← Фикх общий

Фикх общий · id 308

مدونة أحكام الوقف الفقهية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ولعل من أشهر الأوقاف التي عرفتها القاهرة في العصور الوسطى "البيمارستان الكبير المنصوري" أو "دار الشفاء"، أو "مارستان قلاوون" الذي ابتناه السلطان "قلاوون" في عام ٦٨٣ هـ/ ١٢٨٤ م، وقد نصت وقفية البيمارستان على توفير العلاج والطعام والمراوح المصنوعة من الخوص؛ لتخفيف حدة الحر عن المرضى، وأن يصرف للمريض عند خروجه من البيمارستان مبلغًا من المال، فضلًا عن تحمل نفقات تكفين من يموت في البيمارستان ودفنه (١)، وقد أثنى الرحالة ابن بطوطة على هذا البيمارستان بقوله: "وأما المارستان الذي بين القصرين عند تربة الملك المنصور قلاوون؛ فيعجز الواصف عن محاسنه، وقد أعمد فيه من المرافق والأدوية ما لا يحصى، ويذكر أن مجباه ألف دينار كل يوم" (٢)، وقد وقف الملك "المنصور" عليه كثيرًا من الأملاك والحمامات والفنادق والأحكار والضياع في مصر والشام، كانت تغل ما يقارب مليون درهم في كل سنة، ورتب مصاريف المارستان، والقبة والمدرسة، ومكتب الأيتام، وجاء في نص وقف هذا المجمع الصحي الاجتماعي الثقافي: أنه على الملك والمملوك والكبير والصغير والحر والعبد والذكر والأنثى، وجعل لمن يخرج منه من المرضى عند برئه كسوة، ومن مات جهزه وكفنه ودفنه، وكان في هذا البيمارستان كل التخصصات الطبية، ورتب الفراشين والفراشات، والقومة لخدمة المرضى وإصلاح أماكنهم وتنظيفها وغسل ثيابهم وخدمتهم في الحمام، وجهزت الأسرة والفرش لكل مريض، وأفرد لكل طائفة من المرضى أمكنة تختص بهم، وأفردت أماكن لطبخ الطعام والأشربة والأدوية والمعالجة وتركيب الأكحال، ورتب فيه مكان يجلس فيه رئيس الأطباء لإلقاء الدروس على طلبة الطب، وكان لا يتولى الإشراف على هذا البيمارستان إلا الوزراء ومن في معناهم، وكان السلطان المملوكي يصدر بنفسه مراسيم تعيين المدرسين في البيمارستان، وكانت كل الخدمات العلاجية تقدَّم مجانًا (٣).

стр. 72

ويسجل التاريخ المملوكي زيادة ملحوظة في عدد المدارس الوقفية بمختلف تخصصاتها، فيذكر الرحالة ابن بطوطة أن عدد المدارس في مصر لا يمكن حصره لكثرتها (١)، ويذكر المقريزي أنه كان في مصر في العصر المملوكي (٧٥) مدرسة (٢)، وكان في القدس (٤٠) مدرسة وقفية (٣)، وفي دمشق عشرات المدارس، وهكذا في كل المدن الرئيسة في الشام، ومصر، واليمن، والحجاز، وسوف نذكر نماذج من تلك المدارس في بعض المدن لتكتمل الصورة عن حركة الوقف في هذا المجال الحيوي. فقد كان في القدس وحدها - على سبيل المثال - أربعون مدرسة وقفية في العصر المملوكي، ولعل المدرسة الأشرفية التي تقع في رواق بيت المقدس الغربي، والتي وقفها السلطان المملوكي "الأشرف قايتباي" .. من أغنى المدارس أوقافًا، فقد كانت أوقافها تتألف من ٢٨ قرية، منها ٢٢ قرية تابعة لغزة، و ١٤ مزرعة وقطعة أرض، وبساتين وحمام، ودكاكين، ومعصرة، وخان، وفرن بغزة، وقد بلغ عدد العقارات الموقوفة على هذه المدرسة ٥٢ عقارًا (٤)، وكانت تدفع للطالب ٤٥ درهمًا شهريًا، ولناظر المدرسة ٦٠٠ درهم شهريًا، وكان شيخها يتقاضى ٥١٠ درهمًا شهريًا (٥). وتُشير المصادر إلى "المدرسة الظاهرية" في دمشق، التي وقفها "الظاهر بيبرس" عام ٦٦٢ هـ/ ١٢٦٤ م، ووقف عليها الأوقاف، وخصص لها مكتبة ضخمة تحتوي سائر العلوم، في حين تخصصت "المدرسة الدُّنَيسَريَّة "بالطب التي وقفها "عماد الدين الربيعي الدُّنَيسَريُّ" (٦٨٦ هـ/١٢٨٧ م)؛ الطبيب المشهور، والمدرسة الطبية الأخرى

стр. 73

هي "المدرسة اللبودية النجمية" التي أنشأها "نجم الدين اللبودي" (٦٧٠ هـ/ ١٢٧٢ م (١)، وقد حظيت "المدرسة التنكزية" التي وقفها الأمير المملوكي "سيف الدين تنكز" نائب الشام عام ٧٣٠ هـ/ ١٣٣٠ م بكثير من الأوقاف؛ منها: خان، وحمامان، وعدد كبير من الدكاكين، ودور مختلفة، وقرية عامرة تُدعى "عين قينية" قرب رام الله (٢)، وكانت المدرسة التنكزية" تدفع للفقيه المنتهي ٢٠ درهمًا شهريًا، ونصف رطل خبز يوميًا، وللفقيه المتوسط ١٥ درهمًا شهريًا، ونصف رطل خبز يوميًا، وللفقيه المبتدئ ١٠ دراهم شهريًا، ونصف رطل خبز يوميًا، ولطالب الحديث ٧ ونصف درهم فضة شهريًا، وثلث رطل زيت، وثلث رطل صابون شهريًا، وكان راتب المدرس ٦٠ درهمًا فضيا شهريًا وثلثا رطل خبز يوميا، وراتب شيخ المحدثين ٤٠ درهمًا، ورطل من الخبز يوميا، وراتب شيخ الصوفية ٦٠ درهما شهريًا، وثلث رطل زيتون، وثلث رطل صابون، ورطل من الخبز يوميًا (٣). أما "المدرسة الباسطية" المخصصة للأيتام في القدس؛ فكان اليتيم يتقاضي في عام ٨٣٤ هـ / ١٩٣١ م (١٥) درهمًا شهريًا، وكان يعطى في عيد الفطر (٣٠) درهمًا بدل كسوة، وكانت المدرسة الحسنية تدفع للطالب (١٠) دراهم شهريًا وربع رطل خبز في كل يوم (٤). وتميزت مدينة دمشق بكثرة مدارسها، فقد كان فيها سبع دور للقرآن الكريم، منها "دار القرآن الخَيُضَريّة" (٨٨٧ هـ /١٤٨٢ م)، التي أنشأها قاضي القضاة محمد الخَيضَريِّ ووقف عليها أوقافًا كثيرة، و "دار القرآن الجزرية"، التي وقفها شمس الدين الجزري (٧٥١ - ٨٣٣ هـ/ ١٣٥٠ - ١٤٣٠ م)، و "دار القرآن السنجارية" (٧٣٥ هـ / ١٣٣٥ م)، و"الصابونية" التي أنشأها شهاب الدين الصابوني (٨٣٣ هـ/ ١٤٣٠ م)، وقد شرط

стр. 74

الواقف فيها قراءة البخاري كل ثلاثة أشهر، وبنى مكتبة لعشرة أيتام مع شيخ يدرسهم (١)، و "دار الحديث البهائية" (٧٢٣ هـ/١٣٢٣ م)، و "دار الحديث الحمصية" (٧٤٢ هـ/١٣٦٢ م) .. وغيرها (٢)، وكانت هناك ثلاث مدارس جمعت بين القرآن والحديث؛ وهي: دار القرآن والحديث الصبانية (٧٣٨ هـ/ ١٣٣٨ م)، ودار الحديث المعبدية (٧٤٦ هـ/ ١٣٤٥ م)، ودار القرآن والحديث التنكزية (٧٤١ هـ/ ١٣٤١ م). وقد حرص الواقفون في العصر المملوكي على أن يلحقوا بكل مدرسة خزانة كتب، يشرف عليها خازن للكتب (أمين للمكتبة)، وقد حددت وثائق الوقف المملوكي مهمة أمين المكتبة بالتفصيل (٣)، ومن الجدير بالذكر أنه توافرت عدة عوامل أدت إلى ازدهار المكتبات في العصر المملوكي؛ منها: بذل السلاطين والأمراء الأموال لاقتناء الكتب، واشتداد التنافس بين العلماء في طلب العلم، وحرصهم على اقتناء الكتب، وتوجه المجتمع نحو الاعتناء بالكتب فنيًا؛ من حيث النسخ والتجليد والتذهيب والحفظ، والتباهي والتفاخر بذلك كمظهر اجتماعي يدل على الثراء والثقافة، وساعد على ذلك انتشار الأسواق المتخصصة بصناعة الكتاب، فضلًا عن وراثة المماليك للمكتبات الأيوبية الكثيرة والمتنوعة، ناهيك عن هجرة العلماء مع كتبهم من الأندلس، عندما بدأت المدن الأندلسية تتهاوى بأيدي الإسبان، إلى جانب هجرة علماء بغداد بعد نكبتها على يد التتار، فالمكتبة المملوكية كان لها الفضل بعد الله في حفظ تراث الأمة من الضياع، بعد أن أحرق التتار الكتب عند دخولهم بغداد عام ٦٥٦ هـ / ١٢٥٨ م؛ لذا لا غرابة أن نرى جلَّ المخطوطات من الكتب المحفوظة في دور الكتب المحلية والعالمية تعود للعصر المملوكي وقد تعددت المكتبات الموقوفة في العصر المملوكي، فوجدت مكتبات المساجد، ومكتبات المدارس، والمكتبات الخاصة، ومكتبات الزوايا والأربطة، فقد كان جلُّ المساجد ملحق بها مكتبة، فإذا علمنا بأن المساجد تعد بالآلاف أدركنا درجة الثقافة التي وصلت إليها الأمة آنذاك، يقول المقريزي: إن عدد المساجد التي يصلى بها

стр. 75

الجمعة في القاهرة لوحدها (١٣٠) مسجدًا (١)، ويقول خليل بن شاهين الظاهري (٨٧٣ هـ/١٤٦٨ م): إن بمصر والقاهرة داخل السور وخارجه ألف خطبة ونيف (٢)، ولعل من أشهر مكتبات المساجد مكتبات المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، ومسجد قبة الصخرة، والمسجد الأموي بدمشق، والأزهر الشريف، وغيرها، كما أن جلَّ البيمارستانات الكبرى كان ملحق بها مكتبات لخدمة العلماء وطلبة العلم. وقد انتشرت ظاهرة وقف الزوايا، والربط، والخانقاوات في العصر المملوكي، مع انتشار التصوف واتساع نطاقه في هذا العصر، حيث عدَّ المقريزي (٢٦) زاوية في القاهرة وحدها، وكانت هذه الزوايا عبارة عن دور علم وعبادة، ومكان إقامة للمتصوفة والفقراء والأيتام (٣)، كما زادت عدد الخانقاوات زيادة كبيرة، وارتبط اسم كثير منها بأسماء كبار شخصيات الدولة من السلاطين والأمراء، ويكفي أن يُشار إلى خانقاه سرياقوس" الذي أنشأه "الناصر محمد بن قلاوون" عام ٧٢٥ هـ/ ١٣٢٥ م؛ لنعرف ما وصلت إليه الخانقاوات في العصر المملوكي من الشمول في الخدمات والارتقاء في التنظيم، حتى ذُكر أنه بها مائة خلوة المائة صوفي، وبجانبها جامع تقام فيه الجمع، ومكان برسم ضيافة الواردين، وحمام ومطبخ .. وغير ذلك من المرافق المساعدة (٤). ويذكر للمرأة المملوكية بصماتها الواضحة في دفع عجلة الوقف بكل أنواعه، فقد قامت "تذكار باي خاتون" ابنة السلطان الظاهر بيبرس عام ٦٨٤ هـ/ ١٢٨٥ م بوقف "رباط البغدادية" الذي خصصته للنساء، حيث كانت تودع فيه النساء اللائي

стр. 76

طلقن أو هجرن من أزواجهم وليس لهن ولي حتى يتزوجن، وجعلت فيه شيخة تعظ النساء وتشرف على توجيههن، وبقي هذا الرباط يقوم بدوره الاجتماعي الراقي حتى القرن التاسع الهجري (١)، كما يذكر لفاطمة خاتون" حفيدة السلطان قانصوه الغوري: بناء المسجد الكبير في جنين، حيث عينت له إماما وخطيبًا حسن الصوت، وخصصت لهما راتبًا شهريًا (٢)، ويذكر لـ"خَوَند تَتَر" ابنة السلطان الملك الناصر محمد من قلاوون وقف "المدرسة الحجازية"، ومكتب السبيل بجوارها؛ حيث كان يتم فيه تدريس الأيتام المسلمين، ويُجرى عليهم في كل يوم من الخبز خمسة أرغفة لكل يتيم، ومبلغ من المال، فضلًا عن الكسوة في الصيف والشتاء (٣). وتؤكد الوثائق والمصادر التاريخية والآثار القائمة والمدرسة أن المماليك جعلوا من رفد الحرمين الشريفين بالأوقاف همهم الأول، فهناك على سبيل المثال (١٢٨) وثيقة وقفية تعود للعصر المملوكي محفوظة في دار الوثائق القومية ووزارة الأوقاف في مصر .. تنص على أوقاف على الحرمين الشريفين (٤)، ويعد السلطان المملوكي "الأشرف شعبان" من أشهر سلاطين المماليك الذين وقفوا أوقافًا ضخمة، شملت مصارف كثيرة، وصلت إلى توفير الإبر والخيوط للفقراء بمكة المكرمة، وقد ضمَّن أوقافه تلك في وثيقة الوقف التي كُتبت عام ٧٧٧ هـ/ ١٣٧٥ م، والتي يبلغ طولها (٤٠ مترًا)، وقد فصلت هذه الوثيقة تفصيلًا دقيقا لمواضع الأعيان الموقوفة، وطرق صرفها، وقد جاء من ضمن المصاريف ما خُصِّص نفقته على صائدي الهوام والحشرات في الحرم المكي، ونفقات كسوة وأكفان دفن الموتى، والإبر والخيوط للفقراء في مكة.

стр. 77

وتذكر المصادر أيضًا أن السلطان "الملك الصالح" ابن السلطان الملك الناصر قلاوون اشترى قريتين، وقفهما على عمل كسوة الكعبة الشريفة والحجرة النبوية، ولما ضعفت غلة هاتين القريتين قام السلطان العثماني "سليمان القانوني" في عام ٩٤٧/ ١٥٤٠ م بوقف قرى أخرى؛ ليصبح عددها عشر قرى موقوفة بالكامل على كسوة الكعبة والحجرة النبوية والمنبر النبوي، ولم تزل موقوفة على ذلك حتى حلَّ وقفها محمد علي باشا في أوائل القرن الثالث عشر الهجري (١). وهكذا استمر الاهتمام بالأوقاف وتنظيمها في العصر المملوكي، وبالذات في عهود كل من: الظاهر بيبرس، والسلطان حسام الدين لاجين، والسلطان الناصر بن محمد قلاوون، وابنه الناصر حسن، وكان لهذه السياسة أثر إيجابي في تنظيم الوقف وازدياد متحصلاته وشمول نفقه لشريحة كبيرة من طبقات المجتمع، كما يلاحظ أن الأوقاف في العصر المملوكي كانت تميل إلى العمل المؤسسي المتكامل، فكانت الأوقاف في هذا العصر تشتمل على عدة مرافق تهتم بالروح والجسد والعقل، كما يلاحظ ظهور حقول جديدة من الوقف لم تكن موجودة في العصور السابقة، ولكن على وجه الإجمال فإن الاهتمام بالثقافة، والمساجد والزوايا والربط، والحرمين الشريفين كان يمثل ظاهرة واضحة في هذا العصر، كما كان للمرأة لمساتها المبدعة في هذه الحقبة التاريخية؛ إذ انصب جهدها على تقديم خدمات وقفية مميزة ولخدمة المرأة، كما هو الحال في "رباط البغدادية"، وسيتضاعف هذا الإثمار والجهد وتزداد الأوقاف ازدهارًا في العصر العثماني؛ حيث تظهر إبداعات جديدة في الحقل الوقفي، الذي يمثِّل معلمًا من معالم رقي الحس الإنساني والاجتماعي للأمة الإسلامية.

стр. 78

المبحث التاسع الأوقاف في الدولة العثمانية (٦٨٧ - ١٣٤٣ هـ / ١٢٨٨ - ١٩٢٤ م) وصلت الأوقاف في الدولة العثمانية قمة ازدهارها؛ من حيث التنظيم والإدارة، وسعة الانتشار، وظهور أنواع جديدة من الوقف لم تكن معروفة في العصور الماضية؛ مثل وقف النقود، كما شهد هذا العصر ميلاد عديد من المجمعات الوقفية الكبرى، والتي كانت نواتها في العصر المملوكي، خصوصًا في الحرمين الشريفين والقدس الشريف، كما شهد هذا العصر ميلاد خط سكة حديد الحجاز؛ الذي يعد أكبر مشروع وقفي يخدم الطرق في تاريخنا الإسلامي، كما حرصت الدولة العثمانية على دعم حركة التعليم بوقف الأوقاف على المدارس في مختلف أرجاء الدولة، وحرصت كذلك على تتبع حاجات المجتمع والدولة وسدِّها، من خلال أوقاف لإطعام الفقراء، والعجزة، وخدمة المسافرين، ورصف الطرق، وتجهيز الفتيات الفقيرات للزواج، وسد ديون المعسرين، والإنفاق على السجناء، وبناء المستشفيات، والمساجد، والزوايا، والأربطة، وتأمين حاجة الجيش من البارود، ورعاية الأيتام، ودعم المكتبات .. وغيرها من الأوقاف التي تعبر عن اهتمام العثمانيين وحاشيتهم ووزرائهم وزوجاتهم بالوقف (١). واهتمت الدولة العثمانية بالأوقاف منذ فترة مبكرة من تاريخها، حيث قام سلاطين آل عثمان بعد تأسيس دولتهم بإحصاء الأوقاف التي كانت موجودة في بلادهم، وأضافوا إليها أوقافًا كثيرة، ويعدُّ الوزير "سنان باشا" أول ناظر للأوقاف في الدولة العثمانية في عهد السلطان "أورخان بن عثمان" عام ٧٧٩ هـ/ ١٣٥٨ م، وفي عهد جلبي سلطان محمد الأول أنيطت مهمة الإشراف على الأوقاف القاضي القضاة "جلال الدين محمد"، حيث عُيِّن ناظرًا عامًّا للأوقاف، وبعد فتح القسطنطينية عام ٨٥٧ هـ/ ١٤٥٣ م عيَّن السلطان "محمد الفاتح" الوزير الأعظم "محمود باشا" ناظرًا على الأوقاف، وعندما توسعت الأوقاف أُسندت إدارتها إلى رئيس الكتاب، ثم أصبح قاضي العسكر في كل ولاية ناظرّا على الأوقاف.

стр. 79

وفي عام ٩١١ هـ/ ١٥٠٦ م أسند السلطان "بايزيد الثاني" مهمة الإشراف على الأوقاف في كل الدولة العثمانية لشيخ الإسلام "علاء الدين أفندي"، الذي كان يديرها نيابة عنه موظف يطلق عليه لقب "التذكرجي" الذي كان يراقب أعماله شيخ الإسلام. وبما أن الحرمين الشريفين كانت في بؤرة الاهتمام العثماني؛ فقد أسسوا لها في عام ٩٩٤ هـ/١٥٨٦ م نظارة خاصة أطلق عليها اسم "نظارة الحرمين الشريفين"، حيث كان الآغا لدار السعادة "محمد آغا الحبشي" أول ناظر لها، ثم توسعت إدارة الحرمين وانقسمت إلى أربعة أقسام: مفتشية أوقاف الحرمين، ومحاسبة أوقاف الحرمين، ومقاطعة أوقاف الحرمين، وكتابة دار السعادة. أما على مستوى إدارة الأوقاف في الدولة العثمانية، فقد شُكِّلت في عام ١٢٤١ هـ/١٨٦٢ م إدارة جديدة للأوقاف باسم "نظارة الأوقاف الهمايونية"، وفُتحت في مراكز الولايات مديريات للأوقاف، وفي هذه الفترة صدرت عدة أنظمة تتعلق بإدارة الأوقاف، واستمرت التعديلات وإصدار التشريعات والقوانين المنظمة لمؤسسة الوقف حتى نهاية الدولة العثمانية، فصدرت عدة قوانين (نظامنامة) متعلقة بوزارة الأوقاف السلطانية (أوقاف همايون نظارات)، في الأعوام: ١٣٠٥ هـ/١٨٨٠ م، و ١٣٣٠/ ١٩١٢ م، و ١٣٣١ هـ/ ١٩١٣ م، و ١٣٣٢ هـ/ ١٩١٤ م، وقد أُلغيت وكالة الأوقاف مع إلغاء الخلافة بتاريخ ٣٠ مارس ١٩٢٤ م، وبدلًا من هذه الوكالة أُسِّست "رئاسة الشؤون الدينية" و "المديرية العامة للأوقاف". وكان ناظر الأوقاف في الدولة العثمانية يحتل مكانة عالية، وكان يمثل في مجلس الوزراء ويحضر جلساته، وكانت كلمته نافذة، ويحظى بتقدير السلطان العثماني (١). وتشير المصادر إلى أن العثمانيين عندما أسقطوا دولة المماليك عام ٩٢٣ هـ ١٥١٧ م كان من أوائل قراراتهم المحافظة على الأوقاف وعدم المساس بها، فقد أصدر

стр. 80

السلطان سليم الأول" (٩١٨ - ٩٢٦ هـ/ ١٥١٢ - ١٥٢٠ م) مرسومًا ينصُّ على عدم التعرض لجهات أوقاف الجوامع والمدارس، والمكاتب والزوايا والرُّبط، وأنواع البر والقربات، وجهات الخير والصدقات (١). وفي عهد السلطان سليمان القانوني" (٩٢٦ - ٩٧٤ هـ/ ١٥٢٠ - ١٥٦٦ م) أصدر قانونًا خاصًّا للأوقاف في مصر (قانون نامه مصر)، حدَّد فيه كل ما يتعلق بالأوقاف من عمليات حبس، واستثمار وتصرُّف في ريعها (٢). وتوضح سجلات محكمة الإسكندرية الشرعية أن الأوقاف فيها: كانت تُدار من قبل أربعة موظفين؛ هم: "ناظر الوقف"؛ ويعيَّن من قِبل قاضي محكمة الإسكندرية الشرعية، وهو المشرف العام على الوقف، و "كاتب الوقف"؛ ويختص بكتابة مصاريف الوقف وكتابة كل ما يتعلق بمصالح الوقفية، و "جابي الوقف"؛ ويختص بتحصيل ريع الوقف، و "شاهد الوقف"؛ وهو المراقب على أموال الوقف ومن يعمل فيها (٣). وقد حظيت القدس والحرمان الشريفان بعناية خاصة من قبل سلاطين الدولة العثمانية، ونالها القسط الأوفر من الأوقاف، فقد شهدت مدينة القدس ميلاد أعظم وقفية خيرية في تاريخ القدس؛ وهي "وقفية خاصكي سلطان" زوجة السلطان سليمان القانوني، التي وقفتها في عام ٩٥٩ هـ/١٥٥٢ م، وكانت مؤسسة خيرية تربوية دينية متكاملة، فكانت تشتمل على مطبخ يوزع الطعام على الفقراء، ومسجد وخان، ورباط ومدرسة، وقد انتشرت أوقاف هذه التكية في خمسة سناجق من الشام، وبلغ عدد القرى والمزارع الموقوفة على التكية (٣٤) قرية ومزرعة، ما يقرب من نصفها في

стр. 81

منطقة الرملة في فلسطين، ومن هذه القرى والمزارع أربع وقفها السلطان "سليمان القانوني" في ناحية صيدا: تعزيرًا لوقف زوجته الأصلي (١). وتنوَّعت الموقوفات على المؤسسات التعليمية في القدس من الأراضي التي وقفها العثمانيون والتي منها: ١٥ قرية في فلسطين، وقفت مساحات منها على المسجد الأقصى، كما وقفوا عديدًا من الغراس، والنقود التي تسابق كبار رجالات الدولة فيها؛ حيث وقفوا مبالغ نقدية على المؤسسات التعليمية (٢). وقد حرص العثمانيون كذلك على وقف المصاحف في القدس والحرمين الشريفين، فقد بلغ عدد الريعات الموقوفة للقراء في مسجد قبة الصخرة - على سبيل المثال - (١٥ رُبْعَة) خلال القرن العاشر الهجري، وكان يشرف على القراء شيخ القراء الذي يعيِّنه قاضي القدس (٣)؛ ومنها مصحف وقفه السلطان سليمان القانوني على المسجد الأقصى (٤). لقد كان في القدس في أواخر القرن الحادي عشر الهجري / السابع عشر للميلاد (٤٠) مدرسة للفقه، و (١٠) دُور للقران الكريم، و (٧) دُور للحديث النبوي الشريف، فضلًا عن المدارس التي تخصصت بالنحو، وكلها كانت تموَّل من الوقف (٥).

стр. 82

وقد حفلت القدس بعشرات المكتبات الوقفية الخاصة، والتي منها: مكتبة ابن قاضي الصلت (ت ١٠٤٠ هـ/ ١٦٣٠ م)، ومكتبة الشيخ أحمد بن يحيى الشهير بالموقت (ت ١١٧١ هـ/ ١٧٢٧ م)، ومكتبة الشيخ محمد أفندي زاده مفتي القدس (ت ١١٥٢ هـ/ ١٧٣٩ م)، ومكتبة محمد صنع الله الخالدي الذي كان رئيس كتاب المحكمة الشرعية بالقدس (ت ١١٤٠ ههـ ١٧٢٧ م)، ومكتبة الشيخ الخليلي التي تأسست عام ١١٣٨ هـ/ ١٧٢٥ م، والتي وقفها شيخ الإسلام محمد الخليلي مفتي الشافعية بالقدس (ت ١١٤٧ هـ/ ١٧٣٤ م)، ومكتبة حسن عبد اللطيف الحسيني مفتي القدس (ت ١٢٢٦ هـ - /١٨١١ م)، والمكتبة الخالدية التي تعد من أهم دور الكتب في فلسطين، التي أوصت بوقفها "خديجة الخالدي" ابنة قاضي عسكر الأناضول موسى أفندي، والتي أوصت ولدها الحاج راغب الخالدي رئيس المحكمة الشرعية بيافا أن يقفها وينقل كتب الأسرة الخالدية إليها، قنفذ وصيتها سنة ١٣١٨ هـ/ ١٩٠٠ م، وغيرها من المكتبات (١). أما أبرز أوقاف العثمانيين في الحرمين الشريفين كان ما وقفته "خاصكي سلطان" زوجة السلطان سليمان القانوني، حيث وقفت رباطًا في مكة المكرمة؛ والذي كان يحتوي على (٤٨) حجرة، وسبيل ماء، واشترطت أن يسكن الرباط العلماء العابدون والصلحاء الزاهدون (٢). وفي عام ٩٧٩ هـ/ ١٥٧١ م قامت كريمة السلطان سليمان القانوني "خانم سلطان" بإعمار "عين زبيدة"؛ فوجهت ألفًا من المهندسين والفنيين والبنائين من مختلف أقطار العالم الإسلامي لإعمارها، فتم مد القناة من "بئر زبيدة" إلى الأبطح، لتلتقي بمياه عين حنين، ثم إلى المُعَلّا، ثم إلى الحرم، ثم يتوزع الماء في شبكة حجرية داخل أحياء مكة المكرمة؛ ليصب في ثلاثة وثلاثين بازانًا منتشرة في مختلف أحيائها، وظلَّ هذا المشروع الوقفي يسقي الحاج والمعتمر والمقيم لمدة تربو على ١٢٠٠ عام (٣).

стр. 83

ويعد خط سكة حديد الحجاز الذي يربط بلاد الشام بالمدينة المنورة من أعظم مآثر الدولة العثمانية الوقفية لخدمة الحج الشامي، فقد بدأ إنشاء الخط عام ١٣١٩ هـ / ١٩٠١ م، وانتهى عام ١٣٢٦ هـ ١٩٠٨ م، وقد سُجِّل وقفًا في عام ١٣٣١ هـ/ ١٩١٣ م، ورُبط إداريًّا بالجهة المسؤولة عن الأوقاف في تركيا، وقد اشترى السلطان "عبد الحميد الثاني" أراضي كثيرة وقفها على الخط، ومن ضمنها أراضي الحمة في فلسطين، وأراضي واسعة في حيفا وعكا والناصرة، واستثمر مياه وادي اليرموك، ومواضع في قلب دمشق تعد من أغلى مناطقها، واستثمر الفوسفات في الأردن، فضلًا عن وقف كبير في ساحة البرج في بيروت، كل هذه الأوقاف كانت تنفق على هذا الخط الحيوي الذي لاقى كل ترحيب من أبناء الأمة (١). ويحسب للسلطان عبد الحميد الثاني" أيضًا أنه حرص على تطوير مكتبة الحرم المكي، ووقف عليها كثيرًا من الكتب، فقد أرسل لها في عام ١٢٩٠ هـ/ ١٨٧٣ م مجموعة من المؤلفات من الأستانة، وراسل أمين المكتبة آنذاك السيد محمود حافظ أفندي الإبلاغه بأنه سيتم إرسال مفتش إلى الحرم لمتابعة أوضاع المكتبة (٢). وقد حرص العثمانيون على توفير المياه للمقيمين وأبناء السبيل، فوقفوا عديدًا من السبل في كثير من المدن في المشرق والمغرب، فكان في القاهرة وحدها - على سبيل المثال - عشية الحملة الفرنسية على مصر (٢٦٦) سبيلًا (٣)، وهكذا كان في الحرمين والقدس وغيرها من المدن، ومن الجدير بالذكر أن بناء السبل كان مرتبطًا

стр. 84

ارتباطًا وثيقًا بتعليم الأيتام، فكل سبيل كان يشتمل على كُتَّاب للأيتام، فأنشأت الدولة العثمانية عديدًا من الكتاتيب في مختلف الولايات؛ ومنها على سبيل المثال مكتب سنان باشا (٩٨٧ هـ/ ١٥٧٠ م)، ومكتب التمرازية (١٠١٥ هـ/١٦٠٦ م)، ومكتب الخواجا قراجا؛ الذي وقفه الحاج محمد الجبالي (١٠٩٨ هـ - /١٦٨٧ م)، وكلها في مدينة الإسكندرية (١)، ويعدُّ "سنان باشا" - أول نواب السلطان سليم الأول على مصر (٩٧٥ - ٩٧٦ هـ / ١٥٦٧ - ١٥٦٨ م) - من أكثر الولاة العثمانيين الذين شيدوا أوقافًا في مصر، ومن أبرز أوقافه: المدرسة السنانية، وكُتَّاب للأطفال في الإسكندرية، حيث وقف عليهما أوقافًا كثيرة (٢). ومن الأوقاف الفريدة التي ظهرت في العصر العثماني؛ وقف "إسماعيل بك رفعت" على كبار السن والأرامل في القاهرة، فقد جاء في نص وقفيته بتاريخ ١٦ جمادى الأول ١٢٨٤ هـ /١٨٦٧ م: على تقديم كسوة للنسوة العجائز الفقيرات، والمسلمات العاجزات عن الكسب، والخاليات من الأزواج، اللائي يقمن في الرباط الذي أُنشئه بباب الخلق بالقاهرة، تعطى كل واحدة في شهر رمضان من كل سنة اثنا عشر ذراعًا من العبك (نوع من القماش)، وستة أذرع من الشاش، وحردة بلدي (٣). ولم تغفل الدولة العثمانية الجانب الصحي؛ فوقفت في تاريخها عديدًا من البيمارستانات؛ والتي منها على سبيل المثال: دار الطب ببروسه (٨٣٥ هـ/ ١٣٣٩ م)، وبيمارستان محمد الفاتح في إسطنبول، الذي وقفه في عام ٨٧٥ هـ/ ١٤٧٠ م، وبيمارستان السلطان سليمان القانوني في إسطنبول؛ الذي وقفه لمداواة المرضى وتربية المجانين بأنواع الأشربة والأطعمة والمعاجين، وبيمارستان أدرنة لمعالجة مرضى الجذام (٩٣٧ هـ/ ١٤٣١ م)، وبيمارستان خاصكي سلطان بإسطنبول (٩٤٦ هـ/ ١٥٣٩ م) .. وغيرها (٤).

стр. 85

ومن الأوقاف الفريدة في العصر العثماني "وقف قفة الخبز" في بيروت، حيث كانت له دكان خاص في باطن بيروت، توضع فيه قفة مليئة بالخبز كل يوم جمعة، حيث كان يقصدها الفقراء من أهل بيروت من مختلف الطوائف، فيوزع متولي القفة الخبز عليهم، وقد كان لهذه القفة أوقاف وأحكار عديدة، وبعض العقارات والمخازن التي يعود ريعها للقفة، وقد سجلت هذه الأوقاف في سجلات المحكمة الشرعية في بيروت عام ١٢٥٩ هـ/ ١٨٤٣ م (١). وتدين عديد من المدن في أوروبا الشرقية في نشأتها للأوقاف العثمانية، ولعل مدينة "كاتشانيك" في البلقان خير مثال على ذلك، فقد كانت في البداية عبارة عن حصن عسكري صغير في عام ٩٨٨ هـ/ ١٥٨٠ م؛ حيث أنشأ القائد "سنان باشا" بجواره مجمعًا وقفيًّا، يتكون من: جامع وتكية ومدرسة، ومدرسة للأطفال، وخان الأبناء السبيل، وحمام، وكان يدير هذا المجمع الوقفي قرابة الأربعين شخصًا، وأدى استقرارهم مع عائلاتهم إلى تشكيل نواة لهذه المدينة، التي غدا سكانها فيما بعد قرابة الخمسين ألفًا!. وهذا ينطبق أيضًا على مدن البوسنة؛ مثل: سراييفو، وتيرانا، وكورنشا .. وغيرها، كما ساعد الوقف على التطور السريع ونمو عديد من المدن في البلقان؛ مثل: بلغراد، وسالونيك، وغيرهما، لدرجة أن هناك بعض المدن أصبح اسمها مركبًا من كلمتين؛ مثل: "اسكندر وقف" و"غروني وقف"، و "دوني وقف"، وكل ذلك يشير لما للوقف من أثر كبير في قيام وتطور تلك المدن وانتشار الإسلام فيها (٢).

стр. 86

ومن الظواهر التي تستوقف الباحث في تاريخ الوقف العثماني ظاهرة إقبال سيدات البلاط العثماني على أعمال البر والإحسان، وحرصهن على وقف الأوقاف التي تخدم مختلف الشرائح الاجتماعية، وعلى رأسها طلبة العلم، وكل ما يتعلق بهم من مدارس ومأوى ومعيشة، فإلى جانب ما وقفته "خاصكي سلطان" حرم السلطان سليمان القانوني من أوقاف تقدم ذكرها، وقفت عديدا من السيدات أوقافًا في مدن مختلفة؛ فعلى سبيل المثال: وقفت "عادلة خاتون" ابنة والي بغداد أحمد باشا "المدرسة العادلية" والمسجد الملحق بها؛ والمعروف بجامع العادلية الكبير، عام ١١٦٨ هـ./ ١٧٥٤ م، واشترطت في وقفيتها المؤرخة في ١١٧١ هـ/ ١٧٥٧ م: تعيين مدرس لهذه المدرسة، وقبول (١٥) طالبًا فيها في كل سنة، وخصصت لكل طالب مخصصات يومية، وجعلت لكل طالب إشارة خاصة يحملها على صدره، مكتوب عليها "طلبة مدرسة العادلية في بغداد"، كما قامت الشقيقتان "فتحية خاتون" و "عادلة خاتون" ابنتا عبد الفتاح باشا بتأسيس مدرسة الحجيات في بغداد؛ حيث وُقفت عليها كتب متنوعة (١). أما "نازنده خاتون" زوجة والي بغداد علي باشا؛ فقد شيدت مسجدًا ومدرسة في عام ١٢٦٣ هـ/١٨٤٦ م، وعينت لها مدرِّسًا، وخصصت للطلبة خبرًا وشموعًا، ولخازن الكتب راتبًا معينًا من غلة الوقف (٢)، وقامت ابنة نقيب الأشراف في بغداد السيد علي الكبير "عاتكة خاتون" بوقف مدرسة عام ١٢٢٧ هـ/ ١٨١١ م، وألحقت بها مكتبة زوَّدتها بنوادر المخطوطات المنقولة من بلاد الشام وغيرها، وأسندت مهمة الإشراف على المكتبة إلى أحد علماء بغداد (٣)، وفي عام ١٢٩١ هـ/ ١٨٧٤ م وقفت "نائلة خاتون" مدرسة في بغداد، وحبست عليها أوقافًا، وجعلت فيها مكتبة حافلة بنوادر المخطوطات في مختلف العلوم، وجعلت لكل من حافظ الكتب، وخادم المدرسة، وإمام المسجد الملحق بها .. مخصصات مالية (٤).

стр. 87

ومن الجدير بالذكر أن معظم المدارس الوقفية في العصر العثماني - خصوصًا في مصر - كان فيها فراشون يتولون تنظيف المدرسة، ومزملاتي لتوفير ما تحتاجه المدرسة من الماء، وجميعهم كانوا يتقاضون رواتبهم من وقف المدرسة (١). وقد عملت الدولة العثمانية على دعم الوقف في المغرب العربي وتطوير مؤسساته، خصوصًا في الجزائر وتونس، ففي خلال قرن ونصف (في الفترة من ١٦٠٠ - ١٧٥٠ م) تضاعف عدد الوقفيات في الجزائر اثني عشر مرة، ولعل "مؤسسة الحرمين الشريفين" في الجزائر تعدُّ من أقدم المؤسسات الوقفية في الجزائر، وكانت وظيفتها تقديم الإعانات الأهالي الحرمين الشريفين المقيمين في الجزائر والمارين بها، وكانت تتكفل بإرسال مداخيلها إلى فقراء الحرمين في مطلع كل سنتين، كذلك كانت توكل إليها حفظ الأمانات، والإنفاق على ثلاثة مساجد في مدينة الجزائر، كما كانت تشرف على ٧٥% من أوقاف الجزائر؛ مما جعلها من أغنى المؤسسات الوقفية، فقد كانت تمتلك أكثر من (١٦٤٢) وقفية؛ ما بين منازل ومخازن وحمامات ومقاه وفنادق وأرحاء وضيع .. وغيرها (٢). ومن المؤسسات الوقفية الرائدة في الجزائر أيضًا "مؤسسة أوقاف الجامع الأعظم"؛ والتي كانت تمتلك ما يناهز (٥٠٠ وقفًا)، مما يجعلها تحتل المرتبة الثانية بعد مؤسسة الحرمين الشريفين، وتأتي "مؤسسة سبل الخيرات" الحنفية التي أسَّسها "شعبان خوجة" عام ٩٩٩ هـ/ ١٥٠٠ م في المرتبة الثالثة، وهي مؤسسة تتولى الإشراف على تشييد المساجد ومختلف المشاريع الخيرية الأخرى، مثل: تعبيد الطرق، وشق القنوات للري، وإعانة المنكوبين، والإشراف على بناء المدارس الوقفية، واقتناء الكتب، وكل ما يخص الطلبة، إلى جانب إشرافها على إدارة ثمانية مساجد للأحناف، وتمتاز هذه المؤسسة بدقة الإدارة؛ حيث كان يسير أمورها أحد عشر موظفًا، بينهم ثمانية مستشارين منتخبين، وناظر أو وكيل أوقاف المؤسسة، وكاتب ينظم العقود، وشاويش الحراسة منشآت المؤسسة، وتوفير الراحة لثماني قرَّاء يقرؤون القرآن بجوار المؤسسة (٣).

стр. 88

وقد شجعت الدولة العثمانية المهاجرين الأندلسيين في الجزائر على تأسيس وقفية الإيواء ومساعدة الأندلسيين الفارين من الاضطهاد الإسباني وظلم وملاحقة محاكم التفتيش، فقام أغنياء الجالية الأندلسية بتأسيس "مؤسسة أوقاف الأندلسيين"، ووقفوا أملاكهم على إخوانهم الفارين من الأندلس، وكانت أول هذه الأوقاف في عام ٩٨٠ هـ / ١٥٧٢ هـ (١). أما في تونس - وخصوصًا في صفاقس - فوجدت فيها أوقاف فريدة في العصر العثماني؛ منها على سبيل المثال: أوقاف لشحذ السكاكين يوم العيد، وحبس لشراء أضحيات للفقراء، وحبس الكوز؛ الذي كان مخصصًا لمن كسر وعاء الزيت لصاحبه يدفع عنه الحبس ثمن الكوز وما فيه، وحبس الزيت لإضاءة الطرقات، وحبس البرنوس للمؤذن .. وغيرها (٢). وأخيرًا .. مثَّل وقف النقود؛ الذي ظهر لأول مرة في أدرنة في عام ٨٢٧ هـ/١٤٢٣ م .. تحولًا مهمًّا في تطبيقات الوقف الذي عرفه العالم الإسلامي حتى ذلك الحين؛ ولذلك وصف وقف النقود بأنه ثورة في الفقه الإسلامي المتعلق بالوقف، وقد تميَّز وقف النقود بالمرونة والمزاوجة بين الاستثمار في الاقتصاد على شكل تقديم قروض للتجار والحرفيين بعائد محدد، واستثمار العائد من ذلك لتقديم خدمات مجانية للمجتمع في مختلف الحقول (٣). وهكذا بلغ الوقف ذروته في العصر العثماني، من خلال مشاركة السلاطين والولاة والقادة والعلماء والنساء والتجار من مختلف طبقات المجتمع في وقف الأوقاف التي ساهمت في خدمة كل الشرائح الاجتماعية، يقول المؤرخ التركي يلماز أوزتونا: "إن جميع منجزات المؤسسات الاجتماعية قد شيدت بفضل مؤسسة الوقف وبمشاركة السلاطين والولاة وبقية المواطنين" (٤).

стр. 89

مصادر ومراجع المدخل التمهيدي ١ - إتحاف الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس، عبد الرحمن بن زيدان، الرباط، ١٩٢٩ م. ٢ - أثر المرأة في إنشاء المؤسسات التعليمية إبان العهود الإسلامية، عماد عبد السلام، إصدار المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ع ١٤، السنة السادسة، يناير، ١٩٧٩ م. ٣ - الإحاطة في أخبار غرناطة، ابن الخطيب، تحقيق: محمد عبد الله عنان، القاهرة (١٩٧٣ - ١٩٧٥ م). ٤ - الأحباس ودورها في تنمية المؤسسات التعليمية بالمغرب المريني السعدي (القرنان الثامن والتاسع الهجريين)، محمد شريف، مركز أبحاث الوقف على الإنترنت. ٥ - الإحسان الإلزامي في الإسلام وتطبيقاته في المغرب، محمد الحبيب التجكاني، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المملكة المغربية، ١٩٩٠ م. ٦ - أحكام الأوقاف، أبو بكر أحمد بن عمر الشيباني الخصاف، القاهرة، د. ت. ٧ - أحكام الأوقاف، مصطفى أحمد الزرقا، دار عمار، عمان - الأردن، ١٩٩٩ م. ٨ - أحكام الوصايا والأوقاف، محمود مصطفى شلبي، بيروت، الدار الجامعية، ١٩٨٢ م. ٩ - أحكام الوقف في الشريعة الإسلامية، د محمد عبيد الكبيسي، مطبعة الإرشاد، بغداد، ١٩٧٧ م. ١٠ - أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، أبو الوليد محمد بن عبد الله الأزرقي، تحقيق: رشدي الصالح ملحس، مكة، ١٩٦٥ م. ١١ - اختصار الأخبار عما كان بسبتة من سني الآثار، الأنصاري السبتي محمد بن قاسم، تحقيق: عبد الوهاب منصور، الرباط، المطبعة الملكية، ١٩٩٦ م. ١٢ - الأربطة في مكة المكرمة منذ البدايات حتى نهاية العصر المملوكي، حسين عبد العزيز شافعي، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، لندن، ١٤٢٦ هـ. ١٣ - الأسبلة العثمانية بمدينة القاهرة (١٥١٧ - ١٧٩٨ م)، محمد حامد الحسيني، مكتبة مدبولي، د. ت.

стр. 90

١٤ - الإسعاف في أحكام الأوقاف، إبراهيم موسى الطرابلسي الحنفي، دار الرائد العربي، بيروت، ١٩٨١ م. ١٥ - الإصابة في تمييز الصحابة، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، مطبعة السعادة، القاهرة، د. ت. ١٦ - أضواء على دور قبيلة بلي في الحضارة الإسلامية، د سلامة محمد البلوي، كتاب الرياض رقم ٣٥. ١٧ - أعلام النساء، عمر رضا كحالة. ١٨ - الأم، محمد بن إدريس الشافعي، القاهرة، المكتبة القيمة للطباعة والنشر، ١٩٨٩ م. ١٩ - الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، علي بن أبي زرع، الرباط، ١٩٧٣ م. ٢٠ - أوقاف السلطان الأشرف شعبان على الحرمين، راشد بن سعد القحطاني، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، ١٤١٤ هـ. ٢١ - الأوقاف النبوية ووقفيات بعض الصحابة الكرام (دراسة فقهية تاريخية وثائقية)، عبد الله بن محمد الحجيلي، بحث مقدم لندوة المكتبات الوقفية في المملكة العربية السعودية - المدينة المنورة، ٢٥ - ٢٧/ ١/ ١٤٢٠ هـ. ٢٢ - أوقاف مكناس في عهد مولاي إسماعيل (١٠٨٢ - ١١٣٩ هـ/ ١٦٧٢ - ١٧٢٧ م)، رقية بلمقدم، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - المملكة المغربية، ١٩٩٣ م. ٢٣ - الأوقاف والتعليم في عصر الأيوبيين، د محمد محمد أمين، المجمع الملكي البحوث الحضارة الإسلامية، مؤسسة آل البيت، ١٩٩٠ م. ٢٤ - الأوقاف والحياة الاقتصادية في مصر في العصر العثماني، دم حمد عفيفي، سلسلة تاريخ المصريين، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ع ٤٤، ١٩٩١ م. ٢٥ - الأوقاف والمجتمع (مجموعة بحوث عن العلاقة التبادلية بين الأوقاف والمجتمع)، د. عبد الله السدحان، الرياض، ٢٠١٠ م.

стр. 91

٢٦ - البداية والنهاية، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، مكتبة المعرفة، بيروت، ١٩٦٦ م. ٢٧ - البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، ابن عذاري، تحقيق: إحسان عباس، بيروت، ١٩٧٧ م. ٢٨ - التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في بيروت والولايات العثمانية في القرن التاسع عشر - سجلات المحكمة الشرعية في بيروت، د. حسان حلاق، بيروت، الدار الجامعية، ١٤٠٧ هـ. ٢٩ - تاريخ الأمم الإسلامية، الدولة العباسية، محمد الخضري بك، دار المعرفة، بيروت، د. ت. ٣٠ - التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية بالموصل، أبو الحسن علي بن محمد الجزري بن الأثير، تحقيق: عبد القادر أحمد طليمات، القاهرة، دار الكتب الحديثة، ١٩٦٣ م. ٣١ - تاريخ البيمارستانات في الإسلام، أحمد عيسى، دار الرائد العربي، بيروت، ١٩٨١ م. ٣٢ - تاريخ التعليم في الأندلس، محمد عبد الحميد عيسى، القاهرة، دار الفكر الغربي، ١٩٨٢ م. ٣٣ - تاريخ الدولة العثمانية، يلماز أوزنوتا، ترجمة: عدنان محمود سلمان، مؤسسة فيصل للتمويل، إسطنبول، ١٩٩٠ م. ٣٤ - تاريخ الرسل والملوك، محمد بن جرير الطبري، تحقيق: أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف القاهرة، ١٩٧٦ م. ٣٥ - تاريخ الشعوب الإسلامية، كارل بروكلمان، ترجمة: نبيه فارس ومنير البعلبكي، بيروت، دار العلم للملاين، طه، ١٩٦٨ م. ٣٦ - تاريخ الكعبة المعظمة - عمارتها وكسوتها وسدنتها، حسين بن عبد الله بالسلامة، الأمانة العامة للاحتفال بمرور مائة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية، ١٤١٩ هـ. ٣٧ - تاريخ المكتبات الإسلامية في الأندلس، رضا سعيد مقبل، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآداب، جامعة المنوفية، ٢٠٠١ هـ.

стр. 92

٣٨ - تاريخ الوقف عند المسلمين وغيرهم، أحمد بن صالح عبد السلام، ندوة الوقف في الشريعة الإسلامية ومجالاته، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، الرياض، ١٤٢٣ هـ. ٣٩ - تاريخ بغداد، الحافظ أبو بكر أحمد بن علي البغدادي، دار الكتاب العربي، بيروت، د ت. ٤٠ - تاريخ تشكيل نظارات الأوقاف الهمايونية، ابن الأمين محمود كمال وحسين حسام الدين، إسطنبول، ١٢٢٥ هـ. ٤١ - تاريخ مصر العثمانية من خلال تحفة الأحباب بمن ملك مصر من الملوك والنواب، إبراهيم يونس سلطح، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة الإسكندرية، ١٩٩١ م. ٤٢ - تاريخ مكة، أحمد السباعي، مكة، ١٩٧٩ م. ٤٣ - تراث فلسطين في كتابات عبد الله مخلص، جمع وتحرير: كامل جميل العسلي، دار الكرمل، عمان - الأردن، ١٩٦٨ م. ٤٤ - التربية والتعليم في الإسلام، الدَّيوَه جي، مكتب التراث العربي، الموصل، العراق، ١٩٨١ م. ٤٥ - تطوير واستثمار أوقاف عين زبيدة لإعمارها وتشغيلها وصيانتها، د. عمر سراج أبو رزيزة، مجلة أوقاف - الكويت، ع ٩، السنة الخامسة، ١٦٢٦ هـ. ٤٦ - جامعة القرويين وآفاق إشعاعها الديني والثقافي، عبد الهادي التازي، سلسلة أبحاث وأعلام رقم ٥، مطبعة فضالة، المحمدية، ١٩٩٦ م. ٤٧ - جنى زهرة الآس في بناء مدينة فاس، علي الجزنائي، الرباط، ١٩٧٣ م. ٤٨ - الحركة الفكرية في مصر في العصرين الأيوبي والمملوكي الأول، عبد اللطيف حمزة، القاهرة، دار الفكر العربي، ١٩٦٨ م. ٤٩ - الحريم في العصر العثماني، ماجد مخلوف، دار الآفاق، القاهرة، ١٩٩٨ م. ٥٠ - الحضارة العربية الإسلامية وموجز الحضارات السابقة، شوقي أبو خليل، دار الفكر، بيروت، ١٩٩٦ م.

стр. 93

٥١ - حماية القاصرين في نظام الوقف ببلاد المغرب والأندلس، وداد العيدوني، مجلة أوقاف الكويت، ع ١٣، السنة السابعة، شوال ١٤٢٨ هـ. ٥٢ - الحياة الاجتماعية بالمدينة الإسلامية، سعيد عبد الفتاح عاشور، مجلة عالم الفكر، مج ١١، أبريل - مايو - يونيو، ١٩٨٠ م. ٥٣ - الخدمات الوقفية في العراق وبلاد الشام في القرنين السادس والسابع الهجريين، فوزي أمين يحيى الطائي، أطروحة دكتوراه، جامعة الموصل، كلية الآداب، ١٩٩٧ م. ٥٤ - الدارس في تاريخ المدارس، عبد القادر بن محمد النعيمي الدمشقي. ٥٥ - دراسات في تاريخ المدن العربية الإسلامية، عبد الجبار ناجي، مطبعة جامعة البصرة، ١٩٨٦ م. ٥٦ - دور الأوقاف المغربية في التكافل الاجتماعي عبر عصر بني مرين (٦٥٧ - ٨٦٩ هـ)، محمد المنوني، مجلة دعوة الحق، رجب ١٤٠٢ هـ / ١٩٨٢ م. ٥٧ - دور الكتب العربية العامة وشبه العامة لبلاد العراق والشام ومصر في العصر الوسيط، يوسف العش، ترجمة: نزار أباظة ومحمد صباغ، بيروت، دار الفكر المعاصرة، ١٩٩١ م. ٥٨ - دور الوقف في الحياة الثقافية بالمغرب في عهد الدولة العلوية، السعيد بوركبة، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب، ١٩٩٦ م. ٥٩ - دور الوقف في المجتمعات الإسلامية، د محمد موفق الأرناؤوط، دمشق، دار الفكر المعاصر، ١٤٢١ هـ. ٦٠ - دور الوقف في نشوء المدن الجديدة في البوسنة (سراييفو نموذجًا)، د. محمد موفق الأرناؤوط، مجلة أوقاف - الكويت، ع ٨، السنة الخامسة، ربيع الأول، ١٤٢٦ هـ. ٦١ - الدولة الأموية عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار، د. علي محمد محمد الصلابي، مكتبة الصحابة، الشارقة، ٢٠٠٦ م. ٦٢ - دولة المرابطين في عهد علي بن تاشفين (دراسة سياسية حضارية)، د سلامة محمد البلوي، بيروت، دار الندوة الجديدة، ١٩٨٥ م.

стр. 94

٩٣ - رجحان الكفة في بيان نبذة من أخبار أهل الصفة، محمد بن عبد الرحمن السخاوي، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان وأبو حذيفة أحمد الشقيرات، الرياض، دار السلف للنشر والتوزيع، ط ١. ٦٤ - رحلة ابن بطوطة (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار)، محمد بن عبد الله بن بطوطة، تحقيق: د. علي المنتصر الكتاني، مؤسسة الرسالة، الرباط، ١٩٨٥ م. ٦٥ - رحلة ابن جبير، ابن جبير، دار بيروت للطباعة والنشر، ١٩٧٩ م. ٦٦ - رعاية الفئات الخاصة مكتبة الصحابة، د سلامة محمد البلوي، الشارقة، ٢٠٠٣ م. ٦٧ - الرفق بالحيوان، مكتبة الصحابة، الشارقة، ٢٠٠٣ م. ٦٨ - الروض الأنف في شرح السيرة النبوية، عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي الأندلسي أبو القاسم، تحقيق: عبد الرحمن الوكيل، دار الكتب الإسلامية، ١٩٩٧ م. ٦٩ - الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، شهاب الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل أبو شامة، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٩٩٧ م. ٧٠ - سجلات محكمة الإسكندرية الشرعية، سجل ١٤، ص ٢٨٧، قسم ١٠١٠، شوال ٩٨٧ هـ، سجل ٧، ص ٣٨٤، قسم ٩٢٥، صفر ٩٨١ هـ، سجل ١٦، ص ٢٤٤، ص ٥٧١، ١٥ شعبان ٩٧٠ هـ، سجل ١٤، ص ٣٧٩، قسم ١٢١٣، ١٢ محرم ٩٨٧ هـ، سجل ٣٥، ص ٦٤١ - ١٨ محرم ١٠١٥ هـ. ٧١ - سكة حديد الحجاز في المصادر العربية والتركية والإنجليزية (قائمة بببلوجرافية)، سهيل صابان وعبد الرحمن فراج، مجلة الدرعية، الرياض، ع ١٨ و ١٩، السنة الخامسة، ١٤٢٩ هـ. ٧٢ - سنا البرق الشامي (هو مختصر البرق الشامي للعماد الأصفهاني)، قوام الدين الفتح بن علي البنداري الأصفهاني، القسم الأول، تحقيق: رمضان ششن، بيروت دار الكتاب الجديد، ١٩٧١ م. ٧٣ - سنن أبي داود، أبو داود سليمان بن الأشعث، دار الفكر، بيروت.

стр. 95

٧٦ - سنن الدارقطني، علي بن عمر الدارقطني، تحقيق: عبد الله هاشم يماني المدني، القاهرة، ١٩٦٦ م. ٧٥ - السنن الكبرى، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، مطبعة مجلس دائرة المعارف، حيدر آباد - الهند، ١٩٣٦ م. ٧٦ - سير أعلام النبلاء، أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق: حسين الأسد وآخرون، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط ٢، ١٩٨٢ م. ٧٧ - شمس العرب تسطع على الغرب، زيغرد هونكة، ترجمة: فاروق بيضون، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ١٩٨٢ م. ٧٨ - صادر الفقهاء والفقراء بالثغر السكندري، ناصر أحمد إبراهيم، مجلة الروزنامة، ع ٤، ٢٠٠٦ م، دار الوثائق القومية، القاهرة. ٧٩ - صبح الأعشى في صناعة الإنشا، أبو العباس أحمد بن علي القلقشندي، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، القاهرة، نسخة مصورة عن الطبعة الأميرية. ٨٠ - صحيح البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، مطابع الأهرام، لجنة إحياء كتب السنة بمصر، ١٩٩٠ م. ٨١ - صور من التكافل الاجتماعي، د سلامة محمد البلوي، مكتبة الصحابة، الشارقة، ٢٠٠٣ م. ٨٢ - الطفولة في ظل الحضارة الإسلامية (سلسة اللمسات الإنسانية في الحضارة الإسلامية - رقم ١)، د سلامة محمد البلوي، مكتبة الصحابة، الشارقة، ٢٠٠٣ م. ٨٣ - الفاتكان، أسامة أمين، مجلة المعرفة، وزارة التربية والتعليم، المملكة العربية السعودية، ع ١٠٤، ذو القعدة ١٤٢٤ هـ/يناير ٢٠٠٤ م. ٨٤ - فتوح البلدان، أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، تصحيح: صلاح الدين المنجد، القاهرة، ١٩٥٦ م.

стр. 96

٨٥ - قانون نامه مصر، ترجمة وتقديم وتعليق: أحمد فؤاد متولي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ١٩٨٦ م. ٨٦ - قاهريات، جمال الغيطاني، أسبلة القاهرة، مكتبة مدبولي، د ت. ٨٧ - قبة الصخرة، أحمد فكري، مجلة عالم الفكر، مح ١١، ع ١، أبريل - مايو - يونيو، ١٩٨٠ م. ٨٨ - قبة الصخرة، يوسف شوقي، عمان - مسقط، ١٩٨٢ م. ٨٩ - قرطبة في العصر الإسلامي، أحمد فكري، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، ١٩٨٣ م. ٩٠ - الكامل في التاريخ، أبو الحسن علي بن محمد الجزري بن الأثير، دار صادر، بيروت، ١٩٧٨ م. ٩١ - كسوة الكعبة المعظمة عبر التاريخ، السيد محمد الدقن، مطبعة الجبلاوي، ١٤٠٦ هـ. ٩٢ - الماء في الفكر الإسلامي والأدب العربي، محمد بن عبد العزيز بنعبد الله، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - المملكة المغربية، ١٩٩٦ م. ٩٣ - مجموعة الوثائق العثمانية، دارة الملك عبد العزيز، وثيقة رقم ٣٢٨، سجل ٣٢٨٧٨، ملف رقم ٨/ ١٠/ ١٠٤، بتاريخ ٢١/ ٩/ ١٢٩٠ هـ، الموافق ٢/ ٢١/ ١٨٧٦ م. ٩٤ - محاضرات في الوقف، محمد أبو زهرة، القاهرة، ١٩٥٩ م. ٩٥ - المحلى، علي بن أحمد بن حزم، تحقيق: لجنة إحياء التراث العربي، دار الأوقاف، بيروت، د. ت. ٩٦ - المدارس في بيت المقدس في العصرين الأيوبي والمملوكي ودورها في الحركة الفكرية، عبد الجليل حسن عبد المهدي، مكتبة الأقصى، عمان، ١٩٨١ م. ٩٧ - مرآة الزمان في تاريخ الأعيان، شمس الدين أبو المظفر يوسف سبط ابن الجوزي، الهند، حيدر آباد الدكن، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، ١٩٥١ م. ٩٨ - المرشد الوجيز في التاريخ والحضارة الإسلامية، د سلامة محمد البلوي، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ٢٠١٠ م.

стр. 97

٩٩ - مروج الذهب ومعادن الجوهرة المسعودي، مطبعة البهية، ١٣٤٦ هـ. ١٠٠ - مشروعية الوقف الأهلي ومدى المصلحة فيه، د محمد عبيد الكبيسي، ندوة مؤسسة الأوقاف في العالم العربي والإسلامي، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، معهد البحوث والدراسات العربية، بغداد، ١٩٨٣ م. ١٠١ - معاهد العلم في بيت المقدس، كامل العسلي، عمان، الجامعة الأردنية، ١٩٨١ م. ١٠٢ - مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، محمد بن أحمد الخطيب الشربيني، دار الفكر، بيروت، د. ت. ١٠٣ - مفتاح الدراية لأحكام الوقف والعطايا، يوسف إسحاق حمد النيل، دبي، ١٩٧٨ م. ١٠٤ - مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، جمال الدين محمد بن سالم بن واصل، تحقيق: جمال الدين شيال، المطبعة الأميرية، القاهرة، ١٩٥٧ م. ١٠٥ - المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٧١ م. ١٠٦ - مكتبات بيت المقدس من الفتح الأيوبي إلى الاغتصاب الصهيوني، د سلامة محمد البلوي، مجلة التاريخ العربي، جمعية المؤرخين المغاربة، ع ٣٢، خريف ٢٠٠٤ م. ١٠٧ - المكتبات في مكة والمدينة خلال العصرين الأيوبي والمملوكي، عماد صالح العجمي، رسالة جامعية، جامعة القصيم، قسم التاريخ، ٢٠١٠ م. ١٠٨ - الممتلكات والأوقاف المسيحية في القدس - دراسة في التراث الثقافي لمدينة القدس، فادي شامية، د. ت. ١٠٩ - من روائع حضارتنا الإسلامية، مصطفى السباعي، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، ١٩٩٨ م. ١١٠ - المؤسسات الاجتماعية في الحضارة العربية الإسلامية (موسوعة الحضارة العربية الإسلامية)، سعيد عبد الفتاح عاشور، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ١٩٨٧ م.

стр. 98

١١١ - مؤسسة الأوقاف في العراق ودورها التاريخي المتعدد الأبعاد، أحمد محمد الشريف، ندوة مؤسسات الأوقاف في العالم العربي الإسلامي، بغداد، ١٩٨٣ م. ١١٢ - مؤسسة الأوقاف وأهميتها الفكرية والاجتماعية والاقتصادية بمدينة فاس، السعيد لمليح، مجلة دعوة الحق، ع ٣٦٣، ٢٠٠٢ م. ١١٣ - مؤسسة الأوقاف ومدارس بيت المقدس، كامل العسلي، ندوة مؤسسة الأوقاف، بغداد، ١٩٨٣ م. ١١٤ - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي، دار الكتب، ١٩٤٣ م. ١١٥ - نصب الراية لأحاديث الهادية، جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف الزيلعي، مطبعة المأمون، ١٩٣٨ م. ١١٩ - نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية، محمد عبد الحي الكتاني، المدينة المنورة، ١٤١٤ هـ. ١١٧ - النظام القضائي في بغداد في العصر العباسي، عبد الرزاق علي الأنباري، النجف، مطبعة النعمان. ١١٨ - نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب، أحمد بن محمد المقري، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ١٩٩٨ م. ١١٩ - نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار، محمد بن علي الشوكاني، طبعة دار الحديث، القاهرة، د. ت. ١٢٠ - وصف إفريقيا، الحسن بن محمد (ليون الإفريقي) الوزان الفاسي، ترجمه عن الفرنسية: محمد حجي ومحمد الأخضر، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٩٨٣ م. ١٢١ - وفيات الأعيان، ابن خلكان، تحقيق: إحسان عباس، بيروت، دار صادر، ١٩٧١ م. ١٢٢ - الْوَقْف الإسلامي بين النظرية والتطبيق، د. عكرمة سعيد صبري، دار النفائس، عمان، ٢٠١١ م.

стр. 99

١٢٣ - الْوَقْف الإسلامي تطوره، إدارته، تنميته، د منذر القحف، دار الفكر المعاصر، دمشق، ٢٠٠٠ م. ١٢٦ - وقف النقود في القدس في القرنين العاشر والحادي عشر الهجري، زهير غنايم، المؤتمر الدولي السابع لتاريخ بلاد الشام، ٢٠٠٦ م، المجلد الثالث، عمان، الجامعة الأردنية، ٢٠٠٨ م. ١٢٥ - الْوَقْف في التشريعات القديمة، محمد بن عبد العزيز بنعبد الله، مجلة دعوة الحق، ع ٢٣١، ذو الحجة ١٤٠٣ هـ محرم ١٤٠٤ هـ/سبتمبر أكتوبر ١٩٨٣ م. ١٢٦ - الْوَقْف وأثره في تنمية موارد الجامعات، سليمان أبو الخيل، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ٢٠٠٤ م. ١٢٧ - الْوَقْف والمجتمع - نماذج وتطبيقات من التاريخ الإسلامي، يحيى محمود جنيد، مؤسسة اليمامة الصحفية، سلسلة كتابة صحفية الرياض، ع ٣٩، ١٤١٧ هـ. ١٢٨ - الْوَقْف وبنية المكتبة العربية - استنباط للموروث الثقافي، يحيى محمود ساعاتي، الرياض، ١٩٨٨ م. ١٢٩ - الْوَقْف وتاريخه، جواد منصور الحلواني، مملكة البحرين، وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف، ٢٠١٢ م. ١٣٠ - الْوَقْف ودوره في التنمية، د. عبد الستار إبراهيم الهيتي، البحث الفائز بجائزة الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني الوقفية العالمية لعام ١٤١٨ هـ / ١٩٩٧ م. ١٣١ - H. A. R. Gibb and H. Bowen، Islamic Society and the West (London: Oxford University Press، ١٩٥٧. ١٣٢ - Massignon، L. (Documents sur certains waqfs des lieux saints d، Islam ٠) Revue des Etudes Islamiques، (١٩٥١). ١٣٣ - Rosen - Ayalon ،Myriam Art and Architecture in Ayyubid، Jerusalem، (١٩٨٥).

стр. 100

الفصل الأول تعريف الْوَقْف، ومشروعيته، وأركانه إجمالًا، وحكمه، وحكمته (مقاصده)

стр. 101

المبحث الأول تعريف الْوَقْف أولًا: تعريف الْوَقْف لغة: الْوَقْف مصدر: وقف يقف (بالتخفيف)؛ ومادة وقف: "الواو والقاف والفاء: أصل واحد يدل على تمكُّث في شيء، ثم يقاس عليه" (١)، ويطلق الْوَقْف ويراد به: الشيء الموقوف؛ تسمية بالمصدر، والجمع: أوقاف؛ مثل: ثوب وأثواب، ووقت وأوقات (٢)، وقولهم: أوقفت الدار والدابة (بالألف)؛ لغة تميم، أنكرها الأصمعي، وفي اللسان: نقول: وقفت الشيء أقفه وقفًا، ولا يُقال فيه: أوقفت، إلا على لغة رديئة (٣)، وقيل: وقف وأوقف سواء (٤). ويطلق الْوَقْف في اللغة على معانٍ، أقربها للمدلول الاصطلاحي: أ - الحبس؛ يُقال: وقف الدار وقفًا: حبسها في سبيل الله؛ ووقف الشيء وحبس وأحبسه بمعنى واحد، والجمع أوقاف وأحباس، وسمُي: وقفًا؛ لأن العين موقوفة، وحبسًا؛ لأن العين محبوسة (٥)، وكل ما حُبس بوجه من الوجوه فهو حبيس، والحبيس فعيل بمعنى مفعول؛ أي محبوس على ما قُصد له، لا يجوز التصرف فيه لغير ما صُيّر له، وتحبيس الشيء أي يبقى أصله (٦).

стр. 102

ب - المنع؛ يُقال: وقفت الرجل عن الشيء وقفًا، منعته عنه (١)، ذلك أنَّ الواقف يمنع التصرف في الموقوف، ومقتضى المنع أن تحول بين الرجل وبين الشيء الذي بريده، وهو خلاف الإعطاء (٢). وهناك إطلاقات أخرى منها: السكون، والتعليق، والتأخير .. وغيرها (٣). ثانيًا: تعريف الْوَقْف اصطلاحا: عرف الفقهاء الْوَقْف بتعريفات مختلفة تبعًا لاختلاف مذاهبهم في بعض شروط الْوَقْف وأحكامه، وهذه التعريفات في جملتها متقاربة لا تخرج عن المقاصد العامة لحقيقة الْوَقْف. ١ - الْوَقْف عند الحنفية: عرّف الحنفية الْوَقْف بتعريفين: التعريف الأول: يعبر عن حقيقة الْوَقْف عند الإمام أبي حنيفة، فذكر المرغيناني أن الْوَقْف "في الشرع عند أبي حنيفة: حبس العين على ملك المواقف، والتصدق بالمنفعة بمنزلة العارية" (٤).

стр. 103

أما التعريف الثاني: فيعبر عن حقيقة الْوَقْف عند الصاحبين، قال المرغيناني: "وعندهما - أي الْوَقْف - حبس العين على حكم ملك الله تعالى، والتصدق بالمنفعة" (١)، وذكر التُّمُرْتَاشِيِّ أن الْوَقْف عندهما هو حبس العين على ملك الله تعالى، وصرف منفعتها على من أحب (٢). ٢ - الْوَقْف عند المالكية: عرف المالكية الْوَقْف بتعريفين: التعريف الأول: يفيد أن الْوَقْف على التأبيد؛ فذكر القاضي عياض أن الْوَقْف والحبس بمعنى واحد عن المالكية، وهو المال يوقف ويحبس مؤيد الوجه من وجوه الخير أو على قوم معينين (٣)، وعرّف ابن عرفة الْوَقْف بأنه: "إعطاء منفعة شيء مدة وجوده، لازمًا بقاؤه في ملك معطيه، ولو تقديرًا" (٤). التعريف الثاني: يفيد صحة الْوَقْف المؤقت؛ فعرّفه الدردير بأنه: "جعل منفعة مملوك ولو بأجرة أو غلته لمستحق، بصيغة، مدة ما يراه المحبس" (٥)، وقال في معرض

стр. 104

شرح التعريف: "شَمِلَ قوله: (ولو بأجرة) ما إذا استأجر دارا مملوكة أو أرضا مدةً معلومة وأوقف منفعتها - ولو مسجدا في تلك المدة - وما إذا استأجر وقفًا وأوقف منفعته على مستحقٍّ آخر غير الأول في تلك المدة، وأما المُحَبَّسُ عليه فليس له تحبيسُ المنفعة التي يستحقها؛ لأن الحُبْسَ لا يُحَبَّسُ" (١)، قال الصاوي: "ولأنه لا يملك تلك المنفعة؛ لما تقرر أن الموقوف عليه إنما يملك الانتفاع لا المنفعة" (٢). ٣ - الْوَقْف عند فقهاء الشافعية: الْوَقْف هو: "حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح موجود" (٣). ٤ - الْوَقْف عند فقهاء الحنابلة: قال ابن قدامة المقدسي: "ومعناه تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة" (٤)، وذكر البهوتي أنه ورد في كتاب "الإقناع" أن الْوَقْف: تحبيس مالكٍ مطلق التصرف ماله المنتفع به مع بقاء عينه، بقطع تصرف الواقف وغيره في رقبته (٥).

стр. 105

٥ - الْوَقْف عند فقهاء الظاهرية: فسَّرَ ابن حزم الْوَقْف بأنّه؛ فقد جاء في المحلى: "وَالتَّحْبِيسُ؛ وَهُوَ الْوَقْفُ" (١). ٦ - الْوَقْف عند فقهاء الشيعة الإمامية: عرّف بعض الإمامية الْوَقْف بأنه: "تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة" (٢)، في حين عرَّفه آخرون بأنه: "عقد يفيد تحبيس الأصل وإطلاق المنفعة" (٣)، وعرَّفه جماعة بهذا التعريف من دون ذكر العقد (٤)، وذكر بعضهم: أن الْوَقْف هو الصدقة الجارية (٥). ٧ - الْوَقْف عند فقهاء الشيعة الزيدية: عرّف الزيدية الْوَقْف بأنه: "حبس مخصوص، على وجه مخصوص، بنية القربة" (٦).

стр. 106

٨ - الْوَقْف عند فقهاء الإباضية: عرَّف الثميني الْوَقْف بأنه: حبس المعين على ملك الموقوف إليه، والتصديق بالمنفعة (١)، وجاء في شرح النيل: "حقيقة الحبس: وقف مال يمكن الانتفاع به بقاءَ عينه؛ لقطع تصرف الواقف وغيره في رقبته؛ لصرف منافعه في جهة خير؛ تقربًا إلى الله تعالى (٢). ثالثًا: الألفاظ ذات الصلة: ١ - الوصية: الوصية في اللغة: الوصل، يقال: "وَصَيْتُ الشيء بالشيء أَصِيه، من باب وَعَدَ: وَصَلْتُهُ، ووصَّيْتُ إلى فلان توصيةً، وأوصيتُ إليه إيصاءً ... والاسم الوِصَاية بالكسر، والفتح لغة، وهو وَصِيٌّ: فِعِيلٌ بمعنى مفعول، والجمع الأوصياء، وأوصيتُ إليه بمال؛ جعلته له، وأوصيته بولده: استعطفتُهُ عليه، وهذا المعنى لا يقتضي الإيجاب، وأوصيته بالصلاة أمرته بها" (٣). والوصية في اصطلاح الفقهاء هي: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت على وجه التبرع (٤). والصلة بين الْوَقْف والوصية أن كليهما تبرع، وتختلف الوصية عن الْوَقْف بأن الوصية تبرع مضاف إلى ما بعد الموت.

стр. 107

٢ - الصدقة: الصَّدقة بفتح الدال لغة: "ما أعطيته في ذات الله تعالى للفقراء، وفي الصحاح ما تصدَّقت به على الفقراء، وفي المفردات: الصدقة: ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القُربة؛ كالزكاة، لكن الصدقة في الأصل تُقال للمتطوَّع به، والزكاة تقال للواجب، وقيل: يسمى الواجب صدقة إذا تحرّى صاحبه الصِّدق في فعله" (١). وفي الاصطلاح الفقهي: إعطاء المال ونحوه بقصد ثواب الآخرة (٢). وعرَّف الرصاع الصدقة بأنها: "تمليك ذي منفعة لوجه الله بغير عوض" (٣). والصلة بين الْوَقْف والصدقة أن الصدقة أعم من الْوَقْف؛ فكل وقف صدقة، وليس كل صدقة وقفًا. ٣ - الهبة: الهبة في اللغة: "العطية الخالية من الأعواض والأغراض، فإذا كثرت سمي صاحبها وهَّابًا" (٤). والهبة في اصطلاح الفقهاء: "تمليك بلا عوض، ولثواب الآخرة" (٥).

стр. 108

والصلة بين الهبة والوقف أن الهبة أعم من الْوَقْف؛ إذ الهبة تمليك للعين والمنفعة، أما الْوَقْف فإنه تمليك للمنفعة فقط دون العين. ٤ - الحبس: الحَبْسُ في اللغة: "المنع والإمساك، وهو ضد التَّخلية، كالمَحْبَس، كمقْعَد، قاله بعضهم ... قال سيبويه: المَحْبِسُ على قياسهم: الموضع الذي يُحبس فيه، والمَحْبَسُ: المصدر، وقال الليث: المَحْبِسُ يكون سِجْنًا، ويكون فعلا، كالحَبْس، حبَسَهُ يَحْبِسُه، من حبس (ضرب)، حبسًا، فهو محبوس وحبيسٌ، الحَبْسُ: الشجاعة ... الحَبْسُ: الجبلُ الأسود العظيم ...... والجمع أحباس، وقيل: ما سُدَّ به مجرى الوادي في أي موضع حَبْسٌ، وقال ابن الأعرابي: هي حجارةٌ توضع في فوهة النهر تمنع طغيان الماء" (١). والحبس في الاصطلاح يطلق على معنيين، أحدهما: "تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه" (٢)، والثاني: بمعنى الْوَقْف؛ وهذا المعنى هو المراد بالوقف الاصطلاحي عند جمهور الفقهاء (٣). ويرى فقهاء الإمامية أن الْوَقْف يفترق عن الحبس في أن الْوَقْف مؤبد ولا يقبل الرجوع ولا يورث عن الواقف، بخلاف الحبس فإنه يكون مؤقتًا ويورث عن الحابس.

стр. 109

قال في شرائع الإسلام: "لو شرط عوده إليه عند حاجته صحَّ الشرط وبطل الْوَقْف، وصار حبسًا، يعود فيه مع الحاجة ويورث" (١). وقال في الروضة البهية: "لو قرنه - أي الْوَقْف بمدة، أو جعله على من ينقرض غالبًا؛ لم يكن وقفًا، والأقوى صحته حبسًا، يبطل بانقضائها وانقراضه، فيرجع إلى الواقف، أو وارثه حين انقراض الموقوف عليه؛ كالولاء" (٢). والصلة بين الْوَقْف والحبس عند جمهور الفقهاء هي: الترادف (٣)، أما على مذهب الإمامية فقد تقدم تفريقهم بينهما. ٥ - التبرع: التبرع، لغة مأخوذة من "برع) بروعًا: فاق نظراءه في أَمر ... (برع) براعة: فاق نظراءه في أمر؛ فَهُوَ بارع وبريع، تبرع بالعطاء أعطى من غير سُؤال، وتفضل بما لا يجب عليه، غير طَالب عوضًا ... (البراعة): كَمَال الْفَضْل، وَحُسن الفصاحة الخَارجة عن نظائرها" (٤)؛ وعرَّفه علي حيدر بأنه: "إعْطَاءُ الشَّيْءِ غَير الواجب، إعطاؤه إحسانا من المعطي" (٥). فالصلة بين الْوَقْف والتبرع هي العموم والخصوص، فالتبرع أعم من الْوَقْف، فكل وقف تبرُّع، وليس كل تبرُّع وقفًا.

стр. 110

المبحث الثاني مشروعية الْوَقْف ذهب جمهور الفقهاء، من الحنفية في المذهب (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) والظاهرية (٥) والزيدية (٦) والإمامية (٧) إلى مشروعية الْوَقْف، وهو قول لبعض الإباضية (٨) في الْوَقْف الخيري دون الأهلي. واستدل جمهور الفقهاء لما ذهبوا إليه بالكتاب والسنة، وآثار الصحابة، والإجماع، والنظر (المعقول).
следующие страницы →