذا أضافه إلى جهة عامة ونوى، فقد جاء في شرح النيل: "ولو قال: تصدقت به على المساكين، ونوى الوقف، فعندنا أنه وقف، وأصح وجهي الشافعية، والوجه الآخر أنها صدقة" (٢). وذهب الحنابلة إلى أنه إذا انضم إلى لفظ "الصدقة" أحد ثلاثة أشياء؛ فإنه يحصل الوقف به: أحدها: أن ينضم إليه لفظ آخر يخلصه للوقف، فيقول مثلًا: صدقة موقوفة، أو محبسة، أو مسبلة، أو محرمة، أو مؤبدة، الثاني: أن يصف الصدقة بصفات الوقف، فيقول: صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث؛ لأن هذه القرينة تُزيل الاشتراك، الثالث: أن ينوي الوقف، فيكون على ما نوى، إلا أن النية تجعله وقفًا في الباطن دون الظاهر؛ لعدم الاطلاع على ما في الضمائر (٣). وصرّح الإمامية بأنّه لو قال الواقف: جعلته صدقة مؤبدة محرمة، كفي؛ لأنه كالصريح، أما لفظ "تصدقت" المجرد فإن انعقاد الوقف عندهم يفتقر إلى قرينة؛ كالتأبيد، ونفي البيع والهبة والإرث، فيصير بذلك صريحًا (٤).

стр. 177

اللفظ الرابع: لفظ "التحريم ": اختلف الفقهاء في حصول الوقف بلفظ التحريم: ١) فذهب الحنفية، والحنابلة، والشافعية في الأصح، والإباضية، والزيدية في قول، إلى أن لفظ: "حرمت" من كنايات الوقف؛ لأن التحريم يستعمل في الظهار والأيمان، ويكون تحريمًا على نفسه وعلى غيره؛ ولأنه لا يستعمل مستقلًا، وإنما يؤكد به ألفاظ الوقف الأخرى (١). وقال الحنابلة: الكناية يحصل بها الوقف إذا انضم إليها أحد ثلاثة أشياء؛ أحدها: أن ينضم إليها لفظة أخرى تخلصها للوقف من سائر ألفاظ الوقف، الثاني: أن يصفها بصفات الوقف، الثالث: أن ينوي بها الوقف (٢).

стр. 178

٢) ويرى الشافعية في مقابل الأصح، والزيدية في المذهب إلى أن لفظ: "حرمت"، صريح في الوقف (١)، وعلّل الشربيني هذا القول بأنه لفظ يفيد الغرض؛ كالتسبيل (٢). وقال الشيخ أحمد بن المرتضى الزيدي في معرض الرد على من يقول بأن لفظ "حرمت" يتردد بين الحظر والوقف: قلنا: هذا في الأصل لا العرف، وصرّح الحنفية بأنه لو قال الواقف: حرمت أرضي هذه، أو هي محرمة، هو كقوله: موقوفة، على قول أبي يوسف، فيكون وقفًا عنده (٣)؛ لأن العرف الظاهر فيما بين الناس أنهم يريدون بهذا اللفظ الوقف على الفقراء، وكان مشايخ بلخ يفتون بقول أبي يوسف، قال الصدر الشهيد في واقعاته: ونحن نفتي به أيضًا (٤). وقال محمد وهلال: أنه لا يكون وقفًا؛ لأن هذا اللفظ يحتمل الوقف على الأغنياء كما يحتمل الوقف على الفقراء، فلا يكون وقفًا بالشك (٥)، ولم يذكر المالكية لفظ التحريم ضمن الألفاظ المجردة للوقف، فقال ابن شاس: "الألفاظ التي يطلقها الواقف ضربان: الضرب الأول: ألفاظ مجردة، وهي قوله: وقفت، وحبست، وتصدقت، والضرب الثاني: ألفاظ يقترن بها ما يقتضي التأبيد، وهو قوله: محرم لا يباع ولا يوهب، أو يكون على مجهولين أو موصوفين؛ العلماء والفقراء، فيجري مجرى المحرم باللفظ" (٦).

стр. 179

اللفظ الخامس: لفظ "التأبيد ": إذا قال شخص: أبّدت هذه الدار على الفقراء والمساكين في البلدة الفلانية؛ فهل يعتبر لفظ "التأبيد" صريحًا في الدلالة على الوقف أو كناية؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: ذهب الحنفية في نقل صاحب الجوهرة (١)، والشافعية في الأصح (٢)، والحنابلة في الأصح (٣)، والإمامية (٤)، والإباضية (٥) إلى أن هذا اللفظ يعتبر من كنايات الوقف؛ لعدم خلوصه عن الاشتراك؛ لأن "التأبيد" يستعمل في كل ما يراد تأييده من وقف وغيره، فلا يصح الوقف به مجردا عما يصرفه إليه؛ ككنايات الطلاق فيه (٦). قال البهوتي: "لا يصح الوقف بالكناية إلا أن ينوية المالك، فمتى أتى بإحدى الكنايات واعترف أنه نوى بها الوقف لزمه في الحكم؛ أنها بالنية صارت ظاهرة فيه، وإن قال: ما أردت بها الوقف؛ قُبل قوله، لأنه أعلم بما في ضميره؛ لعدم الاطلاع على ما في الضمائر" (٧).

стр. 180

القول الثاني: ذهب الزيدية (١)، والشافعية في مقابل الأصح (٢)، وأبو الفرج بن الجوزي من الحنابلة (٣) إلى أن هذا اللفظ صريح في الدلالة على الوقف. قال الصنعاني: "وألفاظه: وقفتُ حبست، وسبّلتُ وأبّدتُ؛ فهذه صرائح ألفاظه" (٤). وقال المرداوي الحنبلي: "وأما أبدتُ؛ فالصحيح من المذهب أنها من ألفاظ الكناية، عليه جماهير الأصحاب، وقطع به الأكثر، وذكر أبو الفرج: أن أبدّت صريح فيه" (٥). وأما المالكية وجمهور الحنفية فيذكرون لفظ "التأبيد"، وما يشتق منه تأكيدًا لما يقترن به من سائر ألفاظ الوقف (٦). جاء في الفتاوى الهندية: إذا قال: أرضي هذه صدقة محرَّرة مؤيدة حال حياتي وبعد وفاتي، أو قال: أرضي هذه صدقة موقوفة محبوسة مؤبدة حال حياتي وبعد

стр. 181

وفاتي، أو قال: أرضي هذه صدقة محبوسة مؤيدة، أو قال: حبيسة مؤيدة حال حياتي وبعد وفاتي، يصير وقفًا جائزًا لازمًا على الفقراء عند الكل (١). وصرّح المالكية بأن ألفاظ الوقف قسمان: ألفاظ مجردة، وألفاظ يقترن بها ما يقتضي التأبيد، نحو محرم، أو مؤبد، أو لا يباع ولا يوهب (٢). اللفظ السادس: لفظ "الجعل ": إذا قال شخص: جعلت هذه الدار مسجدًا؛ فهل يعتبر لفظ الجعل صريحًا في الدلالة على الوقف أو كناية؟ اختلف الفقهاء في اعتبار ذلك صريحًا في الوقف أو كناية أو غير ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: ذهب الإباضية (٣)، والإمامية في قول (٤)، والزيدية في قول .. إلى أن لفظ: "جعلت" كناية ينشأ به الوقف. فما ذكره الزيدية: أن إضافة هذا اللفظ إلى

стр. 182

المساجد والفقراء ونحوها، فإنه يراد به الوقف، لأجل العرف، وأما إذا أضافه إلى رجل معين فقيرًا كان أو غنيًا؛ فلا كون وقفًا، وإنما يكون نذرًا؛ لأن هذا اللفظ غير كافٍ في الدلالة على الوقف، ما لم ينضم إليه ما يدل على إنشاء الوقف (١). القول الثاني: ذهب الشافعية في القول الأصح، والحنابلة، والزيدية في قول، والإمامية في قول آخر .. إلى أنّ لفظ: "جعلتُ" يعتبر صريحًا في الوقف (٢). واستدلوا لذلك بما يأتي: ١ - عن أَبِي سَلمةَ بشرِ بن بَشيرٍ الأسلميِّ، عَن أَبيهِ، قَالَ: لمَّا قَدِمَ المُهاجرُونَ المَدينةَ استَنكرُوا المَاءَ، وكَانت لِرجُلٍ مِن بَنِي غِفَارٍ عينُ يُقالُ لَهَا رُومَةٌ، وَكانَ يَبِيعُ مِنهَا القَربَةَ بِمُدٍّ فقَالَ له رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بِعنِيها بعَين في الجنَّة"، فقال: يا رَسُولَ الله لَيسَ لِي، وَلَا لعيالي غَيرُها، لا أستطيع ذَلكَ، فَبَلغَ ذَلِكَ عُثمَانَ ﵁ فاشتَرَاهَا بِخَمسَةٍ وثَلاثِينَ أَلفَ دِرهمٍ، ثُمَّ أتى النَّبِيَّ، ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، أَتجعلُ لِي مِثلَ الَّذي جَعَلتهُ له عَينًا في الجَنَّةِ إِنِ اشَترَيتُهَا؟ قال: "نَعم"، قال: قَدِ اشتَرَيتُهَا، وَجَعَلتُهَا للمُسلِمِينَ (٣)، فقد استعمل لفظ "جعلتُ" في وقف البئر. ٢ - لأن لفظ: "جعلتُ" يشعر بالمقصود من الوقف (٤).

стр. 183

٣ - لأن العُرف في بعض البلاد دلَّ على استعماله في الوقف (١)، وقد قرر الفقهاء قاعدة فقهية: "استعمال الناس حُجة يجب العمل به" (٢). القول الثالث: ذهب بعض الشافعية، منهم أبو طاهر والمتولي والبغوي .. إلى أن لفظ "جعلتُ" لا يعتبر من ألفاظ الوقف، فلا يصير الموقوف بهذا اللفظ وقفًا؛ لأنه لم يوجد شيء من ألفاظ الوقف في هذه الصيغة (٣). وذكر الحنفية لفظ "جعل" ضمن الألفاظ الدالة على الوقف، وقالوا: جعلتها للفقراء، إن تعارفوه وقفًا عُمل به، وإلا سُئل، فإن أراد الوقف فهي وقف، أو الصدقة فهي، وهذا عند عدم النية، لأنه أدنى، فإثباته به عند الاحتمال أولى (٤)، وذكروا في موضع آخر: جعلتُ حجرتي لدهن سراج المسجد، ولم يزد عليه؛ صارت الحجرة وقفًا على المسجد، وليس للمتولي أن يصرف إلى غير الدهن (٥). ثانيا: الإيجاب بالإشارة: الإشارة: التلويح بشيء يُفهم منه المراد، وهي ترادف النطق في فهم المعنى (٦). والإشارة في الإيجاب تعني: إقامة الحركة مقام النطق في التعبير عن إرادة الموجب، وهي إما أن تصدر من غير القادر على النطق ولا على الكتابة، وإما أن تصدر من القادر على النطق، وإما أن تصدر من غير القادر على النطق ولكنه قادر على الكتابة.

стр. 184

وفيما يأتي بيان لحكم استعمال الإشارة في هذه الأحوال: الحال الأولى: حال صدور الإشارة من الواقف غير القادر على النطق، ولا على الكتابة: مثل الأخرس الذي لا يحسن الكتابة؛ فقد اتفق الفقهاء على إقامة إشارته المفهمة مقام النطق (١)؛ لأن الإشارة فيها بيان، ولكن الشارع تعبّد الناطقين بالعبارة، فإذا عجز الأخرس بخرسه من العبارة أقامت الشريعة إشارته مقام عبارته، كما أن المعتبر في قيام الإشارة مقام العبارة: الضرورة (٢). قال ابن نجيم الحنفي في الأشباه والنظائر: الإشارة من الأخرس معتبرة، وقائمة مقام العبارة في كل شيء، إلا في الحدود (٣). وقد صرّح الخطيب الشربيني الشافعي باعتبار إشارة الأخرس في الوقف؛ حيث قال: "ولا يصح الوقف إلا بلفظ من ناطق يُشعر بالمراد؛ كالعتق، بل أولى، وكسائر

стр. 185

التمليكات، وفي معناه إشارة الأخرس المفهمة" (١)، وقد قرر الفقهاء قاعدة فقهية: إشارة الأخرس المعهودة كالبيان باللسان (٢). قال سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام: "وأمَّا إشارةُ الأخرسِ المُفْهِمَةِ فهيَ كصريح المَقال إن فهمها جميعُ النَّاسِ، كَمَا لو قِيلَ لَهُ كَم طلَّقت امرأتك، فأشار بأصابعهِ الثَّلاثِ، وكَم أَخَذْت من الدَّراهِم؟ فأشارَ بأصابعهِ الخَمسِ، وإن كانت ممَّا يفهمُهُ النَّاسُ نُزِّلَت منزلةَ الظَّواهِرِ، وَإِن كانت ممَّا يتردَّدُ فيهِ نُزِّلَت مَنزلةَ الكنايات، وكذلكَ من اُعتُقل لسانُهُ بمرضٍ غَيرهِ؛ فقيلَ لَهُ: لِفُلانٍ عَليك ألفٌ؛ فَأشَارَ بِرَأسِهِ؛ أي نَعَم، أو أشارَ بِرأسِهِ إلى فَوقٍ؛ أي لا شيء له، وكذا لو قيل لهُ: قَتلت زيدًا؟ وكذلِكَ كتابتُهُ تقوم مقام إشارتهِ، وأمَّا كتابهُ غَيرِهِ من القادرينَ عَلَى النُّطقِ؛ ففي إقامتها مقام كلامه قولانِ" (٣). الحال الثانية: حال صدور الإشارة من القادر على النطق: فقد اختلف الفقهاء في إقامة إشارته مقام النطق على قولين: القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والشافعية والحنابلة، والزيدية، والإمامية، والإباضية .. إلى أن إشارة القادر على النطق لا تقوم مقام اللفظ؛ لأن

стр. 186

الأصل في التعبير عن الإرادة والرضا بالعقد الكلام، ولا يُلجأ إلى غير الكلام إلا للضرورة، ومن هو قادر على النطق والكلام لا تقوم به ضرورة إلى استعمال الإشارة (١). القول الثاني: ذهب المالكية إلى أن الإشارة (٢) من القادر على النطق تقوم مقام الكلام في التعبير عن الإرادة؛ واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ (٣)، فالقرآن الكريم سمى الإشارة كلامًا في هذه الآية (٤)، فينشأ بها الوقف كما ينشأ بالكلام. الحال الثالثة: حال صدور الإشارة من الواقف غير القادر على النطق لكنه قادر على الكتابة: فقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

стр. 187

القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من المالكية، والشافعية، والحنابلة، والزيدية، والإمامية، والإباضية، والحنفية في المعتمد .. إلى أن وقف الأخرس الذي يُحسن الكتابة ينعقد بإشارته المفهومة؛ لأنه عند العجز عن النطق (الكلام) ينتقل إلى ما يقوم مقام النطق من الإشارة والكتابة، وهما في ذلك سواء، لا فرق بينهما في محل النطق (١). القول الثاني: ذهب بعض الحنفية إلى أن وقف الأخرس الذي يحسن الكتابة لا ينعقد بإشارته؛ لأنه عند العجز عن النطق يصار إلى الكتابة؛ لأنه يعرفها كل من قرأ؛ بخلاف الإشارة، فإنه لا يعرفها كل الناس، ولو كانوا يقرؤون؛ لأن في دلالتها اشتباه، فكانت أقوى منها في الدلالة، وتُقدَّم عليها (٢). مسألة: الإيجاب بإشارة معتَقَل اللسان: قال الحنفية: معتقل اللسان الذي احتبس لسانه بحيث لا يقدر على النطق (٣)، وقال علي حيدر: "الخرس على نوعين: خرس أصلي، وخرس عارض .. والخرس العارض يسمى اعتقال اللسان، وهو يحدث للإنسان بمرض أو خوف أو سقوط من

стр. 188

شاهق .. أو غير ذلك، وربما زال فانطلق اللسان" (١)، وقال السيوطي من الشافعية: "المعتقل لسانه واسطة بين الناطق والأخرس" (٢)، وذهب الحنفية فيما عليه الفتوي، والحنابلة في وجه خرّجه ابن عقيل .. إلي أن معتقل اللسان يجوز وقفه بالإشارة إن دامت العُقْلة إلي وقت الموت، وإلا بطل (٣). قال الطوري، في معرض الاستدلال علي عدم الاعتداد بإشارة معتقل اللسان في تصرفاته: لنا أن الإشارة إنما تقوم مقام العبارة إذا صارت معهودة، وذلك في الأخرس دون معتقل اللسان، حتى لو امتد ذلك وصارت إشارته معهودة صار بمنزلة الأخرس، وقَدّر مدة الامتداد في المحيط بشهر، وفي جامع الفصولين بستة أشهر، وقدّر التمرتاشي الامتداد بسنة، وذكر الحاكم أبو محمد روايةً عن أبي حنيفة فقال: إذا دامت العُقلة إلى وقت الموت؛ يجوز إقراره بالإشارة، ويجوز الإشهاد عليه؛ لأنه عجز عن النطق بمعنى لا يرجى زواله، فكان كالأخرس، قال: وعليه الفتوى (٤)، وقال السرخسي: "وإن اعتقل لسانه، لا ينفذ تصرفه بإشارته؛ لأنه لم يقع اليأس عن نطقه، وإقامة الإشارة مقام العبارة عند وقوع اليأس عن النطق لأجل الضرورة" (٥). وذهب الحنابلة في المذهب، والثوري، والأوزاعي .. إلى أن معتقل اللسان لا يصح وقفه بالإشارة؛ لأنه غير مأيوس من نطقه، فلم يصح وقفه بإشارته، كالقادر على الكلام (٦).

стр. 189

وروى ابن أبي شيبة عن قتادة، عن خِلاس، أن امرأة قيل لها في مرضها: أوصي بكذا؛ فأومأت برأسها، فلم يُجزه علي بن أبي طالب (١). ويرى المالكية، والشافعية، وابن المنذر، والزيدية .. أن وقف معتقل اللسان بإشارته صحيح (٢). قال سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام: "وَأَمَّا إشَارةُ الْأَخْرَس الْمُفْهَمَة فَهيَ كَصَرِيح المِقِالِ إنْ فَهمَهَا جميع النَّاس، كَمَا لَوْ قِيلَ لَهُ: كَمْ طَلَّقْت امْرَأَتَك؟ فَأَشَارَ بِأَصَابِعِه الثَّلَاثِ، وَكَمْ أَخَذْت مِنْ الدَّرَاهِم؟ فَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الخَمْسِ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يَفْهَمُهُ النَّاسُ مَنْزِلَةَ الظَّوَاهِر، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يَتَرَدَّدُ فِيهِ نُزِّلَتْ مَنْزِلَةَ الْكِنَايَاتِ، وَكَذَلِكَ مَنْ اُعْتُقِلَ لِسَانُهُ بمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَقِيلَ: لِفُلَان عَلَيْك أَلْفٌ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ؛ أَيْ نَعَم، أَوْ أَشَارَ بِرَأْسِهِ إلَى فَوْقٍ؛ أَيْ لا شَيْء لَه، وَكَذَا لَوْ قِيلَ له: قَتَلْتَ زَيْدًا؟ وكَذَلِكَ كِتَابَتُهُ تَقُوم مَقَامَ إِشَارَتِهِ" (٣). وذكر الحطّاب في تعليقه على عبارة الباجي أن: "كل إشارة فهم منها الإيجاب والقبول لزم منها البيع": وغير الأخرس كالأخرس، وأضاف: "كلام الباجي الذي ذكره ابن عرفة دالٌّ على ذلك، ونصه في المنتقى: وكل لفظ أو إشارة فهم منها الإيجاب والقبول؛ لزم بها البيع وسائر العقود" (٤).

стр. 190

ثالثًا: الإيجاب بالكتابة: الكتابة: جمع الحروف المنظومة وتأليفها بالقلم ونحوه، والكتابة اسم للكتاب، والكتاب يعبر به عن الإثبات والتقدير والإيجاب وغيرها (١)، والكتابة إما أن تصدر من غير القادر على النطق، وإما أن تصدر من القادر على النطق. وفيما يأتي بيان أحكام هاتين الحالتين: الحال الأولى: صدور الكتابة من الواقف غير القادر على النطق مثل الأخرس: اتفق الفقهاء على إقامة كتابته مقام النطق، وعلى هذا الأساس وضعت القاعدة الفقهية: الكتاب كالخطاب (٢). وقال ابن القيم: "من عرف مراد المتكلم بدليل من الأدلة وجب اتباع مراده، والألفاظ لا تقصد لذاتها، وإنما هي أدلة يستدل بها على مراد المتكلم، فإذا ظهر مراده ووضح بأي طريق كان؛ عُمل بمقتضاه، سواء كانت بإشارة أو كتابة، أو إيماء أو دلالة، أو قرينة حالية، أو عادة له مطَّردة لا يُخلُّ بها" (٣).

стр. 191

ويُشترط في اعتبار الكتابة أن تكون مستبينة؛ بأن تبقى صورتها بعد الانتهاء منها، أما إذا كانت غير مستبينة فلا تعتبر؛ كالكتابة على الماء، أو الكتابة في الهواء (١). قال الأتاسي: "وأما شروط الكتابة المعمول بها؛ ففي الزيلعي: الكتاب على ثلاث مراتب: - مستبين مرسوم، وهو أن يكون معنونًا؛ أي مصدرًا بالعنوان، وهو أن يكتب في صدره: من فلان إلى فلان، على ما جرت به العادة في تسيير الكتاب، فيكون هذا كالنطق، فيلزم حجة. - ومستبين غير مرسوم؛ كالكتابة على الجدران وأوراق الأشجار، أو على الأوراق لا على وجه الرسم، فإن هذا يكون لغوًا؛ لأنه لا عرف في إظهار الأمر بهذا الطريق، فلا يكون حجة إلا بانضمام شيء آخر إليه؛ كالنية والإشهاد عليه والإملاء على الغير حتى يكتبه؛ لأن الكتابة قد تكون للتجربة، وقد تكون للتحقيق، وبهذه الأشياء تتعين الجهة، وقيل: الإملاء من غير إشهاد لا يكون حجة، والأول أظهر. - وغير مستبين؛ كالكتابة على الهواء أو الماء، وهو بمنزلة كلام غير مسموع، ولا يثبت به شيء من الأحكام وإن نوى" (٢).

стр. 192

قال الأتاسي (معلقًا على عبارة الزيلعي): "عُلم من هذا أن الشرط في الكتابة المقبولة التي هي في حكم الخطاب أن تكون مستبينةً ومعنونة، فلو غير مستبينة أو غير معنونة، بأن لم تكن على الرسم المعتاد، فلا يُعمل بها إلا بالنية أو بالإشهاد عليه أو الإملاء على الغير" (١). الحال الثانية: صدور الكتابة من القادر على النطق: صدور الكتابة أو الرسالة من القادر على النطق، إما أن يكون من الغائب، وإما أن يكون من الحاضر. أ) أما صدور الإيجاب بالوقف بإرسال رسول، أو بالكتابة من القادر على النطق من غير أن يتلفظ به؛ فقد اتفق الفقهاء على أن إرسال رسول أو كتابة كتاب من القادر على النطق يقوم مقام اللفظ في التعبير عن الإرادة (٢). واشترط الشافعية لحصول الوقف بالكتابة اقترانها بالنية، فقال الخطيب الشربيني: "وَالْكِتَابَةُ بِالْبَيْعِ وَنَحْوَهِ عَلَى نَحْوِ لَوْحٍ أَوْ وَرَقٍ أَوْ أَرْضٍ كِنَايَةٌ فِي ذَلِكَ، فَيَنْعَقِدُ بِهَا مَعَ النِّيَّةِ" (٣). وقال الزيدية: لو كتب صريح الوقف؛ نحو: تصدقتُ لله، فهو غير كافٍ؛ لأن الكتابة بالوقف كناية، يشترط فيها النطق بالقربة أو بما يدل عليها، فعلى هذا يلزم

стр. 193

ألا يكفي كتابة القرية مع كتابة صريح الوقف، بل لا بد أن ينطق بأيهما حال الكتابة أو بعد، وإلا لم يصح (١). ب) وإذا صدر الإيجاب بالوقف بالكتابة من القادر على النطق، من غير أن يتلفظ به وهو حاضر؛ فقد فقد اختلف الفقهاء في صحته على قولين: القول الأول: مذهب الحنفية، والحنابلة، والشافعية في أحد الوجهين، والإباضية، والإمامية .. أن الوقف لا ينعقد بالكتابة في هذه الحالة (٢). القول الثاني: يرى المالكية، والشافعية في المعتمد، والزيدية انعقاد الوقف بالكتابة عند الحضور (٣). رابعا: الإيجاب بالفعل: الفعل في الوقف هو ما يصدر من الواقف من عمل يدل على الوقف؛ كالتخلية، والمعاطاة، وفيما يأتي بيان ذلك.

стр. 194

أ) الإيجاب بالتخلية: التخلية في الوقف: هي رفع الموانع، والتمكين من القبض (١)، مثل أن يأذن شخص للناس بالصلاة في مسجد بناه، أو رفع الأذان في بناء بناه بهيئة مسجد، أو أن يهيئ طريقًا أو جسرًا في أرضه، ويخلي بين الناس وبين الانتفاع به (٢). وقد اختلف الفقهاء في إنشاء الوقف بالتخلية على ثلاثة أقوال: القول الأول: ذهب الحنفية، والمالكية، والزيدية، والحنابلة في رواية، وبعض الإمامية إلى أن الوقف يحصل بالفعل مطلقًا، حيث أجازوا إنشاء الوقف بكل فعل يدل على الوقف، وفي جميع الموقوفات: من مساجد، ومدارس، ومقابر، وجسور، وسقايات .. وغير ذلك، فالضابط عندهم ما جرى العرف على اعتبار الفعل قائمًا مقام اللفظ في الوقف؛ فيدل على إنشاء الوقف (٣). قال هلال الرأي الحنفي: "وإذا جعل الرجل داره مسجدًا للمسلمين، وبناها كما تُبني المساجد، وأشهد الله على أنه جعلها مسجدًا، فهذا عندنا جائز، وإن لم يكن صُلي فيها، وهذا خلاف قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى؛ وكان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول: لا يكون مسجدًا حتى يُصلى فيه" (٤).

стр. 195

وقد ذكر السرخسي عدة تطبيقات على ما يوقف بالفعل؛ منها: إذا جعل أرضًا له مقبرة للمسلمين، وأذن لهم أن يقبروا فيها، فيفعلون، فليس له - بعد أن يخلي بين المسلمين وبينها ويقبروا فيها إنسانًا واحدًا أو أكثر - أن يرجع فيها، ومنها: إذا جعل الواقف دارًا له خانًا للمسلمين، وخلّى بينهم وبينها، فدخلها بإذنه رجل واحد أو أكثر، ومنها: أن يكون لرجل دار بمكة المكرمة، فيخلّي بينها وبين الحجاج والمعتمرين لينزلوا فيها (١). وذكر الدسوقي المالكي: أن لفظ "حبستُ" و"وقفتُ"، أو ما يقوم مقامهما؛ كالتخلية بَينَ مسجد وبين الناس، وإن لم يخص قومًا دون قوم، ولا فرضًا دون نفل، فإذا بنى مسجدًا، وأذن فيه للناس، فذلك كالتصريح بأنه وقف، وإن لم يخص زمانًا ولا قومًا، ولا قيد الصلاة بكونها فرضًا أو نفلًا، فلا يحتاج إلى شيء من ذلك، ويحكم بوقفيته (٢). وقال ابن قدامة الحنبلي: وظاهر مذهب أحمد أن الوقف يحصل بالفعل مع القرائن الدالة عليه؛ مثل أن يبني مسجدًا، ويأذن للناس في الصلاة فيه، أو مقبرة ويأذن في الدفن فيها، أو سقاية ويأذن في دخولها، فإنه قال في رواية أبي داود وأبي طالب، فيمن أدخل بيتًا في المسجد، وأذن فيه: لم يرجع فيه (٣).

стр. 196

وقال ابن مفتاح الزيدي: "ومن فعل في شيء ما ظاهره التسبيل خرج بذلك عن ملكه؛ كنصب جسر لتمضي عليه المارة، وكذا تعليق باب المسجد" (١). واستدل القائلون بهذا القول لذلك بأن العرف جار بذلك، وفيه دلالة على الوقف، فجاز أن يثبت به كالقول، وجرى مجرى من قدم إلى ضيفه طعامًا كان إذنًا في أكله، ومن ملأ خابية ماء على الطريق كان تسبيلًا له، ومن نشر على الناس نثارًا كان إذنًا في التقاطه، وأبيح أخذه، وكذلك دخول الحمام واستعمال مائه من غير إذن مباحٌ بدلالة الحال (٢)؛ ولأن هذا الفعل يعد بمثابة التسليم عند من يشترطه (٣). القول الثاني: ذهب الحنابلة في رواية اختارها القاضي، والإباضية (٤)، وأكثر الإمامية إلى أن الوقف لا يحصل بالفعل مطلقًا. قال ابن قدامة الحنبلي: "وذكر القاضي فيه رواية أخرى أنه لا يصير وقفًا إلا بالقول" (٥)، وقال الكركي الجعفري: "ولا يحصل الوقف بالفعل؛ كبناء مسجد، وإن أذن في الصلاة فيه أو صُلي، ما لم يقل: جعلته مسجدًا، لا يحصل الوقف بالفعل، وإن حُفَّ بالقرائن، وكذا إذا اتخذ مقبرة، وأذن للناس فيها، أو سقاية، ويأذن في دخولها" (٦)، واستدلوا لذلك بأن الوقف عقد يفتقر إلى الإيجاب والقبول، كما أن له شروطًا لا تكفي فيها القرائن، ما لم يكن هناك لفظ يدل عليه كما في سائر التمليكات، والفرق بين الوقف وبين تقديم الطعام للضيف، ووضع خابية ماء على قارعة الطريق، ونثار شيء على الناس، ونحو ذلك. . أن هذه إنما تستفاد منها الإباحة، بخلاف الوقف؛ فإنه يقتضي نقل الملك (٧).

стр. 197

القول الثالث: ذهب الشافعية إلى أن الأصل عدم حصول الوقف بالفعل، لكن يستثنى من ذلك المساجد والمدارس والربط في الأرض الموات، حيث أجازوا إنشاء الوقف فيها بالفعل، فإذا بني شخص مسجدًا في الأرض الموات، وكذلك المدارس والرُبط، ونوى جعلها وقفًا، كانت وقفًا. فذكر الخطيب الشربيني الشافعي: أنه لا يصح الوقف إلا بلفظ من ناطق يُشعِر بالمراد؛ كالعتق، بل أولى، وكسائر التمليكات، ويُستثنى من اشتراط اللفظ ما إذا بني مسجدًا في أرض موات، ونوى جعله مسجدًا؛ فإنه يصير مسجدًا، ولم يحتج إلى لفظ، واستدلوا لذلك بأن الفعل مع النية مغنيان هنا عن القول في هذه الأمور، ووجهه السبكي: بأن الموات لم يدخل في ملك من أحياه مسجدًا، وإنما احتيج إلى اللفظ لإخراج ما كان ملكه عنه، وصار للبناء حكم المسجد تبعًا، وقال الإسنوي: وقياس ذلك إجراؤه في غير المسجد من المدارس والربط وغيرها (١). ب) الإيجاب بالمعاطاة: المعاطاة لغة: المناولة (٢)، وهي في الاصطلاح تُطلق على: مناولة خاصة (٣)، حيث يناول الواقف العين الموقوفة للموقوف عليه، فيأخذها دون تلفُّظ بإيجاب أو قبول، وكما تكون المعاطاة من جانبين يمكن أن تكون من جانب واحد؛ كأن يعطي الواقف الحصير أو السجاد أو بعض المصاحف أو آلات الإسراج إلى قيِّم المسجد، أو أن يضعها في المسجد. والمعاطاة من جانب الواقف تختلف عن التخلية، فالتخلية تمكين الغير من الانتفاع بالشيء دون مانع، وأما المعاطاة فهي إقباض الشيء أو نقله وتحويله إلى جهة الوقف.

стр. 198

وقد اختلف الفقهاء في اعتبار المعاطاة في الوقف على أقوال: القول الأول: ذهب المالكية، وهو اختيار ابن تيمية من الحنابلة، والإمامية في قول. . إلى أن العقود في غير الزواج من العقود - كالوقف تنعقد بالمعاطاة؛ لأن الناس تعارفوا التعاقد بذلك، وهي تدل دلالة ظاهرة على الرضا بالعقد (١). القول الثاني: ذهب الشافعية، والزيدية، والإباضية، والإمامية في قول. . إلى أن الوقف لا ينعقد بالمعاطاة؛ لعدم دلالتها على التعاقد؛ ولأن الأصل في الصيغة أن تكون بالألفاظ لوضوح دلالتها (٢). قال الشماخي: "ولا يتم هذا كله بقلب دون لفظ، ولا الجوارح كلها غير اللسان كما ذكرنا" (٣). القول الثالث: ذهب الحنفية، والحنابلة إلى أنه يجوز الوقف بالمعاطاة إذا جرت به العادة. فقال ابن نجيم: "الوقف على الفقراء لم تجر عادة فيه بالتخلية والإذن بالاستغلال، ولو جرت به في عرف اكتفينا بذلك" (٤)، وقال ابن قدامة في تعليقه على ما نقله من صحة البيع والهبة والهدية بالمعاطاة: "أما الوقف على المساكين فلم تجر به عادة بغير لفظ، ولو كان شيء جرت به العادة أو دلت الحال عليه كان كمسألتنا" (٥).

стр. 199

خامسًا: الوقف بالضرورة: نصَّ الحنفية على أن الوقف يثبت بالضرورة في عدة أحوال نذكر منها: ١ - ما ذكره الكمال بن الهمام: "أن يوصي شخص بقلة هذه الدار للمساكين أبدًا، أو لفلان، وبعده للمساكين أبدًا؛ فإن الدار تصير وقفًا بالضرورة، والوجه أنها كقوله: إذا مت فقد وقفت داري على كذا" (١)، وقال ابن عابدين: "أي فهو من المعلق بالموت، وسيأتي الكلام عليه، وأنه وصية من الثلث" (٢). ٢ - ما ذكره ابن نجيم في البحر: لو قال: اشتروا من غلة داري هذه كل شهر خبزًا، وفرقوه على المساكين؛ صارت الدار وقفًا. قال ابن عابدين معلقًا على ذلك: ومقتضاه أن الدار كلها تصير من ثلث ماله، ويُصرف منها الخبز إلى ما عينه الواقف، والباقي إلى الفقراء؛ لأنهم مصرف الوقف في الأصل ما لم ينص على غيرهم (٣). ٣ - ما ذكره ابن عابدين في الجواب عن المسألة التي سُئل عنها وهي: رجل أوصى بأن يؤخذ من غلة داره كل سنة دراهم يشترى بها زيتًا المسجد كذا. ثم باع الورثة الدار، وشرطوا على المشتري دفع ذلك المبلغ في كل سنة للمسجد، فأفتى بعدم صحة البيع، وبأنها صارت وقفًا، حيث كانت تخرج من الثلث (٤).

стр. 200

المبحث الثاني القبول من الموقوف عليه (المعين وغير المعين) القبول عند الحنفية هو: ما صدر ثانيًا من المتعاقد؛ لأنه يقع قبولًا ورضًا بما أوجبه الأول (١). وهو عند جمهور الفقهاء: ما صدر ممن يصير إليه الملك، دالًا على رضاه بما أوجبه الطرف الآخر، وإن صدر أولًا (٢). فإذا صدر الإيجاب من الواقف، فهل يحتاج إلى قبول الموقوف عليه، سواء أكان معينًا أم غير معين، أم يكتفي بمجرد الإيجاب؟ وبعبارة أخرى: هل يتحقق الوقف بإرادة واحدة، أم لا بدَّ من إرادتين متوافقتين؟ وهل يعتبر القبول جزءًا من ركن صيغة الوقف، أم شرطًا في إنشاء الوقف واستحقاقه؟ الفرع الأول: آراء الفقهاء في كون قبول الموقوف عليه ركنا في الصيغة: اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة، والزيدية، والإباضية، والإمامية في قول. . إلى أن القبول ليس ركنًا في صيغة الوقف؛ لأنه ليس عقدًا بين طرفين يتوقف على توافق إرادتين بإيجاب وقبول، وإنما هو تصرف بإرادة منفردة، أو إيقاع؛ ولأن في اعتبار القبول جزءًا من الصيغة عدم تحقق الوقف أبدًا، ولذلك سقط اعتباره كركن (٣).

стр. 201

القول الثاني: ذهب الإمامية في قول إلى أن القبول جزء من ركن الصيغة، واستدلوا لذلك بما يأتي: ١ - لأن الوقف عقد وليس إيقاعًا؛ فيعتبر فيه الإيجاب والقبول كسائر العقود. ٢ - ولأن إدخال مال في ملك الغير بغير رضاه بعيد، ولأصالة بقاء الملك على مالكه دونه، ويقبله عن الموقوف عليه نائب الإمام: من ناظر، أو قاضٍ (١). الفرع الثاني: آراء الفقهاء في اشتراط قبول الموقوف عليه: فرَّق الفقهاء الذين قالوا باشتراط القبول لإنشاء الوقف واستحقاقه بين ما إذا كان الوقف على معين، وبين ما إذا كان على جهة غير معينة لا يُتصور منها القبول، أو كان على جهة غير محصورة؛ وفيما يأتي بيان ذلك: أولًا: حكم اشتراط القبول في الوقف على جهة غير معينة ولا محصورة: إذا كان الوقف على جهة غير معينة؛ كالمساجد والقناطر، أو على جهة غير محصورة في شخص معين؛ كالفقراء والمساكين. . فقد ذهب الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة، والزيدية، والإباضية، والإمامية في قول من قال: إن

стр. 202

الوقف إيقاع وليس عقدًا. . إلى أنه لا يشترط القبول في الموقوف عليه، ويُكتفي في إنشاء الوقف بالإيجاب؛ لأن الوقف على هذه الجهة إزالة ملك، لا إلى أحد بعينه، فلا يتوقف على القبول؛ كالصدقة (١). فقال الطرابلسي الحنفي: قبول الموقوف عليه الوقف ليس بشرط إن وقع لأقوام غير معينين؛ كالفقراء والمساكين (٢)، وقال القرافي المالكي: "لا يشترط في الصحة القبول؛ إلا إذا كان الموقوف عليه معينًا" (٣)، وقال ابن قدامة الحنبلي: "إنه لا يفتقر إلى القبول من الموقوف عليه، ذكره القاضي. وقال أبو الخطاب: إن كان الوقف على غير معين؛ كالمساكين، أو من لا يتصور منه القبول؛ كالمساجد والقناطر. . لم يفتقر إلى قبول" (٤)، وقال المرداوي: "وذكر الناظم احتمالًا أن نائب الإمام يقبله" (٥). ثانيًا: حكم اشتراط القبول في الوقف على معين: إذا كان الوقف على معين؛ كزيد؛ فهل يحتاج إلى قبول أم لا؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

стр. 203

القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية في الأصح، والحنابلة في وجه، والزيدية في وجه، وبعض الإمامية. . إلى أنه يُشترط القبول من قِبل الموقوف عليه المعين (١). وهناك تفصيلات في كل مذهب من المذاهب على النحو الآتي: ١ - الحنفية في المذهب: المذهب أنه: أ) إذا كان الموقوف عليه معينًا كزيد وعمرو؛ فيشترط قبوله، فإن قبله فالغلة له، وإن رده فنصيبه للفقراء والمساكين، ومن قبل ليس له الرد بعده، ومن رده أول الأمر ليس له القبول بعده (٢)، أما لو قال: لا أقبلها سنة، وأقبل ما سوى ذلك فإنه يجوز، وحِصَّتُهُ من هذه السنة للباقي من أهل الوَقْفِ، ثم يشاركهم فيما بعدها، ولو قبل سنين وسمَّاها ليس له أن يَرُدَّها، بل بعدها على ولده، ولو

стр. 204

قال الموقوف عليه وعلى نَسْلِهِ من بعده: لا أقبل لنفسي ولا نسلي؛ جاز ردُّه في حقه، ولم يَجُزْ في حق له وولده، فلا يعمل رده في رد ما لولده؛ صغارا كانوا أو كبارا (١). ب) إذا كان الموقوف عليه جهة كالفقراء؛ فلا يشترط قبولها (٢)، وقال ابن عابدين الحنفي: "لا يشترط قبول الموقوف عليه لو غير معين؛ كالفقراء، فلو لشخص بعينه، وآخره للفقراء اشترط قبوله في حقه، فإن قبله فالغلة له، وإن رده فللفقراء" (٣). ٢ - المالكية: المذهب أنه: أ) إن كان الموقوف عليه معينًا أهلًا للرد والقبول؛ فاشترط المذهب قبوله. ب) وإن لم يكن معينًا؛ فلا يشترط قبوله (٤). فإذا لم يقبله؛ فرأى مطرف رجوعه ميراثًا، ورأى مالك أنه يُعطى لغيره؛ توفية بالحبس (٥)، وقال ابن جزي المالكي: ولا يشترط قبول المحبس عليه، إلا إذا كان معينًا مالكًا أمر نفسه (٦).

стр. 205

٣ - الشافعية في الأصح في المذهب: أ) إذا كان الوقف على معين واحد أو أكثر: ومع أن هنالك رأيًا بعدم اشتراط القبول، فإن المذهب يشترط قبوله إن كان أهلًا، وإلا فقبول وليه، نظرًا لكونه تمليكًا، فلا يدخل في ملكه قهرًا، وَلَوْ ردّه بَطَل في حقه ولا يعود له، حتى لو رجع من رده، أما البطن الثاني فهنالك خلاف في اشتراط قبولهم وهل يرتد عنهم بردهم (١)؟ ب) إذا كان الوقف على جهة عامة كالفقراء وعلى المسجد والرباط؛ فالمذهب بالاتفاق أنه لا يُشترط القبول (٢). ٤ - الحنابلة في وجه: أ) إذا كان الموقوف عليه معينًا (آدميًّا أو جمعًا محصورًا): هنالك قول باشتراط القبول لأنه تبرع لآدمي معين، فكان من شرطة القبول، كالهبة والوصية (٣)، وهنالك من يرى أن القبول يكون أيضًا بتصرُّف الموقوف عليه المُعَيَّنِ بالوقف الذي يَقُومُ مقام القَبُولِ بالقَوْلِ (٤)، وقال

стр. 206

ابن قدامة الحنبلي: وإن كان على آدمي معين ففي اشتراط القبول وجهان؛ أحدهما: اشتراطه. . والوجه الثاني: لا يُشترط القبول (١). ب) إذا كان الموقوف عليه جهة (غير معين): فالمذهب أنه إذا كان الموقوف عليه غير معين؛ كالمساكين والغزاة والعلماء، أو من لا يتصور منه القبول؛ كالمساجد والقناطر. . لم يفتقر إلى قبول (٢). ٥ - بعض الإمامية: أ) إذا كان على معين: فيشترط قبوله (٣)، فلو ردّ بطل (٤)، أما البطن الثاني فلا يشترط قبوله ولا يرتد عنه برده، بل برد الأول؛ لأن استحقاقه لا يتصل بالإيجاب، وقد تم الوقف ولزم بقبول الأول (٥). ب) إذا كان على جهة عامة؛ كالقناطر والفقراء أو المساجد: فلا يشترط المذهب القبول. واستدلوا لذلك بكونه تبرعًا لآدمي معين، فكان من شرطة القبول: كالهبة والوصية، فالوصية إن كانت لآدمي معين وُقفت على قبوله، وإذا كانت الغير معين أو المسجد أو نحوه لم تفتقر إلى قبول، كذا هنا؛ ولأن الأصل عدم دخول شيء في ملك إنسان دون رضاه (٦).

стр. 207

القول الثاني: ذهب الإباضية (١)، والشافعية في مقابل الأصح (٢)، والحنابلة في المذهب (٣)، والزيدية في وجه آخر، وهو الأصح (٤)، وبعض الإمامية (٥) إلى أنه لا يشترط القبول من قبل الموقوف عليه. وهناك تفصيلات في المذاهب على النحو الآتي: ١ - وجه عند الشافعية (إذا كان معينا): فهنالك رأي لدى الشافعية بعدم اشتراط القبول إذا كان الوقف على معين واحد أو أكثر (٦).

стр. 208

٢ - الحنابلة في المذهب: أ) إذا كان الموقوف عليه معينًا (آدميًّا أو جمعًا محصورًا): فالمذهب أنه لا يشترط قبوله؛ لأنه إزالة ملك يمنع البيع والهبة والميراث، فلم يُعتبر فيه القبول (١). ب) تحرير مسألة اشتراط قبول الموقوف عليه من عدمه، وماذا يترتب على القول بالاشتراط من عدمه في المذهب الحنبلي؟ ذكر فقهاء المذهب الحنبلي أن هذه المسألة مبنية على القول بانتقال الملك إلى الموقوف عليه؛ فمن قال بانتقال الملك إلى الموقوف عليه؛ اشترط القبول، ومن قال: لا ينتقل إليه؛ لم يشترط القبول (٢). فمن اشترط القبول؛ جعل رد الموقوف عليه للوقف يبطل في حقه، دون أن يبطل في حق من بعده، وإن كان هنالك قول بالبطلان في حق من بعده أيضًا، ومن لم يشترط القبول؛ لم يجعل رد الموقوف عليه يبطل في حقه، وكان رده وقبوله وعدمهما واحدًا؛ كالعتق (٣). ٣ - الزيدية في المذهب: المذهب عدم اشتراط قبول الموقوف عليه إذا كان آدميا مُعَيَّنا (٤)، فإن رده لم يَبْطُلْ الوقف، بل يكون للفقراء والمصالح، فإن رجع عن ردِّه صحَّ رجوعه؛ لأنه حقٌّ يتجدد (٥).

стр. 209

واستدلوا لذلك بما يأتي: أ) قياس القبول على معين على عدم اشتراطه في الوقف على غير المعين. ب) لأن الوقف إزالة ملك يمنع البيع والهبة والميراث، فلا يعدُّ فيه القبول كالعتق، وبهذا فارق الهبة والوصية، والفرق بين الوقف وبين الهبة والوصية أن الوقف يختص المعين، بل يتعلق به حق من يأتي من البطون في المستقبل، فيكون الوقف على جميعهم إلا أنه مرتب، فصار بمنزلة الوقف على الفقراء الذي لا يبطل برد واحد منهم، ولا يقف على قبوله، والوصية للمعين بخلافه (١). ج) لأن عدم دخول شيء في ملك إنسان بلا رضاه كثير في الشرع؛ كالإرث وحيازة المباحات؛ على قول من لا يرى القصد، خصوصًا فيما إذا نبع في ملك إنسان ماء أو معدن أو نحو ذلك (٢). الفرع الثالث: القبول المعتد به في الوقف: القبول المعتد به عند من قال باشتراطه في الموقوف عليه إنما يشترط له عدة شروط؛ هي: ١ - أن يكون القبول صادرًا ممن هو أهل لذلك، والمراد بالأهلية هنا أهلية الأداء، وهي صلاحية الشخص لصدور التصرفات عنه، بحيث تكون معتبرة في نظر الشارع، وهي تبدأ في الإنسان بعد سن التمييز، وهذه الأهلية وإن كانت ناقصة إلا أنها تُقبل في الوقف؛ لأنه من التصرفات النافعة نفعًا محضًا له، فيصح قبوله له،

стр. 210

أما إذا كان الموقوف عليه غير مميز فلا يصح قبوله للوقف، ويُصار إلى قبول وليه؛ كما في قبول الهبة والوصية (١). ٢ - واشترط الشافعية (٢) وبعض الحنابلة (٣) أن يكون القبول من القابل على الفور؛ إن كان القابل حاضرًا، فلا يصح أن يتراخي عنه، أما إذا كان القابل غائبًا، فلا تشترط الفورية بين الإيجاب والقبول، وإنما يتأخر القبول إلى ما بعد وصول الخبر إلى الموقوف عليه. في حين ذهب ابن تيمية إلى عدم اشتراط ذلك، فقال: فلا ينبغي أن يشترط المجلس، بل يلحق بالوصية والوكالة، فيصح معجلًا أو مؤجلًا، في القول والفعل (٤). الفرع الرابع: رد الموقوف عليه للوقف: إذا وُجّه الإيجاب في الوقف للموقوف عليه، أو إلى من يقوم مقامه، فقال الواقف: بستاني هذا وقف عليك وعلى ذريتك؛ فرده، ولم يقبله، فما حكم هذا الوقف عند من اشترطه؟ والإجابة على هذا التساؤل تتطلب بيان خلاف الفقهاء القائلين باشتراط القبول، في كون القبول شرطًا مؤثرًا في بطلان أصل الوقفية أو اختصاص الموقوف عليه بالوقف.

стр. 211

١ - فذهب الشافعية في الأصح، والحنابلة في أحد الوجهين، ومطرف من المالكية، وبعض الإمامية إلى أن رد الموقوف عليه يبطل أصل الوقف (١)، وقال المواق: ثم اختُلف؛ هل قبوله شرط في اختصاصه به خاصة؟ أو في أصل الوقفية؟ فقال ابن الحاجب: لا يُشترط قبول الموقوف عليه إلا إذا كان معينًا وأهلًا، فإذا رد بذلك؛ فقيل: يرجع ملكًا (٢)؛ وهو قول مطرف (٣). ٢ - وذهب الحنفية، والمالكية في المذهب، والحنابلة في وجه، والشافعية في مقابل الأصح، وبعض الإمامية إلى أن الموقوف عليه المعين إذا ردَّ الوقف فإنه يبطل في حقه، ويكون للفقراء (٤).

стр. 212

فقال ابن عابدين: "فلو لشخص بعينه وآخره للفقراء؛ اشتُرط قبوله في حقه، فإن قبله فالغلة له، وإن رده فللفقراء" (١)، وقال بعض المالكية: المتبادر من قول مالك: إن رد المعينُ يكون لغيره أن ذلك باجتهاد الحاكم لا لخصوص الفقراء (٢)، وقال القرافي: "ومنشأ الخلاف هل الواقف أسقط حقه من المنافع في الموقوف، فيكون ذلك كالعتق؟ أو هو تمليك لمنافع العين الموقوفة للموقوف عليه، فيفتقر إلى القبول كالبيع والهبة؟ وهذا إذا كان الموقوف عليه معينًا، أما غير المعين فلا يشترط قبوله، لتعذره" (٣)، وقال ابنُ مُنَجَّا الحنبلي في شرحه بعد تعليل الوجهين: "والأشبه أن يُبني ذلك على أنّ الملك: هل ينتقل إلى الموقوف عليه أم لا؟ فإن قيل بالانتقال؛ قيل باشتراط القبول، وإلّا فلا" (٤).

стр. 213

المبحث الثالث قبض الموقوف عليه وأثره في تمام الوقف ولزومه القبض لغة: تناول الشيء وأخذه وتحصيله (١)، وهو في الاصطلاح: حيازة الشيء، والتمكن من رقبته، والتصرف فيه (٢). فإذا صدر الإيجاب من الواقف، فهل يحتاج إلى القبض والحيازة من قبل الموقوف عليه؛ أم لا؟ اختلف الفقهاء في اشتراط القبض والحيازة لتمام الوقف ولزومه على قولين: القول الأول: ذهب المالكية، والحنابلة في رواية، ومحمد بن الحسن من الحنفية، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والإمامية، والإباضية في قول (٣). . إلى أن القبض شرط لتمام الوقف ولزومه. واستدلوا لذلك بما يأتي:

стр. 214

١ - حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه جعل وقفه في يد ابنته حفصة ﵂ (١)، وإنما فعل ذلك ليتم الوقف. ٢ - ولأن الوقف تبرع (٢) بمال لم يخرجه عن المالية، فلم يلزم بمجرده؛ كالهبة والوصية. ٣ - ولأن حق الله تعالى إنما يثبت في الوقف ضمن التسليم إلى العبد؛ لأن التمليك إلى الله تعالى وهو مالك الأشياء لا يتحقق مقصودًا، وقد يكون تبعًا لغيره فيأخذ حكمه، فينزل منزلة الزكاة والصدقة (٣). ولهؤلاء الفقهاء القائلين باشتراط القبض للزوم الوقف تفصيلات: ١ - فالمالكية جعلوا الحيازة (القبض) على نوعين: النوع الأول: الحيازة الحسية، وهي ما كان التسليم فيها فعليًا، بأن يُمكّن المتولي من العين الموقوفة بكل وسائل التمكين ويستولي عليها، بحيث تكون تحت سلطانه بحكم الموقوف، ويشترط لحيازة المتولي العين الموقوفة أن تكون العين في حيازته لمدة

стр. 215

سنة كاملة، فلا تتحقق الحيازة الحسية بحيازتها أقل من سنة؛ كأن يموت الواقف قبل نهاية السنة، فإن الوقف في هذه الحال يبطل، وكذلك إذا عادت العين الموقوفة إلى الواقف قبل تمام السنة، وكانت من الأشياء ذوات الغلة؛ كالأرض الزراعية، والدار، والحانوت. وأما النوع الثاني: فهي الحيازة الحكمية، وهي تكون في حال ما إذا كان الموقوف عليه محجورًا عليه وتحت ولاية الواقف؛ كأن يقف الأب على ولده الصغير، أو على يتيم تحت ولايته؛ فإن هذه الحيازة تتحقق بثلاثة شروط؛ وهي: الشرط الأول: أن يشهد الولي على الوقف، فلا يكفي إقرار الواقف بذلك، ولا يكفي أن يقول: رفعت يدي عن الوقف. والشرط الثاني: أن يُصرف الواقف الغلة جميعها أو جلها في مصالح المحجور عليه، فلا يصح للواقف صرفها على مصالح نفسه. والشرط الثالث: ألَّا تكون العين الموقوفة مشغولة من قبل الواقف، فإذا كانت العين دارًا؛ فلا يصح للواقف أن يشغلها بالسكن (١). ٢ - وقال ابن قدامة، وعن أحمد رواية أخرى: لا يلزم إلا بالقبض وإخراج الواقف له عن يده، وقال: الوقف المعروف أن يخرجه من يده إلى غيره، ويوكل فيه من يقوم به (٢)، وقد اختار القاضي أبو علي محمد بن أبي موسى هذه الرواية. ٣ - وأما محمد بن الحسن وابن أبي ليلى فقد قالا: إن القبض يكون بتسليم كل شيء بما يليق به، ففي المقبرة يتحقق القبض لها بدفن ميت واحد فأكثر بإذن الواقف،
следующие страницы →