← Фикх общий

Фикх общий · id 308

مدونة أحكام الوقف الفقهية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

"وإذا ظهر أن العقود لا يحرم منها إلا ما حرمه الشارع فإنما وجب الوفاء بها من الواجبات التي اتفقت عليها الملل، بل والعقلاء جميعهم" (١). ثم إن أساس العقود - كما سبق - هو التراضي، وموجبها هو ما أوجبه العاقدان على أنفسهما، ويدل على هذا الأصل في التبرعات قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٢) فعلق جواز الأكل بطيب النفس تعليق الجزاء بشرطه، فدل على أنه سبب له وهو حكم معلق على وصف مشتق مناسب فيكون ذلك الوصف سببًا لذلك الحكم فإذا كان طيب النفس هو المبيح لأكل الصداق، فكذلك سائر التبرعات قياسًا عليها بالعلة المنصوصة التي دل عليها القرآن، كما يدل على هذا الأصل في المعاوضات قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣) حيث لم يشترط في التجارة إلا التراضي، وذلك يقتضي أن التراضي هو المبيح للتجارة، فتثبت الإباحة في كل عقد توفر فيه التراضي لدلالة القرآن (٤). ثانيًا: العمل بشرط الواقف (آثار الشرط): الأصل هو وجوب العمل بشرط الواقف، وذلك لأن الواقف قد أخرج الموقوف من ملكه مقيدًا بشرطه، وبالتالي فإن لم يتحقق شرطة المشروع فكأنه لم يخرج من ملكه، وحينئذ لا يطيب للموقوف عليه - ولا سيما إذا كان معينًا كما في الوقف الأهلي - أن ينتفع بما ينتج منه من غلة، أو نحوها، وبعبارة أخرى فإن المال لا يخرج من عصمة مالكه إلا برضاه المشروط (٥) فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٦).

стр. 562

ويمكن أن يستدل لذلك بقوله تعالى في وجوب الحفاظ على وصية الموصي: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) حيث دلت الآية الكريمة على وجوب الحفاظ على ما قاله الموصي وشروطه، وعلى حرمة التبديل بالإبطال، أو النقص، أو التعديل (٢) إلا إذا كان في الوصية إجحاف وظلم، فحينئذ لا بد أن يرجع الأمر إلى مصلح يتوسط بين الورثة والموصى لهم؛ للوصول إلى العدل والإنصاف؛ فقال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) فهذه الآية استثناء مما قبلها في موضوع التبديل، وقد قال المفسرون: "الجنف بالتحريك: الخطأ، والإثم: يراد به تعمد الظلم، والمعنى: إن خرج الموصي في وصيته عن المعروف والعدل خطأ، أو عمدًا فتنازع الموصى لهم فيه، أو تنازعوا مع الورثة فينبغي أن يتوسط بينهم من يعلم بذلك، ويصلح بينهم، ولا إثم عليه في هذا الإصلاح ولو أدى إلى تبديل ما وصّى به الموصي، لأنه تبديل إلى الحق والإنصاف وإزالة للظلم والاعتساف" (٤). فهذه الأحكام الواردة في أحكام الوصية أصل عظيم في كل الشروط والقيود، وهو أنه يجب الالتزام بها إلا إذا كان الشرط فيه الإثم والظلم والإجحاف، وهكذا الأمر بالنسبة لشروط الواقف إلا إذا كانت الشروط باطلة، أو فاسدة، أو أنها لم تعد صالحة، أو وجدت مسوغات لمخالفتها؛ كما سيأتي تفصيلها. وقد توسع الفقهاء في لزوم احترام شروط الواقف؛ حتى قالوا: أن شرط الواقف كنص الشارع؛ حثًا منهم للواقف بالإقدام على الوقف، من حيث إن إرادته محترمة، وإن شروطه مصونة حتى بعد موته، تأكيدًا لما ورد في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ

стр. 563

سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ (١) بالإضافة إلى الأدلة الدالة على وجوب الوفاء بالعهود والشروط والعقود، منها قول النبي ﷺ : "المؤمنون عند شروطهم" (٢) وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٣). وقد انطلق الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في توسعتهم لشروط الواقف من كون الوقف من الإحسان الذي لا قيود عليه إلا قيد العصيان (٤)، قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٥)، وقد قرر ابن عابدين ﵀ هذا المعنى بقوله: "شرائط الواقف معتبرة إذا لم تخالف الشرع وهو مالك، فله أن يجعل ماله حيث شاء ما لم تكن معصية، وله أن يخص صنفًا من الفقراء، ولو كان الوضع في كلهم قربة" (٦)، وجاء في مختصر خليل مع شرح الدردير: (واتبع) وجوبًا (شرطه) أي الوقف (إن جاز) شرعًا، ومراده بالجواز ما قابل المنع، فيشمل المكروه، ولو متفقًا على كراهته، فإن لم يجز لم يُتبع، وجاء في حاشية الدسوقي تعليقًا على قوله: "فإن لم يجز" أي اتفاقًا (٧)، وهذا يدل على أن شرط الواقف بشيء مختلف في حرمته ينفذ، ما لم يكن دليل الحِلية واهيًا لا يعتد بمثله أهل العلم، ومثله ورد في كتب الشافعية، حيث ذكرت أن شرائط الواقف تجب مراعاتها ما لم يكن فيها ما ينافي مقتضى الوقف (٨).

стр. 564

يقول القرافي المالكي: "ويجب اتباع شروط الواقف ... لأنه ماله، ولم يأذن في صرفه إلا على وجه مخصوص، والأصل في الأموال العصمة" (١)، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية الحنبلي: "والمقصود إجراء الوقف على الشروط التي يقصدها الواقف؛ ولهذا قال الفقهاء: إن نصوصه كنصوص الشارع، يعني في الفهم والدلالة، فيفهم مقصود ذلك من وجوه متعددة، كما يفهم مقصود الشارع" (٢). يقول الشيرازي من الشافعية: "وتصرف الغلة على شرط الواقف من الأثرة والتسوية والتفصيل ... " (٣). وقد منح الله تعالى الإنسان الحق في التصرف في أمواله بما ينفع دينه ودنياه وآخرته ما دام لا يتعارض مع نص شرعي ثابت صريح، وبالنسبة للوقف فله الحق في تحديد المقدار الذي يريد وقفه، فله الحق أن يقف ما شاء من أمواله دون حد، ما لم يكن مريضًا مرض الموت؛ حيث يتقيد بالثلث عند جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية، أو مدينًا حيث لا يجوز له أن لا يترك ما يفي بديونه كاملة؛ لأنها مقدمة على الصدقات (٤). ولكن الأفضل للمسلم أن لا يقف أو يتصدق بجميع أمواله ما دام له ورثة يحتاجون إليها، ويدل على ذلك ما ورد عن النبي ﷺ في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ حينما استأذنه أن يتصدق بأمواله؟ فقال سعد: "إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى،

стр. 565

وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا" فقلت: بالشطر؟ فقال: "لا" ثم قال ﷺ : "الثلث، والثلث كثير" (١) (٢). وكما له الحق في إنشاء الوقف؛ فله الحق كذلك أن يُضمِّن عقده أو وقفه ما شاء من شروط تتعلق بنظام النظارة والإدارة، والاستحقاق والاستغلال والتوزيع (٣)، ما دامت لا تتعارض مع نصوص الشرع، أو مقتضى الوقف. هذا وقد اعتبر بعض العلماء - منهم الهيتمي - مخالفة شرط الواقف من الكبائر، قال الهيتمي: "وذكري لهذا من الكبائر ظاهر، وإن لم يصرحوا به؛ لأن مخالفته يترتب عليها أكل أموال الناس بالباطل، وهو كبيرة" (٤). وعند الزيدية يجب العمل بشرط الواقف، فإذا عين الواقف موضعًا للصرف أو الانتفاع أو زمانًا أو كيفية أو نحو ذلك تعيَّن؛ إذ الظاهر أنه لم يقصد إلا بعد تصوره القربة فيه (٥). ويتقيد الوقف والمصرف بما يشترطه الواقف ويستثنيه؛ إذ هو إخراج ملك أشبه العتق والطلاق، فيصح وقف أرض لما شاء، واستثناء غلتها لما شاء، كأن يقول: على أولادي، فإذا انقرضوا فلكذا، فلا يصير إلى الثاني إلا بعد انقراض الأول (٦).

стр. 566

المبحث الثاني المعتبر في دلالة ألفاظ الواقفين أولًا: آراء العلماء في اعتبار العرف: هذه المسألة مهمة؛ لما فيها من تحقيق إرادة الواقف، وما يترتب عليها من العدل بين الموقوف عليهم. وفيها رأيان: الرأي الأول: اعتبر عُرْف الشارع إن كان له عرف: حيث ذهب بعض العلماء - منهم السبكي - إلى أن المعتبر في ألفاظ الناس، ومنهم الواقف هو اللغة وعرف الشارع، فقال: "ولو كان فهم العوام حجة لم يُنظر في شيء من كتب الأوقاف، ولا غيرها مما يصدر منهم، ولكنا ننظر في ذلك، ونجري الأمر على ما يدل عليه لفظها لغة وشرعًا؛ سواء أعلمنا أن الواقف قصد ذلك أم جهله، وما ذاك إلا أن من تكلم بشيء التزم حكمه، وإن لم يستحضر تفاصيله حين النطق بها" (١). وكذلك الزركشي ذهب إلى أن ما له مسمي عرفي وشرعي يُحمل عند الإطلاق على الحقيقة الشرعية أولًا، ثم العرفية (٢). وفصَّل في المنثور في تعارض العرف مع الشرع، ورأى أنه إذا لم يتعلق بالعرف الشرعي حكم فيُقدم عليه؛ فلا يحنث عنده من حلف لا يأكل لحمًا فأكل سمكًا، وإن سماه الله تعالى لحمًا؛ فرأى تقديم عرف الاستعمال على عرف الشرع، وعلَّل ذلك بأن فيه تسمية لم يتعلق بها تكليف، ولأن الإنسان إنما يؤاخذ بما نواه وفعله ثم ذكر النوع الثاني، وهو تعلقُ حكمٍ بعرف الشرع، وأنه يُقدم الشرعي على عرف الاستعمال؛ كما إذا حلف لا يصوم؛ لم يحنث إلا بالإمساك بالنية في زمن قابل للصوم، ولا يحنث بمطلق الإمساك، وإن كان صومًا لغة، هذا كلام الزركشي باختصار (٣).

стр. 567

وهذا هو الذي رجحه معظم علماء المالكية، قال الحطاب: "واختلف فيها فتوى المتأخرين: فتاوى ابن رشد، وفتيا ابن الحاج، والراجح فيها فتيا ابن رشد؛ لأن لفظ الواقف لما كان قابلًا للاحتمالين وتعذر ترجيح أحدهما بتفسير الواقف؛ اعتمد ابن رشد في ترجيح أحدهما بعادة الناس وهي العرف، وباستصحاب الحالة السابقة، واعتمد مخالفه على ظاهر اللفظ، أو أنه أظهر الاحتمالين في اللفظ (١). الرأي الثاني: اعتبر عرف الواقف أو لغته: حيث قال به أكثر أهل العلم، وهو أن المعتبر عرف الاستعمال أو لغة المتكلم دون النظر إلى لغةٍ أو عرفٍ آخَرَيْن؛ لأن كلام الناس في عقودهم وإنشاءاتهم إنما يدل على مقاصدهم هم، فلا تكون لغة الشارع أو عرفه دليلا على مقاصدهم. ويُقوَّى هذا من وجه آخر: بأنه إذا كانت اللغة الغالبة لبلد إنما تُعرف بها مقاصد المتكلمين بها، وأنه لا يجوز أن يُفسَّر بها كلام أقلية تتكلم بغيرها، فكذلك ألفاظ وعقود الناس إنما تُفسر بلغتهم، أو عرف استعمالهم، وليس بلغة الشارع أو عرفه. ولا يُستثنى من هذه القاعدة ما استثناه الزركشي ﵀ مما تعلق به حكمٌ بعرف الشرع، وذلك لأن مناط الحكم هو مراد المتكلم، ولا سبيل إلى ذلك إلا بلغته، أو عرف استعماله. وهذه المسألة - في أصلها - ضرورية ظاهرة؛ ولهذا بنى عليها العلماء في فهم ألفاظ الكتاب والسنة؛ فقرروا أن المعتبر في ذلك مصطلح الشارع؛ لأنه أقوى الدلالات على مراده؛ فإن لم يوجد له مصطلح فلغة العرب؛ لنزول القرآن بها؛ فإن لم توجد فعرف المخاطبين في ذلك. فعلى ذلك: لو وقف على الفقراء من يرى أن عادم بيت المثل فقير، جاز لناظر وقفه أن يُعطي مَنْ هذه صفته من ريع هذا الوقف، ولو كان حد الفقر في الشريعة لا ينطبق عليه؛ لأننا استنبطنا مراده من عرفه المطرد.

стр. 568

وكذلك من وَقَفَ على طلبة العلم وفي مصطلحه، أو عرفه الدارج عند الإطلاق أن العلم هو كل ما نفع الناس في دينهم ودنياهم جاز إعطاء طلاب العلوم البحتة النافعة للأمة من وقفه، ولو كان العلم في الشريعة واصطلاح الفقهاء يُطلق على علوم الكتاب والسنة. أ) من أقوال أهل العلم في اعتبار عرف الواقف: قال العز بن عبد السلام: "فصل في تزيل دلالة العادات وقرائن الأحوال منزلة صريح الأقوال في تخصيص العموم وتقييد المطلق وغيرهما، وله أمثلة .. " ثم سرد جملة منها (١). وقال الغزالي: "وعلى الجملة فعادة الناس تؤثر في تعريف مرادهم من ألفاظهم" (٢). وقال ابن تيمية: "مع أن التحقيق في هذا أن لفظ الواقف ولفظ الحالف والشافع والموصي وكل عاقد يحمل على عادته في خطابه ولغته التي يتكلم بها؛ سواء وافقت العربية العرباء، أو العربية المولدة، أو العربية الملحونة، أو كانت غير عربية وسواء وافقت لغة الشارع، أولم توافقها؛ فإن المقصود من الألفاظ: دلالتها على مراد الناطقين بها؛ فنحن نحتاج إلى معرفة كلام الشارع؛ لأن معرفة لغته وعرفه وعادته تدل على معرفة مراده، وكذلك في خطاب كل أمة وكل قوم؛ فإذا تخاطبوا بينهم في البيع والإجارة أو الوقف أو الوصية أو النذر أو غير ذلك بكلام رُجع إلى معرفة مرادهم، وإلى ما يدل على مرادهم: من عادتهم في الخطاب؛ وما يقترن بذلك من الأسباب" (٣).

стр. 569

وقال ابن الشاط في المعتبر في ألفاظ الطلاق: "فإنه كما يتبدل العرف من العرف كذلك يتبدل العرف من اللغة، وإلزام العقود من الطلاق وغيره مبني على نية المتكلم أو على عرفه لا على اللغة ولا على عرف غيره هذا فيما يرجع إلى الفتوى. وأما ما يرجع إلى الحكم فأمر آخر؛ لمنازعة غيره له؛ فإنما يحكم بعرفه لا بنيته؛ لاحتمال كذبه فيما يدعيه من النية؛ فالحكم مترتب على العرف سواء كان ذلك العرف ناقلًا عن اللغة، أم عمن عرف سابق عليه ناقل عن اللغة، وعلى الجملة فالاعتبار بالاستعمال الجاري في زمن وقوع العقد؛ فإن كان لغة جرى الحكم بحسبه، وإن كان عرفًا ناسخًا لها، أو لعرف ناسخ لها فكذلك" (١). وقال ابن نجيم: "يُحمل كلام كل عاقد وحالف وواقف على عرفه ولغته وإن خالفت لغة العرب" (٢). ويظهر أثر ذلك في الوقف الذي وقف بلغة غير عربية، حيث لا يبقى مجال إلّا للقول بما يقتضيه عرفه اللغوي وما أراده نصًا أو بالقرينة. ب) دليل الخطاب عند الحنفية في ألفاظ الواقفين إذا كان الحنفية قد أبطلوا دليل الخطاب، وهو مفهوم المخالفة في نصوص الشريعة؛ فإنهم أبطلوه أيضًا في شروط الواقفين وألفاظهم بناء على أن نص الواقف كنص الشارع، وقد خالفهم في ذلك جمع من متأخريهم، وحققوا أن دليل الخطاب معتبر في كلام الناس. قال ابن عابدين: "وحيث كان المفهوم معتبرًا في متفاهم الناس وعرفهم وجب اعتباره في كلام الواقف أيضًا؛ لأنه يتكلم على عرفه" (٣).

стр. 570

وإذا تقرر هذا فمن المعلوم أن اللغات - حتى الأعجمية والعامية منها - إنما يُبني فهم مقاصد المتكلمين بها على قواعد مشتركة يُعتبر فيها النص والظاهر والمجمل والمبين والعام والخاص والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ و مباحث اللغة؛ كالاشتراك والترادف والتضاد والترتيب والفور والتراخي والاستثناء، وكذلك المنطوق والمفهوم مخالفًا وموافقًا. وكلام الناس هذا: منه ما هو ظاهر الدلالة يشترك الناس أو أكثرهم في فهمه ومعرفته. ومنه ما هو خفي الدلالة. وقبل النظر في الدلالة تُعتبر أحكام ثبوت هذه الشروط؛ كالتواتر والعلم والظن والشك والوهم. ثم النظر فيما يتعارض من كلام الواقفين في ابتداء الوقف وشروطه، وما ينتهي إليه الناظر فيها من الجمع أو النسخ أو الترجيح. وكذلك ما قيل في شروط العرف؛ كاعتبار العرف السابق والمقارن؛ فلا عبرة بالعرف الطارئ، وكذلك اعتبار الغلبة والاطراد. فصارت مباحث أصول الفقه وقواعده هي طريق فهم كلام الناس؛ ولهذا قال العلماء: إن نص الواقف كنص الشارع، من حيث الفهم والدلالة. ولهذا نرى أن العلماء قد اختلفوا في تفسير مقاصد الواقفين في شروطهم كاختلافهم في تفسير الكتاب وشرح السنة وفقههما. ومن تكلم في هذه المسائل باجتهاد وعلم، معتبرًا هذه القواعد، معولًا على الأعراف الدارجة فيما يُحكَّم فيه العرف .. فهو بين أجر وأجرين. وأكثر شروط الواقفين ظاهرة جلية، وما أشكل منها: فإن أولى الناس بتحرير مقاصدهم من شروطهم العلماء المتمرسون في دلالات الألفاظ؛ كالمتخصصين في علم أصول التفسير، وأصول الفقه، والقواعد الفقهية.

стр. 571

ج) أمثلة وفروع على اعتبار بعض هذه القواعد: منها: ما جاء نقلًا عن ابن عبد السلام أنه لو شرط واقف المدرسة أن لا يشتغل المعيد فيها أكثر من عشرين سنة، ولم يكن في البلد معيد غيره: جاز استمراره وأخذه المعلوم؛ لأن العرف يشهد بأن الواقف لم يُرِدْ شغور مدرسته، وإنما أراد أن ينتفع هذا مدة، وغيره مدة (١). ومنها: ما ذكره الفتوحي نقلًا عن تقي الدين في تقديم التنبيه على النص حيث قال: فإن نقل نصيب الميت إلى ذوي طبقته إذا لم يكن له ولد دون سائر أهل الوقف .. تنبيه على أنه يُنقل إلى ولده إن كان حينئذ له ولد، فالتنبيه حينئذ دليل أقوى من النص، حتى في شروط الواقفين" (٢). ومنها: ما ذكره الحموي، وكذلك ابن عابدين من اعتبار قواعد التعارض والنسخ والترجيح في شروط الواقفين (٣). ثانيا: معنى: شرط (أو نص) الواقف كنص الشارع: استعمل معظم الفقهاء هذه العبارة في معرض حديثهم عن شروط الواقف، فقالوا: إن شرط الواقف (أو نصه) كنص الشارع، وجعلوها قاعدة عامة للدلالة على أهمية شروط الواقف ونصّه اللفظي، ولكنهم اختلفوا في المراد بها. فذهب بعضهم إلى أن وجه الشبه بين نص الواقف، ونص الشارع هو الفهم والدلالة، في حين ذهب آخرون إلى أن وجه الشبه إنما هو في وجوب العمل

стр. 572

والدلالات، ولكن وجوب العمل لا يعني وجوبه مطلقا، بل هو مقيد بتوافر شروطه عند كل مذهب (١). يقول السبكي: "بل يجب اتباع شرط الواقف نصًا، كان أو ظاهرًا، والفقهاء يقولون: "شروط الواقف كنصوص الشارع"، وأنا أقول - من طريق الأدب - شروط الواقف من نصوص الشارع، لقوله ﷺ : "المؤمنون عند شروطهم" وإذا كانت مخالفة النص تقتضي نقض الحكم؛ فمخالفة شرط الواقف تقتضي نقض الحكم" (٢). ولكن ابن تيمية حمل قول الفقهاء هذا على الدلالة، فقال: "ومن قال من الفقهاء: إن شروط الواقف نصوص كألفاظ الشارع، فمراده أنها كالنصوص في الدلالة على مراد الواقف، لا في وجوب العمل بها ... وأما أن تُجعل نصوص الواقف، أو نصوص غيره من العاقدين؛ كنصوص الشارع في وجوب العمل بها؛ فهذا كفر باتفاق المسلمين؛ إذ لا أحد يطاع في كل ما يأمر به من البشر بعد رسول الله ﷺ (ككك ٢). ولعل المراد من تقريرات الفقهاء وتحريراتهم في باب شروط الوقف مقصود به - والله أعلم - أن نصَّ الواقف أو شَرْطَه - من حيث التفسير والدلالة - كنصّ الشارع، وكذا: من حيث وجوب العمل به ما دام صحيحًا، أما إذا تعارض مع النص الصحيح الصّريح، أو مع مقتضى الوقف المتفق عليه، فإنه شرطٌ باطلٌ لا اعتداد به، إذ لم يقل فقيهٌ واحدٌ بصحّة الشّرط المخالف للنصّ الصحيح الصّريح، حتى إنّ الحنفية صرحوا بأن القضاء يُنقَض إذا كان ما حكم به مخالفًا للنّص، أو لشرْط الواقف، أي الصحيح (٣).

стр. 573

ثالثًا: وسائل التعبير عن الشروط: إن وسائل التعبير عن شروط الواقف هي اللفظ، والكتابة، والإشارة الدالة على الشرط، كما هو الحال في الأخرس، والعرف، بأن يتعارف الناس على وجود شروط في الوقف، حيث يثبت وإن لم يصرح به بناء على أن المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، وهذا النوع يسمى الشروط العرفي (١). ووسائل الاتصالات المعاصرة مثل الانترنت، والهاتف، ونحوهما معتبرة في التعبير عن الشروط حيث صدر باعتمادها من حيث المبدأ قرارات المجامع الفقهية (٢). رابعًا: حالات عدم الالتزام بالشروط: ومع أن الأصل هو الالتزام بشروط الواقف الصحيحة، ولكن هناك حالات لا يجب الالتزام بها أوصلها الحنفية إلى ثلاث عشرة حالة كما سيأتي. وقد قيد ابن تيمية وابن القيم حالات الإلزام بشروط الواقف بأن تكون شروطه في دائرة الاستحباب، وبالتالي فإن ما عداها حتى من الشروط المباحة خاضع لنظر القاضي، أو الناظر العدل حيث يحق له مخالفته إلى ما هو الأصلح، مثل أن يكون الوقف على الفقهاء أو الصوفية، واحتاج الناس إلى الجهاد؛ فإن القاضي له الحق في الحكم بصرفه للجند (٣).

стр. 574

المبحث الثالث تقسيمات الفقهاء لشروط الواقفين الجعلية هناك تقسيمات متنوعة لشروط الواقفين نذكر أهمها: التقسيم الأول: باعتبار الوصف الشرعي (١) فبهذا الاعتبار تقسم شروط الوقف بالنسبة للواقف إلى: ١ - شروط مندوبة: أي أنه يستحسن له ويستحب أن يذكرها اقتداءً بالرسول الكريم ﷺ ، وهي الشروط الثابتة في الأحاديث الثابتة، مثل النص على أن الموقوف لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، والنص على أن ثمرته، أو ريعها، أو إيرادها للفقراء، أو القربى، وفي سبيل الله، وابن السبيل ونحو ذلك من وجوه الخير (٢). ٢ - شروط محرمة، وهي الشروط التي تتعارض مع نص ثابت من نصوص الشريعة، مثل الوقف على المحرمات، أو اشتراط شرط فيه معصية. ٣ - شروط مكروهة، وهي الشروط التي تتضمن ترك ما أحبه الله تعالى ورسوله ﷺ ، أو فعل ما كرهه الله تعالى ورسوله (٣). ٤ - شروط مباحة. التقسيم الثاني، باعتبار الحكم الوضعي قسم الفقهاء شروط الواقفين بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام، شروط صحيحة، وشروط باطلة، وشروط فاسدة: القسم الأول: الشروط الصحيحة: وهي الشروط التي لا تتعارض مع مقتضى الوقف (٤)، ولا تخالف الشرع.

стр. 575

ونذكر فيما يلي بعض الشروط الصحيحة الواردة في كتب السنة: ١ - ترجم البخاري في صحيحه: باب الشروط في الوقف (١)، ثم أورد حديث عمر ﵁ الذي تضمن شروطه في الأرض الموقوفة، بأن لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، وهي شروط مؤكدة لمقتضى الوقف، وشروطه الخاصة بتوزيع ريعها في الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضعيف، وشروطه الخاصة بمتولي الوقف، فقال: "ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول - أي غير متخذ منها مالًا" - وفي رواية: "غير متأثل مالًا" والمراد أن لا يتملك شيئا من رقابها (٢)، بل إن اشتراط بعض هذه الشروط مرفوع إلى النبي ﷺ ، حيث روى البخاري بسنده عن جويرية عن نافع عن ابن عمر بلفظ: فقال النبي ﷺ : "تصدق بأصله، لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ولكن ينفق ثمره"؛ فتصدق به عمر ... (٣). بل إن سيدنا عمر ﵁ عنه كتب في وصيته: "إن ولاية وقفه لأرض (ثمغ) لحفصة ما عاشت، تنفق ثمره حيث أراها الله، فإن توفيت فإلى ذوي الرأي من أهلها" (٤)، قال الحافظ ابن حجر: "وفيه أي في حديث عمر - أن للواقف أن يشترط لنفسه جزءًا من ريع الموقوف، لأن عمر شرط لمن ولي وقفه أن يأكل منه بالمعروف، ولم يستثن إن كان هو الناظر أو غيره، فدل على صحة الشرط، وإذا جاز في المبهم الذي تعينه العادة كان فيما يعينه هو أجوز .... " (٥). ٢ - اشتراط الواقف لنفسه أن يكون له نصيب من وقفه، حيث ترجم البحاري: باب إذا وقف أرضًا أو بئرًا، أو اشترط لنفسه مثل دلاء المسلمين، ووقف أنس دارًا إذا قَدِم نَزَلها، وتصدق الزبير بدروه، وقال للمردودة من بناته: أن تسكن غير مضرة، ولا مضر بها، فإن استغنت بزوج فليس لها حق، وجعل ابن عمر نصيبه من دار سكنى

стр. 576

لذوي الحاجات من آل عبد الله (١). لذلك ترجم البخاري بابًا آخر عنون له: باب: هل ينتفع الواقف بوقفه؟ قال الحافظ ابن حجر: "أي بأن يقف على نفسه، ثم على غيره، أو يشرط لنفسه من المنفعة جزءًا معينًا ... " وقد اختار البخاري جواز اشتراط أن ينتفع الواقف بوقفه، ثم أرود: أنه قد اشترط عمر ﵁: لا جناح على من وليه أن يأكل منها، وقد يلي الواقف وغيره، وكذلك كل من جعل بدنة وشيئًا الله، فله أن ينتفع بها كما ينتفع بها غيره وإن لم يشترط، ثم أورد حديث أنس بسنده أن النبي ﷺ رأى رجلًا يسوق بدنة، فقال له: "اركبها"، فقال: إنها بدنة، قال في الثالثة أو الرابعة: "اركبها، ويلك أو ويحك" (٢). وهذا الشرط محل اتفاق بين الفقهاء، وقد أيده الخليلي في جوابه عن حكم من وقف مالًا له في وجه من وجوه الخير في حياته، وشرط لنفسه الانتفاع به أو ببعض غلته، مع انتفاع من وقف لهم، فذكر أن للواقف أن ينتفع بالموقوف إن اشترط ذلك بنفسه في حياته، وله أن يشترط لنفسه الإشراف عليه في حياته، وله أن يشترط أيضًا أن يكون أحد من ورثته هو المشرف عليه من بعد وفاته، ولا مانع كذلك من أن يخصص أحدا من الناس يشرف على هذا الوقف (٣). وذكر الحافظ ابن حجر أن هذه المسألة خلافية، وقال: "نعم إن شرط ذلك جاز على الراجح، والذي احتج به المصنف من قصة عمر ظاهر في الجواز، ثم قوّاه بحديث أنس"، وكذلك رجح ابن بطال، بل قطع بجواز ذلك بالشرط فقال: "وإنما يجوز ذلك آن شرطة في الوقف، أو افتقر هو أو ورثته" (٤)، قال الحافظ: "والذي عند الجمهور جواز ذلك إذا وقفه على الجهة العامة دون الخاصة، ومن فروع المسألة: لو وقف على الفقراء مثلًا ثم صار فقيرا، أو أحد من ذريته، هل يتناول ذلك، والمختار أنه يجوز

стр. 577

بشرط أن لا يختص به، لئلا يدعي أنه ملكه بعد ذلك" (١)، وهذه المسألة تدخل ضمن قاعدة أصولية وهي: هل المتكلم داخل في عموم خطابه؟ فيه خلاف (٢). ٣ - اشتراط أن يكون الوقف للفقراء الأقارب، وهذا ما ذكره البخاري وترجم له بابًا، فقال: باب إذا وقف، أو أوصى لأقاربه، ومن الأقارب؟ ثم روي بسنده حديث أنس الذي يقول فيه النبي ﷺ لأبي طلحة: "اجعلها لفقراء أقاربك ... " (٣)، ثم أورد في باب آخر ما يدل على أن النساء والأولاد يدخلون في الأقارب أو الأقربين (٤). ٤ - اشتراط أن يكون ثواب الوقف أو الصدقة للوالدين؛ فقد ترجم البخاري (باب إذا قال: أرضي أو بستاني صدقة لله عن أمي فهو جائز، وإن لم يبين لمن ذلك)، ثم أورد حديث ابن عباس ﵄ أن سعد بن عبادة ﵁ توفيت أمه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله: إن أمي توفيت، وأنا غائب عنها، أينفعها شيء إن تصدقت به عنها؟ قال: نعم، قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عليها (٥). القسم الثاني: الشروط الباطلة (٦): وهي عند الجمهور الشروط التي تخالف مقتضى العقد أو تتعارض مع نص شرعي، أو تترتب عليها جهالة، وغرر فاحش، أو مخالفة لقاعدة من قواعد الفقه الأساسية.

стр. 578

وأما عند الأحناف فقالوا: الشرط الباطل هو الذي يترتب عليه بطلان العقد، وأما الفاسد فيترتب عليه بطلان الشروط دون العقد. وعند الظاهرية فإن أي شرط ليس في كتاب الله، أو سنة رسوله ﷺ شرط باطل، ومن الشروط الباطلة عند الإمامية أن يشترط الريع لنفسه، ثم على غيره بطل الشرط لنفسه، وصح الوقف. القسم الثالث: الشروط الفاسدة: وهذا التقسيم الثلاثي خاص بمنهج الحنفية الذين فرقوا بين العقد الباطل الذي يكون الخلل في ركنه، والعقد الفاسد الذي يكون الخلل في شروطه (١). ولذلك عرفناهما في الفقرة السابقة بناء على هذه النظرة. وأيا ما كان فإن الجمهور أيضًا يفرقون بين شروط تمسّ مقتضى العقد فجعلوها شروطا مبطلة للعقد أيضًا، وشروطًا لا تمسّ ذلك فجعلوها شروطًا غير مبطلة وبذلك يقترب المنهجان أو المذهبان (الجمهور، والحنفية). وبناء على ذلك فإن هذه الشروط الباطلة والفاسدة تقسم من حيث أثرها على الوقف نفسه إلى نوعين: النوع الأول: شروط باطلة مبطلة للوقف: اتفق الفقهاء على أن هناك شروطا باطلة تبطل الوقف، ومنهم من ذكر ضابطًا لهذا النوع من الشروط، ومنهم من لم يصرح بضابط معين لهذه الشروط، وإنما اكتفى بتعدادها. فقد صرّح الحنفية والشافعية والحنابلة والإمامية بأن كل شرط ينافي مقتضي الوقف فهو باطل مبطل له؛ كأن يشترط الواقف الرجوع عن الوقف متى شاء.

стр. 579

ومن الشروط التي ذكرها المالكية وعَدُّوها باطلة مبطلة للوقف: شرط الواقف النظر لنفسه، وشرط إخراج البنات من الوقف إذا تزوجن. وذكر الحنابلة أنه لو شرط الواقف أن لا ينتفع الموقوف عليه بالوقف، أو شرط إدخال من شاء من غير الموقوف عليهم وإخراج من شاء، فإن هذه الشروط باطلة، ويفسد بها الوقف؛ لأنها تنافي مقتضاه (١). النوع الثاني: شروط فاسدة غير مبطلة للوقف (عند الحنفية): ضابط الشرط الباطل الذي لا يُبطل الوقف هو كل شرط يخالف الشرع أو يؤدي إلى تعطيل مصلحة الوقف ولكن لا ينافي مقتضى العقد، مثل أن يشترط على الموقوف عليه الصيانة الذاتية للعين الموقوفة أو ترميم ما هلك أو تلف دون التعدي أو التقصير عليه، حيث بطل الشرط؛ لأنه يؤدي إلى الجهالة ويبقى الوقف صحيحًا ويُرمّ من غلتها لأنه هذا هو الوقف، وكذلك مثل أن يشترط أن لا يكون للقاضي، أو السطان حق في التدخل في الوقف مطلقًا، وهذا الشرط باطل، لأنه يتعارض مع حق ولي الأمر في النظر بما فيه المصلحة؛ ولأنه قد يؤدي إلى تفويت المصلحة على الموقوف عليهم ولكن العقد صحيح (٢).

стр. 580

واعتبر الزيدية شرط بيع الوقف متى شاء الواقف، وشرط الخيار فيه من الشروط الباطلة التي لا تبطل الوقف (١)، وهكذا الحكم عند الظاهرية، قال ابن حزم: "ومن حبس وشرط أن يباع إن احتيج صح الحبس ... وبطل الشرط" (٢). مسألة: المراد بالشرط المخالف: وقد اختلف الفقهاء في المراد بالشرط المخالف للشرع على قولين: القول الأول: للحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، وهو أن المراد به: الشرط الحرام فقط دون الكراهة. قال الدردير: "يُتبع وجوبًا شرط الواقف إن جاز شرعًا، والمراد بالجواز ما قابل المنع؛ فيشمل المكروه ولو متَّفَقا على كراهته (٦). وذكر الشافعية بعض الشروط، وأوجبوا اتباعها مع تصريحهم بكراهتها، كما لو شرط في وقف المسجد اختصاصه بمذهب معين كالشافعية (٧). القول الثاني: للحنابلة، وهو أن المراد بالشرط الذي يخالف الشرع هو الشرط الحرام والشرط المكروه (٨).

стр. 581

ومع أن الفقهاء يكادون يتفقون على الضابط لهذا النوع من الشروط؛ إلا أنهم مثلوا له بأمثلة متعددة. فمثل الحنفية بما يأتي: - إذا شرط الواقف عدم عزل الناظر ولو كان غير مأمون (١). - أو شرط الواقف العزل والنصب وسائر التصرفات لمن يتولى من أولاده، ولا بداخلهم أحد من القضاة والأمراء؛ لأنه أراد بهذا الشرط أنه مهما صدر من الناظر من فساد لا يعارضه أحد. - وهذا شرط مخالف للشرع، وفيه من تفويت المصلحة على الموقوف عليهم، وتعطيل الوقف؛ ما لا يخفى (٢). ومثل له المالكية بما يأتي: - إذا شرط الواقف إصلاح الوقف على مستحقِّه؛ فإن هذا الشرط باطل؛ لأنه كراء مجهول؛ إذ لا يدري بكم يكون الإصلاح؛ فيلغى الشرط، ويكون الوقف صحيحًا، ويكون الإصلاح من غلة الوقف (٣). - أو إذا كانت الأرض موظفة (٤)، وشرط واقفُها أن التوظيف على الموقوف عليه؛ فإنه يبطل الشرط ويصح الوقف، ويدفع التوظيف من غلتها (٥). أو إذا شرط الواقف أن يبدأ من غلة الوقف بمنافع أهله، ويترك إصلاح ما تهدّم منه، أو يترك الإنفاق عليه إن كان حيوانًا؛ بطل الشرط؛ لأنه يؤدي إلى إبطال

стр. 582

الوقف من أصله فيصح الوقف، وتجب البداءة بمرمته والنفقة عليه من غلته البقاء عينه (١). ومثل له الشافعية بما يأتي: لو وقف بشرط الخيار لنفسه في إبقاء وقفه والرجوع فيه متى شاء، أو شرطه الغيره، أو شرط عوده إليه بوجه ما؛ كأن شرط أن يبيعه، أو شرط أن يدخل من شاء ويخرج من شاء؛ بطل على الصحيح (٢). ومثل له الحنابلة بما يأتي: - إذا وقف على ذمي وشرط استحقاقه ما دام ذميًّا، فيبطل هذا الشرط، ويستمر له إذا أسلم (٣). - أو إذا وقف مسجدًا وخصص المصلين فيه بمذهب معين؛ فيبطل هذا الشرط ولا يختص المسجد بهم؛ لأن إثبات المسجدية تقتضي عدم الاختصاص، فاشتراط التخصيص ينافيه (٤)، وهذا الأصح عند الزيدية (٥). - أو إذا شرط الواقف عدم بيع الوقف لو خرِب؛ فشرطه باطل ويباع الوقف ويصرف ثمنه في مثله (٦). التقسيم الثالث: باعتبار محل الشرط ومتعلَّقه وهي بهذا الاعتبار تقسم إلى: شروط تتعلق بالعين الموقوفة، وشروط تتعلق بالموقوف عليهم، وشروط تتعلق بناظر الوقف.

стр. 583

أولًا: الشروط الخاصة بالعين الموقوفة التي يشترطها الواقف: من الشروط التي يشترطها الواقف ما يأتي: ١ - اشتراط عدم التصرف في العين الموقوفة، بالبيع، والاستبدال، ونحوهما. ٢ - اشتراط حق الاستبدال مطلقًا أو مقيدا بالمصلحة ونظر الواقف. ٣ - شروط الواقف في كيفية الاستفادة من الشيء الموقوف. ٤ - شروط الواقف في عمارة الموقوف. ٥ - اشتراط الواقف تحديد جهة الصرف على المرمة والإصلاح. ٦ - اشتراط الواقف استدانة الناظر عند الحاجة. وتفصيل هذه الشروط يأتي في ثنايا محاور المدونة. ثانيًا: الشروط الخاصة بالموقوف عليهم (المستفيدين): وهي كثيرة نذكر أهمها: ١ - اشتراط تحديد جهات الصرف؛ كأن تكون المسجد كذا، أو تحديد الصرف الأشخاص معينين، سواء كان هذا التعيين بالاسم أو بالوصف كالمدرسين في مدرسة فلانية، ومن هذا القبيل ما ذكره الفقهاء من تخصيص الوقف بمذهب معين من المذاهب الفقهية المعتبرة، فمن وقف على علماء المذهب الفلاني؛ صحّ شرطه واعتُبر. فالالتزام بهذه الشروط مطلوب شرعا على التفصيل السابق. ٢ - البدء بشخص معين، أو تقديمه، أو تخصيص شيء معين له، مثل أن يقول: وقفت على أقاربي، بشرط أن يصرف أولًا لأولادي أولًا، ثم بقية أقاربي، أو يقول: بشرط أن يصرف على زيد وعمرو ما بقيا، ثم بعدهما لبقية أقاربي، أو يقول: بشرط أن يعطى أولًا لزيد، ثم لعمرو، ثم للمساكين أو يقول: بشرط أن يعطى من غلة الموقوف عليه في كل عام ألف دينار، أو في كل شهر عشرة دنانير، أو نحو ذلك (١).

стр. 584

جاء في روضة الطالبين وعمدة المفتين عند الشافعية: "يراعى شرط الواقف في الأقدار، وصفات المستحقين وزمن الاستحقاق فإذا وقف على أولاده وشرط التسوية بين الذكر والأنثى أو تفضيل أحدهما اتبع شرطه وكذا الوقف على العلماء بشرط كونهم على مذهب فلان أو على الفقراء بشرط الغربة أو الشيخوخة اتبع ولو قال على بني الفقراء أو على بناتي الأرامل؛ فمن استغنى منهم وتزوج منهن خرج عن الاستحقاق، فإن عاد فقيرا، أو زال نكاحها؛ عاد الاستحقاق قلت: ولم أر لأصحابنا تعرضًا لاستحقاقها في حال العدة وينبغي أن يقال إن كان الطلاق بائنًا أو فارقت بفسخ أو وفاة استحقت لأنها ليست بزوجة في زمن العدة وإن كان رجعيًا فلا لأنها زوجة والله أعلم ... وقال (أي العبادي في الزيادات): وقفتُ على أولادي، فإذا انقرض أولادي وأولاد أولادي؛ فعلى الفقراء .. فهذا وقف منقطع الوسط على الصحيح، وحكمه ما سبق؛ لأنه لم يجعل لأولاد الأولاد شيئًا، وإنما شرط انقراضهم الاستحقاق الفقراء، وقيل: يستحقون بعد انقراض أولاد الصلب" (١). وقد ذكر الحنفية أنه: لو شرط الواقف أن يبدأ بالصرف من الغلة بالأقرب فالأقرب من فقراء قرابته، فيعطى من الغلة ما يغنيه: يعطى الأقرب منهم مائتا درهم (وهو قدر النصاب) ثم الذي يليه كذلك إلى آخر البطون، ولو قال: أرضي هذه موقوفة لله تعالى أبدًا على زيد وعمرو ما عاشا، ومن بعدهما على المساكين، على أن يبدأ بزيد، فيعطى من غلة هذه الصدقة في كل سنة ألف درهم، ويعطى لعمرو قوته السنة جاز الوقف، ويبدأ بزيد فيدفع إليه ألف، ثم يعطى عمرو قوته لسنة، ومهما فضل كان بينهما نصفين لجمعه اياهما أولًا بقوله: على زيد وعمرو، ولو لم يزد على ذلك لكان الكل بينهما أنصافًا، فلما فصل في البعض عمل به فيه، فإن لم تف الغلة بما قال، يقدم زيد، ثم إن فضل عنه شيء يدفع إلى عمرو، والا فلا شيء له (٢).

стр. 585

جاء في مختصر خليل من المالكية: "اتبع شرطه إن جاز كتخصيص مذهب" (١). وذكر الحنابلة أنه لو شرط الواقف تقديم بعض الموقوف عليهم كالبداءة ببعض أهل الوقف دون بعض؛ مثل: وقفت على زيد وعمرو وبكر، يُبدأ بالدفع إلى زيد، أو وقفت على طائفة كذا وكذا، ويبدأ بالأصلح أو الأفقه؛ فيرجع إلى ذلك (٢). ٣ - جواز التسوية بين الموقوف عليهم، أو تفضيل بعضهم على بعض، وذلك بأن يقف العين الموقوفة مثلًا على بني فلان؛ على أن يعطوا بالسوية دون التفرقة بين الذكر والأنثى، والكبير والصغير، أو على أن يعطى ذكورهم مثل حظ الأنثيين (٣). مسألة: الشروط العشرة ذكر الحنفية عشرة شروط يجوز للواقف أن يشترطها، وهي: ١ و ٢: شرط الزيادة في استحقاق الموقوف عليهم أو شرط نقصانه. ٣ و ٤: شرطا الإدخال والإخراج، أي أن يدخل في المستحقين من شاء ويخرج من شاء. ٥ و ٦: شرطا المنح والحرمان، أي أن يعطي من ريع الوقف من شاء ويحرم من شاء. ٧ و ٨: شرطا الاستبدال وعدم الاستبدال؛ أي أن يستبدل الوقف بعين أخرى أو لا يستبدل. ٩ و ١٠: شرطا تعديل مصارف غلة الوقف، أو عدم تعديله (٤).

стр. 586

إن هذه الشروط العشرة (وبعضهم أضافوا شرطي التفضيل والتخصيص) (١) في حقيقتها تفصيل للشروط الجائزة عندهم، وقد صيغت في قوالب موجزة حتى يسهل حفظها وضبطها، كما أن هذه الشروط ليست مما انفرد بها الحنفية، بل ذكر بعضها أو معظمها بقية المذاهب وهي تعود في معظمها إلى الشروط الصحيحة التي أجازها الجمهور أيضًا وهي: اشتراط الولاية للواقف نفسه، وحق الانتفاع له، وتحديد زمن التأجير، وحق التسوية والتفضيل ونحو ذلك مما ذكرناه سابًقا (٢). وهذه الشروط العشرة تعود من حيث مآلاتها إلى حق الواقف في التغيير، والتحكم في القيود التي توضع في صرف الغلة أو الريع على المستحقين، وهي تدخل في الشروط السابقة، غير أن شرطي الإدخال والإخراج وكذلك شرطا الاستبدال وعدمه يحتاجان إلى مزيد من الشرح والتفصيل، وبيان موقف بقية الفقهاء منهما، ولذلك نفردهما بشيء من التفصيل ثم نشرح بقية الشروط بشيء من الإيجاز. أ - شرطة الإدخال والإخراج: يراد بشرطي الإدخال والإخراج عند الحنفية أن يشترط الواقف بأن يكون له حق إدخال من يشاء في المستحقين، وإخراج من يشاء منهم، وأن يزيد من استحقاق من يشاء من الغلة أو الريع، وينقص من يشاء، فقد جاء في الإسعاف ما يوضح ذلك، ولأهميته ننقله بلفظه، حيث قال: "لو اشترط الواقف في وقفه أن يزيد في وظيفة من يرى زيادته، وأن ينقص من وظيفة من يري نقصانه من أهل الوقف، وأن يدخل معهم من يرى إدخاله، وأن يخرج منهم من يرى إخراجه جاز، ثم إذا زاد

стр. 587

أحدًا منهم أو نقصه مرة أو أدخل أحدًا أو أخرج أحدًا ليس له أن يغيره بعد ذلك، لأن شرطه وقع على فعل يراه فإذا رآه وأمضاه فقد انتهى ما رآه، وإذا أراد أن يكون ذلك له دائمًا ما دام حيًا يقول: على أن لفلان بن فلان أن يزيد في مرتب من يرى زيادته، وأن ينقص من مرتب من يري نقصانه، وأن ينقص من زاده، ويزيد من نقصه منهم، وأن يدخل معهم من يرى إدخاله ويخرج منهم من يرى إخراجه متى أراد، مرة بعد أخرى رأيًا بعد رأي ومشيئة بعد مشيئة، ما دام حيًا، ثم إذا أحدث فيه شيئًا مما شرطه لنفسه أو مات قبل ذلك يستقر أمر الوقف على الحالة التي كان عليها يوم موته، وليس لمن يلي عليه بعده شيء من ذلك، إلّا أن يشترطه له في أصل الوقف ... ولو قال الواقف: على أن لي أن أحرم وأخرج من شئت منهم، ثم مات قبل ذلك تكون الغلة بينهم جميعًا، وأن أخرج واحدًا منهم أو أخرجهم إلّا واحدًا منهم مطلقًا أو مدة معلومة؛ صحَّ، وليس له حرمان الجميع قياسًا، وإذا مات من بقي منهم أو أخرجهم كلهم بناء على الاستحسان تكون الغلة للمساكين، وليس له أن يعيدها إليهم؛ لأنه لما حرمهم غلّتها أبدًا، فقد خرجت من أن تكون لهم، وانقطعت مشيئته فيها وصارت للمساكين (١). وأما المالكية، والشافعية فلم يجيزوا شرطي الإدخال والإخراج على هذا المعنى الذي ذكره الحنفية؛ لأنهما يدخلان في الشروط التي تنافي مقتضى الوقف، وحينئذ تفسده (٢)، إضافة إلى وجود غرر فاحش فيه، هذا لكنهم أجازوا شرطي الإدخال والإخراج على معنى تعليق الاستحقاق أو عدمه على صفة معينة، فيكون المراد بالإدخال عندهم هو أن يشترط الواقف استحقاق بعض الموقوف عليهم للغلة أو الريع إذا توافرت صفة معينة مثل العلم، أو القرابة، أو نحو ذلك.

стр. 588

والإخراج هو ترتيب عدم استحقاق بعض الموقوف عليهم على صفة، فهو إذن ليس بإخراج للموقوف عليه متى شاء الواقف، ولا بإدخال من يشاء، فالواقف يعلق من خلال شرط الاستحقاق، أو عدمه لبعض الموقوف عليهم على صفة معينة. وقالوا بترتيب الاستحقاق وعدمه على الصفة، حيث مثل المالكية بأنه يجوز للواقف أن يشترط في وقفه على العلماء مثلًا أن من زال وصفه يخرج، وأن غير العالم أو فلانًا إذا أصبح عالمًا فإنه يدخل فيه، وقالوا: إن من وقف على الفقراء، أو طلبة العلم، أو على الشباب أو الصغار، ثم زال وصفه فإنه يخرج، لأن الاستحقاق علق بوصف، فإذا زال الوصف زال الاستحقاق (١). ومثّل الشافعية للإدخال والإخراج بصفة؛ بأن يقول الواقف: وقفت على أولادي، على أن مَنْ تتزوج مِنْ بناتي، فلا حق لها فيه، فإن طلقت أو مات عنها زوجها عاد إليها حقها، وللإخراج فقط بأن يقول: وقفت على أولادي على أن مَنْ تتزوج مِنْ بناتي فلا حق لها، وأن مَنْ استغني من أولادي فلا حق له فيه (٢)، وقال الشيرازي: "وتصرف على شرط الواقف من الأثرة، والتسوية ... وإدخال مَنْ شاء بصفة، وإخراجه بصفة .. " (٣). وأما الحنابلة فعندهم تفصيل في المسألة؛ فإنهم أجازوا اشتراط الإدخال والإخراج لمن شاء من المستحقين للوقف دون غيرهم .. وأما إذا اشترط الواقف إدخال من يشاء من غير المستحقين للوقف؛ فإنه لا يجوز، وينبني عليه بطلان الوقف. قال في منتهى الإرادات: "ويُرجع إلى شرط الواقف في تقديم بعض أهله" (٤)، وضرب الحنابلة لذلك مثلًا؛ بأن يقول الواقف: وقفت على أولادي بشرط كونهم فقراء، أو علماء، أو يقول: وقفت على أولادي، وأن مَنْ فسق منهم، أو استغنى فلا شيء له (٥).

стр. 589

ولم يصرح فقهاء الزيدية بشرطي الإدخال والإخراج. والمفهوم من كلامهم جواز الإدخال، لما استدل به صاحب البحر من جواز نقل المصرف المصلحة، لتشريكه ﷺ عليًّا ﵁ في هدية بعد أن نواه لنفسه، ولملكه صرفها إجماعا (١). ويتفق رأي الإباضية مع المالكية والشافعية توثيق مع تفريقه في جواز الإدخال والإخراج بمعنى وضع قيود وضوابط للمنتفعين بالوقف، حسب ما يراه الواقف، حتى لو كان هو المنتفع به، فجاء في شرح النيل: " (وَجَازَ) الانتفاع لِلْوَارِثِ (كَغَيْرِهِ إنْ جَعَلَهُ) حَبْسًا وَأَخْرَجَهُ حَالَ كَوْنِهِ (حَيًّا) أَذِنَ لَهُ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ، أَوْصَى لَهُ بِذَلِكَ الانتفاع أَوْ لَمْ يُوصِ؛ لأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ وَصِيَّةً؛ (وَكَذَا إنْ أَوْصَى (بأَرْضٍ يُدْفَنُ فِيهَا) أَيْ يُدْفَنُ النَّاسُ فِيهَا (فَإِنْ أَعْطَاهَا) للدَّفْنِ حَالَ كَوْنِهِ (فَهُوَ وَوَارِثُهُ وَغَيْرُهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ) أَمَّا الْوَارِثُ فَلأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ وَصِيَّةً وَأَمَّا هُوَ فَلأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ إخْرَاجَ نَفْسهِ مِنْ مَقْبَرَةِ الْمُسلِمِينَ بَلْ أَطْلَقَ كَسَائِر الْأَحْبَاسِ الَّذي اشْتَرَكَ فِيهَا هُوَ وَغَيْرُه، وَإلَّا فَلَا يُدْفَنُ فِيهَا وَلَا وَارِثُه، ... وَيَجُوزُ لِمَنْ حَبَسَ وَقْفًا أَنْ يَشْتَرِطَ الانتفاع لِنَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ مِثْلُ أَنْ يُوِصَي بِأَرْضِ لِلدَّفْنِ وَيَقُولَ ادْفِنُونِي فِيهَا" (٢). ب - شرطة الاستبدال (التغيير أو التبديل) وعدم الاستبدال: إن الأصل في الوقف هو الدوام، بل إن استمرارية الشرط لصحته عند جمهور الفقهاء (٣)؛ ولذلك فإنَّ شرط الواقف عدم الاستبدال الموقوف شرط موافق لمقتضى العقد، ومقاصده، ثم إنه هل يجوز فيما بعد أن يستبدل بغيره لضرورة أو حاجة؟ عند الحنفية وجماعة من الفقهاء أن ذلك جائز ولكن بحكم القاضي، حتى لو شرط عدم الاستبدال بأي وجه حتى بحكم القاضي، أو السلطان فهذا الشرط باطل،

стр. 590

قال ابن عابدين الحنفي: "إذا شرط أن لا يكون للقاضي أو السلطان كلام في الوقف: أنه شرط باطل، وللقاضي الكلام، لأن نظره أعلى، وهذا شرط فيه تفويت المصلحة للموقوف عليهم، وتعطيل للوقف، فيكون شرطًا لا فائدة فيه للوقف، ولا مصلحة فلا يقبل" (١). وأما شرط الاستبدال بأن يشترط في وقفه أن يكون لنفسه، أو للناظر، أو الحاكم الحق في الاستبدال الأسباب يذكرها، أو لمصالح يفوض تقديرها إلى القاضي، أو الناظر، أو كليهما فهذا محل خلاف أيضًا، لأنه البعض نظر إلى أصل الشرط فأجازوه، والبعض الآخر نظر إلى مقتضيات الوقف فرفضها إلّا بشروط، يقول ابن الهمام الحنفي: "أن الاستبدال إما عن شرط الاستبدال، أو لا عن شرطه، فإن كان لخروج الوقف عن انتفاع الموقوف عليهم به فينبغي أن لا يختلف فيه، وإلّا فلا يجوز لأن الواجب إبقاء الوقف على ما كان عليه دون تغييره إلا الشرط، أو ضرورة، فإن وجد شرط بجواز بيعه لمصلحة جاز هذا الشرط حتى ولو لم تتحقق المصلحة" (٢). وجاء في الدر المختار من كتب الحنفية: "وجاز شرط الاستدال به أرضًا أخرى حينئذ، أو شرط بيعه، ويشترى بثمنه أرضا أخرى إذا شاء، فإذا فعل صارت الثانية كالأولى في في شرائطها، ثم قال ابن عابدين: "لو شرطه الواقف لنفسه، أو لغيره، أو لنفسه وغيره، فالاستبدال فيه جائز على الصحيح، وقيل: اتفاقًا (٣). الفرق بين التبديل والتغيير في الشروط: إذا ذكر في صك الوقف لفظا: التغيير والتبديل، فإنه يحمل لفظ (التبديل ومشتقاته) على تبديل العين الموقوفة من حالة إلى حالة، فمثلًا لو قال: وقفت داري هذه للسكنى مع حق التبديل، فيجوز له أن يبدلها إلى مخزن، أو نحوه.

стр. 591

وأما التغيير فيحمل على تغيير الشروط التي اشترطها الواقف حيث يكون له الحق في تغيير الشروط المذكورة (١). ولأهمية الاستبدال نذكره بشيء من التفصيل: مسألة: استبدال عين الوقف: المقصود بالاستبدال هنا تغيير العين الموقوفة بالبيع أو نحوه إلى شيء آخر، والاستبدال على ثلاثة وجوه: الأول: أن يشترطه الواقف لنفسه فقط أو لغيره فقط، أو لهما معًا، فحينئذٍ يكون الاستبدال جائزًا لمن شرط له على الصحيح. الثاني: أن لا يشترطه وإنما يسكت عنه. والثالث: أن يشترط عدم الاستبدال (٢)، ففي هذين الوجهين يأتي التفصيل والخلاف، ولكنه من المتفق عليه أن الأصل العام والقاعدة الكلية في الشريعة هو عدم الاستبدال إلّا لمسوغ مشروع، ولذلك اختلف الفقهاء في جواز استبدال عين الوقف - من غير المسجد - أو بيعها في حالات نذكر هنا أهمها: ١. حالة الهدم والخراب بحيث تتعذر عمارة الوقف: قال المرغيناني الحنفي: (وما انهدم من بناء الوقف وآلته صرفه الحاكم في عمارة الوقف إن احتاج إليه، وإن استغني عنه أمسكه حتى يحتاج إلى عمارته يصرفه فيهما، لأنه لا بدّ من العمارة ليبقى على التأبيد فيحصل مقصود الواقف ... وإن تعذر إعادة عينه إلى موضعه بيع وصرف ثمنه إلى المرّمة صرفًا للبدل إلى مصرف المبدل)، بل ادعى ابن الهمام أن خروج الوقف عن الانتفاع به ينبغي أن لا يختلف فيه (٣)؛ أي في

стр. 592

المذهب الحنفي، أما إذا انهدمت الدار - مثلًا - ولم يكن إعادتها فتباع ويشتري بثمنها مثلها، أو قسط منه ما عدا المسجد (١)، وذهب أحمد إلى أن الدار الموقوفة إذا خربت يباع نقضها ويصرف ثمنها إلى وقف آخر (٢). ٢. حالة عدم الانتفاع والاستغناء: قال ابن الهمام الحنفي: "ومن زيادات أبي بكر بن حامد: أجمع العلماء على جواز بيع بناء الوقف وحصيره إذا استغنوا عنه"، وقال أيضًا: "وينبغي للحاكم إذا رفعه إليه ولا منفعة في الوقف أن يأذن في بيعها إذا رآه أنظر لأهل الوقف" (٣)، وهذا رأي جمهور الفقهاء؛ حيث قالوا: ويباع كلّ ما لا ينتفع به فيما حبس فيه من غير المسجد على تفصيل فيه، ومن غير العقار عند مالك؛ حيث لا يباع وإن خرب (٤). ٣. حالة الترك: وذلك بأن يترك أهل القرية، أو المنطقة وقفهم فيهجر، فعند الحنفية في غير المسجد يعود إلى الواقف، وعند الجمهور يظلّ وقفًا، وعند أحمد يباع نقضه ويصرف إلى مسجد آخر، إن كان مسجدًا أو إلى جهة مماثلة (٥). ٤. حالة رجاء منفعة أكبر: ذهب جماعة من الفقهاء إلى أنه يجوز بيع الوقف إذا رأى الموقوف عليه، أو الناظر للوقف أن غيره أكثر نفعًا وريعًا، فقد جاء في فتح القدير "وروي عن محمد: إذا ضعفت الأرض عن الاستغلال ويجد القيم بثمنها أخرى أكثر ريعًا كان له أن يبيعها ويشتري بثمنها ما هو أكثر ريعًا" (٦)، ولكن بعض علماء الحنفية رجحوا عدم الجواز، لأن الواجب إبقاء الوقف على ما كان عليه

стр. 593

دون زيادة أخرى، لأنه لا موجب لتجويزه إذا لم يكن هناك شرط، أو ضرورة، ولا ضرورة في هذا، إذ لا تجب الزيادة فيه بل تبقيه كما كان (١). وهذا هو رأي جمهور الفقهاء من المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والإباضية (٥). وذلك لأن الأصل هو تحريم بيع الموقوف، وإنما أبيح لضرورة أو حاجة تنزل منزلة الضرورة، صيانة لمقصود الوقف عن الضياع مع تحقق الانتفاع وإن قلّ، وبذلك يجمع بين الخيرين وهو أولى من التضحية بأحدهما لحساب الآخر، لكن عند الحنابلة: إذا بلغ الوقف في قلة النفع إلى حدّ لا يعد نفعًا فيكون وجود ذلك كالعدم فيجوز بيعه وشراء مثيل له يكون أكثر نفعًا (٦)، وهذا الرأي له وجاهته ووفاقه مع مقاصد الوقف في الشرع. وجاء في التاج: "ويبدأ من غلّته لعمارته، وإن لم يشرطها الموقف، وما انهدم منه أو فسد صرف فيها؛ فإن استغني عنه حبس إلى وقت حاجته" (٧)، وإن تعذّر إعادة عينه بيع وصرف ثمنه في عمارته (٨). ٥. حالة الإتلاف: لو أتلف الموقوف عليه وعوض فيشتري ببدله مثله ويقوم مقامه (٩)، وذهب المالكية إلى أن مَنْ هدم وقفًا تعديًا فعليه إعادته إلى ما كان عليه، ولا تؤخذ قيمته حتى ولو كان المهدوم باليًا؛ لأن الهادم ظالم بتعديه والظالم أحق

стр. 594

بالحمل عليه، أما إذا كان خطأ فعليه قيمته هذا ما رآه الخليل وغيره، في حين ذهب الدردير وآخرون إلى أن عليه القيمة مطلقًا كسائر المتلفات، وحينئذٍ تجعل تلك القيمة في عقار مثله يجعل وقفًا عوضًا عن المهدوم، وتكون القيمة معتبرة باعتبار البناء قائمًا لا مهدومًا (١). ٦. حالة حاجة الوقف إلى التعمير أو الإنفاق وليس له مورد: إذا احتاج الوقف إلى التعمير وليس له مورد لذلك فإن جمهور الفقهاء ذهبوا إلى جواز بيع جزء من الوقف ليعمّر به بقية الوقف؛ لأنه بدون ذلك يتعطل الوقف كله، وما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب، وأما الوقف العام (٢) إن كان حيوانًا - مثل الفرس للجهاد - يحتاج إلى نفقة فإن هذه النفقة إن لم يرتبها الواقف فعلى بيت المال، فإن عدم، أو لم يمكن الوصول إليه بيع وعوض ببدله سلاح ونحوه مما لا يحتاج إلى نفقة لأنه أقرب لغرض الواقف، كما يباع عندما يصاب الفرس بداء الكلب (٣). ٧. الخوف من الغلية عليه: ذهب جماعة من الفقهاء منهم طائفة من مشايخ الحنفية إلى أنه "إذا خاف المتولي على الوقف من وارث، أو سلطان يغلب عليه قال في النوازل يبيعها ويتصدق بثمنها قال: وكذا كلّ قيّم خاف شيئًا من ذلك"، لكن قال ابن الهمام الحنفي: "فالفتوى على خلافه؛ لأن الوقف بعدما صحّ بشرائطه لا يحتمل البيع، وهذا هو الصحيح" (٤)، والراجح أن على الناظر البحث عن أي وسيلة تحمي الوقف حتى ولو كانت عن طريق البيع الصوري.

стр. 595

٨. بيع أشجار الوقف حفاظًا على زيادة الثمرة: جاء في الفتاوى الهندية: "أما بيع أشجار الوقف فينظر إن كانت لا تنتقص ثمرة الكرم بظلها لا يجوز بيعها، وإن كانت تنتقص ثمرة الكرم بظلها ينظر إن كانت ثمرة الشجر تزيد على ثمرة الكرم ليس له أن يبيعها ويقطعها، وإن كانت تنتقص عن ثمرة الكرم فله أن يبيعها، وإن كانت أشجارًا غير مثمرة وتنتقص ثمرة الكرم بظلها فله أن يبيعها ويقطعها، وإن كانت أشجار الدلب والحلان ونحوه مما إذا قطع ينبت ثانيًا وثالثًا جاز قطعها وبيعها" (١)، وهذا يدل على أن العبرة بما هو الأصلح للوقف. ٩. حالة الاشتراط: وذلك بأن يشترط الواقف عند الوقف أن يكون له أو للقيّم حق الاستبدال بوقف آخر إذا شاء ذلك، وكذلك لو اشترط أن يبيعها ويشتري بثمنها أرضًا أخرى، وهذا مذهب أبي يوسف وهلال والخصاف من الحنفية حيث يصح الوقف والشرط معًا، وذهب محمد إلى أن الوقف صحيح والشرط باطل، قال ابن الهمام الحنفي: "وليس له بعد استبداله مرة أن يستبدل ثانيًا لانتهاء الشرط بمرة إلّا أن يذكر عبارة تفيد له ذلك دائمًا، وكذا ليس للقيّم الاستبدال إلّا أن ينص له بذلك ... وفي فتاوى قاضيخان: قول هلال، وأبي يوسف هو الصحيح، لأن هذا شرط لا يبطل الوقف، لأن الوقف الانتقال من أرض إلى أرض ... وإذا كان حاصله إثبات وقف آخر لم يكن شرطًا فاسدًا هو اشتراط عدم حكمه وهو التأبيد بل هو تأبيد معنى" (٢)، بل إن قاضيخان ذكر الإجماع على ذلك فقال: "وأجمعوا على أن الوقف إذا شرط الاستبدال لنفسه يصح الشرط والوقف ويملك الاستبدال، أما بلا شرط أشار في السير إلى أنه لا يملكه إلّا بإذن القاضي" (٣).

стр. 596

وبمثل قول محمد قال جماعة من الفقهاء منهم الظاهرية، لأنه شرط ليس في كتاب الله فيكون باطلًا في نظرهم (١)، وبمثل قول أبي يوسف قال المالكية حيث أجازوا اشتراط بيع الوقف إن احتاج إليه الواقف ويعمل بشرطه (٢). شرط الاستبدال عند المالكية: المفتي به عند جمهور المالكية جواز وقف المنقول إن كانت هناك مصلحة لذلك. فالشيء الموقوف على معين أو على غير معين من غير عقار إذا صار لا ينتفع به في الوجه الذي وقف فيه كالثوب يخلق، والفرس يمرض، ونحو ذلك، فإنه يباع ويشترى بثمنه مثله (٣). أما استبدال العقار، فقد منع مالك استبداله ولو خرب كما في المدونة، واستدل على ذلك بأن أحباس السلف دائرة دليل على منع ذلك، وفي رواية أبي الفرج عن مالك إن رأى الإمام بيع ذلك لمصلحة جاز، ويجعل ثمنه في مثله، وقال ابن عرفة: يجوز نقلها لوقف عام المنفعة ولو كان غير مماثل للأول. واستثنوا من ذلك أن يباع العقار الحبس لتوسيع مسجد، وهل هو المسجد الجامع أم في كل مسجد؟ محل خلاف في المذهب (٤). شرط الاستبدال عند الشافعية: وأما الشافعية فقد شددوا كثيرًا في استبدال العين الموقوفة، حتى أوشكوا أن يمنعوه مطلقًا خشية ضياع الوقف أو التفريط فيه. قال النووي: والأصح جواز بيع حصر المسجد إذا بليت، وجذوعه إذا انكسرت، ولم تصلح إلا للإحراق. ولو انهدم مسجد وتعذر إعادته لم يبع بحال، وتصرف غلة وقفه إلى أقرب المساجد إليه. ثم إن المسجد المنهدم لا ينقض إلا إذا خيف على

стр. 597

نقضه، فينقض ويحفظ أو يعمر به مسجد آخر إن رآه الحاكم، والأقرب إليه أولى، ولا يصرف نقضه لنحو بئر وقنطرة ورباط. واستدلوا بقوله ﷺ : "لا يباع أصلها ولا تبتاع ولا توهب ولا تورث". شدد جمهور الشافعية في منع استبدال الوقف، فالأصح عندهم جواز بيع حصر المسجد إذا بليت، وجذوعه إذا انكسرت، ولم تصلح إلا للإحراق، ولو انهدم مسجد وتعذر إعادته لم يبع بحال، وتصرف غلته إلى أقرب المساجد منه (١). شرط الاستبدال عند الحنابلة: لم يفرق الحنابلة بين العقار والمنقول، فحكم العقار عندهم حكم المنقول. ولهم في بيع المسجد روايتان، وإن كان المعتمد عندهم جواز الاستبدال، وهو ما رجحه ابن قدامة، فقال: الوقف إذا خرب، وتعطلت منافعه، كدار انهدمت، أو أرض خربت، وعادت مواتا، ولم تمكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه، وصار في موضع لا يصلى فيه، أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه في موضعه. أو تشعب جميعه فلم تمكن عمارته ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه، جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته. وإن لم يمكن الانتفاع بشيء منه، بيع جميعه. أما الرواية الثانية، فقد قال أبو بكر: وقد روي علي بن سعيد، أن المساجد لا تباع، وإنما تنقل آلتها. واستدل ابن قدامة على صحة القول بالاستبدال بالإجماع لإجماعهم على جواز بيع الفرس الموقوفة على الغزو إذا كبرت، فلم تصلح للغزو، وأمكن الانتفاع بها في شيء آخر، مثل أن تدور في الرحى، أو يحمل عليها تراب، أو تكون الرغبة في نتاجها، أو حصانًا يتخذ للطراق، فإنه يجوز بيعها، ويشترى بثمنها ما يصلح للغزو، نصَّ عليه أحمد (٢)، وقال الزركشي الحنبلي: "وهو ما عليه الأصحاب" (٣).

стр. 598

شرط الاستبدال (التغيير) أو التبديل عند الزيدية: اختلف فقهاء الزيدية في جواز استبدال الوقف على رأيين: الأول: جواز نقل الوقف لمصلحة، وللواقف نقل المصرف المصلحة، لتشريكه ﷺ عليًّا ﵁ في هدية بعد أن نواه لنفسه، ولملكه صرفها إجماعًا. الثاني: لا يجوز نقل الوقف، فقد حصل للهادوية من منعهم تحويل أوقاف مسجد خرب إلى غيره، ومنع علي بن أبي طالب ﵁ لعمر بن الخطاب ﵁ من بيع حلي الكعبة للجهاد؛ منعهم نقل المصارف والمصالح، وكما يمتنع جعل المسجد طريقًا. والراجح الجواز، لأن أدلة الجواز أظهر، ومنه: تحويله ﷺ وقف عبد الله إلى والديه، وقد صرح أبو القاسم البخلي والوافي بالجواز محتجين بأنه لما سرق بيت المال نقل الصحابة المسجد إلى قربه؛ ليحفظ، وأما حيث الوقف عن حق فلا خلاف في الجواز إذ هي باقية على ملكه (١). ويجوز بيع الوقف وإبداله، فما بطل نقعه في المقصود بيع لإعاضته كعبد شاخ أو ثوب خلق أو شجر يبس، ويصرف الثمن في عوضه وفاء بغرض الواقف، وقيل: بل إلى المصالح إذ الرقبة ملك الله تعالى، والراجح أنه إلى الموقوف عليه عوضًا عن المنافع؛ لأن الوفاء بغرض الواقف أولى (٢). مسألة: استبدال المسجد: يختص المسجد بعدة أحكام لا تتوافر في غيره، فمثلًا عند أبي حنيفة لا يلزم الوقف في غير المسجد إلا بحكم الحاكم، أو الإيصاء به، أما المسجد فيلزم بمجرد وقفه حيث لا يبقى له حق الرجوع عنه؛ لذلك شدد الفقهاء في استبداله، ونذكر هنا بعض نصوصهم، قال المرغيناني الحنفي: (ولو خرب ما حول المسجد واستغنى عنه يبقى مسجدًا عند أبي يوسف .. وعند محمد يعود إلى ملك الباني، أو إلى وراثه بعد

стр. 599

موته؛ لأنه عينه لقربة وقد انقطعت؛ فصار كحصير المسجد وحشيشه إذا استغنى عنه، إلا أبا يوسف؛ يقول في الحصير والحشيش: إنه ينقل إلى مسجد آخر (١). وقد اتفق المالكية، والشافعية، والإباضية (٢) مع رأي أبي يوسف في أن المسجد يظلّ مسجدًا، فلا يجوز بيعه لظاهر النصوص الدالة على عدم جواز بيع الموقوف مثل قول عمر: "فلا يباع أصلها ولا يوهب" (٣)؛ لأن ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه لا يجوز بيعه مع تعطلها، ولكن يجوز نقل آلته وأنقاضه إلى مسجد آخر. وأما الحنابلة فيرون عدم التفرقة بين المسجد وغيره حيث يباع ويشترى بثمنه مكانٌ آخر ليكون مسجدًا بدله، ولأهمية رأيهم ووجود تفاصيل فيه أنقل ما جاء في المغني: "إن الوقف إذا خرب وتعطلت منافعه كدار انهدمت، أو أرض خربت وعادت مواتًا ولم تمكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه وصار في موضع لا يصلى فيه، أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه في موضعه، أو تشعب جميعه فلم يمكن عمارته، ولا عمارة بعضه إلّا ببيع بعضه، جاز بيع بعضه لتعمّر به بقيته، وإن لم يمكن الانتفاع بشيء منه بيع جميعه"، وأضاف الحنابلة إلى ما سبق حالة الخوف من اللصوص في رواية صالح عن أحمد، وكذلك إذا كان موضعه قذرًا يمنع من الصلاة فيها (٤). وقد حقق شيخ الإسلام ابن تيمية مذهب أحمد في هذه المسألة (٥): حيث ذكر أن مذهب أحمد في غير المسجد أنه يجوز بيعه للحاجة، وأما المسجد فيجوز بيعه أيضًا للحاجة في أشهر الروايتين عنه، وفي الأخرى: لا تباع عرصته، بل تنقل آلتها إلى موضع آخر.

стр. 600

فالمسجد الموجود ببلدة أو محلة إذا تعذر انتفاع أهلها بيع وبنى بثمنه مسجد آخر في موضع آخر كما في زيت المسجد وحصره إذا استغنى عنها المسجد صُرِف إلى مسجد آخر، بل يجوز عند أحمد صرفها في فقراء الجيران، واحتج على ذلك بأن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقسم كسوة الكعبة بين المسلمين، لأن المسلمين هم المستحقون لمنفعة المساجد، واحتج أيضًا لصرفها في نظير ذلك: بأن علي بن أبي طالب ﵁ جمع مالًا لمكاتب، ففضلت فضلة عن قدر كتابته فصرفها في مكاتب آخر، بأن المعطين أعطوا المال للكتابة، فلما استغنى المعين صرفها في النظير. والمقصود أن أحمد بن حنبل اختلف قوله في بيع المسجد عند عدم بيع الانتفاع به، ولم يختلف قوله في بيع غيره عند الحاجة، قال في رواية ابنه عبد الله: إذا خرب المسجد يباع، وينفق ثمنه على مسجد آخر، وإذا كان الوقف دارًا فخربت وبطل الانتفاع بها بيعت، وشرف ثمنها إلى شراء دار ويجعل مكانها وقفًا (١). وأما إبدال المسجد بغيره للمصلحة مع إمكان الانتفاع بالأول ففيه قولان في مذهب أحمد، واختلف أصحابه في ذلك، لكن الجواز أظهر في نصوصه، وأدلته، منها ما ورد أنه لما قدم عبد الله بن مسعود رضون على بيت المال كان سعد بن مالك قد بنى القصر، واتخذ مسجدًا عند أصحاب التمر، قال فنقب بيت المال، فأخذ الذي نقبه، فكتب إلى عمر بذلك، فكتب عمر: (أن لا تقطع الرجل، وانقل المسجد، واجعل بيت المال قبلته، فإنه لن يزال في المسجد مصلي، فنقله عبد الله فخطّ له هذه الخطة) قال صالح: قال أبي: يقال إن بيت المال نقب من مسجد الكوفة فحول عبد الله بن مسعود المسجد، فوضع التمَّارين اليوم في موضع المسجد العتيق، وصار سوق التمَّارين في موضعه (٢). قال صالح وسألت أبي عن رجل بنى مسجدًا، ثم أراد تحويله إلى موضع آخر، قال إن كان الذي بنى مسجدًا يريد أن يحوله خوفًا من اللصوص، أو يكون في موضع قذر فلا بأس أن يحوله، وسئل أبو عبد الله: هل يحول المسجد؟ قال إذا كان ضيقًا لا يسع أهله فلا بأس أن يجعل إلى موضع أوسع منه.
следующие страницы →