← Фикх общий

Фикх общий · id 308

مدونة أحكام الوقف الفقهية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

القول الأول: إن إسلام الناظر شرط لصحة النظارة، وإلى هذا ذهب المالكية (١) والشافعية (٢)، وهو الأصل عند الحنابلة فيما يستفاد من نصوصهم (٣). القول الثاني: إن إسلام الناظر ليس شرطًا لصحة النظارة، وإلى هذا ذهب الحنفية (٤)، وقد وافقهم الإمامية على الأقوى (٥). القول الثالث: ذهب للتفصيل؛ فقال: يُشترط إسلام الناظر إن كان الوقف على مسلم أو جهة من جهات الإسلام؛ كالمساجد والمدارس والرُّبط .. ونحوها، فإن كان الوقف على كافر معيَّن؛ جاز شرط النظر فيه لكافر، كما لو وقف على أولاده الكفار، وإلى هذا ذهب الحنابلة (٦). الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: القائلون بأن إسلام الناظر شرط لصحة النظارة:

стр. 807

المعقول: من وجهين: الوجه الأول: أن من المعلوم أن من لم يتنزَّه عن محظورات الدين ويتساهل عن القيام بفرائضه لا يؤمَن في الأموال، كما أن النظر في الحبس لمن جعله إليه محبِّسه يتطلب أن يكون لمن يوثق به في دينه وأمانته (١). الوجه الثاني: أن ناظر الوقف لا بدَّ أن تكون له الأهلية، ومن أوصاف الأهلية: العدالة، والعقل، والبلوغ، والإسلام، والحرية (٢). أدلة أصحاب القول الثاني: القائلون بأن إسلام الناظر ليس شرطًا لصحة النظارة: المعقول: من وجهين الوجه الأول: أنه لا يُشترط في الولي أكثر من أن يكون جائز التصرُّف بالبلوغ والعقل والرشد، فلا يُشترط الإسلام الصحة النظارة للوقف؛ فيصح وقف الكافر؛ لأن العبرة بالأهلية (٣). الوجه الثاني: القياس على أنه لو كان للواقف ولد عبد؛ فيجوز - قياسًا واستحسانًا - النظارة له؛ لأهليته في ذاته، والذميُّ عندنا في الحكم (النظارة) كالعبد (٤). أدلة أصحاب القول الثالث: القائلون باشتراط إسلام الناظر إن كان الوقف على مسلم أو جهة من جهات الإسلام، وعدم اشتراط إسلامه إن كان الوقف على كافر معيَّن:

стр. 808

الكتاب والمعقول: أمَّا الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١). وجه الدلالة: دلَّت الآية على أن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلًا شرعًا، فإن وُجد فبخلاف الشرع (٢)، وقال الشوكاني: "الآية صالحة للاحتجاج بها على كثير من المسائل" (٣). المعقول: وهو من وجهين: الوجه الأول: أن يكون الناظر مسلمًا، وتولية غير المسلم النظارة على ما وُقف على مسلم أو جهة من جهات الإسلام؛ كالمساجد والمدارس والربط .. ونحوها؛ غير جائز؛ لأنها داخلة في جملة ما نفاه الله شرعًا (٤). الوجه الثاني: إن كان الوقف على معيَّن كافر فلغير المسلم النظر عليه؛ لأن الموقوف ملكه؛ فينظر فيه لنفسه أو وليِّه، كما أن شرط النظر لأحدهم أو غيرهم من الكفار يصحّ، كما في وصية الكافر لكافر على كافر (٥). الشرط الثاني: البلوغ: لا يخلو الصبي إما أن يكون من أهل الحفظ أو لا يكون كذلك؛ فإن لم يكن من أهل الحفظ فلا يصح توليته على الوقف بحال، لا على سبيل الاستقلال بالنظر،

стр. 809

ولا على سبيل المشاركة لغيره، وذلك باتفاق الفقهاء من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والإمامية (٥). وأما إن كان الصبي من أهل الحفظ؛ فقد اختلف فيه الفقهاء على قولين: القول الأول: يشترط في الناظر على الوقف أن يكون بالغًا، فلا يصحُّ تولية الصبي على الوقف ولو كان من أهل الحفظ، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء، كما ذهبوا إلى إن الموقوف عليه إن كان صغيرًا ولم يشترط الواقف النظر لغيره؛ قام وليُّه في النظر مقامه؛ لأنه يملكه، فهو كملكه الطلق، قياسًا على المجنون، وإلى هذا ذهب المالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، والإمامية (٩). القول الثاني: إذا فوَّض القاضي التولية إلى صبي صحَّ إذا كان أهلًا للحفظ، وتكون له ولاية التصرُّف، وإلى هذا ذهب الحنفية (١٠).

стр. 810

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: القائلون باشتراط أن يكون الناظر على الوقف بالغًا، وعدم صحة تولية الصبي على الوقف ولو كان من أهل الحفظ. المعقول: وهو من وجهين: الوجه الأول: أن النظر على الوقف من باب الولاية، والصغير يولَّى عليه لقصوره، فلا يصحُّ أن يولَّى على غيره (١). الوجه الثاني: أن مراعاة حفظ الوقف مطلوية شرعًا، وإذا لم يكن الناظر متَّصفًا بالبلوغ لم يمكنه مراعاة حفظ الوقف، كما أن الصبي لا ينظر في ملكه الطلق؛ ففي الوقف أَوْلى (٢). أدلة أصحاب القول الثاني: القائلون بأن القاضي إذا فؤض التولية إلى صبي صحَّ إذا كان أهلًا للحفظ، وتكون له ولاية التصرُّف. المعقول: قالوا بأن شرط التفويض لولاية النظر على الوقف ثبوت أهلية الحفظ، فإن كان صبيًّا وأهلًا للحفظ جاز؛ لأن العبرة بأهلية الحفظ، وهي التي تؤهِّله لولاية التصرُّف (٣). الشرط الثالث: العدالة (٤): العدالة شرط لا بدَّ من توافره في ناظر الوقف، لكن: ما هو الفرق بين شرط العدالة والشرط الذي سبق ذكره وهو الأمانة؟

стр. 811

من لازم العدالة الأمانة، وليس من لازم الأمانة العدالة، فبينهما عموم وخصوص مطلقًا، فكل عادل أمين، وليس كل أمين عادلًا، فقد يكون أمينًا لا يخون، إلا أنه يشرب الخمر .. ونحوه، وإلى ذلك أشار أبو عبيد عند قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١)؛ حيث قال: "فمن ضيَّع شيئًا مما أمر الله به، أو ركب شيئًا مما نهى عنه؛ فليس ينبغي أن يكون عدلًا" (٢). وقد اختلف الفقهاء في اشتراط عدالة الناظر إلى أقوال: القول الأول: إنه لا بدَّ لصلاحية المتولي لشغل التولية على الوقف من العدالة؛ سواء ولَّاه الواقف أو الحاكم، بل في الجميع، حتى الواقف إذا شرط النظر لنفسه، وسواء كان الوقف على الجهة العامة والأشخاص المعيَّنين؛ فلو كان فاسقًا أو غير عدل لم تصح ولايته، ولو على وَقْف نفسه، وهذا في قول عند الحنفية (٣)، وهو مذهب الشافعية (٤)، وقول عند الإمامية (٥)، وأصحُّ القولين عند الزيدية (٦). واستثني الشافعية من ذلك القاضي إذا كان ناظرًا، فإنه لا تُشترط عدالته، قال البجيرمي نقلًا عن شيخه: "محلُّ اشتراطها ما لم يكن الناظر القاضي، وإلا فلا

стр. 812

يُشترط عدالته ... وأما منصوبه فلا بد فيه من العدالة" (١)، وسبب استثناء الشافعية عدم اشتراط عدالة القاضي إذا كان ناظرًا؛ لأن تصرُّفه بالولاية العامة، والمراد بالعدالة عند الشافعية العدالة الباطنة والعدالة الظاهرة؛ فالعدالة الباطنة: هي التي يُرجع فيها إلى قول المزكين، والظاهرة: هي التي لم يعرف لصاحبها مفسِّق (٢)، وقيل: يُشترط في منصوب الحاكم العدالة الباطنة، وفي منصوب الواقف العدالة الظاهرة، والمعتمد: اعتبار العدالة الباطنة في الجميع، حتى الواقف إذا شَرَط النظر لنفسه (٣). القول الثاني: إن العدالة من شرائط الأولوية، لا شرائط الصحة، وإن الناظر إذا فسق استحقَّ العزل ولا ينعزل، وإلى هذا ذهب جمهور الحنفية (٤) والزيدية في مقابل الأصح (٥)، وهو المشهور عند الإمامية (٦)، وبه قال الإباضية، وضمَّنوا من جعل الوقف في يد غير الأمين؛ قال السالمي في متولِّي جباية الفلج: "إن جباة الفلج الثقات يلزمهم القيام بمصالحه إن كانوا قادرين على إنفاذ الحق فيه، ويلزمهم أن يجعلوا خبورتهم في يد عدل، وينزعوها من يد الخائن؛ لأن الخائن لا يؤمَن على شيء؛ وكفى بالمرء خيانة أن يكون أمينه خائنًا! وأخشى على الجباه القادرين على القيام بمصالح الأوقاف والأفلاج والأيتام؛ إذا ضيَّعوا أو أهملوا القيام بما عليهم من غير عذر .. أن يلحقهم الضمان، والإثم لازم لهم بلا خلاف نعلمه مع القدرة على ذلك" (٧).

стр. 813

وهو ما يفيده قول العوتبي من الإباضية أيضًا، حيث قال: "ومن كان في يده وقوف للمسجد وغيرها وهي نخل وملح، ولا يجد ثقة يعمل تلك النخل والملح؛ فلينظر من يأتمنه على ذلك، ولو لم يكن ثقة، أو كان لا يعلم "منه" خيانة، فإذا وجد هذا واستعمله في ذلك وسعه ذلك إن شاء الله، ولا يستعمل خائنًا يعلم خيانته، إلا أن يكون هو يحضر حصاد الثَّمرة وإخراج الملح، أو يأمر من يحصد ذلك ممَّن يأتمنه على ذلك" (١). القول الثالث: ذهب للتفصيل؛ فقال: إن العدالة شرط في صحة ولاية الوقف، ما لم يكن الناظر هو الموقوف عليه، وتصحُّ ولاية غير العدل إن رضي الموقوف عليه وكان مالكًا أمر نفسه، وإلى هذا ذهب المالكية (٢)، وهو وجه عند الشافعية (٣)، ووجه عند الحنابلة (٤). القول الرابع: ذهب للتفصيل أيضًا؛ فقال: إن كان النظر لغير الموقوف عليه، وكانت توليته من الحاكم أو الناظر؛ فلا بدَّ من شرط العدالة فيه، وإن كانت توليته من الواقف، وهو فاسق، أو كان عدلًا ففسق؛ يصح، ويُضمُّ إليه أمين، وإن كان النظر للموقوف عليه؛ إما بجعل الواقف النظر له، أو لكونه أحقَّ بذلك عند عدم ناظر؛ فهو أحقُّ بذلك، عدلًا كان أو فاسقًا، وإلى هذا ذهب جمهور الحنابلة (٥).

стр. 814

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: القائلون بأنه لا بدَّ لصلاحية المتولي لشغل التولية على الوقف من العدالة؛ سواء ولَّاه الواقف أم الحاكم، بل في الجميع؛ حتى الواقف إذا شرط النظر لنفسه، وسواء كان الوقف على الجهة العامة والأشخاص المعينين. المعقول: وهو من وجهين: الوجه الأول: الولاية على الوقف لا بدَّ فيمن هي إليه من أن يكون ساعيًا في جلب مصالحه ودفع المفاسد عنه؛ وذلك لحصول الضبط بها عن الخيانة والكذب والتقصير، ومن أعظم المفاسد أن يكون خائنًا غير أمين، ومعلوم أن من لم يتنزَّه عن محظورات الدين، وتساهل عن القيام بفرائضه؛ لا يؤمَن في الأموال، فاعتبار العدالة فيمن أُنيطت به هذه الولاية أمر لا بدَّ منه، وحقٌّ على الإمام والحاكم أن ينزعا يد من لم يكن كذلك، فإنه وإن سعى في مصالح الوقف أبلغَ سعي؛ فإنه مظنَّة للخيانة؛ لأن الأمور الدينية متساوية الأقدام، ومن خان الله في بعضهما لا يؤمن في البعض الآخر (١). الوجه الثاني: أن الولاية مقيَّدة بشرط النظر، وليس من النظر تولية الخائن؛ لأنه يخلُّ بالمقصود (٢). أدلة أصحاب القول الثاني: القائلون بأن العدالة من شرائط الأولوية لا شرائط الصحة، وأن الناظر إذا فسق استحق العزل ولا ينعزل. المعقول: وهو من وجهين: الوجه الأول: أن القضاء أشرف من التولية، ويُحتاط فيه أكثر من التولية، والعدالة فيه شرط الأولوية، حتى يصحَّ تقليد الفاسق، وإذا فسق القاضي لا ينعزل، فكذا الناظر، كذلك لا يُشترط في الوليِّ أكثر من أن يكون جائز التصرُّف بالبلوغ والعقل والرشد، فلا يُشترط الإسلام والعدالة (٣).

стр. 815

الوجه الثاني: أنه لا يُشترط في المتولي أن يكون عدلًا، بل يكفي أن يكون موثوقًا أمينًا؛ سواء أكان المتولي المجعول في صيغة الوقف هو الواقف نفسه، أم كان غيره (١). أدلة أصحاب القول الثالث: القائلون بأن العدالة شرط في صحة ولاية الوقف، ما لم يكن الناظر هو الموقوف عليه، كما تصحُّ ولاية غير العدل إن رضي الموقوف عليه وكان مالكًا أمر نفسه. المعقول: وهو من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أنه لا يصحُّ تولية الناظر الفاسق، وأنه ينعزل إذا فسق في أثناء ولايته؛ لأنها ولاية على حقِّ غيره فنافاها الفسق، كما لو ولَّاه الحاكم، وكما لو لم يمكن حفظ الوقف منه مع بقاء ولايته على حقِّ غيره، فإنه متى لم يمكن حفظه منه أُزيلت ولايته، فإن مراعاة حفظ الوقف أهمُّ من إلقاء ولاية الفاسق عليه (٢). الوجه الثاني: أنه إن كان النظر للموقوف عليه؛ فهو أحقُّ بذلك، عدلًا كان أو فاسقًا؛ لأنه ينظر لنفسه، فكان له ذلك (٣). الوجه الثالث: أنه إنما تصحُّ ولاية غير العدل إن رضي الموقوف عليه وكان مالكًا أمر نفسه؛ لأن الناظر إذا خان حملوه على السداد (٤). أدلة أصحاب القول الرابع: القائل بأن النظر إذا كان لغير الموقوف عليه، وكانت توليته من الحاكم أو الناظر؛ فلا بدَّ من شرط العدالة فيه، وإن كانت توليته من الواقف، وهو فاسق، أو كان عدلًا ففسق؛ يصحّ، ويُضمُّ إليه أمين، وإن كان النظر للموقوف عليه؛ إما بجعل الواقف النظر له، أو لكونه أحقَّ بذلك عند عدم ناظر؛ فهو أحقُّ بذلك، عدلًا كان أم فاسقًا.

стр. 816

المعقول: وهو من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أنه إن كان النظر لغير الموقوف عليه؛ بأن وقف على الفقراء، أو ولَّى الحاكم ناظرًا من غيرهم، أو كان النظر لبعض الموقوف عليهم، وكانت ولايته من حاكم أو من ناظر أصلي؛ فلا بدَّ من شرط العدالة فيه؛ لأنها ولاية على مال؛ فاشتُرط لها العدالة؛ كالولاية على مال اليتيم (١). الوجه الثاني: أنه إن لم يكن الأجنبي المولى من حاكم أو ناظر أصلي عدلًا لم تصح ولايته؛ لفوات شرطها، وهو العدالة، وأُزيلت يده عن الوقف حفظًا له، فإن تولَّى الأجنبي وهو عدل ثم فسق؛ أُزيلت يده؛ لأن ما منع التولية ابتداءً يمنعها دواما (٢). الوجه الثالث: أنه إن كانت تولية الناظر من الواقف وهو فاسق، أو كان عدلًا ففسق؛ يصحُّ ويُضمُّ إليه أمين، ولم تُزل يده؛ لأنه أمكن الجمع بين الحقَّين، ومتى لم يمكن حفظه منه؛ أزيلت ولايته، فإن مراعاة حفظ الوقف أهمُّ من إبقاء ولاية الفاسق عليه، وإن كان النظر للموقوف عليه فهو أحقُّ بذلك، عدلًا كان أم فاسقًا، لأنه ينظر لنفسه، فكان له ذلك (٣). مسألة: طروء الفسق على الناظر وعَوْد العدالة: إذا عُزل الناظر بسبب فسقه ثم عاد إلى أهليَّته وصار عدلًا، عاد حقُّه من النظر إن كان نظره مشروطًا في أصل الوقف؛ كما لو صرح الواقف فيه بأنه إذا عاد إلى أهليته عاد حقُّه، وكالموصوف، بأن قال: النظر للأرشد .. ونحوه، فإذا زال هذا

стр. 817

الوصف عنه أُزيلت يده، فإن عاد عاد حقُّه، وإن كان نظره غير مشروط من الواقف في أصل الوقف؛ فلا تعود له النظارة إلا بتولية جديدة (١). الشرط الرابع: الحرية: اختلف الفقهاء في حكم تولية العبد ناظرًا على الوقف، وكَوْن الحرية شرط صحة في النظارة أو لا؟ إلى قولين: القول الأول: إن الحرية ليست شرطًا لصحة النظارة، بل يجوز تولية العبد ناظرًا على الوقف، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والحنابلة (٤) والإمامية (٥). القول الثاني: يُشترط في صحة تولية الناظر على الوقف الحرية الكاملة، فلا تصحُّ تولية من بعضُه رقيق، والمكاتب، والمدبَّر، وأم الولد، وإلى هذا ذهب الشافعية (٦).

стр. 818

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: القائلون بأن الحرية ليست شرطًا لصحة النظارة، بل يجوز تولية العبد ناظرًا على الوقف. المعقول: وهو من وجهين: الوجه الأول: أن نظارة العيد على الوقف جائزة قياسًا واستحسانًا؛ لأهليته في ذاته، بدليل أن تصرفه الموقوف لحق المولى ينفذ عليه بعد العتق؛ لزوال المانع (١). الوجه الثاني: أن الحرية ليست شرطًا لصحة تولية الناظر على الوقف، بل يكفي أن يكون ممن يملك القدرة على إدارة الوقف، ولو بالتعاون مع أهل الخبرة (٢). أدلة أصحاب القول الثاني: القائلون باشتراط الحرية الكاملة في صحة تولية الناظر على الوقف، فلا تصح تولية من بعضُه رقيق، والمكاتب، والمدبَّر، وأم الولد. المعقول: فقالوا بأن نظارة العبد على الوقف لا تصح؛ لأن الرقيق لا يتصرَّف في مال أبيه، فلا يصلح أن يكون متوليًا وإن أذن له سيده: كالمجنون؛ ولأن ذلك يستدعي فراغًا، وهو مشغول بخدمة سيده، كما نصَّ الشافعية على ذلك في باب الوصية (٣). الشرط الخامس: عدم طلب النظارة: إذا طلب الرجل أن يكون ناظرا على الوقف؛ فهل تصحُّ توليته ناظرًا أو لا؟ اختلف الفقهاء في ذلك إلى قولين:

стр. 819

القول الأول: صحة تولية من سأل النظارة على الوقف، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والإمامية (٤). القول الثاني: يُشترط لصحة ولاية النظارة على الوقف أن يكون صالحًا للنظر، ولا يكون ممن سأل الولاية في الوقف، وهذا هو مذهب الحنفية (٥). قال ابن نجيم الحنفي: "والظاهر أنها شرائط أولوية، لا شرائط الصحة" (٦). ويُستثنى من عدم تولية من سأل الولاية عند الحنفية ما إذا لم يكن أحد غيره يصلح لها، كما أشار إلى ذلك الزيلعي في قوله: "وإن تعيَّن هو للقضاء، بأن لم يكن أحد غيره يصلح للقضاء؛ وجب عليه الطلب؛ صيانة لحقوق المسلمين، ودفعًا لظلم الظالمين" (٧). الأدلة: أدلة القول الأول: القائل بصحة تولية من سأل النظارة على الوقف. المعقول: فقالوا: إن الشرط في ناظر الوقف الأهلية، والأمانة، والكفاءة، ولا عبرة بشرط طلب النظارة؛ إذ لا فائدة (٨).

стр. 820

أدلة القول الثاني: القائل بأنه لا نظارة على الوقف لمن سألها. السنة والمعقول: ١ - السنة: عَنْ أَنَسِ بْن مَالِك قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنْ طَلَبَ القَضَاءَ وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ، وُكِلَ إِلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَطْلُبْهُ وَلَمْ يَسْتَعَنْ عَلَيهِ؛ أَنْزَلَ اللهُ ملكًا يُسَدّدُهُ" (١). وجه الدلالة: دلَّ الحديث على النهي عن طلب الإمارة؛ لأن الولاية تفيد قوة بعد ضعف، وقدرة بعد عجز، تتخذها النفس المجبولة على الشرِّ وسيلة إلى الانتقام من العدو، والنظر للصديق، وتتبُّع الأغراض الفاسدة، ولا يوثَق بحسن عاقبتها، ولا سلامة مجاورتها، فالأوْلى ألا تُطلب ما أمكن (٢). ٢ - المعقول: وهو من وجهين: الوجه الأول: أن من طلب التولية على الوقف لا يُعطي له؛ قياسًا على تولية القضاء، فمن طلب القضاء فلا يُقلَّد، فكذا من طلب التولية على الوقف (٣). الوجه الثاني: أن من طلب القضاء أو النظارة أو الوصاية لا يولَّي، وعلَّلوه بأن الطالب موكول إلى نفسه، وهو عاجز، فيكون سببًا لتضييع الحقوق (٤). (فائدة) ذهب عامَّة أهل العلم إلى أن الناظر بالأصالة؛ سواء كان الواقف، أو الموقوف عليه المعيَّن المحصور، أو الحاكم .. له أن يستنيب نصبَ ناظر وعزلَه؛ لأصالة ولايته، فأشبه المتصرِّف في مال نفسه (٥).

стр. 821

المبحث الثالث أعمال الناظر اهتمَّ الفقهاء بتحديد وظائف الناظر، أو القيم أو المتولي على الوقف، وبيَّنوا ما له وما عليه، وطرق تعيينه، وعزله، ومتى يكون ضامنًا ومتى لا يكون؟ كما اهتمُّوا بتفصيل مسؤولياته الدينية والمدنية نحو الوقف والموقوف عليهم .. وغير ذلك من المسائل المرتبطة بمسؤولياته ووظائفه. ولقد تنوَّعت آراء المدارس الفقهية الإسلامية بين التوسعة والتضييق في بيان حدود تصرفات النظَّار، فتوسَّعت في جملة المذاهب، وضاقت في دائرة الفقه الظاهري؛ لمنعهم القياس والعمل بالمصالح المرسلة .. وغيرهما، وهما غالب وسائل اجتهادات الفقهاء، كما يمنعون بعض التصرُّفات؛ كحكم الاشتراط مثلًا؛ لعملهم بظاهر حديث النبي ﷺ : "مَا بَالُ أُنَاس يَشْتَرِطُونَ شروطًا لَيْسَتْ في كِتَابِ الله ، مَنِ اشْتَرَطَ شرطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ ؛ فَلَيْسَ لَه، وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ، شَرْطُ الله أَحَقُّ وَأوْثَقُ" (١). ومن هذه الوظائف نذكر ما يأتي: أولًا: زيادة الأصول الموقوفة: يعدُّ زيادة الأصول الموقوفة من أهم انشغالات الفقهاء قديمًا وحديثًا، ويتمحور الهدف من وراء ذلك في أمور؛ أبرزها: - توسيع دائرة النفع من الوقف حسب اختلاف مضامينه. - تعظيم العائد المالي للوقف. - تحقيق فرص جديدة للاستثمار في المجتمع، وتوفير مناصب شغل؛ مما يسهم في التخفيف من البطالة. ولهذه الأسباب وغيرها نجد الفقهاء يعدُّون من وظائف الناظر: العمل على زيادة أصوله.

стр. 822

والفقهاء وإن اتفقوا على مشروعية زيادة الأصول الوقفية بأصول جديدة بشراء؛ كفعل عثمان ﵁ لمَّا اشترى النصف الثاني من بئر رومة من اليهودي (١)؛ تحقيقًا لمقاصد الوقف والموقوف عليهم .. فقد اختلفوا في تقرير مسائل فرعية؛ نذكر منها: - مسألة حقِّ الناظر في شراء أصل جديد إن لم يشترطه الواقف أو يعمل بالمصلحة. - مسألة تبعية الأصل الجديد؛ هل يكون تبعًا لما سبق من وقف؛ لأنه اشتُري بريعه؟ أم أنه مستقلٌّ بنفسه عنه؟ وهي مسألة قد تؤثِّر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في مدى صحة القول في زيادة الأصول الموقوفة من عدمه؛ وكذلك في مدى استقلالية الوقف الجديد عن القديم في نفقته وصيانته. وزيادة الأصول الموقوفة عملية تنموية، تهدف إلى زيادة الوقف وتنميته؛ بإضافة أصول جديدة تدرُّ بريعها على الأصل القديم والجديد، وجاءت اجتهادات الفقهاء في هذه المسألة كالآتي: القول الأول: جواز زيادة الأصول الموقوفة بإذن القاضي: فأجاز الحنفية - في الرواية الأولى عنهم - الزيادة في الأصول الموقوفة، وهو ظاهر مذهب الإمامية؛ بشراء أصول جديدة من غلَّة الأصول الموقوفة، واشترطوا أن يكون ذلك بإذن قضائي أو بإذن الإمام.

стр. 823

فجاء عن الحنفية: "لو أراد المتولي أن يشتري ضيعة بغلَّة الوقف لتكون موقوفة على وجه الوقف الأول؛ فقد وُقفت، ولم يوجد فيه رواية، فقيل: يُجيزه القاضي" (١). وجاء عن الإمامية: "ولو حصل مال كثير من غلَّة وقف المسجد؛ أخذ منه بقدر ما لو خرب المسجد أُعيدت العمارة، والزايد يشتري به ما فيه للمسجد زيادة غلَّة" (٢). القول الثاني: جواز زيادة الأصول الموقوفة تقديرًا لمصلحة الوقف: أجاز الحنفية - في الرواية الثانية عنهم - الزيادة في الأصول الموقوفة؛ بشراء أصول جديدة من غلتها، دون تقييد بإذن القضاء، وهو ظاهر مذهب المالكية والشافعية والحنابلة والزيدية والإباضية. فجاء عن الحنفية: "يجوز على الوقف شراء ما يكون فيه عمارة الوقف وزيادة لغلَّته" (٣). وجاء عن المالكية ما نقله الونشريسي في معياره عن الفقيه السرقسطي؛ ما يشير إلى مسألة جواز شراء دار من غلَّة الوقف، إذ قال: "وسُئل عن مسجد له حبس معيَّن للبناء، وحبس معيَّن للحصر، وحبس معيَّن للزيت، وحبس معيَّن للشمع لقراءة الحديث، وتوفَّر من ذلك جملة دراهم بطول السنين، وإمام المسجد المذكور يسكن بالكراء؛ فهل يجوز أن يشتري بتلك الدراهم التي توفَّرت من فوئد تلك الأحباس دارًا، وتكون حبسًا يسكنها الإمام من غير أن يؤدي كراءها؟ أم لا يسكنها إلا بالكراء؟ فأجاب: إذا كانت مصارف الأحباس - المذكورة في السؤال - مقامة على ما يجب؛ فجائز للإمام أن يسكن الدار المشتراة من وفرتها من غير كراء" (٤).

стр. 824

وجاء عن الشافعية: "ويدَّخر من زائد غلَّة المسجد على ما يحتاج إليه ما يعمِّره؛ بتقدير هدمه، ويشتري له بالباقي عقارًا ويقفه؛ لأنه أحفظ له" (١). فالقول بادِّخار ما زاد من عائده لشراء وقف جديد؛ مظهر من مظاهر تنمية الوقف بالزيادة من أصوله على سبيل المصلحة. وجاء عن الحنابلة: "لو اشترى عبدًا من غلَّة الوقف الخدمة الوقف؛ فإن الفطرة تجب قولًا واحدًا؛ لتمام التصرُّف فيه" (٢)؛ فيتَّضح من النصِّ ذهابهم إلى القول بمشروعية زيادة أعيان الوقف بالشراء بما يخدمه من آلة أو غيرها. وجاء عن الزيدية: "وللمتولي كسب مستغلٍّ بفاضل غلَّته ... لكن ينبغي أن يكون ذلك وقفًا كأصله" (٣). وجاء عن الإباضية ما يفيد ذلك في سؤال بعضهم: "هناك قطعة أرض للوقف، مقام على جزء منها دكان، وهناك جزء خال من ذلك؛ يريد أحد الأشخاص بناء منزل مكان الدكان، وقد رأينا أن البنيان أفضل وأغلى وأجدى من الأرض؛ إذ العائد من البنيان أكبر من العائد من الأرض .. فما رأي سماحتكم في ذلك؟ الجواب: لا بدَّ في ذلك من مراعاة مصلحة الموقوف له، فإن تعيَّنت المصلحة فلا حرج في ذلك" (٤). القول الثالث: منع زيادة الأصول الموقوفة: منع الحنفية - في القول الثالث المروي عنهم - الزيادة في الأصول الموقوفة بشراء أصول جديدة من غلتها؛ بل ذهبوا إلى القول بتضمين الناظر إن فعله، إذ جاء عنهم:

стр. 825

وفي القنية: اجتمع من مال المسجد شيء؛ فقيل: ليس للقيم أن يشتري به دارًا للوقف؛ ولو فعل ووقف يكون وقفه، ويضمن " (١). ثانيًا: الزيادة الرأسمالية للأصول الموقوفة (زيادة القيمة): نبَّه فقهاء المدارس الفقهية الإسلامية إلى أهمية عناية الناظر بتنمية قيمة الأصول الرأسمالية للأصول الموقوفة؛ تحقيقًا للمقاصد الشرعية من الوقف، والتي لا تتمُّ إلا من خلال أمور؛ أهمها: - تحديد مكانها؛ لاختلاف قيمة الأماكن بقيمة تواجدها، فالعقار الموجود في المدينة يختلف عن المتواجد بالريف. - تحديد طبيعة النشاط الممارس في الوقف أو المرغوب أن يُمارس فيه مستقبلًا. - تحديد مدى توفر الطلب على النشاط الممارس في الوقف أو الذي سوف يُمارس فيه. - البحث عن إمكانية إعادة تأهيلها لاستثمارها وفق مقصد الواقف وشرطه. - تصنيفها بالنظر إلى كونها عقارات وقفية أثرية أو زراعية .. بغية حسن استغلالها، وما يناسبها من استثمار. - إعادة تقويم العقارات الوقفية المؤجَّرة بالنظر إلى مكان تواجدها، والبحث في مدى إمكانية تغيير نشاطها. وفي مجال زيادة القيمة الرأسمالية للأصول الموقوفة عند الفقهاء نقف على اتجاهين: الاتجاه الأول: يذهب إلى جواز التصرُّف في الأصول الموقوفة لزيادة قيمتها الرأسمالية؛ مراعاة للمصلحة أو عملًا بشرط الواقف:

стр. 826

تختلف أشكال زيادة القيمة الرأسمالية باختلاف طبيعة الأصل الموقوف أو شكله، إذ إنها غالبًا ما تؤدي إلى تغيير صورته كليًّا أو جزئيًّا؛ بإضافة ما يعود بالفائدة على الوقف، ويزيد من قيمته الرأسمالية، وفي كلتا الحالتين فإنه يتصرَّف في شرط الواقف بطريقة مباشرة أو غير مباشرة: القول الأول: جواز زيادة القيمة الرأسمالية للوقف بتغيير صورة الانتفاع منه مطلقًا: أجاز الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والزيدية والإمامية والإباضية (في ظاهر الرواية الأولى عنهم) زيادة القيمة الرأسمالية للوقف بتغيير صورة الانتفاع من الأصل الموقوف أو شكله، من صورة الأخرى أو من شكل لآخر؛ كتغيير الاستفادة من العقار الموقوف من كونه سكنًا مؤجرًا إلى مستشفى مثلًا، أو إلى فندق .. إلخ. فجاء عن الحنفية ما يتضمَّن الزيادة الرأسمالية للأصول الموقوفة بالدعوة إلى إعادة تأهيل الأرض الموقوفة؛ كما في قولهم: "فإن كانت قطعة من هذه الأرض سبخة لا تُنبت شيئًا، فيحتاج إلى كشح وجهها وإصلاحها حتى تنبت؛ كان للقيِّم أن يبدأ من غلَّة جملة الأرض بمؤنة إصلاح تلك القطعة؛ لأنها إذا صلحت كبرت الغلَّة، فكان أنفع للفقراء" (١). فيعدُّ القول بتوجيه جزء من ريع الوقف - في النص السابق - لإعادة تأهيل هذه الأرض السبخة المعطَّلة عن دورة الإنتاج والاستثمار .. تكثيرًا للأصول الموقوفة، وكذا زيادة لرأسمالها؛ بما يرجع بالفائدة على الوقف والموقوف عليهم والمجتمع. ويعضِّد قول الحنفية بجواز تغيير صورة الوقف بزيادة القيمة الرأسمالية لأصوله؛ ما جاء في مجمع الضمانات من قوله: "لو كانت أرض الوقف متصلة ببيوت المصر، يرغب الناس في استئجار بيوتها، وتكون غلَّة ذلك فوق غلَّة الزرع والنخل؛ كان للقيِّم أن يبني فيها بيوتًا ويؤاجرها؛ إذ الاستغلال بهذا الوجه أنفع للفقراء" (٢).

стр. 827

وجاء عن المالكية ما يدلُّ على مشروعية تغيير صورة الوقف إلى صورة أخرى ترفع من قيمة رأسماله؛ في حالة قيام مصلحة أو الحاجة لذلك؛ كتعمير أرض الوقف بعقد الحكر، وضبطوه بقولهم: "إلا أن يتعطَّل الوقف بالمرَّة، ولم يكن هناك ريع له يُقيمه، ولم يمكن إجارته بما يقيمه؛ فأذن الناظر لمن يبني فيه أو يغرس في مقابلة شيء يدفعه لجهة الوقف، أو لا، يقصد إحياء الوقف، على أن ما بناه أو غرسه يكون له ملكًا، ويدفع عليه حكرًا معلومًا في نظير الأرض الموقوفة لمن يستحقه من مسجد أو آدمي، فلعل هذا يجوز إن شاء الله تعالى، ويسمَّى البناء والغرس حينئذ خلوًا؛ يُملك ويُباع ويُورث" (١). فالقول بجواز عقد الحكر بالغرس أو البناء في أرض الوقف فيه تغيير لصورة الوقف من جهة، وتحقيق زيادة في القيمة الرأسمالية للأصل الموقوف المعطل من خلال تهيئته للاستثمار مستقبلًا بعد انقضاء العقد بما يحفظ العين الموقوفة ويسهم في تنميتها، فالبناء أو الغراس تغيير الصورة الوقف بالانتقال من مصلحة إلى أخرى ترجع بالفائدة على الوقف ومقاصده. ومثاله أيضًا ما جاء من تجويزهم تحويل مراحيض مستغني عنها بحوانيت (٢) ترجع بالفائدة على الوقف والموقوف عليهم وتزيد من قيمة رأسماله. وجاء عن الشافعية ما يفيد مشروعية التصرُّف بالتغيير في الوقف في مسألة مفادها "أن شخصًا أراد عمارة مسجد خرب بآلة جديدة غير آلته، ورأى المصلحة في جعل بابه في محل آخر غير المحل الأول لكونه بجوار من يمنع الانتفاع به على وجه المعتاد، وهو أنه يجوز له ذلك لأن فيه مصلحة للجامع والمسلمين" (٣)؛ فالشاهد

стр. 828

هنا أنه "رأى المصلحة في جعل بابه في محلٍّ آخر غير المحلِّ الأول لكونه بجوار من يمنع الانتفاع به على وجه المعتاد"، والتي يُستفاد منها مشروعية التصرُّف في الوقف بما يزيد منافعه ويحقق أغراضه والتي منها زيادة رأسمال أصوله. ولقد قيَّد الإمام السبكي التغيير في صورة الوقف بقوله: "والذي أراه أنه: يجوز تغييره في غير ذلك أيضًا بثلاثة شروط: - أن يكون يسيرًا لا يغير مسمى الوقف. - وأن لا يزيل شيئا من عينه؛ بل ينقل نقضه من جانب إلى جانب. - وأن تكون فيه مصلحة للوقف" (١). وجاء عن ابن تيمية من الحنابلة قوله: "وجوز جمهور العلماء تغيير صورة الوقف للمصلحة، كجعل الدور حوانيت" (٢). فتغيير صورة الوقف من مساكن إلى حوانيت أو إلى مجمعات تجارية يزيد من القيمة الرأسمالية للوقف وريعه. وجاء عن الزيدية ما يفيد بظاهره جواز التصرُّف في الأصل الموقوف بالتغيير زيادة في ريعه، بإطلاق التصرُّف للناظر بالبيع والشراء المصلحة الوقف؛ بل أعتبره الشوكاني من باب الواجب، إذ قال: "بل عليه ذلك، ولا يجوز له الإخلال به" (٣). فإن كان مراعاة المصلحة الشرعية محقق بالبيع والشراء لحساب الوقف؛ فتغيير صورته من حال لآخر لزيادة قيمته الرأسمالية يكون بظاهر هذا القول من باب أولى.

стр. 829

ويتأكد هذا القول: تجويزهم نقل الوقف من مصلحة إلى ما هو أصلح منها، إذ جاء عن الشوكاني من جواز نقل الوقف: "إلى ما هو أصلح منه باعتبار الغرض المقصود من الوقف والفائدة المطلوبة من شرعيته، حسن سائغ شرعًا وعقلًا" (١). وجاء في هذا المضمون عن الإمامية: "إذا أمكن تبديل الوقف من حال الذي وقف عليه إلى حال آخر، كتبديل البستان شقة سكنية وتبديل الدار إلى محلات تجارية وتبديل المدرسة بمستشفى ... فيجوز - في الصورة الأولى - مع كونه أنفع للموقوف عليهم أو أصلح للوقف؛ بل قد يجب، ولا سيما مع تعذر الانتفاع به على الوجه الأول الذي وقف عليه لفقده للوازم ذلك، كالبستان ينقطع عنه الماء، والدار في محلة يعرض الناس عن السكنى فيها" (٢). وجاء عن الإباضية، ما يفيد مشروعية التصرُّف بالزيادة في الأصل الموقوف بالتصرف بتغيير المنفعة ما جاء في كتاب الفتاوى للشيخ الخليلي من سؤال بعض الناس: "هناك قطعة أرض للوقف، مقام على جزء منها دكان، وهناك جزء خالي من ذلك؟ يريد أحد الأشخاص بناء منزل مكان الدكان، وقد رأينا أن البنيان أفضل وأغلى وأجدى من الأرض - إذ العائد من البنيان أكبر من العائد من الأرض - فما رأي سماحتكم في ذلك؟ الجواب: لا بدَّ في ذلك من مراعاة مصلحة الموقوف له، فإن تعينت المصلحة فلا حرج في ذلك" (٣). القول الثاني: جواز زيادة القيمة الرأسمالية للوقف بتغيير صورة الانتفاع منه إن اشترطه الواقف:

стр. 830

أجاز الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة، والزيدية، والإمامية، والإباضية - في ظاهر الرواية الثانية عنهم - زيادة القيمة الرأسمالية للوقف بتغيير صورة أو شكل الانتفاع من الأصل الموقوف من صورة الأخرى إن اشترطه الواقف في وقفيته. فجاء عن أبي يوسف من الحنفية: "ولو شرط الواقف أن يستبدل به أرضًا أخرى إذا شاء ذلك، فهو جائز" (١). والاستبدال نوع من أنواع تغيير صورة الانتفاع التي يلجأ إليها لزيادة أصول الوقف المالية. وجاء عن ابن حاجب من المالكية قوله: "مهما شرط الواقف ما يجوز له؛ اتبعه" (٢)، فيفهم من كلامه جواز كل أنواع التصرفات المشروعة والتي منها تغيير صورة الانتفاع من الوقف بتغييره من هيئة الأخرى زيادة رأسماله. وجاء عن الشافعية: "إن شرط الواقف العمل بالمصلحة، فيجوز التغيير بحسبها عملًا بشرطه" (٣). وجاء عن ابن قدامة من الحنابلة: "ويرجع في الوقف، ومصرفه، وشروطه، وترتيبه، وإدخال من شاء بصفة وإخراجه بها، وكذلك الناظر فيه والنفقة عليه إلى شرط الواقف" (٤). فيفهم من كلامه جوز التصرُّف فيه بتغيير منفعته زيادة لرأسماله. وجاء عن الزيدية: "وإذا عين الواقف موضعا للصرف ... أو عين موضع الانتفاع ... تعين الصرف والانتفاع في ذلك الموضع" (٥).

стр. 831

وجاء عن الإمامية: "لا يجوز إخراج الوقف عن شرطه ... الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها" (١)، فيؤخذ من مفهوم المخالفة أنه إن اشترط شروطًا معتبرة شرعًا تحقق مصالح الوقف؛ جاز، والتي منها تغيير صورة الانتفاع به زيادة لرأسماله. وجاء عن الإباضية في ظاهر الرواية ما يفيد مشروعية تغيير الوقف من صورة من صور الانتفاع إلى أخرى زيادة في رأسماله كقول بعضهم: "كل شرط جاء في الوقف، فهو ثابت، إلا إن كان شرطًا باطلًا؛ فمنبوذ" (٢). القول الثالث: جواز المراجعة الدورية لإجارة الأصول الموقوفة لزيادة رأسمالها: يعد عقد الإجارة من العقود المؤثرة على تنمية رأسمالية أصول الوقف والتي جاءت فتاوى المدارس الفقهية بالقول بمشروعية التعامل بها كصيغة تمويلية للوقف ومؤسساته، وإن هذه الزيادة للقيمة تقوم على المراجعة الدورية لأجرة الأصل الموقوف، والتي يجب أن تمر عبر إعادة تأهيلها وتصنيفها بالنظر إلى: - مكان تواجدها (منطقة ريفية/ حضارية). - من جهة طبيعتها (أراض بور/ أرض زراعية). - من جهة قيمتها التاريخية (عقارات أثرية/ عقارات غير أثرية). ويمكن ملاحظة أن المدارس الفقهية تناولت هذه المسألة المرتبطة بالزيادة الرأسمالية للأصول الموقوفة بطريقة غير مباشرة لم تسمها بمصطلح زيادة القيمة، وإنما بحثتها ضمن مسائل الوقف الفرعية المرتبطة بمسألة المحافظة على شرط الواقف في تحديد أجرة العقار الموقوف وكذا حدود سلطة الناظر في تحديدها إن لم ينص عليها الواقف صراحة وغيرها من المسائل الحقوقية والمالية المماثلة لها والتي تخدم بطريقة مباشرة

стр. 832

أو غير مباشرة، مسألة الزيادة الرأسمالية للأصول الموقوفة العقارية، ولقد بحثت المدارس الفقهية هذه المسألة؛ فجاءت اجتهاداتهم كالآتي: (أ) من جهة تحديد مدة الإجارة: جاء عن فقهاء الحنفية والمالكية والإمامية في ظاهر الرواية عنهم ما يفيد مراعاة ناظر الوقف للمصلحة الشرعية لتنمية الوقف وأصوله، وزيادة رأسماله بترك تقدير مدة عقد الإجارة للأصول الموقوفة بما يخدم الوقف ومقاصده بحسب ظروف المكان والزمان. فجاء - في الرواية الثالثة - عن الحنفية قولهم: "فالمتقدمون من أصحابنا قالوا: يجوز إجارته أي مدة كانت" (١). وتوسَّع بعض متأخري المالكية في حالة الحاجة أن تصل إلى تسع وتسعين سنة، ومثاله ما جاء في فتح العلي: "ما قولكم: في أرض نحو ألف ذراع محبسة على الجامع الكبير بمدينة إسنا بأقصى صعيد مصر، طرح الناس أتربة وأقذارا فيها حتى صارت لا ينتفع به في الحال، فأجرها نائب القاضي تسعة وتسعين سنة لمن ينقل ما فيها من الأتربة والأقذار ويبنيها خانا، كل سنة بأربعة أرطال زيت لا غير، وأزال المكتري ما فيها، وأصلحها، فحصلت الرغبة فيها بزائد عن تلك الأجرة فهل تفسخ تلك الإجارة ويصير الأنفع للوقف؟ أفيدوا الجواب، فأجبت بما نصه: الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، نعم تفسخ إن وجد حين عقد الإجارة من يستأجرها بأجرة زائدة عما ذكر؛ أما إن لم يوجد حين العقد من يستأجرها بزائد عما ذكر، فإنها لا تفسخ، ولا تعتبر الرغبة في إجارتها بزائد عما استؤجرت به الحادثة بعد عقد الإجارة ونقل ما فيها. وقد أفتى جماعة من محققي المتأخرين بجواز إجارة الوقف المدة الطويلة لمن يعمره ويختص بزائد غلته إذا لم يكن للوقف ريع يعمر به ووقعت الإجارة بأجرة المثل في وقتها" (٢).

стр. 833

وظاهر مذهب الإمامية القول: بعدم تحديد مدة زمنية لإجارة الوقف؛ وإنما يكون الأمر إلى الناظر وتقديره للمصلحة الشرعية بحسب ظروف المكان والزمان، إذ جاء عنهم: "وحكم الوقف في أنه يجوز أن يؤجر مهما شرط المؤجر، حكم طلق، ما لم يخالف تقدير الواقف" (١). (ب) من جهة تحديد قيمة الإجارة: جاء عن فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والزيدية والإمامية والإباضية إلزام ناظر الوقف بوجوب مراعاة المثل عند إجارته المرافق الوقفية، بل نجدهم يغرمونه فارق الإجارة عند التقصير، كما منعوا استغلالها من غير أجرة، وذلك لما فيه من حفظ الوقف ومقاصده وتنمية لأصول الرأسمالية. فجاء عن الحنفية: "وليس للقيم أن يسكن فيها أحدًا بغير أجر؛ لأنه إتلاف منافع الوقف بغير عوض" (٢). وجاء عنهم أيضًا: "وإجارة الوقف ومال اليتيم، لا يجوز إلا بأجر المثل؛ فلو أجر بدون أجرة المثل؛ يلزم المستأجر تمام الأجرة، وعليه الفتوى" (٣). وجاء عن المالكية: "الحبس إذا صدرت إجارته بأجرة المثل ثم جاء شخص يزيد فيه، فإن الإجارة لا تنفسخ لتلك الزيادة، فإن صدرت إجارته بدون أجرة المثل؛ فإن الزيادة تقبل ممن أرادها كان حاضر الإجارة الأولى أو كان غائبًا. ويعتبر كون الكراء كراء المثل وقت عقد الإجارة، فإن كان أقل من كراء المثل وقت العقد قبلت الزيادة" (٤).

стр. 834

وجاء عن الشافعية: "وإذا أجر الناظر العين الموقوفة على غيره مدة بأجرة مثله؛ فزادت الأجرة في المدة أو ظهر طالب بالزيادة عليها لم ينفسخ العقد في الأصح؛ لأن العقد قد جرى بالغبطة في وقتها" (١). وجاء عن الحنابلة: "إذا أجره بدون أجرة المثل صح، وضمن النقص كبيع الوكيل بأنقص من ثمن المثل" (٢). وجاء عن الزيدية ما يفيد عدم مشروعية إجارته أو بيعه بغير ثمن المثل: "ولا يبيع بثمن المثل مع وقوع الطلب بالزيادة" (٣). وجاء عن الإمامية: "ولو أجر الناظر في المدة، فزادت الأجرة في المدة، أو ظهر طالب بالزيادة لم يفسخ العقد؛ لأنه جرى بالغبطة في وقته" (٤). وجاء عن الإباضية ما يفيد مشروعية اشتراط أجرة المثل إلا في الحالات الخاصة كنقص الطلب عليها، كما جاء في سؤال بعضهم: "توجد أموال وقف في بلدتنا، وليس لها شخص محدد يرعاها، وفي الآونة الأخيرة اتفق الأهالي على إعطائها بالعقد إلى بعض أشخاص يقومون بإصلاحها ورعايتها ودفع الأجرة، فهل يجوز لهم ذلك؟ علمًا بأن هذه الأموال تتكون من نخيل وعوابي زراعية؟ الجواب: أما الأراضي فلا مانع من تأجيرها، وأما النخيل، فلا يجوز بيع غلتها إلا بعد دراكها، والله أعلم" (٥). إن مجموع هذه الأقوال تفيد بطريقة مباشرة زيادة القيمة المالية للوقف بزيادة مداخيله مما يساعد ناظر الوقف على عمارته وتنفيذ شروط الواقف بما يعود بالمصلحة على الموقوف عليهم والوقف والمجتمع.

стр. 835

لقد جاء في قرارات مجمع الفقه الإسلامي ما يتضمن دعم زيادة الرأسمالية للأصول الموقوفة من خلال القول بمشروعية: أ - إقامة شركة بين جهة الوقف بقيمة أعيانه وبين أرباب المال بما يوظفونه لتعمير الوقف. ب - تقديم أعيان الوقف - كأصل ثابت - إلى من يعمل فيها بتعميرها من ماله بنسبة من الريع. ج - تعمير الوقف بعقد الاستصناع مع المصارف الإسلامية، لقاء بدل من الريع. د - إيجار الوقف بأجرة عينية هي البناء عليه وحده، أو مع أجرة يسيرة" (١). وكذا قولهم بجواز وقف الأسهم والصكوك واستعمال عوائدها في أغراض الوقف (٢). ودعوتهم القائمين على الوقف: "الأخذ بعقد البناء والتشغيل والإعادة في تعمير الأوقاف" (٣)، لما فيه من مصالح أهمها إعادة تأهيل الأرض الوقفية. الاتجاه الثاني: منع التصرُّف في الأصول الموقوفة لزيادة قيمتها الرأسمالية احترامًا لشرط الواقف:

стр. 836

منع فقهاء المدارس الفقهية في الرواية الثانية عنهم النظار التصرُّف في الأصول الموقوفة لزيادة رأسمالها إلا في حدود ما يشترطه الواقف في إجارة الأصول الموقوفة أو ما دعت إليه الضرورة أو بما تقرر من عرف صحيح (كإجارة المثل)، ويمكن حصر اجتهاداتهم فيما يأتي: القول الأول: منع زيادة القيمة الرأسمالية للوقف بتغيير صورة الانتفاع منه: منع فقهاء الشافعية، والإمامية، والإباضية تغيير صورة الوقف مراعاة للضابط الكلي من وجوب "احترام شرط الواقف". فجاء في ظاهر - الرواية الثانية - عن الشافعية، منعهم التصرُّف بالزيادة في الأصول الموقوفة بغية زيادة رأسمالها إلا في حدود ما اشترطه الواقف أو بإذنه أو ما دعت إليه الضرورة، إذ قالوا: "ولا تغييره عن هيئته، كجعل البستان دارًا أو حمَّامًا إلا إن شرط الواقف العمل بالمصلحة؛ فيجوز التغيير بحسبها عملا بشرطه" (١). والقول بالمنع بالتصرف بالزيادة في ظاهر - الرواية الثانية - عن الإمامية احتراما الشرط الواقف ولإمكانية الانتفاع به على الهيئة التي حددها، إذ قال صاحب منهاج الصالحين: "فلا يجوز - التغيير - مع إمكان الانتفاع به على الوجه الذي وقف عليه" (٢). وهو ظاهر الرواية الثانية عن الإباضية إذ جاء عن في كتاب الفتاوى للشيخ الخليلي: "هناك قطعة أرض للوقف، مقام على جزء منها دكان، وهناك جزء خالٍ من ذلك؟ يريد أحد الأشخاص بناء منزل مكان الدكان، وقد رأينا أن البنيان أفضل وأغلى وأجدى من الأرض - إذ العائد من البنيان أكبر من العائد من الأرض - فما رأي سماحتكم في ذلك؟ الجواب: لا بدَّ في ذلك من مراعاة مصلحة الموقوف له، فإن تعينت المصلحة فلا حرج في ذلك" (٣).

стр. 837

فالشاهد قوله: "فإن تعينت المصلحة" فيدل على الفتوى بالتغيير مرهونة بقيام ضرورة لذلك. القول الثاني: منع المراجعة الدورية لإجارة الأصول الموقوفة: جاءت بعض الفتاوى الفقهية بمنع التصرُّف في شرط الواقف في المراجعة الدورية للأصول الموقوفة، والتي يمكن حصرها إجمالًا في الآتي: تحديد مدة الإجارة: منع فقهاء الحنفية، والزيدية، والإمامية التصرُّف في شرط الواقف في تحديد مدة الإجارة ولو لزيادة رأسماله احترامًا لشرط الواقف. فجاء - في الرواية الأولى - عن الحنفية القول بمنع مخالفة شرط الواقف في تحديد مدة الإجارة للأعيان الموقوفة، إذ جاء عنهم: "لا تجوز إجارة الوقف أكثر من المدة التي شرطها الواقف؛ لأنه يجب اعتبار شرط الواقف، لأنه ملكه أخرجه بشرط معلوم ولا يخرج إلا بشرطه" (١). وجاء عن متأخري فقهائهم - وهي الرواية الثانية عنهم - الاجتهاد بتقييدها بأن لا تكون: "أكثر من سنة" (٢). وجاء عن الزيدية تحديدها بأن تكون: "دون ثلاث سنين" (٣)، ولعل الاجتهاد بالتحديد خرج مخرج الاحتياط للأصلح للوقف حتى لا يذهب رسمه. وجاء عن الإمامية: "فإن كان الواقف قد قدر أن يؤجره مدة معينة؛ لم يجز التخطي" (٤). يظهر مما سبق، أن المدارس الفقهية تتفق على أن من وظائف ناظر الوقف العمل على الزيادة الرأسمالية للوقف وإن لم يشيروا إليها صراحة لكن قولهم بتحديد مدة

стр. 838

إجارة الوقف، والعمل بمقتضى إجارة المثل ما هي إلا طريقة من طرق تحصيل هذه الزيادة المنشودة. ثالثًا: تحويل الريع إلى أصل موقوف: يعد تحويل ريع الوقف أو عائداته من أصول نقدية إلى أصول أو منشآت وقفية من وظائف الناظر؛ لأنه يحفظ الوقف ومقاصده، وكذلك لما في هذا التحويل من زيادة مداخيله، والذي ينتج عنه زيادة رأسماله، وتوفير حظ أوفر لمصارفه، كما يسهم في توفير مناصب شغل لأفراد المجتمع بحسب طبيعة الوقف الاقتصادية أو الخدمية. في هذه المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: جواز تحويل الريع إلى وقف مراعاة لمصلحة الوقف: فقد أجاز فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والزيدية والإمامية والإمامية والإباضية - في الرواية الأولى عنهم - تحويل ريع الوقف أو غلته إلى وقف جديد لما فيه من مصالح للوقف وللموقوف عليهم وقيدوا ذلك أن يكون فائضا عن نفقات الصيانة للمرفق الوقفي ومصارفه الضرورية. فجاء عن الحنفية: "المتولي إذا اشترى من غلَّة المسجد حانوتًا أو دارًا أو مستغلًا آخر؛ جاز؛ لأن هذا من مصالح المسجد" (١). وجاء عن المالكية: "وسُئل أيضا - ابن رشد - عن غلات مسجد واسعة، هل يستنفق لأيمته وقومته، ووقيده، وحصره أو يوقف فاضلها؟ وهل يشتري منها أصل للحبس أم لا؟ وكيف إن لم يجز الشراء، ففعله حاكم هل يضمن ما اشترى به أم لا؟ فأجاب: ... وشراء ما استفضل من الغلات أصلًا يكون حبسًا صواب، ووجه نظر، فكيف يضمن فاعله؟ " (٢).

стр. 839

وجاء عنهم أيضًا قول بعضهم: "وقد جرى العمل باستحداث الأصول من وفر الأحباس واستكثار الرباع من غلتها، إن ذلك من حسن النظر" (١). وجاء عن الشافعية في الرواية الأولى عنهم: "الوقف الفاضل من ريعه شيء، تارة يكون على مسجد، وتارة يكون على غيره؛ فإن كان على المسجد، فتارة يكون على مصالحه، وتارة يطلق، وتارة يكون على عمارته. ففي الحالين الأولين: يدّخر من الزائد ما يعمره وأملاكه أو الدور ونحوها الموقوفة عليه لوجوب ذلك، ويشترى له بباقيها ما فيه زيادة غلته ويقفه؛ لأنه أحفظ له" (٢). فالشاهد قولهم: بمشروعية شراء أوقاف جديدة مراعاة للمصلحة الوقف ومقاصده والتي عبروا عنها بقولهم: "لأنه أحفظ له". وجاء عن الحنابلة، جواز شراء ما فيه منفعة للوقف من غلته لخدمته وخدمة مصالحه، كمسألة شراء العبد لخدمة الوقف (٣). وجاء عنهم أيضًا: "مسألة: هل يجوز أن يبني خارج المسجد من ريع الوقف مسكنا ليأوي فيه أهل المسجد الذين يقومون بمصالحه؟ الجواب: نعم، يجوز لهم أن يبنوا خارج المسجد من المساكن ما كان مصلحة لأهل الاستحقاق لريع الوقف القائمين بمصلحته" (٤). وجاء عن الزيدية قولهم: "للمتولي كسب مستغل للمسجد بفاضل غلته حيث فضل شيء من غلات أوقافه ولم يحتج إليها" (٥).

стр. 840

وجاء عن الإمامية: "مسألة: الوقف على مسجد أو مشهد إذا صرف حاصله الناظر على عمارته أو إضاعته أو شراء له أو غير ذلك، ثمّ فضل منه من فضلة مال الوقف فماذا يصنع به؟ الجواب: أما الوقف على المساجد، فيجوز صرفه إلى مسجد آخر، وأما وقف المشهد فالأجود التربُّص به إلى حين الحاجة، ولو اشترى به ملكًا وجعله وقفًا لم يكن بعيدًا" (١). وجاء عن الإباضية: "مسألة: بيع مال المسجد ليؤخذ به أفضل منه؟ الجواب: لا يعد من الجواز على نظر الصّلاح" (٢). فالشاهد في قوله: "بيع مال المسجد"، وهي غلته وما ينسب إليه ليحول من أصل إلى آخر ينتفع به المسجد ومصارفه التي نص عليها الواقف. القول الثاني: جواز تحويل الريع إلى وقف إن اشترطه الواقف: جاء في ظاهر الرواية الثانية عن الشافعية جواز تحويل ريع الوقف إلى أصل موقوف جديد إن اشترطه الواقف، إذ جاء عنهم" هل يسوغ للناظر أن يشتري به دارًا، ويوقفه ويجعل ريعه في مصالح الوقف الأول بعد عمارته إذا حصل فيه هدم إذا رأى ذلك مصلحة للوقف الأول؟ والحال أن الواقف لم يشرط ذلك في وقفه" (٣). القول الثالث: منع تحويل الريع إلى وقف: منع الشافعية - في ظاهر الرواية الثالثة عنهم - والإباضية - في الرواية الثانية عنهم - تحويل ريع الوقف إلى وقف جديد. فجاء عن الشافعية منعه مطلقًا في حالة كونه ثمرة ريع أصل موقوف على صيانة الوقف إن كان الريع من أصل موقوف على مصالح المسجد، فقالوا: "الموقوف على

стр. 841

عمارته، لا يشترى من زائد غلته شيء؛ بل يرصده للعمارة، وإن كثر؛ لأن الواقف، إنما وقف على العمارة فلم يجز صرفه لغيرها" (١). بل ذهبوا إلى القول في هذه الرواية: "وإن كان الوقف على غير مسجد، كانت فوائده ملكًا للموقوف عليهم، فتصرف إليهم جميع غلته ما لم يحتج لعمارة، فحينئذ تقدم على حقهم، ولا يصرف لهم شيء ما دام الاحتياج للعمارة موجودا سواء شرط الواقف تقديم العمارة أم لم يشرطه" (٢)، فيفهم من هذا القول: إنهم يشترطون موافقة الموقوف عليهم؛ لإنشاء وقف جديد بريع الوقف القديم وإلا فلا يصح ذلك. وجاء عن الإباضية في كتاب الجامع الكبير قوله: "مسألة: بيع مال المسجد ليؤخذ به أفضل منه؟ الجواب: ... وعلى قول من لا يجيزه يكون مشتريه كالداخل بسبب" (٣)، فالشاهد من المنع قولهم: "كالداخل بلا سبب"، ولا ينصرف هذا المعنى إلا للغاصب. فتحويل ريع الوقف إلى أعيان أو أصول وقفية يحفظ الوقف ومقاصده، ويوسع نشاطاته الخدمية، وينوع مداخيلة المالية، وإن اختلفت فتاوى المذاهب الفقهية؛ بل في المذهب الواحد في مشروعية ذلك، وشروطه، ومدى اعتباره وقفًا من عدمه، ومدى مشروعية بيعه كما هو حال قول الحنفية (٤) فيما جاء عنهم، وغير ذلك من المسائل الفقهية.

стр. 842

رابعًا: استثمار ريع الوقف: يجيز فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة، والزيدية، والإمامية لناظر الوقف استثمار ريع الوقف - إن توفرت شروط الاستثمار الآمن - بما يحقق مقاصد الوقف في تطوير المنشأة الوقفية في حد ذاتها بالزيادة في منافعها أو في تنمية قدرتها الإنتاجية أو الخدمية أو بالاستثمار في مشاريع أخرى مستقلة أو تشاركية بغية تطوير الوقف ومؤسساته أو شراء أسهم أو سندات مضاربة وغير ذلك. وإن الناظر في كتب الفقهاء في هذه المسألة لا يجدها تخرج عن الآتي: فجاء في ظاهر مذهب الحنفية التوسع في القول في استثمار ريع الوقف، بل لا يعتبرون في رواية عنهم ما اشتري من غلته وقفًا، ويجعلون للناظر حرية التصرُّف فيه بأنواع التصرفات التي ترجع بالفائدة عليه وعلى مقاصده، فجاء عنهم: "قيم اشترى من غلَّة المسجد حانوتًا للمسجد، يجوز بيعه عند الحاجة؛ لأنه من غلَّة الوقف وليس بوقف" (١). وجاء أيضًا عنهم: "وفي الخانية: المتولي إذا اشترى من غلَّة المسجد حانوتًا أو دارًا أو مستغلًا آخر؛ جاز؛ لأن هذا من مصالح المسجد، فإن أراد المتولي أن يبيع ما اشترى أو باع اختلفوا فيه ... وقال بعضهم: يجوز هذا البيع؛ وهو الصحيح؛ لأن المشتري لم يذكر شيئًا من شرائط الوقف، فلا يكون ما اشترى من جملة أوقاف المسجد" (٢). وإن هذا القول فيه من المرونة الاستثمارية إن وجدت ضمانات الرقابة على تصرفات الناظر. وجاء عنهم أيضًا مشروعية تنمية أصول الوقف بالزيادة فيها بالبناء، قال ابن نجيم الحنفي: "وإن أراد قيم الوقف أن يبني في الأرض الموقوفة بيوتًا يستغلها بالإجارة، لا يكون له ذلك لأن استغلال أرض الوقف يكون بالزرع؛ ولو كانت الأرض متصلة ببيوت

стр. 843

المصر يرغب الناس في استئجار بيوتها وتكون غلَّة ذلك فوق غلَّة الزرع والنخل؛ كان للقيم أن يبني فيها بيوتًا، فيؤاجرها؛ لأن الاستغلال بهذا الوجه يكون أنفع للفقراء" (١). وجاء عن المالكية: "ويباع فضل .. أي ما زاد من الذكور عن المحتاج إليه في النزو من نسل الإناث الموقوفة ويشترى بثمنه إناثا، ويباع ما كبر .. من الإناث الموقوفة ويصرف ثمنه في شراء إناث وتجعل وقفًا عوضًا عما بيع" (٢)، فالشاهد قولهم: "ما زاد من الذكور" وهو ريع تولد عن أصول موقوفة ليستبدل بالإناث لتكثير رأس مال الوقف. وجاء عن الشافعية: "ووقف بقرة أو نحوها على رباط إذ قال: ليشرب لبنها من ينزل أو ليباع نسلها ويصرف ثمنه في مصالحه، فإن أطلق، قال القفال: لم يصح، وإن كنا نعلم أنه يريد ذلك لأن الاعتبار باللفظ. قال الأذرعي: "والظاهر أن ما قاله القفال بناء على طريقته من أنه إذا وقف شيئًا على مسجد كذا لا يصح حَتَّى يبين جهة مصرفه وطريقة الجمهور تخالفه، فالمعتمد كما قال شيخنا: هنا الصحة أيضًا" (٣). فالشاهد في قولهم: "ليباع نسلها ويصرف ثمنه في مصالحه"، يفيد مشروعية تحويل الريع، والذي يتمثل هنا في بيع ما تولد من أبقار، ثمّ يصرف فيما فيه مصالح تنموية للوقف. وجاء عن الحنابلة مشروعية استعمال الناظر ما فضل من ريع وقف المسجد فيما يحقق مصالحه، إذ جاء عنهم قولهم: "يجوز صرف الفاضل في مثله، وفي سائر المصالح" (٤)، والتعبير بسائر مصالحه يشمل كل أنواع النفقات من صيانة وتعمير واستحداث منافع والتي تنتهي بخدمة الوقف ومقاصده.

стр. 844

وجاء عن الزيدية: "وللمتولي البيع والشراء لمصلحة" مع اشتراطهم لعدالته يكون ذلك واجبا "مع تيقن المصلحة ولا يجوز له الإخلال به" (١). وجاء في ظاهر الرواية عن الإمامية ما يفيد استثمار ريع الوقف، إذ جاء في تذكرة الفقهاء "العقار الموقوف على المسجد، وللمسجد هناك مال فاضل دخل بدئ منه بعمارة العقار؛ لأنه أصل في عمارة المسجد، ولو حصل مال كثير من غلَّة وقف المسجد أخذ منه بقدر ما لو خرب المسجد أعيدت العمارة، والزايد يشتري به ما فيه للمسجد زيادة غلَّة" (٢). وقد جاء تأكيد مشروعية استثمار ريع الوقف في توصيات مجمع الفقه الإسلامي في دورته الخامسة عشرة بمسقط أنه: "- يجوز استثمار الفائض من الريع في تنمية الأصل أو في تنمية الريع، وذلك بعد توزيع الريع على المستحقين وحسم النفقات والمخصصات، كما يجوز استثمار الأموال المتجمعة من الريع التي تأخَّر صرفها". وقيدوا ذلك بقولهم: "يعمل بشرط الواقف إذا اشترط تنمية أصل الوقف بجزء من ريعه، ولا يعدّ ذلك منافيًا لمقتضى الوقف، ويعمل بشرطه كذلك إذا اشترط صرف جميع الريع في مصارفه، فلا يؤخذ منه شيء لتنمية الأصل. الأصل عدم جواز استثمار جزء من الريع إذا أطلق الواقف ولم يشترط استثماره إلا بموافقة المستحقين في الوقف الذُّري، أما في الوقف الخيري فيجوز استثمار جزء من ريعه في تنمية الأصل للمصلحة الراجحة بالضوابط المنصوص عليها لاحقًا" (٣). المجتمعون في منتدى قضايا الوقف الفقهية الأول على ما يلي: " - يعمل بشرط الواقف في تنمية أصل الوقف بجزء من ريعه ولا يعد ذلك منافيًا لمقتضى الوقف ويعمل بشرطه كذلك في عدم تنميته بجزء من ريعه.

стр. 845

- عدم جواز استثمار جزء من الريع إذا أطلق الواقف ولم يشترط استثماره إلا بموافقة المستحقين في الوقف الذري. أما الوقف الخيري فيجوز استثمار جزء من ريعه بالضوابط المنصوص عليها لاحقًا. - يجوز استثمار الفائض من الريع بعد توزيع الريع على المستحقين وحسم النفقات والمخصصات" (١). فالمدارس الفقهية لا تمانع من استثمار الوقف إن وجدت ضمانات تحفظ الوقف ومقاصده وألا يكون الاستثمار ذريعة لبيعه. خامسًا: صرف ما يتعلق بالريع من حقوق: نبه الفقهاء ناظر الوقف على التعرف على الحقوق المالية المتعلقة بريع الوقف ورتبوها عموما بحسب الأولويات، فجاءت على النحو الآتي: أ) العمل على إصلاح الوقف لما فيه من المحافظة عليه وعلى مقاصده (٢): يعد بناء ما انهدم وترميم ما تصدع من الوقف من وظائف الناظر التي نبه عليها فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والزيدية والإمامية والإباضية لما له من تأثير على استمرار الوقف ومقاصده. فجاء عن الحنفية: "لو وقف على المساكين ولم يذكر العمارة، يبدأ من الغلَّة بالعمارة، وبما يصلحها، وبخراجها، ومؤنها ثمّ يقسم الباقي على المساكين، فإن كان في الأرض نخل ويخاف القيم هلاكها، كان للقيم أن يشتري من غلَّة الوقف فسيلا فيغرسه كي لا ينقطع" (٣).
следующие страницы →