← Фикх общий

Фикх общий · id 308

مدونة أحكام الوقف الفقهية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وعن ابن عمر قال: أصاب عمر أرضًا بخيبر، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضًا بخيبر، والله ما أصبت مالًا قط هو أنفس عندي منها، فما تأمرني؟ قال: "إن شئت تصدَّقت بها وحبَّست أصلها"؛ فجعلها عمر أن لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، وتصدق بها على الفقراء والمساكين وابن السبيل وفي سبيل الله والرقاب، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متموِّل فيه، ثم أوصى به إلى حفصة بنت عمر ﵄، ثم إلى الأكابر من آل عمر (١). وجه الدلالة: دلَّ الحديث على أن للواقف أن بيشترط في وقفه ما شاء إذا أخرجه من يده إلى متولى النظر فيه، وكل ما كان نظير الأرض التي حبسها عمر مما يحدُّ بوصف ويوصف بصفة، وله منافع تُدرك بالعمارة والإصلاح؛ ففي حكمها في جواز تحبيسه (٢). ٢ - عمل الصحابة: قال الشافعي: أخبرني واحد من آل عمر وآل علي أن عمر ولي صدقته حتى مات، وجعلها بعده إلى حفصة، وإن عليًّا ولي صدقته حتى مات، ووليها بعده حسن بن علي، وإن فاطمة بنت رسول الله ﷺ : وليت صدقتها حتى ماتت، وبلغني واحد من الأنصار أنه ولي صدقته حتى مات، وقال في القديم: ولي الزبير صدقته حتى قبضه الله، وولي عمرو بن العاص صدقته حتى قبضه الله، وولي المسور بن مخرمة صدقته حتى قبضه الله (٣).

стр. 772

علَّق الإمام الشافعي والإمام ابن القيم على فعل الصحابة؛ فقال الشافعي: "إنا أجزناها اتباعًا لمن كان قبلنا؛ مثل عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄. . وغيرهما، وهم ولوا صدقاتهم حتى ماتوا، فلا يجوز أن نخالفهم في أن لا نجيزها إلا مقبوضة، وهم قد أجازوها غير مقبوضة بالكلام بها، فتوافقهم في إجازتها" (١)، وقال ابن القيم من الحنابلة: "وهو اتفاق من الصحابة؛ فإن عمر ﵁ كان يلي صدقته، وكذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة" (٢). ٣ - المعقول: وبيانه من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن الوقف متلقىً من جهته؛ فاتُّبع شرطه ونصُّه؛ لأن شرط الواقف كنصِّ الشارع (٣) (٤)، ثم إن المتولي إنما يستفيد الولاية من جهته بشرطه، فيستحيل أن لا يكون

стр. 773

للواقف ولاية وغيره يستفيد الولاية منه (١)، والواقف هو المتقرب بالصدقة؛ فيُتَّبع شرطه، كما يُتَّبع في مصارفها وغيرها (٢)، كما أن الواقف أقرب الناس إلى الوقف، فكان أولى بولايته، فهو أحقُّ من القاضي؛ لأنه وإن زال الملك فهو على وجه تعود منفعته للواقف، يصرفه إلى الجهات التي عيَّنها، وهو أنصح لنفسه من غيره، فينتصب وليًا (٣). وقال ابن القيم: "وأي غرض للشارع في ذلك (أي في عدم تولية الواقف)، وأي مصلحة للواقف أو الموقوف عليه، بل المصلحة خلاف ذلك؛ لأنه أَخْبرُ بماله، وأقْومُ بعمارته ومصالحه، وحفظه من الغريب الذي ليست خبرته وشفقته كخبرة صاحبه وشفقته، ويكفي في صحة الوقف إخراجه عن ملكه، وثبوت نظره ويده عليه كثبوت نظر الأجنبي ويده، ولا سيَّما إن كان متبرعًا، فأي مصلحة في أن يُقال له: لا يصح وقفك حتى تجعله في يد من لست على ثقة من حفظه والقيام بمصالحه وإخراج نظرك عنه؟! " (٤). الوجه الثاني: أن الواقف أَوْلى من غيره بالولاية والتصرُّف جزاء لإحسانه (٥)، ومكافأة على برِّه، كما جعل الولي للمعتق (٦).

стр. 774

الوجه الثالث: أن عموم أدلة لزوم الوفاء بالشرط يقتضي العمل بها هنا، وعموم ما دلَّ على أن الوقوف على حسب ما أوقفها أهلها، فقد روى محمد بن الحسن بن الصفار أنه كتب إلى أبي محمد الحسن بن علي في الوقف وما روي فيه عن آبائه، فوقَّع: "الوقوف تكون على حسب ما يوقفها أهلها إن شاء الله" (١)، وأيضًا مما يدل على ذلك المسيرة الخارجية الممضاة، فإن السيرة جارية على جعل الولاية للواقف على العين الموقوفة (٢). أدلة أصحاب القول الثاني: أن الواقف إذا اشترط النظارة لنفسه وكان الوقف على غير صغار ولده أو من في حجره؛ فالشرط باطل، ويلزم الواقف إقباض الوقف للموقوف عليه، فإن امتنع من ذلك أجبر عليه، فإن لم يقبض عنه ولا خرج عن يده حتى مات؛ فالوقف باطل، ويكون موروثًا عنه. المعقول وبيانه من وجهين: الوجه الأول: أن الحيازة من شرط تمام الوقف؛ لأنه لو أجيز دون حيازة؛ لكان ذلك ذريعة إلى أن ينتفع الإنسان بماله طول حياته، ثم يخرجه عن ورثته بعد وفاته، وذلك ممنوع؛ لأن الله تعالى فرض فرائض لأهلها، وتوعَّد على تعديها، حيث قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٣). الثاني: الوقف دون حيازة يؤدي إلى الشقاق والاختلاف عند وفاة الواقف، قال الحطَّاب: "سُئلت عن رجل أوقف وقفًا وشرط النظر لنفسيه مدة حياته، وحكم بصحة الوقف قاضٍ مالكي، فانتقل القاضي المذكور والواقف بالوفاة بعد مدَّة، فدعت زوجة الواقف أولاده إلى قاضٍ مالكي آخر في ميراثها من الأرض الموقوفة، فأظهروا كتاب الوقف، فأبطله وحكم لها بإرثها" (٤).

стр. 775

ثانيًا: حصر النظارة على معيَّن: اتفق الفقهاء من الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) على ثبوت حقِّ الواقف في اشتراط الناظر لوقفه؛ سواء شرطه للقاضي أو للموقوف عليه أو لغيرهما، إما بالتعيين كـ "فلان"، أو بالوصف كـ "الأرشد" أو "الأعلم" أو "الأكبر" أو من هو بصفة كذا، أو أن يقول: الناظر "فلان"، فإن مات ففلان"، فمن وُجد فيه الشرط ثبت له النظر، عملًا بالشرط. وإلى هذا أيضًا ذهب الزيدية، حيث نصوا على أن ولاية الوقف إلى الواقف، ثم إلى منصوبه بعد موته؛ سواء كان وصيًا على الوقف وغيره، أو وليًا للواقف في الوقف فقط (٥). وكذا الإمامية، حيث نصوا على أنه: "يحق للواقف أن يحدد الولاية على العين الموقوفة بالنحو والزمان والصفة التي يريدها، فله أن يقتصر على ولي واحد له الاستقلالية بالتصرف، كما له أن يُشرك معه غيره، واحدًا أو أكثر، إما بالتنفيذ وإما بالنظارة، وما إلى ذلك من الكيفيات التي تختلف باختلاف الحالات والأشخاص" (٦).

стр. 776

وكذا الإباضية، حيث قالوا: "وأما الوقف للمساجد والمساكين وابن السبيل؛ فيكون أمر ذلك إلى الحاكم دون الأوصياء، إلا أن يكون الموصي جعل ذلك في أيدي الأوصياء (١). الأدلة: استدل الفقهاء على اتفاقهم بالسنة النبوية، وفعل الصحابة] والمعقول: ١ - السنة: عَنْ نَافعٍ عَن ابن عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَالَ: أصَبْتُ أرضًا بخَيْبَرَ، فقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ أرضًا مَا أَصَبْتُ مالًا قَطُّ هُوَ أنْفَسُ عِنْدِي مِنْه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنْ شِئْتَ تَصَدَّقْتَ بها وَحَبَسْتَ أصْلَها"، قالَ فَجَعَلهَا عُمَرُ لا تُبَاعُ ولا تُوهَبُ ولا تُورَث، وتَصَدَّقَ بها في الْفُقَراءِ، وَالمسَاكِين وابْنِ السَّبِيلِ وَالْغُزَاةِ في سَبيلِ اللَّهِ وَفِي الرِّقَابِ والضَّيْفِ، لا جُناحَ علَى مَن ولِيَها أنْ يَأْكُلَ مِنْها ويُطْعِمَ صَدِيقًا غيرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ مالًّا، وَأَوْصَى بِهَا إِلَى حَفْصَةَ ﵂، ثُمَّ إِلى الأَكَابِرِ مِنْ آلِ عُمُرُ" (٢). وجه الدلالة: دلَّ الحديث بظاهرة على أن للواقف أن يعيِّن وليًّا على الوقف، وهو فعل الصحابة رضوان عليهم أجمعين (٣).

стр. 777

٢ - فعل الصحابة ﵁ -: - قال الشافعي: أخبرني واحد من آل عمر وآل علي: أن عمر ﵁ ولي صدقته حتى مات، وجعلها بعده إلى حفصة، وأن عليًّا ولي صدقته حتى مات، ووليها بعده حسن بن علي، وأن فاطمة بنت رسول الله ﷺ وليت صدقتها حتى ماتت (١). علَّق الإمام الشافعي في "الأم" على فعل الصحابة؛ فذكر أن هذا ما جرى عليه عمل الصحابة ﵁؛ وأنهم كانوا يشترطون بعدهم نُظَّارًا على أوقافهم، ولم ينكره أحد منهم، بل ورث هذا الأمر خلف عن سلف، وقال الشافعي: "لقد حكى لي عدد كثير من أولادهم وأهليهم أنهم لم يزالوا يلون صدقاتهم حتى ماتوا، ينقل ذلك العامة منهم عن العامة، لا يختلفون فيه" (٢). - فعل فاطمة الزهراء سيدة نساء أهل الجنة ﵂، فقد شرطت النظر في حوائطها السبعة التي وقفتها لأمير المؤمنين، ثم للحسن، ثم للحسين، ثم للأكبر من ولدها (٣). ٣ - المعقول: وهو من وجهين: الوجه الأول: قالوا: إن مصرف الوقف يتَّبع فيه شرط الواقف، فكذلك الناظر فيه (٤)، وقد روى الترمذي عن عَمْرِو بن عَوْفِ الْمَزَنِيُّ: أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شرطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا" (٥).

стр. 778

الوجه الثاني: قالوا: إن الناظر المشروط ولايته ولاية خاصة، والقاضي ولايته ولاية عامة، فولاية المتولي على الوقف أولى من ولاية القاضي؛ أخذًا من القاعدة المشهورة: "الولاية الخاصَّة أقوى من الولاية العامَّة"، ومما تفرَّع على هذه القاعدة: إن القاضي لا يملك التصرُّف في الوقف مع وجود متولٍّ عليه، ولو من قِبله (١). مسائل في: استخلاف الناظر عند موته وفقده: - إذا عيَّن الواقف ناظرًا على وقفه، ثم مات هذا الناظر، ولم يكن قد أوصى لأحد بعده؛ فلا يخرج الأمر غالبًا عن أربعة أحوال: الحال الأول: أن يكون الواقف حيًّا عند موت الناظر، وقد شرط ولاية النصب لنفسه حال الوقف: فإذا كان الواقف حيًّا عند موت الناظر، وقد شرط ولاية النصب لنفسه حال الوقف؛ فالأمر فيه إلى الواقف، يقيم فيه من أحبَّ، وهذا هو قول الفقهاء من الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وكذا الإمامية (٦).

стр. 779

أدلتهم: الأثر والمعقول: ١ - الأثر، عن يحيى بن سعيد عن صدفة عمر بن الخطاب ﵁ أن عمر ﵁ كتب كتابًا: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين، إن حدث به حدث أن ثمغًا، وصرمة بن الأكوع، والعبد الذي فيه، والمائة سهم التي بخيبر، ورقيقه الذي فيه، والمائة التي أطعمه محمد ﷺ بالوادي. . تليه حفصة ما عاشت، ثم يليه ذو الرأي من أهلها، أن لا يباع ولا يشترى، ينفقه حيث رأى من السائل والمحروم، وذوي القربى، ولا حرج على من وليه، إن أكل أو آكل، أو اشترى رقيقًا منه" (١). وجه الدلالة: دلَّ الحديث على أن للواقف حقَّ تعيين واستخلاف ولي، وذلك عند وجود مانع يمنع الولي من إدارة الوقف؛ كالموت (٢). ٢ - المعقول: قالوا إن الواقف نصب الولي ليكون ناظرًا له، محصِّلًا لمقصوده، وقد يعجز عن ذلك بموته؛ فيكون هذا إذا له في الاستعانة بغيره بعد موته (٣). الحال الثاني: أن يكون الواقف حيًّا عند موت الناظر، ولم يكن شَرَط ولاية النصب لنفسه:

стр. 780

فإذا كان الواقف حيًّا عند موت الناظر، ولم يكن شَرَط ولاية النصب لنفسه حال الوقف، فقد اختلف فيه الفقهاء إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: ذهب للتفصيل فقال: إذا مات الناظر في حياة الواقف فالأمر فيه إلى الواقف يقيم فيه من أحب، وبعد موت الواقف فالأمر إلى وصيه، وإن لم يكن له وصي فالرأي إلى الحاكم، وإلى هذا ذهب فقهاء الحنفية (١)، والمالكية (٢). القول الثاني: إذا شرط الواقف لشخص نظره حال الوقف، لا بعد تمام الوقف، فمات الناظر في حياة الواقف، فتولية غيره إلى القاضي، لا إلى الواقف، وإلى هذا ذهب الشافعية (٣). القول الثالث: فصَّل أصحابه القول؛ فإذا مات الناظر بالشرط، أو خرج عن الأهلية في حياة الواقف؛ لم يملك الواقف نصب غيره بدون شرط ولاية النصب لنفسه، وانتقل الأمر إلى الموقوف إليه إن كان معيَّنًا محصورًا، وإن كان الموقوف غير معيَّن؛ فالأمر فيه إلى الحاكم، وإلى هذا ذهب الحنابلة (٤)، والإمامية (٥). الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: القائلون بأن الناظر إذا مات في حياة الواقف فالأمر فيه إلى الواقف، يقيم فيه من أحبَّ، وبعد موت الواقف فالأمر إلى وصيه، وإن لم يكن له وصي فالرأي إلى الحاكم.

стр. 781

من السنة والمعقول: ١ - السنة: فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ؛ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارَيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدعُو لَهُ" (١). وجه الدلالة: دلَّ الحديث من وجه على أن العين الموقوفة لو ذهبت منافعها في القُرب فإن التصرُّف (بالتَّعيين) ما زال باقيًّا حكما للواقف، فإن فُقد الواقف فَلِوصيه، فإن فُقد فالحاكم ولي من لا ولي له (٢). ٢ - المعقول: قالوا: إن القيِّم نائب عن الواقف، بمنزلة الوكيل له في نصيبه ليعمل للموقوف عليهم، باعتبار أنه جعل منفعتهم كمنفعته، فاشتراط رأيه في نصب قيِّم آخر بعد موت الأول يحقق المقصود بالوقف ولا يغيِّره، وكذلك العين وإن زالت بالوقف عن ملكه حقيقة؛ فهي باقية على ملكه حكمًا (٣). أدلة أصحاب القول الثاني: القائلون بأن الواقف إذا شَرَط النظر لشخص حال الوقف، لا بعد تمام الوقف، فمات الناظر في حياة الواقف؛ فتولية غيره إلى القاضي، لا إلى الواقف: المعقول: قالوا: إن الواقف لا نظر له، كما أنه لا يملك تعيينًا ولا عزلًا بعد أن جعل النظر في حال الوقف لغيره (٤).

стр. 782

أدلة أصحاب القول الثالث: القائلون بأن الناظر بالشرط إذا مات في حياة الواقف لم يملك الواقف نصب غيره بدون شرط ولاية النصب لنفسه، وانتقل الأمر إلى الموقوف إليه إن كان معيَّنًا محصورًا، وإن كان الموقوف غير معيَّن فالأمر فيه إلى الحاكم. بالمعقول: قالوا: إذا مات الناظر المشروط له فليس للواقف ولاية النصب؛ لانتفاء ملكه، فلا يملك النصب ولا العزل؛ لأن الوقف سبب يُزيل ملك الواقف إلى من يصحُّ تمليكه، على وجه لم يخرج المال عن ماليته، فوجب أن ينقل الملك إليه؛ كالهبة والبيع؛ ولأنه لو كان تمليك المنفعة المجرَّدة لم يلزم؛ كالعارية (١) والسُّكنى، ولم يزل ملك الواقف عنه؛ كالعارية (٢). الحال الثالث: أن يكون الواقف ميتًا عند موت الناظر، والوقف على غير معيَّن: فإذا كان الواقف ميتًا عند موت الناظر، وكان الوقف على غير معيَّن؛ كالوقف على المساكين والمساجد. . ونحوهما، أو على من لا يمكن حصرهم واستيعابهم؛ فالنظر فيه للحاكم قولًا واحدًا عند الفقهاء من الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦) والزيدية، والإمامية (٧).

стр. 783

وأدلتهم السنة والمعقول: ١ - السنة: فعن عَائِشَة ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ" (١). وجه الدلالة: دلَّ الحديث على عموم ولاية السلطان، وذلك عند فقد الأصل من الأولياء؛ مثل "ولاية الوقف" (٢). ٢ - المعقول: قالوا: لو مات الواقف ولم يعيِّن وليًّا ولا وارثًا؛ عُيِّن الحاكم؛ لأن في ذلك رعاية للحقوق، وذلك؛ لأنه ليس له مالك متعيَّن ينظر فيه، فكان للحكام الولاية (٣). الحال الرابع: أن يكون الواقف ميتًا عند موت الناظر، والوقف على معيَّن محصور:

стр. 784

إذا كان الواقف ميتًا عند موت الناظر، وكان الوقف على معيَّن محصور؛ فقد اختلف فيه الفقهاء إلى قولين: القول الأول: إذا مات الناظر بعد موت الواقف؛ فتولية غيره إلى القاضي، وإلى هذا ذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢). القول الثاني: إذا مات الناظر بعد موت الواقف؛ انتقل الأمر إلى الموقوف إليه إن كان معيَّنًا محصورًا، وإلى هذا ذهب المالكية (٣) والحنابلة (٤). كانت هذه إشارة، وفيما يأتي تفصيل وعرض للأدلة، وسبب اختلاف الفقهاء. ثالثًا: إذا لم يعيِّن الواقف ناظرًا: إذا غفل الواقف عن النظارة؛ فلم يشترطها لنفسه، ولم يشترطها لغيره من الناس، وذلك بأن لم يُعلِم الواقف شرطه لأحد؛ سواء علم الواقف عدم شرطه أم جهل. . فلمن تكون النظارة حينئذٍ؟ تحرير محل النزاع: أشرنا إلى اتفاق الفقهاء على أنه إذا كان الوقف على غير معيَّن؛ كالوقف على عموم المساكين والمساجد ونحوهما، أو على من لا يمكن حصرهم واستيعابهم؛ فلا

стр. 785

حقَّ للموقوف عليه في النظارة على الوقف قولًا واحدًا؛ وذلك لأنه ليس له مالك متعيَّن ينظر فيه (١)، واختلفوا فيما لو كان الوقف على معيَّن محصور مالك أمر نفسه على ثلاثة أقوال: القول الأول: قال بأن ولاية النظر إلى الواقف، ثم لوصيه، ثم للقاضي؛ أي أن الولاية للواقف ثابتة مدَّة حياته، وإن لم يشترطها، فإن مات الواقف كانت الولاية لوصيه بالشرط، فإن مات كانت الولاية للقاضي، وهذا هو ظاهر مذهب الحنفية (٢)، ووجه عند الشافعية يمثِّله الإمامان الخوارزمي والماوردي (٣)، وهو قول عند الإمامية (٤)،

стр. 786

وقول عند الزيدية (١)، وإليه أيضًا ذهب الإباضية (٢). القول الثاني: قالوا بأنه إذا لم يجعل الواقف النظر لأحد، فإن ولاية النظر إلى الموقوف عليه إذا كان مكلَّفًا رشيدًا، وإن كان الموقوف عليه صغيرًا أو سفيهًا أو مجنونًا؛ قام وليُّه في النظر مقامه، وإلى هذا ذهب المالكية (٣)، والحنابلة (٤)، ووجه عند الشافعية (٥)، وقول عند الزيدية (٦)، وهو مذهب الإمامية في المشهور (٧). القول الثالث: إذا لم يجعل الواقف النظر لأحد؛ فهو للقاضي؛ أي قاضي البلد الموقوف عليه، وإلى هذا ذهب الشافعية (٨)، وهو وجه عند الحنابلة (٩)، وهو قول

стр. 787

محمد بن الحسن (١)، وهو قول عند الإمامية (٢). سبب الخلاف: يرجع سبب اختلاف الفقهاء إلى من له التصرُّف والملك في الشيء الموقوف، فإن قيل: إن الملك في الموقوف للواقف أو للموقوف عليه؛ كان لكلٍّ النظر، وإن قيل: لله تعالى؛ كان النظر للقاضي (٣). الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: القائلون بأن ولاية النظر إلى الواقف مدة حياته وإن لم يشترطها، فإن مات الواقف كانت الولاية لوصية بالشرط، فإن مات كانت الولاية للقاضي. السنة والمعقول: ١ - السنة: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ؛ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالَحٍ يَدْعُو لَهُ" (٤). وجه الدلالة: دلَّ الحديث من وجه على أن الموقوف يزول عن ملك الواقف، ولا يدخل في ملك الموقوف عليه، لكنه ينتفع بغلته بالتصدق عليه (٥). وعلَّق الكساني وغيره على الحديث؛ فقالوا: الوقف حبس الأصل وتصدُّق بالفرع، والحبس لا يوجب ملك المحبوس كالرهن، والعين وإن زالت بالوقف عن ملك الواقف حقيقة، فهي باقية على ملكه حكمًا؛ لقوله ﷺ : "إلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ" (٦).

стр. 788

٢ - المعقول: وهو من أربعة وجوه: الوجه الأول: أن قَصْد الواقف بذلك الوقف أن يكون صدقة جارية له، وثمرة يستفيد ثوابها حيًّا وميتًّا، فكانت هذه العلاقة التي هي المرة المستفادة من الوقف - مقتضية؛ لأن يكون للواقف ومن يلي من جهته مدخلًا فيما فيه جلب مصلحة للوقف، ودفع مفسدة عنه، ولا ينافي ذلك كون الرقبة قد صارت لله، محبسة للانتفاع بها؛ لأن هذه العلاقة التي للواقف ومن يلي من جهته هي مقدمة على من له ولاية عامة من إمام أو حاكم (١). الوجه الثاني: أن إغفال الواقف شرط النظارة لا أثر له؛ لأن التولية من الواقف خارجة عن حكم سائر الشرائط؛ لأن له فيها التغيير والتبديل كلما بدا له، من غير شرط في عقدة الوقف، كما أن إغفال الواقف عن شرط النظارة لا أثر له، استصحابًا بما كان عليه من استحقاقها على ملكه، واستشهادًا بولاء عتقه، والأصل بقاء ما كان على ما كان (٢). الوجه الثالث: أن الواقف أقرب الناس لوقفه؛ فهو أولى الناس بولاية وقفه، قياسًا على من اتخذ مسجدًا يكون أولى بعمارته ونَصْب المؤذن فيه، وقياسًا على من أعتق عبدًا كان الولاء له؛ لأنه أقرب الناس إليه (٣). الوجه الرابع: أن الواقف إذا مات فأوصى إلى غيره فوصيُّه بمنزلته؛ لأن الواقف نَصَبه ليكون ناظرًا له، تحصيلًا لمقصوده، وقد يعجز عن ذلك بموته؛ فيكون آذنًا له في الاستعانة بغيره بعد موته، كما أنه إذا مات الواقف ولم يوصِ إلى أحد؛ فالرأي فيه إلى القاضي؛ لأنه نُصِب ناظرًا لكل من عجز بنفسه عن النظر، والواقف ميت، ومصرف الغلَّة عاجز عن التصرُّف في الوقف لنفسه، فالرأي في نصب القيِّم إلى القاضي (٤).

стр. 789

أدلة أصحاب القول الثاني: القائلون بأن الواقف إذا لم يجعل النظر لأحد؛ فإن ولاية النظر إلى الموقوف عليه إذا كان مكلَّفًا رشيدًا، وإن كان الموقوف عليه صغيرًا أو سفيهًا أو مجنونًا؛ قام وليه في النظر مقامه. المعقول: من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أنه إذا لم يشرط الواقف ناظرًا على الموقوف؛ فليس للواقف ولاية النصب؛ لانتفاء ملكه، فلا يملك النصب ولا العزل، ويكون نظره للموقوف عليه إن كان معيَّنًا محصورًا، فينظر كلٌّ منهم على حصته؛ لأنه ملكه، ونفعه له كالملك المطلق المشترك (١). الوجه الثاني: أنه لما كان الموقوف عليه هو المستحق لمنافع الوقف، فجلب مصالحه ودفع مفاسده هو أخط الناس به، فالعلاقة للموقوف عليه مقدَّمة على العلاقة التي للواقف، فإن الثواب الصائر إلى الواقف هو أثر من آثار هذه الفوائد الصائرة إلى الموقوف عليه (٢). الوجه الثالث: أن الموقوف عليه إذا كان معيَّنًا قُدِّم على ولاية الإمام والحاكم؛ لأن ولاية الموقوف عليه أخصُّ من ولاية الحاكم، والولاية الخاصة مقدَّمة على الولاية العامة (٣). أدلة أصحاب القول الثالث: القائلون بأن الواقف إذا لم يجعل النظر لأحد فهو القاضي البلد الموقوف عليه. المعقول: من وجوه ثلاثة:

стр. 790

الوجه الأول: أن الموقوف مال الله، فكان النظر فيه إلى حاكم المسلمين إذا لم يشرط لأحد؛ لأن الحاكم ينوب فيه ويصرفه إلى مصارفه، وهو أَوْلى وأحقُّ بالنظر من غيره؛ لأنه صاحب النظر العامِّ (١). الوجه الثاني: أنه إن لم يعيِّن للوقف ناظرًا لم يكن للواقف ولاية عليه، كما أن تسليم الوقف إلى قيِّم شرط لصحة الوقف، فإذا سُلِّم لم يبق له ولاية، والحاكم هو الذي يتولَّى الحقوق العامة (٢). الوجه الثالث: أن الولاية تكون للحاكم، والسبب في ذلك خروج الأمر من يده، ولا تكون للموقوف عليهم؛ لتعلُّق حقِّ البطون اللاحقة، كتعلُّق البطن الحاضر فيه، وإيكال الأمر للموقوف عليهم دون متولٍّ مدعاة للفوضى والفساد عادة، كما أن التولية من الأمور الحسبية، التي يرجع أمرها إلى الحاكم؛ فكانت الولاية له (٣).

стр. 791

المبحث الثاني شروط ناظر الوقف اشترط الفقهاء الصلاحية الناظر على الوقف شروطًا عدة، منها ما هو محلُّ اتفاق بينهم، ومنها ما هو مختلف فيه، والخلاف يدور ما بين كونه شرط صحة، أو أولوية، وبيان ذلك فيما يلي: أولا: شروط ناظر الوقف المتفق عليها بين الفقهاء: الشرط الأول: أهلية التصرُّف: تُعرف بأنها صلاحية الشخص وقدرته على نقل حقٍّ أو تحميل عين بحقٍّ من الحقوق (١)، والمتولي للوقف أو ناظر الوقف هو من يتولى القيام بشؤون الوقف وحفظه وعمارته وتنفيذ شرط الواقف، ولا يتصرَّف إلا بما فيه مصلحة الوقف؛ ولذلك أجمع الفقهاء من الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والإمامية (٦)، والزيدية (٧) على شرط أهلية التصرف، والتي تعني قوة الشخص وقدرته على التصرُّف فيما هو ناظر عليه. ويظهر هذا الشرط ويتضح من باقي الشروط الآتية؛ كشرط "الكفاية" التالي بيانه، والذي هو من معاني أهلية التصرُّف؛ لأن بين الأهلية والكفاية عموم

стр. 792

وخصوص، ومن معاني أهلية الناظر: الكفاية (١)، ولقد ذكر الشربيني الخطيب أن في ذكر شرط كفاية التصرُّف كفاية عن ذكر شرط أهلية التصرُّف (٢)، مع الأخذ في الاعتبار أن أهلية التصرُّف وعاء كبير يدخل فيه غالب الشروط المتفق عليها والمختلف فيها؛ وهي: الكفاية، والعقل، والأمانة، والرشد، والبلوغ، والإسلام، والحرية. الشرط الثاني: الكفاية: (أ) كفاية الناظر: هي القدرة على التصرُّف فيما هو ناظر فيه (٣)، والخبرة به، والقوة عليه (٤)، وسبب اشتراط الفقهاء في الناظر الكفاية أن مراعاة حفظ الوقف مطلوبة شراعًا، وإذا لم يكن الناظر متَّصفًا بهذه الصفات لم يمكنه حفظ الوقف (٥)؛ ولأن مقصود الوقف لا يحصل بالناظر العاجز (٦).

стр. 793

ب) الكفاية عند الفقهاء: لا بدّ للمعيَّن لشغل التولية على الوقف من الصلاحية؛ بالكفاية في التصرُّف، وذلك عند عامة الفقهاء، وإن كانت ألفاظهم في ذلك قد تباينت، إلا أن المراد واحد. فقد نص الحنفية على عدم صحة تولية العاجز (١)، وكذلك المالكية نصوا على عزل الناظر على الحبس إذا كان سيئ النظر (٢). ونصَّ الشافعية على أنه يُشترط في المتولي الكفاية في التصرُّف المنصوب للتولية (٣)، وبعض الشافعية نصَّ على الاهتداء إلى التصرُّف المفوض إليه (٤)، وهي القوة والقدرة على التصرُّف فيما هو ناظر فيه، وجمع الدمياطي بين آراء الشافعية فقال: "عبر في المنهج بالكفاية بدل الاهتداء، وجمع في المنهاج بينهما فقال: وشرطه الكفاية والاهتداء إلى التصرُّف، وكتب الخطيب في مغنية: الكفاية، وفسَّرها في الذخائر بقوة الشخص وقدرته على التصرُّف فيما هو ناظر فيه، ثم قال: وفي ذكر الكفاية كفاية عن قوله: والاهتداء إلى التصرُّف؛ ولذلك حذفه من الروضة كأصلها، وحينئذ فعطف الاهتداء على الكفاية من عطف التفسير" (٥). وأما الحنابلة فقد نصُّوا على أنه يُشترط في الناظر الكفاية في التصرُّف والخبرة به والقوة عليه (٦).

стр. 794

ونصَّ الزيدية على أن والي الوقف: "إذا عجز عن القيام بما يتوجه عليه؛ لكثرة ما تولاه، أو أن يكون غير بصير، أولا معرفة له .. فإن الإمام والحاكم يعترضان له بإعانة أو بإقامة من يعينه، أو يكون وكيلًا لا وليًّا، ولا يعزلان المتولي" (١). وكذلك الإمامية نصُّوا على أنه: "يكفي أن يكون ممن يملك القدرة على إدارة الوقف، ولو بالتعاون مع أهل الخبرة" (٢). الشرط الثالث: العقل: اتفق الفقهاء من الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والإمامية (٧)، والإباضية (٨) على أنه يُشترط في الناظر على الوقف أن يكون عاقلًا، فلا يصح تولية المجنون على الوقف، وذلك في الجملة، فمنهم من نص على شرط العقل صراحة؛

стр. 795

كالحنفية والحنابلة والإباضية، ومنهم من نصَّ عليه ضمنًا أو باعتباره لازمًا من شروط أخرى؛ مثل: المالكية؛ فقد اعتبروا العقل من لوازم الرشد؛ لأن الرشد حسن التصرُّف (١) ومن لازم حسن التصرُّف: العقل، أما الشافعية فقد اعتبروا العقل من لوازم العدالة؛ لأن من لوازم العدالة: العقل (٢)، أما الإمامية فاعتبروا العقل من لوازم الولاية، فلا يشترط عندهم في الولي أكثر من أن يكون جائز التصرُّف، ومن لوازم التصرُّف: العقل (٣). ودليل ما ذهب إليه الفقهاء السنة والمعقول: ١ - السنة: فعن علي بن أبي طالب ﵁، عن النبي ﷺ قال: "رُفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل" (٤). وجه الدلالة: دلَّ الحديث على أن غير العاقل لا يلزمه تكليف، وذلك كالمبتلى بداء الجنون حتى يعقل (٥).

стр. 796

٢ - المعقول: قالوا: إن غير العاقل لا ينظر في ملكه الطلق لنقص الأهلية، ففي الوقف أولى، كما أنه إذا لم يشترط الواقف النظر لغيره: قام وليه في النظر مقامه (١). مسألة: الجنون (٢) الطارئ بعد ولاية النظارة: الجنون يمنع من تولية النظارة ابتداءً، ويمنعها دوامًا وبقاءً، فلو كان ناظرًا ثم جُنَّ فإنه يُعزل عن النظارة؛ لأنه بالجنون تسلب الولايات الثابتة بالشرع؛ حيث إنه إذا لم يل أمر نفسه فأمر غيره أولى (٣)، ولكن ما المدة التي لا بدَّ من أن يكون الناظر قد جُنَّ فيها حتى يُعزل؟ اختلف الفقهاء في مدَّة الجنون التي تؤدي إلى عزل الناظر عن ولايته إلى قولين: القول الأول: إذا ثبت أن الناظر قد جُنَّ؛ فإنه يعزل عن ولاية النظارة، من غير تحديد مدة جنونه، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء من المالكية (٤)، والشافعية (٥)،

стр. 797

والحنابلة (١)، ودليلهم المعقول؛ فقالوا: إذا طرأ الجنون على الناظر فإن ولايته تبطل مطلقًا، وذلك لانعدام الأهلية (٢). القول الثاني: إن الناظر ينعزل بالجنون المطبق إذا دام سنة، لا إن دام أقل من ذلك، وإلى هذا ذهب الحنفية (٣)، واستدلوا بالمعقول: فقالوا: إن الجنون المطبق يقدر بحول كامل، احتياطًا، وقُدِّر بالسنة؛ لأنه لا تسقط العبادات إلا باستغراق الجنون سنة كاملة، فإن من العبادات ما يكون التقرير فيها بحول كالزكاة، فيُجعل أكثر الحول كجميعه في حكم الزكاة ويعدُّ كمال السنة؛ لأنه إذا لم يوافقه فصل من فصول السنة يفيق فيه؛ عرفنا أن هذه آفة في أصل العقل، بخلاف ما إذا كان في بعض السنة (٤). ولكن لو عاد إليه عقله وبرئ من علته: هل يعود ناظرًا؟ لا يخلو الناظر الذي عادت إليه أهليته وبرأ من علته من حالتين، وذلك عند فقهاء الحنفية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧):

стр. 798

إما أن تكون نظارته بشرط الواقف، أو أن تكون نظارته بشرط القاضي أو الموقوف عليهم: الحالة الأولى: أن تكون نظارته بشرط الواقف، فإن الناظر والحالة هذه إذا عاد إليه عقله وبرأ من علته؛ عادت إليه ولاية النظر بنفس الإفاقة، من غير تولية جديدة؛ وذلك لقوته بالشرط؛ إذ ليس لأحد عزله ولا الاستبدال به، وعارض فقد الأهلية مانع من تصرفه لا سالب لولايته (١)، وذلك على طريقة استدلال الشافعية؛ ولأنه إذا عاد إلى أهليته عاد حقُّه من النظر المشروط له، كما لو صرح الواقف بأنه إذا عاد إلى أهليته عاد حقُّه؛ كوصي عُزل لمقتضى ثم زال؛ فيُعاد (٢)، وكالموصوف، بأن قال: النظر للأرشد ونحوه، فإذا زال هذا الوصف عنه؛ أُزيلت يده، فإن عاد؛ عاد حقُّه (٣). وأما المالكية فلم نجد لهم نصًّا في حكم عود الناظر المعزول إذا برئ من علته وعاد إليه عقله، وقد نصُّوا على جواز عزل الواقف الناظر ولو بلا جُنحة، قال الدسوقي: "القاضي لا يعزل ناظرًا إلا بجُنحة، وللواقف عزله ولو لغير جُنحة" (٤)؛ مما يدلُّ على عدم أحقية الناظر المعزول لجنونه بالعودة إلى النظارة بعد بُرئه وعود عقله إليه من باب أَوْلى وأحرى. الحالة الثانية: أن تكون نظارته بشرط القاضي أو الموقوف عليهم، فإن الناظر والحالة هذه لا يعود إلى ولاية النظارة بعود الأهلية، وأن ولايته لا تعتبر بلا تولية

стр. 799

جديدة؛ وذلك لأن الزائل العائد كالذي لم يعد، فإذا زال الجنون ثم عادت الأهلية لم تعد ولايته بلا تولية؛ كالوكالة؛ ولأن الشيء إذا بطل لم ينقلب إلى الصحة بنفسه وإن زال المانع؛ كالبيع ونحو (١)، وللشافعية في الصحيح: أن ولايته تعود من غير استئناف تولية؛ كالأب إذا جن ثم أفاق، أو فسق ثم تاب (٢). الشرط الرابع: الأمانة (٣): اتفق فقهاء الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والإمامية (٧)، والزيدية (٨)

стр. 800

والإباضية (١) على اشتراط كون الناظر أمينًا، فإن كان خائنًا ولم يكن أمينًا فقد اتفقوا على عزله، ولكن لا يعزله القاضي بمجرد الطعن في أمانته، بل بخيانة ظاهرة ببينة، وأنه إذا أخرجه وتاب وأناب أعاده. مسألة: خيانة ناظر الوقف: صرَّح فقهاء الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والزيدية (٤) بأن: الخيانة من المتولي تكون بأخذ بعض الغلَّة، إن لم يكن مصرفًا، وإن كان مصرفًا؛ فبأن يستهلك الغلَّة مع حاجة الوقف إليها، أو يحاول بيع الوقف أو رهنه، وأكَّدوا على بطلان ولاية الخائن؛ وذلك لأن الولاية مقيَّدة بشرط النظر، وليس من النظر تولية الخائن؛ لأنه يخل بالمقصود؛ وتولية النظارة لغير المأمون شرط مخالف لحكم الشرع؛ فيبطل؛ لأن الحاكم ناظر لمصلحة الوقف، فإن كان في نزعه مصلحة يجب عليه إخراجه؛ دفعًا للضرر عن الوقف، كما أن الولاية على الوقف لا بدَّ فيمن هي إليه من أن يكون ساعيًا في جلب مصالحه ودفع المفاسد عنه، ومن أعظم المفاسد أن يكون خائنًا غير أمين، ومعلوم أن من لم يتنزَّه عن محظورات الدين، وتساهل عن القيام بفرائضه، لا يُؤْمَن في الأموال.

стр. 801

مسألة: بقاء الناظر الخائن: ذهب بعض الحنفية (١)، والإمامية (٢) إلى تأثيم من يولِّي خائنًا، والبعض منهم أجاز توليته مع ضمِّ أمين إليه، قال زين بن إبراهيم بن نجيم: "يأثم بتولية الخائن، (قوله: ويُنزع وجوبًا)؛ مقتضاه إثم القاضي بتركه، والإثم بتولية الخائن، ولا شكَّ فيه، لكن ذكر في البحر أيضًا عن الخصاف: أن له عزله أو إدخال غيره معه، وقد يُجاب بأن المقصود رفع ضرره عن الوقف، فإذا ارتفع بضمِّ آخر إليه؛ حصل المقصود" (٣). وقد استثني المالكية من عدم جواز تولية الخائن فيما إذا رضي الموقوف عليه وأمكن من مراقبته ومتابعته، وذلك فيما إذا كان مالكًا أمر نفسه (٤). وفضَّل الإمامية على عزل الناظر أن يضم معه نشيطًا أمينًا، حيث نصوا على أنه: "متى أقام الواقف أو الحاكم متوليًا؛ فليس لأحد عليه من سلطان ما دام قائمًا بالواجب، فإن قصَّر أو خان بحيث يلزم الضرر من بقائه واستمراره في الولاية؛ فإن للحاكم أن يستبدله، والأولى أن يضمَّ معه نشيطًا أمينًا" (٥). واستثنى الإباضية من عدم جواز تولية الخائن فيما إذا أشرف على الخائن ثقة، حيث نصُّوا على أنه "لا يجوز أن يُستعمل على الوقف من عُرف بالخيانة؛ إلا أن يكون عليه قائم ثقة" (٦)، كمن كان في يده وقف للمسجد وهو نخل وملح، ولا يجد ثقة يعلمها، فإن استعمل خائنًا يعلم خيانته حضر هو حصاد الثمرة وأخرج الملح، أو يأمر من يحصد ذلك ممن يحصد وهو يأمنه (٧).

стр. 802

الشرط الخامس: الرشد (١): نصَّ المالكية والحنابلة على اشتراط الرشد في الناظر على الوقف، وعدم صحة تولية السفيه على النظارة على الوقف؛ ففي الشرح الكبير للدردير المالكي: "فإن كان المستحق معيَّنًا رشيدًا؛ فهو الذي يتولى أمر الوقف، وإن كان غير رشيد فوليُّه" (٢)، وقال الرحيباني الحنبلي في المنتهى: "وشرط أيضًا في الناظر المشروط تكليف ... وشرط فيه أيضًا رشدٌ ... وشرط فيه أيضًا كفاية لتصرُّف وخبرة ... وقوة عليه"؛ وذلك لأن السفيه محجور عليه في تصرفاته في ماله، فلا يتصرَّف في غيره (٣). وأما فقهاء الحنفية والشافعية فلم يتعرضوا لذكر شرط الرشد عند ذكرهم الشروط ولاية الوقف (٤)، ولا يدلُّ ذلك على صحة ولاية السفيه عندهم، بل إنهم لم

стр. 803

يتعرضوا إلى هذا الشرط؛ لأنه داخل ضمنًا في شرط الكفاية في التصرُّف والخبرة به والقوة عليه، ولا يمكن أن يتحقَّق في الناظر على الوقف الكفاية إذا لم يكن رشيدًا؛ لأن الرشد لازم من لوازم الكفاية؛ إذ الرشد - كما مرَّ - هو حسن التصرُّف في الأمر حسًّا أو معنى، دينا أو دُنيا. ويؤيد هذا ما نصَّ عليه الشافعية في باب الوصية، حيث جعلوا الرشد وعدم السفة من لوازم الكفاية، قال النووي: "الركن الأول: الوصي، وله خمسة شروط: وهي التكليف، والحرية، والإسلام، والعدالة، والكفاية في التصرفات ... ولا تجوز (أي الوصاية) إلى فاسق، ولا إلى عاجز عن التصرُّف لا يهتدي إليه؛ لسفه أو هرم .. أو غيرهما" (١)، وقال الشربيني: "وشرط الوصي (أي الموصى إليه) تكليف ... وهداية إلى التصرُّف في الموصى به، فلا يصحُّ إلى من لا يهتدي إليه؛ لسفه أو مرض أو هرم أو تغفل؛ إذ لا مصلحة في تولية من هذا حاله" (٢). وأما الإمامية فقد نصُّوا على اشتراط الرشد في الناظر على الوقف، وجعلوه صفة لكونه جائز التصرُّف، حيث نصُّوا على أنه: "لا يشترط في الولي أكثر من أن يكون جائز التصرُّف بالبلوغ والعقل والرشد" (٣). فيكون شرط الرشد شرطًا لصحة ولاية الناظر على الوقف عند الفقهاء، فلا تصحُّ نظارة سفيه على الوقف.

стр. 804

الشرط السادس: الذكورة: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥)، والإمامية (٦) إلى أن ولاية النظارة يستوي فيها الذكر والأنثى، فلا تُشترط الذكورة في تولية النظارة؛ لا شرط صحة، ولا شرط أولوية، وكذلك نصَّ الزيدية والإباضية على أن ولاية المتولي المستخلف على الوصية يستوي فيها الذكر والأنثى (٧). وذلك لأن ما ثبت في حقِّ الرجل يثبت في حقِّ المرأة، إلا ما أتى الدليل على خلافه، ويؤيِّد هذا فعل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، حيث أوصى بالنظارة على الوقف إلى ابنته حفصة ﵂، فعن ابن عمر قال: أصاب عمر أرضًا بخيبر، فأتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضًا بخيبر، والله ما أصبت مالًا قط هو أنفس عندي منها، فما تأمرني؟ قال: "إن شئت تصدَّقت

стр. 805

بها، وحبَّست أصلها"، فجعلها عمر أن لا تباع ولا توهب ولا تورث، وتصدَّق بها على الفقراء والمساكين وابن السبيل وفي سبيل الله والرقاب، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متموِّل فيه، ثم أوصى به إلى حفصة بنت عمر ﵄، ثم إلى الأكابر من آل عمر (١). قال ابن حزم: "وحبس عثمان بئر رومة على المسلمين بعلم رسول الله ﷺ ، ينقل ذلك الخلف عن السلف جيلًا بعد جيل، وهي مشهورة بالمدينة، وصدقاته ﵇ بالمدينة مشهورة كذلك، وقد تصدَّق عمر في خلافته بثمغ، وهي على نحو ميل من المدينة، وتصدَّق بماله وكان يغل مائة وسق بوادي القرى، كل ذلك حبسًا وقفًا، لا يباع ولا يُشترى، وأسنده إلى حفصة ثم إلى ذوي الرأي من أهله، وحبس عثمان وطلحة والزبير وعلي بن أبي طالب وعمرو بن العاص دُورهم على بنيهم وضياعًا موقوفة، وكذلك ابن عمر، وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وسائر الصحابة؛ جملة صدقاتهم بالمدينة أشهر من الشمس؛ لا يجهلها أحد، وأوقف عبد الله بن عمرو بن العاص الوهط على بنيه، اختصرنا الأسانيد لاشتهار الأمر" (٢). ثانيًا شروط ناظر الوقف المختلَف فيها عند الفقهاء: الشرط الأول: الإسلام: اختلف الفقهاء في اشتراط إسلام الناظر؛ هل هو شرطٌ لصحة النظارة، أو ليس بشرط صحة، أو أنه يختلف باختلاف حال الموقوف عليه؟ وذلك إلى ثلاثة أقوال (٣):

стр. 806

القول الأول: إن إسلام الناظر شرط لصحة النظارة، وإلى هذا ذهب المالكية (١) والشافعية (٢)، وهو الأصل عند الحنابلة فيما يستفاد من نصوصهم (٣). القول الثاني: إن إسلام الناظر ليس شرطًا لصحة النظارة، وإلى هذا ذهب الحنفية (٤)، وقد وافقهم الإمامية على الأقوى (٥). القول الثالث: ذهب للتفصيل؛ فقال: يُشترط إسلام الناظر إن كان الوقف على مسلم أو جهة من جهات الإسلام؛ كالمساجد والمدارس والرُّبط .. ونحوها، فإن كان الوقف على كافر معيَّن؛ جاز شرط النظر فيه لكافر، كما لو وقف على أولاده الكفار، وإلى هذا ذهب الحنابلة (٦). الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: القائلون بأن إسلام الناظر شرط لصحة النظارة:

стр. 807

المعقول: من وجهين: الوجه الأول: أن من المعلوم أن من لم يتنزَّه عن محظورات الدين ويتساهل عن القيام بفرائضه لا يؤمَن في الأموال، كما أن النظر في الحبس لمن جعله إليه محبِّسه يتطلب أن يكون لمن يوثق به في دينه وأمانته (١). الوجه الثاني: أن ناظر الوقف لا بدَّ أن تكون له الأهلية، ومن أوصاف الأهلية: العدالة، والعقل، والبلوغ، والإسلام، والحرية (٢). أدلة أصحاب القول الثاني: القائلون بأن إسلام الناظر ليس شرطًا لصحة النظارة: المعقول: من وجهين الوجه الأول: أنه لا يُشترط في الولي أكثر من أن يكون جائز التصرُّف بالبلوغ والعقل والرشد، فلا يُشترط الإسلام الصحة النظارة للوقف؛ فيصح وقف الكافر؛ لأن العبرة بالأهلية (٣). الوجه الثاني: القياس على أنه لو كان للواقف ولد عبد؛ فيجوز - قياسًا واستحسانًا - النظارة له؛ لأهليته في ذاته، والذميُّ عندنا في الحكم (النظارة) كالعبد (٤). أدلة أصحاب القول الثالث: القائلون باشتراط إسلام الناظر إن كان الوقف على مسلم أو جهة من جهات الإسلام، وعدم اشتراط إسلامه إن كان الوقف على كافر معيَّن:

стр. 808

الكتاب والمعقول: أمَّا الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١). وجه الدلالة: دلَّت الآية على أن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلًا شرعًا، فإن وُجد فبخلاف الشرع (٢)، وقال الشوكاني: "الآية صالحة للاحتجاج بها على كثير من المسائل" (٣). المعقول: وهو من وجهين: الوجه الأول: أن يكون الناظر مسلمًا، وتولية غير المسلم النظارة على ما وُقف على مسلم أو جهة من جهات الإسلام؛ كالمساجد والمدارس والربط .. ونحوها؛ غير جائز؛ لأنها داخلة في جملة ما نفاه الله شرعًا (٤). الوجه الثاني: إن كان الوقف على معيَّن كافر فلغير المسلم النظر عليه؛ لأن الموقوف ملكه؛ فينظر فيه لنفسه أو وليِّه، كما أن شرط النظر لأحدهم أو غيرهم من الكفار يصحّ، كما في وصية الكافر لكافر على كافر (٥). الشرط الثاني: البلوغ: لا يخلو الصبي إما أن يكون من أهل الحفظ أو لا يكون كذلك؛ فإن لم يكن من أهل الحفظ فلا يصح توليته على الوقف بحال، لا على سبيل الاستقلال بالنظر،

стр. 809

ولا على سبيل المشاركة لغيره، وذلك باتفاق الفقهاء من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والإمامية (٥). وأما إن كان الصبي من أهل الحفظ؛ فقد اختلف فيه الفقهاء على قولين: القول الأول: يشترط في الناظر على الوقف أن يكون بالغًا، فلا يصحُّ تولية الصبي على الوقف ولو كان من أهل الحفظ، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء، كما ذهبوا إلى إن الموقوف عليه إن كان صغيرًا ولم يشترط الواقف النظر لغيره؛ قام وليُّه في النظر مقامه؛ لأنه يملكه، فهو كملكه الطلق، قياسًا على المجنون، وإلى هذا ذهب المالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، والإمامية (٩). القول الثاني: إذا فوَّض القاضي التولية إلى صبي صحَّ إذا كان أهلًا للحفظ، وتكون له ولاية التصرُّف، وإلى هذا ذهب الحنفية (١٠).

стр. 810

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: القائلون باشتراط أن يكون الناظر على الوقف بالغًا، وعدم صحة تولية الصبي على الوقف ولو كان من أهل الحفظ. المعقول: وهو من وجهين: الوجه الأول: أن النظر على الوقف من باب الولاية، والصغير يولَّى عليه لقصوره، فلا يصحُّ أن يولَّى على غيره (١). الوجه الثاني: أن مراعاة حفظ الوقف مطلوية شرعًا، وإذا لم يكن الناظر متَّصفًا بالبلوغ لم يمكنه مراعاة حفظ الوقف، كما أن الصبي لا ينظر في ملكه الطلق؛ ففي الوقف أَوْلى (٢). أدلة أصحاب القول الثاني: القائلون بأن القاضي إذا فؤض التولية إلى صبي صحَّ إذا كان أهلًا للحفظ، وتكون له ولاية التصرُّف. المعقول: قالوا بأن شرط التفويض لولاية النظر على الوقف ثبوت أهلية الحفظ، فإن كان صبيًّا وأهلًا للحفظ جاز؛ لأن العبرة بأهلية الحفظ، وهي التي تؤهِّله لولاية التصرُّف (٣). الشرط الثالث: العدالة (٤): العدالة شرط لا بدَّ من توافره في ناظر الوقف، لكن: ما هو الفرق بين شرط العدالة والشرط الذي سبق ذكره وهو الأمانة؟
следующие страницы →