← Фикх общий

Фикх общий · id 308

مدونة أحكام الوقف الفقهية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

١ - فذهب الشافعية في الأصح، والحنابلة في أحد الوجهين، ومطرف من المالكية، وبعض الإمامية إلى أن رد الموقوف عليه يبطل أصل الوقف (١)، وقال المواق: ثم اختُلف؛ هل قبوله شرط في اختصاصه به خاصة؟ أو في أصل الوقفية؟ فقال ابن الحاجب: لا يُشترط قبول الموقوف عليه إلا إذا كان معينًا وأهلًا، فإذا رد بذلك؛ فقيل: يرجع ملكًا (٢)؛ وهو قول مطرف (٣). ٢ - وذهب الحنفية، والمالكية في المذهب، والحنابلة في وجه، والشافعية في مقابل الأصح، وبعض الإمامية إلى أن الموقوف عليه المعين إذا ردَّ الوقف فإنه يبطل في حقه، ويكون للفقراء (٤).

стр. 212

فقال ابن عابدين: "فلو لشخص بعينه وآخره للفقراء؛ اشتُرط قبوله في حقه، فإن قبله فالغلة له، وإن رده فللفقراء" (١)، وقال بعض المالكية: المتبادر من قول مالك: إن رد المعينُ يكون لغيره أن ذلك باجتهاد الحاكم لا لخصوص الفقراء (٢)، وقال القرافي: "ومنشأ الخلاف هل الواقف أسقط حقه من المنافع في الموقوف، فيكون ذلك كالعتق؟ أو هو تمليك لمنافع العين الموقوفة للموقوف عليه، فيفتقر إلى القبول كالبيع والهبة؟ وهذا إذا كان الموقوف عليه معينًا، أما غير المعين فلا يشترط قبوله، لتعذره" (٣)، وقال ابنُ مُنَجَّا الحنبلي في شرحه بعد تعليل الوجهين: "والأشبه أن يُبني ذلك على أنّ الملك: هل ينتقل إلى الموقوف عليه أم لا؟ فإن قيل بالانتقال؛ قيل باشتراط القبول، وإلّا فلا" (٤).

стр. 213

المبحث الثالث قبض الموقوف عليه وأثره في تمام الوقف ولزومه القبض لغة: تناول الشيء وأخذه وتحصيله (١)، وهو في الاصطلاح: حيازة الشيء، والتمكن من رقبته، والتصرف فيه (٢). فإذا صدر الإيجاب من الواقف، فهل يحتاج إلى القبض والحيازة من قبل الموقوف عليه؛ أم لا؟ اختلف الفقهاء في اشتراط القبض والحيازة لتمام الوقف ولزومه على قولين: القول الأول: ذهب المالكية، والحنابلة في رواية، ومحمد بن الحسن من الحنفية، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والإمامية، والإباضية في قول (٣). . إلى أن القبض شرط لتمام الوقف ولزومه. واستدلوا لذلك بما يأتي:

стр. 214

١ - حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه جعل وقفه في يد ابنته حفصة ﵂ (١)، وإنما فعل ذلك ليتم الوقف. ٢ - ولأن الوقف تبرع (٢) بمال لم يخرجه عن المالية، فلم يلزم بمجرده؛ كالهبة والوصية. ٣ - ولأن حق الله تعالى إنما يثبت في الوقف ضمن التسليم إلى العبد؛ لأن التمليك إلى الله تعالى وهو مالك الأشياء لا يتحقق مقصودًا، وقد يكون تبعًا لغيره فيأخذ حكمه، فينزل منزلة الزكاة والصدقة (٣). ولهؤلاء الفقهاء القائلين باشتراط القبض للزوم الوقف تفصيلات: ١ - فالمالكية جعلوا الحيازة (القبض) على نوعين: النوع الأول: الحيازة الحسية، وهي ما كان التسليم فيها فعليًا، بأن يُمكّن المتولي من العين الموقوفة بكل وسائل التمكين ويستولي عليها، بحيث تكون تحت سلطانه بحكم الموقوف، ويشترط لحيازة المتولي العين الموقوفة أن تكون العين في حيازته لمدة

стр. 215

سنة كاملة، فلا تتحقق الحيازة الحسية بحيازتها أقل من سنة؛ كأن يموت الواقف قبل نهاية السنة، فإن الوقف في هذه الحال يبطل، وكذلك إذا عادت العين الموقوفة إلى الواقف قبل تمام السنة، وكانت من الأشياء ذوات الغلة؛ كالأرض الزراعية، والدار، والحانوت. وأما النوع الثاني: فهي الحيازة الحكمية، وهي تكون في حال ما إذا كان الموقوف عليه محجورًا عليه وتحت ولاية الواقف؛ كأن يقف الأب على ولده الصغير، أو على يتيم تحت ولايته؛ فإن هذه الحيازة تتحقق بثلاثة شروط؛ وهي: الشرط الأول: أن يشهد الولي على الوقف، فلا يكفي إقرار الواقف بذلك، ولا يكفي أن يقول: رفعت يدي عن الوقف. والشرط الثاني: أن يُصرف الواقف الغلة جميعها أو جلها في مصالح المحجور عليه، فلا يصح للواقف صرفها على مصالح نفسه. والشرط الثالث: ألَّا تكون العين الموقوفة مشغولة من قبل الواقف، فإذا كانت العين دارًا؛ فلا يصح للواقف أن يشغلها بالسكن (١). ٢ - وقال ابن قدامة، وعن أحمد رواية أخرى: لا يلزم إلا بالقبض وإخراج الواقف له عن يده، وقال: الوقف المعروف أن يخرجه من يده إلى غيره، ويوكل فيه من يقوم به (٢)، وقد اختار القاضي أبو علي محمد بن أبي موسى هذه الرواية. ٣ - وأما محمد بن الحسن وابن أبي ليلى فقد قالا: إن القبض يكون بتسليم كل شيء بما يليق به، ففي المقبرة يتحقق القبض لها بدفن ميت واحد فأكثر بإذن الواقف،

стр. 216

وفي السقاية بشرب واحد، وفي الخان (١) بنزول واحد، وأما السقاية التي تحتاج إلى صبِّ الماء فيها، فيتحقق القبض بتسليمه إلى المتولي؛ لأنه يحتاج إلى من يصب فيه الماء، هذا إذا كان القيم غير الواقف، أما إذا كان القيم على المقبرة أو السقاية هو الواقف نفسه، فلا يشترط القبض كما صرح القهستاني. لكن أشكل على البعض أن محمدًا لم يصحح تولية الواقف نفسه، والذي صححها هو أبو يوسف؛ وأجيبَ عن هذا الإشكال بأن محمدًا ورد عنه روايتان في الوقف على النفس، وبهذا يزول الإشكال، وقد صرح الزيلعي - بناء على رواية محمد في تصحيح الوقف على النفس - بانعقاد الإجماع على تولية الواقف نفسه (٢). ٤ - وأما الإمامية فقد فرقوا في القبض بين أن يكون الوقف على الجهات الخاصة، وبين أن يكون للجهات العامة: ففي الوقف على الجهات الخاصة؛ كالوقف على الذرية. . لا بدَّ من قبض الموقوف عليهم للعين الموقوفة، ويكفي قبض الموجود من الطبقة الأولى، وأما الطبقات اللاحقة فلا يُشترط فيها القبض، ويكفي قبض الطبقة الأولى، وفي حال وقف الأب على أولاده الصغار الذين هم تحت ولايته، فلا يحتاج إلى قبض جديد؛ لأن قبض الولي قبض الموْلِيِّ عليه، وكذلك إذا كانت العين الموقوفة بيد الموقوف عليه عن طريق الوديعة أو العارية؛ لم يحتج إلى قبض جديد. وفي الوقف على الجهات العامة، كالوقف على المساجد، أو على الفقراء والمساكين. . يكفي قبض المتولي، أو الناظر، أو الحاكم (القاضي) للعين الموقوفة، والأحوط عدم الاكتفاء بقبض الحاكم مع وجود المتولي والناظر.

стр. 217

وهل يتحقق القبض بقبض بعض المستحقين من الفقراء والمساكين؟ خلاف، والأقوى عندهم تحققه بذلك، ولا تُشترط الفورية في القبض، فلو وقف عينًا في زمان، ثم أقبضها في زمان متأخر؛ كفى القبض بإذنه (١). القول الثاني: ذهب الشافعية، والحنابلة في المذهب، وأبو يوسف وهلال الرأي من الحنفية، وهو المفتى به عندهم، والزيدية، والإباضية في قول (٢). . إلى أن القبض ليس شرطًا في تمام الوقف ولزومه، فالوقف يتم بمجرد صدور اللفظ من الواقف، من غير حاجة إلى قبض أو تسليم. واستدلوا لذلك بما يأتي: ١ - حديث عمر بن الخطاب ﵁ في وقفه لأرضه بخيبر، فقد تصدق بها على الفقراء وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضعيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متموِّل (٣).

стр. 218

فليس فيه ما يدل على اشتراط القبض لتمام الوقف، قال الماوردي: ليس من شرط لزوم الوقف عندنا القبض؛ لأن عمر ﵁ وقف تلك السهام التي ملكها من أرض خيبر، فكان يلي صدقته حتى قبضه الله (١). ١ - ولأن الوقف تبرع يمنع الهبة والبيع والميراث، فيلزم بمجرد اللفظ؛ كالعتق (٢)، قال ابن قدامة: "ويفارق (الوقف) الهبةَ؛ فإنها تمليك مطلق، والوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، فهو بالعتق أشبه، وإلحاقه به أولى" (٣).

стр. 219

المبحث الرابع أحوال الصيغة وحكم كل نوع الصيغة التي يكون بها الوقف لها أحوال عدة؛ فقد تكون مُنشئة له في الحال، غيرَ مؤخرة لآثاره وأحكامه، وقد تكون منشئة له في الحال، ولكنها تؤخر آثاره وأحكامه إلى المستقبل، وقد تكون غير منشئة له في الحال، وتؤخر وجوده إلى المستقبل، أو إلى ما بعد وفاة الواقف. وقد تكون مؤبدة، وقد تكون مؤقتة، وقد تكون مقترنة بشروط للواقف، وقد تكون غير مقترنة بها، وقد تكون جازمة أو غير جازمة، وقد تكون مطلقة عن تعيين المصرف، وقد تكون معينة المصرف، وقد تكون لازمة أو غير لازمة. وفيما يأتي بيان لهذه الأحوال: أولًا: الصيغة المنجزة: الصيغة المنجزة: هي الصيغة المطلقة غير المعلقة على شرط، ولا المضافة إلى زمن، وهي تفيد الحكم في الحال، وقد اختلف الفقهاء في اشتراط التنجيز في صيغة الوقف على قولين: القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والشافعية والحنابلة في المذهب، والإمامية، والزيدية. . إلى اشتراط التنجيز في صيغة الوقف (١)؛ لأن الوقف نقل للملك فيما لم يُبن على التغليب والسراية، فلم يجز تعليقه على شرط؛ كالهبة (٢).

стр. 220

قال الخطيب الشربيني: "ومحل البطلان فيما لا يضاهي التحرير، أما ما يضاهيه؛ كجعله مسجدًا إذا جاء رمضان. . فالظاهر صحته كما ذكره ابن الرفعة" (١). وإن علق الوقف بموجود في الحال صح الوقف، فلو قال: إن كانت هذه الأرض في ملكي فهي صدقة موقوفة، فإن كانت في ملكه وقت التكلم صحَّ الوقف، وإلا فلا؛ لأن التعليق بالشرط الكائن تنجيز (٢). القول الثاني: ذهب المالكية، والحنابلة في قول اختاره ابن تيمية وصاحب الفائق والحارثي، والإباضية. . إلى عدم اشتراط التنجيز في صيغة الوقف، فيصح المنجز وغير المنجز (٣)، قياسًا على العتق، قال القرافي: "وهو أولى من قياسه على البيع؛ لأنه معروف بغير عوض، فهو أشبه بالعتق، وأخص به من البيع" (٤). ثانيًا: الصيغة المعلقة على شرط: عرّف ابن نجيم التعليق بأنه ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون أخرى، وقال الحموي: التعليق ترتيب أمر لم يوجد على أمر يوجد، بـ "إنْ" أو إحدى أخواتها (٥).

стр. 221

وقد اختلف الفقهاء في صحة الوقف بصيغة معلقة على شرط، تبعًا لاختلافهم في شرط التنجيز في صيغة الوقف: القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والشافعية، والزيدية، والإمامية، والحنابلة في المذهب (١) إلى أن الوقف بصيغة معلقة على شرط لا يصح؛ لأنه علّق حصول الوقف على وجود شيء آخر، وهو قدوم أخيه من السفر. قال الطرابلسي الحنفي: "لو قال: إذا كلمت فلانًا، أو إذا تزوجت فلانة، وما أشبهه، فأرضي هذه صدقة موقوفة، يكون الوقف باطلًا" (٢)، وقال البهوتي الحنبلي: (فإن علقه) أي الوقف (بشرط غير موته؛ لم يصح) الوقف، سواء كان التعليق الابتدائه: إذا قدم زيد أو وُلد لي ولد، أو جاء رمضان .. فداري وقف على كذا، أو كان التعليق لانتهائه؛ كقوله داري وقف على كذا إلى أن يحضر زيد أو يولد لي ولد ونحوه" (٣). واستدلوا لذلك: بأن الوقف مما لا يحلّف به، فلا يصح تعليقه كما لا يصح تعليق الهبة (٤)، وبأن الوقف نقل للملك فيما لم يبن على التغليب والسراية، فلم يجز تعليقه بشرط في الحياة كالهبة، وبأن تعليق الوقف يتضمن الجهالة، فلا يصح قياسًا على البيع (٥).

стр. 222

القول الثاني: ذهب المالكية، والحنابلة في قول، والإباضية إلى أن الوقف بصيغة معلقة على شرط؛ صحيح (١). قال المرداوي الحنبلي: "أن يقف ناجزًا، فإن علقه على شرط؛ لم يصح، هذا المذهب، وقيل: يصح، واختاره الشيخ تقي الدين (ابن تيمية)، وصاحب الفائق، وقال: الصحة أظهر (٢). واستدلوا لذلك بقياس تعليق الوقف على تعليق العتق بجامع أنه معروف بغير عوض، فإذا صح التعليق في العتق صح في الوقف (٣). ثالثًا: الصيغة المضافة إلى زمن مستقبل: الصيغة المضافة إلى زمن مستقبل: هي إسناد إنشاء العقد إلى وقت سيأتي (٤)، كما لو قال: وقفتُ داري هذه اعتبارًا من أول السنة القادمة، أو من أول الشهر القادم.

стр. 223

فقد اختلف الفقهاء في إنشاء الوقف بهذه الصيغة؛ تبعًا لاختلافهم في شرط التنجيز في صيغة الوقف على قولين: القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والشافعية والحنابلة في المذهب، والزيدية، والإمامية إلى أن الوقف بصيغة مضافة إلى زمن مستقبل لا يصح، ولو حلت السنة، أو جاء الشهر، واستدلوا لذلك بأن الوقف نقل للملك بدون عوض، فلا يبنى على خطر الحصول كما في الهبة (١). القول الثاني: ذهب المالكية، والحنابلة في قول، والإباضية إلى أن الوقف بصيغة مضافة إلى زمن مستقبل صحيح، واستدلوا لذلك بقياس الوقف على العتق، بجامع أنه معروف بغير عوض، فإذا صح التعليق في العتق صح في الوقف (٢). رابعًا: الصيغة المضافة إلى ما بعد الموت (الوصية بالوقف): صورة الصيغة المضافة إلى ما بعد الموت هي أن يقول الشخص: إذا مت فأرضي هذه صدقة موقوفة على الفقراء والمساكين؛ فهل يصح الوقف بهذه الصيغة؟

стр. 224

إذا صدرت صيغة الوقف مضافة إلى ما بعد الموت؛ فقد ذهب جمهور الفقهاء في الجملة إلى صحة الوقف بهذه الصيغة: فأما الذين ذهبوا إلى اشتراط التنجيز من الحنفية، والشافعية والحنابلة في المذهب، والزيدية، والإمامية .. فقد استثنوا هذه الصورة من عدم صحة الوقف بالصيغة المعلقة على شرط في الحياة، ويكون الوقف حينئذ في حكم الوصية، وينفذ من ثلث التركة (١). واستدلوا على ما ذهبوا إليه من استثناء هذه الصورة من عدم صحة الوقف بأن عمر بن الخطاب ﵁ وصى، فكان في وصيته: "هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين، إن حدث به حدث أن ثُمْغًا (٢) صدقة" (٣)، كما أنهم ألحقوه بالصدقة المطلقة (٤). قال الحنفية: "المضاف إلى ما بعد الموت وصية محضة، فإن مات من غير رجوع عنه ينفذ من الثلث" (٥)، وقال ابن نجيم الحنفي: إذا علقه بموته؛ كما إذا قال: إذا

стр. 225

مت وقفتُ داري على كذا .. فالصحيح أنه وصية لازمة، لكن لا تخرج عن ملكه، فلا يتصرف فيه ببيع ونحوه بعد موته؛ لما يلزم من إبطال الوصية، وله أن يرجع قبل موته: كسائر الوصايا، وإنما يلزم بعد موته" (١). وقال البهوتي الحنبلي: "وإن قال: هو وقف بعد موتي؛ صح"؛ لأنه تبرع مشروط بالموت فصح (٢). لكن الإمامية اشترطوا لذلك صيغة معينة، وهي أن يقول الواقف: إذا مت فاجعلوا هذا وقفًا، يكون وصية بالوقف، وعلى الوصي أن ينفذ، وينشئ الوقف، أما إذا قال الواقف: إذا مت فهذا وقف، لم يصر وقفًا بعد الموت (٣). وأما الذين لم يشترطوا التنجيز في الصيغة من المالكية، والإباضية، والحنابلة في قول .. فيصح الوقف عندهم بهذه الصيغة من باب أولى (٤). لكن الإباضية اشترطوا لصحة ذلك أن يذكر في وصيته وجهًا من وجوه الخير أو الأجر، قال أطفيش: فإذا قال: أوصيت بهذا في سبيل الله، أو لسبيل الله ... ؛ بطل، وكان ميراثًا .. وإن ذكر وجهًا من وجوه الأجر جاز، ذكر سبيل الله، أو لم يذكر، مثل أن يقول: أوصيت بهذا الشيء للجهاد، أو صدقة على طلب العلم في سبيل الله (٥).

стр. 226

وذهب القاضي أبو يعلى وأبو الخطاب وابن البنا من الحنابلة إلى صحة الوقف المعلق بالموت، إلحاقًا له بالهبة (١)، ووافق أبو الخطاب جمهور الفقهاء في بعض كتبه (٢). خامسًا: الصيغة المقترنة بالشرطة: يراد بصيغة الوقف المقترنة بشرط: تقييد أصل الوقف بأمر ما بدون ذكر أداة الشرط "إن" وما في معناها صراحة (٣)، مثل أن يقول الواقف: أرضي هذه صدقة موقوفة على أن تكون الولاية عليها لفلان. والشروط المقترنة بصيغة الوقف تنقسم باعتبارات مختلفة إلى أقسام متعددة، يأتي تفصيلها عند الكلام على شروط الواقفين؛ وسيتم الاقتصار في هذا المقام على بيان موقف المذاهب الفقهية من بعض هذه الشروط باعتبار صحتها وأثرها على الوقف: يقول عليش: "الشروط في الوقف على ثلاثة أقسام؛ الأول: ما يفسد به الوقف، الثاني: ما لا يفسد به الوقف، ولا يلزم الوفاء به، الثالث: ما لا يفسد به الوقف، ويلزم الوفاء به" (٤). وبتتبع عبارات فقهاء المذاهب يتبين أنهم يقسمون الشروط المقترنة بصيغة الوقف باعتبار حكمها الوضعي إلى الأقسام الثلاثة التي ذكرها الشيخ عليش. وفيما يأتي تناول هذه الأقسام:

стр. 227

أ) اقتران صيغة الوقف بشرط لا يفسد الوقف، ويلزم الوفاء به: يُعبّر الفقهاء عن هذا الشرط بالشرط الصحيح، وهو الذي لا يُخل بأصل الوقف، ولا يُخل بمنفعة الموقوف أو الموقوف عليهم، ولا يخالف الشرع، وحكم هذا الشرط الصحيح أنه معتبر يعمل به (١). قال ابن عابدين: شرائط الواقف معتبرة إذا لم تخالف الشرع، وهو مالك، فله أن يجعل ماله حيث شاء ما لم يكن معصية (٢). ومن أمثلة الشروط الصحيحة المقترنة بالوقف: الشروط المؤكدة لمقتضى الوقف؛ مثل أن يشترط الواقف فيما يقفه من العقار بأنها لا تباع ولا توهب ولا تورث (٣)؛ وكاشتراط الواقف الولاية على الوقف لشخص معين (٤). ب) اقتران صيغة الوقف بشرط يفسد به الوقف: والشرط الذي يفسد به الوقف هو ما يخلُّ بأصل الوقف، أو ينافي مقتضاه (٥).

стр. 228

ومن أمثلة هذا النوع من الشروط عند الحنفية ما جاء في البحر الرائق نقلًا عن الإسعاف: "وقفها على أن له أصلها، أو على أن لا يزول ملكه عنها، أو على أن يبيع أصلها ويتصدق بثمنها، كان الوقف باطلًا" (١). ومن أمثلتها عند المالكية: تخصيص البنين بالوقف دون البنات، فجاء في شرح الخرشي: لو وقفه على الجميع (أي بنيه وبناته)، وشرط أن من تزوجت من البنات لا حق لها في الوقف وتخرج منه؛ فإنه يكون باطلًا (٢). ومن أمثلتها عند الشافعية ما جاء في تحفة المحتاج: "ولو وقف شيئًا بشرط الخيار له أو لغيره في الرجوع فيه أو في بيعه متى شاء، أو في تغيير شيء منه بوصف أو زيادة أو نقص أو نحو ذلك .. بطل الوقف على الصحيح" (٣). ومن أمثلتها عند الحنابلة، قال ابن قدامة: "وإن شرط أن يبيعه (أي الوقف) متى شاء أو يهبه أو يرجع فيه، لم يصح الشرط ولا الوقف، لا نعلم فيه خلافًا، لأنه ينافي مقتضى الوقف" (٤). ومثّل الإمامية لهذا النوع بأنه لو شرط إخراج من يريد، بطل الوقف (٥). ج) اقتران صيغة الوقف بشرط لا يفسد الوقف، ولا يلزم الوفاء به: وهذا النوع من الشروط غير الصحيحة تكون في الغالب منهيًّا عنها، أو ليست في مصلحة المستحقين (٦)؛ لهذا يحكم بفسادها هي، وعدم تأثيرها على صحة الوقف.

стр. 229

ـوفيما يأتي أمثلة لهذا النوع من الشروط لدى المذاهب الآتية: ١ - المذهب الحنفي: إن الواقف لو شرط الولاية لنفسه، وكان هو غير مأمون على الوقف، فللقاضي أن ينزعها منه ولو شرط الواقف أن ليس للقاضي ولا للسلطان نزعة؛ لأنه شرط مخالف لحكم الشرع، فيبطل (١). ٢ - المذهب المالكي: لا يتبع شرط إصلاحه (أي الوقف) على مستحقه؛ لعدم جوازه، ويلغى الشرط، والوقف صحيح، ويصلح من غلته (٢). ٣ - المذهب الشافعي: لو شرط أن لا تؤجر الدار أكثر من سنة، ثم انهدمت، وليس لها جهة عمارة إلا بإجارة سنين، فإن ابن الصلاح أفتى بالجواز في عقود مستأنفة وإن شرط الواقف أن لا يستأنف؛ لأن المنع في هذه الحالة يفضي إلى تعطيله، وهو مخالف لمصلحة الوقف (٣). ٤ - المذهب الحنبلي: إذا شرط في استحقاق ريع الوقف العزوبة، فالمتأهل أحق من المتعزب إذا استويا في سائر الصفات (٤). ٥ - المذهب الزيدي: لو شرط أن يبيعه من شاء؛ بطل الشرطه (٥). سادسًا: الصيغة المؤبدة: الصيغة المؤبدة في الوقف: هي أن تخلو الصيغة من التأقيت بمدة معينة (٦)؛ كأن يقول: وقفتُ داري هذه على طلبة العلم الشرعي؛ لأن التأبيد جزء من معنى الوقف لا يتحقق بدونه.

стр. 230

والتأبيد من مقتضيات الوقف بالاتفاق (١)، قال المرغيناني: "وقيل: إن التأبيد شرط بالإجماع" (٢)؛ فالوقف المطلق عن التأقيت يحمل على الوقف المؤبد. ويتحقق التأبيد في صيغة الوقف بأمور؛ منها: ١ - التصريح بالتأبيد في صيغة الوقف. ٢ - خلو صيغة الوقف من التأقيت. ٣ - تضمّن صيغة الوقف على ما يجعله على من لا ينقطع؛ كالفقراء. ٤ - الوقف المؤقت في معنى الوقف المؤبد، قال البُجَيرَمي: ينبغي أن يُقال فيما لو قال: وقفتُه على الفقراء ألف سنة أو نحو ذلك مما يبعد بقاء الدنيا إليه: إنه يصح (٣). ثم اختلف الفقهاء في أمرين: أ) حكم الوقف الذي تتضمن صيغته التأقيت، وسيأتي تفصيله في الصيغة المؤقتة. ب) اشتراط التنصيص على التأبيد في الصيغة، وقد اختلف الفقهاء فيه على قولين: القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يشترط النص على التأبيد في صيغة الوقف: بل الشرط ألا يتضمَّن الوقف شرطًا ينافي التأبيد؛ كأن يقول: داري هذه موقوفة بعد وفاتي على فلان سنة، يكون الوقف باطلًا، أما لو قال:

стр. 231

وقفت هذه الدار على أولادي؛ فبعد انقراض الأولاد تصرف الغلة في الفقراء، واستدلوا لعدم اشتراط النص على التأبيد أن لفظ الوقف يتضمن التأبيد، فلا حاجة للتنصيص عليه (١). القول الثاني: ذهب محمد بن الحسن الحنفي إلى أنه يشترط النص على التأبيد في صيغة الوقف؛ وبخاصة إذا وقف على جهة تتقطع؛ كالوقف على الأولاد، ففي هذه الحالة لابدَّ من النص على التأبيد، وإلا كان الوقف غير مؤبد (٢). سابعًا: الصيغة المؤقتة: الصيغة المؤقتة في الوقف: هي التي تتضمن تأقيت الوقف بمدة معينة؛ كأن يقول الواقف: وقفت داري هذه على طلبة العلم الشرعي لمدة سنة، أو وقفت داري هذه على فلان وأولاده لمدة عشر سنين، فما حكم ذلك؟ اختلف الفقهاء في ذلك على أربعة أقوال:

стр. 232

القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والحنابلة، والشافعية في الأصح، والإمامية في القول الأقوى .. إلى أن الوقف المؤقت باطل؛ لأن الوقف إخراج مال على وجه القربة، فلم يجز إلى المدة، كالعنق والصدقة (١). وقيد الحنفية ذلك بما إذا اشترط الواقف مع التأقيت حقه في استرجاع العين الموقوفة بعد انتهاء الوقت الذي حدده الواقف؛ كأن يقول: داري هذه صدقة موقوفة على الفقراء والمساكين لمدة سنة، على أن ترجع إلى ملكي بعد ذلك. أما إذا لم يشترط الواقف مع التأقيت استرجاع العين الموقوفة بعد مضي المدة؛ فقد اختلف فقهاء الحنفية في ذلك على قولين: أحدهما: ما ذهب إليه هلالُ الرأي من أن الوقف صحيح والتأقيت باطل، حيث قال: أرأيت إذا قال: أرضي هذه صدقة موقوفة لله أبدًا شهرًا، فإذا مضى ذلك الشهر فهي مطلقة؟ قال: الوقف باطل لا يجوز، وعلل ذلك بأن الواقف لما قال موقوفة شهرًا، فلم يشترط بعد السنة فيها شيئًا، فلما لم يشترط ذلك؛ كانت موقوفة أبدًا، وهذا بمنزلة: صدقة موقوفة على فلان، ولم يزد عن ذلك، وإذا مات فلان كان للمساكين، وهي موقوفة أبدًا.

стр. 233

وثانيهما: ما ذهب إليه الخصاف من أن الوقف باطل؛ لأن من قال: صدقة موقوفة سنة، ولم يزد على هذا؛ فلم يجعله مؤيدًا (١). واستدلوا لعدم صحة الوقف المؤقت بما يأتي: ١ - قوله ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁: "حبّس الأصل، وسبّل الثمرة" (٢)، وفي رواية أخرى: "حبّس أصلها، وسبّل ثمرها" (٣)، وفي رواية ثالثة: "حبيس ما دامت السموات والأرض" (٤)، وفي رواية رابعة: "تصدق بثمره، واحبس أصله، لا يباع ولا يورث" (٥). فهذه العبارات تؤكد على التأبيد وعدم صحة الوقف المؤقت؛ لأن حبس الأصل يدل على التأبيد، فلو جاز تأقيته؛ لأصبح عرضة للرجوع عنه، وهذا يتناقض مع معنى الحبس، ولأن الوقف لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وهذا يؤكد أيضًا معنى التأبيد؛ لأنه لو جاز التأقيت لجاز بيعه وهبته وتوريثه. ٢ - ولأن الوقف إخراج مال على وجه القرية، فلم يجز إلى المدة؛ كالعتق والصدقة.

стр. 234

٣ - ولأنه لو جاز الوقف المؤقت لأدى ذلك إلى أن يكون المسجد موقوفًا إلى مدة، وبعدها يصير سكنًا أو غير ذلك، وهذا لا يجوز (١). القول الثاني: ذهب المالكية والشافعية في قول ابن سريج، والإمامية في قول، والإباضية في وقف غير المسجد؛ إلى أن الوقف المؤقت صحيح، وينتهي بانتهاء الوقت (٢). واستدلوا لذلك بما يأتي: ١ - أنه لما جاز للواقف أن يتقرب بكل ماله وببعضه؛ جاز له أن يتقرب به في كل الزمان، وفي بعضه، وقال ابن سريج: وإن قيل: فهذه عارية وليست وقفًا، قيل له: ليس كذلك، فإن العارية يرجع فيها، وهذه لا رجعة فيها (٣).

стр. 235

٢ - ولأن الواقف على نيته في ماله، ولكل امرئ ما نوى، كما جاء في الحديث: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (١). القول الثالث: ذهب أبو يوسف من الحنفية في رواية عنه، وهلال الرأي، والزيدية إلى أن الوقف صحيح، والتأقيت باطل (٢)، وهو مقتضى مذهب الظاهرية (٣). القول الرابع: ذهب بعض الشافعية - ومنهم إمام الحرمين - إلى أنه يفرق بين ما إذا كان تأقيت الوقف يتعلق بما يحتاج إلى قبول، وبين ما لا يحتاج إلى قبول (٤)، فإذا كان التأقيت يتعلق بما لا يحتاج إلى قبول؛ كالوقف على الفقراء والمساكين .. فإن الوقف صحيح والشرط باطل، أما إذا كان التأقيت يتعلق بما يحتاج إلى قبول؛ كالوقف على فلان وذريته لمدة معينة؛ فإن الوقف باطل. قال النووي: لو قال: وقفت سنة؛ فالصحيح الذي قطع به الجمهور أن الوقف باطل، وقيل: الوقف الذي لا يشترط فيه القبول، لا يفسد بالتوقيت؛ كالعتق، وبه قال الإمام الجويني ومن تابعه (٥).

стр. 236

ثامنًا: الصيغة الجازمة: الصيغة الجازمة في الوقف: هي الصيغة القاطعة التي لا تردد فيها، ولا وعد، ولا خيار. وقد اتفق الفقهاء في الجملة على اشتراط الجزم في صيغة الوقف، وعبَّر الحنفية عن هذا الشرط بالجزم، في حين أن غيرهم من فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة عبَّروا عنه بالإلزام. وفيما يأتي بيان لأحكام ما يتضمنه هذا الشرط من خلال استعراض عدد من الصيغ التي تنافيه: ١ - تضمُّن صيغة الوقف التردد في العقد: إذا كانت عبارة الواقف لا تزال في مرحلة التفكير بصوت عالٍ في الوقف، وهي تدل على التردد في الإقدام عليه؛ فلا ينشأ الوقف بمثل هذه العبارة. ٢ - تضمُّن صيغة الوقف الوعد بالعقد: إذا وعد الواقف بالوقف، فقال: سأقف أرضي هذه على الفقراء والمساكين، أو على ذريتي؛ لم ينعقد الوقف، ولا يكون الوعد فيه ملزمًا. ويختلف الوعد بالوقف عن النذر بالوقف، كما لو قال: عليَّ أن أقف عقاري الفلاني على الفقراء والمساكين؛ لأن النذر صدقة وحلف، وهو يتضمن معنى الجزم، بخلاف الوعد الذي ينافي الجزم (١). ٣ - تضمُّن صيغة الوقف خيار الشرط: إذا قال: وقفتُ أرضي هذه على الفقراء والمساكين، أو على المسجد الكبير في البلد على أن يكون لي أو لأستاذي الخيار؛ فهل يصح هذا الوقف؟

стр. 237

يختلف الحكم تبعًا للموقوف عليه: فإن كان الوقف مسجدًا؛ صبح الوقف، وبطل الشرط؛ لأن المسجد حق خالص لله تعالى، لا مجال لإبطاله لأي سبب من الأسباب (١). وأما إذا كان الوقف غير المسجد؛ كالفقراء والمساكين، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: ذهب الحنابلة، والشافعية في الأصح، ومحمد بن الحسن (٢) وهلال الرأي والخصاف من الحنفية، وهو المفتي به في المذهب الحنفي، والإمامية إلى أن الوقف يبطل مطلقًا؛ أي يبطل الوقف، وشرط الخيار، جاء في كتاب الوقوف للخلال الحنبلي: قال الكرماني: قلت لأحمد: الوقف الذي لا يجوز أيما هو؟ قال: أن يوقف ويقول: إن شاء رجع، وإن شاء نقض؛ فهذا ليس وقفًا، وهذا لا يجوز (٣). وقال هلال الرأي الحنفي: أرأيت رجلًا يقف أرضًا له على وجوه سماها، وعلى أنه بالخيار في إبطال أصل الوقف متى ما بدا له؟ قال: الوقف باطل، لا يجوز (٤). وقال الخطيب الشربيني الشافعي: (ولو وقف بشرط الخيار) لنفسه في إبقاء وقفه والرجوع فيه متى شاء، ويخرج من شاء، أو شرطه لغيره، أو شرط عوده إليه بوجه ما؛ كأن شرط أن يبيعه، أو شرط أن يدخل من شاء، ويخرج من شاء .. بطل على

стр. 238

الصحيح، ومقابل الصحيح: يصح الوقف ويلغو الشرط (١)، وقال الحلي الجعفري: وإن شرط فيه (الوقف) خيارًا لنفسه أو غيره؛ بطل (٢). واستدل هلال لذلك: "بأنه إنما اشترط الخيار في إبطاله، فلم يزُل ملكه عنه بعد الخيار الذي شرط، فإذا لم يزل ملكه كان الأصل في ملكه على حاله، وإذا كان كذلك؛ كان الوقف باطلًا، لا يجوز، ألا ترى أن رجلًا لو باع من رجل بيعًا على أنه بالخيار؛ كان المبيع في ملك البائع ما لم ينقطع خياره، وكذلك الوقف، إلا وقف بتات: لا مَثْنَوية فيه ولا رجعة، ألا ترى أن وقف السلف كلها وقوفًا بتاتًا في أصلها، وشروطهم فيها ألا تباع ولا توهب ولا تورث، وإنما يريدون بذلك أنه لا رجعة لهم فيها، فكل ما كان الوقف على وقوفهم لا مثنوية فيه، فهو جائز، وما كانت فيه الرجعة، فلا يجوز؛ لأنه خلاف وقوفهم" (٣). واستثنى الحنفية وقف المسجد من هذا الحكم، فقالوا: لو اتخذ مسجدًا على أنه بالخيار، جاز والشرط باطل (٤). القول الثاني: ذهب المالكية، والإباضية (٥)، وأبو يوسف من الحنفية إلى أن الوقف صحيح مطلقًا؛ أي يصح الوقف، وشرط الخيار، وقال ابن شاس المالكي: ولا يحتاج الوقف إلى شرط اللزوم، بل لا يقع إلا لازمًا، فلو قال: على أني بالخيار في الرجوع عنه، وإبطال شرطه .. لزم الوقف وبطل الشرط (٦).

стр. 239

واستدل أصحاب هذا القول بما يأتي: ١ - أن الوقف تمليك للمنافع، فجاز شرط الخيار فيه؛ كالإجارة. ٢ - ولأن الوقف يتعلق به اللزوم، وهو يحتمل الفسخ ببعض الأسباب، واشتراط الخيار إنما هو للفسخ، فيكون بمنزلة البيع في أنه يجوز اشتراط الخيار فيه. وذكر السرخسي الحنفي، بعد أن ذكر رأي أبي يوسف: أنه يجوز أن يستثني الواقف الغلة لنفسه ما دام حيًا، فكذلك يجوز أن يشترط الخيار لنفسه ثلاثة أيام لتروِّي النظر فيه (١)، وهذا الرأي يوسع في الوقف، وييسر سبله. القول الثالث: ذهب الفقيه يوسف بن خالد السمتي من الحنفية، وابن سريج والقفال من الشافعية، إلى أن الوقف صحيح، وشرط الخيار باطل، واستدلوا لذلك بأن الوقف إزالة ملك لا إلى مالك، فيكون بمنزلة الإعتاق، واشتراط الخيار في الإعتاق باطل، والعتق صحيح، وكذلك الأمر بالنسبة للمسجد، فإن اشتراط الخيار باطل، واتخاذه المسجد صحيح، فكذا الوقف قياسًا، فإنه صحيح والشرط باطل (٢). تاسعًا: الصيغة المطلقة عن المصرف: اختلف الفقهاء في اشتراط تعيين جهة الصرف في صيغة الوقف على قولين: القول الأول: ذهب المالكية، وبعض الحنابلة، وهو اختيار ابن النجار والمرداوي، والشافعية في قول مال إليه الغزالي واختاره الشيرازي والروياني، وهو قول أبي يوسف وهلال من الحنفية، والزيدية، والإمامية إلى عدم اشتراط بيان جهة الصرف في الصيغة، فإذا صدرت الصيغة خالية من بيان جهة الصرف أو ما يسمى "الوقف المطلق"،

стр. 240

كما لو قال الواقف: داري هذه صدقة موقوفة، أو وقفت داري؛ صح الوقف (١). واستدلوا لذلك بما يأتي: ١ - أن الوقف إزالة ملك على وجه القرية؛ فيصح مطلقًا؛ سواء ذكر جهة الصرف، أو لم يذكرها. ٢ - قياس الوقف على الأضحية والوصية والنذر، فكما يجوز صدورها عن المكلف دون ذكر للمصرف؛ جاز الوقف دون بيان جهة الصرف (٢). ثم اختلف الفقهاء القائلون بعدم اشتراط تعيين جهة الصرف في تحديد الجهة التي يوجه إليها هذا الوقف على قولين: أحدهما: وهو ما ذهب إليه المالكية، والحنابلة، والزيدية، وأبو يوسف من الحنفية .. أن الوقف يوجه إلى الفقراء والمساكين؛ لأنهم الجهة التي يتوجه إليها الوقف عند خلو الصيغة من تعيين جهة الصرف (٣). وثانيهما: وهو ما ذهب إليه بعض الحنابلة، والقاضي أبو محمد المالكي .. أن الوقف غير المعين الجهة يوجه إلى جهة من جهات البر والخير (٤)، فقال صاحب

стр. 241

المنتهي: يُصرف إلى ورثة الواقف وقفًا عليهم، على قدر إرثهم من الواقف؛ لأن الإطلاق إذا كان له عُرْف صحّ وحُمل عليه، وعُرْف المصرف هنا أولى الجهات به، وورثته أحق الناس ببره، فكأنه عينهم لصرفه (١). وقال أحمد في رواية عنه: إنه ينصرف إلى المساكين؛ لأنه مصرف الصدقات وحقوق الله تعالى من الكفارات ونحوها، فإذا وجدت صدقة غير معينة المصرف انصرفت إليهم، وعن أحمد رواية أخرى أنه يُجعل في بيت مال المسلمين؛ لأنه مال لا مستحق له، فأشبه مال من لا وارث له (٢). القول الثاني: ذهب الحنفية في قول أبي حنيفة ومحمد، والشافعية في قول، وهو الأظهر عند الأكثرين من الشافعية، وبعض الحنابلة، وهو اختيار صاحب الإقناع .. إلى أنه يشترط بيان جهة الصرف في الصيغة، فإذا صدرت الصيغة خالية من بيان جهة الصرف؛ لم يصح الوقف (٣)، فقال ابن عابدين الحنفي: "لو قال: أرضي هذه موقوفة، ولم يزد؛ لا يجوز إلا عند أبي يوسف، ويكون وقفًا على المساكين" (٤)، وقال النووي الشافعي: "الشرط الرابع: بيان المصرف، فلو قال: وقفت هذا، واقتصر عليه؛ فقولان، وقيل: وجهان، أظهرهما عند الأكثرين: بطلان الوقف" (٥). واستدلوا لذلك بالقياس على البيع والهبة، فهو كمن قال: بعتُ داري بعشرة أو وهبتها، ولم يقل لمن؛ ولأن الوقف يقتضي التمليك؛ فلا بد من ذكر المملَّك، ولأن جهالة المصرف مع ذكره مبطلة، فعدم ذكره أولى بالإبطال (٦).

стр. 242

المبحث الخامس لزوم صيغة الوقف اللزوم هنا ليس بمعنى الجزم في الصيغة الذي عبَّر عنه جمهور الفقهاء، وإنما هو بمعني: عدم تمكن الواقف من الرجوع عن الوقف، كما لا يجوز للورثة اعتباره ميراثًا يقسم بينهم. لكن متى يعتبر الوقف لازمًا؟ هل يلزم بمجرد صدور الصيغة من الواقف، أم لابد من وجود أمر آخر؟ اختلف الفقهاء في لزوم العقد وعدم لزومه على ثلاثة أقوال: القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤)، والزيدية (٥)، والصاحبان من الحنفية، وهو المفتي به في المذهب

стр. 243

الحنفي (١)، والإمامية (٢) إلى أن الوقف متى صدر من الواقف وكان مستوفيًا لشروطه أصبح لازمًا، ولا مجال للرجوع عنه، ولا التصرف في العين الموقوفة بأي تصرف يخل بالمقصود من الوقف، فلا يباع ولا يوهب ولا يرهن ولا يورث، ولو اشترط الواقف الرجوع عنه. قال ابن الحاجب: "الوقف لازم ولو قال: لي الخيار" (٣)، وقال ابن راشد: الصيغة إن وردت مطلقة فحكمها اللزوم، وإن صدرت مقيدة بخيار فكذلك، وشرط الخيار باطل (٤). وقال الماوردي الشافعي: "إذا وقف شيئًا زال ملكه عنه، ولزم، فلا يجوز له الرجوع فيه بعد ذلك، ولا التصرف فيه ببيع ولا هبة، ولا يجوز لأحد من ورثته التصرف فيه" (٥). وقال البهوتي الحنبلي: "والوقف عقد لازم؛ قال في التلخيص وغيره: أخرجه مخرج الوصية، أو لم يخرجه (لا يجوز فسخه بإقالة (٦) ولا غيرها)؛ لأنه عقد يقتضي التأبيد، فكان من شأنه ذلك، (ويلزم الوقف (بمجرد القول بدون حكم حاكم) " (٧).

стр. 244

وقال الشيخ محمد حسن النجفي الجعفري: "لا خلاف ولا إشكال في أنه إذا تم الوقف بجميع شرائطه المعتبرة (كان لازمًا، لا يجوز الرجوع فيه، إذا في زمان الصحة)، بل الإجماع عليه عندنا، بل هو كالضروري، خلافًا لأبي حنيفة، فجوَّز للواقف الرجوع به؛ بل لورثته، إلا أن يرضوا به بعد موته؛ فيلزم، أو يحكم به حكم حاكم" (١). واستدلوا لذلك بالآتي: ١ - ما أخرجه الشيخان عن ابن عمر ﵄: "أن عمر بن الخطاب ﵁، أصاب أرضًا بخَيبَرَ (٢)، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله إنِّي أصَبتُ أرضًا بخَيبَرَ لم أُصِب مالًا قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟ قال: "إن شئتَ حبست أصلها وتصدّقت بها"، قال: فتصدَّق بها عمر؛ أنه لا يباع أصلها ولا يُبتاع، ولا يورث، ولا يوهب، قال: فتصدّق عمر في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل والضعيف، لا جناح على متوليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يُطعم صديقًا غير متموّل فيه (٣) " (٤)، فقوله: لا يباع ولا يوهب ولا يورث، يدل على لزوم الوقف، وقطع التصرف فيه. ٢ - ما رُوي عن أبي هريرة وأن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (٥).

стр. 245

قال الشوكاني: (صدقة جارية) يشعر أن الوقف يلزم، ولا يجوز نقضه، ولو جاز النقض لكان صدقة منقطعة، وقد وصفه في الحديث بعدم الانقطاع (١). ٣ - ولأن الوقف تبرُّع يمنع البيع والهبة والميراث، فلزم بمجرد صدور صيغته من الواقف كما في العتق. القول الثاني: وذكره الدسوقي عن ابن عبد السلام: أنّ الوقف تصرف لازم غير أن للواقف أن يشترط لنفسه الحق في الرجوع عن وقفه، ويثبت له هذا الحق بمقتضى اشتراطه، فقال الدسوقي: واعلم أنه يلزم، ولو قال الواقف: ولي الخيار، كما قال ابن الحاجب؛ وبحث فيه ابن عبد السلام: بأنه ينبغي أن يوفي له بشرطه، كما قالوا: إنه يوفي له بشرطه إذا شرط أنه إذا تسوَّر عليه قاضٍ رجع له (٢). القول الثالث: ذهب أبو حنيفة، وزفر، والإباضية إلى أن الوقف جائز غير لازم، فإذا صدر من الواقف جاز له الرجوع عنه حال حياته مع الكراهة، ويورث عنه، وإنما يلزم الوقف عندهم بأحد الأمور الآتية (٣).

стр. 246

الأمر الأول: أن يحكم الحاكم (القاضي) بلزوم الْوَقْف، فإن حصل نزاع بين الواقف والناظر في العين الموقوفة، وحكم القاضي بكونه وقفًا، صار لازمًا، لأن قضاء القاضي في المسائل الاجتهادية يحسم النزاع، ويرفع الخلاف في المسألة. الأمر الثاني: أن يكون الْوَقْف على مسجد، ويأذن للناس بالصلاة فيه، فيلزم هذا الْوَقْف بذلك، دون حاجة إلى حكم حاكم، فلا يجوز الرجوع عنه، ولا يكون ميراثًا بعد وفاة الواقف؛ لأن المسجد يكون خالصًا لله تعالى، ويتخصص للصلاة، فيكون لازمًا. والأمر الثالث: أن يخرج الْوَقْف مخرج الوصية، بأن علَّق الواقف الْوَقْف بوفاته، كأن يقول: وقفت داري بعد موتي على الفقراء والمساكين، فإذا قال ذلك؛ خرج الْوَقْف من ملك الواقف بعد وفاته محسوبًا من ثلث التركة. واستدلوا لذلك بما يأتي: ١ - حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ يا رسول الله، إنَّ حَائِطي هذا صدقةٌ، وهو إلى الله ورسوله، فجاء أبَوَاهُ فقالا: يا رسول الله، كان قِوَامُ عَيْشِنَا، فردَّهُ رسول الله ﷺ ، ثم ماتَا فَوَرِثْهُمَا ابنهما (١)، فالرسول ﷺ ردَّ الصدقة، ولو كان الْوَقْف لازمًا لما رده. ٢ - ما ورد عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لما نزلت سورة النساء قال رسول الله ﷺ : "لا حَبْسَ بعد سُورةِ النِّساءِ" (٢).

стр. 247

٣ - وما روى الطحاوي عن الزهري: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله ﷺ لرددتها (١)، قال الشوكاني: وهو يشعر أن الْوَقْف لا يمتنع الرجوع عنه، وأن الذي منع عمر بن الخطاب ﵁ من الرجوع كونه ذكره للنبي ﷺ ، فكره أن يفارقه على أمر، ثم يخالفه إلى غيره (٢). ٤ - ولأن الْوَقْف تمليك منفعة دون العين (الرقبة)، فلا يلزم؛ كالعارية. ٥ - ولأن الْوَقْف لا ينفذ إلا بعد القبض، وإلا فللواقف الرجوع؛ لأنَّهُ صدقة ومن شِرطها القبض. مسألة: صدور حكم حاكم في الْوَقْف وتوثيقه: من الموضوعات المهمة التي تتعلق بلزوم الْوَقْف، وتحتاج إلى شيء من التفصيل: صدور حكم حاكم في الْوَقْف، وتوثيقه لدى جهة رسمية، وفيما يأتي بيان لهذين الموضوعين: أولًا: صدور حكم حاكم (قاضٍ): إذا صدرت الصيغة عن الواقف فهل ينشأ الْوَقْف ويلزم بمجرد صدورها، أم تحتاج إلى حكم حاكم؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: ذهب المالكية، والشافعية والحنابلة، والزيدية (٣)، والإمامية (٤) إلى أن الْوَقْف لا يحتاج إلى حكم حاكم (٥).

стр. 248

فقال القرافي المالكي: وحكمه لزوم من غير حكم حاكم (١)، وقال العكبري الحنبلي: يصح الْوَقْف من غير حكم حاكم؛ خلافًا لأبي حنيفة في قوله: لا يصح إلا أن يحكم الحاكم بصحته، أو أن يخرج مخرج الوصية" (٢). ويستدل لذلك بأن الْوَقْف تصرف في عين، يجوز أن يصح بعد الوفاة بغير حكم حاكم، فجاز أن يصح حال الحياة بغير حكم حاكم، دليله العتق (٣). القول الثاني: ذهب الحنفية والإباضية إلى أن الْوَقْف لا يصح ولا يلزم إلا بحكم حاكم إذا كان الْوَقْف في حالٌ الحياة، أما إذا كان الْوَقْف بعد الممات فلا يُشترط له حكم حاكم (٤). فعند الحنفية: الْوَقْف عند أبي حنيفة لا يجوز ... لأنَّهُ إذا ظهر أنه لم يثبت به قبل الحكم حكم لم يكن، وإذا لم يكن له أثر زائد على ما كان قبله كان كالمعدوم (٥)، وجاء

стр. 249

في الإباضية في شرح كتاب النيل: "وفي التاج: الْوَقْف حبس الموقف إليه، والتصدق بالمنفعة، ولا يلزم إلا إن حكم به عدل، أو إن قال: إذا مت فقد وقفته" (١). ثانيًا: توثيق الْوَقْف لدى جهة رسمية: التوثيق في صيغة الْوَقْف: هو أن يقوم الواقف بالإشهاد على ما صدر منه من وقف، أو تسجيله لدى جهة رسمية؛ كالمحكمة الشرعية. فهل يشترط ذلك لصحة الْوَقْف ولزومه؟ لم ينص الفقهاء القدامى على اشتراط التوثيق من إشهاد، أو تسجيل لصحة الْوَقْف ولزومه، وإنما نصوا على استحباب التوثيق؛ لما له من أهمية بالغة في حفظ الحقوق، وتحديد المراكز القانونية للأشخاص والأشياء. قال ابن فرحون في بيان أهمية التوثيق: هي صناعة جليلة، وبضاعة عالية منيفة، تحتوي على ضبط أمور الناس على القوانين الشرعية، وحفظ دماء المسلمين وأموالهم، والاطلاع على أسرارهم وأحوالهم (٢). فحجة الْوَقْف أو الوقفية تتضمن كل ما يتعلق بالوقف والعين الموقوفة؛ من حيث: تحديد شروط الْوَقْف، والغرض منه، وبيان جهة الصرف؛ سواء أكانت خيرية أم أهلية، وتحديد حدود العين الموقوفة، وما قد يطرأ عليها من تطوير وتحوير واستبدال. وقد لقي توثيق حجج الْوَقْف وغيرها من الحجج عناية خاصة من قبل الفقهاء والجهاز القضائي الرسمي في الدولة الإسلامية منذ أقدم العصور الإسلامية، من حيث تعيين موثق عدل في نفسه، مأمون على كتابة الحجة، خبير بشروط التوثيق، عالم بأحكام المعاملات المالية الشرعية (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ (٤).

стр. 250

كما اعتبر الفقهاء الشهادة شرطًا لسماع دعوى الْوَقْف عند الإنكار، فذكر أبو بكر الخصاف أنه: إن شهد الشهود أن فلانًا أقرَّ عندنا أنه وقف هذه الأرض وقفًا صحيحًا، وحددها، وأنه كان مالكها في وقت ما وقفها .. قضينا بأنها وقف من قبل الواقف، وأخرجناها من يدي الذي هي في يديه، ثم قال في الجواب عن السؤال التالي: ما تقول إن شهد الشهود أن فلانا وقف هذه الأرض وقفًا صحيحًا وحددها، والأرض في يدي وارث الواقف؛ يقول: ورثها عنه، ويجحد الْوَقْف؟ أقضي بها وقفًا في الوجوه التي سبلها فيها، وكذلك إن كانت في يدي وصي الواقف؛ يقول: هي في يدي لفلان الذي أوصى إليَّ أو كانت في يد رجل يقول: كنت وكيلًا لفلان الواقف فيها، وقد أقام البينة الذين يدعون أنها وقف على إقرار الواقف أنه وقفها عليهم ومن بعدهم على المساكين، وكانت الشهادة بحضرة وارث الواقف، أو بحضرة وصيه؛ قال: أقضي أنها وقف من الواقف (١). ومن أقدم وثائق الْوَقْف وثيقة وقفية عمر بن الخطاب ﵁ التي رواها أبو داود عن يحيى بن سعيد عن صدقة عمر بن الخطاب قال: نسخها لي عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما كتب عبد الله عمرُ في ثَمْغٍ (أرض تلقاء المدينة)، فقص من خبره نحو حديث نافع قال: غير متأثل مالًا، فما عفا عنه من ثمره، فهو للسائل والمحروم، قال: وساق القصة، قال: وإن شاء وليُّ ثَمْغٍ اشتري من ثمره رقيقًا لعمله، وكتب معيقيب، وشهد عبد الله بن الأرقم. بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أوصى به عبد الله عمرُ أمير المؤمنين: إن حدث به حدث أن ثَمْغًا، وصرمة بن الأكوع، والعبد الذي فيه، والمائة سهم التي بخيبر، ورقيقه الذي فيه، والمائة التي أطعمه محمد ﷺ بالوادي، تليه حفصة ما عاشت، ثم يليه ذو الرأي من أهلها، ألا يباع، ولا يشترى، ينفقه حيث رأى من السائل والمحروم، وذوي القربى، ولا حرج على من وليه إن أكل، أو آكل، أو اشترى رقيقًا منه (٢).
следующие страницы →