← Фикх общий

Фикх общий · id 308

مدونة أحكام الوقف الفقهية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

القسم الثاني: الأموال المنقولة، وهي ما عدا العقارات مما يمكن نقله وتحويله. والمنقولات في الجملة هي: الأجسام التي يمكن انتقالها من مكان لآخر؛ سواء انتقلت بنفسها، مثل الحيوانات والسيارات، أم بمفعول قوة أجنبية عنها؛ مثل الأثاث والآلات. وقد اختلف العلماء في وقف المنقول على خمسة أقوال: القول الأول: عدم جواز وقف المنقول مطلقا، وبه قال الإمام أبو حنيفة (١)، وهو رواية عند الإمام مالك (٢)، ورواية عن الإمام أحمد (٣). فجاء في الهداية للمرغيناني على بداية المبتدي أنه: لا يجوز وقف ما ينقل ويحول، وهذا قول أبي حنيفة (٤)، وجاء مثل ذلك في العناية على الهداية (٥)، وقد نص الإمام أحمد على ذلك في رواية الأثرم، فقال: "إنما الوقف في الدور والأرضين على ما وقف أصحاب رسول الله ﷺ " (٦). الأدلة: استدل المانعون لوقف المنقول مطلقًا بما يأتي: ١ - "أن الأخبار إنما وردت في العقار دون غيره فلم يجز تعديه" (٧). ٢ - أن الوقف إنما يراد للتأبيد والدوام، والتأكيد لا يمكن إلا في العقار، فلم يجز في غيره مما لا يدوم (٨).

стр. 387

٣ - أن ما عدا العقار من الدور والأراضي لا تثبت فيه الشفعة، ولا يستحق بها، فلم يصح وقفه (١). القول الثاني: جواز وقف المنقول تبعًا، أما استقلالًا فيجوز في السلاح والكراع دون غيرهما، وبه قال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة (٢)، وهو مذهب الظاهرية (٣). فجاء في الهداية للميرغناني الحنفي: "وقال أبو يوسف: إذا وقف ضيعة ببقرها وأكرتها وهم عبيدها جاز، وكذا سائر آلات الحراثة؛ لأنه تبع للأرض في تحصيل ما هو المقصود، وقد ثبت من الحكم تبعًا، ما لا يثبت مقصودا"، وهو قول إسحاق بن راهويه، قال: "كانوا يحبسون الدور والأرضين، ولا يحبسون من المنقولات إلا الكراع والسلاح" (٤). ويؤخذ قول الظاهرية من صنيع ابن حزم وهو يعدد ما يجوز وقفه؛ إذ أجاز الوقف في الدور والأرضين بما فيها من الغرس والبناء، وفي المصاحف والدفاتر والعبيد والسلاح والخيل في سبيل الله في الجهاد فقط لا في غير ذلك، وقوفًا منه عند مورد النص (٥). الأدلة: استدلوا لجواز وقف المنقول تبعًا بأن من الأحكام ما يثبت تبعًا ولا يثبت قصدًا، ويُغتفر في التوابع ما لا يُغتفر في غيرها، ووقف المنقول من هذا الباب (٦). واستدلوا لجواز وقف السلاح والكراع من المنقول استقلالًا بأن القياس ألا يجوز وقف المنقول؛ لأن من شرط الوقف التأييد، والمنقول لا يتأبد، فيقتصر على مورد الشرع وهو السلاح والكراع كما في حديث خالد ﵁، ويبقى ما وراءه على أصل القياس (٧).

стр. 388

القول الثالث: جواز وقف المنقول مطلقًا مما يجوز الانتفاع به مع بقاء عينه، وهو مذهب جمهور الفقهاء من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والإباضية (٤)، والزيدية (٥)، والإمامية (٦). قال الدسوقي المالكي: " .. لأن الخلاف عندنا جار في كل منقول، وإن كان المعتمد صحة وقفه؛ خلافًا للحنفية فإنهم يمنعون وقفه، كالمرجوح عندنا" (٧). وقال الماوردي الشافعي: "يجوز وقف العقار والدور والأرض والرقيق والماشية والسلاح وكل عين تبقى بقاء متصلًا ويمكن الانتفاع بها" (٨)، وفي المنهاج وشرحه نهاية المحتاج من كتب الشافعية: "ويصح وقف عقار، بالإجماع، ومنقول للخبر الصحيح فيه" (٩). وجاء في أسنى المطالب من كتب الحنابلة: "ويصح وقف الأشجار والمنقولات" (١٠)، وقال ابن قدامة الحنبلي: "ولا يصح الوقف إلا بشروط أربعة؛ أحدها: أن يكون في عين يجوز بيعها ويمكن الانتفاع بها دائمًا مع بقاء عينها؛ كالعقار والحيوان والأثاث والسلاح" (١١). ويؤخذ قول الإباضية من نص المدونة الكبرى: "قال ابن عبد العزيز: إذا كان ذلك المال الذي جعله في سبيل الله سلاحًا فإني أستحسن أن يقوى به المرابطون في سبيل الله ... وإن كان ذلك المال ذهبًا أو فضة أو إبلًا أو بقرًا أو أرضًا .. أو نحو ذلك مما يباع؛ ففي أي شيء جعله في سبيل الله فإني أجعله في سبيل الله" (١٢).

стр. 389

وقال في التجريد من كتب الزيدية: "يجوز للرجل أن يوقف ضيعته وداره وما يملكه من الحيوان وغير ذلك" (١). الأدلة: استدل القائلون بصحة وقف المنقول بما يأتي: ١ - قول النبي ﷺ : "من احتبس فرسًا في سبيل الله، إيمانًا بالله وتصديقًا بوعده، فإن شبعه وريّه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة" (٢)، وجه الاستدلال: حث النبي على وقف الخيل في سبيل الله، ويؤخذ منه جواز وقف غير الخيل من المنقولات (٣). ٢ - قول النبي ﷺ : "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علمًا علمه نشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته" (٤). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ ذكر منقولًا وهو المصحف من جملة الصدقات التي ينتفع بها المتصدق في حياته، ويستمر ثوابها بعد وفاته، فدل على جواز وقف المنقولات. ٣ - وقف الصحابة ﵁ لبعض المنقولات وإقرار النبي ﷺ لهم على وقفها، فيُقاس عليها غيرها، ومن ذلك قول النبي ﷺ في النفر الذين منعوا الزكاة: "وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا، فقد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله" (٥)؛ وأن امرأة قالت لزوجها: أحجَّني مع رسول الله ﷺ على جملك؛ قال: ذاك حبيس في سبيل الله ، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إن امرأتي تقرأ عليك السلام ورحمة الله، وإنها سألتني الحج معك، قالت: أحجَّني مع رسول الله ﷺ ، فقلت:

стр. 390

ما عندي ما أحجك عليه، فقالت: أحجني على جملك فلان، فقلت: ذاك حبيس في سبيل الله، فقال: "أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله" (١). ٤ - اتفاق الأمة على وقف الحصر والقناديل والزلالي في المساجد من غير نكير، وإذا صح وقف هذه المنقولات صح وقف غيرها بالقياس عليها (٢). ٥ - أن العبرة فيما يصح وقفه بالمالية والانتفاع، فكل ما يجوز بيعه ويمكن الانتفاع به مع بقاء أصله يجوز وقفه، أشبه العقار والسلاح والكراع (٣). ٦ - أن كل عين منقولة يصح الانتفاع بها مع بقائها يحصل فيها تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، فيصح وقفها كالعقار (٤). ٧ - أن هذه المنقولات تبقى زمنا طويلا مع الانتفاع بها، فيحصل المقصود من الوقف، وهو: انتفاع الواقف بالأجر، وانتفاع الموقوف عليهم بالمنفعة الحاصلة من هذه المنقولات (٥). القول الرابع: جواز وقف المنقول تبعًا (٦)، أما استقلالًا فيجوز في السلاح والكراع، وكل ما جرى فيه تعامل، وبه قال محمد بن الحسن الشيباني، وهو الصحيح من مذهب الحنفية، والمفتى به (٧).

стр. 391

جاء في البحر الرائق: "وأما ما سوى الكراع والسلاح فعند أبي يوسف: لا يجوز وقفه؛ لأن القياس إنما يُترك بالنص، والنص ورد فيهما فيقتصر عليه، وقال محمد: يجوز وقف ما فيه تعامل من المنقولات، واختاره أكثر فقهاء الأمصار، وهو الصحيح" (١). الأدلة: استدل من قال بجواز وقف المنقول تبعًا للعقار مطلقًا، وجواز وقفه استقلالًا فيما جرى به التعامل .. بأن القياس ألا يجوز وقف المنقول استقلالًا؛ لأن من شرط الوقف التأبيد، والمنقول لا يتأبد، لكن تُرك هذا القياس في أمرين: الأول: في السلاح والكراع، استحسانًا؛ للآثار المشهورة فيه، ومن ذلك: قول النبي ﷺ : "وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا، فقد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله" (٢)؛ وقول عمر بن الخطاب ﵁: "كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنته، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله" (٣). الثاني: فيما جرى فيه التعامل بالتعامل؛ لقول ابن مسعود ﵁: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن" (٤)، ولأن التعامل أقوى من القياس فيترك به القياس؛ كالاستصناع، فبقي ما وراء ذلك على أصل القياس. وأما جواز وقف المنقول تبعًا للعقار؛ فلأنه لما جاز إفراد بعض المنقول بالوقف فلأن يجوز الوقف فيه تبعًا أولى (٥). القول الخامس: جواز وقف المنقول مطلقًا، ويكره في الرقيق خاصة، وهو قول مالك في الموازية (٦).

стр. 392

ووجهه: أن نصوص الشرع متظافرة على الحث على تحرير الرقيق، وفي وقفهم تضييق عليهم في هذا الباب، فكره لأجل ذلك. القول السادس: الجواز في الخيل خاصة، والكراهة فيما عداها، وهو قول مروي عن مالك أيضًا (١). رابعًا: مسألة وقف العقار: العقار: هو كل ما لا يمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر (٢)؛ كالأراضي، والبساتين، والدور، والحوانيت، والآبار، والقناطر، والطرق. فوقفه صحيح باتفاق أهل العلم القائلين بمشروعية الوقف (٣). ويدل لذلك ما يأتي: أ) أن الأصل في باب الوقف هو العقار؛ فهو الذي وقفه النبي ﷺ ، وهو أشهر ما وقفه الصحابة الكرام ﷺ ، ومن أمثلة ذلك: ١ - قول عمر بن الخطاب قال ﵁: "كان لرسول الله ثلاث صفايا: بنو النضير، وخبير، وفدك، فأما بنو النضير فكانت حبسًا لنوائبه، وأما فدك فكانت حبسًا لأبناء السبيل" (٤). ٢ - قول عائشة ﵂: "إن رسول الله ﷺ جعل سبع حيطان له بالمدينة صدقة على بني عبد المطلب وبني هاشم" (٥).

стр. 393

٣ - قول عمرو بن الحارث ﵁: "ما ترك رسول الله ﷺ عند موته درهمًا ولا دينارًا ولا عبدًا ولا أمة ولا شيئًا، إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضًا جعلها صدقة" (١). ٤ - أن عمر بن الخطاب خزانة أصاب أرضًا بخيبر، فأتي النبي ﷺ فقال: أصبت أرضا لم أصب مالًا قط أنفس منه، فكيف تأمرني؟ قال ﷺ : "إن شئت حبّست أصلها، وتصدّقت بها" (٢). ٥ - وقف عثمان بن عفان ﵁ لبئر رومة، وزيادته بقعة حول مسجد النبي ﷺ لما ضاق المسجد بالمصلين (٣). ب) أن الوقف يراد للدوام، وهو حبس للأصل، وفي جمع النبي ﷺ بين لفظي التحبيس والتسبيل في قوله ﷺ : "أحبس أصلها وسبِّل ثمرتها" (٤) .. بيان لحالة الابتداء والدوام؛ فإن حقيقة الوقف ابتداء تحبيسه ودوام تسبيل منفعته؛ ليكون صدقة جارية لا تنقطع، ليستمر الثواب للواقف في حياته وبعد مماته، ويستمر النفع للموقوف عليهم، وأصدق ما ينطبق عليه ذلك هو العقار (٥). خامسًا: مسألة ما يدخل تبعًا لوقف العقار: أ) من وقف عقارًا بجميع حقوقه، أو بجميع ما فيه، دخلت الدار والأرض وما فيها من الأبواب والسلالم والأبنية والأشجار والزروع والثمار، وإذا وقفه واستثنى جزءًا معلومًا صح الوقف والاستثناء.

стр. 394

ب) وإذا وقف عقارا وأطلق دخل في الوقف ما كان داخلًا في البيع، وما لا فلا (١)، فإذا وقف دارًا تناول أرضها، وبناءها، وما يتصل بها لمصلحتها كالسلالم والرفوف المسمرة والأبواب المنصوبة. ج) أما إذا وقف أرضًا: فعند الحنفية: يدخل ما فيها من البناء والشجر بجميع أنواعه، ولا يدخل ما بها من زرع، كما لا يدخل الثمر الموجود على الشجر وقت الوقف، مؤبرا كان أو غير مؤبر (٢). وعند المالكية: يدخل ما فيها من البناء والشجر، ولا يدخل ما بها من زرع، كما لا يدخل الثمر بعد التأبير (٣). وعند الشافعية والحنابلة: يدخل ما فيها من البناء والشجر في أحد القولين عند الشافعية وأحد الوجهين عند الحنابلة، ولا يدخل الزرع الذي لا يحصد إلا مرة واحدة، ولا الجزة الظاهرة من الزرع الذي يُجزَّ مرارًا، أما أصل الزرع فحكمه حكم الشجر، ولا يدخل الثمر بعد التأبير (٤). سادسًا: مسألة وقف الملك المشاع: يُراد بالشيوع هنا "ما تعلقت الملكية فيه بجزء نسبي غير محدد من شيء مملوك لأكثر من واحد" (٥). لا خلاف بين الفقهاء في أنه يشترط في الموقوف مسجدًا أو مقبرة أن يكون مفرزًا لا مشاعًا، وأنه لا يجوز وقفهما على جهة الشيوع، فإذا حدث فإنه لا يتم ولا يترتب عليه أثره إلا بعد الإفراز؛ لأن الشيوع يمنع خلوصهما لله تعالى، ويجعلهما عرضة

стр. 395

لتغيير جهة الانتفاع بهما؛ إذ لا يتأتى الانتفاع بهما إلا عن طريق المهايأة الزمانية، وهي تناوب الشركاء في الاستعمال، فيمكن أن يصير المسجد تارة مصلى وتارة مسكنًا أو حانوتًا، والمقبرة تكون تارة للدفن وتارة للزراعة، وهذا لا يسوغ شرعًا. فإن كان يقبل القسمة لم يجز وقفه إلا بعد قسمته، وإن كان لا يقبل القسمة لم يصح الوقف (١). واختلف الفقهاء في حكم وقف أحد الشركاء نصيبه من المشاع على ثلاثة أقوال: القول الأول: صحة وقف المشاع مطلقًا، سواء كان مما يقبل القسمة أم لا. وهذا قول أبي يوسف من الحنفية تبعه عليه مشايخ بلخ (٢)، وهو قول المالكية (٣)، والشافعية (٤) والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦)، والإباضية (٧)، والإمامية (٨)، وهو قول عند الزيدية (٩). قال العيني من الحنفية: "ولا يتم الوقف حتى يقبض المتولي، وهو قول محمد، ولا يتم أيضًا حتى يفرز، وهو قول محمد أيضًا، احترز به المشاع، فإنه لا يجوز وقفه، وعند أبي يوسف يجوز" (١٠).

стр. 396

وقال القاضي عبد الوهاب المالكي: "ويصح وقف المشاع" (١). وقال البغوي الشافعي: "ولو وقف نصف عبده أو نصف داره مشاعًا جاز؛ سواء كان النصف الآخر له أو لم يكن" (٢). وقال المرداوي الحنبلي: "قوله (ويصح وقف المشاع) هذا المذهب نص عليه، وعليه الأصحاب قاطبة" (٣). وقال ابن حزم: "وهو جائز في المشاع وغير المشاع، فيما ينقسم وفيما لا ينقسم" (٤). وقال الطوسي من الإمامية: "ويجوز وقف المشاع كما يجوز وقف المقسوم" (٥). وجاء في شرح الأزهار من كتب الزيدية: "ولو كان مشاعًا وكان ينقسم أو لا؛ فإنه يصح وقفه عندنا" (٦). وجاء في فتاوى الخليلي في المذهب الإباضي جوابًا عن حكم وقف المشاع، لا مانع من ذلك؛ لأن الوقف لا يشترط فيه أن يكون الموقوف متعينًا متبينًا واضحًا، إذ الوقف كالصدقة، بل هو صدقة تستمر بعد الموت، فكما أن للإنسان أن يتصدق بحصته من المشاع؛ فكذلك له أن يقف حصته من المشاع، وليس ذلك كالبيع؛ إذ العوض عن الوقف ليس في الدنيا، وإنما العوض عنه في الدار الآخرة" (٧).

стр. 397

أدلة القول: ١ - قول عمر بن الخطاب للنبي ﷺ : "إن المائة سهم التي لي بخيبر لم أصب مالًا قط أعجب إليَّ منها، وقد أردت أن أتصدق بها"، فقال النبي ﷺ : "احبس الأصل وسبِّل ثمرتها" (١). ووجه الدلالة: ذِكْر عمر بن الخطاب ﵁ للسهام دليل على شيوع ملكه فيها، وأنها لما تفرز بعد، ويشهد لهذا أن قسمة أراضي خيبر وفرزها إنما كان على زمان عمر بن الخطاب ﵁. ٢ - قول كعب بن مالك ﵁: قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ ، فقال: "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك"، قلتُ: أُمسك سهمي الذي بخيبر (٢). ٣ - واحتج الزيدية بفعل عثمان بن عفان ﵁، فورد في شرح الأزهار أن: حجة أهل المذهب في صحة وقف المشاع فعل عثمان في بئر رومة (٣)، ووجه ذلك أنه ﵁ اشتري بعضها فوقفه، ثم اشترى بقيتها. ٤ - أن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وهذا يحصل في المشاع حصوله في المفرز (٤). ٥ - أن ما صح بيعه من ذوات المنافع الباقية صح وقفه، والمشاع عرصة يجوز بيعها فجاز وقفها كالمفرزة (٥). ٦ - القياس على العنق؛ لاشتراكهما في أن كلا منهما إسقاط للملك، والشيوع لا يمنع الإعتاق فلا يمنع الوقف أيضًا (٦).

стр. 398

القول الثاني: صحة وقف المشاع إن كان مما لا يقبل القسمة، فإن كان يقبلها لم يصح وقفه على جهة الشيوع، وهو القول الآخر عند الحنفية، قاله منهم محمد بن الحسن الشيباني، وتبعه عليه مشايخ بخارى (١)، وهو قول عند الزيدية، فورد في شرح الأزهار: "وقال المؤيد بالله في الظاهر من قوليه: إنه يصح إن كان لا يحتمل القسمة، أو كان الشياع مقارنًا" (٢). أدلة القول: ١ - أن من شرط الوقف القبض والحرز، والشيوع ينافي القبض؛ لأن تمام القبض فيما يحتمل القسمة بالقسمة قياسا على الصدقة المنفذة (٣). ٢ - قالوا: ثم إن القسمة بيع، وبيع الوقف ممنوع، وبيان ذلك أن كل جزء من أجزاء المملوك مشاعا يرد عليه أنه موقوف، وعند القسمة والفرز يتحقق ذلك في الأجزاء الموقوفة أيضًا، والقسمة بيع، فمنعناه فيما يقبل القسمة لأجل ذلك (٤). القول الثالث: عدم صحة وقف المشاع إن كان مما لا يقبل القسمة، وهو قول في مذهب المالكية، اختاره منهم أبو الحسن اللخمي (٥)، وهو أيضًا قول للإباضية، كما جاء في التاج: "ولا يجوز في مشاع الإضرار بالشّريك، ولا يصحّ فيه قسم إلّا لِمُوقِفٍ مَا حَيِي؛ وإن حكم به جاز" (٦). أدلة القول: استدلوا بقاعدة دفع الضرر عن الشريك، قالوا: لأنه لا يقدر على البيع، وإن فسد شيء في الموقوف المشاع لم يجد من يصلحه (٧).

стр. 399

القول الرابع: عدم صحة وقف المشاع مطلقًا، وهو قول عند الزيدية أيضًا، فورد في شرح الأزهار: "وقال محمد بن الحسن الشيباني (١) واختاره في الانتصار: إنه لا يصح وقف المشاع مطلقًا؛ سواء احتمل القسمة أم لا" (٢). الأدلة: ١ - قالوا: لأن المشاع غير معين، ومن شرط الوقف التعيين (٣). ٢ - قالوا: ولأنه يؤدي إلى أحد باطلين؛ إما منع الشريك من القسمة، أو إلى ثبوت القسمة وهي بيع فيصير الوقف ملكًا (٤). سابعًا: مسألة قسمة المشاع الموقوف بعضه: وعلى القول بصحة وقف المشاع، فهل يقسم اختيارًا أو إجبارًا عند طلب أحدهم القسمة، وهي من المسائل التي درج الفقهاء على ذكرها تحت مسألة وقف المشاع، وفيها نقطتان: النقطة الأولى: تمييز الموقوف عن الطلق (٥) بالقسمة: إذا وقف شخص نصيبه من مشاعٍ يمكن قسمته من غير ضرر - مسجدًا أو مقبرة - وجبت قسمته؛ لأن الشيوع يمنع خلوص الحق لله تعالى، ولتعين القسمة طريقا للانتفاع به؛ فإن التهايؤ فيه يؤدي إلى أمر مستقبح، وهو أن يكون مقبرة في وقت وميضأة في وقت آخر (٦). أما إذا وقف نصيبه من المشاع الذي يمكن قسمته من غير ضرر على جهة أخرى، كأن يقفه على قرابته أو على سبيل من سبل الخير، وطلب القسمة أو طلبها شريكه صاحب الطلق، فلا يخلو: إما أن يكون فيها رد عوض، أولا، وذلك على النحو الآتي:

стр. 400

أ) إذا لم يكن في القسمة رد عوض: اختلف الفقهاء في حكم قسمة المشاع الذي بعضه وقف وبعضه طلق إذا لم يكن في القسمة رد على قولين: القول الأول: جواز قسمة المشاع، ولزوم إجابة الطالب للقسمة، وبه قال صاحبا أبي حنيفة وهو المذهب عند الحنفية (١)، وقال به المالكية (٢)، والحنابلة (٣)، وهو أحد القولين عند الشافعية (٤)، وهو مذهب الإمامية (٥). الأدلة: ١ - أن القسمة إفراز وتمييز للوقف عن غيره لا بيع (٦)، ويدل على أنها إفراز ما يأتي: - أن القسمة تنفرد عن البيع باسمها وأحكامها فلم تكن بينما. - أن القسمة لا تفتقر إلى لفظ التمليك، ولا تجب فيها الشفعة، ويدخلها الإجبار، وتلزم بإخراج القرعة، ويتقدر أحد النصيبين بقدر الآخر، والبيع لا يجوز فيه شيء من ذلك (٧). ٢ - أنه لا ضرر في هذه القسمة على أحدٍ، مع حاجة الشركاء إليها؛ ليتمكن كل واحد من التصرف في ماله على الكمال، ويتخلص من كثرة الأيدي وسوء المشاركة التي تؤدي في الغالب إلى النزاع والمخاصمة (٨).

стр. 401

القول الثاني: عدم جواز قسمة المشاع، وبه قال أبو حنيفة (١)، وهو القول الآخر عند الشافعية (٢). الأدلة: قالوا: لأن القسمة بيع، وبيع الوقف غير جائز، ويدل على أنها بيع أنه ما من جزء من ذلك المال إلا وهو مشترك بينهما، فإذا اقتسما أبدل كل واحدٍ منهما نصيبه من أحد السهمين بنصيب صاحبه من السهم الآخر، وهذه حقيقة البيع (٣). ب) إذا كان في القسمة رد عوض: إذا كان في قسمة المشاع بين الوقف والطلق رد، كأن يأخذ أحدهما ثلثا الأرض ويأخذ شريكه ثلثها مع ألف، فإن كان الرد من أصحاب الوقف جازت القسمة؛ لأنه شراءٌ لشيء من الطلق، وإن كان من أصحاب الطلق لم يجز؛ لأنه شراء لشيء من الوقف؛ فإن صاحب الطلق يبذل المال عوضًا عما يحصل له من مال الوقف، وبيع الوقف غير جائز (٤). النقطة الثانية: قسمة الوقف بين الموقوف عليهم: إذا وقف شخص دارًا أو بستانًا على جماعة؛ فإما أن ينتفعوا به جميعًا مع بقائه على الشيوع، وإما أن يقتسموه بينهم، وهذه القسمة إما أن تكون مهايأة، وإما أن تكون قسمة تملك، ولكل منهما حكم كما سيأتي:

стр. 402

ثامنًا: مسألة قسمة الوقف بين الموقوف عليهم قسمة مهايأة: والمهايأة: "قسمة المنافع على التعاقب والتناوب" (١)، وحدّدها ابن عرفة بأنها: اختصاص كل شريك بمشترك فيه عن شريكه فيه زمنًا معينًا، من متحد أو متعدد، يجوز في نفس منفعته لا في غلته" (٢). وتتنوع إلى نوعين (٣): ١ - مهايأة زمانية: وهي التناوب على الانتفاع بالعين المشتركة كاملةً، مدة معلومة من الزمن، تتناسب مع نصيب الشريك في العين المشتركة. ٢ - مهايأة مكانية: وهي أن يستقل كل واحد من الشريكين أو الشركاء بالانتفاع ببعض معين من المال المشترك، مع بقاء الشركة في عين المال بحالها. أ) حكم قسمة المهايأة: التهايؤ إما أن يكون على منفعة الموقوف أو على غلته. ١ - أما التهايؤ على منفعة الموقوف: فإذا كان الوقف على معينين، واتفق الموقوف عليهم على الانتفاع بالوقف عن طريق المهيأة الزمانية؛ بأن ينتفع أحدهما بعين واحدة مدة وينتفع الآخر بها مدة أخرى، أو عن طريق المهايأة المكانية، كما إذا تهايآ في دار على أن يسكن أحدهما ناحية والآخر ناحية أخرى منها .. ففي جواز ذلك أو المنع منه خلاف على قولين: القول الأول: جواز قسمة الوقف مهايأة.

стр. 403

وبه قال الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وهو ظاهر مذهب المالكية (٤)، وهو قول الإمامية (٥). الأدلة (٦): ١ - أن الحق للموقوف عليهم فيجوز ما يتراضون عليه من المهايأة الزمانية أو المكانية. ٢ - أن في تهايؤ الموقوف عليهم نفعًا لهم، وحفظًا للوقف وعمارة له؛ لما في الإشاعة من التعطيل والتضييع. ٣ - أن المنافع كالأعيان، فجاز لمالكيها قسمتها؛ كالأعيان. القول الثاني: منع قسمة الوقف بين الموقوف عليهم قسمة مهايأة، وهو قول في مذهب المالكية (٧)، ويمكن أن يستدل لهم بأن صحة المهايأة يؤدي إلى الغرر والجهالة، وهما مؤثرتان في العقود عمومًا. ٢ - وأما التهايؤ على غلة الوقف: كأن يتهايأ اثنان في الحيوان اللبون؛ ليحلب هذا يومًا وهذا يومًا، أو في الشجرة المثمرة، لهذا عامًا ولهذا عامًا، ففيه قولان: القول الأول: لا يصح في قول جمهور العلماء؛ لما فيه من التفاوت الظاهر في المعادلة (٨).

стр. 404

القول الثاني: جوازه هذا يظهر في مذهب الإمامية؛ لأنهم أجازوا المهايأة في شركة المنافع بالتراضي أو بحكم الحاكم (١). ب) الجبر على قسمة المهايأة: اختلف أهل العلم القائلون بجواز الوقف مهايأة في الجبر على هذه القسمة إذا طلبها الآخر على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا يجبر على المهايأة، وبه قال الحنفية (٢)، وهو قول عند المالكية (٣)، والصحيح من مذهب الشافعية (٤)، والمذهب عند الحنابلة (٥)، والإمامية (٦). الأدلة: استدل المانعون من الجبر على المهايأة بما يأتي: ١ - أن المهايأة معاوضة؛ إذ كل واحد من الشريكين ينتفع بنصيب صاحبه أو حصته عنده لقاء انتفاع صاحبه بنصيبه أو حصته، فلا يجبر الممتنع عليها كالبيع (٧). ٢ - أن حق كل واحد من الشركاء في المنفعة عاجل، والمهايأة تعجل حق أحدهما وتؤخر الآخر، ولا يجوز تأخير أحدهما بغير رضاه كالدين (٨)، ولتوالي أسباب التغيّر على المقسوم فتفوت المعادلة بين المتقاسمين. ٣ - أن المنفعة معدومة عند القسمة، ولا يدري أحد من المتقاسمين ما يحصل له منها وما لا يحصل، فلا يجبر الممتنع عليها.

стр. 405

القول الثاني: أنه يجبر على المهايأة؛ زمانية أو مكانية، وهو قول عند المالكية (١)، ووجه عند الشافعية (٢)، ورواية عند الإمام أحمد (٣). الأدلة: قالوا: لأن في الامتناع من المهايأة ضررًا؛ فينتفي بقول النبي ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٤). القول الثالث: أنه يجبر على المهايأة المكانية دون الزمانية، وهو وجه عند الحنابلة، اختاره المجدد ابن تيمية (٥). الأدلة: يُستدل لمن فرق بين المهايأة المكانية والزمانية بأن التهايؤ في المكان أعدل؛ لاستوائهما في زمان الانتفاع، وليس فيه تقديم أحدهما على الآخر؛ فهو كقسمة الأعيان (٦). ج) قسمة الوقف بين الموقوف عليهم قسمة تملك: اختلف أهل العلم في حكم قسمة الوقف على جهة واحدة بين الموقوف عليهم قسيمة تملك، بحيث يختص كل واحد منهم بجزء من الموقوف على الدوام، على قولين: القول الأول: عدم جواز قسمة الموقوف بين الموقوف عليهم قسمة تملك، وبه قال الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، وهو المذهب عند الشافعية (٩)، وعند الحنابلة (١٠)، والإمامية (١١).

стр. 406

الأدلة: استدلوا بما يأتي: ١ - قول النبي ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁: "إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها" فتصدق بها عمر: أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث (١). وجه الدلالة: أن الحديث نص في المنع من كل ما يذهب بعين الوقف؛ لأن الوقف يراد للدوام، وقسمة الوقف بين الموقوف عليهم قسمة لازمة تذهب بعين الوقف، وتقطع دوامه واستمراره. ٢ - أن القسمة تكون في الملك المشترك، وليس للموقوف عليهم حق في العين الموقوفة، وإنما حقهم في غلتها" (٢). ٣ - أن الحق ليس بمنحصر في المتقاسمين؛ لتعلق حق الطبقة الثانية والثالثة بالموقوف، وفي قسمتها بين أفراد طبقة معينة قسمة تملك تضييع لحق الطبقات الأخرى، وقد جعل لهم الواقف نصيبًا منه؛ وذلك أن طول الزمان يؤدي إلى دعوى الملكية، أو دعوى كل منهم أو بعضهم أن ما في يده موقوف عليه بعينه (٣). القول الثاني: جواز قسمة الوقف بين الموقوف عليهم قسمة تملك، وهو قول في مذهب الحنفية (٤)، ووجه عند الشافعية (٥)، وقول عند الحنابلة (٦)، والإمامية (٧). دليلهم: أن فيها صلاحًا للوقف؛ فبقسمته يُعنى كل صاحب قسم بعمارة نصيبه وصيانته، بخلاف ما لو تُرك، لتواكلوا في ذلك، ولأدى إلى خرابه وانقطاع ريعه.

стр. 407

المبحث الرابع اشتراط دوام الانتفاع بالموقوف اختلف العلماء في وقف غير العقار، ولعل من أسباب الخلاف في ذلك كون المنقول غير قابل للتأبيد، وأنه معرض للتلف والانقطاع في أي وقت، وهو ما يتعارض مع مبدأ الوقف الأساس، وهو التأبيد. ومن الشروط التي ذكرها الفقهاء في الموقوف كونه منتفعًا به على وجه الدوام. ومعنى ذلك أن ما لا ينتفع به إلا بإتلاف عينه لا يجوز وقفه، وإن كان يجوز التصدق به، ومن أمثلة ذلك وقف الطعام والنقود وكل ما تستهلك عينه في أثناء الانتفاع به؛ كالزيوت مثلًا التي كانت تستعمل لإيقاد القناديل في المساجد والطرق العامة، والأدهان التي توقف على المصلين في المساجد، وغيرها، فما حكم وقفها؟ يمكن تقسيم ما لا ينتفع به إلا بإتلاف عينه إلى قسمين: الأول: المثلي، وهو ما له بدل يقوم مقامه؛ كالبذور والزيوت والنقود. الثاني: القيمي، وهو ما لا مثل له، وإتلافه ليس فيه إلا القيمة. أولًا: حكم وقف ما له بدل يقوم مقامه كالبذور والنقود: أما النقود فقد سبق إفرادها بمبحث مستقل، ويبقى بحث مسألة وقف البذور. وقد اختلف العلماء في وقف البذور وما شابهها على قولين: القول الأول: جواز وقفها، وذلك بأن تقرض لمن يستفيد منها ممن لا بذر لهم ليزرعوه، ثم يؤخذ منهم بعد النضج قدر القرض ليقرض لغيرهم، وينزل البذر المتحصل من الزراعة منزلة البذر الموقوف، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢). دليله: أن البذور مما يحكم لها بالبقاء والاستمرار، بتنزيل بقاء المثل منزلة العين، ورد البدل الجائز، كما في حالة الاستبدال عند تعطل الوقف أو ضعف موارده.

стр. 408

القول الثاني: عدم جواز وقف البذور، وهو مذهب الجمهور، وهو قول متقدمي الحنفية (١)، وقول عند المالكية (٢)، وهو مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤). دليله: أن من شرط الوقف الدوام؛ بتحبيس أصله وتسبيل منفعته، وهذه لا يُنتفع بها إلا بإتلاف عينها، وذلك ينافي التأبيد. ثانيًا: حكم وقف الطعام الذي ليس له بدل: اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: عدم جواز وقف الطعام، وهو مذهب جماهير العلماء، فهو مذهب الحنفية (٥)، وقول عند المالكية (٦)، ومذهب الشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، والإمامية (٩)، والزيدية (١٠)، ومقتضى مذهب الظاهرية؛ إذ سبق نقل قول أبي محمد بن حزم فيما يجوز وقفه، والطعام ليس منها (١١). قال ابن الهمام الحنفي: "وأما وقف ما لا ينتفع به إلا بالإتلاف - كالذهب والفضة والمأكول والمشروب - فغير جائز في قول عامة الفقهاء" (١٢). وقال القرافي المالكي: "ويمتنع وقف الطعام؛ لأن منفعته في استهلاكه، وشأن الوقف بقاء العين" (١٣).

стр. 409

وقال الماوردي الشافعي في بيان ما يجوز وقفه: "وقولنا: (مع بقائها المتصل) احتراز من الطعام، فإنه يُنتفع به، ولكنه سلف بالانتفاع" (١)؛ أي أن رده يكون من باب رد السلف وليس الوقف، وورد في المنهاج للنووي الشافعي في بيان شروط الموقوف: "والموقوف دوام الانتفاع به، لا مطعوم وريحان" (٢). وقال الخرقي الحنبلي: "وما لا ينتفع به إلا بالإتلاف - مثل الذهب والورق والمأكول والمشروب - فوقفه غير جائز" (٣). وقال الكركي من الإمامية: "ولا وقف الطعام واللحم والشمع؛ لأن منفعة هذه المطلوبة منها عرفا إنما تكون بإتلافها ... وكذا كل ما لا يُنتفع به إلا بإتلافه لا يصح وقفه" (٤). وقال أحمد بن يحيى من الزيدية: "ولا يوقف ما يتعذر الانتفاع به مع بقائه؛ لتعذر معنى الوقف فيه" (٥). وجاء في فتاوى الخليلي لدى الإباضية: عن ضابط ما يجوز وقفه: "هو كل مال متملك فيه منفعة، بحيث تبقى عينه وينتفع بمنفعته، فما كان له ريع فإنه يوقف لأجل أن يكون ريعه ملكًا للجهة الموقوف لها، بينما العين تبقي غير متملكة لأحد بعد أن خرجت عن ملكية صاحبها الواقف وصارت وقفًا، فلا تباع ولا تشترى ولا توهب ولا ترهن ولا يتصرف فيها أي تصرف" (٦).

стр. 410

القول الثاني: جواز الوقف وصحته، وهو قول عند الحنفية (١)، وهو مذهب المالكية (٢)، وبه قال الأوزاعي من فقهاء السلف (٣)، واختاره ابن تيمية من الحنابلة (٤). قال ابن الهمام الحنفي: "وعن الأنصاري - وكان من أصحاب زفر - فيمن وقف الدراهم أو الطعام أو ما يُكال أو ما يوزن أيجوز ذلك؟ قال: نعم، قيل: وكيف؟ قال: يدفع الدراهم مضاربة، ثم يتصدق بها في الوجه الذي وقف عليه، وما يكال وما يوزن يباع ويدفع ثمنه مضاربة أو بضاعة" (٥). قال خليل من المالكية؛ تعقيبًا على قول ابن الحاجب المالكي: "ولا يصح وقف الطعام": "نحوه في الجواهر، وعلله بأن منفعته لا تكون إلا باستهلاك عينه، وإنما يكون الوقف مع بقاء الذوات لينتفع بها مع بقاء عينها، وفيه نظر" ... إلى أن قال: وفي المدونة في كتاب الزكاة جواز وقف الدراهم والدنانير لتسلف، وقد ذكره المصنف، فالطعام ينبغي أن يكون كذلك" (٦). دليله: القياس على صحة وقف الماء، وهو مما لا ينتفع به إلا بإتلاف عينه، ويشهد له وقف عثمان بن عفان ﵁ بئر رومة، وقد جرى عمل المسلمين على وقف العيون والآبار للشرب، فكذلك الطعام. ووقف الطعام ليس المقصود منه وقف عينه؛ إذ لو كان كذلك لتعين منعه؛ لأنه تحجير من غير منفعة تعود على أحد، وذلك مما يؤدي إلى فساد الطعام، المؤدي إلى إضاعة المال.

стр. 411

المبحث الخامس اشتراط تعيين الموقوف المقصود بالتعيين هنا تشخيص الموقوف بتعيينه تعيينًا يرفع النزاع والخصام، ولا يترك مجالًا للإبهام، فالموقوف هنا ضمن أملاك معلومة محددة غير مجهولة. أولًا: وقف العقار المعين من غير تحديد: إذا وقف شخص عقارًا معينًا ولم يبين حدوده؛ فوقفه صحيح، باتفاق فقهاء المذاهب الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة (١)، وهو قول للإباضية (٢) إذا كان الموقوف مشهورًا متميزًا بحيث يؤمن أن يلتبس بغيره. ويدل لهذا ما يأتي: ١ - ما روى أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحب ماله إليه بيرحاء، مستقبلة المسجد، وكان النبي ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٣)؛ قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله، إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها حيث أمرك الله، فقال: "بخ، ذلك مال رابح" (٤). وجه الدلالة: أن أبا طلحة ﵁ لم يبين حدود أرضية التي تصدق بها لشهرتها، وأقرَّ النبي ﷺ صدقته، وقبلها منه، وقد ترجم البخاري على هذا الحديث: "باب إذا وقف أرضًا ولم يبين الحدود فهو جائز، وكذلك الصدقة" (٥)، قال ابن حجر: "كذا أطلق الجواز، وهو محمول على ما إذا كان الموقوف أو المتصدق به مشهورًا متميزًا بحيث يؤمّن أن يلتبس بغيره، وإلا فلا بدَّ من التحديد اتفاقًا" (٦).

стр. 412

٢ - وقف عمر بن الخطاب ﵁ لـ"ثمغ" وسهامة التي بخيبر من غير ذكر لحدودها؛ لتميُّزها وشهرتها، كما جاء في كتابه ﵁: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به عبد الله أمير المؤمنين إن حدث به حدث أن ثمغًا، وصرمة بن الأكوع، والعبد الذي فيه، والمائة سهم التي بخيبر، ورقيقه الذي فيه، والمائة سهم التي أطعمة محمد ﷺ بالوادي .. تليه حفصة ما عاشت، ثم يليه ذو الرأي من أهلها، ألا يُباع ولا يُشترى" (١). ٣ - أن العقار المعين مال متقوم، مملوك لصاحبه، يحصل بوقفه فائدة، وتعيينه يرفع الجهالة المفضية إلى النزاع، والمانعة من تسليمه وانتفاع الموقوف عليهم به، وأما التحديد فلأجل الإشهاد عليه والحكم به، فإذا قال الشهود: إنه وقف أرضه التي بجهة كذا ولم يحددها لنا، فغاية ما في الأمر أن يُطلب شهود غيرهم للشهادة بحدودها، وبيانها بيانًا كافيًا (٢). ثانيًا: وقف العقار المبهم: فإذا كان الشخص أكثر من عقار معلوم، فوقف واحدًا منها ولم يعينه، كأن يقول: إحدى دارَيْ التي بمكة وقف لله تعالى، فأبهم ولم يعين المراد وقفها، هل يصح وقفه؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: عدم الجواز، وهو مذهب الحنفية (٣)، والصحيح من مذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وقول عند الزيدية (٦)، والإمامية (٧)، وبه قال الإباضية (٨).

стр. 413

الأدلة: استدلوا بما يأتي: ١ - قالوا: لأن الوقف نقل ملك على وجه الصدقة؛ فلم يصح في غير معين كالهبة (١). ٢ - القياس على البيع، قالوا: فكما لا يصح بيع العين مبهمة كذلك لا يصح وقفها (٢). القول الثاني: صحة وقف المبهم من أحد شيئين معينين، ويُعيّن الموقوف بالقرعة، وبه قال المالكية (٣)، وهو وجه في مذهب الشافعية (٤)، واحتمال عند الحنابلة (٥)، وهو مذهب الإمامية، اختاره صاحب جواهر الكلام (٦)، وقول عند الزيدية اختاره الإمام يحيى (٧). الأدلة: استدلوا بما يأتي: ١ - قول الله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ (٨)، ووجه الدلالة: أن الآية صريحة في جواز إنكاح المبهمة من معينات، وهذا جائز في الفروج وهي أعظم، ومبناه على المعاوضة، فجاز في الوقف؛ لأنه تبرع. ٢ - القياس على العتق، فلو قال: أحد عبدَيْ هذين حر؛ صح (٩). ٣ - القياس على صحة وقف المشاع المنافي لدعوى التشخيص (١٠). ٤ - ولتحقق الحبس والتسبيل فعلًا في أحدهما؛ كالوصية به لشخص، والجهل بعينه (١١).

стр. 414

المبحث السادس اشتراط أن يكون الموقوف معلومًا وهو المُعبّر عنه في بعض الكتب بوقف المجهول، والجهل ضد العلم، والمراد هنا العلم بالمال الموقوف صفة وذاتًا، علمًا يرفع الجهالة. وقد يلتبس هذا الشرط مع الشرط الذي سبق؛ وهو شرط التعيين، وبينهما اختلاف واضح. فالمراد بالتعيين ما يرفع الإبهام، والمراد بالعلم ما يرفع الجهالة. والتعيين يكون من بين أعيان معلومة، بينما المجهول غير معلوم العين أو الوصف أصلًا. وقد اختلف الفقهاء فيما إذا وقف المرء من ماله شيئًا مجهولًا، كأن يقف شيئًا من أرضه ولم يبينه، أو يقف دارًا من دوره من غير تعيين على قولين: القول الأول: عدم صحة وقف المجهول، وبه قال الحنفية (١)، وهو الصحيح من مذهب الشافعية (٢)، وهو المذهب عند الحنابلة (٣)، والإمامية (٤). الأدلة: استدلوا بالأدلة الآتية: ١ - " أن الوقف تمليك للعين أو للمنفعة؛ فلم يصح في غير معين؛ كالإجارة" (٥). ٢ - "أن الوقف نقل للملك على وجه القرية، فلم يصح في غير معين؛ كالهبة" (٦). ٣ - أن الجهالة تمنع من تسليم الموقوف، ولا يمكن الانتفاع به دون تسليمه، وما لا ينتفع به لا يصح وقفه (٧).

стр. 415

القول الثاني: صحة وقف المجهول، وبه قال المالكية (١)، وهو وجه في مذهب الشافعية (٢)، واحتمال في مذهب الحنابلة (٣)، وقول عند الزيدية (٤)، وهو الذي يظهر من مذهب الإباضية؛ ذلك أنهم يجيزون الوصية بالمجهول، والوقف عندهم يأخذ جلَّ أحكام الوصية (٥). الأدلة: استدل من قال بصحة وقف المجهول بما يأتي: ١ - القياس على العتق (٦)، فكما أنه لو أعتق أحد عبديه صح؛ فكذلك لو وقف إحدى داريه. ٢ - القياس على الهبة؛ لأن الوقف تبرع؛ فيصح بالمجهول؛ كالهبة (٧).

стр. 416

المبحث السابع وقف الأسهم أولًا: تعريف الأسهم: أ) لغة: الأسهم جمع سهم، ويجمع أيضًا على سهام وسُهمان، ومعانيه في اللغة كثيرة، تبدأ من المعنى الحسي له؛ وهو: العود الذي في طرفه نصل، يُرمى به عن القوس، وتمتد إلى: الحظ، والنصيب، والأقرب إلى ما نحن فيه المعنى الأخير. فالسهم والسُّهمة: النصيب، يُقال: أسهم الرجلان إذا اقترعا، والنصيب أن يفوز كل واحد منهما بما يصيبه، فسمِّي السهم به، فيُقال: سهمه كذا؛ يعني: نصيبه (١). ب) اصطلاحًا: أما في اصطلاح الاقتصاديين؛ فهو يُطلق على الصك أو الوثيقة، وقد يُطلق على النصيب، وقد كثرت تعريفات الأسهم واختلفت باختلاف المدرسة التي ينتمي إليها صاحب التعريف، وليس هذا موضع بيان ذلك، غير أن الذي يهمنا هنا هو ذكر بعض التعريفات التي تقرب المراد، دون تتبع للاعتراضات التي ترد عليها، وجرت عادة المعاصرين ذكر التعريف بالرسم دون الحد. ومما قيل في تعريفه: بالمعنى الأول: أن "السهم صك يمثل نصيبًا عينيًّا أو نقديًّا في رأس مال الشركة، قابل للتداول، يعطي مالكه حقوقًا خاصة" (٢). وعُرِّف أيضًا بأنه: "عبارة عن صكوك متساوية القيمة غير قابلة للتجزئة، وقابلة للتداول بالطرق التجارية، وتمثل حقوق المساهمين في الشركات التي أسهموا في

стр. 417

رأس مالها" (١) وبالمعنى الثاني قالوا: "السهم هو نصيب المساهم في شركة من شركات الأموال" (٢). وعليه؛ فالسهم يُطلق باعتبارين؛ الأول: نصيب معين للمساهم في رأس مال الشركة، الثاني: الصك الذي يُثبت هذا الحق (٣). وشراء الناس للأسهم يكون لهدفين؛ أحدهما: بهدف التملك في أصول الشركة، والثاني: المتاجرة في الأسهم. ثانيًا: حكم وقف الأسهم: ومن هنا فالحكم على مسألة وقف الأسهم يتوقف على معرفة مقصد الواقف، فهو لا يخلو إما: ١ - أن يوقف أسهمه المملوكة له في الشركة. ٢ - أو يوقف أسهمه التي يتاجر فيها بيعًا وشراءً طلبًا للريح؛ إذ يشتري عند انخفاض الأسعار، ويتربَّص بها ارتفاع قيمتها ليبيع. فكأن الأول وقف عين السهم، والآخر وقف قيمة السهم. وتتمثل الفروق بين هذين النوعين من الأسهم في الآتي: ١. أن غرض الأول التملك في أصل الشركة، وغرض الثاني تداول أسهمها. ٢. أن ربح الأول مما توزعه الشركة من أرباح على المساهمين، وربح الثاني من فوارق الأسعار بين سعري الشراء والبيع. ٣. أن الزكاة على الأول في الربح، وليس في أصل السهم، بينما الزكاة على الثاني في قيمة سهمة السوقية يوم الزكاة.

стр. 418

٤. أن أسهم الأول جزء من أصول الشركة حقيقة، وأسهم الثاني عروض تجارة (١). وتأسيسًا على ما سبق؛ فهل يخرج حكم وقف الأسهم على وقف النقود أو وقف المشاع؟ أ) الحالة الأولى: إذا كان غرضه من الشراء التملك والمشاركة في أصول الشركة والاستفادة من أرباحها ووقفها على هذا الأساس؛ فتخريجها على وقف المشاع أقرب (٢). وتخريجًا على ما سبق من خلاف العلماء في وقف المشاع، يكون الخلاف في وقف أسهم التملك على قولين: القول الأول: جواز وقفها، وهو قول جماهير أهل العلم، الذين يرون جواز وقف المشاع مطلقًا، والذين يرون جواز الوقف فيما لا يقبل القسمة؛ ذلك أن الأسهم لا تقبل القسمة بطبيعتها، بقوة التشريعات المنظمة لعمل شركات الأسهم، فليس لمالك الأسهم طلب قسمة الشركة، وإنما له الإبقاء على أسهمه أو بيعها. ويذهب الإمامية إلى أن المهم في الشركة التي تبيعه الشركة للأفراد إذا كان بمعنى أن صاحب السهم؛ يعتبر شريكًا مع بقية ملّاك الأسهم، وحينئذٍ ستكون الشركة ملكًا للأفراد وفق حصصهم؛ سواء كانت للشركة شخصية معنوية أكبر قيمة من الأموال الحقيقية التي جُعلت من قبل الشركاء في الشركة أم لا؛ فيجوز وقفه؛ وذلك لأن وقف السهم من قبل صاحبه يكون عبارة عن وقف الحصة المشاعة المملوكة

стр. 419

لصاحب السهم، أو وقف ماليّة سهمه المعيّن في الشركة على نحو الإشاعة، بشرط أن تتعامل الشركة بالحلال؛ حيث إن الوقف أكثره قرية إلى الله تعالى فيجب أن يكون ريحه حلالًا. والإمامية أجازوا وقف المشاع، كما أجاز بعض فقهاء الإمامية وقف المالية للعين (١)، فذكر صاحب الشرائع: "ويصح وقف المشاع وقبضه كقبضه في البيع" (٢)، وقال صاحب الجواهر: "بلا خلاف أجده فيه عندنا، بل الإجماع بقسميه عليه، بل نصوص التصدّق به مستفيضة أو متواترة، فيدخل فيه الوقف، أو يراد منه، بل في الغنية أنه مورد قوله لعمر بن الخطاب: (حبّس الأصل وسبّل الثمرة) في سهمه من خيبر، وهو سهم مشاع؛ لأنه لم يقسّم خيبر، بل عدّلَ السهام ... ولأن قبضه (قبض المشاع) كقبضة قبض المشاع في البيع، كما هو واضح" (٣). وإذا كان السهم الذي يراد وقفه بمعنى أن يكون صاحب السهم دائنًا للشركة، والشركة لا ربط لها بصاحب السهم الدائن، بل الشركة لها شخصية حقوقية أو حقيقية مقابل أصحاب السهام، فالشركة تملك وتبيع وتشتري وتقرض وتهب وما إلى ذلك، فهي خارجة عن ملك أصحاب السهام لذمتها، ولم يعترف مشهورهم بالشخصية الحقوقية (المعنوية) للشركة رغم معقولية الشخصية الحقوقية إلا أنّ إشكالهم يكمن في عدم الدليل على إمضاء الشارع هذا الشيء المعقول، فإن العرف العقلائي المعترف اليوم بهذه الشخصية الحقوقية وتصوّر أحكام لها من ملك وذمّة لم يوجد تخريج فقهي صحيح على إمضائها من قبل الشارع عند أكثر علماء الإمامية، رغم وجود ما يشبه ذلك في فقهنا الإسلامي كملكية منصب الدولة، أو ملكية بيت مال المسلمين، أو ملكية بيت مال الزكاة وملكية الكعبة، وأمثال هذه الأمور، وهناك من اعترف بالشخصية الحقوقية (المعنوية، الاعتبارية) إلّا أنهم لم يمثلوا المشهور والأغلبية.

стр. 420

وحتّى إذا صار مشهور الإمامية معترفًا بالشخصية الحقوقية ووجد دليل عليها إلا أن الأشكال في صحة وقف السهم الذي هو كليّ في ذمة الشركة، فإنّ هذا السهم لا يمثّل ملكًا مشاعًا في عين خارجية، ولا يمثّل وقف ماليّة عين خارجية بحيث يمكن أن تبدّل إلى شيء آخر أو يمكن أن تقرض ويرجع بدلها ليقرض مرّة ثانية، بل هو عبارة عن وقف ما في الذمّة. ووقف ما في الذمة أمر مرفوض عند الإمامية، وذلك لعدم صحة وقف ما هو في الذمّة الذي هو أمر كليّ وليس عينا خارجية، فالدليل قد دلّ على صحة وقف الأعيان الخارجية "سواء كانت مشاعة أو معيّنة في الخارج" لقول رسول الله: "حبّس العين وسبّل الثمرة". القول الثاني: عدم جواز وقفها؛ لأنها لا تقبل القسمة (١). وسبق أن سبب منع هؤلاء لوقف المشاع الذي لا يقبل القسمة هو دفع الضرر عن الشريك فيما لو رغب في البيع أو المناقلة أو عمارة ملكه، وهذا غير وارد في الأسهم، إذ يمكنه التخلص منها متى رغب في ذلك، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما، فتكون المسألة متفقا على جوازها. ب) الحالة الثانية: إذا كان الواقف ممن يمتهن التداول في الأسهم بيعا وشراءً طلبا للربح لا غير، ووقف أسهمه على هذا الأساس، فالأقرب أن تخرج على وقف النقود (٢)، لسهولة تسييل الأسهم، ولأن غرض الواقف هو تثمير نقوده، والأسهم عنده عرض من العروض. ولا يخفى أن النقود التي تكلم عنها الفقهاء قديمًا غير النقود المعروفة لدينا اليوم، فهي قديمًا من الذهب والفضة المصكوكة غالبا، وهي الدراهم والدنانير؛ ولذا خرّج الشافعية والحنابلة حكم وقفها على حكم كرائها وإجارتها، ولعل ذلك كان معمولا به عندهم. أما اليوم فلا يتصور تأجير النقود المتداولة بين الناس، بل لا يتصوره الناس أصلًا.

стр. 421

ج) ثمرة الخلاف بين الحالتين: إن في الحالة الأولى، وهي حالة اقتناء الأسهم بغرض التملك في أصول الشركة، لا يُجوّز بيع الأسهم الموقوفة ما دامت تدر ريعا والشركة قائمة وإن قلت أرباحها أو انخفضت قيمة أسهمها في السوق؛ لأن منافع العين لم تتعطل كلية، ولم يصبح الموقوف خربًا لا ينتفع به في شيء، وهذا مذهب جماهير العلماء قديمًا وحديثا في منع بيع الموقوف أو استبداله ما دامت منافعه قائمة. ولكن متى بعد الوقف في هذه الحالة خربًا أو تعطلت منافعه حتى يجوز بيعه واستبداله؟ ذكر بعض الباحثين أن المعيار في ذلك هو انخفاض القيمة السوقية عن القيمة الاسمية إذا تعذر تعويض الخسائر، "وتجدر الإشارة هنا إلى أنه ما دام هناك ارتفاع قيمة الأسهم الاسمية عن قيمتها السوقية فالوقف يعتبر عامرًا، لكن إذا كان هناك انخفاض القيمة السوقية عن القيمة الاسمية ولا يكون هناك إمكان تعويض الخسائر، فيمكننا أن نعتبر الوقف حينئذ خربًا؛ لكونه تعطلت منافعه ولا يدر أي ريع ليصرف إلى المستحقين" (١). ولا يخفى أن هذا الضابط ينتقض بما إذا كان شراء الأسهم بأكثر من قيمتها الاسمية. والضابط في ذلك أنه ما دامت الشركة توزع أرباحًا فلا يعد الوقف خربًا ولا تعطلت منافعه، ولكن قد يقل الريع ولا يفي بحاجات الموقوف عليهم، فعلى الناظر هنا استشارة أهل الخبرة العدول في استبدال الوقف، ولعل مما يساعد على اتخاذ موقف سليم مراعاة المؤشرات الآتية: ١. توقف الشركة عن توزيع الأرباح أو ما هو في حكمه. ٢. تراكم الديون والعجز المستمر في الميزانية. ٣. تراجع المركز المالي للشركة وتدني سمعتها.

стр. 422

فإذا وجدت المؤشرات السابقة وأشار أهل الخبرة الموثوقون يبيع أسهم الشركة جاز استبدال أسهمها بأسهم أخرى. أما في الحالة الثانية: إذا كان شراء الأسهم بغرض التجارة فيها وتداولها، فيجوز بيع الأسهم الموقوفة حسب الأصول المرعية في التداول، طلبا لزيادة الأرباح، أو حدًّا للخسائر، على أن يوزع الريع على المصارف ويشترى بأصل المال أسهم أخرى. ولا يخرج هذا على حكم استبدال الأعيان الموقوفة؛ لأن الموقوف هنا حقيقة نقود يتجر فيها ناظر الوقف، فله البيع والشراء كلما أتيحت فرصة زيادة الأرباح وتكثير الغلة، أو للتقليل من الخسائر بسبب انخفاض قيمة السهم. فالمسألة هنا أقرب إلى استثمار أموال الوقف في الأسهم من وقف الأسهم ذاتها.

стр. 423

المبحث الثامن وقف الصكوك والسندات أولًا: تعريف الصكوك: أ) الصك في اللغة: الضرب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ (١)؛ أي ضربته، والصك: الكتاب، والجمع: أَصُك، وصكاك، وصكوك (٢). ب) الصكوك في الاصطلاح (٣): معرفة حقيقة الصكوك يتوقف على معرفة ماهية التصكيك أو التوريق أو التسنيد، وهو ما يعرف عند الاقتصاديين والماليين بـ " Securitization"، ويراد بذلك تحويل الموجودات من الأصول والعقود والديون إلى أدوات مالية متداولة. هذا في المصرفية التقليدية. وتوضيح ذلك في الصكوك الإسلامية يكون بتقسيم ملكية الأعيان المؤجرة أو منافعها، أو موجودات المشروعات القائمة، أو رأس مال المضارية أو المشاركة ونحو ذلك إلى صكوك متساوية القيمة قابلة للتداول، بحيث يكون مالك الصك مالكا للحصة التي يمثلها هذا الصك في هذه الأعيان المالية، أو الحصة في رأس مال المشروع الذي يقام بقيمة هذه الصكوك. فتعريف الصكوك هو: "وثائق متساوية القيمة تمثل حصصًا شائعة في ملكية أعيان أو منافع أو خدمات، أو في موجودات مشروع معين، أو نشاط استثماري خاص، وذلك بعد تحصيل قيمة الصكوك، وقفل باب الاكتتاب، وبدء استخدامها فيما أصدرت من أجله". وقيل: "أوراق مالية محددة المدة، تمثل حصصا شائعة في ملكية أعيان أو منافع أو خدمات تخوِّل مالكها منافع، وتحمله مسؤوليات بمقدار ملكيته".

стр. 424

وتعريف السندات هو: صكوك متساوية القيمة عند إصدارها ولا تقبل التجزئة، يمكن تداولها بالطرق التجارية، تمثل قرضا في ذمة مصدرها، وتستحق الوفاء في الميعاد المحدد مع استحقاق مالكها للفوائد المحددة. ثانيا: أوجه الاتفاق والاختلاف بين الصكوك والسندات: أ) أوجه الاتفاق بين الصكوك والسندات (١): ١. كلاهما أوراق مالية متداولة غرضهما الأساس هو التمويل. ٢. أن بهما يمكن تنفيذ كثير من الوظائف الاقتصادية، كالتحكم في حجم السيولة النقدية، وتمويل المشاريع المختلفة. ٣. تصنف الصكوك والسندات بأنها أوراق مالية ذات مخاطر متدنية. ب) أوجه الاختلاف بين الصكوك والسندات (٢): ١. أهم الفروق أن السندات ورقة مالية محرمة، والصكوك ورقة مالية مباحة مهيكلة على عقود شرعية. ٢. الصك يمثل حصة شائعة في العين أو المنفعة المصككة، والسند يمثل قرضا في ذمة مصدره. ٣. أن عوائد الصكوك ليست التزاما في ذمة المصدر، بل هي قابلة للتحقق وعدمه، بخلاف عوائد السندات فهي ثابتة في ذمة المصدر يلزمه الوفاء بها في مواعيد استحقاقها، فعائد السند التقليدي زيادة في قرض، وهو من الربا المحرم.

стр. 425

ثالثًا: أوجه الاختلاف بين الأسهم والصكوك: ١. أن الصكوك - بشكل عام - ورقة مالية قليلة المخاطر، بينما الأسهم ذات مخاطر عالية. ٢. أن الصكوك في أغلب هياكلها أداة تمويل خارج الميزانية، بينما الأسهم حصة مشاعة في رأس مال الشركة. ٣. أن حامل الصك ممول للشركة المصدرة، وأما مالك السهم فهو شريك ومالك الحصة مشاعة في رأس مال الشركة. ٤. أن الصكوك في الأعم الأغلب مؤقتة لها تاريخ استحقاق "إطفاء"، بينما الأسهم ورقة مالية غير مؤقتة. رابعًا: أنواع الصكوك: لما كان الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ناسب ذكر أنواع الصكوك المباحة. ١ - صكوك المضاربة: هي "عبارة عن أداة استثمارية تقوم على تجزئة رأس مال المضاربة، وذلك بإصدار صكوك ملكية برأس مال المضاربة على أساس وحدات متساوية القيمة ومسجلة بأسماء أصحابها باعتبارهم يملكون حصصًا شائعة في رأس مال المضاربة، وما يتحول إليه بنسبة ملكية كل منهم فيه" (١)؛ وهي نوعان: - صكوك المضاربة المطلقة. - صكوك المضاربة المقيدة. ٢ - صكوك الإجارة: هي "عبارة عن وثائق متساوية القيمة تمثل حصة شائعة في ملكية أعيان أو منافع أو خدمات في مشروع استثماري يدر دخلًا، والغرض منها تحويل الأعيان والمنافع والخدمات التي يتعلق بها عقد الإجارة إلى أوراق مالية صكوك قابلة للتداول في الأسواق الثانوية" (٢)؛ وهي أنواع:
следующие страницы →