المبحث الثالث اشتراط صحة التملك
هنالك قولان للمذاهب الفقهية في اشتراط صحة التملك للموقوف عليه؛ هما:
القول الأول: يشترط صحة التملك للموقوف عليه: وإليه ذهب الحنفية، والشافعية، والمالكية، والحنابلة، والإمامية، والإباضية.
القول الثاني: لا يشترط صحة التملك للموقف عليه: وإليه ذهب الزيدية.
وتفصيل ذلك على النحو الآتي:
القول الأول: الذي يشترط صحة التملك للموقوف عليه:
أولًا: الحنفية:
قال الشيخ أبو بكر بن علي المعروف بالحدادي العبادي: "ولا يجوز الوقف على من لا يملك، كالعبد والحمل" (١).
ونقل ابن عابدين عن الإسعاف للطرابلسي قوله: "لو قال على ولدي وأولادهم وأولاد أولادهم وله أولاد مات بعضهم قبل الوقف، يكون على الأحياء وأولادهم فقط دون أولاد مَن مات قبل الوقف؛ لأن الوقف لا يصح إلا على الأحياء ومن سيحدث دون الأموات، وقد أعاد الضمير إلى أولاد الأحياء يوم الوقف دون غيرهم ولو قال على ولدي وولد ولدي وأولادهم دخلوا لقوله وولد ولدي فإن ولد من مات قبله ولد ولده" (٢).
وذكر الخصاف: أن "الميت لا يجوز أن يوقف عليه، ولا يوصى له بشيء" (٣).
стр. 492
ثانيًا: الشافعية:
أ) اشترط المذهب أن يكون الوقف على فرد أو جهةٍ تَصِحُّ مِلْكُها أو التَّمَلُّك لها لأن غَلَّة الوقف مملوكةٌ، ولا تصح إلا فيما يصح أن يكون شيءٌ من ذلك مالكًا (١).
ب) من الأمثلة على من لا يجوز الوقف عليه لعدم صحة تملكه في المذهب الشافعي (٢):
١ - الدار: لأنها لا تُمَلَّك، أما إن وقفها على عِمَارةِ دارِ زيدٍ، فإن كانت وقفًا صح هذا الوقف: لأن الوقف طاعةٌ وحفظَ عمارته قُرْبَةٌ، فصار كما لو وقفها على مسجدٍ أو رِبَاطٍ (٣).
٢ - البهيمة (٤): ولذا لا يصح الوقف على الوحوش أو الطيور المباحة أو علفها (٥)، ويستثني
стр. 493
من ذلك الخيل الموقوفة في الثغور ونحوها فيصح الوقف على علفها (١).
٣ - الجنين (٢).
٤ - المعدوم (غير الموجود): فلا يصح الوقف على مسجد سيبني، ولا على ولده وهو لا ولد له، ولا على فقراء أولاده ولا فقير فيهم (٣)، ولا على من سيولد له من الأولاد (٤).
٥ - الميت (٥).
стр. 494
ثالثًا: المالكية:
فقد اشترط فقهاء المالكية أن يكون الموقوف مملوكًا للواقف، فلا يصح وقف الدار المستأجرة، صرح بذلك ابن الحاجب وابن عرفة (١)، ولو كان الملك بالتعليق، كأن يقول: إن ملكت دار فلان فهي وقف، أو كان الوقف مشتركا شائعا فيما قبل القسمة، وأما ما لا يقبل القسمة ففيه قولان مرجحان، والوقف المملوك ما يشمل ملك الذات وملك المنفعة، فإن كانت الدار مؤجرة فله حبس منفعتها مدة الإجارة وينقضي الوقف بانقضائها (٢).
رابعًا: الحنابلة:
أ) هنالك اتفاق على أنه لا يصح الوقف على من لا يملك؛ وذلك لأن الوقف تمليك، فلا يصح على من لا يملك (٣).
ومن الأمثلة التي ساقوها على عدم صحة الوقف على من لا يملك (٤): أنه لا يصح الوقف على:
١ - الميت.
стр. 495
٢ - الحمل: وهناك من يعتبر أن الحمل من المعدوم؛ فلا يصح الوقف عليه (١).
٣ - الْبَهِيمَةُ: لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عليها وهو الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الأَصْحَاب، وهنالك قول بالصِّحَّةَ كما في الْوَقْفِ على الْقَنْطَرِة والسِّقَايَةِ وَيُنْفِقُ عليها (٢).
فإن قيل: قد جوزتم الوقف على المساجد والسقايات وأشباهها، وهي لا تملك، قلنا: الوقف هناك على المسلمين (٣).
ب) لا يصح الوقف على الحمل أصالة بل تبعا في المذهب الحنبلي:
لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ على الْحَمْلِ بِنَاءً على أَنَّهُ تَمْلِيكٌ وَأَنَّهُ لَا يَمْلِك، وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ منهم. لكن مَنْع الْوَقْفِ على الْحَمْلِ يَخْتَصُّ بِمَا إذَا كان الْحَمْلُ أَصْلًا في الْوَقْفِ، أَمَّا إذَا كان تَبَعًا بأن وَقَفَ على أَوْلادِهِ أو أَوْلادِ فُلَانٍ وَفِيهِمْ حَمْلٌ أو انْتَقَلَ إلَى بَطْنِ وَفِيهِمْ حَمْلٌ فَيَصِحُّ بِلَا نِزَاعٍ لَكِنْ لَا يُشَارِكُهُمْ قبل وِلَادَتِهِ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ، فمن قال وَقَفْت على من سَيُولَدُ لي أو من سَيُولَدُ لِفُلَانٍ لم يَصِحَّ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الأَصْحَابِ (وَإن كان هنالك من فقهاء المذهب الحنبلي من أجاز الْوَقْفِ على الْحَمْلِ ابْتِدَاءً) (٤)، فمن وقف على أولاده أو أولاد غيره، وفيهم حمل، لم يستحق شيئًا قبل انفصاله؛ لأنه لم تثبت له أحكام الدنيا قبل انفصاله (٥).
стр. 496
خامسًا: الإمامية:
أ) يشترط المذهب صحة التملك إذا كان الموقوف عليه أفرادًا (١)، فلا بد أن يكون الموقوف عليه ابتداء ممن يملك المنفعة، ولا يجوز أن يقف شيئًا على من لا يملك في الحال (٢)، في حين لا يشترط ذلك في الوقف على جهة؛ كالقناطر والمساجد والمارستان وغيرها مما فيه مصالح المسلمين، وإن كانت هذه الأشياء لا تملك؛ لأن الوقف عليها لمصالح المسلمين، فالوقف عليها وقف على المسلمين، والمسلمون يملكون (٣).
ب) من الأمثلة على عدم صحة التملك، وبالتالي عدم صحة الوقف عليهم في المذهب الإمامي (٤):
١ - على الحمل (٥). لكن لو وقف على الحمل تبعا للموجود صح (٦).
стр. 497
٢ - على المعدوم ابتداء (١)، إذ يشترط وجود الموقوف عليه ابتداء (٢)، والمراد بكونه ابتداء: أن يكون هو الطبقة الأولى (٣)، فلا يجوز أن يقف شيئًا على من يرزق من الأولاد (٤)، لكن يصح الوقف على المعدوم تبعًا للموجود (٥).
٣ - على الميت، لعدم صلاحيته للتملك (٦).
سادسًا: الإباضية:
ذكر السالمي عدم صحة الوقف على طيور مكة لأنها لا تملك. وقال عن وقف الحب على طيور الحرم، إنه: "ليس بشيء لأن طيور مكة لا تملك شيئًا" (٧).
القول الثاني: الذي لا يشترط صحة التملك للموقف عليه، وهو قول الزيدية:
فالمذهب أنه يجوز الوقف على المعدوم كَأَنْ يَقِفَ عَلَى الْحَمْلِ أَوْ عَلَى أَوْلادِ فُلانٍ قَبْلَ أَنْ يُوجَدُوا (٨).
стр. 498
المبحث الرابع اشتراط حيازة الموقوف عليه للوقف
هنالك قولان في اشتراط حيازة الموقوف عليه للوقف:
القول الأول: اشترط حيازة (قبض) الموقوف عليه للوقف ولو حكما عن طريق وليه أو من ينوب عنه: وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن الشيباني من الحنفية، وإليه ذهب المالكية في المذهب، وهو رأي عند الحنابلة، وذهب إليه الإمامية في المذهب.
القول الثاني: لم يشترط حيازة الموقوف عليه للوقف: وهو قول أبي يوسف من الحنفية، ورأي عند المالكية، وذهب إليه الشافعية في المذهب، والحنابلة في المذهب، والظاهرية في المذهب، والزيدية في المذهب.
وتفصيل ذلك على النحو الآتي:
القول الأول: الذي يرى اشتراط حيازة (قبض) الموقوف عليه للوقف ولو حكمًا عن طريق وليه أو من ينوب عنه:
أولًا: مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن الشيباني من الحنفية:
وهو اشتراط التسليم للمتولي وحيازته، إلا أن أبا حنيفة يشترط لزوال ملك الرقبة الموقوفة عن الواقف أن يتصل به قضاء القاضي، أو أن يضيفه إلى ما بعد الموت بأن قال: إذا مُتّ، فقد جعلت داري أو أرضي وقفًا على كذا، أو قال: هو وقف في حياتي صدقة بعد وفاتي.
أما إذا لم توجد الإضافة إلى ما بعد الموت، ولا اتصل به حكم حاكم، فاختلفا في جوازه مزيلًا لملك الرقبة، فقال أبو حنيفة: لا يجوز، وللواقف بيع الموقوف وهبته، وإذا مات يصير ميراثًا لورثته. وقال محمد بن الحسن الشيباني: يجوز، فلا يباع ولا يوهب ولا يورث.
فقال الكاساني: "وأما شرائط الجواز فأنواع بعضها يرجع إلى الواقف وبعضها يرجع إلى نفس الوقف وبعضها يرجع الموقوف. أما الذي يرجع إلى الواقف
стр. 499
فأنواع ... ومنها أن يخرجه الواقف من يده ويجعل له قيما ويسلمه إليه عند أبي حنيفة ومحمد ... واحتج بما روي أن سيدنا عمر ﵁ وقف وكان يتولى أمر وقفه بنفسه وكان في يده، وروي عن سيدنا علي ﵁ أنه كان يفعل كذلك؛ ولأن هذا إزالة الملك لا إلى أحد (١)، فلا يشترط فيه التسليم؛ كالإعتاق، ولهما أن الوقف إخراج المال عن الملك على وجه الصدقة فلا يصح بدون التسليم كسائر التصرفات. وأما وقف عمر وعلي ﵄ فاحتمل أنهما أخرجاه عن أيديهما وسلماه إلى المتولي بعد ذلك، فصح؛ كمن وهب من آخر شيئًا أو تصدق أو لم يسلم إليه وقت الصدقة والهبة ثم سلم صح التسليم، كذا هذا، ثم التسليم في الوقف عندهما أن يجعل له قيما ويسلمه إليه، وفي المسجد أن يصلي فيه جماعة بأذان وإقامة بإذنه، كذا ذكر القاضي في شرح الطحاوي، وذكر القدوري ﵀ في شرحه أنه إذا أذن للناس بالصلاة فيه فصلى واحد كان تسليما ويزول ملكه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله" (٢).
وذكر علي القاري في فتح باب العناية بشرح النقاية: " (فلا يزول ملك المالك عند أبي حنيفة ﵀ ... (إلا أن يحكم به حاكم) ولَّاه الإمام، فإنه حينئذ يزول ملك الواقف عنه لقضائه في أمر مجتهد فيه. وصورة الحكم أن يسلم الواقف وقفه إلى المتولي، ثم يريد أن يرجع بعلة عدم اللزوم، فيختصمان إلى القاضي فيقضي باللزوم. (وإلا في مسجد بُني وأفرز بطريقه) أي ميز به عن غيره بتعينه (وأذن للناس بالصلاة فيه) أي إذنا عاما (وصلى فيه واحد) فإنه أيضًا يزول ملكه عنه، لأنه جعله خالصا لله تعالى. وشرط الإفراز، لأنه لا يخلص لله إلا به، والإذن بالصلاة لأن التسليم لا بد منه عند أبي حنيفة ومحمد، وهو في المسجد بذلك، لأنه في كل شيء بحسبه، واكتفى بصلاة الواحد، لأن فعل الجميع متعذر فاشترط الأقل، ولأن
стр. 500
المسجد موضع السجود، ويحصل بفعل الواحد. (وعند محمد تسليمه) أي الوقف (إلى المتولي وقبضه) أي قبض المتولي (شرط) في زوال ملك الواقف عنه، لأنه تقرب إلى الله تعالى بماله فيتوقف جوازه على التسليم؛ كالصدقة بالعين" (١).
وقال الطحاوي: "ثم تكلم الذين أجازوا الصدقات الموقوفات فيها بعد تثبيتهم إياها على ما ذكرنا ... وقال بعضهم: لا ينفذها حتى يخرجها من يده ويقبضها منه غيره، وممن قال بهذا القول ابن أبي ليلى ومالك بن أنس ومحمد بن الحسن رحمة الله عليهم" (٢).
وقال العيني شارحًا لكلام الطحاوي: "وقال بعضهم: وأراد بهم طائفة من فقهاء المدينة والكوفة يشترط القبض، حتى إنه لا ينفذ حتى يقبضها منه غير الواقف، وممن قال بذلك: محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قاضي الكوفة، ومالك بن أنس ومحمد بن الحسن والشافعي في أصح أقواله" (٣).
ثانيًا: المالكية في المذهب:
اشترط المذهب حيازة الموقوف عليه للوقف بشخصه أو عن طريق وليه؛ كالولي للسفيه، والأخوة الكبار للصغار (٤).
стр. 501
ثالثًا: رأي عند الحنابلة:
هنالك من رأى من فقهاء المذهب الحنبلي اشتراط حيازة الموقوف عليه للوقف، وذلك بأن يخرج الواقف الوقف عن يده ويسلمه إما إلى الموقوف عليه، أو إلى ناظر أو وصي يقوم به، أو إلى الحاكم (١)، فَعَلَى هذا الرأي إنْ مَاتَ الواقف قبل إخْرَاجِهِ وَحِيَازَتِهِ بَطَلَ وكان مِيرَاثًا (٢).
رابعًا: الإمامية في المذهب:
وقد فصلوا رأيهم في المذهب على النحو الآتي:
أ) فإذا كان الموقوف عليه معينًا: فالمذهب أنه يشترط حيازة (قبض) الموقوف عليه المعين للوقف (٣)، وإنما يشترط القبض في البطن الأول (٤)، ولا يعتبر القبض في البطن الثاني (٥)، باستثناء الوقف على صغار الأولاد فلا يشترط قبضهم، فلو قبض لهم أبوهم أو جدهم أو الوصي جاز، وكان قبضة قبضًا عنهم (٦).
стр. 502
ب) أما إذا كان الوقف على جهة؛ كالفقراء والفقهاء أو قنطرة: فلا بد من قبض الناظر، وإن لم يكن ناظرًا فينصب الحاكم قيمًا يقبض الوقف، ولو قبض الحاكم جاز قطعًا؛ لأنه نائب عن الموقوف عليه (١).
القول الثاني: الذي لا يرى اشتراط حيازة الموقوف عليه للوقف:
أولًا: قول أبي يوسف:
وهو أن القبض ليس بشرط، والوقف جائز قبض من المتصدق به أو لم يقبض، فلم يجعل حيازة الموقوف عليه شرطًا.
فقال الكاساني: "وأما شرائط الجواز فأنواع بعضها يرجع إلى الواقف وبعضها يرجع إلى نفس الوقف وبعضها يرجع الموقوف، أما الذي يرجع إلى الواقف فأنواع ... ومنها: أن يخرجه الواقف من يده ويجعل له قيمًا، ويسلمه إليه عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف هذا ليس بشرط، واحتج بما روي أن سيدنا عمر ﵁ وقف وكان يتولى أمر وقفه بنفسه وكان في يده، وروي عن سيدنا علي ﵁ أنه كان يفعل كذلك؛ ولأن هذا إزالة الملك لا إلى أحد (٢) فلا يشترط فيه التسليم؛ كالإعتاق" (٣).
وذكر علي القاري في فتح باب العناية بشرح النقاية: " (وعند أبي يوسف يزول) ملك الواقف (بنفس القول) وهو قول الشافعي وأكثر أهل العلم، لأنه إسقاط للملك، كالإعتاق" (٤).
стр. 503
وقال الطحاوي: "ثم تكلم الذين أجازوا الصدقات الموقوفات فيها بعد تثبيتهم إياها على ما ذكرنا فقال بعضهم: هي جائزة قبضت من المصدق بها أو لم تقبض، وممن قال بذلك أبو يوسف رحمة الله عليه، وقال بعضهم: لا ينفذها حتى يخرجها من يده ويقبضها منه غيره، وممن قال بهذا القول ابن أبي ليلى ومالك بن أنس ومحمد بن الحسن رحمة الله عليهم، فاحتجنا أن ننظر في ذلك لنستخرج من القولين قولًا صحيحًا فرأينا أشياء يفعلها العباد على ضروب؛ فمنها العتاق ينفذ بالقول؛ لأن العبد إنما يزول ملك مولاه عنه إلى الله ، ومنها الهبات والصدقات لا تنفذ بالقول حتى يكون معه القبض من الذي ملكها له، فأردنا أن ننظر حكم الأوقاف بأيها هي أشبه فنعطفه عليه، فرأينا الرجل إذا وقف أرضه أو داره فإنما يملك الذي أوقفها عليه منافعها، ولم يملك من رقبتها شيئًا، إنما أخرجها من ملك نفسه إلى الله ، فثبت أن ذلك نظير ما أخرجه من ملكه إلى الله ، فكما كان ذلك لا يحتاج فيه إلى قبض مع القول كان كذلك الوقوف لا يحتاج فيها إلى قبض مع القول، وحجة أخرى: أن القبض لو أوجبناه فإنما كان القابض يقبض ما لم يملك بالوقف، فقبضه إياه وغير قبضه إياه سواء، فثبت بما ذكرنا ما ذهب إليه أبو يوسف رحمة الله عليه" (١).
وقال العيني شارحًا لكلام الطحاوي: "أراد بالذين أجازوا الصدقات أهل المقالة الأولى، وأنهم بعد اتفاقهم على صحة الوقف وجوازه، اختلفوا في القبض هل هو شرط فيه كالهبة، أم ليس بشرط كالعتق؟ فقال بعضهم (وأراد بهم الشافعي - في قول - وأحمد وإسحاق): القبض ليس بشرط، وممن قال بهذا القول: أبو يوسف ... واستدل لمن لا يشترط القبض، بأن اشتراط القبض لا يفيد، لأن الموقوف عليه يقبض حينما يقبض ما لم يملكه؛ لأنه لا يملك رقبته، فإذا كان كذلك فقبضه وعدم قبضه سواء، فظهر بذلك قول أبي يوسف على قول غيره" (٢).
стр. 504
ثانيًا: رأي عند المالكية:
هناك من يرى من فقهاء المالكية جواز حَوْزَ الْوَاقِفِ لِمَا وَقَفَهُ على مَحْجُورِهِ (كالأب يجوز لأولاده) إذا أَبْرَزَهُ وَعَيَّنَهُ وَأَبَانَهُ ولم يَخْلِطْهُ بِمَالِهِ، فَإِنْ كان مُشَاعًا فَلَا يَكْفِي حَوْزُهُ وَيَبْطُلُ الْوَقْفُ إنْ حَصَلَ الْمَانِعُ (١).
ثالثًا: الشافعية في المذهب:
يرى المذهب عدم اشتراط حيازة أو قبض الموقوف عليه للوقف، فيتم الوقف وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ، لأَنَّ عُمَرَ وعليًا وفَاطِمَةُ ﵃ لَمْ يَزَالوا يَلوا صَدَقاتهم حَتَّى توفاهم الله (٢).
رابعًا: الحنابلة في المذهب:
هنالك حالتان لحيازة الموقوف عليه للوقف في المذهب الحنبلي:
أ) إذا كان الموقوف عليه معينا، فالمذهب أنه لا يشترط حيازة الموقوف عليه للوقف، إذ لا يشترط إخراج الواقف يده عن الوقف، بل يلزم الوقف بمجرد اللفظ ويزول ملك الواقف عنه (٣).
ب) إذا كان الموقوف عليه جهة (غير معين) كَالْمسَاجِد وَالْقَنَاطِرُ وَالآبَارُ ونحوها: فالمذهب أنه يَكْفِي التَّخْلِيَةُ بينها وبين الناس من غَيْرِ خِلافٍ (٤).
стр. 505
خامسًا: الظاهرية في المذهب:
لا يشترط المذهب حيازة الموقوف عليه للوقف، بل هو جائز حتى لو بقي في حيازة الواقف (١)، لأن الوقف خارج إلى قبض الله له الذي هو وارث الأرض ومن عليها وكل شيء بيده وفي قبضته. وقد أجاز رسول الله ﷺ صدقة أبي طلحة لله تعالى دون أن يذكر متصدقًا عليه ثم أره ﵊ أن يجعلها في أقاربه وبني عمه (٢).
سادسًا: الزيدية في المذهب:
المذهب عدم اشتراط حيازة أو قبض الموقوف عليه للوقف، فليس شرطًا أن يخرج الواقف الوقف عن يده (٣).
стр. 506
المبحث الخامس الوقف على الجهات الخيرية
المسألة الأولى: اشتراط تعيين الجهة الموقوف عليها وبيان مصرفها
هنالك قولان في اشتراط تعيين الجهة الموقوف عليها، وبيان مصرفها:
القول الأول: يشترط تعيين الجهة الموقوف عليها وبيان مصرفها: وإليه ذهب الشافعية في المذهب، والحنابلة في المذهب، والإمامية في المذهب.
القول الثاني: لا يشترط تعيين الجهة الموقوف عليها ولا بيان مصرفها: وإليه ذهب المالكية في المذهب، ورأي عند الشافعية، والظاهرية في المذهب، والزيدية في المذهب، والإباضية في المذهب.
وتفصيل ذلك على النحو الآتي:
القول الأول: الذي يشترط تعيين الجهة الموقوف عليها وبيان مصرفها:
أولًا: الشافعية في المذهب:
اشترط المذهب تعيين الجهة الموقوف عليها وبيان مصرفها (١)، فَإِنْ قَالَ: وَقَفْتُهُ عَلَى مَا شَاءَ زَيْدٌ كَانَ بَاطِلًا، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: وَقَفْتُهُ فِيمَا شَاءَ الله، كَانَ بَاطِلًا لأنَّهُ لا يَعْلَمُ مَشِيئَةَ اللهِ تَعَالَى فِيهِ (٢)، وكذا لو وقف على أحد رجلين على الإبهام فهو فاسد (٣).
стр. 507
ثانيًا: الحنابلة في المذهب:
المذهب أنه لا بد من تحديد الجهة التي يصرف لها الوقف. فلا يصح الوقف إلا على جهة صرف محددة (فردا أو جماعة، أو جهة) كولده، وأقاربه، ورجل معين، ولا يصلح على غير معين كرجل وامرأة؛ لأن الوقف تمليك للعين أو للمنفعة، فلا يصح على غير معين كالبيع والإجارة (١)، ولا يصح على مجهول كرجل، ولا على أحد هذين الرجلين أو المسجدين لتردده (٢)، ولا يصح على من لا يملك كالحمل، والبهيمة، والعبد، وفي المكاتب وجهان لتردده بين الحر والعبد القن (٣).
والمذهب أن الوقف غير المحدد جهة صرفه صحيح (وإن كان هنالك من قال ببطلانه) (٤). ولو جهل شرط الواقف في الصرف عمل بعادة جارية ثم بعرف لأن العادة المستمرة والعرف المستقر في الوقف يدل على شرط الواقف أكثر مما يدل لفظ الاستفاضة، فمن وقف على أحد أولاده وله عدة أولاد وجهل اسمه أنه يميز بالقرعة، ثم إن لم تكن عادة ولا عرف ببلد الواقف كمن ببادية فالتساوي، فيساوي فيه بين المستحقين لثبوت الشركة دون التفضيل (٥).
بل إن المذهب على صحة الوقف على القبيلة العظيمة كقريش وبني هاشم وبني تميم وبني وائل ونحوهم، كما يصح الوقف على أهل إقليم ومدينة كالشام ودمشق
стр. 508
ونحوهم، فيجوز للرجل أن يقف على عشيرته وأهل مدينته، بل يجوز الوقف على المسلمين كلهم (١).
ثالثًا: الإمامية في المذهب:
يرى المذهب أنه لا بد من ذكر وتعيين الموقوف عليه (جهة أم فردًا معينًا) (٢)، فلو وقف على أحد الشخصين، أو إحدى القبيلتين، أو على رجل غير معين أو امرأة غير معينة بطل الوقف، لأن الوقف يقتضي التمليك ولا يعقل تمليك من ليس معينًا (٣)، وهنالك رأي ضعيف في المذهب لا دليل عليه يرى صحة الوقف غير المحدد، ويصرف عندها إلى الفقراء والمساكين، ويبدأ بأقاربه المحتاجين إليه؛ لأنهم أولى بصدقته (٤)، ومن فقهاء المذهب من يرى أنه يصرف في البر، فجرى مجرى ما لو وقف على مصلحة فبطل رسمها، ولم يمكن الصرف إليها (٥).
القول الثاني: الذي لا يشترط تعيين الجهة الموقوف عليها ولا بيان مصرفها:
أولًا: المالكية في المذهب:
لا يشترط المذهب تعيين الجهة الموقوف عليها، وتحديدها ببيان مصرفها، وفي هذه الحالة يصرف الوقف للفقراء (وهنالك من يرى من فقهاء المذهب أنه يصرف في وجوه الخير
стр. 509
والبر (١)، ومن يرى أنه يحمل على المقصود بأحباس تلك الجهة ووجه الحاجة فيها (٢)).
ثانيًا: رأي عند الشافعية:
هنالك قول بجواز عدم اشتراط تعيين الجهة الموقوف عليها (٣). فَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُ هَذِهِ الدَّارَ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا ففي مَصْرِفِهِ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ: أولها: أَنَّهُ يَصْرِفُ إلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين لأَنَّ مَقْصُودَ الْوَقْفِ الْقُرْبَى، وَمَقْصُودَ الْقُرْبَى في الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَيَكُونُ أَقْرَبُ النَّاس نَسَبًا وَدَارًا مِنْ ذَوِي الْحَاجَة أَحَقَّ بِهَا. وَالَثَّاني: أَنَّهُ يَصْرِفُ فِي وُجُوهِ الْخَيْر وَالْبَرِّ لعُمُوم النَّفْع بَهَا. وَالثَّالثُ: أَنَّ الأَصْلَ وَقْفٌ، والْمَنْفَعَةُ لَهُ وَلوَرَثَتِهِ وَوَرَثَةِ وَرَثَته مَا بَقَوْا، فَإذَا انَقْرَضُوا كَانَتْ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ (٤).
ثالثًا: الظاهرية في المذهب:
لا يشترط المذهب تعيين الجهة المستفيدة من الوقف، وتحديدها وبيان مصرفها، وللواقف أن يحدد هذه الجهة متى ما أراد ما دام حيًّا على من شاء لقول رسول الله ﵁: "وسبّل الثمرة" (٥)، فإن مات ولم يفعل كانت الغلة لأقاربه وأولى الناس به حين موته (٦).
رابعًا: الزيدية في المذهب:
لا يرى المذهب اشتراط تحديد الموقوف عليه، بل يرى التَّخْيِيرُ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: وَقَفْت دَارِي عَلَى أَحْمَدَ أَوْ عَلَى أَبِيهِ، فَيَصِحُّ وَيَصْرِفُهُ فِي أَيِّهمَا شَاءَ (٧)، فللواقف على أكثر من جهة الْخِيَار فِي صَرْفِ مَنَافِعِ الوقف إلى أَيُّهَا شَاءَ (٨).
стр. 510
وَيرى المذهب جواز تأخير تحديد الجهة: فإذا لَمْ يُعَيِّنْ الْوَاقِفُ مَصْرِفًا كَأَنْ يَقُوِلَ: وَقَفْت لله ضَيْعَةَ، جَازَ لَهُ تَعْيِينُ الْمَصْرِفِ وَلَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ إلَى أَيِّ جِهَةٍ أَرَادَ، وَلَوْ إلَى أَوْلادِهِ أَوْ نَفْسِهِ أَوْ غَنِيٍّ أَوْ هَاشِمِيٍّ (١)، ومِنْ ذَلِكَ أيضًا: إذَا عَيَّنَ الْوَاقِفُ الْمَصْرِفَ وَلَمْ يُعْيِّنْ مَوْضِعَ الصَّرْفِ مِنْ أَوَّلِ الأَمْرِ بَلْ قَالَ: وَقَفْتُ هَذَا الْمُصْحَفَ لِلتِّلاوَةِ، أَوْ وَقَفْتُ ضَيْعَةَ كَذَا لإطْعَام الْفُقَرَاءِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ الْوَاقِفُ: وَقَدْ عَيَّنْتُهُ لِلتِّلاوَةِ فِي مَسْجِدِ كَذَا وَعَيَّنْتُ إطْعَامَ أَوْ إعْطَاءَ الْفُقَرَاءِ فِي مَسْجِدِ كَذَا أَوْ مَوْضِعِ كَذَا، تَعَيَّنَ أيضًا مَوْضِعُ الصَّرْفِ وَلا يَجُوزُ تَحْوِيلُهُ إذْ لا ضَرُورَةَ مَا دَامَ بَاقِيًا (٢).
كما يرى المذهب أن العبرة في تحديد الجهة قصد الواقف: فَلوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى هَذَا الْفُلانِيِّ نَحْوُ أَنْ يَقُولَ عَلَى هَذَا الْحِجَازِيِّ فَإذَا هُوَ مِصْرِيٌّ، أَوْ عَلَى هَذَا الْمِسْكِين فَإذَا هُوَ غَنِيٌّ، فَإنَّهُ يَكُونُ لِلْمُشَارِ إلَيْهِ حتى لو انْكَشَفَ أَنَّهُ غَيْرُ الْمُسَمَّى؛ لأنَّ الإِشَارَةَ أَقْوَى مِنْ التَّسْمِيَةِ (٣).
خامسًا: الإباضية في المذهب:
المذهب أنه لا يشترط تعيين الجهة الموقوف عليها ببيان مصرفها: فالوقف غير محدد المصرف جائز وتصرف منافعه للفقراء (٤)، وهنالك من يرى أن الأولى أن تنفذ الغلة في الفقراء (٥)، ولو وقف على مسجد ولم يعينه فيصرف لجامع البلد، وإن وقف على رحي ولم تكن موجودة فيجوز إحداث رحى جديدة يصرف عليها (٦)، والماء الموقوف لشيء من وجوه الأجر إذا لم يدر لأي شيء جعل، فينفذ في سبيل من سبل الخير ويتجنبه الأغنياء (٧).
стр. 511
المسألة الثانية: اشتراط عدم انقطاع الجهة
هنالك اتفاق بين المذاهب الفقهية في انقسام الموقف من حيث الانقطاع إلى ثلاثة أقسام هي:
١ - منقطع الأول (الابتداء).
٢ - منقطع الوسط.
- منقطع الآخر (الانتهاء).
وهنالك من المذاهب من أضاف إليها أقساما أخرى فصارت خمسة هي:
٤ - منقطع الطرفين (الأول والآخر).
٥ - منقطع الأطراف كلها (الأول والوسط والآخر).
وتفصيل ذلك في خمس نقاط على النحو الآتي:
النقطة الأولى: رأي المذاهب في منقطع الأول (الابتداء)
يراد به: من ليس في الطبقة الأولى من يصح الوقف عليه. مثاله: كالوقف على من لا يصح الوقف عليه، وكالوقف على نفسه أو معصية أو ميت، وكوقفته على من سيولد لي ثم على الفقراء، وكما لو وَقَفَ على من لا يَجُوزُ ثُمَّ على من يَجُوزُ.
هنالك قولان في هذه النقطة:
وتفصيل ذلك على النحو الآتي:
القول الأول: يرى صحة منقطع الأول (الابتداء): وإليه ذهب كل من: المالكية في المذهب (إذ يرون أنه لا يضر الانقطاع، فيبطل فيما لا يجوز الوقف عليه أو يتعذر، ويصح فيما يصح إذا أمكن الوصول إليه (١))، ورأي
стр. 512
عند الشافعية (١)، كما ذهب إليه الحنابلة في المذهب (فالوقف عليه عندهم صحيح؛ على الصحيح من المذهب (٢))، ورأي عند الإمامية (إذ يرى هذا الراي أنه يصرف في الحال إلى من يجوز الوقف عليهم، ومنهم من قال: يصرف إلى الفقراء والمساكين مدة بقاء الموقوف عليه أولا، ثم إذا انقرض رجعت إليهم (٣))، وذهب إليه الزيدية، فـ"لو قال وقفت على نفسي فأولادي، كان كما لو ذكر الأولاد مفردا فينتقل إلى البطن الثاني بالإرث ولا يكون ذكر النفس بمنزلة البطن، كما لو قال على أولادي فأولادهم فينتقل إلى البطن الثاني بالوقف" (٤)، "فإن قال: وقفت على البيع ثم على الفقراء صح على الفقراء لحصول القربة" (٥).
стр. 513
القول الثاني: يرى عدم صحة منقطع الأول (الابتداء): وإليه ذهب كل من: الحنفية في المذهب (ويرون أنه يصرف للفقراء (١))، والشافعية في المذهب (فالوقف عليهم باطل عندهم (٢))، والإمامية في المذهب (فالوقف عليهم غير صحيح عندهم (٣)).
النقطة الثانية: رأي المذاهب في منقطع الوسط
مثاله: كالوقف على أولاده ثم على معصية كالكنيسة أو غيرها ثم على الفقراء، وكوقفه على أولاده ثم رجل ثم الفقراء، ومثل: أن يقف على ولده ثم على عبيده ثم على المساكين.
هنالك قولان في هذه النقطة:
وتفصيل ذلك على النحو الآتي:
القول الأول: يرى صحة منقطع الوسط: وإليه ذهب كل من: المالكية في المذهب (إذ يرون أنه لا يضر الانقطاع، فيبطل فيما لا يجوز الوقف عليه أو يتعذر، ويصح فيما يصح إذا أمكن الوصول إليه (٤))، والشافعية في المذهب (فيصرف بعد الأولاد
стр. 514
للمصرف الأخير وهو الفقراء (١))، والحنابلة في المذهب (ويصرف في الحال إلى من يجوز الوقف عليه (٢))، كما أنه رأي عند الإمامية (٣).
القول الثاني: يرى عدم صحة منقطع الوسط: وإليه ذهب الحنفية في المذهب (ويصرف للفقراء (٤))، ورأي عند الإمامية (٥).
النقطة الثالثة: رأي المذاهب في منقطع الآخر (الانتهاء)
مثاله: كالوقف على أولاده ثم على معصية، وكوقفته على أولادي ولم يذكر المصرف بعدهم، وكما لو وَقَفَ على جِهَةٍ تَنْقَطِعُ ولم يذكر له مَآلًا أو على من يَجُوزُ ثُمَّ على من لا يَجُوزُ كأن يقف على أولاده ثم على البيع أو الكنائس، ومثل أن يقول: "وَقَفْت" وَيَسْكُتُ.
стр. 515
هنالك قولان في هذه النقطة:
القول الأول: يرى صحة منقطع الآخر (الانتهاء): وإليه ذهب أبو يوسف من الحنفية، والمالكية في المذهب، ورأي عند الشافعية، كما ذهب إليه الحنابلة في المذهب، والإمامية في المذهب، والإباضية.
القول الثاني: يرى عدم صحة منقطع الآخر (الانتهاء): وإليه ذهب الحنفية في المذهب، والشافعية في المذهب، والإباضية.
وتفصيل ذلك على النحو الآتي:
القول الأول: الذي يرى صحة منقطع الآخر (الانتهاء):
أولًا: أبو يوسف من الحنفية: إذ لا يشترط جعل آخر الوقف لجهة لا تنقطع بل يصح الوقف ويكون بعدها للفقراء وَإِنْ لم يُسَمِّهِمْ لأَنَّ قَصْدَ الْوَاقِفِ أَنْ يَكُونَ أَجْرُهُ لِلْفُقَرَاءِ، فَكَانَتْ تَسْمِيَةُ هذا الشَّرْطِ ثَابِتَةً دَلالَةً (١).
ثانيًا: المالكية في المذهب: فلا يضر الانقطاع، فيبطل فيما لا يجوز الوقف عليه أو يتعذر، ويصح فيما يصح إذا أمكن الوصول إليه (٢).
ثالثًا: رأي عند الشافعية (٣): وهنالك قولان في المذهب لمن رأى جواز الوقف المنقطع الآخر (الانتهاء) بشأن المصرف بعد انقطاع الوقف بانقراضهم: أحدهما أنه يعود ملكا فيصرف إلى ورثة الواقف، والثاني أنه يبقى وقفا ويصرف إلى أهم الخيرات (وفي هذا القول الثاني ثلاثة آراء؛ الأول: أنه يصرف إلى أقرب الأقارب "وهنالك
стр. 516
وجهان في اشتراك الأغنياء والفقراء، كما أن هنالك وجهان في تقديم من قدم في الإرث أو يراعى قرب الدرجة"، والثاني: أنه يصرف إلى المساكين لأنه أعم جهات الخير، والثالث: أنه يصرف إلى مصالح الإسلام فإنه الأعم) (١).
رابعًا: الحنابلة في المذهب، وهو صحيح عندهم على الصحيح من المذهب، ويصرف في وجوه البر والخير، أو لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، أو في مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمَعْنَى مُتَّحِدٌ (٢).
خامسًا: الإمامية في المذهب: ويرون أنه يرجع للواقف أو ورثته ميراثا بعد انقراض من يجوز الوقف عليه (٣).
سادسًا: الإباضية: ويرون حفظ مال الواقف إذا انقطعت جهته رجاء وجودها مستقبلا، وإن انقرضوا رجعت للوارث، إلا المسجد وموارد الماء فلا يعود ميراثا ولو إلى يوم القيامة، فجاء في التاج المنظوم: "ومن أوقف ماله على فقراء قرية كذا، فعدموا منها حبس حتَّى يوجدون فيها ولو خربت، لإمكان عمارتها ووجودهم فيها. وإن أوقفه على قوم ونُسولِهم فانقرضوا رجعت لوارثه على ما ورثه الأولون. وما وقف على مسجد أو بئر أو فلج أو نحو ذلك فخرب فهو بحاله ما رُجي عمرانه، وتجمع غلته وتوقف، ولو إلى يوم القيامة. وكذا ما وقف على الجهاد ونحوه" (٤).
стр. 517
القول الثاني: الذي يرى عدم صحة منقطع الآخر (الانتهاء):
أولًا: الحنفية في المذهب، وهو رأي أبي حنيفة ومحمد بن الحسن الشيباني: إذ يشترط المذهب عدم انقطاع الجهة وذلك بأن يجعل آخر الوقف لجهة لا تنقطع كالفقراء والمساكين ومصالح الحرم والمساجد، ولا يصح الوقف بغير ذكر ذلك (١).
ثانيًا: الشافعية في المذهب: ويرون بطلانه (٢).
النقطة الرابعة: رأي المذاهب في منقطع الطرفين (الأول والآخر)
مثاله: كالوقف على نفسه ثم على أولاده ثم على ميت، وكرجل وقف على عبيده ثم على أولاده ثم على الكنيسة.
هنالك قولان في هذه النقطة:
القول الأول: يرى صحة منقطع الطرفين (الأول والآخر): وإليه ذهب كل من: المالكية في المذهب (إذ يرون أنه يبطل فيما لا يجوز الوقف عليه أو يتعذر، ويصح فيما يصح إذا أمكن الوصول إليه (٣))، والحنابلة في المذهب (ويصرف مثل مصرف الوقف منقطع الانتهاء (٤))، ورأي عند الإمامية (٥)، وهو رأي الزيدية، فـ"إن قال: وقفت
стр. 518
على نفسي وأولادي والفقراء، صح على الأولاد والفقراء دونه، فإن قال: ثم على البيع والكنائس، لغا الثاني لا الأول" (١).
القول الثاني: يرى عدم صحة منقطع الطرفين (الأول والآخر): وإليه ذهب كل من: الشافعية في المذهب فيبطل قطعًا عندهم (٢))، كما أنه رأي عند الإمامية (٣).
النقطة الخامسة: رأي المذاهب في منقطع الأطراف كلها (الأول والوسط والآخر):
مثاله: كالوقف على نفسه ثم على أولاده ثم على المحاربين في جهة معينة ثم على مدرسة معينة ثم على الكنيسة، ومِثْلُ أَنْ يَقِفَ على من لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عليه وَيَسْكُتُ أو يَذْكُرُ مَا لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عليه أيضًا.
وقد نصَّ كل من الحنابلة (٤)، والمالكية (٥) على عدم صحة (وبطلان) منقطع الأطراف كلها.
стр. 519
المبحث السادس قسمة الوقف الذُرِّي
المسألة الأولى: كيفية القسمة بين الأولاد في الوقف
هنالك قولان في كيفية القسمة بين الأولاد في الوقف:
القول الأول: التسوية في القسمة بين الأولاد في الوقف: وإليه ذهب كثير من فقهاء الحنفية، والمالكية، ورأي عند الحنابلة، كما ذهب إليه الظاهرية، وهو رأي عند الزيدية، واتجه إليه الإمامية في المذهب، والإباضية في المذهب، وهذا ما قرره منتدى قضايا الوقف الفقهية الثاني.
القول الثاني: المفاضلة بين الأولاد (حسب قسمة الميراث): وإليه ذهب بعض فقهاء الحنفية، والحنابلة في المذهب، ورأي عند الزيدية.
وتفصيل القولين على النحو الآتي:
القول الأول: التسوية في القسمة بين الأولاد في الوقف، وتفصيله كالآتي:
أولًا: كثير من فقهاء الحنفية:
المذهب أنه لابدّ من عدل الواقف بين أولاده في قسمة الوقف، وهنالك رأيان في كيفية القسمة بالعدل: أحدهما، وسيذكر الرأي الآخَر ضمن القول الثاني، أنه يكون بالتسوية بينهم، وهو قول أبي يوسف وكثير من علماء المذهب، وأنه يكون آثما في التخصيص وفي التفضيل (١).
لكن إذا لم يبين الواقف طريقة صرف الوقف فالمذهب أنه يتم اتباع العرف الذي كان يصرف عليه، وَإِنْ أَشْكَلَ على الوصي عرف الواقف في صرف الزائد عن الحاجة فيَصْرفُ إِلَى الْفُقَرَاءِ" (٢).
стр. 520
ثانيًا: المالكية:
يصرف للموقوف عليهم وفق شرط الواقف بكتاب وقف أو بينة تشهد به ولو بالشيوع. وإن لم يعلم شرط الواقف وثبت له عادة قديمة فيصرف الوقف على ما جرت به العادة القديمة إذا لم تكن مخالفة للوجه الشرعي. وإذا لم يثبت للواقف شرط ولا عادة وثبت أن الوقف على الذرية قسم بينهم في كل سنة على السوية إلا أن يكون فيهم محتاج فللناظر أن يؤثره على غيره (١).
ثالثًا: رأي عند الحنابلة:
اتجه هذا الرأي إلى أن الواقف إذا وقف على أولاده، وأولاد أولاده، استوى فيه الذكر والأنثى؛ لأنَّهُ تشريك بينهم، وإطلاق التشريك يقتضي التسوية، كما لو أقر لهم بشيء (٢). فالمستحب التسوية بين الذكر والأنثى؛ لأن القصد القرية على وجه الدوام، وقد استووا في القرابة. فإن خالف الواقف فسوى بين الذكر والأنثى، أو فضلها عليه، أو فضل بعض البنين أو بعض البنات على بعض، أو خص بعضهم بالوقف دون بعض، فذكر أحمد في رواية أنه يكرهه إن كان على طريق الأثرة، وإن كان على أن بعضهم له عيال وبه حاجة فلا بأس به (٣).
رابعًا: الظاهرية:
يرى المذهب وجوب (فرض) التسوية بين الأبناء في الوقف لقول رسول الله ﷺ : اعدلوا بين أبنائكم"، فإن خص به بعض بنيه فالوقف صحيح ويدخل سائر الولد في الغلة والسكني مع الذي خصه (٤).
ب) إِذَا كَانَ لَفْظُ الْأَوْلَادِ مُثَنًّى فَأَكْثَرَ كَأَنْ يَقِفَ عَلَى أَوْلَادِهِ أَوَلَادَّهُمْ، أَوْ قَالَ عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ أَوْلَادُهُمْ، أَوْ عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِهِمْ فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إِلَى كُلِّ بِطُنٍ بِالْوَقْفِ، وَيَكُونُ عَلَى الرُّءُوسِ أَي بَيْنَ الذَّكْرِ وَالْأُنْثَى عَلَى سَوَاءٍ، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمِ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إِلَى أهْلِ دَرَجَتِهِ (١).
ج) وهنالك من يرى أن ذكر الأولاد مفردًا لأول درجة يقسم بينهم بالسوية، ويصير ما بيد كل واحد إلى ورثته سواء عينهم أو أطلق (٢).
إِذَا كَانَ الْمُصَرِفُ مُنْحَصِرًا نَحْوَ أَنْ يَقُولَ وَقَفَتْ عَلَى زَيْدِ وَعُمَرَ وَخَالدٍ فَإِنَّهُ يُحَصَّصُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ رُءُوَسَهْمٌ إِنْ أَطَلَقَ، أَوْ عَلَى قَدْرَ حِصَصُهُمْ مِنْ نِصْفٍ وَرُبْعٍ وَنَحْوٍ ذَلِكَ حَيْثُ حَصَّصَ الْوَاقِفُ (٣).
سادسًا: الإمامية في المذهب:
المذهب أن الأشخاص المعينين تجب التسوية والاستيعاب فيهم، ولو أمكن في ابتداء الوقف استيعابهم ثم انتشروا فالأقرب وجوب التعميم فيمن يمكن التسوية؛ لأن الواقف أراد التسوية والتعميم لإمكانه، فإذا تعذر بعد ذلك رجب العمل بما أمكن، بخلاف المنتشرين ابتداء (٤).
والمذهب أنه لو اندرس شرط الواقف وجهل مقادير السهام، أو جهل الترتيب بين الطبقة الأولى والثانية قسم بينهم بالسوية، إذ ليس بعضهم أولى بالتقدم والتفضل من بعض (٥).
стр. 523
سابعًا: الإباضية في المذهب:
إذا كان الوقف على الأولاد: فيقسم بين الرجال والنساء بالسوية (١)؛ إذ لابدَّ من التسوية في غلة الوقف بين الأولاد الذكور (٢)، وعدم إيثار البنين بالوقف دون البنات (٣).
هذا في حين أن بعض الإباضية يرى عدم جواز الوقف على الذرية، ويعتبرونه تغييرا للميراث، وهو ما نص عليه الخليلي أن "الوقف على الذرية باطل من أصله؛ إذ (لا وصية لوارث) كما ثبت في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ ، وللوقف حكم الوصية؛ لذلك أرى أن يرد هذا الوقف على ورثة المرأة الواقفة، فإن لم يوجد فإلى ورثتهم حسب قسمة الشرع الشريف في المواريث" (٤).
ثامنًا: منتدى قضايا الوقف الفقهية الثاني:
حيث نصَّ على أنه: "يتم توزيع ريع الوقف الذري بحسب شرط الواقف وصيغته، وتفسر حجة الوقف بحسب لغة الواقف وعرف البلد، ويوزع الريع بين الذرية بالتساوي ما لم يشترط الواقف غير ذلك، ويكون ترتيب الطبقات بحسب نص الواقف" (٥)، ويقصد بالذرية الأولاد ذكورا وإناثا وأولادهم ما تناسلوا، ويقصد بالأولاد من ينسب إليه من الذكور والإناث (٦).
стр. 524
القول الثاني: المفاضلة بين الأولاد (حسب قسمة الميراث)، وتفصيله على النحو الآتي:
أولًا: بعض فقهاء الحنفية:
تكون الفريضة الشرعية في الْوَقْف هي المفاضلة، فإذا أطلقها الواقف انصرفت إليها، لأنها هي الكاملة المعهودة في باب الْوَقْف، فإذا وجد ذكور فقط يحمل لفظ الفريضة الشرعية على القسمة بالسوية، لا على قسمة الميراث بينهما؛ لأن الغالب من أحوال الواقفين إرادة التفاوت بين الذكر والأنثى، فيحمل هذا اللفظ على الغالب إذا وجد ذكر وأنثى، لا إذا كانا ذكرين (١).
ثانيًا: الحنابلة في المذهب:
المستحب أن يقسم الْوَقْف على أولاده على حسب قسمة الله تعالى الميراث بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين؛ ولأن الذكر في مظنة الحاجة أكثر من الأنثى (٢)، ويقسم بينهم على قدر إرثهم من الواقف، فيستحقونه كالميراث، ويقع الحجب بينهم كالميراث (٣) ووجه ذلك أن الزبير ﵁ خصَّ المردودة من بناته دون المستغنية منهن بصدقته، وعلى قياس قول أحمد، لو خص المشتغلين بالعلم من أولاده بوقفه، تحريضًا لهم على طلب العلم، أو ذا الدين دون الفساق، أو المريض أو من له فضل من أجل فضيلته، فلا بأس، وقد دل على صحة هذا أن أبا بكر الصديق ﵁ نحل عائشة جذاذ عشرين وسقًا دون سائر ولده، وحديث عمر أنه كتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به عبد الله أمير المؤمنين، إن حدث به حدث، أن ثمغًا وصرمة بن الأكوع، والعبد الذي فيه، والمائة سهم التي بخيبر، ورقيقه الذي فيه، الذي أطعمه محمد ﷺ بالوادي، تليه حفصة ما عاشت، ثم يليه ذو الرأي من أهلها، أن لا يباع ولا يشترى، ينفقه حيث
стр. 525
رأى من السائل والمحروم وذوي القربي، لا حرج على من وليه إن أكل أو آكل أو اشترى رقيقًا منه، وفيه دليل على تخصيص حفصة دون إخوتها وأخواتها (١).
ثالثًا: رأي عند الزيدية:
يرى هذا الرأي أن التشريك بينهم يكون بحسب الإرث: فَإِذَا كَانَ لَفْظُ الْأَوْلَادِ مُفْرَدًا كَأنْ يَقُولُ وَقْفٌ عَلَى أَوْلَادِي فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَفُلَانَةَ أَوْ عَلَى أَوْلَادِي وَأَطْلَقَ، فَيَكْونُ تَقْسِيمَ غَلَّةِ الْوَقْفَ بَيْنَهُمْ بِحَسْبُ الْإِرْثِ لِلذِّكْرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَيُدْخِلُ مِنْ وَلَدٍ وَيَخْرُجُ مَنْ يَمُوتُ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ إِلَى وِرْثَتِهِ بِالْإِرْثِ وَمِنْهُمِ الزَّوْجَاتِ وَأَوْلَادِ الْبنَاتِ (٢)، وَكَذَلِكَ إِذَا قَال وَقَفَتْ عَلَى ابْنِي، وَكَانَ لَهُ أَكْثَرُ مَنْ وَاحِدُ فَلَمْ يُعَيِّنْهُ حَتَّى مَاتَ عَيَّنَهُ الْوَصِيُّ إِنَّ كَانَ أَوِ الْأَبْنَاءُ مَعَ التَّرَاضِي، وإِلَّا اِقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ عَلَى الرُّءُوسِ لِأَنَّهُ مُلَتَبْسٌ بَيْنَ مَحْصُورِينِ (٣).
المسألة الثانية: الاشتراك في الْوَقْف على القرابة
هنالك اتفاق بين المذاهب الأربعة: الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي: أنه يقسم بينهم بالسوية (٤)، وبيان ذلك على النحو الآتي:
أولًا: المذهب الحنفي:
يرى المذهب أنه لَو وقف على قَرَابَتِه من قبل أبيه وَأُمِّه وَحتَّى لو من قِبَل أبيه فقط أو أُمِّه فقط فالمذهب أنه يشترك فيه من كان من قِبَلِ أبيه وَأُمِّه معًا وَمَنْ كان
стр. 526
من قبل أبيه فقط أو من كان من قِبَلِ أُمِّه فقط تُقَسَّمُ على عَدَدِ رُوُسِهِمْ ولا تَتَرَجَّحُ قَرَابَتُهُ من قِبَلِ أبيه وَأُمِّهِ (١).
وَلَوْ وَقف عَلَى قَرَابَتِهِ الْأقْرَبِ فَالْأقْرَبِ أَوِ الْأَدْنَى فالأدني فَالْمَذْهَبَ أَنَّهُ تَجِبُ الْغُلَّةُ لِأَقْرَبُ قَرَابَتَهُ إِلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الْأقْرَبُ وَاحِدًا فَجَمِيعَ الْغُلَّةِ لَه، وَإِنَّ كَانُوا جَمَاعَةً قَسَّمَتْ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الذِّكْرَ وَالْأُنْثَى، فَإِذَا اِنْقَرَضَ هَؤُلَاءِ فالْغُلَّةُ مِمَّنْ يَلِيهُمْ فِي الْقُرْبِ حَتَّى تصيرُ إِلَى أَبْعَدِهِمْ قَرَابَةً، وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَإِلَيْهُ ذَهَبَ هَلَالِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، وَقَالَ أَبُو يُوسف رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى تَكُونُ الْغُلَّةُ لِأَقْرَبِهِمْ وَأبْعدهمْ إِلَى الْوَاقِفِ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ (٢).
ثانيا: المذهب المالكي:
يرى أصحابه أنه يشترك في الوقف على القرابة: الأقرب فالأقرب، ويدخل الأعمام والعمات والأخوال والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، وعن مالك: يدخل أقاربه من أبيه وأمه، وهنالك من يرى (مثل أشهب) دخول كل ذي محرم منه من قبل الرجال والنساء محرم منه أم لا لصدق اللفظ عليه، ومن يرى دخول كل من يعرف بقرابته، ولا يدخل ولد البنات وولد الخالات (٣)، وإذا وقف داره على ابنه وامرأته فهي بينهما نصفان (٤).
ويدخل في الوقف على الآباء: الآباء والأمهات والأجداد والجدات والعمومات وإن بعدوا. واختلف في الأحوال والخالات، والاختيار دخولهن (٥).
ثالثًا: المذهب الشافعي:
يذكر المذهب من الأمثلة على القسمة بينهم بالسوية: أنه لو جمع في الوقف بين سبيل الله تعالى، وسبيل الثواب، وسبيل الخير: صرف الثلث إلى الغزاة، والثلث إلى أقاربه، والثلث إلى الفقراء والمساكين والغارمين وابن السبيل وفي الرقاب (٦).
стр. 527
رابعًا: المذهب الحنبلي:
يرى المذهب أنه إن وقف على قرابته فهو للذكر والأنثى من أولاده وأولاد أبيه (وهم إخوته وأخوته) وأولاد جده (وهم أبوه وأعمامه وعماته) وأولاد جد أبيه (وهم جده وأعمامه وعمات أبيه فقط)؛ لأنَّهُ ﷺ لم يجاوز بني هاشم بسهم ذوي القربى فلم يعط من هو أبعد كبني عبد شمس وبني نوفل شيئًا، وإنما أعطى بنى المطلب لأنهم لم يفارقوه في جاهلية ولا إسلام، ولم يعط قرابته من جهة أمه وهم بنو زهرة شيئًا منه. ويسوي بين من يعطي منهم فلا يفضل أعلى ولا فقيرا ولا ذكرا على من سواه (١).
المسألة الثالثة: الاشتراك في الْوَقْف على العقب
وفيها أربعة أقوال:
القول الأول: يرى عدم دخول أبناء البنات في العقب: وإليه ذهب الحنابلة في المذهب، والظاهرية.
القول الثاني: أنه لا يدخل في العقب إلا الرجال دون النساء: وإليه ذهب الإباضية في المذهب.
القول الثالث: يرى أنه يساوي بينهم: وهو رأي عند المالكية، ورأي عند الحنابلة.
القول الرابع: يراعي فيهم الحاجة: وهذا رأي آخر عند المالكية.
وتفصيل ذلك على النحو الآتي:
القول الأول: الذي يرى عدم دخول أبناء البنات في العقب:
أولًا: الحنابلة في المذهب:
ومن الأمثلة على ذلك في المذهب أنه إذا وَقَفَ عَلَى عَقِبِهِ أَوْ وَلَدَ وَلَدُهُ أَوْ ذُرِّيَّتِهِ دخل فِيهِ وَلَدُ الْبَنِينِ بِلَا نِزَاعٍ فِي عَقِبِهِ أَوْ ذُرِّيَّتِهِ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبَنَاتِ إِذَا وَقْفَ
стр. 528
على ولد ولده، أو قال: على أَوْلَاد أولادي وَإِنْ سَفُلُوا، نَصُّ عليه الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وهو الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ (١).
ثانيًا: الظاهرية:
ومن الأمثلة على ذلك في المذهب أنه من حبس على عقبه بن بن وعلى عقب عقبه بن بن، أو على زيد وعقبه؛ فإنه يدخل في ذلك البنات والبنون، ولا يدخل في ذلك بنو البنات إذا كانوا ممن لا يخرج بنسب آبائه إلى الواقف؛ لقول رسول الله ﷺ : "إنما بنو هاشم وبنو عبد المطلب شيء واحد"، وأعطاهم من سهم ذي القربى، ولم يعط عثمان ولا غيره، وجدة عثمان بنت عبد المطلب، فلم يدخل في بني هاشم؛ إذ لم يخرج بنسب أبيه إليه، وإن كان خارجًا بنسب أمه إليه؛ وهي أروى بنت البيضاء بن عبد المطلب، وأعطى العباس وأمه نمرية (٢).
القول الثاني: الذي يدخل في العقب الرجال دون النساء، وهو ما ذهب إليه الإباضية في المذهب:
فالمذهب إن كان الْوَقْف على العقب فيكون للرجال دون النساء (٣).
القول الثالث: الذي يساوي بين العقب في الْوَقْف:
أولًا: رأي عند المالكية:
إن كان الْوَقْف معقبًا فهناك من يرى المساواة مطلقًا (٤).
стр. 529
ثانيًا: رأي عند الحنابلة:
ويرى هذا الرأي أنه إذا وَقْفَ عَلَى عَقِبِهِ بْن أَوْ وَلَدَ وَلَدُهُ أَوْ ذُرِّيَّتُهُ دخل فِيهِ وَلَدُ الْبَنَيْنِ بِلَا نِزَاعٍ فِي عَقِبِهِ بْن أَوْ ذُرِّيَّتُهُ (١)، وهنالك من فقهاء المذهب من يرى أنه إذا جمع بين القوم وأولادهم وعقبهم بواو الجمع، يشترك فيه الجميع (٢)، فالواو تدل على التشريك (٣)، كما أنه إذا وقف على قوم وأولادهم وعقبهم ونسلهم، كان الوقف بين القوم وأولادهم، ومن حدث من نسلهم، على سبيل الاشتراك، إن لم تقترن به قرينة تقتضي ترتيبا؛ لأن الواو تقتضي الاشتراك، فإذا اجتمعوا اشتركوا، ولم يقدم بعضهم على بعض، ويشارك الآخَر الأول، وإن كان من البطن العاشر (٤).
القول الرابع: الذي يراعي في العقب الحاجة، وهو رأي عند المالكية:
هنالك من يرى من فقهاء المالكية (ومنهم مالك) إيثار الفقير على الغني؛ لأن مقصد الأوقاف سد الخلات، والآباء على الأبناء (٥)، وذكر ابن القاسم أنه لا يعتبر في الغلة كثرة العدد بل أهل الحاجة، وفي السكنى كثرة العائلة لأنهم يحتاجون إلى سعة المسكن، والمحتاج الغائب أولى من الغني الحاضر؛ لأن مبنى الأوقاف على سيد الخلات، ولا يخرج أحد لمن هو أحوج منه، ولا الغني للفقير القادم؛ لأن الحوز نوع من التملك، ويستوي في الغلة المنتجع والمقيم، فإن استوت الحاجة أو العيال فعلى العدد الذكر والأنثى سواء (٦).