← Фикх общий

Фикх общий · id 308

مدونة أحكام الوقف الفقهية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فقد صرّح الحنفية بأن (المعتوه كالصبي العاقل في تصرفاته وفي رفع التكليف عنه) (١)، وقال العدوي في حاشيته على شرح الرسالة: "وَالْمَجْنُونُ وَالْمَعْتُوهُ الضَّعِيفُ الْعَقْلِ لَا يَصِحُّ عَقْدًا وَاحِدٍ مِنْهُمَا" (٢)، ونقل الفاسي اتفاق العلماء على عدم نفاذ تصرفات الصبي والمجنون والمعتوه في ماله، حيث ذكر أنهم اتفقوا على وجوب الحجر على من لم يبلغ، وعلى من هو مجنون معتوه، أو مطبق لا عقل له، وإن كان ما أنفذ مَنْ ذكرنا في حال فقد عقله، أو قبل بلوغه (مِن: هبة، أو عتق، أو بيع، أو صدقة) باطل (٣). ثالثًا: وقف المغمى عليه والنائم: الإغماء لغة: الخفاء والستر (٤). واصطلاحًا: سهو يعتري الإنسان مع فتور الأعضاء لعلة، وقيل: فتور غير أصلي لا بمخدر يزيل عمل القوى (٥). وَإِقْرارُ الصَّبيِّ الْمَحْجُورِ عَليهِ والمَعْتُوهِ والمُغْمَى عَليهِ والنَّائِمِ بَاطِلٌ، بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِمْ (٦).

стр. 282

رابعًا: وقف الساهي والغافل: السهو في اللغة: ذهول المعلوم من أن يخطر بالبال، وقيل: خطأ عن غفلة، وهو ضربان: أحدهما: ألا يكون من الإنسان جوالبه ومولداته؛ كمجنون سبَّ إنسانًا. الثاني: أن يكون منه مولداته، كمن شرب خمرًا ثم ظهر منه منكر بلا قصد. والأول معفو عنه والثاني مؤاخذ به، قال في المصباح: وفرقوا بين الساهي والناسي بأن الناسي إذا ذكر تذكر، والساهي بخلافه، والسهوة: الغفلة، وسهى إليه: نظر ساكن الطرف (١). وخلاف السهو: العمد والتعمد (٢). أما الغفلة عن الشيء، فهي ألا يخطر ذلك بباله" (٣). والغفلة: فقد الشعور بما حقه أن يشعر به، قاله الحرالي، وقال أبو البقاء: الذهول عن الشيء، وقال الراغب: سهو يعتري من قلة التحفظ والتيقظ (٤). ونص الإمامية على أن وقف الساهي أو الغافل لا يصح (٥). خامسًا: وقف السكران: السُّكْر في اللغة: نقيض الصحو، والسكران: خلاف الصاحي (٦).

стр. 283

وفي الاصطلاح: نشوة تزيل العقل، وقال الشافعي: السكران هو الذي اختلط كلامه المنظوم، وانكشف سره المكتوم (١). قال الشيخ عليش نقلًا عن ابن رشد: السكران ينقسم قسمين؛ الأول: سكران لا يعرف الأرض من السماء، ولا الرجل من المرأة، والثاني: سكران مختلط، معه بقية من عقله، إلا أنه لا يملك الاختلاط من نفسه؛ فيخطئ ويصيب، أما السكران الذي لا يعرف الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة؛ فلا اختلاف في أنه كالمجنون في جميع أفعاله وأقواله فيما بينه وبين الله تعالى، وفيما بينه وبين الناس، وأما السكران المختلط الذي معه بقية من عقله؛ فاختلف أهل العلم في أفعاله وأقواله (٢). وعليه: فقد ذهب الحنفية، والشافعية في المذهب كذلك، وابن نافع من المالكية، والإمامية، والزيدية في قول مرجوح إلى أن السكران كالصاحي؛ فتكون تصرفاته نافذة، فوقف السكران صحيح نافذ عند أصحاب هذا الاتجاه (٣).

стр. 284

ويرى المالكية في المذهب، والظاهرية، والحنابلة في رواية، وابن تيمية، والإمامية، والمختار عند الزيدية أن وقف السكران غير منعقد (١). وفرّق الإباضية بين السكر الذي سببه مباح، والسكر الذي سببه محرم، فأثبتوا الخطاب للسكران بسبب محرم دون الآخَر، وقالوا: لا يخرج السكران من كونه مخاطبًا؛ لأنَّهُ متعرض بنفسه لتغير عقله اختيارًا، فناسب أن تجرى عليه الأحكام الشرعية، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٢)، فإنهم نُهوا أن يقربوا الصلاة وهم سكارى، وهذا الخطاب متوجه إليهم حال السكر، فإذا ظهرت صحة تعلق الخطاب بالسكران، فتجري عليه أحكام الصاحي (٣). الفرع الثالث: الحرية: الحرية في اللغة مصدر الحر والحرار -بالفتح- كذلك، وقد حَرَّ حَرارًا؛ أي صار حرًا (٤).

стр. 285

والحر خلاف العبد، ويستعار للكريم؛ كالعبد اللئيم، والحرة خلاف الأمة (١). والحرية في الاصطلاح: خلوص نفس العبد عن الرق والملك (٢). واختلف الفقهاء في اشتراط حرية الواقف لصحة الْوَقْف على قولين: القول الأول: يُشترط لصحة الْوَقْف أن يكون الواقف حرًا، وهو قول الجمهور من الحنفية، والمالكية، والحنابلة، والشافعية، والإمامية .. فلا يصح عندهم وقف العبد؛ لأن الْوَقْف إزالة الملك، والعبد ليس من أهل الملك، سواء كان مأذونًا أم محجورًا؛ لأن الْوَقْف ليس من باب التجارة، ولا من ضرورات التجارة؛ فلا يملكه المأذون، كما لا يملك الصدقة والهبة والإعتاق (٣). وهو مقتضى عبارات الزيدية؛ إذ يعتبرون الملك وإطلاق التصرف من شروط الواقف، فلا يصح الْوَقْف عندهم من غير المالك (٤)، والعبد ليس من أهل الملك. القول الثاني: يصح وقف العبد ما لم ينتزع سيده ماله، وهو مذهب الظاهرية، قال ابن حزم: "العبد في جواز صدقته وهبته وبيعه وشرائه كالحر، والأمة كالحرة

стр. 286

ما لم ينتزع سيدهما مالهما" (١)، وأضاف: "صح أن للسيد أخذ كسب عبده، فإذا قال السيد: قد انتزعت كسبك، فقد سقط ملك العبد عنه وصار للسيد" (٢). مسألة: وقف المكاتب: ومما يتصل بالموضوع: وقف المكاتب: فالمكاتب: مفعول من كاتب مكاتبة، والمولى مكاتب بكسر التاء، والمكاتبة أو الكتابة في الشرع: تحرير المملوك من جهة اليد في الحال، ومن جهة الرقبة في المال (٣). واختلف الفقهاء في صحة وقف المكاتب على قولين: القول الأول: عدم صحة وقف المكاتب، وبه صرّح الشافعية والحنابلة (٤)، وهو مقتضى عبارات الحنفية، والمالكية، والإمامية؛ حيث اشترطوا حرية الواقف لصحة الْوَقْف، وقالوا بعدم صحة وقف العبد، وإطلاق قولهم هذا يشمل الفن والمكاتب (٥).

стр. 287

كما أن الحنفية صرَّحوا بأن كسب المكاتب لا يحتمل التبرع (١). ويقول المالكية: شرط الْوَقْف أن يكون الواقف من أهل التبرع (٢). وصرح الإمامية بعدم جواز التبرع من المكاتب، فقد ذكر الحلي أن: المكاتب كالحر في التصرفات، إلا فيما فيه تبرع أو خطر؛ فلا ينفذ عتقه ولا هبته (٣). والوقف تبرع عند هؤلاء الفقهاء جميعًا (٤). القول الثاني: جواز وقف المكاتب بقيود وشروط، وهو مذهب الزيدية والظاهرية. فقد صرّح الزيدية أن للمكاتب قبل الوفاء حكم الحر في تصرفاته وعقوده، فإذا وقف كان ذلك موقوفًا على عتقه، فإن عنق نفذ وقفه، وإن رق بطل (٥). وتقتضي عبارات الظاهرية أن وقف المكاتب صحيح نافذ ما لم يعجزه سيده وينتزع ماله، فذكر ابن حزم أن: العبد في جواز صدقته وهبته وبيعه وشرائه كالحر، والأمة كالحرة ما لم ينتزع سيدهما مالهما (٦). الفرع الرابع: الاختيار: قال ابن عابدين: الاختيار: هو القصد إلى الشيء وإرادته، والرضا: هو إيثاره واستحسانه (٧).

стр. 288

واختلف الفقهاء في اشتراط الاختيار على قولين: القول الأول: يشترط لصحة الْوَقْف أن يكون الواقف مختارًا، فلا يصح الْوَقْف من مكره بغير حق. وهو قول المالكية، والشافعية والحنابلة، والزيدية، والإمامية واستدلوا بقول النَّبِيّ ﷺ : "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (١)؛ ولأنه في حالة الإكراه ليس صحيح العبارة، ولا أهلًا للتبرع ولا لغيره، إذ ما يقوله لأجل الإكراه لغو منه (٢). وهو ما يؤخذ من عبارات الحنابلة في باب الطلاق، قال ابن قدامة: "لا تختلف الرواية عن أحمد أن طلاق المكره لا يقع" (٣)، وقال ابن القيم: "والله رفع المؤاخذة عن المتكلم بكلمة الكفر مكرهًا؛ لما لم يقصد معناها ولا نواها، فكذلك المتكلم بالطلاق والعتاق والوقف واليمين والنذر مكرهًا؛ لا يلزمه شيء من ذلك؛ لعدم نيته وقصده" (٤).

стр. 289

وقال الإمامية: "ولا يصح وقف المكره، وإجازته بعد زوال عذره كإجازة المالك وقف الفضولي على إشكال، والراجح عندهم عدم صحة وقف المكره مطلقًا؛ أي لا يصح حتَّى بعد زوال الإكراه؛ فقد نصوا على أن وقف الفضولي لا يصح، وإن أجاز المالك" (١)، وقال الحكيم: "ولو وقف المالك مكرهًا لم ينفذ وقفه برضاه بعد ذلك" (٢). القول الثاني: أن تصرفات المكره قولًا منعقدة، إلا ما يحتمل الفسخ منه؛ كالبيع والإجارة، أما ما لا يحتمل الفسخ منه كالطلاق والنكاح والعتاق فهو لازم (٣)، وهذا مذهب الحنفية، قال الزيلعي: فلو أُكره على بيع أو شراء أو إقرار أو إجارة بقتل أو ضرب شديد أو حبس مديد؛ خُيِّر بين أن يمضي البيع أو يفسخ؛ لأن الإكراه الملجئ وغير الملجئ يعدمان الرضا، والرضا شرط لصحة هذه العقود؛ قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٤)، فتفسد عند فوات الرضا (٥). وألحق علي حيدر الْوَقْف بالتصرفات القولية التي تحتمل الفسخ؛ حيث ذكر أنه لا يعتبر البيع الذي وقع بإكراهٍ معتبر، ولا الشراء ولا الإيجار ولا الاستئجار ولا الهبة ولا الصدقة ولا الفراغ (أي فراغ الأراضي الأميرية والأراضي التي يتصرف بها بالإجارتين من المستغلات)، ولا الصلح ولا الإقرار بالمال والإقرار بالعقد والإقرار بالطلاق والإقرار بالرضاع، والإبراء عن مال (أي الإبراء عن الحقوق)، ولا تأجيل الدين ولا إسقاط الشفعة، ولا قبول الكفالة والوقف والرهن، ولا يكون لازمًا؛ أي يكون منعقدًا ونافذًا وقابلًا للفسخ، فجاء في مجلة الأحكام العدلية: "والمكره إذا

стр. 290

أجاز التصرفات المذكورة بعد زوال الإكراه يكون معتبرًا حينئذ؛ أي لازمًا؛ لأن العقد والإقرار يثبتان الملك ولو كانا بالإكراه، والإكراه سواء أكان مُلجئًا أم غير مُلجئ فهو معدهم للرضا، وبما أن الرضا شرط في لزوم العقود والمعاملات المذكورة والإقرار، فتفسد العقود بفوات الرضا، ويكون حق الفسخ والإمضاء بعد زوال الإكراه عائدًا إلى المكره" (١). الفرع الخامس: الملك: الملك أو الملكية: عبارة عن المقدرة ابتداء على التصرف ما لم يكن مانع (٢). وقال القرافي: "الملك حكم شرعي مقدر في العين أو المنفعة، يقتضي تمكن من يضاف إليه من انتفاعه بالمملوك والعوض عنه من حيث هو كذلك" (٣). واتفق الفقهاء على أنه يشترط لصحة الْوَقْف أن يكون الواقف مالكًا لما يقفه وقت الْوَقْف ملكًا باتًا (٤). ومما يتفرع على اشتراط الملك لصحة الْوَقْف ما يأتي:

стр. 291

أولًا: وقف الفضولي: الفضولي لغة: من يشتغل بما لا يعنيه، نسبة إلى الفضول، جمع فضل: وهو الزيادة (١). وفي الاصطلاح: الفضولي هو من يتصرف بحق الغير بدون إذن شرعي (٢)؛ وذلك لكون تصرفه صادرًا من غير ملك ولا وكالة ولا ولاية (٣). وإذا وقف الفضولي مال شخص بدون إذن منه؛ فقد اختلف الفقهاء في صحة الْوَقْف على قولين: القول الأول: أن وقف الفضولي موقوف على إجازة المالك، وهو مذهب الحنفية، وبعض المالكية، ورواية عند الحنابلة، والشافعية في القديم، والإمامية في المذهب؛ لأن المالك إذا أجاز فعل الفضولي كان ذلك الفعل في الحقيقة صادرًا منه، وإن لم يجزه المالك لم يجز، ولأنه عقد صدر من صحيح العبارة قابل للنقل، وقد أجاز المالك؛ فيصح (٤).

стр. 292

القول الثاني: أن وقف الفضولي غير صحيح ولو أجازه المالك، وهو مذهب المالكية في المشهور، والشافعية في الجديد، والحنابلة في المذهب، والزيدية، وجماعة من الإمامية، والظاهرية، وعللوا ذلك بخروج الموقوف بغير عوض، بخلاف المبيع، فإن البيع صحيح؛ لأنَّهُ يخرج بعوض (١)؛ ولأن الْوَقْف إنشاء، والإجازة لا تلحق الإنشاءات (٢)؛ ولأن عبارة الفضولي لا أثر لها، وتأثير الإجازة غير معلوم؛ لأن الْوَقْف فكُّ ملك في كثير من موارده، ولا أثر لعبارة الغير فيه (٣). ثانيًا: التوكيل بالوقف: الوكالة لغة: هي الحفظ، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٤)؛ أي نعم الحافظ (٥). والتوكيل في الاصطلاح: تفويض التصرف، والحفظ إلى الوكيل (٦)، وفي مغني المحتاج: "التوكيل هو تفويض شخص ما له فعلُه مما يقبل النيابة إلى غيره لِيَفْعَلَه في حياته" (٧).

стр. 293

والتوكيل نوعان: خاص، وعام (١). أ) التوكيل الخاص: كأن يوكل شخص آخر بأن يقف أرضه أو داره، فيرى جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة، والزيدية، والإمامية .. جواز التوكيل في الْوَقْف (٢)، واستدلوا على ذلك بقياس الْوَقْف على البيع، فقالوا: إن الْوَقْف في معنى البيع في الحاجة إلى التوكيل فيه؛ فيثبت فيه حكمه (٣). ويؤخذ من عبارات الظاهرية أن التوكيل بالوقف غير جائز عندهم، قال ابن حزم: "ولا تجوز وكالة على طلاق، ولا على عتق ولا على تدبير، ولا على رجعة، ولا على إسلام، ولا على توبة، ولا على إقرار، ولا على إنكار، ولا على عقد الهبة، ولا على العفو، ولا على الإبراء، ولا على عقد الضمان، ولا على ردة، ولا على قذف، ولا على صلح، ولا على إنكاح مطاق بغير تسمية المنكحة والناكح؛ لأن كل ذلك إلزام حكم لم يلزم قط، وحل عقد ثابت، ونقل ملك باللفظ، فلا يجوز أن يتكلم أحد إلا حيث أوجب ذلك نصٌّ، ولا نصَّ على جواز الوكالة في شيء من هذه الوجوه، والأصل ألا يجوز قول أحد على غيره ولا حكمه على غيره؛

стр. 294

لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١)، وكل ما ذكرنا كسب على غيره وحكم بالباطل يمضيه أحد على أحد" (٢). ب) أما التوكيل العام؛ كأن يقول الموكل لشخص: أنت وكيلي في كل شيء، أو في كل أموري، أو فوضت إليك كل شيء .. فقد اختلف الفقهاء في صحة هذه الوكالة على قولين: القول الأول: لا تصح الوكالة العامة عند أبي حنيفة، وهو مذهب الشافعية والحنابلة؛ لما فيها من غرر، وقالوا: إنما يجوز منها ما سمي وحدد ونص عليه، قال ابن رشد من المالكية: وهو الأقيس؛ إذ كان الأصل فيها المنع، إلا ما وقع عليه من الإجماع (٣)، وعليه فلا يصح الْوَقْف بالتوكيل العام عندهم؛ لعدم إجازتهم الوكالة العامة أساسًا. القول الثاني: يصح الْوَقْف بالتوكيل عند القائلين بجواز الوكالة العامة، وعلى ذلك أكثر الحنفية، والمالكية، وبه قال ابن أبي ليلى، إلا أن المفتى به عند الحنفية عدم صحة الْوَقْف بالوكالة العامة، وقال بعضهم بصحة الْوَقْف بالوكالة العامة لإطلاق لفظ التعميم (٤).

стр. 295

ثالثًا: وقف وصي اليتيم: الوصي من جعل له شخص التصرف بعد موته فيما كان له التصرف فيه (١)، واليتيم اسم لمن مات أبوه قبل الحلم (٢)، والوصي ليس له أن يقف مال اليتيم الموصى عليه؛ لأن الوصي لا يملك التبرع (٣)، والوقف تبرع (٤). قال زكريا الأنصاري: "ولا يهب (أي الوصي) ماله بثواب ولا غيره لأنها تبرع" (٥)، وقال البهوتي: "ولا يجوز لوليهما (الصغير والمجنون) أن يتصرف في مالهما إلا على وجه الحفظ لهما، فإن تبرع بهبة أو صدقة، أو حابي؛ بأن اشترى بزيادة أو باع بنقصان، أو زاد على النفقة بالمعروف .. ضَمن؛ لأنه مُفرّط، كتصرفه في مال غيرهما" (٦).

стр. 296

الفرع السادس: الإسلام: أولًا: آراء الفقهاء في اشتراط الإسلام لصحة الوقف: اختلف الفقهاء في اشتراط الإسلام لصحة الوقف على قولين: القول الأول: لا يشترط الإسلام لصحة الوقف، فيصح وقف غير المسلم في الجملة، ذميًا كان أو حربيًا، وهو قول الجمهور من حنفية، ومالكية، وشافعية، وحنابلة، وإمامية (١)، وإباضية، وهو ما يفيده الثميني في الضياء: "ومن أوصى لأقاربه وفيهم ذِمِّيّ دخل معهم، وكذلك لو أوصى الذِّمِّيّ وقريبه مسلم دخل في الوصيَّة؛ لأنَّ الوصيَّة لغير الوارث، وهي تجب بالرحم وليس بميراث" (٢). وجاء في الفتاوى الهندية: "حربي دخل دار الإسلام بأمان ووقف، جاز من ذلك ما يجوز من الذمي" (٣)، وقال ابن عابدين: "الوقف ليس موضوعًا للتعبد كالصلاة والحج، بحيث لا يصح من الكافر أصلًا، بل التقرب به موقوف على نية القربة، فهو

стр. 297

بدونها مباح؛ حتى يصح من الكافر؛ كالعتق والنكاح" (١)، وعلّل البغوي صحة وقفه وإن لم يعتقده قرية اعتبارًا باعتقادنا، كما يصح منه بيع الشحم وإن اعتقد منعه (٢)، وذكر عبد الأعلى الموسوي من الإمامية أنه: لا يعتبر في الواقف أن يكون مسلمًا، فيصح وقف الكافر فيما يصح من المسلم على الأقوى؛ للإطلاق وظهور الاتفاق، وأصالة عدم الاشتراط بعد صدق الوقف عليه، وكذا فيما يصح على مذهبه؛ تقريرًا لهم على مذهبهم، وأما الإشكال على الصحة بأن الوقف متقوم بقصد القرية، وهو لا يحصل من الكافر؛ لعدم اعتقاده بالله تعالى .. فممنوع؛ لأن كثيرًا من الكفار يعتقدون بالله تعالى إجمالًا، وإنما أخطؤوا في طريق معرفته وعبوديته، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٣) (٤). القول الثاني: يشترط لصحة الوقف أن يكون الواقف مسلمًا، وهو قول الزيدية؛ إذ من شروط الوقف عندهم القربة، فلا يصح وقف الكافر (٥)، وذكر ابن قاضي شهبة من الشافعية احتمال عدم صحة وقف الكافر؛ اعتبارًا باعتقاده (٦).

стр. 298

ثانيًا: مسائل مختلف فيها لدى الفقهاء القائلين بصحة وقف غير المسلم: ثم اختلف الفقهاء القائلون بصحة وقف الكافر في بعض التفاصيل، نذكرها فيما يأتي (أ) وقف الذمي: الذي نسبة إلى الذمة، والذمة في اللغة بمعنى العهد، والذمي في اصطلاح الفقهاء: الكافر الذي أعطاه الإمام العهد (١)، كما أن الذمي نسبة إلى الذمة؛ أي العهد من الإمام بالأمن على نفسه وماله، في نظير التزامة الجزية ونفوذ أحكام الإسلام فيه (٢). واختلف القائلون بصحة وقف الذمي فيما يصح وقفه إلى أربعة أقوال: القول الأول: صحة وقف الذمي، بشرط أن يكون قرية عندنا وعندهم، نص عليه الحنفية، وهو مقتضى عبارات المالكية، ومثّلوا له بالوقف على الفقراء أو على مسجد القدس، بخلاف الوقف على بِيَعَة؛ فإنه قربة عندهم فقط، أو حج أو عمرة فإنه قرية عندنا فقط (٣)، وقالوا: يجوز أن يعطي المساكين المسلمين وأهل الذمة، وإن خص في وقفه مساكين أهل الذمة جاز، وتفرق على اليهود والنصارى والمجوس منهم، إلا إن خص صنفًا منهم، فلو دفع القيم إلى غيرهم؛ كان ضامنًا وإن قلنا: إن الكفر ملة واحدة (٤)، وأضافوا: لو وقف الذمي على ولده ونسله وجعل آخره للمساكين؛ جاز (٥)،

стр. 299

وقال المالكية: لا يصح وقف الكافر في قرية دينية، فيبطل عندهم وقف الكافر لمثل مسجد ورباط وجهاد وحج وأذان مما يتعلق بدين الإسلام، وفي سماع ابن القاسم من المالكية: إن حبس ذمي دارًا على مسجد رد، وروى ابن معن في نصرانية بعثت بدينار للكعبة فرده عليها مالك، أما وقفهم في منفعة عامة دنيوية كبناء قنطرة، وكسبيل ماء، ونحوها .. فيصح عند الحاجة (١). القول الثاني: صحة وقف الذمي فيما لا يعتقده قربة إعتبارًا باعتقادنا، وهو مذهب الشافعية، ومثلوا له بالوقف على المصاحف والكتب العلمية، كما يصح عندهم وقفهم للمسجد (٢). القول الثالث: أن ما لا يصح من المسلم الوقف عليه لا يصح من الذمي، وهو مذهب الحنابلة، وبناء على هذا الأصل يصح الوقف على القريب من مسلم وذمي ونحو ذلك من القرب؛ كالربط والخانات لأبناء السبيل، كما يصح وقف نمي على ذمي معين غير قريبه، وشرط استحقاقه ما دام ذميًا لاغٍ، ويستمر له إذا أسلم بطريق أولى، ويصح الوقف على من ينزل الكنائس والأديرة ونحوها من مارٍ ومجتاز فيها فقط؛ لأن الوقف عليهم لا على البقعة، والصدقة عليهم جائزة. أما لو كان الوقف على من يمر بها أو يجتاز من أهل الذمة فقط؛ فقد اختلف فقهاء الحنابلة فيه على رأيين: الرأي الأول: لم يصح لبطلان الوقف على اليهود والنصارى، قال الحارثي: وهو المذهب كما في شرح المنتهى.

стр. 300

الرأي الثاني: يصح، قاله ابن مفلح في الفروع نقلًا عن المنتخب. وفي صحة وقف الذمي على الكنائس وشبهها رأيين أيضا: الرأي الأول: لا يصح الوقف على كنائس وبيوت نار وبيع وأديرة ومصالحها كقناديلها ووقودها وسدنتها، نص عليه الحنابلة؛ لأنه معونة على معصية (١). والرأي الثاني: يصح الوقف الذي على البيع والكنائس، قاله الإمامية؛ لأن الذمي يعتقد التقرب به إلى الله تعالى، فيقر على دينه؛ لأنه لا بد له من متعبد (٢)، وقالوا: لو وقف الذمي على الفقراء انصرف إلى فقراء نحلته (٣). القول الرابع: أن الوقف من الذمي لا يصح، وهو ظاهر مذهب الزيدية؛ لأنه يُشترط في الواقف التكليف والإسلام؛ بناء على أن القرية لا تصح من غير المسلم (٤). إلا أنه حكي الخلاف في تفسير وجوب الإسلام في الوقف، هل المراد به نفي الصحة، قياسًا على الهبات والعطايا؟ أم أنه صحيح مع عدم القبول لصدقته؛ كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (٥)؟ فعدم القبول لا ينافي عدم الصحة؛ لأن مانع القبول ليس مانعا للانعقاد، بل الإحباط فرع الصحة؛ حيث لا يُحبط إلا موجود، ولهذا وردت أحاديث: "لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلًا (٦) في كثير من فسَّاق المسلمين (٧).

стр. 301

ورجّح الصنعاني قبول وقف الذمي مستدلًا بأنه: "لا تلازم بين الصحة والقربة، ويؤيد ذلك صحة وقف المرائي وعنقه ولا قرية له، بل هو فاعل الإثم، وإن قيل: علة عدم الصحة أنه لا بدَّ من نية التقرب إلى الله تعالى بالوقف بمعزل عن ذلك، والعتق مثله، وقد ثبت أن الكفار كانوا يطعمون الطعام ويهبون الهبات ويعطون العطايا، ولم يرد نهي عن قبول ما يخرج من أيديهم إلى الغير ... إلا أن يُقال: الوقف من الأوضاع الشرعية والقرب التي لم تشرع إلا للمسلم، بخلاف العتق؛ فإنه شرع قديم، فيُنظر، فعدم نفوذ وقف الكافر محل وقف" (١). (ب) وقف المرتد: المرتد: الراجع عن دين الإسلام (٢). واختلف الفقهاء في وقف المرتد على ثلاثة أقوال: القول الأول: تصرف المرتد بالوقف في ماله موقوف، فإن عاد إلى الإسلام نفذ وقفه، وإلا بطل، وهذا قول الشافعية والحنابلة، وصرّح الشافعية بأن محل جعل وقف المرتد موقوفًا قبل حجر الحاكم عليه، فإن كان بعد الحجر لم ينفذ مطلقًا (٣). القول الثاني: وقف المرتد باطل، وهو مذهب المالكية، والزيدية، وأضاف المالكية أن ما وقفه المرتد قبل ردته، وحيز الموقوف قبل الرد فإن وقفه نافذ؛ سواء عاد

стр. 302

للإسلام أو مات على ردته، ومن أنشأ الوقف، وتأخر الحوز إلى أن ارتد الواقف ومات على ردته؛ بطل الوقف (١). ويؤخذ من عبارات فقهاء الإمامية أن المرتد سواء كان مرتدًا عن فطرة أم مرتدًا عن ملة؛ لا يصح وقفه (٢). القول الثالث: الردة المقارنة للوقف لا تبطله بل يتوقف، بخلاف الردة الطارئة؛ فإنها تبطل الوقف بتًا، وهو مذهب الحنفية. والردة المقارنة: كما لو وقف المرتد فقتل أو مات بطل وقفه ويصير ميراثًا، فإن أسلم صح وقفه عند الإمام، وعند محمد يجوز من المرتد ما يجوز من القوم الذين انتقل إلى دينهم. والردة الطارئة: كما إذا ارتد المسلم وقد وقف قبل الردة؛ فإنه يبطل وقفه ويصير ميراثًا؛ سواء قتل على ردته أو مات أو عاد إلى الإسلام، إلا إن أعاد الوقف بعد عوده إلى الإسلام. وفرّق الحنفية بين ردة الرجل والمرأة؛ فذكروا أن: المرتدة يصح وقفها؛ لأنها لا تُقتل، بخلاف المرتد، إلا أنهم أبطلوا وقف المرتدة إذا كان على حج أو عمرة أو نحو ذلك (٣). قال الطرابلسي: "لو وقف مسلم أرضه على المساكين أو في الحج عنه في كل سنة أو الغزو عنه أو في أكفان الموتى أو حفر القبور، وما أشبه ذلك مما يتقرب به إلى الله تعالى، ثم ارتد وقتل، أو مات على ردته .. بطل وقفه وصار ميراثًا عنه؛ لحبوط

стр. 303

عمله بها، والوقف قربة إلى الله تعالى فلا تبقى معها، وإن عاد إلى الإسلام لا يعود إلى الوقفية بمجرد العودة، فإن مات قبل أن يجدد فيه الوقفية كان ميراثًا عنه، ولو جعلها وقفًا على ولده ونسله وعقبه ثم من بعدهم على المساكين، ثم ارتد بعد ذلك عن الإسلام فمات أو قُتل عليها؛ يبطل الوقف وترجع ميراثًا، ولو وقف وهو مرتد كان وقفه باطلًا؛ لأن أبا حنيفة لا يجيز تصرفه في المال الذي في يده، حتى لو قُتل على ردته أو مات عليها يكون جميع تصرفاته في ماله باطلة" (١). (ج) وقف غير أهل الكتاب: المراد بغير أهل الكتاب عند جمهور الفقهاء عدا اليهود والنصاري (٢). أما الحنفية فقد عبر عن مذهبهم ابن الهمام الحنفي بقوله: الكتابي من يؤمن بنبي ويقر بكتاب، والسامرية من اليهود، أما من آمن بزبور داود وصحف إبراهيم وشيث؛ فهم أهل كتاب، تحل مناكحتهم عندنا (٣). ونتناول بالبحث فيما يأتي وقف طوائف من غير أهل الكتاب: ١ - وقف الصابئة: المسألة الأولى: تعريف الصابئة: الصابئة لغة: جمع الصابئ، والصابئ من خرج من دين إلى دين، يقال: صبأ فلان إذا خرج من دينه (٤).

стр. 304

وقد اختلف الفقهاء في تعريف الصابئة على أقوال منها: القول الأول: أنهم قوم كانوا على دين نوح ﵇ (١). القول الثاني: قال أبو حنيفة: الصابئة قوم يؤمنون بكتاب، فإنهم يقرأون الزبور، ولا يعبدون الكواكب، ولكن يعظمونها كتعظيم المسلمين الكعبة في الاستقبال إليها، إلا أنهم يخالفون غيرهم من أهل الكتاب في بعض دياناتهم (٢). القول الثالث: قال أبو يوسف ومحمد: الصابئة قوم يعبدون الكواكب، وعابد الكواكب كعابد الوثن (٣). القول الرابع: المذهب عند الحنابلة أن الصابئة جنس من النصارى (٤). القول الخامس: قال سعيد بن جبير: إنهم بين المجوسية والنصرانية (٥). القول السادس: يرى الشافعية والزيدية أن الصابئة طائفة من النصارى (٦). القول السابع: قال زكريا الأنصاري: تطلق الصابئة على قوم أقدم من النصارى يعبدون الكواكب السبعة ويضيفون الآثار إليها وينفون الصانع المختار (٧).

стр. 305

المسألة الثانية: هل الصابئة من أهل الكتاب ؟ (١): بالجملة يمكن حصر أقوال الفقهاء في حقيقة الصابئة هل هم من أهل الكتاب أم لا؟ في أربعة أقوال كما يأتي: القول الأول: أنهم من أهل الكتاب، وهذا قول أبي حنيفة، وأحمد في رواية. القول الثاني: أنهم ليسوا من أهل الكتاب، وهذا قول المالكية وأبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية (وكلامهما منصب على الصابئة الحرانيين، ذلك أن الصابئة فرق كما سيأتي). القول الثالث: إن كانوا يتبعون عيسى ﵇ ويؤمنون بالإنجيل فهم من النصارى ولو خالفوا النصارى في الفروع، ما لم تكفرهم النصارى بالمخالفة في الفروع، فإن كفروهم فليسوا منهم، وهذا قول الشافعية. القول الرابع: أن الصابئة فرقتان متميزتان لا تدخل إحداهما في الأخرى وإن توافقنا في الاسم، وهما: • الصابئة الحرانيون. • والفرقة الثانية هم طائفة من أهل الكتاب لهم شبه بالنصارى، وقيل: أصلهم اليهود الذين أسرهم بخت نصر، قال الجصاص: مذهب أبي حنيفة في جعله الصابئة من أهل الكتاب محمول على هؤلاء.

стр. 306

المسألة الثالثة: صحة وقف الصابئة: اختلف الفقهاء في صحة وقف الصابئة على قولين: القول الأول: وقف الصابئة صحيح عند جمهور الفقهاء في الجملة، فكل من جوز وقف غير المسلم أجاز وقف الصابئ، فمن يعتبرهم جنسًا من النصارى ألحقهم بهم فيصح من وقفهم ما يصح من النصارى، ومن لم يعتبرهم من النصارى ألحقهم بسائر غير المسلمين فيما يصح من وقوفهم (١). قال ابن الهمام: "الصابئة إن كانوا دهرية يقولون: ما يهلكنا إلا الدهر، فهم صنف من الزنادقة، وإن كانوا يقولون بقول أهل الكتاب صح من وقوفهم ما يصح من أهل الذمة" (٢). وبحاشية العدوي: " (قَولُهُ: والذِي فِي السَّمَاعِ أن وَقفَهُم عَلَى كَنَائِسِهِم بَاطِلٌ) ظَاهِرُهُ سَواءٌ كَانَ عَلَى عُبَّادِهَا أَو مَرِمَتِها فَيُوافِقُ ما قَبلَه، وقولُهُ ومَا نَقَلهُ الزَّرقَانِيُّ عبَارةُ الشَّيخ أَحمَدَ، قَولُهُ: (عَلَى مَعصِيَةٍ) مِن المعصِيَةِ وقفُ الكافِرِ عَلَى عُبَّادِ الكَنِيسَةِ، أمَّا عَلَى مُرِمَّتِهَا والجَرحَى والمَرضَى؛ فالوَقفُ صَحِيحٌ مَعمُولٌ بِهِ". (٣) قال الشيخ زكريا الأنصاري وغيره: فيصح (الوقف) من كافر ولو لمسجد، وإن لم يعتقده قرية اعتبارًا باعتقادنا (٤).

стр. 307

وجاء في كشاف القناع نقلًا عن المبدع: يجوز عمارة كل مسجد، وكسوته، وإشعاله بمال كافر، وأن يبنيه بيده. قال البهوتي في تعليقه على هذه العبارة: وهو ظاهر كلامهم في وقفه عليه ووصيته له. وورد في شرائع الإسلام: ولو وقف الكافر جاز. القول الثاني: لا يصح وقف الصابئة، وهو ما ذهب إليه الزيدية، حيث إنهم يشترطون لصحة الوقف أن يكون الواقف مسلمًا، فلا يصح وقف الصابئة عندهم سواء قالوا بقول أهل الكتاب أم لم يقولوا به (١). ٢ - وقف المجوس: المجوس: فرقة من الكفرة يعبدون الشمس والقمر والنار (٢). أما حكم وقفهم فيجري فيه الخلاف المذكور في وقف الصابئة (٣). ٣ - وقف أهل الأهواء: يطلق أهل الأهواء على من زاغ عن الطريقة المثلى من أهل القبلة؛ كالجبرية، والحشوية، والخوارج، والروافض، ومن سار بسيرتهم، وإنما سموا بها لمتابعتهم النفس ومخالفتهم السنة (٤).

стр. 308

وأما حكم وقفهم، فقد صرَّح الحنفية بصحته، فذكر ابن عابدين أن: جميع أهل الأهواء بعد كونهم من أهل القبلة، حكم وقفهم ووصاياهم حكم الإسلام، فإن قبول شهاداتهم على المسلمين حكم بإسلامهم (١). الفرع السابع: نفاذ التصرف: يشترط الفقهاء في الواقف أن يكون مطلق التصرف بمعنى أن لا يكون هناك ما يمنع نفاذ تصرفه، وهذا المانع إما أن يكون بسبب السفه، وإما أن يكون بسبب الفلس، أو يكون بسبب مرض الموت، وفي جميع الأحوال إما أن يكون الوقف قبل الحجر عليه، أو بعده، وسيتم تناول هذه المسائل، على النحو الآتي: أولًا: وقف السفيه قبل الحجر عليه: السفيه عند العلماء هو الذي ينفق أمواله في وجوه لا تتفق مع العقل والشرع، فيكون بذلك مبذرا متلافا (٢)، ولا أثر للعدالة والفسق فيه، وهو رأي جمهور الفقهاء. وقال الشافعية، وهو قول لأحمد: إن السفيه هو المبذر في ماله والفاسد في دينه (٣). والحجر في اللغة: المنع، قال ابن منظور: وأصل الحجر في اللغة ما حجرت عليه؛ أي: منعته من أن يوصل إليه، وكل ما منعت منه فقد حجرت عليه، وكذلك حجر الحكام على الأيتام: منعهم، والحجر: مصدر، حجر عليه القاضي يحجر حجرًا إذا منعه من التصرف في ماله (٤).

стр. 309

والحجر في الاصطلاح: هو المنع من التصرفات المالية، وهو قول جمهور الفقهاء (١)، وعند الحنفية: هو منع من نفاذ تصرف قولي لا فعلي؛ إذ الفعل بعد وقوعه لا يتصور حجره (٢). واختلف الفقهاء في وقف السفيه قبل الحجر عليه على قولين: القول الأول: وقف السفيه قبل الحجر عليه صحيح نافذ كالرشيد، وهو قول المالكية في المعتمد، والشافعية، وأبي يوسف من الحنفية (٣). قال القرطبي من المالكية: "اختلف العلماء في أفعال السفيه قبل الحجر عليه: فقال مالك وجميع أصحابه غير ابن القاسم إن فعل السفيه وأمره كله جائز حتى يضرب الإمام على يده، وهو قول الشافعي وأبي يوسف، وقال ابن القاسم من المالكية: أفعاله غير جائزة وإن لم يضرب عليه الإمام، واحتج سحنون لقول مالك بأنه لو كانت أفعال السفيه مردودة قبل الحجر ما احتاج السلطان أن يحجر على أحد" (٤).

стр. 310

ونصت المادة (٩٩١) من مجلة الأحكام العدلية على أن: "تصرفات السفيه القولية بعد الحجر في المعاملات غير صحيحة، ولكن تصرفاته قبل الحجر نافذة كتصرفات سائر الناس". وهذا ما يؤخذ من عبارات الحنابلة (١)، والإمامية في وجه (٢)، فقال صاحب كشاف القناع من الحنابلة: " (لا ينظر في أموالهما) أي مال من سفه أو جن بعد بلوغه رشده وحجر عليه (إلا الحاكم)؛ لأن الحجر عليهما يفتقر إلى الحاكم، وفكه كذلك، فكذا النظر في مالهما". (٣) القول الثاني: وقف السفيه باطل وإن لم يحجر عليه القاضي، وهو مذهب محمد بن الحسن الشيباني من الحنفية، وابن القاسم من المالكية، والإمامية، والزيدية (٤). قالت الزيدية: لا ينفذ وقف المحجور ماله، بل يبقي موقوفًا على رفع الحجر، إما بسقوط الدين، أو من الحاكم لمصلحة أو بإجازة الغرماء؛ لأن من شروط الواقف: إطلاق التصرف (٥). وقال الإتقاني من الحنفية في إشارات الأسرار: "ثم عند محمد (يعني ابن الحسن) يصير (السفيه) محجورا بدون القضاء؛ لأن علة الحجر السفه وهي متحققة" (٦).

стр. 311

ثانيًا: وقف المحجور عليه لسفه: اختلف الفقهاء في وقف المحجور عليه لسفه على قولين: القول الأول: لا يصح وقف المحجور عليه بسفه، وهو المفتى به عند الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والإمامية، والزيدية (١)، قال الفاسي: "وجميع العلماء على أن المحجور ممنوع من التصرف في ماله، وأفعاله كلها في ماله باطل في وقت فعله لها بإجماع" (٢)، وعللوا المنع بكون "السفيه إنما حجر عليه لئلا يبذر في ماله، فلو جاز وقفه لم يكن للحجر معنى" (٣). القول الثاني: وقف السفيه صحيح، وهو قول الإمام أبي حنيفة، وذلك بناء على أصله بأن الشخص لا يحجر عليه بعد بلوغه، ولو بلغ غير رشيد، وهو قول الظاهرية، وإبراهيم النخعي، ومحمد بن سيرين، وروي عن جماعة من الصحابة (٤)، وقال ابن نجيم نقلًا عن

стр. 312

فتح القدير في معرض الكلام على اشتراط عدم الحجر على الواقف لصحة الوقف: "ينبغي أنه إذا وقفها في الحجر للسفه على نفسه ثم لجهة لا تنقطع أن يصح على قول أبي يوسف، وهو الصحيح عند المحققين وعند الكل إذا حكم به حاكم" (١). ثالثًا: وقف السفيه المحجور عليه بإذن القاضي: اختلف الفقهاء في صحة وقف السفيه إذا وقف بإذن القاضي، على قولين: القول الأول: بطلان وقفه، وإليه ذهب الشافعية والحنابلة، وبعض الحنفية (٢) فذكر القليوبي الشافعي في شرحه على عبارة المحلى أنه: "لا يصح وقف الصبي والمجنون والسفيه ولو بمباشرة أوليائهم" (٣). وجاء في كشاف القناع من كتب الحنابلة أن: الهبة من الصبي لغيره باطلة؛ لأنه محجور عليه، ولو أذن فيها الولي لم تصح؛ لأنه متبرع، وكذا السفيه لا تصح هبته ولو أذن فيها وليه (٤). القول الثاني: صحة وقفه، وإليه ذهب الإمامية، وبعض الحنفية، فجاء في الفتاوى الظهيرية من كتب الحنفية: "سئل أبو بكر البلخي عن محجور عليه وقف ضيعة له؛ فقال: وقفه باطل، إلا أن يأذن له القاضي، وقال أبو القاسم: لا يجوز وقفه، فهما أفتيا على قول الصاحبين" (٥)، وذكر الحموي أنه: على قول الإمام أبي حنيفة يجوز وقفه؛ لأن لا يرى الحجر بالسفه (٦).

стр. 313

وعند الإمامية لا يحلّ وقف السفيه؛ سواء حجر عليه القاضي أم لا؛ وذلك الاشتراط البلوغ وكمال العقل وجواز التصرف في الواقف، وبما أن السفيه لا يجوز له التصرف في المال فلا يجوز وقفه إذا ثبت سفهه، وإن لم يحجر عليه الحاكم الشرعي في الخارج، لأنه محجور عليه من قبل الشارع المقدّس إذا ثبت سفهه؛ ولذا ذكر صاحب الجواهر أنه يعتبر في الواقف البلوغ وكمال العقل وجواز التصرف، ولعلَّ الأخير مُغْنٍ عن الأوّلَين؛ ولذا اكتفى في اللمعة باشتراط الكمال، وفي الدروس بأهلية الوقف، وفي محكي السرائر والغنية كونه مختارًا مالكًا للتبرع به إجماعًا، وأن المحجور عليه لفلس أو سفه لا يجوز له التصرف المالي بعبادة أو غيرها، بل قد يشكل صحته منه مع الإجازة المتأخرة بما عرفته سابقًا في الفضولي (١). ثم إن فقهاء الإمامية اشترطوا في رفع الحجر: البلوغ، والرشد، وما دام هذا الإنسان سفيها فلا يصدق عليه الرشد؛ فلا يصح وقفه، فالحَجر على المفلس لا يثبت إلّا بحكم الحاكم، أمّا الحَجر للسفه فهو ثابت، ولو لم يحكم الحاكم الشرعي بالحجر عليه إذا ثبت سفهه (٢). رابعا: وقف المحجور عليه لفلس: المفلس في عُرف الفقهاء يُطلق على من لا مال له أصلًا، أو كان خرجه أكثر من دخله، ويُطلق على من له مال وعليه دين أكثر من ماله، فذكر ابن قدامة: أنهم إنما سموا هذا مفلسا وإن كان ذا مال لأن ماله مستحق الصرف في جهة دينه؛ فكأنه معدوم (٣).

стр. 314

أ) رأي الفقهاء في جواز وقف المحجور عليه لفلس: اختلف الفقهاء في وقف المحجور عليه لفلس على ثلاثة أقوال: القول الأول: عدم جواز وقف المفلس الذي حجر عليه القاضي، وهو مذهب الحنفية على المفتى به، والمالكية، والحنابلة، والشافعية على الأظهر، والإمامية؛ وذلك لتعلق حق الغرماء به كالمرهون، ولأنه محجور عليه (١). قال الخصاف: "والذي عليه الدين إنما حبس عليه القاضي ماله لئلا يخرج من ماله شيئًا، فلو جاز وقفه لأرضه لم يكن للحجر معنى" (٢)، وقال ابن قدامة: "ومتي حجر عليه لم ينفذ تصرفه في شيء من ماله، فإن تصرف ببيع أو هبة أو وقف أو أصدق امرأة مالًا له .. أو نحو ذلك؛ لم يصح" (٣). القول الثاني: يوقف تصرف المفلس بالوقف وما شابهه، فإن فضل ذلك عن الدين لارتفاع القيمة أو الإبراء نفذ، وإلا لغا، وهذا قول للشافعية في القول المقابل للأظهر (٤).

стр. 315

القول الثالث: وقف المفلس صحيح، وهو مذهب الظاهرية؛ إذ لا يجوز الحجر عندهم على أحد في ماله، إلا على من لم يبلغ، أو على مجنون في حال جنونه (١). ثم اختلف القائلون بعدم جواز وقف المحجور في مسألتين؛ الأولى: حكم ما يقفه المفلس قبل الحجر عليه، والثانية: ما يقفه المفلس مما تجدد له من مال، وذلك على النحو الآتي: ب) مسألة وقف المفلس قبل الحجر عليه: ثم اختلف الفقهاء في وقف المفلس قبل الحجر عليه على ثلاثة أقوال: القول الأول: وقف المفلس قبل أن يحجر عليه الحاكم جائز، وهو مذهب الحنفية في المفتي به، والشافعية، والحنابلة، والزيدية (٢)، قال ابن الهمام من الحنفية: "لو وقف المديون الصحيح وعليه ديون تحيط بماله فإن وقفه لازم، لا ينقضه أرباب الديون إذا كان قبل الحجر بالاتفاق؛ لأنه لم يتعلق حقهم بالعين في حال صحته" (٣)، وهذا ما يؤخذ من عبارات الإمامية؛ إذ لا يثبت عندهم حجر المفلس إلا بحكم الحاكم (٤). القول الثاني: إن عُلم تقدُّم الدين على الوقف بطل؛ سواء كان الوقف على محجوره أو غيره، فإن عُلم تقدم الوقف على الدين فلا بطلان، كان الوقف على محجوره أو على غيره، وإن جهل سبقه له: فإن كان الوقف على محجوره بطل إن

стр. 316

حازه له، وإن كان على غيره فلا بطلان إن حازه الموقوف عليه قبل المانع (١)، وهذا قول المالكية. القول الثالث: لا يصح وقف المدين قبل الحجر عليه، وهو قول أبي السعود من الحنفية، قال ابن عابدين: في معروضات المفتي أبي السعود سُئل عمن وقف على أولاده وهرب من الديون هل يصح؟ فأجاب: "لا يصح ولا يلزم، والقضاة ممنوعون من الحكم وتسجيل الوقف بمقدار ما شُغل بالدين" (٢). ج) مسألة وقف المفلس مما تجدد له من أموال بعد الحجر: اختلف الفقهاء في وقف المفلس إذا تجدد له مال بعد الحجر عليه، على قولين: القول الأول: إن ما يتجدد للمفلس من مال بعد الحجر حكمه كالموجود حال الحجر، فلا يصح وقفه من المال المتجدد بعد الحجر، وهذا قول الشافعية، والحنابلة (٣). القول الثاني: المال المتجدد بعد الحجر لا يتعدى إليه الحجر إلا بتجديده مرة أخرى، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، وعليه يصح وقف المفلس مما يتجدد له من أموال بعد الحجر (٤).

стр. 317

خامسًا: الوقف في مرض الموت: عرّف الحنفية مرض الموت بأنه: مَرَضُ الموت هُوَ المرَض الذي يَعجَزُ المرِيضُ فِيهِ عَن رؤية مَصَالِحِهِ الخارِجَةِ عن دَارهِ إن كان من الذُّكُورِ، ويَعجَزُ عَن رُؤيةِ المصَالِحِ الداخِلَةِ في دارِهِ إن كان من الإنَاثِ، والذِي يَكونُ فيه خَوفُ الموتِ في الأكثَرِ وَيَمُوت (١). وعرّفه المالكية: بأنه المرض الذي ينشأ عنه الموت عادة، وإن لم يغلب (٢). وقال الإباضية: "المريض الذي يلزم أن تكون أفعاله من الثلث، هو كل مريض لزم الفراش، ويزوره الناس، ورجعت حوائجه إلى الناس من الدخول والخروج بنفسه ولم يقدر عليها، وكذلك الأحوال المخوفة منه الموت سواء؛ مثل: الحامل إذا ضربها الطلق للولادة، أو المحدود إذا مسه ألم الضرب، والغازي إذا تراءت الجيوش، وراكب السفينة إذا دخلها الانعطاب والانكسار، والذي لزمه القتل إذا حضر أمر القتل والقود، وبالجملة كل أمر يخاف منه الموت" (٣)، وأخرجوا من ذلك أصحاب الأمراض المزمنة؛ مثل: صاحب الفالج، والمقعد، والشيخ الهرم، فأفعالهم من الكل ما دامت عقولهم صحيحة، وكذلك المبطون والمجذوم إذا انعدمت عللهما (٤). فالمعتبر في مرض الموت أن يتوفر فيه أمران (٥): ١ - أن يكون من الأمراض التي يغلب فيها الموت عادة. ٢ - أن يتصل الموت به من غير برء مدة طويلة نحو سنة، حتى لو كان الموت بسبب آخر غير المرض.

стр. 318

فلو اختل أحد الأمرين فإنه لا يكون مرض موت، فلا يكفي توفر أمر دون الآخر. والوقف في مرض الموت لا يخلو إما أن يكون على غير وارث، وإما أن يكون على وارث. وفي كلتا الحالتين إما أن يكون الواقف غير مدين، أو يكون مدينًا، وإذا كان الواقف مدينًا، إما أن يكون قد حجر عليه أو لا يكون محجورًا عليه، وفيما يأتي بيان هذه الحالات: أ) وقف المريض غير المدين على غير الورثة: اختلف الفقهاء في وقف المريض غير المدين على غير الورثة على قولين: القول الأول: إذا وقف شيئًا من ثلث ماله على أجنبي عنه، أو على جهة من جهات البركان وقفة جائزًا ولا يتوقف على إجازة أحد، أما إذا كان الموقوف زائدًا على الثلث فيتوقف على إجازة الورثة، فإن أجازوه جاز في الكل وإلا كان في الثلث، وبطل فيما زاد على الثلث، وإن أجاز بعضهم دون بعض جاز بقدر ما أجازوا، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والزيدية، والإمامية على أجود القولين (١)،

стр. 319

وهو قولٌ للإباضية (١)، وعلّلوا ذلك بأن الشارع أجاز للمريض مرض الموت التبرع بما لا يزيد على ثلث التركة، والوقف من باب التبرعات فيصح، وينفذ دون توقف على إجازة أحد (٢). ووضّح الشماخي رأي بعض الإباضية وهو جواز وقف المريض إذا كان من ثلث ماله فأقل، فقال: "كل ما أخرجه المريض من مال بغير عوض؛ مثل: هبته، وإباحته، وتبرئته من التباعات التي تكون له على الناس، وما تصدق به إذا مات في مرضه الذي مات فيه، فذلك كله من الثلث بمنزلة الوصية وقياسًا عليها، ويعضد ذلك قوله ﷺ : (جعل الله لكم ثلث أموالكم زيادة في أعمالكم)؛ فجائز تصرفه فيما جعله الله له، وهذا لغير الوارث (٣)، وقال: "إن برئ من مرضه فيجوز جميع أفعاله في مرضه، لوارث كان أو لغيره؛ لأن ما كان عندهم ضعيفًا بالمرض كان قويًّا بالصحة" (٤)، وفي التاج: "وهو في المرض من الثلث" (٥)، وجاء في شرح النيل: "فَلَا دليل في كَلام ابنِ عَبَّاسٍ لِلقَولِ بِإبطَالِ الحَبسِ مطلقًا في المرَضِ أو بَعدَ المَوتِ ولَو كان قَولَ أصحَابِنَا، ولَعلَّ وجهَ كَلام أصحَابِنَا أنَّه إذا حَبَسَ شيئًا جَاوَزَ مَنفَعَتُهُ الثُّلثَ إن طَالَ الانتفاع بِهِ فَلَم يَجُز، لَكِنَّ هَذَا يَقتَضِي أن يَمنَعُوهُ وَلَو بَيَّنَ وَجهَ الأَجر" (٦).

стр. 320

القول الثاني: وقف المريض ينفذ من أصل التركة، وهذا قول ثانٍ للإمامية (١)، وهو موافق لما تفيده عبارات الظاهرية، قال ابن حزم: "وإقرار المريض في مرض موته، وفي مرض أفاق منه، لوارث ولغير وارث .. نافذ من رأس المال كإقرار الصحيح، ولا فرق" (٢)، وقال أيضًا: "هبة المرأة ذات الزوج، والبكر ذات الأب، واليتيمة، والعبد والمخدوع في البيوع، والمريض مرض موته، أو مرض غير موته، وصدقاتهم كهبات الأحرار واللواتي لا أزواج لهن ولا أباء كهبات الصحيح ولا فرق" (٣). ب) وقف المريض غير المدين على الورثة: اختلف الفقهاء في وقف المريض غير المدين على الورثة على قولين: القول الأول: الجواز، وهو مذهب الحنفية، والشافعية والحنابلة، والظاهرية، والإمامية، والزيدية (٤). واختلف القائلون بالجواز في المقدار، فإن كان الموقوف ثلث التركة فأقل؛ فإن الوقف صحيح نافذ عند الحنفية، والحنابلة في المذهب، والزيدية، ورواية عند
следующие страницы →