← Фикх общий

Фикх общий · id 308

مدونة أحكام الوقف الفقهية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

حازه له، وإن كان على غيره فلا بطلان إن حازه الموقوف عليه قبل المانع (١)، وهذا قول المالكية. القول الثالث: لا يصح وقف المدين قبل الحجر عليه، وهو قول أبي السعود من الحنفية، قال ابن عابدين: في معروضات المفتي أبي السعود سُئل عمن وقف على أولاده وهرب من الديون هل يصح؟ فأجاب: "لا يصح ولا يلزم، والقضاة ممنوعون من الحكم وتسجيل الوقف بمقدار ما شُغل بالدين" (٢). ج) مسألة وقف المفلس مما تجدد له من أموال بعد الحجر: اختلف الفقهاء في وقف المفلس إذا تجدد له مال بعد الحجر عليه، على قولين: القول الأول: إن ما يتجدد للمفلس من مال بعد الحجر حكمه كالموجود حال الحجر، فلا يصح وقفه من المال المتجدد بعد الحجر، وهذا قول الشافعية، والحنابلة (٣). القول الثاني: المال المتجدد بعد الحجر لا يتعدى إليه الحجر إلا بتجديده مرة أخرى، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، وعليه يصح وقف المفلس مما يتجدد له من أموال بعد الحجر (٤).

стр. 317

خامسًا: الوقف في مرض الموت: عرّف الحنفية مرض الموت بأنه: مَرَضُ الموت هُوَ المرَض الذي يَعجَزُ المرِيضُ فِيهِ عَن رؤية مَصَالِحِهِ الخارِجَةِ عن دَارهِ إن كان من الذُّكُورِ، ويَعجَزُ عَن رُؤيةِ المصَالِحِ الداخِلَةِ في دارِهِ إن كان من الإنَاثِ، والذِي يَكونُ فيه خَوفُ الموتِ في الأكثَرِ وَيَمُوت (١). وعرّفه المالكية: بأنه المرض الذي ينشأ عنه الموت عادة، وإن لم يغلب (٢). وقال الإباضية: "المريض الذي يلزم أن تكون أفعاله من الثلث، هو كل مريض لزم الفراش، ويزوره الناس، ورجعت حوائجه إلى الناس من الدخول والخروج بنفسه ولم يقدر عليها، وكذلك الأحوال المخوفة منه الموت سواء؛ مثل: الحامل إذا ضربها الطلق للولادة، أو المحدود إذا مسه ألم الضرب، والغازي إذا تراءت الجيوش، وراكب السفينة إذا دخلها الانعطاب والانكسار، والذي لزمه القتل إذا حضر أمر القتل والقود، وبالجملة كل أمر يخاف منه الموت" (٣)، وأخرجوا من ذلك أصحاب الأمراض المزمنة؛ مثل: صاحب الفالج، والمقعد، والشيخ الهرم، فأفعالهم من الكل ما دامت عقولهم صحيحة، وكذلك المبطون والمجذوم إذا انعدمت عللهما (٤). فالمعتبر في مرض الموت أن يتوفر فيه أمران (٥): ١ - أن يكون من الأمراض التي يغلب فيها الموت عادة. ٢ - أن يتصل الموت به من غير برء مدة طويلة نحو سنة، حتى لو كان الموت بسبب آخر غير المرض.

стр. 318

فلو اختل أحد الأمرين فإنه لا يكون مرض موت، فلا يكفي توفر أمر دون الآخر. والوقف في مرض الموت لا يخلو إما أن يكون على غير وارث، وإما أن يكون على وارث. وفي كلتا الحالتين إما أن يكون الواقف غير مدين، أو يكون مدينًا، وإذا كان الواقف مدينًا، إما أن يكون قد حجر عليه أو لا يكون محجورًا عليه، وفيما يأتي بيان هذه الحالات: أ) وقف المريض غير المدين على غير الورثة: اختلف الفقهاء في وقف المريض غير المدين على غير الورثة على قولين: القول الأول: إذا وقف شيئًا من ثلث ماله على أجنبي عنه، أو على جهة من جهات البركان وقفة جائزًا ولا يتوقف على إجازة أحد، أما إذا كان الموقوف زائدًا على الثلث فيتوقف على إجازة الورثة، فإن أجازوه جاز في الكل وإلا كان في الثلث، وبطل فيما زاد على الثلث، وإن أجاز بعضهم دون بعض جاز بقدر ما أجازوا، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والزيدية، والإمامية على أجود القولين (١)،

стр. 319

وهو قولٌ للإباضية (١)، وعلّلوا ذلك بأن الشارع أجاز للمريض مرض الموت التبرع بما لا يزيد على ثلث التركة، والوقف من باب التبرعات فيصح، وينفذ دون توقف على إجازة أحد (٢). ووضّح الشماخي رأي بعض الإباضية وهو جواز وقف المريض إذا كان من ثلث ماله فأقل، فقال: "كل ما أخرجه المريض من مال بغير عوض؛ مثل: هبته، وإباحته، وتبرئته من التباعات التي تكون له على الناس، وما تصدق به إذا مات في مرضه الذي مات فيه، فذلك كله من الثلث بمنزلة الوصية وقياسًا عليها، ويعضد ذلك قوله ﷺ : (جعل الله لكم ثلث أموالكم زيادة في أعمالكم)؛ فجائز تصرفه فيما جعله الله له، وهذا لغير الوارث (٣)، وقال: "إن برئ من مرضه فيجوز جميع أفعاله في مرضه، لوارث كان أو لغيره؛ لأن ما كان عندهم ضعيفًا بالمرض كان قويًّا بالصحة" (٤)، وفي التاج: "وهو في المرض من الثلث" (٥)، وجاء في شرح النيل: "فَلَا دليل في كَلام ابنِ عَبَّاسٍ لِلقَولِ بِإبطَالِ الحَبسِ مطلقًا في المرَضِ أو بَعدَ المَوتِ ولَو كان قَولَ أصحَابِنَا، ولَعلَّ وجهَ كَلام أصحَابِنَا أنَّه إذا حَبَسَ شيئًا جَاوَزَ مَنفَعَتُهُ الثُّلثَ إن طَالَ الانتفاع بِهِ فَلَم يَجُز، لَكِنَّ هَذَا يَقتَضِي أن يَمنَعُوهُ وَلَو بَيَّنَ وَجهَ الأَجر" (٦).

стр. 320

القول الثاني: وقف المريض ينفذ من أصل التركة، وهذا قول ثانٍ للإمامية (١)، وهو موافق لما تفيده عبارات الظاهرية، قال ابن حزم: "وإقرار المريض في مرض موته، وفي مرض أفاق منه، لوارث ولغير وارث .. نافذ من رأس المال كإقرار الصحيح، ولا فرق" (٢)، وقال أيضًا: "هبة المرأة ذات الزوج، والبكر ذات الأب، واليتيمة، والعبد والمخدوع في البيوع، والمريض مرض موته، أو مرض غير موته، وصدقاتهم كهبات الأحرار واللواتي لا أزواج لهن ولا أباء كهبات الصحيح ولا فرق" (٣). ب) وقف المريض غير المدين على الورثة: اختلف الفقهاء في وقف المريض غير المدين على الورثة على قولين: القول الأول: الجواز، وهو مذهب الحنفية، والشافعية والحنابلة، والظاهرية، والإمامية، والزيدية (٤). واختلف القائلون بالجواز في المقدار، فإن كان الموقوف ثلث التركة فأقل؛ فإن الوقف صحيح نافذ عند الحنفية، والحنابلة في المذهب، والزيدية، ورواية عند

стр. 321

الإمامية، سواء أجاز بقية الورثة أم لم يجيزوا، وإن كان الموقوف أكثر من ثلث التركة فوقف الزائد على إجازة بقية الورثة (١). ويفهم من كلام الإباضية جواز وقف المريض إذا كان من ثلث ماله فأقل، قال الشماخي: "كل ما أخرجه المريض من مال بغير عوض؛ مثل: هبته، وإباحته، وتبرئته من التباعات التي تكون له على الناس، وما تصدق به إذا مات في مرضه الذي مات فيه، فذلك كله من الثلث بمنزلة الوصية وقياسًا عليها، ويعضد ذلك قوله ﷺ : (جعل الله لكم ثلث أموالكم زيادة في أعمالكم)، فجائز تصرفه فيما جعله الله له، وهذا لغير الوارث" (٢)، وقال: "إن برئ من مرضه فيجوز جميع أفعاله في مرضه؛ لوارث كان أو لغيره؛ لأن ما كان عندهم ضعيفًا بالمرض كان قويًّا بالصحة" (٣). وصرّح الشافعية، وأحمد في رواية عنه بأن وقف المريض على الوارث موقوف على إجازة باقي الورثة، ولو لم يزد على الثلث، واستدلوا بما يأتي: ١ - أنه تخصيص لبعض الورثة بماله في مرضه؛ فمُنع منه كالهبات. ٢ - أن كل من لا تجوز له الوصية بالعين لا تجوز بالمنفعة؛ كالأجنبي فيما زاد على الثلث (٤). ٣ - ولأن الوقف ليس في معنى الملك؛ لأنه لا يجوز التصرف فيه، فهو كعتق الوارث (٥).

стр. 322

القول الثاني: عدم الجواز، وهو مذهب المالكية، والإباضية، وعلّلوا ذلك بقولهم: لأن الوقف في المرض كالوصية ولا وصية لوارث (١)، وجاء في الضياء: "وسَلْ عن العطيَّة فإنَّها لا تجوز لوارث ولا لغيره في المرض ... وإن أوصت امرأة لامرأة من أرحامها يوصيَّة، فماتت الموصى لها قبل الوصيَّة؛ فإنَّ الوصيَّة تبطل؛ لأنّها لا تجب إلا بعد موت الموصي، إلَّا أن تكون وصيّة بحقّ فهي ثابتة لورثة الموصى له، وإن لم تكن بحقّ ولا بإقرار إلَّا من وجه الوصية فلا تثبت" (٢). واستثني المالكية من وقف المريض على الوارث مسألة تعرف بمسألة ولد الأعيان (٣)، وهي: أن يقف في مرض موته على أولاده لصلبه، وأولاد أولاده وعقبهم، فإن هذا الوقف يصح، ولكن ما يخص الوارث يعتبر؛ كالميراث في القسمة، للذكر مثل حظ الأنثيين، لا ميراث حقيقي، فلا يتصرفون فيه تصرف الملك من بيع وهبة ونحو ذلك؛ لأنه بأيديهم وقف لا ملك (٤). ج) وقف المدين المريض مرض الموت: وقف المدين المريض مرض الموت لا يخلو إما أن يكون دينًا مستغرقًا لتركته، وإما أن يكون غير مستغرق؛ فإذا وقف المريض ماله أو شيئًا منه ومات وهو مدين بدين مستغرق لتركته؛ فإن نفاذ وقفه يتوقف على إجازة الدائنين، سواء أكان الموقوف عليه

стр. 323

وارثًا أم غير وارث، وسواء كان الموقوف أقل من الثلث أم مساويًا له أم أكثر منه، فإن أجازوه نفذ، وإن لم يجيزوه بطل الوقف، وبيعت الأعيان الموقوفة لوفاء ما عليه من الديون، ولا عبرة بإجازة الورثة؛ لأن ذلك ليس من حقهم (١). قال ابن تيمية: "من كان عليه دين مستغرق لماله فليس له في مرض الموت أن يتبرع لأحد بهبة ولا محاباة ولا إبراء من دين إلا بإجازة الغرماء، بل ليس للورثة حق إلا بعد وفاء الدين، وهذا باتفاق المسلمين، كما أن النبي ﷺ قضى بالدين قبل الوصية، والتبرع في مرض الموت كالوصية باتفاق الأئمة الأربعة" (٢). أما إذا وقف المريض شيئًا من ماله وكان مدينًا بدين غير مستغرق؛ فإنه يتوقف فيما يتعلق به الدين، وما زاد عليه لا يتوقف فيه (٣).

стр. 324

المبحث الثاني الشخصية الاعتبارية للوقف يقسم فقهاء القانون في العصر الحديث الأشخاص إلى قسمين: ١ - شخص طبيعي: والأشخاص الطبيعيون هم أفراد الناس، فكل منهم ذو أهلية وذمة، له حقوق وعليه واجبات (١)، وتبدأ الشخصية الطبيعية للفرد تمام ولادته حيا، وتنتهي بالموت (٢). ٢ - شخص اعتباري أو حكمي: هو شخص يتكون من اجتماع أشخاص أو أموال، يقرر له التشريع كيانًا قانونيًا مستمدًا منها مستقلًا عنها (٣). وبذلك فإنه يجب لنشوء الشخص الاعتباري توافر عنصرين؛ الأول: عنصر موضوعي؛ وهو وجود جماعة من الأشخاص، والثاني: عنصر شكلي؛ وهو اعتراف القانون لهذه المجموعة بالشخصية الاعتبارية (٤). أولًا: اعتبار مفهوم الشخصية الاعتبارية عند الفقهاء: مفهوم الشخصية الاعتبارية موجود ومعتبر لدى الفقهاء وإن لم يعبروا عنه بهذا الاسم، والنصوص الفقهية التي ذكروها الدالة على إثبات الحقوق والواجبات للمسجد والرباط والوقف خير دليل على هذا الاعتبار. ونذكر فيما يأتي بعض هذه النصوص: قال الخرشي المالكي: يشترط في الموقوف عليه أن يكون أهلًا للتملك الحكمي كالمسجد، أو حسًّا كالآدمية (٥)، وجاء في حاشية الدسوقي: وصح الإيصاء لمسجد؛ الصحة تملكه للوصية، ولنحوه كرباط وقنطرة (٦).

стр. 325

ذكر بعضُ الإمامية: إن دائرة الملكية في الإسلام تعدّت الأشخاص من بني آدم، وشملت أعيانًا خارجية، وعناوين عامة، وعناوين عامة بحتة اعتبارية (معنوية). فالمسجد والكعبة ونحوهما من أماكن العبادة والمرافق العامة التي تملك أموالًا ومستغلات عن طريق الوقف وغيره؛ هي مثال للأعيان الخارجية المالكة. والزكاة من العناوين العامة التي هي ملك للفقراء، وكذا الخراج الذي هو ملك للمسلمين، وهي من العناوين العامة المالكة. والدولة أو منصب الإمامة المالك للأنفال وحقّ الإمام، وغيرها هي من العناوين المعنوية (الاعتبارية) المالكة. وهذه الشخصية المعنوية والاعتبارية كما ثبت لها الحق والملك، فيمكن ثبوت الحق والدين عليها أيضًا، فهي تملك وتستدين، ولها ذمة كذمة الأشخاص الحقيقيين. ويسهل تصور ملك الأعيان الخارجية كالمسجد، بالرغم من أنها لا تعقل ولا تقدر على التصرف، إذ غاية الأمر يكون التصرف في أموالها بيد ولي الأمر أو الناظر عليها، كما هو الحال في ممتلكات الصبي والمجنون، وكذا الأمر في ملكية العناوين العامة كالفقراء أو الشخصيات المعنوية كالدولة؛ لأن الملك هو أمر اعتباري لا يحتاج إلى محل خارجي. وقد ثبت في الشرع جواز الوقف على المسجد والكعبة ونحوهما، وجواز الوقف على الفقراء والمسلمين، كما ثبت جواز الوقف على الإمام بما هو إمام (منصب الإمامة)، لا بما هو شخص حقيقي، فإن ذلك مفروغ عنه، فثبت أن هذه العناوين تملك ما وقُف عليها، وهذا الملك محجور عليه عن التمليك للغير والإرث والهبة ونحوها. وقد ثبت أن المتولي للوقف أو الناظر يقوم بشراء ما يحتاج إليه الوقف، وبإيجاره وبيع غلّته واستبدالها، ويحفظ ويدافع عن الوقف اتجاه السلطة القضائية ويصونه من الخراب والفساد.

стр. 326

ولكن هل يمكن أن نستدين على المسجد لإصلاحه، أو على الفقراء أو المسلمين الإصلاح الشؤون الخاصة بهذه الأمور، ثم بعد ذلك يسدد الدين من قبل نماء الوقف والزكاة وأموال المسلمين كالأموال الخارجية؟ الجواب: نعم يمكن ذلك ببيان أن الشخصية المعنوية (الاعتبارية) لا يمكن التفكيك فيها بين الملك لها والاستدانة عليها، فإذا ثبت الملك لها ثبت إمكان الاستدانة عليها، وهذا ارتكاز عقلاني موجود في زمن الوقف على الجهات والعناوين العامة لم يردع عنه الشارع؛ فيكون دليلا على جواز الاستدانة عليها. بل قد ثبت أن الإمام يسدد دين الذي مات ولا حيلة له في تسديد ديونه، فكما أن الإمام وارث ما لا وارث له؛ فهو يكفل من له حيلة، ويسدد دين الميت الذي لا حيلة له في تسديد ديونه (١). ثانيًا: ما يترتب على ثبوت الشخصية الاعتبارية للوقف: يترتب على ثبوت الشخصية الاعتبارية للوقف عدة نتائج؛ أهمها: ١ - وجود ذمة مالية مستقلة للوقف، فمال الوقف وجميع حقوقه والتزاماته خاص به، وأن ذمته لا تنشغل بذمة غيره مهما كان. ٢ - ثبوت أهلية مدنية للوقف في كسب الحقوق، واستعمالها في الحدود التي رسمها القانون. ٣ - ثبوت حق التقاضي ورفع الدعاوي للوقف على الغير، كما أن للآخرين الحق في رفع الدعوى عليه باعتباره شخصًا معنويًا. ٤ - يمثله في كل ذلك ناظر الوقف أو إدارة الوقف حسب النظام الأساسي، وأن هذا الشخص عليه ما على الوكيل للشخص الطبيعي من الحقوق والواجبات والمسؤوليات (٢).

стр. 327

ثالثًا: الذمة المالية للوقف: الذمة في اللغة: العهد والأمان والضمان، وسمي المعاهد ذميًا نسبة إلى الذمة بمعنى العهد (١)، وقال أبو عبيد: الذمة: الأمان في قوله ﷺ : "ويسعى بذمتهم أدناهم". وفي الاصطلاح: عرّفها القرافي بأنها: معني شرعي مقدر في المكلف قابل للالتزام واللزوم (٢). وقد اختلفت عبارات الفقهاء في مدى اعتبار الذمة للوقف، فهناك عبارات تفيد عدم اعتبار الذمة للوقف؛ مثلما جاء في رد المحتار للحنفية: "لا تجوز الاستدانة على الوقف؛ أي إن لم يكن بأمر الواقف، وهذا بخلاف الوصي فإن له أن يشتري لليتيم شيئًا بنسيئة بلا ضرورة؛ لأن الدين لا يثبت ابتداء إلا في الذمة، واليتيم له ذمة صحيحة وهو معلوم، فتتصور مطالبته، أما الوقف فلا ذمة له، والفقراء وإن كانت لهم ذمة، لكن لكثرتهم لا تتصور مطالبتهم؛ فلا يثبت إلا على القيم" (٣)، وقال المرداوي الحنبلي: "لا يصح قرض جهة؛ كالمسجد والقنطرة ونحوه مما لا ذمة له" (٤).

стр. 328

ومقابل هذه العبارات نجد نصوصًا كثيرة للفقهاء تدل على وجود ذمة للوقف، ونذكر منها: ما قاله الخرشي المالكي: "الموقوف عليه يشترط فيه أن يكون أهلًا للتملك حكمًا كالمسجد، أو حسًا كالآدمي"، ولهذا قال ابن عرفة: "المحبس عليه ما جاز صرف منفعة الحبس له أو فيه" (١)، وقال ابن حجر الهيتمي: "والنذر للمسجد صحيح؛ لأنه حر يملك وحينئذ يصرف لصالحه؛ كالوقف عليه، فلا يعطى خدمته منه شيئًا، إلا إن صرح الناذر بأنه قصدهم" (٢)، وقال الرملي الشافعي: "وتصح (الوصية) لعمارة نحو مسجد ورباط ومدرسة، ولو من كافر، إنشاءً وترميمًا؛ لأنها من أفضل القرب ولمصالحه، لا المسجد سيبني إلا تبعًا، وكذا إن أطلق في الأصح بأن قال: أوصيت به للمسجد، وإن أراد تمليكه لما مر في الوقف أنه حر يملك أي منزل منزلته" (٣)، وقال ابن قدامة الحنبلي: "ولا يصح الوقف على من لا يملك؛ كالعبد القن وأم الولد والمدبر والميت والحمل، والملك والجن والشياطين، قال أحمد في من وقف على مماليكه: لا يصح الوقف حتى يعتقهم" (٤). فهذه النصوص وما شابهها مبنية على وجود ذمة مالية للوقف؛ لأنها صريحة في أن الجهة العامة تملك، وما التملك والتمليك إلا من آثار الأهلية والذمة المالية. وجاء ضمن قرارات وفتاوي وتوصيات منتدى قضايا الوقف الفقهية الأول ما يأتي: ١ - ذمة الوقف المالية: أ - لا مانع شرعا من الاعتراف بالشخصية الاعتبارية للوقف التي تتمتع بجميع الحقوق إلا ما كان ملازمًا لصفة الإنسان الطبيعية، فيكون لها ذمة مالية مستقلة عن ذمة الواقف والموقوف عليه، وأهلية مدنية في الحدود التي

стр. 329

يعينها سند إنشائه، أو التي يقرها القانون، ولها حق التقاضي، ورفع الدعاوي على الغير، كما للآخرين الحق في رفع الدعوى عليها. ب - يمثل الوقف في كل ذلك ناظر الوقف، أو الشخص الذي يحدده صك الوقف أو القضاء أو إدارة الوقف حسب النظام الأساسي للوقف" (١). رابعًا: تعلق الحقوق بريع الوقف: ريع الوقف هو ما يخرج منه من أجرة وغيرها (٢)، وكثيرًا ما يُعبّر عنه بغلة الوقف، قال علي حيدر: "ومعنى غلة الوقف هي فائدة ومحصول الوقف كربح النقود الموقوفة، وبدل إيجار العقار الموقوف، ومحصول المزرعة الموقوفة وثمر الروضة الموقوفة" (٣). وريع الوقف إما أن تتعلق به حقوق للجهة الموقوف عليها، وإما أن تتعلق به حقوق لمن استدان منهم الناظر للوقف. أما الجهة الموقوف عليها إذا عيّنها الواقف وبين كيفية التوزيع اتبع شرطه الصحيح، وسيأتي تفصيل ذلك عند الكلام عن أعمال الناظر. أ) حكم الاستدانة على الوقف: يقتصر البحث في هذا المقام على عرض سريع لحكم الاستدانة، تمهيدًا لتحديد الجهة التي تتعلق بها حقوق الدائنين. قال ابن عابدين: "تفسير الاستدانة أن يشتري (الناظر) للوقف شيئًا، وليس في يده شيء من غلة الوقف، ليرجع بذلك فيما يحدث من غلة الوقف" (٤).

стр. 330

والأصل أنه لا يجوز لناظر الوقف أن يستدين على الوقف، إلا أن الفقهاء استثنوا حالة الضرورة الملحة لمصلحة الوقف عن هذا الأصل، فأجازوا للناظر أن يستدين على الوقف إذا كانت هناك ضرورة تقتضي ذلك وما لا يكون منه بد، على أن يرجع به في غلة الوقف عند حصولها، فقال هلال: "إذا احتاجت الصدقة إلى العمارة وليس في يد القيم ما يعمرها، فليس له أن يستدين عليها؛ لأن الدين لا يجب ابتداء إلا في الذمة، وليس للوقف ذمة، والفقراء وإن كانت لهم ذمة إلا أنهم لكثرتهم لا تتصور مطالبهم، فلا يثبت الدين باستدانة القيم إلا عليه، ودين يجب عليه لا يملك قضاءه من غلة هي على الفقراء" (١)، وعن الفقيه أبي جعفر: أن القياس هذا، لكن يترك القياس فيما فيه ضرورة (٢)، وقال الحصكفي: "لا تجوز الاستدانة على الوقف إلا إذا احتيج إليها المصلحة الوقف" (٣). ب) شروط الاستدانة لمصلحة الوقف: اختلف الفقهاء القائلون بجواز الاستدانة لمصلحة الوقف في شروط جوازها: فذهب الحنفية في المختار والشافعية إلى أنه يجوز للقيم أن يستدين على الوقف للمصلحة بإذن القاضي ويرجع في غلة الوقف (٤)، فقال ابن نجيم: "الاستدانة على الوقف لا تجوز إلا إذا احتيج إليها لمصلحة الوقف؛ كتعمير وشراء بذر، فتجوز بشرطين: الأول: إذن القاضي، والثاني: ألا يتيسر إجارة العين والصرف من أجرتها، كما حرره ابن وهبان، وليس من الضرورة الصرف على المستحقين" (٥).

стр. 331

وقال ابن حجر الهيتمي: "ووظيفته (أي الناظر) عند الإطلاق: الإجارة والعمارة، وكذا الاقتراض على الوقف عند الحاجة، لكن إن شرط له الواقف أو أذن له القاضي" (١). وذهب المالكية والحنابلة (٢) إلى أنه يجوز للناظر الاستدانة على الوقف من غير إذن الحاكم للمصلحة؛ كشرائه للوقف نسيئة أو بنقد لم يعينه؛ لأن الناظر مؤتمن مطلق التصرف، فالإذن والائتمان ثابتان، فقال الدسوقي من فقهاء المالكية: "وله (أي الناظر) أن يقترض لمصلحة الوقف من غير إذن الحاكم، ويصدق في ذلك" (٣). ويظهر من خلال تتبع نصوص فقهاء الحنفية أن حقوق الدائنين لا تتعلق بريع الوقف مباشرة، باعتبار أن الدين لا يثبت إلا في الذمة والوقف ليس له ذمة، فقد جاء في تنقيح الفتاوى الحامدية من كتب الحنفية: "المصرح به أن الوقف لا ذمة له، وأن الاستدانة من القيم لا تثبت الدين في الوقف؛ إذ لا ذمة له، ولا يثبت الدين إلا على القيم، ويرجع به على الوقف، وورثته تقوم مقامه في الرجوع عليهم في تركة الميت، ثم يرجعون في غلة الوقف بالدين على المتولي الجديد" (٤). "فكأنما تصور القائلون بذلك أن الذمة لا تكون إلا لشخص طبيعي من أفراد الناس، وهم في الوقت نفسه يرون أن الوقف تثبت الحقوق شرعًا له، وعليه فالتجأوا إلى هذا التخريج واتخذوا من ذمة المتولي الشخصية جسرًا، لكنهم وقعوا فيما تهربوا منه فقد أثبتوا في النهاية للمتولي ولورثته من بعده حق الرجوع في مال الوقف، وليس معنى هذا إلا أن الوقف يستحق عليه فيكون مدينًا للمتولي، فيجب أن تكون له ذمة، فلماذا لا يكون مدينًا لصاحب الحق الأصلي مباشرة، على أن للفقهاء

стр. 332

نصوصًا أخرى خلاف ذلك تفيد بظواهرها ثبوت الدين على الوقف رأسًا بلا ذمة المتولي، وهذا هو الرأي السديد الذي يتفق مع فكرة الشخصية الاعتبارية" (١). خامسًا: تعلق الحقوق بالأعيان الموقوفة: الحقوق إما أن تتعلق بالأعيان الموقوفة بعد كونها وقفًا، وإما أن تتعلق بها قبل أن تصير وقفًا. أ) تعلق الحقوق بالأعيان الموقوفة بعد كونها وقفًا: الوقف لا يجري عليه التملك، فكل تصرف أو عقد يقتضي تعلق حق التملك بالأعيان الموقوفة غير صحيح، ولا يترتب عليه أي أثر، فالأعيان الموقوفة عند الفقهاء من مختلف المذاهب لا يجري عليها البيع ولا الهبة ولا الإعارة ولا تورث بعد وفاة الواقف، كما أنه لا يجوز رهن العين الموقوفة بالدين؛ لأن المقصود من الرهن أن يباع الموقوف ويستوفي الحق منه، فيكون ماله إلى البيع في حال عدم دفع الدين، فلا يجوز رهنه (٢).

стр. 333

ب) تعلق الحقوق بالأعيان الموقوفة قبل أن تكون وقفًا: لتعلق الحقوق بالأعيان الموقوفة قبل أن تكون وقفًا صور منها: ١ - وقف العقار المرهون: للفقهاء أربعة أقوال في صحة وقف العقار المرهون، كما يأتي: القول الأول: يصح الوقف إن كان الواقف موسرًا، ويبطل إن كان معسرًا، وهذا قول الحنفية، فلو وقف المرهون بعد تسليمه صح، وأجبره القاضي على دفع ما عليه إن كان موسرًا، وإن كان معسرا أبطل الوقف وباعه فيما عليه، وفي حالة الوفاة إن مات الواقف الراهن عن وفاء عاد الموقوف إلى الجهة، وإلا بيع وبطل الوقف (١). القول الثاني: يصح الوقف ولا يجوز إسقاطه. وهذا وجه عند الشافعية، قال الشيرازي: "وإن وقف المرهون ففيه وجهان: أحدهما أنه كالعنق؛ لأنه حق لله تعالى، لا يصح إسقاطه بعد ثبوته، فصار كالعتق" (٢). القول الثالث: صحة الوقف المرهون مقيدة بإذن الراهن، فإن أذن صح، وإلا لا يصح؛ لأن الوقف تصرف بإزالة الملك فيما لا يصح بيعه، وهذا هو الوجه الثاني لدى الشافعية (٣).

стр. 334

القول الرابع: لا يصح وقف المرهون؛ لأنه تصرف لا يسري إلى ملك الغير فلا يصح؛ كالبيع والهبة، وهذا قول المالكية، والمعتمد عند الشافعية (١)، ومحل عدم صحة وقف المرهون عند المالكية، إذا أراد الواقف وقف المرهون من الآن مع كونه مرتهنًا، أما لو وقف المرهون قاصدًا بوقفه من الآن بعد الخلاص من الرهن فيصح ذلك؛ إذ لا يشترط عندهم في الوقف التنجيز (٢). ٢ - وقف العين المؤجرة: اختلف الفقهاء في صحة وقف العين المؤجرة على قولين: القول الأول: صحة الوقف بعد الإجارة وتسليم العين المؤجرة إلى المستأجر، وهذا قول الجمهور من حنفية، وشافعية، وحنابلة (٣). القول الثاني: عدم صحة الوقف؛ لتعلق حق الغير بها (٤)، وهذا مذهب المالكية، واستثنوا من ذلك إذا قصد الواقف وقف العين المؤجرة بعد الخلاص من الإجارة فيصح الوقف حينئدٍ (٥).

стр. 335

سادسًا: علاقة الذمة المالية للواقف بالوقف: إن كيان الوقف منفصل تمام الانفصال عن أملاك الواقف المطلقة، وإن ذمة الوقف المالية مستقلة عن ذمة الواقف؛ لأن من شرط تمام الوقف خروج الوقف عن يد واقفه وتركه الانتفاع به (١). يقول د مصطفى الزرقا: "حتى إن الفقهاء قد ذهبوا إلى مدى واسع في تجريد شخصية الوقف عن شخصية الواقف نفسه، ولو كان هو القيّم على وقفه، فقرروا أنه إذا خان الواقف المتولي مصلحة الوقف أو أساء التصرف في أمواله، أو خالف شروط الوقفية التي اشترطها، ينزع الوقف من يده، ويضمن الجانب الوقف ما يوجب الشرع ضمانه على كل أمين من موجبات الخيانة أو التقصير أو التفريط" (٢). وجاء في تبيين الحقائق: "إن الواقف لو شرط الولاية لنفسه وكان غير مأمون على الوقف؛ فللقاضي أن ينزعها منه، ولو شرط الواقف أن ليس للقاضي ولا للسلطان نزعه؛ لأنه شرط مخالف لحكم الشرع فيبطل، ونظير هذا الوصي إذا كان غير مأمون ينزع منه" (٣).

стр. 336

المبحث الثالث وقف الدولة أموال بيت المال (وقف المال العام) يطلق بيت المال على: الجهة التي تملك المال العام للمسلمين، والمال العام هنا هو: كل مال تثبت عليه اليد في بلاد المسلمين ولم يتعين مالكه، بل هو لهم جميعًا، فقال القاضي الماوردي: "كل مال استحقه المسلمون ولم يتعين مالكه منهم فهو من حقوق بيت المال، ثم قال: وبيت المال عبارة عن الجهة لا عن المكان" (١). ويجوز عند الإمامية لولي الأمر "رئيس الدولة" إذا كانت تتوفر فيه ولاية الأمر "أن يوقف من أموال بيت المال وقفًا لعامة المسلمين، لأنّ المال العام الذي هو للمصالح العامّة للإنسان أو للمسلمين، يجوز أن يجعل وقفًا للمصالح العامّة أو المصالح المسلمين من قبل وليّ الأمر، إذ ما دامت الغاية هي النفع العام بهذا المال، فلا فرق بين أن يُصرف على المسلمين أو يصنع لهم مصنعًا يوقف عليهم، فإنّ الصرف على المصالح العامّة يكون مصداقًا للوقف في سبيل الله، ويكون الوقف على عامّة المسلمين مصداقًا للمصلحة العامة، ولعلّ لوضوح هذا الأمر لم يتعرّض له أكثر فقهاء الإمامية، فقد نصّ السيّد الطباطبائي اليزدي في ملحقات العروة؛ فقال: "يجوز أن يُشترى ملك من سهم سبيل الله من الزكاة، ويوقف مسجدًا أو مدرسة أو خانًا للزوار والحجاج أو على الفقراء .. أو نحو ذلك، مما فهي مصلحة للمسلمين، كما أنّه يجوز تعمير ما احتاج إليه مثل الموقوفات المذكورة من المهم المذكور، أو مما مصرفه وجوه البرِّ" (٢). والواقف لأرض من الأراضي لا يخلو: إما أن يكون مالكًا لها في الأصل، فإن كان كذلك فلا خفاء في صحة وقفه لتحقق شرط الملك؛ وإن كان الواقف غير مالك فلا يخلو، إما أن وصلت إلى يده بإقطاع السلطان إياها له، أو بشراء من بيت المال، أو من غير شراء من بيت المال (٣)، وتفصيل هذه المسائل على النحو الآتي:

стр. 337

أولًا: وقف الإقطاعات: يطلق الإقطاع في اللغة على معانٍ منها: التمليك والإباحة، يُقال: أقطع الإمام الجند البلد إقطاعًا: جعل لهم غلتها رزقًا، والإقطاع اصطلاحًا: ما يقطعة الإمام؛ أي يعطيه من الأراضي رقبة أو منفعة لمن له حق في بيت المال (١)، وفي الإقطاع عند الإمامية: قال الشيخ الطوسي والعلامة الحلّي: هو منح الإمام لشخص من الأشخاص حقّ العمل في مصدر من مصادر الثروة الطبيعية، التي يعتبر العمل فيها سببًا لتملّكها أو اكتساب حقّ خاص فيها (٢). ووقف الإقطاع يدور صحة وعدمًا على ثبوت الملكية وعدمه للواقف؛ فمن أثبتها له بوجه من الوجوه حكم بصحة وقف الإقطاع، ومن لم يثبتها لم يحكم بصحته، وعلى ذلك يكون في المسألة قولان: القول الأول: ثبوت ملكية المقطع لما يقطع له، وبالتالي صحة وقفه. وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، حيث رأوا إنه إذا أقطع الإمام أرضًا لأحد كانت ملكًا له بمجرد الإقطاع، ومن ثم يجوز أن يتصرف في الأرض المقطعة له تصرّف الملاك ومنه الوقف، فذكر القرافي أنه: إذا أقطع الإمام أرضًا لأحد كانت ملكًا له، وإن لم يعمرها ولا عمل فيها شيئًا، يبيع ويهب ويورث عنه؛ لأنه تمليك مجرد (٣)، ويرى الحنابلة أن من أقطعه الإمام شيئًا من الموات لم يملكه بذلك، لكن يصير أحق به؛ كالمتحجر للشارع في الأحياء، فلا يملكه بمجرد الإقطاع، فإن أحياه ملكه، وجاز له أن يقفه (٤).

стр. 338

القول الثاني: وقف الإقطاعات لا يجوز إلا إذا كانت الأرض مواتًا أو ملكًا للإمام فأقطعها رجلًا، وهذا قول الحنفية، حيث ورد لديهم أن أغلب أوقاف الأمراء بمصر إنما هي إقطاعات، يجعلونها مشتراة صورة من وكيل بيت المال (١)، وسُئل الخصاف عن أرض أقطعها رجل فوقفها، فأجاب: إن كانت الأرض مواتًا فأقطعه إياها الإمام فالوقف جائز، وكذلك إن كانت أرضًا يملكها الإمام فأقطعها إنسانًا، وملكها إياه فوقفها فالوقف في ذلك جائز" (٢). كما ورد لدى الإمامية أنه لا يجوز للإمام إقطاع الفرد ما يزيد على طاقته ويعجز عن استثماره، وهذا ما نصّ عليه العلّامة الحلّي في التحرير والتذكرة (٣). فبالنسبة إلى معدن خام كالذهب، قد يرى الإمام من الأفضل أن تمارس الدولة استخراجه وإعداد الكميّات المستخرجة في خدمة الناس، ولكن قد يرى الإمام أن ذلك غير ممكن للدولة عمليًّا؛ لعدم توفر إمكانات الإنتاج الماديّة لاستخراج الكميّات الضخمة من قبل الدولة ابتداء، وحينئذٍ يرجّح أسلوبًا ثانيًا؛ وهو أن يسمح للأفراد أو للجماعات بإحياء منجم الذهب واستخراجه لتفاهة الكميات التي يمكن استخراجها، فيقرر الإمام هذا الأسلوب من الاستثمار للذهب من المصدر الطبيعي. وقد ذكر صاحب الجواهر: لا خلاف في جواز الإقطاع في الإسلام ولا إشكال، "ضرورة كون الموات من ماله (أي من مال السلطان الذي هو المعصوم)، والذي هو مسلط عليه، مع أنّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم" (٤)، وقال: "فقد قطع النبي عبد الله بن مسعود الدور، وأقطع وابل بن حجر أرضًا بحضرموت، وأقطع الزبير حضر غرسه (أي عدوه)، وأقطع بلال بن الحارث العقيق" (٥).

стр. 339

وذكر صاحب الجواهر أيضًا أنّ الإقطاع إنما يصح في المعادن أو الأرض التي تحتاج إلى إحياء، فيعمل لأجل الحصول على معدن لم يكن حاصلًا، أو يعمل لإحياء أرض ميّتة، أمّا إذا كان المعدن ظاهرًا أو الأرض محياة فلا يصح فيها الإقطاع. وكونها من الأنفال في خبر إسحاق بن عمّار المروي عن تفسير علي بن إبراهيم (١): سألت أبا عبد الله عن الأنفال فقال: هي التي خربت ... إلى أن قال: والمعادن منها، وفي المرسل عن الصادق (٢): أنه سئل عن الأنفال فقال: منها المعادن والآجام، والناس مسلطون على أموالهم خصوصًا بعد ما في بعض نصوص (٣) الأنفال: "إن ما كان لله فهو لرسوله؛ يضعه حيث شاء، وكذلك الإمام"، ومن أن مورد الإقطاع الموات باعتبار كونه كالتحجير، وقد عرفت أنه لا تندرج فيه المعادن، ولو لما ستسمع من أن المشهور كون الناس فيها شرعًا؛ فلا وجه لإقطاعها حينئذٍ" (٤). ثم قال صاحب الجواهر: "إن الإمام الذي هو معصوم حسب اعتقادنا يصح له أن يقطع الموات، وكذا المحيي، وذلك لاطلاعه على المصالح الواقعيّة فهو ليس مجتهدًا، فالإقطاع للميت يسمى إحياء، والإقطاع للحيّ يصح وإن لم يسم إقطاعًا" (٥). نعم؛ المجتهد الذي هو وليّ الإمام ونائبه قد يتمكن من إقطاع الموات دون المحيي. فالإقطاع: هو أسلوب من أساليب استثمار المواد الخام الميّتة (الباطنة)، ولا يشمل الثروة الطبيعية الظاهرة، والإقطاع لا يكون سببًا لتملّك الفرد المقطَع له المصدر الطبيعي الذي أقطعه الإمام إيّاه، بل إن المقطع له له حقّ استثمار المورد الطبيعي، والحق هو أن يكون له العمل في ذلك المورد الطبيعي من دون أن يزاحمه أحد في انتزاعه منه والعمل فيه بدلا منه، قال العلامة الحلّي: وإن الإقطاع يفيد

стр. 340

الاختصاص" (١)، وقال الشيخ الطوسي في المبسوط: "إذا أقطع السلطان رجلًا من الرعية قطعة من الموات؛ صار أحقّ بها من غيره بإقطاع السلطان بلا خلاف" (٢). فالفرد من حين إقطاع الإمام له أرضًا أو شيئًا من المعدن وحتى يمارس العمل، وهي الفترة التي يحتاجها للاستعداد وتهيئة الشروط اللازمة التي تتخلل بين الإقطاع والبدء في العمل، ليس له أي حق سوى العمل في تلك المساحة المحددة من الأرض أو ذلك الجزء من المنجم الذي فيه المعدن، فلا يجوز له بيعها أو نقلها بثمن. وهذه الفترة يجب ألا تطول، فإن سومح وكانت الفترة طويلة أدى ذلك إلى إعاقة الاستثمار للمصادر الطبيعية، ولكن إذا أخّر المقطَع له العمل لمدة طويلة فيقول الشيخ الطوسي في المبسوط: "إن أخَّر الإحياء قال له السلطان: إما أن تحييها، أو تخلّي بينها وبين غيرك حتى يحييها، فإن ذكر عذرًا في التأخير واستأجل في ذلك؛ أجّله السلطان، وإن لم يكن له عذر في ذلك وخيّره السلطان بين الأمرين فلم يفعل؛ أخرجها من يده" (٣). وبعد ممارسة الفرد للعمل في الأرض أو المعدن، فقد حلّ العمل محل الإقطاع، وزال الإقطاع، فأصبح للفرد حقًّا في الأرض أو المعدن، وهو العمل الذي وقع عليها أو فيها. وذكر السيّد الشهيد الصدر أن الوقف مع الإقطاع يشترك في أمور: ١. عدم الملكية للعين. ٢. لا يباع ولا يورث.

стр. 341

ولكن هناك اختلافا بين الوقف والإقطاع تتمثّل في موارد هي: ١. أن الوقف عادة يصدر من الأفراد، بينما الإقطاع يصدر من إمام المسلمين. ٢. الوقف يكون في الأعيان التي فيها فائدة وهي محياة، بينما الإقطاع يكون في المصادر الطبيعية الميتة. ٣. الوقف يسوّغ للموقوف عليهم الانتفاع بالوقف، بينما الإقطاع هو أسلوب إسلامي لتقسيم العمل، فيتولد من العمل في الموارد التي أقطعت، حقّ أو اختصاص. ٤. الوقف إذا لم يستفد منه الموقوف عليه لا يخرج عن كونه وقفًا، ويبقى الانتفاع موجودًا للموقوف عليه، بخلاف الإقطاع، فلا يجوز تأخير الشروع في العمل في الأرض المقطَعة، بل يكون التأخير من دون مبرر مسوِّغًا لإخراج العين المقطَعة من يد المقطَع له. ثانيًا: وقف الملوك والأمراء من بيت المال: اختلف الفقهاء في صحة وقف الملوك والأمراء من بيت المال على ثلاثة أقوال: القول الأول: جواز الوقف إذا كان في عموم مصالح المسلمين، ومنعه إذا كان على معين، وهذا قول الجمهور من حنفية، ومالكية، وشافعية، وحنابلة، وزيدية، فقال ابن عابدين: "ولو وقف السلطان من بيت المال لمصلحة عمت؛ كالوقف على المسجد .. فإنه يجوز"، لكنهم منعوا وقف السلطان إذا كان على معين؛ لأن بيت المال هو لمصالح المسلمين. وعلّل المالكية الجواز بأن السلطان وكيل عن المسلمين، فهو كوكيل الواقف، وقال ابن قاضي شهبة الشافعي: وهو ما أفتى به كثيرون، منهم ابن أبي عَصرون والنووي، ونص بعضهم أنه المعتمد في مذهب الشافعية. القول الثاني: الجواز مطلقًا؛ سواء كان الوقف على جهة عامة أم على معين، وهذا قول عند بعض الشافعية، واستمسكوا بوقف عمر بن الخطاب ﵁ سواد العراق.

стр. 342

القول الثالث: عدم الجواز مطلقًا، وهذا قول عند الزيدية (١). ثالثًا: شروط صحة وقف الملوك والأمراء: الأصل في تصرف الملوك والأمراء أن تصرفاتهم في أموال بيت المال منوطة بالمصلحة، فمن القواعد الفقهية المعتبرة أن: "تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة"، وهذه القاعدة مما نص عليه الإمام الشافعي؛ فقد قال: "منزلة الإمام من الرعية منزلة الولي من اليتيم" (٢)، وبناء على هذه القاعدة اشترط بعض الفقهاء الصحة وقف الملوك والسلاطين شروطًا؛ منها: ١ - أن يكون وقفهم لمصلحة عامة المسلمين كالوقف على المسجد، بخلاف وقف السلطان على معين وأولاده فإنه لا يصح، وإن جعل آخره للفقراء (٣)، فقد نقل الطرسوسي عن قاضيخان: أن السلطان لو وقف أرضًا من بيت مال المسلمين على مصلحة

стр. 343

عامة للمسلمين جاز، قال ابن وهبان: لأنه إذا أبَّده على مصرفه الشرعي فقد منع من يصرفه من أمراء الجور في غير مصرفه، وقال ابن عابدين الحنفي في تعليقه على ما نقله الطرسوسي: فقد أفاد أن المراد من هذا الوقف تأييد صرفه على هذه الجهة المعينة التي عينها السلطان مما هو مصلحة عامة، وهو معنى الإرصاد (١). هذا وقد أجاز الشافعية وقف الإمام من بيت المال على معين، كما أجازوه على جهة (٢). ٢ - أن يحقق الوقف مصلحة معتبرة؛ فقال القرافي من فقهاء المالكية: "فإن وقفوا على مدرسة أكثر مما تحتاج بطل الوقف فيما زاد فقط؛ لأنهم معزولون عن التصرف إلا على وجه المصلحة، والزائد لا مصلحة فيه" (٣). رابعًا: مراعاة شروط أوقاف الأمراء: صرح الحنفية والحنابلة بأنه لا تُراعي شروط أوقاف الملوك والأمراء إذا كان الوقف من بيت المال (٤). أما إذا اشترى السلطان الأراضي والمزارع من وكيل بيت المال فيجب مراعاة شرائطه (٥)، هذا إذا عرف حال الشراء، أما إذا لم يعرف شراء السلطان للأراضي

стр. 344

والمزارع ولا عدمه؛ فقد استظهر ابن عابدين الحنفي أنه لا يحكم بصحة وقفها، لأنه لا يلزم من وقفه لها أنه ملكها، فذكر ابن عابدين أنه: لهذا قال السيد حموي في حاشية الأشباه ما نصه: وقد أفتى العلامة أبو السعود مفتي السلطنة السليمانية بأن أوقاف الملوك والأمراء لا يُراعي شرطها، لأنها من بيت المال أو ترجع إليه، وإذا كان كذلك يجوز الإحداث إذا كان المقرر في الوظيفة أو المرتب من مصاريف بيت المال (١). والمراد من عدم مراعاة شروط أوقاف الأمراء والملوك؛ أن للإمام أن يزيد فيها وينقص ونحو ذلك، وليس المراد أنه يصرفها عن الجهة المعينة؛ بأن يقطع وظائف العلماء ويصرفها إلى غيرهم، فإن بعض الملوك أراد ذلك ومنعهم علماء عصرهم (٢)، فقد ورد أنه لما أراد السلطان "نظام المملكة برقوق" في عام نيف وثمانين وسبعمائة أن ينقض أوقاف الملوك والأمراء؛ لكونها أُخذت من بيت المال، وعقد لذلك مجلسًا حافلًا حضره الشيخ سراج الدين البلقيني، والبرهان بن جماعة، وشيخ الحنفية الشيخ أكمل الدين شارح الهداية .. فقال البلقيني: ما وُقف على العلماء والطلبة لا سبيل إلى نقضه؛ لأن لهم في الخمس أكثر من ذلك، وما وُقف على فاطمة وخديجة وعائشة يُنقض، ووافقه على ذلك الحاضرون (٣). وقال ابن عابدين الحنفي في تعليقه على الواقعة: "ففي هذا صريح بأن أوقاف السلاطين من بيت المال إرصادات لا أوقاف حقيقية، وأن ما كان منها على مصاريف بيت المال لا ينقض، بخلاف ما وقفه السلطان على أولاده أو عتقائه مثلًا، وأنه حيث كانت إرصادًا لا يلزم مراعاة شروطها لعدم كونها وقفًا صحيحًا، فإن شرط صحته ملك الواقف، والسلطان بدون الشراء من بيت المال لا يملكه، وقد علمت موافقة العلامة الأكمل على ذلك" (٤).

стр. 345

ويرى المالكية، والشافعية عدم جواز تغيير وقف الإمام، فحيثما صح وقف الإمام لا يجوز تغييره (١). وصرّح الحنابلة بأن أوقاف السلاطين من بيت المال ليس بوقف حقيقي، بل كل من جاز له الأكل من بيت المال جاز له الأكل منها (٢). خامسًا: وقف الأمراء والملوك عقارات اشتروها: إذا اشترى الأمراء والملوك الأراضي والمزارع من وكيل بيت المال ثم وقفوها، فإن الوقف صحيح ويجب مراعاة شرائطهم، وقيّد الحنفية والمالكية وجوب مراعاة شروط الأمراء والملوك في وقف عقارات اشتروها بما إذا كانت هذه الشروط تحقق مصلحة للمسلمين، واشترط المالكية لتنفيذ هذه الشروط أن تكون أوقاف الملوك والأمراء قد وقعت على وجه الصحة والأوضاع الشرعية (٣). سادسًا: الفرق بين الوقف والإرصاد: الإرصاد في اللغة: الإعداد، يقال: أرصده لكذا: أعده له، والإرصاد في الاصطلاح: تعيين شيء من بيت المال على بعض مستحقيه (٤).

стр. 346

وفي وجه تسمية هذا التصرف بالإرصاد: قال ابن عابدين الحنفي: "الرصد الطريق، وبالمرتصد: أي بطريق الارتقاب والانتظار، وربك لك بالمرصاد؛ أي: مراقبك، ومنه سمي إرصاد السلطان بعض القرى والمزارع من بيت المال على المساجد والمدارس ونحوها، لمن يستحق من بيت المال كالقراء والأئمة والمؤذنين ونحوهم، كأن ما أرصده قائم على طريق حاجاتهم يراقبها، وإنما لم يكن وقفًا حقيقة لعدم ملك السلطان له، بل هو تعيين شيء من بيت المال على بعض مستحقيه" (١). أ) اختلاف الإرصاد عن الوقف عند جمهور الفقهاء: يرى جمهور الفقهاء من الحنفية، والشافعية، والمالكية، والحنابلة أن الإرصاد يختلف عن الوقف بوجوه منها: ١ - الإرصاد لا يكون إلا من الإمام أو ممن ينوب عنه، بخلاف الوقف فإنه يكون من الإمام ومن غيره؛ لأن الإرصاد لا يكون إلا من أموال بيت المال والتصرف في بيت المال يناط بالإمام ونوابه فقط (٢). ٢ - المرصد لا يكون إلا من أموال بيت المال، بخلاف العين الموقوفة فإنها تكون ملكًا للواقف قبل أن يقفها؛ ولذلك لا يعتبر الفقهاء الإرصادات أوقافًا حقيقية، قال ابن عابدين: إذا كانت لبيت المال ولم يتم ملك الواقف لها؛ فيكون ذلك إرصادًا إلا وقفًا حقيقة (٣). ٣ - يختلف الإرصاد عن الوقف في أن المرصد عليه يكون من مستحقي بيت مال المسلمين، في حين لا يشترط في الموقوف عليه أن يكون من مستحقي بيت المال،

стр. 347

فيذكر الرحيباني أن: أول من أحدث وقف أراضي بيت المال على جهات الخير نور الدين الشهيد صاحب دمشق، ثم صلاح الدين يوسف صاحب مصر لما استفتيا ابن أبي عصرون؛ فأفتاهما بالجواز، على معنى أنه إرصاد وإفراز من بيت المال على بعض مستحقيه ليصلوا إليه بسهولة (١). ٤ - يختلف الإرصاد عن الوقف في مراعاة العمل بشروط الواقف، فقد نص الفقهاء على أن شرائط الواقف معتبرة إذا لم تخالف الشرع (٢)، أما الإرصادات باعتبارها أوقاف السلاطين من بيت المال؛ فقد اختلف الفقهاء في مراعاة شروطها (٣). ٥ - يختلف الوقف عن الإرصاد في أنه لا يجوز اشتراك اثنين فأكثر في وظيفة واحدة من وظائف الأوقاف، في حين يجوز اشتراك اثنين فأكثر في وظيفة من إرصادات السلاطين (٤). ب) رأي فقهاء الإمامية في الفرق بين الوقف والإرصاد: لا فرق بين الوقف والإرصاد عند الإمامية، فإن الإرصاد هو وقف المال العام على العنوان العام المساوي له، فالأرض المملوكة للدولة أو للمسلمين يمكن أن يوقفها الحاكم (ولي الأمر) على مصلحة عامة للمسلمين؛ كمدرسة أو مشفى، فإن هذه الأرض ملك

стр. 348

للمنصب (ولي الأمر) أو للمسلمين، فيمكن أن يوقفها على العنوان نفسه، كما تقدم ذلك في بحث جواز أن يُوقف ولي الأمر مال بيت المسلمين على مصلحة عامة لهم. ومن فرَّق بينهما من جهة أن ولي الأمر (الحاكم) لا يملك لما في بيت مال المسلمين والموقوف يشترط أن يكون مملوكًا للواقف، فكيف نطلق على هذه العملية الجائزة "الوقف"، مع أن الحاكم لا يملك ما في بيت المال؟ فالجواب: إنّ هذه التفرقة لا محصّل لها؛ لأن بيت مال المسلمين هو مملوك للمسلمين والإمام (الحاكم) وليّهم، فهو عندما يقف المالُ فإنه يقف مالًا مملوكًا لمالك معين، وهو عنوان المسلمين، وحينئذٍ الولي (الحاكم) له الولاية في التصرف على هذا المال، فيكون عمله وقفًا ولا حاجة إلى تسميته إرصادًا. قال ابن البرّاج صاحب المهذّب في الفقه: "الوقف في الأصل صدقة، ويثبت صحته بأمرين؛ أحدهما: التصرف فيما يقفه الإنسان، إمّا بملك أو إذن، والآخر: أن يقبضه ويخرجه عن يده إلى من هو وقف عليه، أو لمن يتولّى عنه ذلك أو يقوم مقامه في قبضه، فإذا وقف على خلاف ذلك كان باطلًا" (١). وهنا بما أن الإمام هو ولي المسلمين، وهو مأذون في التصرف بما فيه مصلحة للمسلمين، فإذا شخص وأحرز مصلحة في وقف المال العام للمسلمين؛ فله ذلك، ويصح وقفه، كما يصح إقباض ما تحت يده للمسلمين. نعم إذا كان هنا إشكال، فهو عبارة عن أن هذا الوقف، هو وقف على النفس، ويشترط في الوقف أن لا يكون على النفس، وليس الإشكال هو عدم الملكية. والجواب على هذا الإشكال: أنه إن ثبت بالدليل عدم صحة الوقف على النفس، وقد ثبت بالدليل صحة نقل وقف الإمام المال العام على المصلحة العامة، فحينئذٍ يكون هذا الأمر الثاني تقييدًا للأمر الأول، فإن المسألة شرعية، والشارع له حق التخصيص أو التقييد (٢).

стр. 349

سابعًا: الفرق بين الإقطاع والوقف: يختلف الوقف عن الإقطاع عند جمهور الفقهاء من الحنفية، والشافعية، والمالكية، والحنابلة، والإمامية بوجوه منها: ١ - يختلف الإقطاع بنوعيه (إقطاع التمليك، وإقطاع الاستغلال) عن الوقف في أن الوقف يكون من الإمام ومن غيره، في حين أن الإقطاع لا يكون إلا من قبل الإمام أو ممن ينوب عنه، وفيما يجوز فيه تصرفه وتنفذ أوامره (١). قال ابن حجر الهيتمي: الإقطاع إنما هو من وظيفة الإمام دون غيره (٢). ٢ - يختلف الوقف عن الإقطاع بأن إقطاع الإمام غير الموات تمليكًا وانتفاعًا لا يكون إلا للمصلحة (٣)، في حين لا يشترط لصحة الوقف تحقيق مصلحة (٤). ٣ - يختلف الوقف عن الإقطاع بالتمليك بأنه يشترط في العين الموقوفة أن تكون مملوكة للواقف قبل أن يقفها (٥)، في حين أن الإقطاع إما أن تكون من الموات أو من بيت المال (٦).

стр. 350

٤ - يختلف إقطاع التمليك عن الوقف بأن الموقوف عليه لا يملك العين الموقوفة، في حين أن المقطع له يملك رقبة الأرض، فيقول ابن عابدين: "للإمام أن يعطي الأرض من بيت المال على وجه التمليك لرقبتها كما يعطي المال حيث رأى المصلحة، إذ لا فرق بين الأرض والمال في الدفع للمستحق" (١)، وقال المالكية: "إذا أقطع الإمام رجلًا أرضًا كانت ملكًا له، وإن لم يعمر منها شيئًا، فله بيعها وهبتها والتصدق بها وتورث عنه، وليس هو من الأحياء بل تمليك مجرد" (٢). ٥ - يختلف الوقف عن إقطاع الاستغلال بأن إقطاع الاستغلال مؤقت، خلافًا للوقف حيث يشترط التأبيد لصحته عند جمهور الفقهاء (٣)، فقال الماوردي في معرض بيان أنواع إقطاع الاستغلال وحكم كل نوع: "والقسم الثاني من أقسامه أن يستقطعه مدة حياته ثم لعقبه وورثته بعد موته، فهذا إقطاع باطل، لأنه قد خرج بهذا الإقطاع من حقوق بيت المال إلى الأملاك الموروثة" (٤)، وقال القرافي: "وأما الإقطاع فإنه يجوز بغير سبب يوجب استحقاقه وتمليكه، وإنما هو إعانة على أحوال تقع في مستقبل الزمان، وليس تمليكًا حقيقيًا، فلذلك كان للإمام نزعه في أي وقت شاء وتبديله بغيره" (٥).

стр. 351

مصادر ومراجع الفصل الثالث ١ - أحكام الأوقاف، أبو بكر أحمد بن عمرو الشيباني المعروف بالخصاف، المكتبة الثقافية الدينية، مصر. ٢ - الأحكام السلطانية، أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الشهير بالماوردي، دار الحديث، القاهرة. ٣ - أحكام الوصايا والأوقاف، محمد مصطفى شلبي، الدار الجامعية للطباعة والنشر، بيروت، ط ٢، ١٩٨٢ م / ١٤٠٢ هـ. ٤ - الإسعاف في أحكام الأوقاف، برهان الدين بن موسى بن أبي بكر ابن الشيخ الطرابلسي الحنفي، المطبعة الهندية، مصر، ط ٢، ١٣٢٠ هـ/١٩٠٢ م. ٥ - أسنى المطالب في شرح روض الطالب، زين الدين أبو يحيى زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري السنيكي، دار الكتاب الإسلامي. ٦ - الأشباه والنظائر، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، دار الكتب العلمية، بيروت. ٧ - إعلام الموقعين عن رب العالمين، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي المعروف بابن القيم الجوزية، دار الجيل، بيروت، ١٩٧٣ م. ٨ - الإقناع في مسائل الإجماع، أبو الحسن بن القطان علي بن محمد بن عبد الملك الكتامي الحميري الفاسي، الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، ط ١، ١٤٢٤ هـ / ٢٠٠٤ م. ٩ - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي، دار إحياء التراث العربي، ط ٢. ١٠ - البحر الرائق شرح كنز الدقائق، زين الدين بن نجيم الحنفي، الناشر دار المعرفة، بيروت. ١١ - البحر الزخار الجامع لمذاهب الأمصار، أحمد بن يحيى بن المرتضى، دار الكتاب الإسلامي.

стр. 352

١٢ - بداية المجتهد ونهاية المقتصد، أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي الشهير بابن رشد الحفيد، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر، طـ ٤، ١٣٩٥ هـ/ ١٩٧٥ م. ١٣ - بداية المحتاج في شرح المنهاج في الفقه الشافعي، بدر الدِّين أبو الفَضلِ محمد بن أبي بكر بن أحمد الأسَدِيُّ الدمشقي الشافعي المعروف بابن قاضي شُهبَةَ، إدارة الثقافة الإسلامية، الكويت، ط ١، ١٤٣٢ هـ/ ٢٠١١ م. ١٤ - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، علاء الدين الكاساني، الناشر دار الكتاب العربي، بيروت، ١٩٨٢ م. ١٥ - بلغة السالك لأقرب المسالك، المعروف بحاشية الصاوي على الشرح الصغير (الشرح الصغير هو شرح الشيخ الدردير لكتابه المسمى أقرب المسالك لِمَذهَبِ الإِمام مَالكٍ بأعلى الصفحة يليه مفصولًا بفاصل "حاشية الصاوي" عليه)، أبو العباس أحمد بن محمد الخلوتي الشهير بالصاوي المالكي، دار المعارف. ١٦ - البناية شرح الهداية، أبو محمد بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابى الحنفى العينى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط ١، ١٤٢٠ هـ/ ٢٠٠٠ م. ١٧ - التاج المذهب لأحكام المذهب شرح متن الأزهار في فقه الأئمة الأطهار، أحمد بن قاسم العنسي اليماني الصنعاني، دار الحكمة اليمانية للطباعة والنشر، صنعاء، ١٤١٤ هـ / ١٩٩٣ م. ١٨ - التاج والإكليل لمختصر خليل، أبو عبد الله المواق محمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف العبدري الغرناطي المالكي، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٦ هـ/١٩٩٤ م. ١٩ - تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشِّلبيِّ (الحاشية: شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن يونس بن إسماعيل بن يونس الشِّلبِيُّ)، عثمان بن علي بن محجن البارعي، فخر الدين الزيلعي الحنفي، المطبعة الكبرى الأميرية، بولاق، القاهرة، ط ١، ١٣١٣ هـ.

стр. 353

٢٠ - تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية، الحسن بن يوسف بن علي المطّهر المعروف بالحلي، نشر مؤسسة الإمام الصادق ﵇. ٢١ - تحرير ألفاظ التنبيه، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، دار القلم، دمشق، ط ١، ١٤٠٨ هـ. ٢٢ - تحفة الحبيب على شرح الخطيب (حاشية البجيرمي على الخطيب)، سليمان بن محمد بن عمر البُجَيرَمِيّ المصري الشافعي، دار الفكر، ١٤١٥ هـ/ ١٩٩٥ م. ٢٣ - تهذيب اللغة، أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١، ٢٠٠١ م. ٢٦ - التوقيف على مهمات التعاريف، زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري، عالم الكتب، القاهرة، ط ١، ١٤١٠ هـ/ ١٩٩٠ م. ٢٥ - الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه، المعروف بصحيح البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي البخاري، دار طوق النجاة، ط ١، ١٤٢٢ هـ. ٢٦ - الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي، دار الكتب المصرية، القاهرة، ط ٢، ١٣٨٤ هـ/ ١٩٦٤ م. ٢٧ - جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، الشيخ محمد حسين النجفي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ٧، ١٩٨١ م. ٢٨ - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ("الشرح الكبير للشيخ أحمد الدردير على مختصر خليل" بأعلى الصفحة يليه مفصولًا بفاصل "حاشية الدسوقي" عليه)، محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي، دار الفكر. ٢٩ - حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني، أبو الحسن علي بن أحمد بن مكرم الصعيدي العدوي، دار الفكر، بيروت، ١٤١٤ هـ/ ١٩٩٤ م.

стр. 354

٣٠ - حاشيتا قليوبي وعميرة على شرح جلال الدين المحلى على منهاج الطالبين (بأعلى الصفحة "شرح العلامة جلال الدين المحلى على منهاج الطالبين للشيخ محيي الدين النووي"، بعده مفصولًا بفاصل "حاشية شهاب الدين أحمد بن أحمد بن سلامة القليوبي"، بعده مفصولًا بفاصل "حاشية أحمد البرلسي عميرة")، شهاب الدين أحمد بن أحمد بن سلامة القليوبي وأحمد البرلسي عميرة، دار الفكر، بيروت، ١٤١٥ هـ /١٩٩٥ م. ٣١ - الحاوي في فقه الشافعي، أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الشهير بالماوردي، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٤ هـ / ١٩٩٤ م. ٣٢ - حواشي تحفة المحتاج في شرح المنهاج (بأعلى الصفحة كتاب "تحفة المحتاج في شرح المنهاج" لأحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي، بعده مفصولًا بفاصل "حاشية الإمام عبد الحميد الشرواني"، بعده مفصولًا بفاصل "حاشية الإمام أحمد بن قاسم العبادي")، أحمد بن قاسم العبادي، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ١٣٥٧ هـ/ ١٩٨٣ م. ٣٣ - درر الحكام شرح مجلة الأحكام، علي حيدر خواجه أمين أفندي، دار الجيل، طـ ١. ٣٤ - الذخيرة، شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، الناشر دار الغرب بيروت، ١٩٩٤ م. ٣٥ - رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار ("الدر المختار للحصفكي شرح تنوير الأبصار للتمرتاشي" بأعلى الصفحة يليه مفصولًا بفاصل "حاشية ابن عابدين" عليه، المسماه "رد المحتار")، محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي الحنفي المشهور بابن عابدين، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، ط ٢، ١٤١٢ هـ/١٩٩٢ م. ٣٦ - الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، محمد بن جمال الدين المكي العاملي وزين الدين الجبعي العاملي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان، ط ١.

стр. 355

٣٧ - روضة الطالبين وعمدة المفتين، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، المكتب الإسلامي، بيروت، دمشق، عمان، ط ٣، ١٤١٢ هـ/ ١٩٩١ م. ٣٨ - سنن ابن ماجه، ابن ماجة أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، دار إحياء الكتب العربية. ٣٩ - سنن أبي داود، أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِستاني، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت. ٤٠ - السنن الكبرى، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي مؤسسة الرسالة، بيروت، طـ ١، ١٤٢١ هـ/ ٢٠٠١ م. ٤١ - شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، المحقق الحلي أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن، دار القارئ، بيروت، ط ١١، ١٤٢٥ هـ/ ٢٠٠٤ م. ٤٢ - شرح الأزهار المنتزع من الغيث المدرار المفتح لكمائم الأزهار في فقه الأئمة الأطهار، أبو الحسن عبد الله بن مفتاح، مطبعة المعارف، مصر، ١٣٤٠ هـ. ٤٣ - شرح الزُّرقاني على مختصر خليل، عبد الباقي بن يوسف بن أحمد الزرقاني المصري، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، طـ ١، ١٤٢٢ هـ / ٢٠٠٢ م. ٤٤ - شرح المحلى على المنهاج، أبو زكريا يحيى بن شرف النووي. ٤٥ - شرح النيل وشفاء العليل، محمد بن يوسف أطفيش، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان. ٤٦ - شرح طلعة الشمس على الألفية، أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ط ٢، ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م. ٤٧ - شرح مختصر خليل للخرشي وبهامشه حاشية العدوي، أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخرشي المالكي، علي العدوي، دار الفكر للطباعة، بيروت. ٤٨ - شرح معاني الآثار، أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة أبو جعفر الطحاوي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٣٩٩ هـ.
следующие страницы →