من قبل أبيه فقط أو من كان من قِبَلِ أُمِّه فقط تُقَسَّمُ على عَدَدِ رُوُسِهِمْ ولا تَتَرَجَّحُ قَرَابَتُهُ من قِبَلِ أبيه وَأُمِّهِ (١).
وَلَوْ وَقف عَلَى قَرَابَتِهِ الْأقْرَبِ فَالْأقْرَبِ أَوِ الْأَدْنَى فالأدني فَالْمَذْهَبَ أَنَّهُ تَجِبُ الْغُلَّةُ لِأَقْرَبُ قَرَابَتَهُ إِلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الْأقْرَبُ وَاحِدًا فَجَمِيعَ الْغُلَّةِ لَه، وَإِنَّ كَانُوا جَمَاعَةً قَسَّمَتْ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الذِّكْرَ وَالْأُنْثَى، فَإِذَا اِنْقَرَضَ هَؤُلَاءِ فالْغُلَّةُ مِمَّنْ يَلِيهُمْ فِي الْقُرْبِ حَتَّى تصيرُ إِلَى أَبْعَدِهِمْ قَرَابَةً، وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَإِلَيْهُ ذَهَبَ هَلَالِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، وَقَالَ أَبُو يُوسف رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى تَكُونُ الْغُلَّةُ لِأَقْرَبِهِمْ وَأبْعدهمْ إِلَى الْوَاقِفِ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ (٢).
ثانيا: المذهب المالكي:
يرى أصحابه أنه يشترك في الوقف على القرابة: الأقرب فالأقرب، ويدخل الأعمام والعمات والأخوال والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، وعن مالك: يدخل أقاربه من أبيه وأمه، وهنالك من يرى (مثل أشهب) دخول كل ذي محرم منه من قبل الرجال والنساء محرم منه أم لا لصدق اللفظ عليه، ومن يرى دخول كل من يعرف بقرابته، ولا يدخل ولد البنات وولد الخالات (٣)، وإذا وقف داره على ابنه وامرأته فهي بينهما نصفان (٤).
ويدخل في الوقف على الآباء: الآباء والأمهات والأجداد والجدات والعمومات وإن بعدوا. واختلف في الأحوال والخالات، والاختيار دخولهن (٥).
ثالثًا: المذهب الشافعي:
يذكر المذهب من الأمثلة على القسمة بينهم بالسوية: أنه لو جمع في الوقف بين سبيل الله تعالى، وسبيل الثواب، وسبيل الخير: صرف الثلث إلى الغزاة، والثلث إلى أقاربه، والثلث إلى الفقراء والمساكين والغارمين وابن السبيل وفي الرقاب (٦).
стр. 527
رابعًا: المذهب الحنبلي:
يرى المذهب أنه إن وقف على قرابته فهو للذكر والأنثى من أولاده وأولاد أبيه (وهم إخوته وأخوته) وأولاد جده (وهم أبوه وأعمامه وعماته) وأولاد جد أبيه (وهم جده وأعمامه وعمات أبيه فقط)؛ لأنَّهُ ﷺ لم يجاوز بني هاشم بسهم ذوي القربى فلم يعط من هو أبعد كبني عبد شمس وبني نوفل شيئًا، وإنما أعطى بنى المطلب لأنهم لم يفارقوه في جاهلية ولا إسلام، ولم يعط قرابته من جهة أمه وهم بنو زهرة شيئًا منه. ويسوي بين من يعطي منهم فلا يفضل أعلى ولا فقيرا ولا ذكرا على من سواه (١).
المسألة الثالثة: الاشتراك في الْوَقْف على العقب
وفيها أربعة أقوال:
القول الأول: يرى عدم دخول أبناء البنات في العقب: وإليه ذهب الحنابلة في المذهب، والظاهرية.
القول الثاني: أنه لا يدخل في العقب إلا الرجال دون النساء: وإليه ذهب الإباضية في المذهب.
القول الثالث: يرى أنه يساوي بينهم: وهو رأي عند المالكية، ورأي عند الحنابلة.
القول الرابع: يراعي فيهم الحاجة: وهذا رأي آخر عند المالكية.
وتفصيل ذلك على النحو الآتي:
القول الأول: الذي يرى عدم دخول أبناء البنات في العقب:
أولًا: الحنابلة في المذهب:
ومن الأمثلة على ذلك في المذهب أنه إذا وَقَفَ عَلَى عَقِبِهِ أَوْ وَلَدَ وَلَدُهُ أَوْ ذُرِّيَّتِهِ دخل فِيهِ وَلَدُ الْبَنِينِ بِلَا نِزَاعٍ فِي عَقِبِهِ أَوْ ذُرِّيَّتِهِ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبَنَاتِ إِذَا وَقْفَ
стр. 528
على ولد ولده، أو قال: على أَوْلَاد أولادي وَإِنْ سَفُلُوا، نَصُّ عليه الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وهو الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ (١).
ثانيًا: الظاهرية:
ومن الأمثلة على ذلك في المذهب أنه من حبس على عقبه بن بن وعلى عقب عقبه بن بن، أو على زيد وعقبه؛ فإنه يدخل في ذلك البنات والبنون، ولا يدخل في ذلك بنو البنات إذا كانوا ممن لا يخرج بنسب آبائه إلى الواقف؛ لقول رسول الله ﷺ : "إنما بنو هاشم وبنو عبد المطلب شيء واحد"، وأعطاهم من سهم ذي القربى، ولم يعط عثمان ولا غيره، وجدة عثمان بنت عبد المطلب، فلم يدخل في بني هاشم؛ إذ لم يخرج بنسب أبيه إليه، وإن كان خارجًا بنسب أمه إليه؛ وهي أروى بنت البيضاء بن عبد المطلب، وأعطى العباس وأمه نمرية (٢).
القول الثاني: الذي يدخل في العقب الرجال دون النساء، وهو ما ذهب إليه الإباضية في المذهب:
فالمذهب إن كان الْوَقْف على العقب فيكون للرجال دون النساء (٣).
القول الثالث: الذي يساوي بين العقب في الْوَقْف:
أولًا: رأي عند المالكية:
إن كان الْوَقْف معقبًا فهناك من يرى المساواة مطلقًا (٤).
стр. 529
ثانيًا: رأي عند الحنابلة:
ويرى هذا الرأي أنه إذا وَقْفَ عَلَى عَقِبِهِ بْن أَوْ وَلَدَ وَلَدُهُ أَوْ ذُرِّيَّتُهُ دخل فِيهِ وَلَدُ الْبَنَيْنِ بِلَا نِزَاعٍ فِي عَقِبِهِ بْن أَوْ ذُرِّيَّتُهُ (١)، وهنالك من فقهاء المذهب من يرى أنه إذا جمع بين القوم وأولادهم وعقبهم بواو الجمع، يشترك فيه الجميع (٢)، فالواو تدل على التشريك (٣)، كما أنه إذا وقف على قوم وأولادهم وعقبهم ونسلهم، كان الوقف بين القوم وأولادهم، ومن حدث من نسلهم، على سبيل الاشتراك، إن لم تقترن به قرينة تقتضي ترتيبا؛ لأن الواو تقتضي الاشتراك، فإذا اجتمعوا اشتركوا، ولم يقدم بعضهم على بعض، ويشارك الآخَر الأول، وإن كان من البطن العاشر (٤).
القول الرابع: الذي يراعي في العقب الحاجة، وهو رأي عند المالكية:
هنالك من يرى من فقهاء المالكية (ومنهم مالك) إيثار الفقير على الغني؛ لأن مقصد الأوقاف سد الخلات، والآباء على الأبناء (٥)، وذكر ابن القاسم أنه لا يعتبر في الغلة كثرة العدد بل أهل الحاجة، وفي السكنى كثرة العائلة لأنهم يحتاجون إلى سعة المسكن، والمحتاج الغائب أولى من الغني الحاضر؛ لأن مبنى الأوقاف على سيد الخلات، ولا يخرج أحد لمن هو أحوج منه، ولا الغني للفقير القادم؛ لأن الحوز نوع من التملك، ويستوي في الغلة المنتجع والمقيم، فإن استوت الحاجة أو العيال فعلى العدد الذكر والأنثى سواء (٦).
وأُمٌّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْجَدُّ أَوْلَى، وَعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ بِنْتِ الْأَخِ أَوْلَى، وَلَوْ كَانَ مَكَانَ بِنْت الْأَخ بِنْت الْبِنْت هِيَ أَوْلَى بِالاتِّفَاق، وَلَوْ كَانَ لَهُ ابْنُ أَخٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَأَخٌ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ الْغَلَّة لِلْأَخ، وَابْنِ الْأَخِ مِنْ الْأُمِّ أَوْلَى مِنْ الْعَمِّ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ (١).
ثانيا: المذهب الإمامي:
المذهب أن الوقف على أقرب الناس إلى الواقف بعد أولاده يدخل فيه الآباء والأمهات، فإن كان أبوه وأمه حيين شرف إليهما، ولا يشترك الجد مع الأم لكونها أقرب، وأبو الأم وأبو الأب سواء؛ لأنهما في درجة واحدة في الولادة، ويشترك الأخ مع الجد، وإن اجتمع إخوة متفرقون كان الأخ من الأب والأم أولى من غيره، فإن اجتمع أخ من أب وابن أخ من أب وأم، قدم الأخ من الأب؛ لأن التقدم حصل من جنبته، فإذا اجتمعا قدم النسبة عليه، والخال والخالة في القربى سواء، وكذلك العم والعمة، والخال والعمة كلهم سواء؛ لأن الاعتبار بالدرجات وهم فيها سواء (٢)، ويتساوى الأخوال والأعمام على رأي، إلا أن يفضل (٣).
المسألة الخامسة: الاشتراك في الوقف على غير القرابة
ورد في هذه المسألة قولان:
القول الأول: يسوي بين الموقوف عليهم من غير القرابة، سواء كانوا معينين أم غير معينين: وإليه ذهب المالكية في المذهب، والحنابلة في المذهب.
القول الثاني: يسوي بينهم إن كانوا معينين، ويصرف إلى بعضهم إن كان جهة غير محصورة: وإليه ذهب الإباضية في المذهب.
стр. 532
وتفصيل ذلك على النحو الآتي:
القول الأول: الذي ساوى بين الموقوف عليهم من غير القرابة؛ سواء كانوا معينين أم غير معينين:
أولا: المالكية في المذهب:
فإن كانت غلة الوقف على معينين ولم تسع لجميعهم استووا فيه الفقير والغني، الآباء والأبناء، وإن كانت دارا ولم تسع الجميع: أُكْريت، وقُسِّمت الغلة، واقترعوا على السكن فيما لم يتم كراؤه، ودُفع لمن لم يسكنوا نصيبهم من الكراء (١).
ثانيا: الحنابلة في المذهب:
ومن الأمثلة على ذلك في المذهب:
١ - إن كان بنو فلان قبيلة بني هاشم وتميم دخل نساؤهم؛ لأن اسم القبيلة يشمل ذكرها وأنثاها، دون أولاد نساء تلك القبيلة من رجال غيرهم؛ لأنهم إنما ينسبون لآبائهم (٢).
٢ - لَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى مَسْجِدٍ وَعَلَى إمَامٍ يُصَلِّي فِيهِ كَانَ لِلْإمَامِ نِصْفَ الرُّبُعِ كَمَا لَوْ وَقَفَهَا عَلَى زَيْدٍ وَعَمْروٍ، وَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى مَسَاجِدِ الْقَرْيَةِ وَعلى إمَامٍ يُصَلِّي فِي وَاحِدٍ مِنْهَا كَانَ الرِّيْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كُلِّ الْمَسَاجِدِ نُصْفَيْنِ (٣).
٣ - إن وقف على جماعة يمكن حصرهم واستيعابهم؛ كبنيه أو بني فلان، وليسوا قبيلته أو مواليه أو موالي غيره؛ رجب تعميمهم بالوقف والتسوية بينهم فيه؛ لأن اللفظ يقتضي ذلك وأمكن الوفاء به؛ فوجب التعميم بمقتضاه، وإن أمكن
стр. 533
حصرهم في ابتداء الوقف ثم تعذَّر بكثرة أهله؛ عمَّم من أمكن منهم بالوقف وسوى بينهم فيه؛ لأن التعميم والتسوية كانا واجبين في الجميع، فإذا تعذَّرا في بعض وجبا فيما لم يتعذَّرا فيه؛ كالواجب الذي تعذَّر بعضه، وإن لم يمكن حصرهم ابتداء؛ كالمساكين والقبيلة الكبيرة كبني هاشم وبني تميم .. جاز التفضيل بينهم والاقتصار على واحد منهم؛ لأن مقصود الواقف عدم مجاوزة الجنس، وذلك حاصل بالدفع إلى واحد منهم، وإذا جاز الاقتصار على واحد فالتفضيل أولى (١).
٤ - إن وقف على الفقراء أو المساكين تناول الآخَر، فهما صنفان حيث اجتمعا، فإن افترقا اجتمعا، ومتى كان الوقف على أصناف كالفقراء وأبناء السبيل والغزاة .. ونحوهم (٢).
القول الثاني: الذي ساوى بينهم إن كانوا معينين، وصرف إلى بعضهم إن كان جهة غير محصورة، وهذا ما ذهب إليه الإباضية في المذهب:
المذهب أنه إذا كان الوقف على معينين، فيقسم بين الرجال والنساء بالسوية (٣)، أما الوقف على جهة غير محصورة كالفقراء؛ فيجزئ أن يجعل في بعضهم، لتعذر الإحاطة بجميعهم (٤).
стр. 534
وإن وقف على جهة خير نظر متولي الْوَقْف المصلحة في المفاضلة بينهم بحسب الحاجة دون هوى ولا محاباة، مثل طلبة العلم وأبناء السبيل، فقال السالمي جوابًا عن سؤال حول قسمة المال الموقوف على أصحابه: "إذا كان صفة التوقيف لأولادك الذكور فالواجب أن تكون الغلة بينهم على سواء، ولا يحل لبعضهم الاستبداد بشيء من الوقوف؛ سواء عمَّره من عنده أو من عند الجميع، لكن التعمير يلزم الكل والغلة للكل، وإن كنت أوقفته لمن شاء الله من أولادك الذكور؛ فعلى هذا الوصف يصح لمن استبد منه بشيء دون إخوته، وليس التوقيف للأولاد كالتوقيف للفقراء وللمتعلمين، فإن الأولاد محصورون، والفقراء والمتعلمون غير منحصرين، والتوقيف للمنحصرين يكون شاملًا لهم، وأما غير المنحصرين فإنه يجزئ أن يجعل في بعضهم؛ لتعذُّر الإحاطة بجميعهم؛ فافهم هذا الفرق فإنه واضح" (١).
стр. 535
المبحث السابع: الْوَقْف المشترك بين الذُّرِّي والخيري (توزيع ريع الْوَقْف بين الذرية والخيرات)
هنالك صورتان في توزيع ريع الْوَقْف بين الذرية والخيرات؛ هما:
الصورة الأولى: إذا قم الواقف بينهم قسمة معينة:
فقد وردت هذه الصورة لدى الحنفية في المذهب، والحنابلة في المذهب، أنه يُقسَّم بين الذرية والخيرات وفق قسمة الواقف، وذلك على النحو الآتي:
أولًا: الحنفية في المذهب:
رأوا أنه يُعطى للموقوف عليه صاحب التسمية (سواء أكان من الذرية، أم من الخيرات، أم منهما معا) ما سمَّى الواقف له، والْبَاقِي لِلَّذِي لم يُسَمِّ له؛ ومن الأمثلة على ذلك:
١ - لَوْ سَمَّى الْوَاقِفَ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا، وَجَعَلَ النِّصْفَ لِزَيْدٍ وَالثُّلْثَيْنِ لِعَمْرٍو وسكت؛ فَإِنَّهُ يُقَسِّمُ عَلَى سَبْعَةٍ عَلَى طَرِيقِ الْعَوْلِ، لِزَيْدٍ ثَلَاثَةٍ وَلِعَمْرٍو أَرْبَعَةٌ.
٢ - لَوْ قَالَ الْوَاقِفُ: لِزَيْدٍ النِّصْفُ وَلِعَمْرٍو الثُّلُثِ، وسَكَتَ، يُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ مَا سَمَّى وَالْبَاقِي نِصْفَيْنِ.
٣ - إِذَا قَالَ الْوَاقِفُ: أَرَضِيَ هَذِهِ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْروٍ وَلِعَمْروٍ مِنْهَا الثُّلُثُ: أَوْ قَالَ: لِعَمْرٍو مِنْهَا مِائةُ دِرْهَمٍ، فَلِعَمْروٍ مَا سَمَّى وَالْبَاقِي لِمَنْ سَكْتٍ عَنْهُ (١).
٤ - إِذَا قَالَ الْوَاقِفُ: لزَيْدٍ مِنَ الْغلَّةِ مِائِةٌ وَلِعَمْروٍ مِنْهَا مَائِتَانِ، فَنَقَصَتْ الْغَلَّةُ قُسِّمَ الْحَاصِلُ بَيْنَهُمَا أثلاثًا، فَإِنْ زَادَت الْغَلَّةُ عَلَى الْمُسَمَّى كَانَ الزَّائِدُ بَيْنَهُمَا نصفين يُقَسَّمُ عَلَى عَدَدِ رُؤُوسِهِمْ، لَا عَلَى الْمُسَمَّى، فَإِن قَالَ: هِي صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ لِزَيْدٍ مِنْهَا مِائةُ درْهمٍ وَلِعَمْرٍو مائتَانِ، أُعْطِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا سُمِّيَ لَهُ وَالْبَاقِي لِلْفُقَرَاءِ، وَلَوْ قَالَ: صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى أَنَّ لِزيدٍ مِائةً وَلِعَمْرٍو مَا بَقِيَ، فَلَمْ تَكُنْ
الصورة الثانية: إذا لم يحدد الواقف بينهم قسمة معينة:
وفيها قولان وردا لدى المذهب الشافعي والحنبلي على النحو الآتي:
القول الأول: أنه يقسم بينهم بالتساوي: وإليه ذهب الشافعية في المذهب (ومثاله: أنه لو جمع بين سبيل الله تعالى، وسبيل الثواب، وسبيل الخير: صرف الثلث إلى الغزاة، والثلث إلى أقاربه، والثلث إلى الفقراء والمساكين والغارمين وابن السبيل وفي الرقاب (١))، والحنابلة في المذهب (ومثاله (٢): أنه لو أطلق الْوَقْف فقال: وقفت داري هذه على أولادي وعلى المساكين، فهي بينهما نصفين؛ لأن إطلاق الإضافة إليهما تقتضي التسوية بين الجهتين، ولا تتحقق التسوية إلا بالتنصيف. وإن قال: وقفتها على زيد وعمر والمساكين، فهي بينهم أثلاثًا (٣).
القول الثاني: أنه يرجع في ذلك إلى العرف والعادة: وهذا رأي عند الحنابلة (٤).
стр. 539
المبحث الثامن انقراض الموقوف عليهم
هنالك ثلاث صور لانقراض الموقوف عليهم وردت لدى المذاهب، هي:
الصورة الأولى: انقراض جزء من الموقوف عليهم
وفيها ثلاثة أقوال على النحو الآتي:
القول الأول: أنه يرجع نصيبهم إلى من بقي منهم: وهو رأي عند المالكية (١)، وعند الشافعية في المذهب (٢)، وعند الحنابلة في المذهب (٣).
القول الثاني: أنه يرجع نصيبهم إلى من بعدهم: وهذا رأي عند المالكية (٤)، ورأي عند الشافعية (٥).
стр. 540
القول الثالث: أنه يرجع بعد انقراض العقب إلى الواقف ملكا، وهذا قول عن مالك، ورأي عند المالكية (١).
الصورة الثانية (٢): انقراض الموقوف عليهم وآخر الوقف لجهة تنقطع
وفيها سبعة أقوال على النحو الآتي:
القول الأول: يَرْجِعُ الْوَقْفُ إِلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ إِنْ كَانَ حَيًّا وَإِلَى ذُرِّيَّتِهِ (وَرثته) إِن كَانَ ميتًا: وهو قول لمالك، ورأي عند المالكية (٣)، كما ذهب إليه جمهور فقهاء المذهب الحنفي، ومنهم أبو يوسف (٤)، وهو المذهب عند الزيدية (ويقسم بينهم على الفرائض، وإذا لم يوجدوا يصرف للفقراء) (٥)، ورأي عند الإمامية (٦)، ورأي عند الإباضية؛ شريطة أن يكون الورثة معلومين وإلا صار من الأموال المجهولة (٧)، والأموال المجهولة: هي الأموال التي تؤول إلى بيت المال أو للفقراء مع عدم الإمام (٨).
стр. 541
القول الثاني: يرجع بعد موت الموقوف عليه وقفا على أقرب الناس بالواقف، وهو رأي عند المالكية (١)، والمذهب عند الظاهرية (٢).
ومستند الظاهرية في هذا الرأي الحديث الذي رواه مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة سمع أنس بن مالك يقول: "كان أبو طلحة أكثر أنصاريي المدينة مالا من نخل، فقال: يا رسول الله، إن الله يقول: أن ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٣)، وإن أحب أموال إلى بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وزهوها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله"، فقال رسول الله ﷺ في كلام: "ثم إني أرى أن تجعلها في الأقربين"، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه (٤).
القول الثالث: مصرفه الفقير الأقرب رحمًا لا إرثًا: وعليه مذهب الشافعية، فيقدم ابن بنت على ابن عم (٥)، فإن فقدت أقاربه الفقراء صرف الريع إلى مصالح المسلمين؛ لأن الواقف لا يريد تعطل وقفه، وليس أحد من المسلمين أولى به من أحد (٦).
стр. 542
القول الرابع: يصرف إلى الفقراء أو المساكين: وهو رأي عند الحنفية (١)، وقول المالك إن لم يكن للواقف قرابة (٢)، ورأي عند الشافعية (٣)، ورأي عند الإباضية (٤).
القول الخامس: يصرف في وجوه البر في قربة تشابه تلك المصلحة التي بطل رسمها (مصرف مماثل للأول): وهو رأي عند الزيدية، كمن يقف على إطعام من يرد من الغرباء إلى مكان كذا فإنه ينقل إلى إطعام من يرد منهم إلى موضع آخر مماثل له لأن في هذا الصرف بقاء الْوَقْف واستمرار النفع للواقف (٥)، كما يقتضيه قوله ﷺ لعمر: "إن شئت حبّست أصلها وتصدقت بها"، وفي لفظ: "حبِّس أصلها وسبّل ثمرتها"، فبقاء العين الموقوفة على ما يوجبه الْوَقْف هو معنى التحبيس وزوال مصرفه لا يرفع هذا التحبيس؛ لأنَّهُ تحبيس مطلق، ولو كان مقيدًا ببقاء المصرف لم يكن وقفًا، فكيف يعود ما قد صار ملكًا لله للواقف أو وارثه (٦)، كما أنه رأي عند الإمامية (٧).
стр. 543
القول السادس: يرجع بعد انقراض أو موت الموقوف عليهم ملكا أو وقفا على أقرب الناس بالواقف: وهذا مذهب مالك في المدونة، وهو رأي عند المالكية (١).
القول السابع: يصرف إلى وجوه البر والصدقة: وهو رأي عند الإمامية (٢)، حيث اختار بعض فقهاء الإمامية من وجوه البر والصدقة أن يصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف لكونه أولى ببره وصدقته من غيرهم، وهنالك من اعتبر فقرهم، ويستوي فيه الذكر والانثى، ويقدم الأولاد لأنهم أقرب، ثم الآباء والأمهات، فإن كان هناك أب وأم تساويا، وإن كان أبو أم وأبو أب تساويا، وإن كان جد وأخ ففيه قولان (أحدهما سواء وهو الأولى، والثاني أن الأخ يقدم)، وإن أفتقر الغني منهم بعد ذلك قدم على غيره لحصول علة الوقف، لأن الشرط قد وجد وهو الفقر، وآخرون من فقهاء الإمامية رأوا أنه يصرف لجميع القرابة فقراء أو أغنياء؛ لأن الوقف يصح عليهم أجمع، وليس من شرطه الفقر (٣).
الصورة الثالثة: انقراض الموقوف عليهم ولم يجعل آخره لجهة لا تنقطع
وفيها ستة أقوال كلها وردت لدى المذهب الحنبلي فقط، ولم ترد لدى المذاهب الأخرى، على النحو الآتي:
стр. 544
القول الأول: أنه يرجع إلى ورثة الواقف وقفًا عليهم يُقْسَمُ على قَدْرِ إرْثِهِمْ: وهو مذهب الحنابلة، والرواية الأولى عن الإمام أحمد، استنادا لقول النبي ﷺ "إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس"، ولأن فيه إغناءهم وصلة أرحامهم (١)، فَلِلبنتِ مع الابنِ الثُّلُثُ وَلَهُ البَاقِي، وَلِلأَخ من الأُمِّ مع الأَخ لِلأَبِ السُّدُسُ وَلَهُ ما بَقيَ، وَإن كان جَدٌّ وَأَخٌ قَاسَمَه، وَإِن كان أَخٌ وَعَمٌّ انفَرَدَ بِهِ الأَخ، وَإِن كان عَمٌّ وبن عَمٍّ انفَرَدَ بِهِ العَمُّ (٢)، وَالمذهب أنه لا يختص به فُقَرَاؤُهُم، وهو ظَاهِرُ كَلَام الإمَام أَحمَدَ (٣).
القول الثاني: أنه يرجع إلى الفقراء والمساكين وقفًا عليهم: وهو رواية ثانية عن أحمد؛ لأن القصد به الثواب الجاري عليه على وجه الدوام (٤).
القول الثالث: أنه يجعل في بيت مال المسلمين لمصالح المسلمين: وهو رواية ثالثة عن أحمد؛ لأنه مال لا مستحق له، فأشبه مال من لا وارث له، فكان بيت المال به أولى (٥)، كما أنه رأي منتدى قضايا الوقف الفقهية الثاني؛ حيث ورد قرار بأنه في
стр. 545
حالة انقراض الموقوف عليهم يؤول الموقوف إلى الوقف الخيري للمصالح العامة وجهات الخير (١).
القول الرابع: أنه يُصْرَفُ إلَى أَقْرَبِ عَصَبة الواقف وقفا عليهم، دون بقية الورثة من أصحاب الفروض، ودون البعيد من العصبات: وهو رأي عند الحنابلة، فيقدم الأقرب فالأقرب، على حسب استحقاقهم (٢).
القول الخامس: رجوع الوقف حال انقطاع الجهة الموقوف عليها في حياة الواقف إلى الواقف وقفًا عليه: وهو رأي عند الحنابلة (٣).
القول السادس: جواز بيع الوقف أو استبداله: وهو ما قرره منتدى قضايا الوقف الفقهية الثاني في قراراته وتوصياته، حيث نصَّ على أن: "الأوقاف المنقطعة بانتهاء الجالية أو هجرتها من محل الوقف، يجوز بيعها أو استبدالها أو المناقلة بها، ويصرف ثمنها بعد بيعها إلى وقف آخر مشابه للوقف الأصلي في أقرب مكان له" (٤).
стр. 546
المبحث التاسع غيبة المستحقين في الوقف الذري
لا نجد خلافا بين المذاهب الفقهية التي تناولت هذه المسألة، وهي: المذهب الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، والزيدي، والإباضي على أن المستحقين في الوقف من الذرية يستحقون الوقف حال عودتهم أو ظهورهم.
وتفصيل ذلك على النحو الآتي:
أولًا: الحنفية في المذهب:
المذهب على أنه يجوز عودة من خرج من الوقف الذري بشرط الواقف إذا نص الواقف على رجوعه بعد زوال الشرط، ومثاله: قَولُهُ مَن تَزَوَّجَت أَو خَرَجَت مُنْتَقِلَةً عَنهُ فَلَا حَقَّ لَهَا، فَلَو طَلَّقَهَا زَوجُهَا أَو مَاتَ أَو عَادَت بَعْدَمَا انْتَقَلَت لَا يَرجِعُ لَهَا مَا كَانَ لَهَا في الْوَقْفِ، بَلْ قَدْ سَقَطَ؛ لأَنَّهُ قَطَعَ اسْتِحْقَاقَهَا بِأَحَد هَذه الصِّفَاتِ فَلا يَعُودُ إلَّا أَنْ يَنُصَّ عَلَى ذَلِكَ فَيَقُولَ فَإِنْ عَادَتْ أَوْ فَارَقَتْ عَادَ مَا كَانَ لَهَا (١).
فالمذهب لا يشترط وجود الموقوف عليه من الذرية حين الوقف (٢)، فَلَو قال أَرضِي هذه صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ على من يَحْدُثُ لي من الْوَلَدِ وَلَيْسَ له وَلَدٌ يَصِحُّ هذا الْوَقْف، فإذا أَدْرَكَتْ الْغَلَّةُ تُقَسَّمُ على الْفُقَرَاءِ، فَإنْ حَدَثَ له وَلَدٌ بَعْدَ الْقِسْمَة تُصْرَفُ الْغَلَّةُ التي تُوجَدُ بَعْدَ ذلك إلَى هذا الْوَلَدِ، فَإنْ لم يَبْقَ له وَلَدٌ صُرفَت الْغَلَّةُ إلَى الْفُقَرَاء (٣)، وَإِنْ وقف على ولده ولَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَقتَ الْوَقْفِ بَلْ وَلَدُ ابْنٍ كَانَ لَهُ لا يُشَارِكُهُ مَنْ دُونَهُ مِنْ الْبُطُون، ثُمَّ إذَا وُلِدَ لِلْوَاقِفِ وَلَدٌ لِصُلْبِهِ رَجَعَ مِنْ ابْنِ الاِبْنِ إلَيْهِ (٤).
стр. 547
ثانيًا: المالكية في المذهب:
المذهب في الوقف على الذرية أنه يصح الوقف على الجنين، وعلى من سيولد (١).
ثالثًا: الشافعية في المذهب:
المذهب أنه إذا ظهر الموقوف عليه أو عاد يعود الوقف إليه: فإذا وقف على أولاده الأرامل وأولاده الفقراء فلا تدخل المتزوجة ولا يدخل الغني، لكن لو عادت أرملة أو عاد فقيرا عاد الاستحقاق، وتستحق غير الرجعية في زمن عدتها (٢)، وَلَوْ وَقَفَ عَلَى رَجُلٍ لِيَحُجَّ عَنْه، وارْتَدَّ عَنِ الإسلام لا يصح أَنْ يَصْرفَ الْوَقْفَ وَالْحَجَّ عَنْهُ وَصُرِفَ فِي الفُقَرَاءِ وَالمسَاكِينِ، فَإِنْ عَادَ إِلَى الإسلام أُعِيدَ الْوَقْفُ إِلَى الْحَجِّ عَنْهُ (٣).
رابعًا: الحنابلة في المذهب:
المذهب على أن من ليس موجودًا في الوقف الذري حال الوقف ثم ظهر بعد ذلك فإنه يدخل في الوقف ويستحق أن يأخذ منه؛ ومن الأمثلة على ذلك: لو وقف على أولاده ومن يحدث له ثم أولادهم، ومات أولاده وانتقل الوقف لأولادهم ثم حدث له ولد أخذ الوقف من أولاد إخوته (٤).
خامسًا: الزيدية في المذهب:
المذهب أنه إذا غاب مصرف الوقف على الذرية ثم عاد بعد ذلك؛ فإنه يعود الصرف له (٥)؛ ومن الأمثلة على ذلك:
стр. 548
١ - إذا وقف الواقف على أولاده ولَا أَوْلادَ له صَارَ وَقْفًا عَلَى أَوْلادِ أَوْلادِهِ الْبَطْنِ الأوَّلِ مِنْهُمْ فَقَطْ وَمَا بَعْدَهُ بالْمِيرَاثِ، فَإِنْ وُجِدَ لَهُ أولاد بَعْدَ ذَلِكَ انْتَقَلَ الْوَقْفُ إلَيْهم إذْ الْوَقْفُ عَلَيْهم وَلَوْ كَانَوا حَالَ الْوَقْفِ مَعْدُومين (١).
٢ - إذا قال وقف الواقف عَلَى زَيْدٍ مَهْمَا بَقِيَ فِي مَكَّةَ أَوْ نَحْوِهَا، فَإِنَّهُ مَتَى زَالَ مِنْ مَكَّةَ عَادَ لِلْوَاقِفِ وَقْفًا، وَمَتَى عَادَ زَيْدٌ عَادَ إلَيْهِ وَقْفًا (٢).
سادسًا: الإباضية في المذهب:
المذهب أنه يعود الوقف للمستحق من الذرية إذا عاد أو ظهر؛ ومن الأمثلة على ذلك:
١ - إذا وقف على ولده ولم يكن له ولد يومها، فالوقف جائز وتصرف له حال حدوثه (٣).
٢ - إذا كان الوقف مخصوصًا لأهل بلدة معينة من بني فلان، ولم يكن منهم أحد حينها، فمن جاء منهم فسكن البلدة جاز له الوقف ودفع له (٤).
стр. 549
مصادر ومراجع الفصل الخامس
١ - أجوبة المحقق الخليلي، الإمام العلامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي، تحقيق: بدر بن عبد الله الرجي وآخرون، مكتبة الجيل الواعد، مسقط - سلطنة عمان، ٢٠١٠ م.
٢ - إرشاد الأذهان إلى أحكام الايمان، العلامة الحلي أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي، تحقيق: الشيخ فارس الحسون، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ. ق.
٣ - إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين (هو حاشية على فتح المعين بشرح قرة العين بمهمات الدين)، أبو بكر (المشهور بالبكري) عثمان بن محمد شطا الدمياطي الشافعي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٧ م.
٤ - أعمال منتدى قضايا الوقف الفقهية الثاني، الأمانة العامة للأوقاف، إدارة الدراسات والعلاقات الخارجية، دولة الكويت، ط ١، ١٤٢٧ هـ/٢٠٠٦ م.
٥ - الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، محمد الشربيني الخطيب، تحقيق مكتب البحوث والدراسات، دار الفكر، بيروت، ١٤١٥ هـ.
٦ - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي، صححه وحققه: محمد حامد الفقي، الناشر مطبعة السنة المحمدية، ط ١، ١٣٧٤ هـ/ ١٩٥٥ م.
٧ - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، علاء الدين أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني الحنفي، دار الكتب العلمية، بيروت.
٨ - التاج المُذْهَب لأحكام المَذْهَب شرح متن الأزهار في فقه الأئمة الأطهار، القاضي العلامة أحمد بن قاسم العنسي اليماني الصنعاني، دار الحكمة اليمانية للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، صنعاء، ١٤١٤ هـ/١٩٩٣ م.
стр. 550
٩ - التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم، عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم الثميني، ضبط النص: محمد موسى بابا عمر ومصطفى بن محمد شريفي، وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط، ٢٠٠٠ م.
١٠ - التاج والإكليل التاج والإكليل لمختصر خليل، أبو عبد الله محمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف العبدري الغرناطي المواق المالكي.
١١ - التفريع، أبو القاسم عبيد الله بن الحسين بن الحسن بن الجلاب البصري، دراسة وتحقيق: د. حسين بن سالم الدهماني، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٤٠٨ هـ/١٩٨٧ م.
١٢ - التلقين في الفقه المالكي، القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي البغدادي المالكي، تحقيق ودراسة: محمد ثالث سعيد الغاني، مكتبة نزار مصطفى الباز، الرياض - مكة المكرمة، د. ت.
١٣ - جامع المقاصد في شرح القواعد، تأليف: المحقق الثاني الشيخ علي بن الحسين بن عبد العالي الكركي، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت ﵈ لإحياء التراث، قم، سنة ١٤٠٨ هـ. ق.
١٤ - جوابات الإمام السالمي، الإمام نور الدين عبد الله بن حميد السالمي، إشراف: عبد الله بن محمد بن عبد الله السالمي، تنسيق ومراجعة: د. عبد الستار أبو غدة، مكتبة الإمام السالمي، بدية - سلطنة عمان، ٢٠١٠ م.
١٥ - جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، تأليف: الشيخ العلامة المحقق الإمام نور الدين عبد الله بن حميد السالمي، علق عليه: أبو إسحاق أطفيش وإبراهيم العبري، مكتبة الإمام نور الدين السالمي لصاحبها: سعود بن حمد بن عبد الله بن حميد السالمي، السيب الحيل الجنوبية - سلطنة عمان، ط ١٤، ١٤٢٧ هـ/٢٠٠٦ م.
١٦ - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ("الشرح الكبير للشيخ أحمد الدردير على مختصر خليل" بأعلى الصفحة يليه مفصولًا بفاصل "حاشية الدسوقي" عليه)، محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي.
стр. 551
١٧ - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (الشرح الكبير لأبي البركات سيدي أحمد الدردير وبهامشه الشرح المذكور مع تقريرات للعلامة الشيخ محمد عليش)، شمس الدين الشيخ محمد عرفة، دار إحياء الكتب العربية، بيروت، د. ت.
١٨ - الحاوي الكبير (هو شرح على مختصر الإمام المزني في الفقه الشافعي)، العلامة أبو الحسن الماوردي، دار الفكر، بيروت، ١٤١٤ هـ/١٩٩٣ م.
١٩ - حواشي تحفة المحتاج بشرح المنهاج، الشيخ عبد الحميد الشرواني والشيخ أحمد بن قاسم العبادي على تحفة المحتاج بشرح المنهاج للإمام شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي وبهامشه تحفة المحتاج بشرح المنهاج (وضعت حاشية الشيخ الشرواني في أول كل صحيفة، وحاشية الإمام ابن قاسم العبادي في آخر كل صحيفة مفصولًا بينهما بجدول وجعلت التعقيبة تابعة لحاشية الشرواني)، روجعت وصححت على عدة نسخ بمعرفة لجنة من العلماء، يطلب من المكتبة التجارية الكبرى بأول شارع محمد علي بمصر لصاحبها مصطفى محمد، طبعة بدون تاريخ.
٢٠ - الذخيرة، شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، تحقيق: سعيد أعراب، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٩٩٤ م.
٢١ - رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار ("الدر المختار للحصفكي شرح تنوير الأبصار للتمرتاشي" بأعلى الصفحة يليه مفصولًا بفاصل "حاشية ابن عابدين" عليه المسمى "رد المحتار")، محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي الحنفي، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، ط ٢، ١٤١٢ هـ/١٩٩٢ م.
٢٢ - الرسالة في فقه الإمام مالك، الإمام أبي عبد الله بن أبي زيد القيرواني، ضبطه وصححه الشيخ عبد الوارث محمد علي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، د. ت.
٢٣ - روضة الطالبين وعمدة المفتين، الإمام النووي، إشراف: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي - بيروت، ط ٣، ١٤١٢ هـ/ ١٩٩١ م.
стр. 552
٢٤ - السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني تحقيق: محمود إبراهيم زايد، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط ١، د. ت.
٢٥ - شرح الزركشي على مختصر الخرقي، شمس الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي، تحقيق قدم له ووضع حواشيه: عبد المنعم خليل إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت / لبنان، ١٤٢٣ هـ/ ٢٠٠٢ م.
٢٦ - شرح معاني الآثار، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي.
٢٧ - شرح منتهى الإرادات المسمى دقائق أولي النهى لشرح المنتهي، منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، تحقيق الناشر عالم الكتب، بيروت، طبعة سنة ١٩٩٦ م.
٢٨ - الفتاوى الهندية، المؤلف: لجنة علماء برئاسة نظام الدين البلخي، دار الفكر، ط ٢، ١٤١٠ هـ/ ١٩٩٠ م.
٢٩ - فتح القدير (بأعلى الصفحة كتاب الهداية للمرغيناني يليه مفصولًا بفاصل "فتح القدير" للكمال بن الهمام وتكملته "نتائج الأفكار" لقاضي زاده)، كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي المعروف بابن الهمام، دار الفكر، طبعة بدون تاريخ.
٣٠ - فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب، أبو يحيى زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، تحقيق الناشر دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٨ هـ.
٣١ - فتح باب العناية بشرح النقاية، ملا علي القاري، تحقيق: محمد نزار تميم وهيثم نزار تميم، دار الأرقم بن أبي الأرقم، بيروت - لبنان.
٣٢ - كشاف القناع عن متن الإقناع، منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، تحقيق الجنة متخصصة بإشراف فضيلة الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم، الناشر وزارة العدل، الرياض، الممكلة العربية السعودية، ١٤٣٠ هـ.
٣٣ - كنز الراغبين (شرح منهاج الطالبين للإمام أبي زكريا محي الدين يحيى بن شرف النووي)، الإمام جلال الدين محمد بن أحمد المحلى، ضبطه وصححه وخرج آياته: عبد اللطيف عبد الرحمن، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط ١، ١٤٢٢ هـ/ ٢٠٠١ م.
стр. 553
٣٤ - المبسوط في فقه الإمامية، تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن بن على الطوسي، صحح وعلق على الجزء الثالث: محمد الباقر البهبودل، تقديم مؤسسة الغري للمطبوعات ببيروت، توزيع دار الكتاب ببيروت، طبعة سنة ١٤١٢ هـ/١٩٩٢ م.
٣٥ - المحلّى، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، تحقيق: محمد منير الدمشقي، عنيت بنشره وتصحيحه للمرة الأولى سنة ١٣٥١ هـ. إدارة الطباعة المنيرية بمصر.
٣٦ - المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، دار إحياء التراث العربي، ط ١، ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م.
٣٧ - مواهب الجليل لشرح مختصر خليل، أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن المغربي المعروف بالحطاب الرعيني، ضبطه وخرج آياته وأحاديثه الشيخ زكريا عميرات، دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، طبعة بدون تاريخ.
٣٨ - نتائج الأقوال من معارج الآمال (الجزء الأول) أما الجزء الثاني باسم (نتائج الأقوال نثر مدارج الكمال)، تأليف الشيخ العلامة سعيد بن حمد بن سليمان الحارثي، راجعه وخرج أحاديثه: داود بن عمر بابزيز الوارجلاني، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، السيب - سلطنة عمان، ط ٢، ١٤٣١ هـ/ ٢٠١٠ م.
٣٩ - نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار، محمود بن أحمد بن موسى بدر الدين العيني.
٤٠ - نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، شمس الدين محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة بن شهاب الدين الرملي الشهير بالشافعي الصغير، دار الفكر للطباعة، بيروت، ١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤ م.
٤١ - الوسيط في المذهب، حجة الإسلام الإمام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، حققه وعلق عليه: أحمد محمود إبراهيم، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة - القاهرة، ط ١، ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٧ م.
стр. 554
الفصل السادس شروط الواقف الجعلية
стр. 555
سيتم في هذا الفصل تناول شروط الواقف الجعلية (١)، وذلك ضمن المباحث الآتية:
المبحث الأول التعريف بشروط الواقفين
يتكون العنوان من كلمتين هما: الشروط، والواقفين.
أ) فالشروط: جمع شرط، وهو لغة: ما يوضع ليلتزم في بيع، أو نحوه (٢).
وفي الفقه الإسلامي، يستعمل في معنيين:
أحدهما: الشروط التي اشترطها الشارع لصحة العبادات، أو المعاملات، أو نحوهما، بحيث إذا لم تتوافر أدى ذلك إلى بطلان التصرف، أو فساده (٣)، فالشرط بهذا المعنى هو ما يتوقف عليه وجود الشيء وهو خارج عن ماهيته.
الثاني: الشروط التي يشترطها أحد العاقدين، أو كلاهما، وهي الشروط المقترنة بالعقد وتسمى كذلك: الشروط الجَعْلية، وهي المقصودة في هذا الفصل.
وقد عرفها بعضهم فقال: "الشرط: التزام أمر لم يوجد في أمر وجد بصيغة مخصوصة" (٤).
стр. 556
ب) والواقفون:
جمع واقف، وهو الذي قام بحبس أصل وتسبيل ثمرته، أو منفعته.
ويشترط لصحة وقفه شروط سبق ذكرها عند الكلام عن المحور الخاص بالواقف.
ج) منزلة شروط الواقفين في الشرع:
سُنَّ الوقف في الإسلام ليفتح الشارع الحكيم بذلك بابًا عظيمًا من أسباب قوة الأمة وعزتها، وطريقًا إلى تحصيل الأجر والثواب، وكان الوقف في عصور الإسلام الزاهرة عماد حياة الناس في مصالح دينهم ودنياهم؛ فكانت أكثر المصالح العامة التي ترعاها الدول عادة تقوم على الأوقاف؛ كالمساجد والمدارس والمستشفيات وأعمال الحسبة وأعمال النظافة للسكك والأنهار، وإنارة الشوارع والساحات بالمصابيح، وسقيا الماء، والبريد، ونُزُل المسافرين، وكانت الدول تنهار وتقوم مكانها أخرى؛ دون أن تتأثر هذه المصالح العظيمة؛ لأن القائمين عليها هم نظار هذه الأوقاف.
إن لشروط الواقفين في أوقافهم أثرًا عظيمًا في توجيه مصارف الوقف نحو مثل هذه الأعمال، ولهذا عُني الفقهاء بتفصيل أحكامها في كتبهم، وبينوا أن لشروط الواقفين قوة واعتبارًا تستمدهما من أصل شرعية الوقف، وذلك لأن الأصل أن الواقف لم يرض بحبس ملكه لله تعالى وإخراجه من ملكه إلا بهذه الشروط، ومقتضي ذلك في سائر العقود أن الشرط إذا لم يتحقق بطل العقد وعاد المعقود عليه إلى صاحبه، ولا سبيل إلى ذلك في الوقف؛ فوجب اعتبار شروط الواقف في وقفه.
د) المعتبر في تفسير ألفاظ الواقفين:
شروط الواقف ربما تكون عامة أو مطلقة، وربما يشوبها في لفظها أو معناها ما يجعلها في حاجة إلى تفسير وبيان؛ فما المعتبر في ذلك؟
اختلف الفقهاء فيما يفسر شرط الواقف على قولين:
القول الأول: المعتبر في تفسير ألفاظ الواقفين عرف الشارع إن كان له عرف: قال السبكي "ولو كان فهم العوام حجة لم يُنظر في شيء من كتب الأوقاف، ولا
стр. 557
غيرها مما يصدر منهم، ولكنا ننظر في ذلك، ونجري الأمر على ما يدل عليه لفظها لغة وشرعًا سواء أعلمنا أن الواقف قصد ذلك أم جهله، وما ذاك إلا أن من تكلم بشيء التزم حكمه، وإن لم يستحضر تفاصيله حين النطق به" (١).
وذهب الزركشي إلى أن "ما له مسمي عرفي وشرعي يُحمل عند الإطلاق على الحقيقة الشرعية أولًا، ثم العرفية" (٢).
القول الثاني: المعتبر عرف الاستعمال أو لغة المتكلم دون النظر إلى لغةٍ أو عرفٍ آخَرَيْن؛ لأن كلام الناس في عقودهم وإنشاءاتهم إنما يدل على مقاصدهم هم، فلا تكون لغة الشارع أو عرفه دليلًا على مقاصدهم. ويُقوَّى هذا أنه إذا كانت اللغة الغالبة لبلد إنما تُعرف بها مقاصد المتكلمين بها، وأنه لا يجوز أن يُفسَّر بها كلام أقلية تتكلم بغيرها؛ فكذلك ألفاظ وعقود الناس إنما تُفسر بلغتهم، أو عرف استعمالهم، وليس بلغة الشارع أو عرفه.
وهذه المسألة - في أصلها - ضرورية ظاهرة؛ ولهذا بني عليها العلماء في فهم ألفاظ الكتاب والسنة؛ فقرروا أن المعتبر في ذلك مصطلح الشارع؛ لأنه أقوى الدلالات على مراده؛ فإن لم يوجد له مصطلح فلغة العرب؛ لنزول القرآن بها؛ فإن لم توجد فعرف المخاطبين في ذلك.
مثال ذلك: لو وقف على الفقراء من يرى أن عادم بيت المثل فقير: جاز لناظر وقفه أن يُعطي مَنْ هذه صفته من ريع هذا الوقف، ولو كان حد الفقر في الشريعة لا ينطبق عليه؛ لأننا استنبطنا مراده من عرفه المطرد.
وكذلك من وَقَفَ على طلبة العلم وفي مصطلحه، أو عرفه الدارج عند الإطلاق أن العلم هو كل ما نفع الناس في دينهم ودنياهم جاز إعطاء طلاب العلوم البحتة النافعة للأمة من وقفه، ولو كان العلم في الشريعة واصطلاح الفقهاء يُطلق على علوم الكتاب والسنة.
стр. 558
أولًا: هل الأصل في الشروط الحظر أو الإباحة ؟
هذه المسألة عامة في جميع الشروط بما فيها الشروط الخاصة بالواقف، ولذلك نذكرها بإيجاز، ويقصد بها: حرية المتعاقدين في إحداث الشروط.
فقد ذهب الجمهور (١) إلى أن الأصل في الشروط الإباحة، في حين أن الظاهرية وحدهم هم الذين ذهبوا إلى أن الأصل التحريم (٢).
وقد استدل الظاهرية على ذلك بما يأتي:
١ - ما رواه البخاري وغيره بسنده عن عائشة ﵂ قالت: "دخلت عليّ بريرة، وهي مكاتبة، فقالت: يا أم المؤمنين: اشتريني، فإن أهلي يبيعوني، فأعتقيني، قالت: نعم، قالت: إن أهلي لا يبيعوني حتى يشترطوا ولائي، قالت: لا حاجة لي فيك .. فسمع ذلك النبي ﷺ أو بلغه - فقال: "اشتريها، فأعتقيها وليشترطوا ما شاؤوا"، وفي لفظ زيادة: (فإنما الولاء لمن أعتق)، قالت: فاشتريتها فأعتقتها واشترط أهلها ولاءها .... ثم قام رسول الله ﷺ فقال: "ما بال الناس يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فليس له، وإن شرط مائة مرة، شرط الله أحق وأوثق" (٣).
فظاهره بطلان جميع الشروط التي ليست في كتاب الله؛ لأن لفظ (من اشترط) عام، وأكد هذا العموم (وإن اشترط مائة شرط) (٤) فهذا الحديث وإن كان في الشروط
стр. 559
لكنه يشمل العقود التي ليست في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ، وذلك لأن اسم الشرط يقع عليها.
وقد استدلوا أيضًا بقوله ﷺ في الحديث الصحيح: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (١)، ولا شك أن إحداث عقد أو شرط ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ ؛ هو عمل ليس عليه أمر الرسول ﷺ ؛ فيكون مردودًا باطلًا.
وقد استدل القائلون بأن الأصل في الشروط الإباحة بمجموعة من الأدلة من الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢) وقوله أيضًا: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (٣).
وأما السنة فهناك أحاديث كثيرة تدل أيضًا على وجوب الوفاء بالعهد والشروط وأحاديث خاصة بالشروط منها قول النبي ﷺ : "المسلمون عند شروطهم" (٤) وهو حديث صحيح صريح؛ بل هو نص في الموضوع.
واستدلوا للشروط الخاصة بما رواه البخاري ومسلم وغيرهما بسندهم عن جابر - واللفظ للبخاري - أنه كان يسير على جمل له قد أعيا - أي تعب - فمر النبي ﷺ فضربه، فسار بِسَيْر ليس يسير مثله، ثم قال: "بعنِيهِ بِوَقية"؛ قلت: لا، ثم قال: "بعنيه بوَقية" فبعته، فاستثنيت حملانه إلى أهلي، فلما قدمنا أتيته بالجمل ونقدني ثمنه، ثم انصرفت، فأرسل على أثري قال: "ما كنت لأخذ جملك، فخذ جملك ذلك فهو مالك".
стр. 560
وفي لفظ آخر عن جابر: "شرط ظهره إلى المدينة" (١) والحديث صريح في أن جابرًا ﵁ قد اشترط هذا الشرط لمصلحته، وأجازه رسول الله ﷺ ولا يقال بأن الشرط كان خارجًا عن العقد، لأن البخاري نفسه قال: والاشتراط أكثر وأصح عندي (٢).
وذكر الحافظ ابن حجر: أن الرواة اختلفوا عن جابر في هذه الواقعة، هل وقع الشرط في العقد عند البيع، أو كان ركوبه للجمل بعد بيعه إباحة من النبي ﷺ بعد شرائه على طريق العارية ... والحاصل أن الذين ذكروه بصيغة الاشتراط أكثر عددًا من الذين خالفوهم، وهذا وجه من وجوه الترجيح فيكون أصح، ويترجح أيضًا بأن الذين رووه بصيغة الاشتراط معهم زيادة وهم حفاظ فتكون حجة، وليست رواية من لم يذكر الاشتراط منافية لرواية من ذكره، لأن قوله: (لك ظهره) و (أفقرناك ظهره) لا يمنع وقوع الاشتراط قبل ذلك، وقد رواه عن جابر بمعنى الاشتراط أيضًا أبو المتوكل عند أحمد، ولفظه: "فبعني ولك ظهره إلى المدينة" (٣).
وأما الآثار فقد قال ابن تيمية: "وآثار الصحابة توافق ذلك" (٤).
وأما المعقول فهو أن العقود والشروط من باب العادات، والأصل فيها الحل؛ لأنه لو كان الأصل فيها الحرمة لكان القرآن الكريم والسنة المشرفة يبينان لنا ذلك لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (٥) فإذا لم تكن محرمة لم تكن فاسدة، لأن الفساد إنما ينشأ من التحريم، وإذا لم تكن فاسدة كانت صحيحة، قال ابن تيمية:
стр. 561
"وإذا ظهر أن العقود لا يحرم منها إلا ما حرمه الشارع فإنما وجب الوفاء بها من الواجبات التي اتفقت عليها الملل، بل والعقلاء جميعهم" (١).
ثم إن أساس العقود - كما سبق - هو التراضي، وموجبها هو ما أوجبه العاقدان على أنفسهما، ويدل على هذا الأصل في التبرعات قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٢) فعلق جواز الأكل بطيب النفس تعليق الجزاء بشرطه، فدل على أنه سبب له وهو حكم معلق على وصف مشتق مناسب فيكون ذلك الوصف سببًا لذلك الحكم فإذا كان طيب النفس هو المبيح لأكل الصداق، فكذلك سائر التبرعات قياسًا عليها بالعلة المنصوصة التي دل عليها القرآن، كما يدل على هذا الأصل في المعاوضات قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣) حيث لم يشترط في التجارة إلا التراضي، وذلك يقتضي أن التراضي هو المبيح للتجارة، فتثبت الإباحة في كل عقد توفر فيه التراضي لدلالة القرآن (٤).
ثانيًا: العمل بشرط الواقف (آثار الشرط):
الأصل هو وجوب العمل بشرط الواقف، وذلك لأن الواقف قد أخرج الموقوف من ملكه مقيدًا بشرطه، وبالتالي فإن لم يتحقق شرطة المشروع فكأنه لم يخرج من ملكه، وحينئذ لا يطيب للموقوف عليه - ولا سيما إذا كان معينًا كما في الوقف الأهلي - أن ينتفع بما ينتج منه من غلة، أو نحوها، وبعبارة أخرى فإن المال لا يخرج من عصمة مالكه إلا برضاه المشروط (٥) فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٦).
стр. 562
ويمكن أن يستدل لذلك بقوله تعالى في وجوب الحفاظ على وصية الموصي: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) حيث دلت الآية الكريمة على وجوب الحفاظ على ما قاله الموصي وشروطه، وعلى حرمة التبديل بالإبطال، أو النقص، أو التعديل (٢) إلا إذا كان في الوصية إجحاف وظلم، فحينئذ لا بد أن يرجع الأمر إلى مصلح يتوسط بين الورثة والموصى لهم؛ للوصول إلى العدل والإنصاف؛ فقال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) فهذه الآية استثناء مما قبلها في موضوع التبديل، وقد قال المفسرون: "الجنف بالتحريك: الخطأ، والإثم: يراد به تعمد الظلم، والمعنى: إن خرج الموصي في وصيته عن المعروف والعدل خطأ، أو عمدًا فتنازع الموصى لهم فيه، أو تنازعوا مع الورثة فينبغي أن يتوسط بينهم من يعلم بذلك، ويصلح بينهم، ولا إثم عليه في هذا الإصلاح ولو أدى إلى تبديل ما وصّى به الموصي، لأنه تبديل إلى الحق والإنصاف وإزالة للظلم والاعتساف" (٤).
فهذه الأحكام الواردة في أحكام الوصية أصل عظيم في كل الشروط والقيود، وهو أنه يجب الالتزام بها إلا إذا كان الشرط فيه الإثم والظلم والإجحاف، وهكذا الأمر بالنسبة لشروط الواقف إلا إذا كانت الشروط باطلة، أو فاسدة، أو أنها لم تعد صالحة، أو وجدت مسوغات لمخالفتها؛ كما سيأتي تفصيلها.
وقد توسع الفقهاء في لزوم احترام شروط الواقف؛ حتى قالوا: أن شرط الواقف كنص الشارع؛ حثًا منهم للواقف بالإقدام على الوقف، من حيث إن إرادته محترمة، وإن شروطه مصونة حتى بعد موته، تأكيدًا لما ورد في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ
стр. 563
سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ (١) بالإضافة إلى الأدلة الدالة على وجوب الوفاء بالعهود والشروط والعقود، منها قول النبي ﷺ : "المؤمنون عند شروطهم" (٢) وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٣).
وقد انطلق الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في توسعتهم لشروط الواقف من كون الوقف من الإحسان الذي لا قيود عليه إلا قيد العصيان (٤)، قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٥)، وقد قرر ابن عابدين ﵀ هذا المعنى بقوله: "شرائط الواقف معتبرة إذا لم تخالف الشرع وهو مالك، فله أن يجعل ماله حيث شاء ما لم تكن معصية، وله أن يخص صنفًا من الفقراء، ولو كان الوضع في كلهم قربة" (٦)، وجاء في مختصر خليل مع شرح الدردير: (واتبع) وجوبًا (شرطه) أي الوقف (إن جاز) شرعًا، ومراده بالجواز ما قابل المنع، فيشمل المكروه، ولو متفقًا على كراهته، فإن لم يجز لم يُتبع، وجاء في حاشية الدسوقي تعليقًا على قوله: "فإن لم يجز" أي اتفاقًا (٧)، وهذا يدل على أن شرط الواقف بشيء مختلف في حرمته ينفذ، ما لم يكن دليل الحِلية واهيًا لا يعتد بمثله أهل العلم، ومثله ورد في كتب الشافعية، حيث ذكرت أن شرائط الواقف تجب مراعاتها ما لم يكن فيها ما ينافي مقتضى الوقف (٨).
стр. 564
يقول القرافي المالكي: "ويجب اتباع شروط الواقف ... لأنه ماله، ولم يأذن في صرفه إلا على وجه مخصوص، والأصل في الأموال العصمة" (١)، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية الحنبلي: "والمقصود إجراء الوقف على الشروط التي يقصدها الواقف؛ ولهذا قال الفقهاء: إن نصوصه كنصوص الشارع، يعني في الفهم والدلالة، فيفهم مقصود ذلك من وجوه متعددة، كما يفهم مقصود الشارع" (٢).
يقول الشيرازي من الشافعية: "وتصرف الغلة على شرط الواقف من الأثرة والتسوية والتفصيل ... " (٣).
وقد منح الله تعالى الإنسان الحق في التصرف في أمواله بما ينفع دينه ودنياه وآخرته ما دام لا يتعارض مع نص شرعي ثابت صريح، وبالنسبة للوقف فله الحق في تحديد المقدار الذي يريد وقفه، فله الحق أن يقف ما شاء من أمواله دون حد، ما لم يكن مريضًا مرض الموت؛ حيث يتقيد بالثلث عند جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية، أو مدينًا حيث لا يجوز له أن لا يترك ما يفي بديونه كاملة؛ لأنها مقدمة على الصدقات (٤).
ولكن الأفضل للمسلم أن لا يقف أو يتصدق بجميع أمواله ما دام له ورثة يحتاجون إليها، ويدل على ذلك ما ورد عن النبي ﷺ في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ حينما استأذنه أن يتصدق بأمواله؟ فقال سعد: "إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى،
стр. 565
وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا" فقلت: بالشطر؟ فقال: "لا" ثم قال ﷺ : "الثلث، والثلث كثير" (١)(٢).
وكما له الحق في إنشاء الوقف؛ فله الحق كذلك أن يُضمِّن عقده أو وقفه ما شاء من شروط تتعلق بنظام النظارة والإدارة، والاستحقاق والاستغلال والتوزيع (٣)، ما دامت لا تتعارض مع نصوص الشرع، أو مقتضى الوقف.
هذا وقد اعتبر بعض العلماء - منهم الهيتمي - مخالفة شرط الواقف من الكبائر، قال الهيتمي: "وذكري لهذا من الكبائر ظاهر، وإن لم يصرحوا به؛ لأن مخالفته يترتب عليها أكل أموال الناس بالباطل، وهو كبيرة" (٤).
وعند الزيدية يجب العمل بشرط الواقف، فإذا عين الواقف موضعًا للصرف أو الانتفاع أو زمانًا أو كيفية أو نحو ذلك تعيَّن؛ إذ الظاهر أنه لم يقصد إلا بعد تصوره القربة فيه (٥).
ويتقيد الوقف والمصرف بما يشترطه الواقف ويستثنيه؛ إذ هو إخراج ملك أشبه العتق والطلاق، فيصح وقف أرض لما شاء، واستثناء غلتها لما شاء، كأن يقول: على أولادي، فإذا انقرضوا فلكذا، فلا يصير إلى الثاني إلا بعد انقراض الأول (٦).