← Фикх общий

Фикх общий · id 308

مدونة أحكام الوقف الفقهية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وبمثل قول محمد قال جماعة من الفقهاء منهم الظاهرية، لأنه شرط ليس في كتاب الله فيكون باطلًا في نظرهم (١)، وبمثل قول أبي يوسف قال المالكية حيث أجازوا اشتراط بيع الوقف إن احتاج إليه الواقف ويعمل بشرطه (٢). شرط الاستبدال عند المالكية: المفتي به عند جمهور المالكية جواز وقف المنقول إن كانت هناك مصلحة لذلك. فالشيء الموقوف على معين أو على غير معين من غير عقار إذا صار لا ينتفع به في الوجه الذي وقف فيه كالثوب يخلق، والفرس يمرض، ونحو ذلك، فإنه يباع ويشترى بثمنه مثله (٣). أما استبدال العقار، فقد منع مالك استبداله ولو خرب كما في المدونة، واستدل على ذلك بأن أحباس السلف دائرة دليل على منع ذلك، وفي رواية أبي الفرج عن مالك إن رأى الإمام بيع ذلك لمصلحة جاز، ويجعل ثمنه في مثله، وقال ابن عرفة: يجوز نقلها لوقف عام المنفعة ولو كان غير مماثل للأول. واستثنوا من ذلك أن يباع العقار الحبس لتوسيع مسجد، وهل هو المسجد الجامع أم في كل مسجد؟ محل خلاف في المذهب (٤). شرط الاستبدال عند الشافعية: وأما الشافعية فقد شددوا كثيرًا في استبدال العين الموقوفة، حتى أوشكوا أن يمنعوه مطلقًا خشية ضياع الوقف أو التفريط فيه. قال النووي: والأصح جواز بيع حصر المسجد إذا بليت، وجذوعه إذا انكسرت، ولم تصلح إلا للإحراق. ولو انهدم مسجد وتعذر إعادته لم يبع بحال، وتصرف غلة وقفه إلى أقرب المساجد إليه. ثم إن المسجد المنهدم لا ينقض إلا إذا خيف على

стр. 597

نقضه، فينقض ويحفظ أو يعمر به مسجد آخر إن رآه الحاكم، والأقرب إليه أولى، ولا يصرف نقضه لنحو بئر وقنطرة ورباط. واستدلوا بقوله ﷺ : "لا يباع أصلها ولا تبتاع ولا توهب ولا تورث". شدد جمهور الشافعية في منع استبدال الوقف، فالأصح عندهم جواز بيع حصر المسجد إذا بليت، وجذوعه إذا انكسرت، ولم تصلح إلا للإحراق، ولو انهدم مسجد وتعذر إعادته لم يبع بحال، وتصرف غلته إلى أقرب المساجد منه (١). شرط الاستبدال عند الحنابلة: لم يفرق الحنابلة بين العقار والمنقول، فحكم العقار عندهم حكم المنقول. ولهم في بيع المسجد روايتان، وإن كان المعتمد عندهم جواز الاستبدال، وهو ما رجحه ابن قدامة، فقال: الوقف إذا خرب، وتعطلت منافعه، كدار انهدمت، أو أرض خربت، وعادت مواتا، ولم تمكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه، وصار في موضع لا يصلى فيه، أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه في موضعه. أو تشعب جميعه فلم تمكن عمارته ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه، جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته. وإن لم يمكن الانتفاع بشيء منه، بيع جميعه. أما الرواية الثانية، فقد قال أبو بكر: وقد روي علي بن سعيد، أن المساجد لا تباع، وإنما تنقل آلتها. واستدل ابن قدامة على صحة القول بالاستبدال بالإجماع لإجماعهم على جواز بيع الفرس الموقوفة على الغزو إذا كبرت، فلم تصلح للغزو، وأمكن الانتفاع بها في شيء آخر، مثل أن تدور في الرحى، أو يحمل عليها تراب، أو تكون الرغبة في نتاجها، أو حصانًا يتخذ للطراق، فإنه يجوز بيعها، ويشترى بثمنها ما يصلح للغزو، نصَّ عليه أحمد (٢)، وقال الزركشي الحنبلي: "وهو ما عليه الأصحاب" (٣).

стр. 598

شرط الاستبدال (التغيير) أو التبديل عند الزيدية: اختلف فقهاء الزيدية في جواز استبدال الوقف على رأيين: الأول: جواز نقل الوقف لمصلحة، وللواقف نقل المصرف المصلحة، لتشريكه ﷺ عليًّا ﵁ في هدية بعد أن نواه لنفسه، ولملكه صرفها إجماعًا. الثاني: لا يجوز نقل الوقف، فقد حصل للهادوية من منعهم تحويل أوقاف مسجد خرب إلى غيره، ومنع علي بن أبي طالب ﵁ لعمر بن الخطاب ﵁ من بيع حلي الكعبة للجهاد؛ منعهم نقل المصارف والمصالح، وكما يمتنع جعل المسجد طريقًا. والراجح الجواز، لأن أدلة الجواز أظهر، ومنه: تحويله ﷺ وقف عبد الله إلى والديه، وقد صرح أبو القاسم البخلي والوافي بالجواز محتجين بأنه لما سرق بيت المال نقل الصحابة المسجد إلى قربه؛ ليحفظ، وأما حيث الوقف عن حق فلا خلاف في الجواز إذ هي باقية على ملكه (١). ويجوز بيع الوقف وإبداله، فما بطل نقعه في المقصود بيع لإعاضته كعبد شاخ أو ثوب خلق أو شجر يبس، ويصرف الثمن في عوضه وفاء بغرض الواقف، وقيل: بل إلى المصالح إذ الرقبة ملك الله تعالى، والراجح أنه إلى الموقوف عليه عوضًا عن المنافع؛ لأن الوفاء بغرض الواقف أولى (٢). مسألة: استبدال المسجد: يختص المسجد بعدة أحكام لا تتوافر في غيره، فمثلًا عند أبي حنيفة لا يلزم الوقف في غير المسجد إلا بحكم الحاكم، أو الإيصاء به، أما المسجد فيلزم بمجرد وقفه حيث لا يبقى له حق الرجوع عنه؛ لذلك شدد الفقهاء في استبداله، ونذكر هنا بعض نصوصهم، قال المرغيناني الحنفي: (ولو خرب ما حول المسجد واستغنى عنه يبقى مسجدًا عند أبي يوسف .. وعند محمد يعود إلى ملك الباني، أو إلى وراثه بعد

стр. 599

موته؛ لأنه عينه لقربة وقد انقطعت؛ فصار كحصير المسجد وحشيشه إذا استغنى عنه، إلا أبا يوسف؛ يقول في الحصير والحشيش: إنه ينقل إلى مسجد آخر (١). وقد اتفق المالكية، والشافعية، والإباضية (٢) مع رأي أبي يوسف في أن المسجد يظلّ مسجدًا، فلا يجوز بيعه لظاهر النصوص الدالة على عدم جواز بيع الموقوف مثل قول عمر: "فلا يباع أصلها ولا يوهب" (٣)؛ لأن ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه لا يجوز بيعه مع تعطلها، ولكن يجوز نقل آلته وأنقاضه إلى مسجد آخر. وأما الحنابلة فيرون عدم التفرقة بين المسجد وغيره حيث يباع ويشترى بثمنه مكانٌ آخر ليكون مسجدًا بدله، ولأهمية رأيهم ووجود تفاصيل فيه أنقل ما جاء في المغني: "إن الوقف إذا خرب وتعطلت منافعه كدار انهدمت، أو أرض خربت وعادت مواتًا ولم تمكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه وصار في موضع لا يصلى فيه، أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه في موضعه، أو تشعب جميعه فلم يمكن عمارته، ولا عمارة بعضه إلّا ببيع بعضه، جاز بيع بعضه لتعمّر به بقيته، وإن لم يمكن الانتفاع بشيء منه بيع جميعه"، وأضاف الحنابلة إلى ما سبق حالة الخوف من اللصوص في رواية صالح عن أحمد، وكذلك إذا كان موضعه قذرًا يمنع من الصلاة فيها (٤). وقد حقق شيخ الإسلام ابن تيمية مذهب أحمد في هذه المسألة (٥): حيث ذكر أن مذهب أحمد في غير المسجد أنه يجوز بيعه للحاجة، وأما المسجد فيجوز بيعه أيضًا للحاجة في أشهر الروايتين عنه، وفي الأخرى: لا تباع عرصته، بل تنقل آلتها إلى موضع آخر.

стр. 600

فالمسجد الموجود ببلدة أو محلة إذا تعذر انتفاع أهلها بيع وبنى بثمنه مسجد آخر في موضع آخر كما في زيت المسجد وحصره إذا استغنى عنها المسجد صُرِف إلى مسجد آخر، بل يجوز عند أحمد صرفها في فقراء الجيران، واحتج على ذلك بأن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقسم كسوة الكعبة بين المسلمين، لأن المسلمين هم المستحقون لمنفعة المساجد، واحتج أيضًا لصرفها في نظير ذلك: بأن علي بن أبي طالب ﵁ جمع مالًا لمكاتب، ففضلت فضلة عن قدر كتابته فصرفها في مكاتب آخر، بأن المعطين أعطوا المال للكتابة، فلما استغنى المعين صرفها في النظير. والمقصود أن أحمد بن حنبل اختلف قوله في بيع المسجد عند عدم بيع الانتفاع به، ولم يختلف قوله في بيع غيره عند الحاجة، قال في رواية ابنه عبد الله: إذا خرب المسجد يباع، وينفق ثمنه على مسجد آخر، وإذا كان الوقف دارًا فخربت وبطل الانتفاع بها بيعت، وشرف ثمنها إلى شراء دار ويجعل مكانها وقفًا (١). وأما إبدال المسجد بغيره للمصلحة مع إمكان الانتفاع بالأول ففيه قولان في مذهب أحمد، واختلف أصحابه في ذلك، لكن الجواز أظهر في نصوصه، وأدلته، منها ما ورد أنه لما قدم عبد الله بن مسعود رضون على بيت المال كان سعد بن مالك قد بنى القصر، واتخذ مسجدًا عند أصحاب التمر، قال فنقب بيت المال، فأخذ الذي نقبه، فكتب إلى عمر بذلك، فكتب عمر: (أن لا تقطع الرجل، وانقل المسجد، واجعل بيت المال قبلته، فإنه لن يزال في المسجد مصلي، فنقله عبد الله فخطّ له هذه الخطة) قال صالح: قال أبي: يقال إن بيت المال نقب من مسجد الكوفة فحول عبد الله بن مسعود المسجد، فوضع التمَّارين اليوم في موضع المسجد العتيق، وصار سوق التمَّارين في موضعه (٢). قال صالح وسألت أبي عن رجل بنى مسجدًا، ثم أراد تحويله إلى موضع آخر، قال إن كان الذي بنى مسجدًا يريد أن يحوله خوفًا من اللصوص، أو يكون في موضع قذر فلا بأس أن يحوله، وسئل أبو عبد الله: هل يحول المسجد؟ قال إذا كان ضيقًا لا يسع أهله فلا بأس أن يجعل إلى موضع أوسع منه.

стр. 601

وقال عبد الله سألت أبي عن مسجد خرب: ترى أن تباع أرضه، وينفق على مسجد آخر أحدثوه؟، قال: إذا لم يكن له جيران ولم يكن أحد يعمره فلا أرى به بأسًا أن يباع وينفق على الآخر. وقال القاضي أبو يعلى: "في رواية أبي داود في مسجد أراد أهله أن يرفعوه من الأرض، ويجعل تحته سقاية وحوانيت، وامتنع بعضهم من ذلك؟ قال: ينظر إلى قول أكثرهم، ولا بأس به، قال أبو يعلى: فظاهر هذا أنه أجاز أن يحمل هذا على أن الحاجة دعت إلى ذلك لمصلحة تعود إلى المسجد" (١). ثم ذكر أن بعض أصحاب المذهب حاول التكلف في حمل رواية أحمد هذه حالة الابتداء قبل بناء المسجد، فقال: "وهذا تكلف ظاهر لمخالفة نصّه، فإنه نصّ صريح في المسجد المبني، وليس في ابتداء بناء المسجد، لأن الأخير لا نزاع فيه" (٢). ثم ردّ ابن تيمية على من قال بعدم جواز النقل والإبدال إلا عند تعذر الانتفاع بأنه ليس لهم على ذلك حجة شرعية، ولا مذهبية، بل دلت الأدلة الشرعية وأقوال صاحب المذهب على خلاف ذلك، وقد قال أحمد: إذا كان المسجد يضيق بأهله فلا بأس أن يحول إلى موضع أوسع منه، وضيقه بأهله لم يعطل نفعه، بل نفعه باق كما كان، ولكن الناس زادوا، وقد أمكن أن يبني لهم مسجد آخر، وليس من شرط المسجد أن يسع جميع الناس، ومع هذا جوز تحويله إلى موضع آخر، لأن اجتماع الناس في مسجد واحد أفضل من تفريقهم في مسجدين، لأن الجمع كلما كان أكثر كان أفضل، لقول النبي ﷺ : "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع رجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحبّ إلى الله تعالى" (٣). وقد أمر عمر ﵁ بنقل مسجد الكوفة إلى مكان آخر، وصار الأول سوق التمارين للمصلحة الراجحة، لا لأجل تعطل منفعة تلك المساجد، فإنه لم يتعطل نفعها، بل ما زال باقيًا، وقد فعل عمر ذلك بمشهد الصحابة ولم يرد إلينا أنه

стр. 602

اعترض عليه أحد، بل نفذه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ فكان ذلك إجماعًا؛ لأن الصحابة ﵁ ما كانوا يسكتون لو كان ذلك غير جائز، والتأريخ شاهد على اعتراضاتهم على كلّ ما كان منكرًا حتى ولو في نظر بعضهم، فقد اعترضت المرأة على عمر حينما أراد تحديد المهر، واعترضوا على عثمان لأنه كان يتم الصلاة في الحج. واحتج ابن تيمية أيضًا بما روى أبو حفص في المناسك عن عائشة ﵂ أنه قيل لها: يا أم المؤمنين، إن كسوة الكعبة قد يداول عليها؟ فقالت: تباع، ويجعل ثمنها في سبيل الخير، فأمرت عائشة ببيع كسوة الكعبة مع أنها وقف، وصرف ثمنها في سبيل الخير، لأن ذلك أصلح للمسلمين (١). وقد انتهى شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن بيع الوقف والتعويض بثمنه يجوز إذا كان ذلك أصلح وأنفع دون الحاجة إلى تقيد الجواز بالضرورة، أو تعطل الانتفاع بالكلية، فالمسوغ للبيع والتعويض هو نقص المنفعة وذلك يتحقق بكون العوض أصلح وأنفع، أو للحاجة التي يقصد بها هنا تكميل الانتفاع، فإن المنفعة الناقصة يحصل معها عوز يدعوها إلى كمالها فهذه هي الحاجة من مثل هذا مثلما أجيز لبس الحرير المحرم على الرجال لأجل الحكة (٢) (الحساسية). وقد استدل كذلك بما فعله عمر وعثمان من تغيير بناء مسجد النبي ﷺ ، ووجه الاستدلال بذلك أن اللبن والجذوع التي كانت وقفًا أبدلها الخلفاء الراشدون بغيرها، وهذا من أعظم ما يشتهر من القضايا ولم ينكره منكر، ولا فرق بين إبدال البناء ببناء، وإبدال العرصة بعرصة، إذا اقتضت المصلحة ذلك؛ لهذا أبدل عمر مسجد الكوفة بمسجد آخر، أبدل نفس العرصة، وصارت العرصة الأولى سوقًا للتمّارين بعد أن كانت مسجدًا، وهذا أبلغ ما يكون في إبدال الوقف للمصلحة (٣).

стр. 603

ويدل على ذلك أيضا ما ثبت أن رسول الله ﷺ جوَّز إبدال المنذور بخير منه فقد روى أحمد وأبو داود والدارمي، وابن الجارود، وأبو يعلى، والبيهقي بسند صحيح عن جابر بن عبد الله ﵄: أن رجلًا قام يوم الفتح، فقال: يا رسول الله إني نذرت لله إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، قال: "صلّ ههنا"، ثم أعاد عليه، فقال: "صل ههنا"، ثم أعاد عليه، فقال: "شأنك إذن" (١). وهناك أحاديث وآثار أخرى تدل على ذلك منها ما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن ابن عباس ﵄: أن امرأة شكت شكوى، فقالت: لو شفاني الله فلأخرجنَّ فلأصليَّن في بيت المقدس، فبرأت، ثم تجهزت تريد الخروج فجاءت ميمونة تسلم عليها، وأخبرتها بذلك، فقالت: اجلسي، فكلي ما صنعت، وصلِّي في مسجد رسول الله ﷺ فإني سمعت رسول الله ﷺ : "صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلّا مسجد الكعبة" (٢). قال ابن تيمية من الحنابلة: "وهذا هو مذهب عامة العلماء ... ومعلوم أن النذر يوجب عليه ما نذره لله تعالى من الطاعة، ومع ذلك فإن الشارع بيّن أن البدل الأفضل يقوم مقام هذا، وكذلك الأمر بالنسبة للحيوانات التي تجب فيها الزكاة حيث تجزئ سنٌّ أعلى من الواجب في مذهب عامة أهل العلم، فثبت أن إبدال الواجب بخير منه جائز، بل يستحب فيما وجب بإيجاب الشرع، وبإيجاب العبد، والخلاصة أن الإبدال للحاجة، أو المصلحة راجحة، ويما هو خير من الأصل جائز تظافرت عليه الأدلة المعتبرة" (٣). وقد استدل الحنابلة على ذلك بالآثار والمعقول: أما الآثار فمنها "أن عمر ﵁ كتب إلى سعد لما بلغه أنه قد نقب بيت المال الذي بالكوفة: انقل المسجد الذي بالتمّارين واجعل بيت المال في قبلة المسجد، فإنه لا يزال في المسجد مصلى" (٤)، قال ابن قدامة: "وكان هذا بمشهد من الصحابة ولم يظهر خلافه فكان إجماعًا" (٥).

стр. 604

ومنها ما رواه البيهقي والخلال عن علي بن أبي عبد الله المديني عن أبيه عن علقمة عن أمه قالت: "دخل شيبة بن عثمان الحجي على عائشة ﵂ فقال: يا أم المؤمنين إن ثياب الكعبة تجتمع علينا فتكثر فنعمد إلى آبار فنحفرها، فتعمقها، ثم تدفن ثياب الكعبة فيها كيلا يلبسها الجنب والحائض، فقالت له عائشة ﵂: ما أحسنت ولبئس ما صنعت، إن ثياب الكعبة إذا نزعت لم يضرها إن لبسها الجنب والحائض، ولكن بعها واجعل ثمنها في المساكين وفي سبيل الله، قالت فكان شيبة بعد ذلك يرسل بها إلى اليمن فتباع هناك، ثم يجعل ثمنها في المساكين وفي سبيل الله وابن السبيل" (١). واستدلوا كذلك بأن مصلحة الواقف تقتضي أن تبقى آثار الوقف بأية صورة ممكنة، حيث إن ذلك أحسن وأفضل من أن يترك الوقف مهملًا دون الاستفادة منه، ولذلك قال ابن عقيل: "الوقف مؤيد فإذا لم يمكن تأييده على وجه يخصصه استبقاء الغرض وهو الانتفاع على الدوام في عين أخرى، وإيصال الإبدال جرى مجرى الأعيان، وجمودنا على العين مع تعطلها تضييع للغرض، ويقرب هذا من الهدي إذا عطب في السفر فإنه يذبح في الحال وإن كان يختص بموضع، فلما تعذر تحصيل الغرض بالكلية استوفى منه ما أمكن وترك مراعاة المحل الخاص عند تعذره، لأن مراعاته مع تعذره تقضي إلى فوات الانتفاع بالكلية وهكذا الوقف المعطل المنافع" (٢). حالة عدم الانتفاع بالمسجد: هناك حالات لا ينتفع فيها بالمسجد مثل مسجد بني، ثم انهدم من خشبه أو قصبه أو شيء من نقضه فإنه لا يباع، وإنما يعان به مسجد آخر، هكذا نصّ عليه أحمد وهكذا الحكم عندما يفضل من حصر المسجد وزيته ولا يحتاج إليه فيجوز أن يجعل في مسجد آخر أو يتصدق من ذلك على فقراء جيرانه وغيرهم، وكذلك

стр. 605

إن فضل من قصبه أو شيء من نقضه، قال المروزي: "سألت أبا عبد الله عن بواري المسجد إذا فضل منه الشيء، أو الخشبة، قال: يتصدق به، وأرى أنه قد احتج بكسوة البيت إذا انخرقت تصدق بها، وقال في موضع آخر قد كان شيبة يتصدق بخلقان الكعبة" (١)، ولكن إذا لم تتحقق المنفعة بهذا التحويل فيجوز البيع وصرف ثمنه في خدمة المساجد. عدم بيع العقار الموقوف عند مالك: لا يجوز بيع العقار المحبوس عند مالك وإن خرب ونقص، ولو بيع بعقار آخر صالح إلّا لتوسيع مسجد جامع، أو الطريق، أو المقبرة؛ حيث قال في المدونة: "ولا يباع العقار الحبس ولو خرب، وبقاء أحباس السلف دائرة دليل على منع ذلك"، قال الدسوقي من المالكية: "ورد المصنف بالمبالغة بقوله (وإن خرب) على رواية أبي الفرج عن مالك: إن رأى الإمام بيع ذلك لمصلحة جاز ويجعل ثمنه في مثله" (٢)، وهو مذهب الحنفية والحنابلة كما سبق. وقد علق الدردير من المالكية على ذلك: "وهذا في الوقف الصحيح، وأما الباطل كالمساجد والتكايا التي بناها الملوك والأمراء بقرافة مصر، ونبشوا مقابر المسلمين، وضيقوا عليهم فهذه يجب هدمها قطعًا ونقضها ... وتباع لمصالح المسلمين أو يبني بها مساجد في محل جائز، أو قنطرة لنفع العامة، ولا تكون لوارثهم إن علم، إذ هم لا يملكون منها شيئًا، وأين لهم ملكها وهم السمّاعون للكذب الأكّالون للسحت يكون الواحد منهم عبدًا مملوكًا لا يقدر على شيء وهو كَلٌّ على مولاه، فإذا استولى بظلمه على المسلمين سلبهم أموالهم وصرفها فيما يغضب الله ورسوله ... وأما أوقافهم بوسط البلد فهي نافذة لأنها من مصالح المسلمين" (٣).

стр. 606

ثمن الوقف: في حالة جواز بيع الوقف أو جزء منه - حسب الحالات السابقة - فما الذي يجب أن يتجه إليه ثمن الوقف؟ للإجابة عن ذلك نقول: إن فيه تفصيلًا يتلخص فيما يأتي: ١. إذا بيع جزء من الوقف فإنه يصرف على تعمير الباقي أولًا، وإذا زاد عن ذلك فيوزع على مستحقيه، وإذا كان مسجدًا فيصرف عليه وعلى مصالحه. ٢. إذا بيع الوقف كله للأسباب السابقة فإن ثمنه لا بدّ أن يوجه إلى مثل له حسب الإمكان، فإن كان مسجدًا يبني به مسجد آخر في مكان مناسب، وإن كان دارًا أو عمارة، أو نحو ذلك يبني به ما هو مثله في الغرض حتى يؤدي دوره للمستحقين، وإن كان فرسًا للجهاد يشترى بثمنها فرس أخرى للجهاد، أو أي شيء من وسائل الجهاد، وهكذا (١). هذا إذا وفّى ثمن الوقف بشراء وقف آخر مثله، فإذا لم يفِ بذلك يوجه الثمن للمساهمة في شراء وقف آخر مثله، نصَّ عليه أحمد، لأن المقصود استبقاء منفعة الوقف الممكن استبقاؤها وصيانتها من الضياع، ولا سبيل إلى ذلك إلّا بهذا الطريق (٢). ٣. إذا كان الموقوف شجرة جفّت، أو قلعتها الريح، يباع ما بقي، ويصرف الثمن إلى الموقوف عليه في وجه عند الشافعية، أو يشترى به شجرة أو شقص من جنسها أو فسيل يغرس ليكون وقفًا في الوجه الثاني عندهم (٣).

стр. 607

٤. إذا كان الوقف حصر المسجد، أو أخشابه، أو أستار الكعبة ولم يبق فيها منفعة ولا جمال تباع ويصرف ثمنها في مصالح المسجد عند جماعة من الفقهاء، قال النووي: "والقياس أن يشترى بثمن الحصر حصير ... قال الإمام: وإذا جوّزنا البيع فالأصح صرف الثمن إلى جهة الوقف" (١)، ثم قال الرافعي: "جميع ما ذكرناه في حصر المسجد ونظائرها هو فيما إذا كانت موقوفة على المسجد، أما ما اشتراه الناظر للمسجد، أو وهبه له واهب وقبله الناظر فيجوز بيعه عند الحاجة بلا خلاف .... قال النووي: هذا إذا اشتراه الناظر ولم يقفه، أما إذا وقفه فإنه يصير وقفًا وتجري عليه أحكام الوقف" (٢). ومع هذا الترتيب فإن الشيء الذي يدور معه الوقف هي المصلحة الراجحة وما يحقق مقاصد الشرع ثمَّ الواقف. شروط الاستبدال: يشترط في الاستبدال ما يأتي: ١. أن لا يكون في الاستبدال غبن فاحش لجهة الوقف وذلك لأن الغبن الفاحش يؤثر في عقد الوقف فيجعله باطلًا عند البعض، وغير لازم عند جماعة من الفقهاء قال ابن عابدين الحنفي: "إن بيع الوصي مال اليتيم بغبن فاحش باطل، وقيل فاسد، ورجح ... وعلى هذا قيم الوقف" (٣)، وجاء في الفتاوى الهندية في فقه الحنفية: "وإن باعه أي الوقف بما لا يتغابن الناس فيه فالبيع باطل كذا في المحيط" (٤). ٢. أن لا يكون في الاستبدال تغرير وغش، وإلا فيكون بيع الموقوف وشراؤه باطلين، أو فاسدين أو غير لازمين على اختلاف بين الفقهاء (٥).

стр. 608

٣. أن لا يكون في الاستبدال تهمة، أي بأن لا يكون هناك قرائن تدل على وجود محاباة، أو تحقيق مصالح للقيّم، أو لأقاربه (١). ٤. أن لا يتّم الاستبدال بدين مؤجل، لاحتمال ضياعه بسبب المماطلة، أو عدم القدرة على الأداء (٢)، أما إذا وجدت مصلحة في الاستبدال بالدين على ملئ غير مماطل فلا مانع منه. ٥. أن يكون الاستبدال إما بنقد يشتري به وقف آخر، أو بعقار ليحل محله، حفاظًا على الوقف حتى لا يسهل أكلها (٣). ٦. أن يتم البيع عن طريق قاضي الجنة حسب تعبير الحنفية (٤) أي القاضي العادل، لئلا يؤدي إلى التساهل في أوقاف المسلمين إلّا في بعض حالات يجوز للقيّم العادل أن يقوم هو ببيع الموقوف مثل أن يرغب إنسان في العين الموقوفة -غير المسجد- ببدل أكثر غلة وأحسن مكانًا فيجوز على قول أبي يوسف وعليه الفتوى (٥). الخلاصة في مسألة الاستبدال: فقد ظهر مما سبق أن الفقهاء مختلفون في جواز الاستبدال والإبدال (٦) وأن أوسع المذاهب في هذه المسألة الحنابلة فالحنفية، وأن أضيقها المالكية،

стр. 609

فالشافعية، فقد أجاز الحنابلة والحنفية الاستبدال في عدة حالات، في حين أن المالكية لم يجيزوا بيع العقار الموقوف مطلقًا إلّا لتوسعة الجامع، أو الطريق، أو المقبرة، وهم والشافعية لم يجيزوا بيع المسجد مطلقًا، لكن الحنفية يختلفون من حيث المنهجية عن الحنابلة فهم وإن وسعوا في دائرة جواز الاستبدال لكم مذهبهم في غير المسجد أن الحق في البيع للواقف نفسه حيث له الرجوع، أو للقاضي، كما أن الوقف عندهم غير لازم إلا في المسجد بعد إفرازه والصلاة فيه فأبو حنيفة يرى أن ملك الواقف لا يزول عن الوقف إلّا أن يحكم به الحاكم أو يعلقه بموته، ومحمد يرى أنه لا يزول حتى يجعل للوقف وليًا ويسلمه إليه، وأبو يوسف مع الجمهور في اللزوم بالقول فقط، لكن الحنابلة يقولون بلزوم الوقف ومع ذلك وسعوا دائرة الاستبدال وهو الأرجح كما سبق. وفي حالة البيع يختلف الأمر عند الحنابلة الذين يقولون بصرف الثمن في الإتيان بمثل الوقف، أو لجهة الاستحقاق، في حين أن الحنفية ما عدا أبا يوسف - يعطون الحق للواقف في البيع إذا شرطه لنفسه بل إن محمدًا يرى رجوع المسجد بعد خرابه إلى الواقف ويخرج عن الوقف كما سبق. ج - شرطا الزيادة والنقصان: يراد بشرطي الزيادة والنقصان أن يشترط الواقف في وقفه بأن يكون له، أو للناظر الحق في زيادة مرتبات المستحقين، أو ينقص عند توزيع الغلة أو الربح، أي حق تفضيل بعضهم على البعض، من حيث الغلة، أو أن يقول: أعطوا لفلان (من الموقوف عليهم) أقل من غيره، أو من فلان. فإذا شرط الواقف في وقفه هذا الشرط فيكون من حقه، أو حق المأذون له هذه الزيادة أو النقصان، ولكن إذا لم يوجد هذا الشرط فلا يحق للناظر أن يزيد أو ينقص، وإنما يرجع في ذلك إلى الحاكم.

стр. 610

وهذا الشرط مقبول لم نجد مَنْ منعه من الفقهاء (١)، بل هو داخل ضمن الشروط الصحيحة المنسجمة مع مقاصد الوقف، إذ إن الواقف يقصد بالزيادة للبعض، أو النقصان لبعض آخر بالنظر إلى المصالح المعتبرة في مدى الحاجة أو عدمها إلى ريع الوقف، كما أن له الحرية في التقييد المشروع، يقول الشيرازي: "وتصرف الغلة على شرط الواقف من الأثرة، والتسوية والتفضيل والتقديم والتأخير، والجمع والترتيب، وإدخال مَنْ شاء بصفة، وإخراجه بصفة؛ لأن الصحابة وقفوا وكتبوا شروطهم" (٢). قال الرملي من الشافعية جوابا على سؤال جاءه: "متى حكم بالوقف المذكور من يرى صحته فلوالدة الواقف إدخال ولده محمد في الوقف فإذا أدخلته فيه أستحق من ريعه ما شرط له كما كان للواقف إدخاله فيه ولو أدخله لاستحق لما شرطه لنفسه بلفظ وأن يفعل ذلك كما بدا له؛ إذ لفظ (كلما) يقتضي أن للواقف تكرار كل من الإدخال والإخراج والزيادة والنقصان، ويشمل جواز إدخاله ولده محمدًا في وقفه بعد إخراجه منه" (٣). وفي فقه الحنابلة: أنه يرجع إلى شرط الواقف في تقديم وتسوية وجمع وضد ذلك من عدم التسوية ومن الزيادة والنقصان وغير ذلك؛ لأن نص الواقف كنص الشارع يجب العمل بجميع ما شرطه ما لم يفض إلى الإخلال بالمقصود فيعمل به (٤).

стр. 611

أما عند الزيدية فيختلف الشرط في الزيادة والنقصان حسب نوع الوقف، فإن كان الوقف لغير معينين كأن يقول: وقفت هذا للفقراء، فيجوز للمتولي صرف غلة الوقف في واحد من المستحقين أو أكثر من واحد حسبما يراه من الصلاح ومطابقة قصد الواقف. وأما إذا كان المعينين وجب عليه تقسيطه بينهم إن انحصروا وإلا ففي الجنس (١). د - شرطا المنح والحرمان: يراد بهما: أن يشترط الواقف لنفسه في وقفه أو للناظرين حق حرمان بعض الموقوف عليهم من ريع الوقف، وحق منح بعضهم منه، وذلك بأن يقول: "وقفت داري على أولادي، وأولاد أولادي أو على بني فلان على أن يكون لي حق إعطاء الغلة لمن شئت منهم، أو حرمان من شئت منهم، أو أن أحرم من شئت منهم، ثم أجعل لواحد منهم كلها، أو بعضها مطلقًا، أو مدة معينة ... " جاز الشرط. وهذ الشرط يدل على قدرة الواقف في التحكم في توزيع الريع بين الموقوف عليهم؛ لأن الإعطاء لا يكون إلّا لأهل الوقف، وكذلك حق الحرمان لا يقع إلّا على أهل الوقف؛ ولذلك لو قال: "على أن يكون لي حق حرمان الغير منها"؛ كان قولًا لاغيًا (٢). وهناك تفاصيل، منها ما ورد في المحيط البرهاني من كتب الحنفية: "أنه لو شرط أن يعطي غلتها من شاء فله المشيئة في صرفها إلى من شاء ما دام حيًا، وإذا مات انقطعت، وإذا شاء عينًا معينًا جاز كفقير معين، وامتنع التحويل إلى غيره، وإن شاء الصرف على الأغنياء فقط دون الفقراء بطلت المشيئة، وإن شاء صرفها إلى الفقراء فقط دون الأغنياء جازت" (٣).

стр. 612

وهو شرط مقبول عند جمهور الفقهاء على أن لا يكون الإعطاء مخالفًا للشروط الشرعية، يقول الشيرازي من الشافعية: "وتصرف الغلة على شرط الواقف من الأثرة، والتسوية، والتفضيل ... وإدخال من شاء بصفة، وإخراجه بصفة (١). وعند المالكية لا يجوز منح البنين دون البنات، فإن فعل ذلك، بطل الوقف على البنين دون البنات؛ لقول مالك: إنه من عمل الجاهلية أي: يشبه عملهم؛ لأن الوقف خاص بالإسلام؛ لأن الجاهلية كانوا إذا حضر أحدهم الموت ورثوا الذكور دون الإناث فصار فيه حرمان الإناث دون الذكور فالوقف على الذكور دون الإناث يشبه عمل الجاهلية (٢). ورجح بعضهم الكراهة، فيمضي وهو رأي ابن القاسم وعليه العمل وصرح الشيخ أبو الحسن بأن الكراهة في المدونة على التنزيه (٣). لكنهم أجازوا منح الفقراء ولو أدى إلى حرمان الأغنياء في السكنى والغلة، قال ابن رشد: "المبدأ في الحبس أهل الحاجة على الأغنياء في السكنى والغلة، فلا سكني للأغنياء معهم إلا أن يفضل عنهم شيء" (٤). وفرق فقهاء الزيدية بين ما الغلة فيه عن حق واجب، فيجوز فيه المنح والحرمان، ولا يجوز في غيره على الراجح. فللواقف - لا غيره من أهل الولايات - نقل المصرف فيما هو عن حق، نحو أن يقف رجل أرضًا ويستثني غلتها عن حق واجب، وتكون مصروفة إلى شخص معين، وإلى مسجد معين، فله بعد ذلك أن ينقله إلى مصرف آخر؛ لأن الغلة باقية على ملك الواقف، له أن ينتفع بها، ويخرج غيرها عن الواجب.

стр. 613

وليس له ذلك في غيره أي في غير ما الغلة فيه عن حق واجب؛ كأن يقف على الفقراء أو على مسجد، فليس للواقف نقل المصرف؛ لأن الغلة لم تبق على ملكه، بل تابعة للرقبة. وكذلك ليس للواقف ولا لغيره من أهل الولايات العامة سواء كان الإمام أم غيره نقل مصلحة إلى أصلح منها، نحو أن يقف أرضا طريقا للمارين، ثم يرى جعلها مسجدا أصلح، أو يرى جعلها مقبرة أصلح، أو ما شاكل ذلك، فليس له ذلك هذا هو المختار للمذهب وإن كان في ذلك خلاف الشيخ علي خليل والإمام المطهر يحيى والإمام الحسين؛ فعند هؤلاء أن ذلك يجوز، وقواه من متأخري شيوخ المذهب الشامي والهبل وعامر والسحولي وحثيث واختاره في الفتح، وحجتهم ما رواه أبو وائل: "قال: جلستُ إلى شيبة في هذا المسجد، فقال: جلس إليَّ عمر في مجلسك هذا، فقال: لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين، قلت: ما أنت بفاعل، قال لم؟ قلت: لم يفعله صاحباك، فقال: هما المرءان (تثنية مرء) تقيدا بهما"، وعن عائشة قالت: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية - أو قال بكفر - لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، وأدخلت فيها من الحجر" (١). هـ - شرطا تعديل مصارف غلة الوقف، أو عدم تعديله: وذلك بأن يشترط الواقف لنفسه الحق في تعديل مصارف غلة الوقف، أم عدم تعديله، أو أن بعض هذا الحق للناظر وحده، أو معه وحده (٢). ثالثًا: الشروط الخاصة بالناظر أو متولي الوقف: مثل أن يشترط أن يكون هو الناظر ما دام حيًّا، ثم أرشد أولاده، أو أن يشترط أن يكون الناظر فلانًا، أو جهة فلانية.

стр. 614

وكذلك شروطه الخاصة بتصرف الناظر في الوقف من حيث الاستعمال والاستغلال، ومن حيث التصرف في ريع الوقف (١)، ومن حيث إصدار القرارات التي تصدر منه، حيث اتفق الفقهاء على أنه يتبع شروط الواقف في النظر إلى الوقف ما دام الشرط صحيحًا، لأن الخليفة الثاني عمر ﵁ جعل وقفه إلى ابنته حفصة تليه ما عاشت، ثم إلى ذوي الرأي من أهلها (٢)، قال ابن قدامة: "ولأن مصرف الوقف يتبع فيه شرط الواقف، فكذلك الناظر فيه" (٣). ١ - اشتراط النظارة للواقف نفسه: اختلف الفقهاء في جواز اشتراط الواقف النظارة لنفسه على قولين: القول الأول: لجمهور الفقهاء؛ الحنفية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والزيدية (٧)، والإمامية (٨) وهو أنه يجوز للواقف أن يشترط النظارة لنفسه ويكون عند اشتراطها ناظرًا على الوقف. واستدلوا على ذلك بما يأتي: ١ - بفعل الصحابة ﵁؛ حيث كانوا يتولون النظارة على أوقافهم. قال الشافعي: "أخبرني غير واحد من آل عمر، وآل علي؛ أن عمر ولِيَ صدقته حتى مات،

стр. 615

وجعلها بعده إلى حفصة، وولي علي صدقته حتى مات، ووليها بعده الحسن بن علي ﵄، وأن فاطمة بنت رسول الله ﷺ وليت صدقتها حتى ماتت، وبلغني عن غير واحد من الأنصار أنه ولي صدقته حتى مات" (١). ٢ - وبأن هذا شرط من الواقف، وشرط الواقف معتبر يجب العمل به كنص الشارع (٢). ٣ - ولأن اشتراط الواقف النظر لنفسه لا ينافي الوقف؛ بل ربما كان أدخل في جريانه (٣). القول الثاني: للمالكية، وهو أنه لا يجوز للواقف أن يشترط النظر لنفسه على الوقف؛ فإن شرط النظر لنفسه وكان الموقوف عليه قد حاز الموقوف؛ كان الوقف باطلا، وإن كان الموقوف لا يزال تحت يد الواقف ولم يحزه الموقوف عليه ولم يحصل مانع للوقف كمرض الواقف أو موته أو فلسه؛ صح الوقف، وأجبر الواقف على أن يجعل النظر لغيره، لكن يجوز أن يكون الواقف ناظرًا إذا كان الوقف على صغار ولده أو من في حجره، فإن الواقف هو الذي يتولى حيازة وقفهم والنظر لهم (٤). قال الموّاق في شرح المختصر نقلًا عن ابن شاس: "لا يجوز للرجل أن يُحبِّس ويكون هو وليَّ الحبس" (٥)، واستدلوا على ذلك بأن حوز الوقف شرط لصحته؛ قياسًا على الهبة والصدقة، واشتراط الواقف النظر لنفسه ينافي الحوز (٦)، قال ابن بطال: "وإنما منع مالك من ذلك سدًّا للذريعة؛ لئلا يصير كأنه وقف على نفسه، أو يطول

стр. 616

العهد فيُنْتَسَى الوقف، أو يفلس الواقف فيتصرف فيه لنفسه، أو يموت فيتصرف فيه ورثته، وهذا لا يمنع الجواز إذا حصل الأمن من ذلك" (١). ٢ - اشتراط النظارة لأشخاص معينين: لا خلاف بين الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والإمامية والزيدية في جواز وصحة اشتراط النظارة لأشخاص معينين، ولكن إذا ماتوا أو فقدوا الأهلية أو وقع خلل في الشروط المطلوبة في الناظر من الأمانة؛ فإن الأمر يعود إلى القاضي بتعيين من يراه مناسبًا للنظارة (٢). وتثبت النظارة لمن عينه الواقف؛ سواء شرط له النظارة بالاسم أو بالوصف؛ جاء في كشاف القناع: " (ويرجع إلى شرطه)؛ أي الواقف (أيضًا في الناظر فيه)؛ أي الوقف، سواء شرطه لنفسه أو للموقوف عليه أو لغيرهما؛ إما بالتعيين كفلان، أو بالوصف كالأرشد أو الأعلم أو الأكبر" (٣). وسُئل هلال: أرأيت إذا قال: على أنّ ولايتها إلى أبي عبد الله ما أقام بالبصرة؟ قال: هو على ما قال، والولاية إليه ما كان مقيمًا (٤). ٣ - اشتراط تعدد النظار: اتفق الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على جواز أن يشترط الواقف كون الناظر واحدًا، أو متعددًا، وعلى أنه إذا اشترط الواقف أن يكون تعدد

стр. 617

التصرف في الوقف باتفاق النظّار؛ صح هذا الشرط ووجب اتباعه، ولا ينفذ تصرف أحدهم عنده اتباعا لشرط الواقف (١). وتتعلق بتعدد النُّظَّار مسائل: المسألة الأولى: اختلف الفقهاء في ما إذا أسند النظر إلى شخصين دون بيان لكيفية نفوذ تصرفهما على قولين: القول الأول: ذهب أبو حنيفة، والشافعية والحنابلة إلى أنه لا يصح تصرف أحدهما مستقلا عن الآخر، لأن الواقف لم يرض برأي أحدهما (٢). القول الثاني: ذهب أبو يوسف (من الحنفية) إلى جواز أن ينفرد كل من الناظرين بالتصرف، جاء في الإسعاف: لو جعل الواقف ولاية الوقف إلى رجلين فإنه يجوز انفرادهما بالتصرف عنده؛ أي عند أبي يوسف (٣). ومن صور التعدد ما يأتي: أ - قال الحنفية: لو جَعل الواقف النظر لرجل، ثم جعل رجلًا آخر وصيًّا؛ كانا ناظرين، ويكون الوصي شريكًا للمتولي في أمر الوقف، إلّا أن يخصص بأن يقول: وقفت أرضي على كذا، وجعلت ولايتها لفلان، وجعلت فلانًا وصيي في تركاتي وجميع أموري، فحينئذ ينفرد كل منهما بما فوّض إليه (٤)، وقد علق عليه

стр. 618

ابن عابدين الحنفي بقوله: "ولعل وجهه أن تخصيص كل منهما بشيء في مجلس واحد قرينة على عدم المشاركة" (١). ب - ولو وجد كتابان لوقف واحد في كل كتاب اسم متول، وتأريخ الثاني متأخر، فإنهما يشتركان (٢). المسألة الثانية: لو أسند الواقف النظارة لغيره بأفعل التفضيل؛ كأفضل أولاده أو أرشدهم، وتحقق الوصف في أكثر من واحد؛ فذهب الحنفية إلى أنهم لا يشتركون في النظارة، وإنما تكون النظارة لأكبرهم سنًّا (٣). ومما ذكره الشافعية في هذا الباب من صور التعدد: أنه لو أن الواقف شرط أن يكون الناظر هو الأرشد من أولاده، فالأرشد، فأثبت كل منهم أنه الأرشد، فإنهم يشتركون في النظر، ولا يستقل أحدهم بالتصرف، لأن الأرشدية قد سقطت بتعارض البينات، وبقي أصل الرشد، وإن وُجدت الأرشدية في بعض منهم اختص بالنظر (٤). وبهذا أفتى شيخ الإسلام الملا أبو السعود من الحنفية (٥). المسألة الثالثة: إذا أوصى الواقف بالنظارة لاثنين؛ فقبل أحدهما وردّ الآخر أو مات؛ فهل يضم القاضي آخر بدله أو لا؟ للفقهاء في هذا قولان: القول الأول: للشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، وهو أن القاضي يضم آخر إلى مَن قبل؛ لأن الواقف لم يرض إلا باثنين.

стр. 619

القول الثاني: للحنفية، وهو أن القاضي مخير بين أن يضم إلى من قبل آخر، وبين أن يفوِّض للقابل بمفرده (١)، وكذا لو قال الواقف: أرضي صدقة موقوفة، على أن ولايتها إلى ولدي، وفيهم الصغير والكبير؛ فإن القاضي مخير بين أن يدخل مكان الصغير رجلًا، وبين أن يقيم الكبار مقامه (٢). ٤ - اشتراط الواقف تفويض النظارة للناظر: إذا أُعطي الناظر حق تفويض النظارة؛ جاز له أن يفوّضها لمن شاء ممن تتوفر فيه شروط الناظر، وهذا محل اتفاق بين الفقهاء (٣). قال الحنفية: إن ولاه النظارة وأقامه مقام نفسه، وجعل له أن يسنده ويوصي به إلى من شاء؛ ففي هذه الصورة يجوز التفويض منه في حال الحياة وفي حال المرض المتصل بالموت (٤). ٥ - شرط الواقف في تحديد ناظر الوقف: إذا اشترط الواقف أن تكون ولاية الوقف لنفسه في حال حياته، أو لورثته، أو لغيره سواء كان ذكرًا أم أنثى واحدًا أو أكثر، وسواء كان اكتفى بتحديد الناظر الأول فقط، أو أكثر متتابعًا اتبع شرطه (٥)؛ فقد كان عمر يلي أوقافه، ثم جعلها إلى بنته حفصة ﵄ ما عاشت، ثم يليها أولوا الرأي من أهلها (٦).

стр. 620

٦ - التزام الناظر بشروط الواقف، ومدى جواز الخروج عنها ؟ الأصل هو أن يلتزم الناظر برعاية الواقف، والالتزام بالشروط التي حددها الواقف، ولكنه يجوز له مخالفة شروط الواقف في بعض حالات، نذكرها عند الحديث عن مخالفة شروطه. ويمكن ضبط هذه المسائل وغيرها بأمرين أساسيين؛ هما: (١) أن يرجع إلى القاضي في اعتماد المخالفة إلا إذا ترتب على التزام الناظر بشرط الواقف ضرر عاجل بالوقف، وبالتالي يجوز له مخالفته بما يحقق المصلحة للوقف. (٢) أن لا يقوم بالمخالفة إلا بعد رفع الأمر إلى القضاء وإصدار قرار بذلك (١). التقسيم الرابع للشروط: باعتبار وجوب تنفيذها أو منع تنفيذها، أو جوازه: أ) تقسيم الشروط: تقسم الشروط بهذه الحيثية إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: الشروط التي يجب تنفيذها، وهي الشروط الصحيحة التي لا تتعارض مع مقتضى الوقف ولا تخالف الشرع، وأمثلتها كثيرة، فيجب على الناظر تنفيذها، ويجب على القاضي الحكم بها إذا رفعت إليه، وهي المقصودة بقول الفقهاء: شرط الواقف كنص الشارع؛ أي في وجوب العمل بها. النوع الثاني: الشروط الممنوعة - أي التي لا تنفذ - وهي الشروط الآتية: ١. الشروط التي تخالف الشرع؛ كاشتراط ما فيه معصية (٢). ٢. الشرط الذي يضر بمصلحة الوقف وبقائه، مثل أن يشترط عدم تعمير الوقف أبدًا (٣).

стр. 621

٣. الشرط الذي يضر بمصلحة الموقوف عليه وحقوقه، مثل أن يشترط استئجار العين الموقوفة بمبلغ محدد مطلقًا، حيث يلغو هذا الشرط، وتؤجر بأجر المثل (١). ٤. الشرط الذي يخالف مقتضى الوقف؛ قال ابن قدامة" وإن شرط أن يبيعه متى شاء، أو يهبه، أو يرجع فيه؛ لم يصح الشرط ولا الوقف، لا نعلم فيه خلافًا؛ لأنه ينافي مقتضى الوقف (٢). ب) ضوابط اللزوم لشروط الواقف الصحيحة (٣): إن الفقهاء قد وضعوا ضوابط للزوم الشروط الصحيحة للواقف؛ وهي: ١ - أن تكون هذه الشروط مذكورة عند العقد ومكتوبة في صكٍّ الوقف، أو مثبتة بالبينة، وذلك لأنه إذا انعقد الوقف بدون ذكر هذه الشروط سقط حق الواقف في التغيير والتبديل وفي بقية الشروط عند جماهير الفقهاء ما عدا الحنفية الذي استثنوا حقَّ الواقف في تبديل الناظر، باعتباره وكيلًا، فيكون من حق الموكل الواقف عزل وكيله وإن لم يشترطه. ٢ - إن هذه الشروط العشرة ونحوها إذا أثبتها الواقف لنفسه لا يتعدى إلى غيره، فلا يجوز للناظر أن يحتج بذلك؛ لأنه حق خاص به، بل لا يرثه ورثته إلّا إذا نص على ذلك. ٣ - أن هذه الشروط إنما تثبت للناظر إذا اشترطها له وحده، أو مع الواقف، أما إذا لم يشترطه له فلا يحق له ذلك. ٤ - إن هذه الشروط من التبديل والتغيير، ونحوها تثبت للواقف، ولمن اشترط له مرة واحدة إلّا إذا اشترط الواقف التكرار.

стр. 622

٥ - إن هذه الشروط قابلة للإسقاط عند الجمهور حيث يحق للواقف إسقاطها، بأن يقول: أسقطت حقي من جميعها، أو من بعضها، ولكن بعض الفقهاء يرون أنها غير قابلة للإسقاط قياسًا على الملكية، ولذلك لا يسقط حق الاستحقاق في الوقف بالإسقاط. ولكن الراجح هو رأي الجمهور؛ لأن قياسها على الملكية قياس مع الفارق؛ لأن حق الواقف في التبديل ونحوه حق مجرد؛ مثل حق الرهن وحق الشفعة، حيث يسقط بإسقاط من له الحق. ج) مخالفة الشروط الصحيحة: مع أن الأصل أن شرط الواقف واجب الاتباع عند الفقهاء؛ إلا أنه جاز عندهم مخالفته إذا اقتضته الضرورة أو المصلحة للوقف، قال ابن الهمام: "إن مخالفة شرط الواقف إلى خير منه جائزة" (١)، وبناء على ذلك ذكر الحنفية ثلاث عشرة مسألة نصوا فيها على مخالفة شرط الواقف، ذكر منها ابن نجيم سبعًا، وهي: الأولى: شرط أن القاضي لا يعزل الناظر فله عزل غير الأهل. الثانية: شرط أن لا يؤجر وقفه أكثر من سنة والناس لا يرغبون في استئجاره سنة أو كان في الزيادة نفع للفقراء؛ فللقاضي المخالفة دون الناظر. الثالثة: لو شرط أن يقرأ على قبره فالتعيين باطل، قال ابن عابدين: "أي على القول بكراهة القراءة على القبر، والمختار خلافه (٢). الرابعة: شرط أن يتصدق بفاضل الغلة على من يسأل في مسجد كذا كل يوم؛ لم يراع شرطه، وللقيم التصدق على سائل غير ذلك المسجد أو خارج المسجد أو على من لا يسأل.

стр. 623

الخامسة: لو شرط للمستحقين خبزا ولحما معينا كل يوم؛ فللقيم أن يدفع القيمة من النقد، وقيل: لهم طلب العين وأخذ القيمة؛ أي فالخيار لهم لا له، وذكر في الدر المنتقى أنه الراجح. السادسة: تجوز الزيادة من القاضي على معلوم الإمام (أي راتبه) إذا كان لا يكفيه وكان عالمًا تقنيًّا. السابعة: شرط الواقف عدم الاستبدال فللقاضي الاستبدال إذا كان أصلح (١). وزاد نجم الدين الطرسوسي الحنفي مسألة وهي: إذا نص الواقف على أن أحدًا لا يشارك الناظر في الكلام على هذا الوقف، ورأى القاضي أن يضم إليه مشارفًا؛ جاز له ذلك كالوصي (٢). وزاد البيري مسألتين هما (٣): الأولى: لو شرط أن لا يؤجر بأكثر من كذا وأجر المثل أكثر. الثانية: لو شرط أن لا يؤجر لصاحب جاه؛ فتجوز المخالفة إن آجره منه بأجرة معجلة، واعترض بأن السبب هو الخوف على رقبة الوقف، كما هو مشاهد من كثير من أصحاب الجاه والسلطة. قال ابن عابدين: وينبغي التفصيل بين الخوف على الأجرة والخوف على الوقف؛ ففي الأول يصح بتعجيل الأجرة (٤). وزاد الحصكفي في الدر المنتقى ثلاث مسائل:

стр. 624

الأولى: لو شرط الواقف استواء المستحقين من الإمام ونحوه بالعمارة عند الضيق؛ لم يُعتبر شرطه، وتقدم العمارة عليهم. وكذا لو شرط الواقف استواء أرباب الشعائر بغيرهم من المستحقين عند الضيق؛ يقدم أرباب الشعائر. الثانية: إن السلطان يجوز له مخالفة الشرط إذا كان غالب جهات الوقف قرى ومزارع؛ فيُعمل بأمره، وإن غاير شرط الواقف؛ لأن أصلها لبيت المال؛ فلم تكن وقفًا حقيقة؛ بل هي أرصاد أخرجها الإمام من بيت المال، وعيّنها لمن يستحق منه من العلماء ونحوهم. الثالثة: لو شرط عدم ناظر ومات، ونفذ في موته أو في حياته نصب القاضي قيمًا (١). د) مخالفة شروط الواقف في تعيين جهة خيرية واحدة لتشمل جهة خيرية أخرى: وهذا ما يعبر عنه بالقول: هل ذمة الوقف الخيرية واحدة أم ذمم متعددة؟ للجواب عن ذلك نقول: إن الواقف إما أنه قد حدد في صك وقفه، أو شروطه أن يكون لصالح شخص وذريته، أو نحو ذلك مما يسمى في الفقه الإسلامي بالوقف الأهلى، أو الذري، فهذا له طابعه الخاص وتكون إدارته في إطار الشخص الموقوف عليه، أو ذريته فيما بعد حسب تفصيل لا يهم موضوع البحث. وأما أن يكون الوقف على جهة خيرية مثل الوقف على المساجد، أو المدارس، أو الفقراء أو المساكين، أو الأرامل، أو اليتامى أو المدرسة خاصة، أو المؤسسة علمية خاصة بدراسة علم معين، أو ابتكار معين. وهذا النوع الثاني هو الذي نتحدث عنه، حيث يرد سؤال: هل هذه الجهات لو اجتمعت كلها أو بعضها تحت إشراف مؤسسة يكون لكل واحدة منها ذمة مستقلة وتعمل على أساس شخصيتها المستقلة، فلا يجوز التداخل بين حقوقها والتزاماتها

стр. 625

وبين حقوق والتزامات جهة أخرى؟ أم أنها ينظر إلى كلّ هذه الجهات كذمة واحدة، وحينئذٍ يحمل بعضها عن بعض؟ للجواب عن ذلك نقول: إن الأصل والمبدأ العام والقاعدة الأساسية هو الحفاظ على خصوصية كل وقف وكل جهة وإن كانت تحت إشراف إدارة واحدة، وذلك لضرورة مراعاة أن يكون ريع الوقف النفس الجهة التي وقف عليها الواقف، قال البهوتي: "ويتعين مصرف الوقف إلى الجهة المعينة" (١)، وكذلك الأمر في حالة الالتزامات، والتعمير والبناء وذلك من خلال ترتيب هذه الجهات كصناديق خاصة لها ذمتها المالية المستقلة بقدر الإمكان. هذا هو الأصل ما دام ذلك ممكنًا ولم يكن هناك ما يعارضه. ويشهد لهذا الأصل القائم على التفريق الأدلةُ المعتبرةُ على ضرورة الحفاظ على الوفاء بالعقود وشروط الواقف الموافقة للكتاب والسنة، أو التي تحقق الغرض المنشود من الوقف، قال القرافي: "ويجب اتباع شروط الوقف ... لأنه ماله، ولم يأذن في صرفه إلّا على وجه مخصوص، والأصل في الأموال العصمة" (٢). وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: أن المقصود إجراء الوقف على الشروط التي يقصدها الواقف، ولهذا قال الفقهاء: إن نصوصه كنصوص الشارع يعني في الفهم والدلالة فيفهم مقصود ذلك من وجوه متعددة كما يفهم مقصود الشارع (٣). ومع هذا الأصل العام فإن الذي يظهر راجحًا هو جواز التصرف في جميع الأموال المرصودة لجهة واحدة لصالحها ولو كانت متعددة؛ كالمساجد مثلًا؛ حيث لا بدّ أن ينظر إلى جميع موقوفات المساجد الواقعة تحت إدارة الوقف كذمة واحدة حسب المصلحة الراجحة، ولكن مع تقديم مصالح الموقوف عليه من وقفه الخاص به على

стр. 626

غيره، وإذا فضل، أو اقتضت المصلحة غير ذلك صرف منه إلى بقية الموقوف عليه من نفس الجهة وهكذا الأمر في الوقف على جهة الفقراء، أو المدارس، أو نحوها. ولكن يرد سؤال آخر وهو: هل يمكن أن ينظر إلى جهات الخير كلها كأنها جهة واحدة يصرف من ريعها على الجميع حسب أولوية المصالح؟ فقد أفتى فقهاء المالكية بذلك حيث جاء في نوازل العلمي: "الأحباس كلها - إذا كانت لله - بعضها من بعض، وذلك مقتضى فتوى أبي محمد العبدوسي"، كما نقل فتاوى بهذا الشأن للبرزلي وابن الماجشون وغيرهما (١)، وجاء فيهما أيضًا: "قال أصبغ، وابن الماجشون: إن ما يقصد به وجه الله يجوز أن ينتفع ببعضه من بعض، وروى أصبغ عن ابن القاسم مثل ذلك في مقبرة قد عفت فيبني قوم عليها مسجدًا: لم أرَ به بأسًا، قال: وكذلك ما كان لله فلا بأس أن يستعان ببعضه على بعض، وقد رأى بعض المتأخرين: أن هذا القول أرجح في النظر؛ لأن استنفاد الزائد في سبيل الخير أنفع للمحبس، وأنمى لأجره" (٢). وقال أبو محمد العبدوسي في الجواب عن جمع أحباس فاس: "يجوز جمعها، وجعلها نقطة واحدة وشيئًا واحدًا لا تعدد فيه، وأن تجمع مستفادات ذلك كله، ويقام منه ضروري كل مسجد من تلك المستفادات المجتمعة" (٣). وجاء في المعيار المعرب: "وسئل السيد أبو عبد الله القوري ﵀ عن إمام خطيب بالجامع الأعظم كان له ولمن قبله مدة طويلة مرتب من جزية اليهود، ثم اتفق في اليهود ما اتفق فانقطع المرتب بسبب ذلك، فهل يجري المرتب من وفر الأحباس الذي يفضل عن جميع مصالحه وقومته ومن تعلق به أم لا؟ فأجاب بما نصه: الجواب والله الموفق للصواب بمنه وفضله أن المسألة ذات خلاف في القديم والحديث، وأن

стр. 627

الذي به الفتيا إباحة ذلك وجوازه، وتسويغه وحليته لأخذه، وهذا مروي عن ابن القاسم، رواه عنه ابن حبيب عن أصبغ، وبه قال عبد الملك بن الماجشون وأصبغ، وأن ما قصد به وجه الله يجوز أن ينتفع ببعضه في بعض إن كانت لذلك الحبس غلة واسعة، ووفر بين كثير، يؤمن من احتياج الحبس إليه حالًا ومالًا وبالجواز أفتى ابن رشد برمّ مسجد من وفر مسجد غيره، ولهذا ذهب الأندلسيون خلاف مذهب القرويين، وبه قال ابن القاسم والأصح الجواز، وهو الأظهر في النظر والقياس، وذلك إن منعنا الحبس وحرمنا المحبس من الانتفاع الذي حبس من أجله، وعرضنا تلك الفضلات للضياع لأن إنفاق الأوفار في سبيل الخير كمسألتنا أنفع للمحبس، وأنمي لأجره وأكثر لثوابه" (١). هـ) ما هو لله لا بأس أن ينتفع به فيما هو لله: هذا كلام ابن سهل في نوازله، حيث جاء في المعيار: "وسئل ابن لب عن مسجد عليه أصول زيتون محبسة تؤخذ غلتها في كل عام، ويصرف منها في استصباح المسجد ما يحتاج إليه بطول العام، ويبقى منه فضل في كل عام، وأئمة المواضع ينتفعون بذلك الفضل في استصباح مساجدهم ومنافعهم الخاصة بهم، فهل يجوز ذلك لهم أو يكون الفضل للإمام بالمسجد المذكور وينتفع به لنفسه أو بموضع غير ذلك؟ فأجاب: يجوز للناظر في أصول الزيتون المحبسة المذكورة أن يصرف ما يفضل عن زيتها في مصالح المسجد ومنافعه ببيعه وصرف ثمنه في ذلك، وإن صرف لخدمة المسجد لأجل خدمتهم له فحسن للإمام والمؤذن وشبههما مما يحتاج المسجد إليه، وأما صرف الفاضل المساجد أخرى أو لأئمتها وخدمتها ففيها اختلاف في المذهب، فقد كان فقهاء قرطبة وقضاتها يبيحون صرف فوائد الأحباس بعضها في بعض، وفي نوازل ابن سهل ما هو لله لا بأس أن ينتفع به فيما هو لله (٢).

стр. 628

ونقل كلام شبيه بالسابق من حكم القاضي ابن سليم وهو: ما كان لله فلا بأس أن يوضع بعضه في بعض" (١). وأفتى بعض علماء الحنابلة بجواز عمارة وقف من ريع وقف آخر على جهته، قال ابن مفلح: "ويصرف ثمنه - أي الموقوف في حالة بيعه - في مثله" كذا في المحرر، والوجيز، والفروع، وزاد: "أو بعض مثله، قاله أحمد لأنه أقرب إلى غرض الواقف" ثم قال: "وظاهر الخرقي أنه لا يتعين المثل، واقتصر عليه في المغني، والشرح، إذ القصد النفع، لكن يتعين صرف المنفعة في المصلحة التي كانت الأولى أن تصرف إليها، لأن تغيير المصرف مع إمكان المحافظة عليه لا يجوز، وكذلك الفرس إذا لم يصلح للغزو بيع واشترى بثمنه ما يصلح للجهاد، وعنه رواية أخرى: يصرفه على الدواب الحبس، وما فضل من حصره وزيته جاز صرفه إلى مسجد آخر، والصدقة به على فقراء المسلمين ... واختاره الشيخ تقي الدين، وقال أيضًا: "وفي سائر المصالح، وبناء مساكن لمستحق ريعه القائم بمصلحته" (٢). فهذه الفتاوى لعلماء المذهبين تجيز النظر إلى جميع الجهات نظرة واحدة قائمة على ذمة واحدة حسب المصالح المعتبرة. والخلاصة في هذه المسألة هي ما يأتي: ١ - الأصل رعاية شروط الواقف في الصرف على الجهة المحددة، فلا يجوز تجاوزها إلّا لمصالح راجحة مع بقاء الأولوية لشرطه. ٢ - ثم إن الأصل بعد ذلك هو النظر إلى الجهة الواحدة، فالمساجد كلها جهة واحدة وبالتالي يجوز صرف ريع وقف مسجد على مسجد آخر. ٣ - إن الجهات الخيرية يجوز النظر إليها واعتمادها ذمةً واحدة إذا كانت تحت إشراف إدارة واحدة كهيئة الأوقاف في عصرنا الحاضر، وفاض ريع

стр. 629

جهة، وحينئذ يصرف في جهة أخرى، أو اقتضت ضرورة، أو حاجة ملحة لصرفها في تلك الجهة، مثل تقديم الجهاد على حق الفقراء في دائرة الحاجيات والتحسينات، ونذكر لهذا بعض الأمثلة التي وجدنا فيها فتاوي فقهائنا السابقين: و) جواز شراء دار للإمام من وفر الوقف: جاء في المعيار: "وسئل عن مسجد له حبس معين للبناء، وحبس معين للحُصُر، وحبس معين للزيت، وحبس معين للشمع لقراءة الحديث، وتوفر من ذلك جملة دراهم بطول السنين، وإمام المسجد المذكور يسكن بالكراء، فهل يجوز أن يشتري بتلك الدراهم التي توفرت من فوائد تلك الأحباس دار وتكون حبسًا يسكنها الإمام من غير أن يؤدي كراها أم لا يسكنها إلّا بالكراء؟ فأجاب: إذا كانت مصارف الأحباس المذكورة في السؤال مقامة على ما يجب، فجائز للإمام أن يسكن الدار المشتراة من وفرتها من غير كراء (١). وذكر الونشريسي أن بعض علماء المالكية أفتوا بجواز نقل أنقاض المسجد الخرب إلى مسجد عامر (٢) وجواز نقل حبس مسجد لا ترجي عمارته إلى غيره (٣). ز) جواز المسالفة بين المساجد: جاء في المعيار: أن صرف غلات الأحباس بعضها في بعض يجوز على وجه المسالفة بشرط أن يكون المسلف منه غنيًا لا يحتاج إلى ما أسلف منه لا حالًا، ولا استقبالًا، أو يحتاج في المستقبل بعد رد السلف وأن يكون المسلف إليه غنيًّا بما أسلف، وفي ذلك خلاف، والذي مضى به العمل جواز السلف (٤).

стр. 630

المبحث الرابع العبرة في شروط الواقف والقواعد الأصولية لتفسير ألفاظ الواقف أولًا: هل العبرة في شروط الواقف بالألفاظ أو بالمقصود ؟ هل لفظ الواقف يجب اتباع دلالته الظاهرة المأخوذة من ظاهر اللفظ ومبناه دون النظر إلى قصوده وإرادته الباطنة التي قد يمكن الكشف عنها من خلال القرائن والملابسات التي تحيط بالوقف نفسه؟ وإذا كان الفقهاء قد اختلفوا في باب العقود حيث إن منهم من رجح الاعتماد على ظاهر اللفظ ومبناه دون الخروج عن محتواه، ومنهم من رجح المقاصد والبواعث (١). وهذا الخلاف السابق وارد في ألفاظ الواقف يستعاض عنه بالقول المستقرة: أن ألفاظ الواقف وشروطه إن كانت من المشترك، أو المجاز أو الكناية التي ليست نصًا في المعنى؛ فإن القرائن القولية والحالية والملابسات المحيطة بالموضوع لها دور كبير في تحديد مقصود الواقف، إضافة إلى أن للنيات هنا دورًا عظيمًا جدًّا في تحديد مراده. وإن كانت نصًا، أو ظاهرًا فيفسر حسب الظاهر إلّا إذا وجد مقتضى قوي يصرفه عن ذلك، فيقول العز بن عبد السلام أن: اللفظ محمول على ما يدل عليه ظاهره في اللغة أو عرف الشرع أو عرف الاستعمال، ولا يحمل على الاحتمال الخفي ما لم يقصد أو يقترن به دليل (٢).

стр. 631

وهنا يرد السؤال حول دور القصد والنية، والفقهاء ليسوا على سنن واحد في الإجابة عن هذا السؤال كما سبق (١). فهناك من يرى أن للقصد دور مقبول في هذا النطاق أيضًا، فيقول الحافظ ابن رجب: "النية تعمم الخاص، وتخصص العام بغير خلاف، وهل تقيد المطلق أو تكون استشاءً من النص؟ على وجهين فيهما .... (٢)، وقد عبّر القفال الشاشي عن ذلك فقال: ولا بد من النظر إلى مقاصد الواقفين، وكل أحد يجزم بان غرضه توفير الريع على جهة الوقف، وقد تحدث على تعاور الأزمان مصالح لم تظهر في الزمن الماضي، وتظهر الغبطة في شيء يقطع بأن الواقف لو اطلع عليه لم يعدل عنه، فينبغي للناظر أو الحاكم فعله" (٣)، وهذا يدل على أن على الناظر التروي وبُعد النظر، وعدم الاستعجال. ومما يتعلق بالموضوع ما جاء في المعيار عبارة جميلة واضحة في هذا الصدد، عند حديثه عن أن الواقف إذا قصر الحبس على الانتفاع لا يجوز فيه الكراء، فقال: " ... إلّا على رأي من يلغي اللفظ ويعتبر القصد كما وقع للقابسي: فيمن حبس كتبًا واشترط أن لا يعطي منها إلا كتاب واحد، قال: فإن احتاج طالب لكتابين منها وكان مأمونًا أعطى، وإنما يمنع من ذلك غير المأمون، وعليه يتخرج إخراج الكتب من خزائنها لمن ينتفع بها في منزله، ونحوه ما وقع للخمي في مسألة المدونة: وهي امرأة حبست على ابنة ابنتها دنانير على أن تنفق منها إذا أرادت الحج أو نفست، فذلك نافذ فيما شرطت، وليس للابنة أن تتعجلها، فقال اللخمي: "لو نزلت شدة حتى خيف عليها لأنفق عليها منها، لأنه قد جاء أمر يعلم أن الجدة أرغب فيه من الأول ... قال أبو عمران في اعتبار لفظ التحبيس: الناس عند شروطهم في أموالهم، وفيما أعطوا، وقال: يعمل ما يفهم عن المحبس، فالمفهوم من حاله كالمفهوم من مقاله" (٤).

стр. 632

وقد أوضح الونشريسي ذلك أكثر فقال: "ما كان من دلالة اللفظ باقتضاء أو تضمن أو التزام ولو كان اللزوم خارجيًّا لم يخرج عن دلالة اللفظ، فإن ما دل اللفظ عليه يوجب ما هو منسوب إليه، وأما من يعتبر المقصد فإنه لا يلتفت إلى اللفظ، وإنما ينظر إلى المعنى المقصود فيحكم طردًا وعكسًا، ويلغى اللفظ فلا يعتبره" (١). ثانيًا: من يفسر ويرجح القصد على اللفظ: بما أن ترجيح المقصد غير داخل في ظاهر اللفظ وأنه أمر اعتباري ونظري ومصلحي فإن هذا الحق لا يمنح للموقوف عليه، وإنما من حق الإمام، أو القاضي، أو من ينيبه للنظر في الأحباس (٢). وهذا هو رأي الفقيه أبي عبد الله السنوسي حيث قال: "لا شك أن ما نص عليه المحبس في وثيقة التحبيس إن عرف وجب اتباعه أما إذا لم يعرف فإنه يجب أن يصار في أمر ذلك إلى مقتضى العرف زمن التحبيس، إذ الغالب أنه مقصد المحبس فيجب الحمل عليه لرجحانه على مقابله، والعمل بالراجح متعين، وقد نقل أهل الأصول في ذلك الإجماع والقرار إلى الأعراف عند الإجمال مشهور" (٣). للواقف الحيّ تفسير ألفاظه: إذا وجد في صك الوقف لفظ يحتاج إلى تفسير، أو بيان المقصود منه فإن للواقف الحق في ذلك بشرط أن لا يكون تفسيره مخالفًا للصريح، يقول الحطاب: "إذا كان حيًّا وفسر اللفظ بأحد احتمالاته قبل تفسيره، ولو كان على خلاف الظاهر، ولا يقبل قوله في الصريح، إن ادعى أنه أراد به خلاف معناه" (٤)، وهذا أيضًا نصّ عليه ابن حزم فقال: "ومن حبّسَ داره أو أرضه، ولم يُسبل على أحد، فله أن يُسبل الغُلّة ما دام حيًا على من شاء" (٥).

стр. 633

المبحث الخامس إثبات شروط الواقفين تثبت شروط الواقفين بجميع وسائل الاثبات المعروفة في الفقه الإسلامي بالبينات، من الإقرار والشهادة، وكتاب الوقف وصكه، وبالقرائن القوية (١). وتثبت شروط الواقف بالتقادم، والتعامل. ومن المعلوم أن من التعامل العرف (٢)، لكن معناه الخاص هو "توارد العمل على أمر واحد في الوقف من ثلاثة قوّام عليه متعاقدين"، وقد قال الأستاذ الزرقا: "وقد استقر لدينا اجتهاد المحاكم الشرعية، ومحكمة التمييز على أن النصاب في التعامل إنما هو عمل ثلاثة قوّام متعاقبين؛ فلا يثبت بعمل متولٍّ واحد أو اثنين (٣). مثال ذلك لو قام ثلاثة من المتولين المتعاقبين بإسكان أمام المسجد دارًا معينة من دور الوقف مجانًا علاوة على راتبه، فهذا يعتبر شرطًا، أو بمثابة شرط لجعل هذه الدار الإمام المسجد مثلًا، لكن التعامل لا يعارض به المنصوص من شروط الواقف (٤) ولذلك يكون من شروط اعتباره: أن لا تكون هناك شروط ثابتة تخالفه، وأن يكون القوّام المتولون قد تمت توليتهم تولية صحيحة شرعًا، وأن يتم ذلك بالتوالي. أ) اشتراط تأقيت الوقف: المقصود بهذه الجزئية أن يشترط الواقف في وقفه زمنًا محددًا كأن يقول: وقفت داري على أن يكون وقفها لمدة عشر سنوات - مثلًا - فهل يصحّ هذا الشرط، وينعقد الوقف لمدة معينة تطول أو تقصر - ثم ينقضي بعدها؟ هذه المسألة محل خلاف بين الفقهاء؛ وهذا تفصيل نزاعهم: القول الأول: تأقيت الوقف بالشرط ونحوه جائز.

стр. 634

وهو المعتمد من مذهب المالكية (١)، وهو وجه عند الحنابلة (٢)، حيث قالوا: والوقف المؤقت يُتصور في وقف الأعيان مدة من الزمن، أو لتحقيق غاية وقتية ينحلّ الوقف بعدها، كما يتصور في وقف منافع أعيان الأموال، ومنافع الإنسان؛ سواء كان مستأجرًا للقيام بها، أو كان عم يؤديه الواقف لها (٣). أدلة هذا القول (٤): ذكر القائلون بجواز تأقيت الوقف جملة من الحجج العقلية ونحوها؛ تسند ما ذهبوا إليه، ومن ذلك: أن هذا النوع من الوقف يحقق زيادة عدد الواقفين؛ مما يستتبع زيادة عدد المنتفعين بالوقف، وتلك مصلحة معتبرة في عموم الشريعة. - أن الوقف عبارة عن تمليك منافع الموقوف إلى الموقوف عليهم، وقد جاز وقف المنافع مؤبدا؛ فيجوز مؤقتا بالأولى (٥) وذلك لأن هذا الغرض يتحقق لهم بالتأقيت أيضًا. - الوقف صدقة لم يرد عن الشارع ما يمنع من تأقيتها؛ إذ الذي ورد عنه هو منع التصرف فيها بعوض أو بغيره مدة وقفها، وحظر تأقيت الوقف إنما يكون بنصّ يحرمه، فلما لم يرد نص يدلّ بمنطوقه ولا مفهومه على هذا الحظر، كان باقيًا على أصل المشروعية (٦).

стр. 635

- القول بجواز التأقيت؛ يساهم في تحقيق مبدأ التكافل الاجتماعي الذي هو من مبادئ الشريعة الإسلامية؛ فكلما كثُر الواقفون وإن بشرط التأقيت؛ كثُر المشمولون بخير هذه الأوقاف. - الوقف المؤقت يحقق الكفاية والوفرة بالنسبة لبعض ضرورات الحياة وحاجياتها لقطاع كبير من أفراد المجتمع. - الوقف المؤقت يخفف العبء عن كاهل الدولة التي تطالب دائما بالوفاء بحاجات المجتمع الضرورية والحاجية، ويعمل على توفيرِ كثير من بنود ميزانيتها لتوجَّه إلى أغراض يتحقق بها صلاح المجتمع والأمة. - الوقف المؤقت يعمق روح الانتماء والترابط والتآزر بين أفراد المجتمع؛ بما يُفيضهن من خير ومنافع تشمل عددا كثيرا من الأفراد. - في القول بجواز الوقف المؤقت؛ توسعة على الناس في عمل الخير، وبسبب التضييق فيه؛ انصرف عنه كثير من الناس؛ لأن النفوس بطبيعتها مجبولة على التعلق بممتلكاتها، فإذا علمت أن شيئًا من ذلك سينتفع به الناس مدة ثم يرجع إلى حيّز الملكية، فإنها تنشط أكثر، في حين أنها لو علمت بخروجه كليةً من العهدة، وارتفاع اليد أبدًا عن ملكيته لأحجمت عنه إلا ما رحم ربي؛ وهذا بالطبع في غير المساجد؛ فلا ينبغي أن يقال بجواز تأقيت وقفيتها، لأنها قائمة على التأبيد. ويستنبط من اشتراط الخليفة عمر ﵁: "أن لا يباع أصلها، ولا يوهب ... " (١). القول الثاني: الوقف لا يكون إلا مؤبدا، ولا يجوز اشتراط تأقيته. وهو مذهب جمهور الحنفية (٢)، وبعض المالكية (٣)، وهو المشهور من مذهب الشافعية
следующие страницы →