← Фикх общий

Фикх общий · id 308

مدونة أحكام الوقف الفقهية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

الاتجاه الثاني: منع بيع العقارات الموقوفة مطلقًا: وهي الرواية الثانية المنقولة في المذهب الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، والزيدي، والإمامي، والإباضي، والظاهري الذي توسَّع في منع التصرُّف في الوقف مطلقًا. فجاء عمن الحنفية: "ومن المشايخ من لم يجوز بيع الوقف تعطل أو لم يتعطل" (١). وجاء عن المالكية: "ولا يُباع الحبس وإن خرب" (٢). وجاء عن الشافعية: "ولا يُباع موقوف؛ وإن خرب، كشجرة جفت أو قلعتها نحو ريح ودابة زمنت، ومسجد انهدم وتعذرت إعادته إدامة للوقف في عينه، ولأنه يمكن الانتفاع بأرض المسجد كصلاة واعتكاف، وبجذع الشجرة بإجارة وغيرها، وبلحم الدابة إن أُكلت، ولو ماتت ودُبغ جلدها عاد وقفًا" (٣). وجاء عن الحنابلة: "ويحرم، ولا يصح بيعه ولا هبته ولا المناقلة به" (٤). وجاء عن الزيدية: "لا يُباع الوقف" (٥). وجاء في ظاهر مذهب الإمامية عدم مشروعية بيع الوقف مطلقًا عقار وغيره، ومثاله قول الفقيه الطوسي: "إذا وقف وقفًا وشرط فيه أن يبيعه أي وقت شاء؛ كان الوقف باطلًا؛ لأنه خلاف مقتضاه؛ لأن الوقف لا يُباع" (٦)، وجاء عنهم أيضًا في مسألة بيع النخلة إذا انقلعت أو انكسرت: "وقيل: لا يجوز لإمكان الانتفاع بالإجارة للتسقيف وشبهه" (٧)، وجاء عنهم أيضًا: "لا يجوز إخراج الوقف عن شرطه، ولا بيعه" (٨).

стр. 877

وجاء عن الإباضية: "الوقف لا يجوز بيعه، ولا يجوز شراؤه، ولو لمن أراد أن يجعله وقفًا" (١)، وجاء عنهم أيضًا: "ولا يباع ما وقف أبدًا ولو كان يهلك" (٢). وجاء عن الظاهرية قول ابن حزم: "مسألة: ومن حبس وشرط أن يباع إن احتيج صح الحبس - لما ذكرنا من خروجه بهذا اللفظ إلى الله تعالى - وبطل الشرط؛ لأنه شرط ليس في كتاب الله تعالى، وهما فعلان متغايران، إلا أن يقول: لا أحبس هذا الحبس إلا بشرط أن يباع، فهذا لم يحبس شيئًا؛ لأن كل حبس لم ينعقد إلا على باطل فلم ينعقد أصلًا وبالله تعالى التوفيق" (٣). وعلَّل الفقهاء قولهم بمنع بيع العين الموقوفة عملًا بظاهر قوله ﷺ : "لَا يُبَاعَ أَصْلُهَا، وَلَا يُوهَبَ، وَلَا يُورَثَ" (٤)، واحتجوا أيضًا بعمل الصحابة، وقالوا: إن هذا "قول أكثر أهل العلم، منهم عمر، وعلي، وابن عباس، وعبد الله بن عمر، ﵁ " (٥). وعلَّلوا المنع ببقاء أوقاف السلف على حالها مما يدل على منع بيعها (٦)، ويعللون قولهم بالمنع بما ضبطوه من القواعد الكلية للوقف من أنه: "يمتنع كل ما غير الوقف بالكلية من اسمه الذي كان عليه حال الوقف، بخلاف ما يبقى الاسم معه، نعم إن تعذر المشروط جاز إبداله" (٧).

стр. 878

فحُجة القائلين بالمنع النظر إلى المآل والعمل بسد الذريعة، أي أنهم راعوا بالقول بمنع بيع العقارات دون المنقولات لإمكانية الانتفاع به مستقبلا في العقار، فشددوا في استبداله؛ وعدم رجاء ذلك في المنقولات فلم يشددوا فيه (١). المسألة الثانية: حكم بيع الأعيان الموقوفة غير العقارات: يجيز فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة، والزيدية، والإمامية، والإباضية بيع الأعيان الموقوفة غير العقارات، والتي قالوا بوقفها استقلالًا أو بالتبع لغيرها؛ كحالة وقف المنقولات والحيوانات مثلًا. فجاء عن الحنفية: أن "الدواليب والآلات يبيعها -الناظر- ويشتري بثمنها ما هو أصلح للوقف" (٢) وجاء عن المالكية: "وما بلي من الثياب المحبسة ولم يبق فيه منفعة، بيعت واشتري بثمنها ثياب ينتفع بها؛ فإن لم يبلغ تصدق به في السبيل" (٣). وجاء عن الشافعية جواز بيع بعض المنقولات الموقوفة كالفرس المسبل للغزو التي هرمت، والحصر المسبلة على المساجد التي بليت واستبدالها بغيرها (٤). وجاء عن الحنابلة: "وإن وقف نخلة، فيبست أو جذوعا فتكسرت، جاز بيعها؛ لأنه لا نفع في بقائها وفيه ذهاب ماليتها، فكانت المحافظة على ماليتها ببيعها أولى؛ لأنه لا يجوز وقف ما لا نفع فيه ابتداء، فلا يجوز استدامة وقفه؛ لأن ما كان شرطًا لابتداء الوقف كان شرطًا لاستدامته كالمالية، وإذا بيعت صرف ثمنها في مثلها وإن

стр. 879

حبس فرسًا في سبيل الله فصارت بحيث لا ينتفع بها فيه بيعت لما ذكرنا وصرف ثمنها في حبيس آخر" (١). وجاء عن الزيدية قولهم: بجواز بيع ما وقف تبعا له، وكذا كل ما لا يجوز الانتفاع به على الوجه الذي قصده الواقف (٢)، وجاء عنهم أيضًا: "إذا بطل نفع الوقف لم يبق فيه فائدة للواقف بالثواب، الذي هو صائر إليه ولا للمصرف والانتفاع به، فإن ترك كذلك باطل النفع ذاهب الفائدة، كان ذلك من أعظم التفريط من المتولي، فواجب عليه أن يستدرك الأمر ببيعه بحسب الإمكان، ويشتري بثمنه عوضًا يكون وققًا كما كان" (٣). وجاء عن الإمامية: "فلا يصح بيع الوقف العام مطلقًا إلا أن يتلاشى ويضمحل بحيث لا يمكن الانتفاع به في الجهة المقصودة مطلقًا، كحصير يبلى ولا يصلح للانتفاع به" (٤). وجاء عن الإباضية "وسُئل: عمن أوقف بيوتًا ثم بعد مدة انهدم شيء منها، ولم يكن شيء من المال يعمر به البيت، فهل يجوز بيع ما اشتمل عليه من الحطب وغيره ليعمر بثمنه البيوت الباقية من الموقوفة؛ لأنها شارفة على الضياع؟ الجواب: يجوز بيع ذلك لعمارة البيوت، والله أعلم" (٥). وقيدت قرارات منتدى قضايا الوقف الفقهية الثالث والرابع البيع والاستبدال بجملة من الأسباب أجملوها في الآتي:

стр. 880

- إذا نصَّ الواقف على جواز استبداله وتحققت الغبطة والمصلحة في ذلك، أما إذا نص الواقف على عدم الاستبدال، فيعمل بشرطه، ولا يجوز استبداله إلا إذا اقتضت الضرورة الشرعية ذلك. - إذا تعطلت منافع الوقف تعطلًا كاملًا. - إذا تعطَّلت أكثر منافع الوقف بحيث تصير الاستفادة منه قليلة جدًّا. - إذا كانت إيرادات الوقف لا تغطي نفقاته. - إذا احتاج الوقف بيع بعضه لإصلاح الباقي. - إذا كان في استبدال الوقف ريع يزيد عن ريعه زيادة معتبرة، ويكون الاستبدال بالضوابط الآتية: * أن يكون ذلك بإشراف هيئة شرعية محايدة. * أن يبني الاستبدال على دراسة جدوى اقتصادية معتمدة. * إذا كان للمصلحة العامة الضرورية التي لا مناص منها مثل: توسيع المسجد أو بناء جسر أو مدرسة، أو إنشاء طريق أو مقبرة، على أن يتم التعويض العادل للوقف. * بناء على ما سبق تقييده من حالات الجواز، فلا يجوز تعديها إلى غيرها من غير مسوِّغ شرعي" (١). * كما ضبطوا الاستبدال أو البيع بجملة من الشروط ممثلة في: - إذا توافرت حالة من الحالات السابقة لجواز الاستبدال فيجب مراعاة الضوابط الآتية: - أن يكون التصرُّف أمرا غير فردي وبإشراف هيئة شرعية محايدة. - أن يكون الاستبدال بثمن المثل أو أعلى.

стр. 881

- ألا توجد تهمة أو محاباة في عملية الاستبدال (١). وحددوا الجهة المخوَّلة شرعًا وقانونًا بملكية حقِّ الاستبدال ممثلة في "الجهة المسؤولة عن الوقف مباشرة بإذن الجهة المخولة قانونًا، حسب كل بلد" (٢). فاستبدال الوقف، موضع خلاف بين الفقهاء، فضيقوا في العقار، ووسعوا في المنقول بحسب كل مذهب عملًا بالمصلحة الشرعية لحفظ الوقف ومقاصده وسدًّا لذريعة استبدال الناظر المرافق الوقف دون سبب معتبر، كما فرَّقوا بين أن يشترطه الواقف أو لم يشترطه؟ وبين ما كان موقوفًا لمصلحة عامة أو غير ذلك من المسائل (٣). ب) الاستثمار بإحداث زيادة منفعة في الأصول الموقوفة: أجاز الفقهاء الاستثمار في الأصول الموقوفة بإحداث زيادة منفعة فيها تزيد من ريع الوقف وتحفظ مقاصده، وهو عند الفقهاء على قولين إجمالًا؛ أحدهما: ظاهره جواز ذلك وإن لم يشترطه الواقف، والثاني: لا يكون إلا بشرطه أو إذنه، وإلى القول الثاني ذهب الحنفية، فقد جاء في الفتاوى الهندية: "وَلَا يَجُوزُ تَغْيِيرُ الْوَقْفِ عن هَيْئَتِه فَلَا يَجْعَلُ الدَّارَ بُسْتَانًا وَلَا الْخَانَ حَمَّامًا وَلَا الرِّبَاطَ دُكَّانًا إلَّا إذَا جَعَلَ الْوَاقِفُ إلَى النَّاظِرِ ما يَرَى فيه مَصْلَحَةَ الْوَقْفِ كَذَا في السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ" (٤). فإن لم يكن فيه مصلحة للوقف فإنه يؤمر بهدم ما بناه وإعادته كما كان؛ قال العلامة عبد الرحمن السويسي: "لا يجوز تغيير معالم الوقف إلا إذا كان فيه مصلحة للوقف بأن كان أنفع، وإلا يؤمر بهدمه وإعادته كما كان" (٥).

стр. 882

ومن تلك المصالح ما ذكره الطرابلسي في الإسعاف حيث قال: "وليس له أن يبني في الأرض الموقوفة بيوتًا لتستغل بالإجارة؛ لأن استغلال الأرض بالزراعة، فإن كانت متصلة ببيوت المصر، وترغب الناس في استئجار بيوتها، والغلَّة من البيوت فوق غلَّة الزراعة، جاز له حينئذ البناء لكون الاستغلال بهذا أنفع للفقراء" (١). وقد قال قبل ذلك: "ولو أراد المتولي أن يشتري من غلَّة وقف المسجد دهنا أو حصرا أو إجراء أو حصا ليفرش فيه، يجوز إن وسَّع الواقف في ذلك للقيِّم، بأن قال يفعل ما يراه من مصلحة المسجد وإن لم يوسع بل وقف لبناء المسجد وعمارته فليس له أن يشتري ما ذكرنا؛ لأنه ليس من العمارة والبناء وإن لم يعرف شرطه في ذلك، ينظر هذا القيم إلى من كان قبله، فإن كان يشتري من الغلَّة ما ذكرنا جاز له الشراء وإلا فلا" (٢). فمبنى التصرُّف على إذن الواقف واعتبار المصلحة، ومن هذا الباب ما جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام (المادة ٥٨) حيث قال: "التصرف على الرعية منوط بالمصلحة. هذه القاعدة مأخوذة من قاعدة (تصرُّف القاضي فيما له فعله من أموال الناس والأوقاف مقيَّد بالمصلحة)؛ أي أن تصرف الراعي في أمور الرعية يجب أن يكون مبنيا على المصلحة، وما لم يكن كذلك لا يكون صحيحًا (٣). وتفصيله: القول الأول: جواز الاستثمار بإحداث زيادة منفعة في الأصول الموقوفة مطلقًا: وهو ظاهر الرواية عن المالكية، ومذهب الحنابلة والزيدية. جاء عن المالكية: "وسئل - العبدوسي - عن دار محبسة على المسجد، وهي خربة، وأراد رجل أن يحدث فيها مطمورتين للزرع ويعطي من عنده إجارة حفرهما،

стр. 883

ويكريهما، وهذه منفعة للدار والمسجد، فهل يجوز هذا ويقدم عليه ولا فيه ضرر على الدار المذكورة بوجه ... ؟ فأجاب: إذا ثبت لديكم أنه ليس على الدار المحبسة المذكورة ضرر في حفر المطمورتين لا بحيطانها، ولا بغيرها لا حالًا ولا استقبالًا إذا ثبت به الكراء فيها على الوجه المذكور، جائز" (١). وجاء عنهم أيضًا مشروعية الاستثمار بتحويل الأصل الموقوف من منفعة لأخرى؛ كتحويل المراحيض المستغني عنها بحوانيت تكرى ويستفاد من أجرتها في النفقة على الوقف ومصارفه (٢). وعند الحنابلة يجوز إحداث زيادة منفعة في الأصول الموقوفة وكل ما من شأنه تثمير الوقف، فوظيفة الناظر: حفظ الوقف والعمارة، والإيجار، والزراعة، والمخاصمة فيه، وتحصيل ريعه من تأجيره، أو زرعه، أو ثمره والاجتهاد في تنميته، وصرفه في جهاته من عمارة وإصلاح، وإعطاء مستحق .. ونحو ذلك (٣). فللناظر أن يغيِّر صورة الوقف من صورة إلى صورة أصلح منها، كما غيَّر الخلفاء الراشدون صورة المسجدين اللذين بالحرمين الشريفين، وكما نقل عمر بن الخطاب مسجد الكوفة من موضع إلى موضع، وأمثال ذلك (٤)، وضابط ذلك أن يفعل الناظر في الوقف ما هو أصلح (٥). وعند الزيدية: يجوز للمتولي على وقف مسجد أو غيره البيع من الغلات للمصلحة حال العقد وبيع ما خشي فساده وبيع بعض الوقف لإصلاح بعضه والشراء ونحوه من

стр. 884

التصرفات لمصلحة حال العقد (١)، ويجوز له أن يزرع أرض الوقف لنفسه ويدفع أجرة المثل كغيره، بلا عقد من الإمام أو الحاكم، ويكون حكم ذلك في يده حكم المعاطاة؛ فتلزم القيمة في ذلك يوم القبض، وليس له أن يأخذ المثل وقت غلائه بمثله في وقت رخصه، بل يتحرَّى الأصلح (٢). القول الثاني: جواز الاستثمار بإحداث زيادة منفعة في الأصول الموقوفة بإذن الواقف: وهو ظاهر الرواية عن الشافعية والإمامية. فجاء عن الشافعية في ظاهر الرواية المنقولة عنهم جواز ذلك إن شرطه الواقف، إذ قالوا: "ولا تغييره عن هيئته كجعل البستان دارًا أو حمَّامًا" (٣). وجاء عن الإمامية: "لا يجوز تغيير الوقف عن هيئته؛ فلا يجوز جعل الدار الموقوفة بستانًا ولا حمَّامًا، ولا العكس، إلا إذا جعل الواقف للمتولي ما يرى فيه الوقف" (٤)، واستثنوا من ذلك حالة تعذُّر الاستمرار؛ فإذا "تعذَّر الاستمرار؛ جاز التغيير إلى أقرب الأوصاف إلى الوقف" (٥). وجاء في توصيات مجمع الفقه الإسلامي في دورته الرابعة ما يؤيِّد إلى استثمار الوقف بالصيغ التي تحقق مقاصده ومنها: - إقامة شركة بين جهة الوقف بقيمة أعيانه وبين أرباب المال بما يوظفونه لتعمير الوقف. - تقديم أعيان الوقف - كأصل ثابت - إلى من يعمل فيها بتعميرها من ماله بنسبة من الريع.

стр. 885

- تعمير الوقف بعقد الاستصناع مع المصارف الإسلامية، لقاء بدل من الريع. - إيجار الوقف بأجرة عينية هي البناء عليه وحده، أو مع أجرة يسيرة" (١). عاشرًا: توزيع الريع على مستحقيه: يقرر فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة، والزيدية، والإمامية، والإباضية أن من وظائف الناظر تقسيم غلَّة الوقف على المستحقين لريعة، بحسب ما ضبطه وشرطه الواقف في وقفيته، أو بحسب ما جرت به العادة إن تعذَّر معرفة شرطه. فجاء عن الحنفية في بيان تصرفات الناظر قولهم: "أول ما يفعله القيم في غلَّة الوقف البداءة بالعمارة وأجرة القوام وإن لم يشترطها الواقف" (٢). وجاء عن المالكية: "إذا شرط المحبس في حبسه أن ينفق من غلته على فلان كذا في كل عام، أو يُخرج منه كذا ريعًا من زيت المسجد كذا، أو شرط ذلك لنفسه حياته .. جاز" (٣). وجاء عن الشافعية: "وعلى الناظر العمارة، والإجارة وجمع الغلَّة وحفظها، وحفظ الأصول ... وقسمتها على المستحقين؛ سواء أشرطها الواقف عليه أم أطلق" (٤). وجاء عن الحنابلة: "ووظيفة الناظر حفظ الوقف ... وتحصيل ريعه من أجرة أو زرع أو ثمر والاجتهاد في تنميته وصرفه في جهاته من عمارة وإصلاح وإعطاء مستحق ونحوه" (٥).

стр. 886

وجاء عن الزيدية: "تصرف الغلَّة في إصلاحه ثم في مصرفه" (١). وجاء عن الإمامية: "ووظيفة الناظر مع الإطلاق ... وتحصيل الغلَّة، وقسمتها على مستحقيها" (٢). وجاء عن الإباضية التأكيد على صرف الوقف في مصرفه، بل إنه لا يجوز إعارته؛ لأنه صرف له إلى غير مستحقيه، فإن "الوقف يصرف فيما وُقف له، ولا يجوز العدول عن ذلك، فإن كان القائم عليه أقرض أحدًا منه فإنه يكون في هذه الحالة ضامنًا لما أقرض" (٣). حادي عشر: تنفيذ شروط الواقف: يتفق فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة، والزيدية، والإمامية، والإباضية على وجوب تنفيذ الناظر لشرط أو شروط الواقف، وما تفسيرهم قاعدة: شرط الواقف كنصِّ الشارع" بقولهم: "أراد به في لزوم العمل" (٤)؛ إلا دليلًا على عنايتهم بالوقف وشروط الواقف؛ حتى يستمر معنى الوقف ومقاصده في حياة الفرد والمجتمع. فينصرف كلام الفقهاء إلى تحقيق شروط الواقف في النواحي الآتية: - تحقيق مقصوده في الجهة المستحقة لريع الوقف أو للاستفادة من منافعه. - تحديد مدة وطرق الاستفادة من الوقف. - الالتزام بشروط الاستبدال والتغيير والإضافة في الوقف. - تحديد طرق الإنفاق وتقسيم الغلة على الموقوف عليهم.

стр. 887

وتختلف تصرفات الناظر بالنظر إلى تحقيق شرط الواقف بحسب تعيينه لشروط المستفيد من وقفه من عدمه في وقفيته، ومن هنا يكون الحديث عنها من جهتين: الجهة الأولى: أن يحدِّد الواقف شروطًا لوقفه: إن حدَّد الناظر شروط الاستفادة من العين الموقوفة ولم يكن فيها شرطًا يتناقض مع مقاصد الشرع والوقف، كأن يكون الوقف على معصية (١)؛ فإن الفقهاء يتفقهون على وجوب اتباع شروطه إلا إن تعذَّر تحقيق الشرط، ولا يحقُّ له الاجتهاد من نفسه، فإن فعل يكون ضامنًا. فجاء عن الحنفية: "لا تجوز إجارة الوقف أكثر من المدة التي شرطها الواقف؛ لأنه يجب اعتبار شرط الواقف؛ لأنه ملكه أخرجه بشرط معلوم ولا يخرج إلا بشرطه" (٢). واستثنوا من ذلك: - مسألة الاجتهاد في تقدير ما هو أنفع أو أصلح للموقوف عليهم؛ كالقول بتغيير دفع العين إلى دفع القيمة، ومثاله ما جاء عن الحنفية في قولهم: "لو شرط للمستحقين خبزًا ولحمًا معيَّنًا كلَّ يوم، فللقيِّم دفع القيمة من النقد" (٣). - العمل بالعادة الجارية في المصرف عند جهله أو مقدار استحقاقهم؛ ومثاله ما جاء في تكملة حاشية الدر المحتار من المدرسة الحنفية، قوله: "قال: سُئل شيخ الإسلام عن وقف مشهور اشتبهت مصارفه وقدر ما يصرف إلى مستحقيه؟ قال: ينظر إلى المعهود من حاله - فيما سبق - من الزمان من أن قوامه كيف يعملون فيه وإلى من يصرفونه، فيبني على ذلك لأن الظاهر أنهم كانوا يفعلون ذلك على

стр. 888

موافقة شرط الواقف، وهو المظنون بحال المسلمين، فيعمل على ذلك" (١). وجاء عن المالكية: "مهما شرط الواقف ما يجوز له؛ اتبع" (٢). واستثنوا من ذلك: - تقديم نفقة صيانة الوقف على نفقة الموقوف عليهم، إذ لو شرط في وقفيته عدم صيانة الوقف من الغلَّة أو أن يجعلها بعد صرف مستحقات الموقوف عليهم لم يُتبع شرطه؛ ومثاله قولهم: "لو شرط الواقف ما يجوز أن يبدأ من غلتها بمنافع أهله ويترك إصلاح ما يتخرم منه؛ بطل شرطها" (٣). - مراعاة المقصد والمصلحة لا ظاهر اللفظ في تحقيق شرطه؛ كقولهم: "واتبع شرطه بلفظه - ولو في كتاب وقفه إن كان جائزًا، كشرطه أن لا يزيد على كراسين في تغييره الكتاب؛ فإن احتيج للزيادة؛ جازت مخالفة شرطه بالمصلحة؛ لأن القصد الانتفاع" (٤). - عند انعدام المصرف الذي عيَّنه الواقف؛ ومثاله قولهم إن "تعذر صرفه في الوجه الذي عينه له كالقنطرة أو المسجد يهدمان ولا يُرجى عودهما؛ فإنه لا يتبع وينتفع ... أنقاض القنطرة والمسجد في مثليهما" (٥). وجاء الشافعية من منع التجاوز على الوقف قولهم: "ولا تغييره عن هيئته كجعل البستان دارًا أو حمَّامًا" (٦)، واستثنوا من ذلك كما قال السبكي: "والذي أراه أنه يجوز تغييره في غير ذلك أيضًا بثلاثة شروط: - أن يكون يسيرًا لا يغيِّر مسمى الوقف. - وألا يزيل شيئًا من عينه، بل يُنقل نقضه من جانب إلى جانب.

стр. 889

- وأن تكون فيه مصلحة للوقف" (١). وجاء عن الحنابلة: "ويُرجع إلى شرط الواقف في قسمه على الموقوف عليه وفي التقديم والتأخير والجمع والترتيب والتسوية والتفضيل" (٢). وجاء عن الزيدية، وجوب الالتزام بشرطة إلا عند الضرورة كحالة العمل: "بالظن فيما التبس مصرفه" (٣)، واستثنوا من ذلك في ظاهر المذهب وفي نطاق ضيق مراعاة المصلحة التصرُّف في شرطه، إذ جاء عنهم قولهم: "قد تقرَّر أن الْوَقْف ملك لله محبس للانتفاع به، وما كان هكذا فلا ينظر فيه إلى جانب الواقف إلا من جهة العناية بمصير ثواب وقفه إليه على أكمل الوجوه وأتمها مهما كان ذلك ممكنًا، ومعلوم أن الاستبدال بالشيء إلى ما هو أصلح منه باعتبار الغرض المقصود من الْوَقْف والفائدة المطلوبة من شرعيته حسن سائغ شرعًا وعقلًا، أنه جلب مصلحة خالصة عن المعارض (٤). وجاء عن الإمامية: "الْوَقْف يجب أن يجري على ما يعيِّنه الواقف ويشترط فيه، ولا يجوز لأحد تغيير شيء من شروطه، اللهم إلا أن يكون شرطًا يتعلَّق بوجه قُبح؛ فإنه يجب تغييره" (٥). وجاء عنهم أيضًا: "وإذا وقف إنسان شيئًا على مصلحة، فانقرضت، أو بطل رسمها؛ جُعلت منافعها على وجه من وجوه البر" (٦). وجاء عن الإباضية "وسئل: وإن وقفت نخلة فأكثر على أن يشتري بغلَّتها أرزًا، فتعذر وجوده أو تعسر إلا بالثمن الكثير، فهل يبدل به غيره كالبر مثلًا؟ وأجرة عناء

стр. 890

عمله من أين تؤخذ؟ الجواب: الموقوف لشراء الأرز لا يشتري به بُرٌّ بدله، وإن تعذَّر الأرز ولم يحصل إلا بالغلاء وأجرة عمله تخرج منه، والله أعلم" (١). وجاءت قرارات منتدى قضايا الْوَقْف الفقهية الرابع في بيان حقيقة اتباع شرط الواقف وحدوده، ومدى حرية الناظر في التصرُّف فيها كليًّا أو جزئيًّا .. كالآتي: - إن شرط الواقف: هو ما تفيده صيغة الواقف ويثبت في وثيقة إنشائه من القواعد الموضوعة للعمل بها في إدارة الْوَقْف، من حيث تحديد جهات صرف الريع وطريقة استغلاله والولاية علية وإدارته؛ سواء وضعها الواقف الفرد أم تم إيرادها في وثائق الاكتتاب في الْوَقْف الجماعي وقبلها الواقفون. - يجب اتباع شروط الْوَقْف طالما صدرت صحيحة، بألا تخالف حكمًا شرعيًّا، وألا تنافي مقتضى الْوَقْف وتحقق مصلحة معتبرة. - نظرًا؛ لأن الْوَقْف شرع لتحقيق مصالح معتبرة، وأن الأحوال تتبدل، وتتبدل معها المصالح وجودًا وعدمًا وأهمية، فإنه يمكن تغيير شروط الواقف في حالة تعذَّر تنفيذها، أو عند الضرورة، أو تحقيقًا لمصلحة أولى، أو دفعًا لضرر محقق، على أن يصدر قرار تغيير الشَّرط من الجهة المخولة قانونًا بالإشراف على الْوَقْف حسب كل بلد" (٢). الجهة الثانية: ألا يحدِّد الواقف شروطًا لوقفه: إن لم يحدِّد الواقف شروطًا في وقفه فمذاهب الفقهاء تخول الناظر الاجتهاد برأيه والعمل بالمصلحة بما يخدم الْوَقْف ومقاصده وبما يقره العرف والعادة في هذه الْوَقْف. فجاء عن الحنفية: "أول ما يفعله القيم في غلَّة الْوَقْف: البداءة بالعمارة، وأجرة القوام، وإن لم يشترطها الواقف" (٣)؛ فالشاهد من كلامهم أن عمارة الْوَقْف وصيانته

стр. 891

وأجرة الموظف القائم عليه يجتهد الناظر في القيام بها وفق ما يحقق المصلحة للوقف ومقاصده وإن لم يشترطها الواقف. وجاء عن المالكية: "إذا لم يذكر الواقف - مصرفًا؛ حُمل على المقصود بأحباس تلك الجهة ووجه الحاجة فيها" (١). وجاء عن الشافعية ما يفيد عمل الناظر بالاجتهاد، فقالوا: "لو اندرس شرط الواقف وجهل الترتيب بين أرباب الْوَقْف أو المقادير بأن لم يعلم هل سوى الواقف بينهم أو فاضل قسمت الغلة بينهم بالسوية لعدم الأولوية (٢). وجاء عن الزيدية وجوب الالتزام بشرطه إلا عند الضرورة كحالة العمل: "بالظن فيما التبس مصرفه (٣). وجاء عن الإمامية: "لو وقف على البرِّ ولم يعيِّن؛ صرف في كل ما يُتقرب به إلى الله؛ كمعونة الفقراء وغيرها" (٤). وظاهر هذا الكلام يفيد بظاهرة صحة الاجتهاد في تحديد المصارف التي لم يحددها الواقف بما يحفظ الْوَقْف ومقاصده. ثاني عشر: المحافظة على حقوق الْوَقْف: يحدد فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والزيدية والإمامية والإباضية مجموعة من المسؤوليات يقوم بها ناظر الْوَقْف للمحافظة على الْوَقْف ومقاصده؛ هي: ١ - المخاصمة أمام المحاكم لحساب الْوَقْف: يقرِّر الفقهاء أن من مستلزمات النظارة المخاصمة لمن تعدى على الْوَقْف بكل وجوه التعدي.

стр. 892

فجاء عن الحنفية قولهم: "رجل وقف أرضًا أو دارًا ودفعها إلى رجل وولاه القيام بذلك، فجحد المدفوع إليه؛ فهو غاصب يخرج الأرض من يده والخصم فيه الواقف، فإن كان الواقف ميتًا وجاء أهل الْوَقْف يطالبون به، نُصِبَ القاضي قيِّمًا يخاصم فيه" (١). وجاء عن الحنابلة: "ووظيفة الناظر حفظ الْوَقْف وعمارته وإيجاره وزرعه ومخاصمة فيه وتحصيل ريعه من أجرة أو زرع أو ثمر والاجتهاد في تنميته وصرفه في جهاته من عمارة وإصلاح وإعطاء مستحق ونحوه وله وضع يده عليه والتقرير في وظائفه" (٢). وجاء عن الزيدية: "ومن استعمله لا بإذن وليه؛ فغاصب، وعليه الأجرة" (٣)، والغصب يستدعي الضمان. وجاء في قرارات منتدى قضايا الْوَقْف الفقهية الثالث التنبيه على أهمية مراعاة ناظره لحقوقه ورفع الدعوى لصالحه أمام المحاكم؛ إذ جاء فيها: "يمثل الْوَقْف في الدعاوى والمنازعات الخاصة به ناظر الْوَقْف، أو من يعينه الواقف، أو إدارة الْوَقْف، كما يجوز للمستحق في الْوَقْف الذري المخاصمة في قضايا الْوَقْف ضدَّ أي تعدِّ عليه" (٤). ٢ - تضمين المتعدي على الْوَقْف: من وظائف الناظر تضمين المتعدي على الْوَقْف والمستغل له بأي وجه من الوجوه غير المشروعة؛ كغصبه أو استغلاله دون مقابل. فجاء قول الحنفية في غاصب أرض الْوَقْف وأجرى فيها الماء، فأصبحت غير صالحة للزارعة، فمن وظائف الناظر تضمين المتعدي ما أتلفه أو ما فوَّته من مصالح الْوَقْف والموقوف عليهم (٥).

стр. 893

وجاء أيضًا: "والفتوى في غصب عقار الْوَقْف وإتلاف منافعه وجوب الضمان نظرًا للوقف، وهو المختار" (١). وجاء عن المالكية: "ومن هدم وقفًا؛ فعليه إعادتها" (٢)، ولا يتصور إعادته من غير مُطالب؛ والذي يكون عادة القائم عليه، وهو الناظر الخاص، أو الناظر العام ممثلًا في القاضي. وجاء عن الإمامية قولهم بتعويض الضرر الواقع على الْوَقْف، قال الطوسي: فأمَّا إن جُني على العبد الموقوف فقُتل؛ وجبت قيمته؛ لأنَّهُ يضمن بالغصب فلم يخرج عن المالية" (٣). وجاء عن الإباضية قولهم بتضمين الناظر إذا تعدَّى على الْوَقْف؛ فمن باب أولى القول بتضمين غيره قال صاحب الفتاوي: "ما قولكم في قائم على وقف نخيل وزرع تسبب في حريق على المال؛ فماذا يلزمه ... ؟ الجواب: يسقط عنه الإثم في حالٌ الخطأ، وأما التقصير فيجب عليه الضمان في العمد والنسيان" (٤). ٣ - إبراء الذمَّة المالية للوقف عن طريق عقد الحوالة: إن ثبت دَيْن على الْوَقْف وفي الوقت نفسه يثبت للوقف على غيره دين، يجوز للناظر أن يعمل بمقتضى عقد الحوالة. فجاء عن الشافعية: "إن تعيَّن مال الْوَقْف في جهة شخص معيَّن صحَّت الحوالة عليه، بل للمستحقين الحوالة عليه بغير إذن الناظر، ويُعتدُّ بالقبض منه ويَبرأ به" (٥).

стр. 894

٤ - أخذ الرهن لحق الْوَقْف: يقرر الفقهاء أن من وظائف الناظر المالية المحافظة على مال الْوَقْف ومن وسائله طلب الرهن للاستيثاق على الديون الثابتة للوقف على غيره. وقد تناول الفقهاء المسألة من جهة الحديث عن الكتب الموقوفة، ومدى مشروعية المطالبة برهن عند استعارتها، فجاءت أقوالهم مختلفة بين قائل بجواز ذلك بإطلاق؛ ضمانًا لحقِّ الْوَقْف، وبين مقيِّده بشرط الواقف لذلك؟ وبين حالة المرتهن من الأمانة وعدمها؟ فجاء عن الحنفية: "حدث في الأعصار القريبة وقف كتب، شرط الواقف ألا تُعار إلا برهن أو لا تُخرج أصلًا، والذي أقول في هذا: إن الرهن لا يصح بها؛ لأنها غير مضمونة في يد الموقوف عليه، ولا يقال لها: عارية أيضًا؛ بل الأخذ لها إن كان من أهل الْوَقْف استحق الانتفاع ويده عليها يد أمانة، فشرط أخذ الرهن عليها فاسد، وإن أعطى كان رهنًا فاسدًا ويكون في يد خازن الكتب أمانة، هذا إن أريد الرهن الشرعي، وإن أريد مدلوله لغة وأن يكون تذكرة فيصح الشَّرط؛ لأنَّهُ غرض صحيح وإذا لم يعلم مراد الواقف فالأقرب الحمل على اللغوي تصحيحًا لكلامه، وفي بعض الأوقاف يقول: لا تخرج إلا بتذكرة، فيصح ويكون المقصود أن تجويز الواقف الانتفاع مشروط بذلك ولا نقول: إنها تبقى رهنًا؛ بل له أخذها فيطالبه الخازن بردِّ الكتاب، وعلى كلٍّ فلا تثبت له أحكام الرهن ولا بيعه ولا بدلٌ الكتاب الموقوف بتلفه إن لم يفرط" (١). وجاء عن المالكية ما نقله لنا صاحب مواهب الجليل، قوله: "سُئل الشيخ تقي الدين: إذا وقف كتابًا على عامة المسلمين، وشرط ألا يُعار إلا برهن؛ فهل يصح هذا الرهن أم لا؟ فأجاب: لا يصح هذا الرهن؛ لأنها غير مأمونة في يد موقوف عليه، ولا يُقال لها: عارية؛ أيضًا، بل الآخذ لها إن كان من أهل الْوَقْف مستحقًا للانتفاع فيده عليها يد أمانة، فشرط أخذ الرهن عليها فاسد، ويكون في يد الخازن للكتب أمانة؛ لأن فاسد العقود في الضمان كصحيحها، والرهن أمانة، هذا إذا أريد الرهن الشرعي، وأما إن أريد مدلوله لغة وأن يكون تذكرة؛ فيصح الشَّرط؛ لأنَّهُ غرض صحيح، وأما

стр. 895

إذا لم يعلم مراد الواقف فيُحتمل أن يقال ببطلان الشَّرط حملًا على المعنى الشرعي، ويحتمل أن يقال بالصحة حملًا على المعنى وهو الأقرب لصحته" (١). ومثاله ما ذكره صاحب كشاف القناع عن متن الإقناع من الحنابلة: "قال في الفائق: قلت: وعليه يخرج الرهن على عواري الكتب الموقوفة ونحوها كالأسلحة والدروع الموقوفة على الغزاة ... يعني: إن قلنا: هي مضمونة؛ صحَّ أخذ الرهن بها، وإلا فلا، ويأتي في العارية أنها غير مضمونة؛ فلا يصح أخذ الرهن بها، وعلم من ذلك: أنه يصح أخذ الرهن للوقف، فيصح الضمان أيضًا لجهة الْوَقْف؛ لأن ما صحَّ رهنه؛ صحَّ ضمانه" (٢). وجاء في ظاهر مذهب الحنابلة جواز أخذ الناظر الرهن لحق الْوَقْف، وإن اختلفوا في حدود تطبيقات القاعدة الكلية من قولهم: "يصح أخذ الرهن على كل دين واجب في الجملة" (٣). ومثاله قول صاحب الإنصاف: "قال في الفائق: قلت: وعليه يخرج الرهن على عواري الكتب للوقف ونحوها، والوجه الثاني: يصح أخذ الرهن بذلك، قال القاضي: هذا قياس المذهب، قلت: وهو أولى" (٤). وبجواز الاستيثاق بأخذ الرهن لحساب الْوَقْف عندما يقرض غيره من الشخصيات الحقيقية أو الاعتبارية .. جاءت فتاوى وتوصيات منتدى قضايا الْوَقْف الفقهية الأول، إذ أقرَّ المؤتمرون أن: "الأصل عدم جواز إعطاء القرض من مال الْوَقْف للغير، إلا إذا كان الإقراض من أهداف الْوَقْف، كما في وقف النقود للقرض الحسن، أو كانت تقتضيه الضرورة أو المصلحة المعتبرة التي يقررها القاضي، وتراعى في ذلك الضوابط الآتية:

стр. 896

- في حالة الإقراض يجب على الناظر أو الإدارة اتخاذ كافة الوسائل المتاحة الحماية الدين وضمان استرداده من توثيقات ورهون وضمانات. - أن يكون الإقراض خاليًا من الريا ونحوه من المحرمات" (١). مع ملاحظة أن توصيات منتدى قضايا الْوَقْف الفقهية الأول نبَّهت الإدارة القائمة على النظارة على مؤسسة الْوَقْف على تكوين مخصصات من ريع الْوَقْف "للديون المشكوك في تحصيلها حفاظًا على أصله وحماية لاستمراره على أن يتم ذلك حسب الأسس الآتية: - أن يتمَّ تخصيص المخصص وفق القواعد المحاسبية المتعارف عليها. - أن تتم مراجعة هذا المخصص على ضوء المستجدات للديون. - على الناظر أو الإدارة السعي الحثيث نحو تحصيل الديون المعدومة أو المشكوك في تحصيلها، ولا يكتفي بوضع مخصص لها" (٢). ففتوى الفقهاء قديمًا وحديثا بأخذ الرهن لحساب الْوَقْف أو بتخصيص موارد مالية مقتطعة من ريعه بطريقة مدروسة يهدف إلى حماية الْوَقْف ومقاصده. ثالث عشر: أحوال الاستدانة على الْوَقْف: يقصد بالاستدانة على الْوَقْف هو المال الذي يقترضه الناظر من أجل تنمية الْوَقْف أو صيانته، أو إعادة إعماره كليًّا أو جزئيًّا (٣). ولقد اختلف الفقهاء في مدى مشروعية استدانة ناظر الْوَقْف لاستثمار أو صيانته على قولين:

стр. 897

القول الأول: منع الاستدانة على الْوَقْف: وهي رواية في المذهب الحنفي، إذ جاء في البحر الرائق قوله: "قال في الذخيرة: قال هلال: إذا احتاجت الصدقة إلى العمارة وليس في يد القيِّم ما يعمرها، فليس له أن يستدين عليها؛ لأن الدَّين لا يجب ابتداء إلا في الذمة؛ وليس للوقف ذمة، والفقراء وإن كانت لهم ذمة إلا أنهم لكثرتهم لا تتصور مطالبتهم؛ فلا يثبت الدين باستدانة القيِّم إلا عليه ودين يجب عليه لا يملك قضاءه من غلّة هي على الفقراء" (١). القول الثاني: جواز الاستدانة على الْوَقْف: وهو قول لبعض فقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة والإمامية، وهو مذهب المالكية والزيدية .. الاستدانة على الْوَقْف إن وُجدت مصلحة تقتضي ذلك لتنميته أو لصيانته بما يحقق مقاصد الْوَقْف. فجاء في الرواية الثانية في المذهب الحنفي جواز الاستدانة، وقُيِّدت بالضرورة أو الحاجة إلى ذلك، وبإذن الواقف، وقيل: بإذن القاضي، ومثاله ما جاء عنهم قولهم: وفي فتاوى أبي الليث: قيِّم وقف طُلب منه الجبايات والخراج، وليس في يده من مال الواقف شيء، وأراد أن يستدين؛ فهذا على وجهين: - إن أمر الواقف بالاستدانة؛ فله ذلك. - وإن لم يأمره بالاستدانة؛ فقد اختلف المشايخ فيه. قال الصدر الشهيد من فقهاء الحنفية: "والمختار ما قاله الفقيه أبو الليث: إذا لم يكن للاستدانة بدٌّ يرفع الأمر إلى القاضي حتَّى يأمره بالاستدانة ثم يرجع في الغلّة؛ لأن للقاضي هذه الولاية وإن كان لها بدٌّ ليس للقاضي هذه الولاية، وفي واقعات الناطفي: المتولي إذا أراد أن يستدين على الْوَقْف ليجعل ذلك في ثمن البذر، إن أراد ذلك بأمر القاضي؛ فله ذلك بلا خلاف؛ لأن القاضي يملك الاستدانة على الْوَقْف، فيملك المتولي ذلك بإذن القاضي، وإن أراد ذلك بغير أمر القاضي؛ ففيه روايتان" (٢).

стр. 898

وأضاف بعض الحنفية شرطين: - "ألا يتيسَّر إجارة العين - الموقوفة والصرف من أجرتها" (١). - أو أن يكون بسبب دفع منازعة يكون الْوَقْف سببا فيها؛ أي أن يكون الضرر من الْوَقْف على جيرانه، ولا يمتلك غلَّة؛ فيرخص للناظر بإذن القاضي الاستدانة؛ دفعًا للضرر، ومثاله: حانوت من الْوَقْف مال على حانوت لرجل، ومال الثاني على الثالث، وتعطلت، وأبي القيِّم أن يعمر الْوَقْف، قالوا: إن كان للوقف غلَّة يمكن عمارة الحانوت بتلك الغلّة كان لصاحبي الحانوتين أن يأخذا القيِّم بإقامة المائل وردِّه إلى موضعه من الْوَقْف وإزالة الشاغل عن ملكهما؛ وإن لم يكن للوقف غلة يمكن عمارة المائل بتلك الغلّة، كان للمالكين أن يرفعا الأمر إلى القاضي، فيأمر القاضي القيِّم بالاستدانة" (٢). وجاء عن الشافعية جواز الاستدانة لعمارة الْوَقْف، وإن خصَّها بعضهم بإذن الحاكم أو اشترطها الواقف (٣) في غير مصالح المسجد؛ إذ جاء عنهم قولهم: "وللناظر الاقتراض في عمارة الْوَقْف بإذن الإمام من ماله ليرجع وللإمام أن يقرضه من بيت المال، صرَّح به الأصل: وليس له الاقتراض دون إذن؛ أي الإمام، هذا تصريح بما فُهم مما قبله، قال البلقيني: والتحقيق أنه لا يعتبر إذن الحاكم في الاقتراض لا سيَّما في المسجد ونحوه، ومال إليه غيره تشبيهًا للناظر بولي اليتيم؛ فإنه يقترض دون إذن الحاكم" (٤) وعند المالكية: للقائم على الحبس أن يستقرض عليه ويعمره، ولا يُشترط إذن الحاكم، ويصدق فيما ادعاه، قال في النوادر: القائم على الحبس إذا قال: أعمرها من مالي، ثم قال: إنما عمرتها من الغلّة؛ جاز، قال: فإن قال: من الغلّة أنفقت؛ فقد

стр. 899

أنفذ الوصية، وإن قال: من مالي عمرتها؛ حلف ورجع بذلك في الغلّة، ولا يضرُّه قوله: أعمرتها من مالي (١). وجاء عن الحنابلة أن للناظر حقَّ الاستدانة للوقف عند تحقُّق المصلحة، وإن لم يعلم الحاكم بذلك، قال البعلي الحنبلي: "ولناظر الاستدانة على الْوَقْف بلا إذن حاكم المصلحة" (٢)، وعللوا ذلك بقولهم: "لأن الناظر مؤتمن مطلق التصرُّف" (٣). وجاء عن الإمامية جواز ذلك للحاجة: "كما يجوز له الاقتراض عليه والإقراض بينية الرجوع عليه" (٤). وعند الزيدية: يجوز للمتولي معاملة نفسه فيجوز له القرض والاقتراض والبيع والشراء من غلَّة الْوَقْف فيسلم العوض (٥). ويجواز الاستدانة جاءت فتاوى وتوصيات منتدى قضايا الْوَقْف الفقهية الأول، وذلك بالنظر للقول بشخصيته الاعتبارية، ويعبر عن إراداته عن طريق "ناظر الْوَقْف، أو الشخص الذي يحدده صكُّ الْوَقْف، أو القضاء، أو إدارة الْوَقْف حسب النظام الأساسي للوقف" (٦). وقيَّدت هذه الاستدانة بجملة من الشروط والضوابط؛ تمثلَّت في الآتي: - أن يأذن بذلك القاضي، أو الواقف، أو عقد التأسيس، أو النظام الأساسي للوقف؛ بأن يكون الاقتراض ضمن أهداف الْوَقْف وأعماله.

стр. 900

- أن تكون هناك حاجة معتبرة شرعًا لهذه الاستدانة. - أن يقوم ناظر الْوَقْف، أو إدارة الْوَقْف بترتيب آلية لردِّ الديون على أصحابها. - أن تكون الاستدانة في حدود ريع الْوَقْف وغلته، بحيث تردُّ الديون منها، ولا يكون الردُّ من أصول الْوَقْف. - أن يحسم الدِّيْن أو ما يخصه في كل فترة زمنية من الغلّة قبل التوزيع. - أن تكون الاستدانة بالطرق المشروعة الخالية من المحرَّمات؛ كالريا ونحوه" (١). فالذي عليه العمل في المذاهب الفقهية جواز الاستدانة للوقف لعمارته أو استثماره لما يعود بالفائدة على الْوَقْف ومقاصده وإن اختلفت نظراتهم لطريقة الاقتراض بين الإذن المطلق أو المقيد بإذن الواقف أو اشتراطه ذلك في وقفيته أو إذن الحاكم، وإن جملة هذه الأقوال لا تخرج عن معنى الاحتياط للوقف ولمقاصده. رابع عشر: إسقاط حقوق الْوَقْف: ذهب فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والإمامية والإباضية إلى القول باعتبار الناظر وكيلًا عن الواقف، وإن كان الأمر كذلك فإنه يترتَّب على القول بذلك جملة من التصرُّفات كالآتي: ١ - الصلح على حقوق الْوَقْف: تختلف أحوال الصلح بحسب مضامينه، ولقد أجاز بعض الفقهاء لناظر الْوَقْف الانتقال في الخصومة من المطالبة بالأصل المغتصب مثلًا إلى أخذ القيمة مراعاة المصلحة الْوَقْف أو الصلح على الديون الثابتة على الْوَقْف. ومثاله قول الحنفية: "لو استولى على الْوَقْف غاصب، وعجز المتولي عن استرداده وأراد الغاصب أن يدفع قيمتها، كان للمتولي أخذ القيمة أو الصلح على شيء ثم يشتري بالمأخوذ من الغاصب أرضا أخرى، فيجعله وقفًا على شرائط الأولى؛ لأنَّهُ حينئذ صار بمنزلة المستهلك، فيجوز أخذ القيمة" (٢).

стр. 901

ومثاله أيضًا ما جاء في قرارات منتدى قضايا الْوَقْف الفقهية الأول من قولهم: "تجوز المصالحة على الديون الثابتة على الْوَقْف بالحط أو التأجيل أو التقسيط .. أو نحو ذلك لأن ذلك من مصلحة الْوَقْف مع مراعاة أمرين: - أن الأصل عدم جواز المصالحة على ديون الْوَقْف على الغير بالحطِّ إلا في حالة اليأس من تحصيلها كلها، فحينئذ يجوز التصالح بالحط عن بعضها إذا كان ذلك بإذن القاضي. - أنه لا مانع شرعًا من التصالح عن طريق استبدال الدين بعين في حدود قيمة الدِّيْن" (١). ٢ - رفع الضرر الناتج عن الْوَقْف: يذهب بعض فقهاء الحنفية (٢)، إلى القول برفع الضرر الواقع من الْوَقْف على غيره من الأشخاص والمؤسسات، ويخول ناظره بتنفيذ ذلك، ومثاله إسقاط حقَ الْوَقْف في مكان الأصلي وتعويضه بآخر للضرر الواقع على جيرانه، كما جاء في الفتاوى الكبرى لابن تيمية من الحنابلة: "ولو وقف كرومًا على الفقراء، ويحصل على جيرانها ضرر، يعوض عنها بما لا ضرر فيه على الجيران، ويعود الأول ملكًا والثاني وقفًا" (٣). ٣ - إسقاط الحقِّ في الشفعة: يختلف الفقهاء في القول في مدي حقِّ الْوَقْف - ممثلًا في ناظره - بالمطالبة بالشفعة بحكم شخصيته المعنوية، فقد جاء عن الشافعية في القول الثاني عنهم، وعن بعض فقهاء الإمامية حقُّ الناظر في المطالبة في الشفعة إن قدر مصلحة للوقف.

стр. 902

فجاء عن الشافعية: "لو كان للمسجد شقص من أرض مشتركة مملوك له بشراء أو هبة ليصرف في عمارته ثم باع شريكه نصيبه، فللقيم أن يشفع؛ أي يأخذه بالشفعة إن رآه مصلحة، كما لو كان لبيت المال شريك في أرض فباع شريكه نصيبه؛ فللإمام الأخذ بالشفعة إن رآه مصلحة" (١). وجاء عن الإمامية: "وقال المرتضى: تثبت، وهو أشبه" (٢). وسبب الخلاف في المسألة العمل بدلالة القاعدة الفقهية: "التابع تابع"، ومدى تطبيقها على كل هبة أو ملك اشتري ليصرف في مصالح الْوَقْف، فعلى القول بالتبعية لا يجوز الشفعة؛ لأنَّهُ وقف، وعلى القول الثاني يصح ذلك؛ لأنَّهُ ليس كذلك. ويرى بعض الفقهاء حقَّ الناظر في إسقاط حقِّ الْوَقْف في الشفعة في العين المشتركة وإن طلبها الموقوف عليهم على الرغم من أن الأصول العامة للشفعة تعطيه الحق في المطالبة فيها. فجاء عن الحنفية: "وإنما تجب (الشفعة) في الأراضي التي تملك رقابها حتَّى تجب في الأراضي التي حازها الإمام للمسلمين يدفعها بزراعة، وإنما تجب لحقِّ الملك في الأراضي حتَّى لو بيعت دار بجنبها دار الْوَقْف؛ فلا شفعة للواقف ولا للمتولي لعدم الملك" (٣). وجاء عن المالكية: "كدار موقوف نصفها على جهة وله ناظر، فإذا باع الشريك نصفه؛ فليس للناظر أخذ بالشفعة، ولو ليحبس إلا أن يجعل له الواقف الأخذ اليحبس، وإلا كان له ذلك" (٤). ويدعم قول حقِّ الناظر أو وكيله في إسقاط الشفعة ما جاء عن في رواية عن أصبغ من قوله: "إن حبس على مساكين أو في سبيل الله؛ فله الأخذ إن جعله فيما جعله فيه، وإلا فلا شفعة إن أخذه ليمسكه" (٥).

стр. 903

وجاء عن الشافعية في القول الأول عنهم بإسقاطها، إذ قالوا: "ولا شفعة لصاحب شقص من أرض مشتركة موقوف عليه إذا باع شريكه نصيبه ولا لشريكه إذا باع شريك آخر نصيبه كما أفتى به البلقيني لامتناع قسمة الْوَقْف عن الملك ولانتفاء ملك الأول عن الرقبة نعم على ما اختاره الروياني والنووي من جواز قسمته عنه لا مانع من أخذ الثاني" (١). وجاء عن الحنابلة: "ولا شفعة بشركة وقف، فدار نصفها وقف ونصفها طلق وبيع الطلق لا شفعة للموقوف عليه ولو معيَّنًا؛ لأن ملكه غير تامٍّ، أشبه مالك المنفعة" (٢). وجاء عن الإمامية قولهم: "إذا كان نصف الدار وقفًا ونصفها طلقًا، فبيع الطلق؛ لم يستحق أهل الْوَقْف الشفعة بلا خلاف" (٣). وجاء عنهم أيضًا: "إذا وقف إنسان حصته من أرض كان صحيحًا .. ولم يثبت الشريكه في ذلك شفعة" (٤). فالشاهد من كلام الفقهاء إسقاط الناظر للشفعة وإن طلب بها الموقوف عليهم. خامس عشر: إعارة الناظر الْوَقْف: الإعارة في اللغة: الإعارة في اللغة مصدر من الفعل الرباعي (أعار)؛ فهي مشتقة من التعاور، وهو التداول والتناوب مع الردِّ، والإعارة مصدر الرباعي: (أعار)، والاسم منه (العارية)، وتطلق الإعارة على كلِّ من الاسم والفعل، على الفعل، والاستعارة طلب إعارة الشيء (٥).

стр. 904

الإعارة في الاصطلاح: تنوعت تعاريف الفقهاء للعارية، على النحو الآتي: عرَّفها الحنفية بأنها: تمليك المنافع مجانًا (١). وعرَّفها المالكية بأنها: تمليك منفعة مؤقتة بلا عوض (٢). وعرَّفها الشافعية بأنها: إباحة الانتفاع بالشيء مع بقاء عينه شرعًا (٣). وعرَّفها الحنابلة: بأنها إباحة الانتفاع بعين من أعيان المال (٤). ثم اختلف الفقهاء في ذلك إلى قولين: القول الأول: منع إعارة الناظر الْوَقْف: وإليه ذهب الحنفية، وظاهر مذهب المالكية والإمامية منع إعارة الْوَقْف. فجاء عن الحنفية: "ولا تجوز إعارة الْوَقْف، والإسكان فيه" (٥)، وعلَّلوا ذلك بمراعاة مصلحة الْوَقْف والموقوف عليهم (٦). وجاء في ظاهر مذهب المالكية ما يفيد منع إعارة الْوَقْف إلا بترخيص من ناظره، أو اشتراط واقفه في وقفيته، أو أن يعمل بما جرت به العادة؛ ومثاله قولهم: "مالك المنفعة له أن يعيرها، وأما مالك الانتفاع - وهو من ملك المنفعة لعينه - فليس له أن يعير؛ كسكني بيت المدارس والزوايا ... ويُستثنى من ذلك ما جرت به العادة من إنزال الضيف المدارس ... فلا يجوز إسكان بيت المدارس دائمًا، ولا إيجاره إذا عدم

стр. 905

الساكن ... ولا بيع ماء الصهاريج، ولا هبته ... فيما لم تجر العادة، ويُستثنى من ذلك الشيء اليسير ... ولا يُتغطى ببسط الْوَقْف ونحو ذلك" (١). وجاء في ظاهر مذهب الإمامية ما يفيد منع إعارته؛ ومن ذلك قولهم: "وكذا لا يجوز بيعه ولا هبته، ولا غير ذلك من الأسباب الناقلة للعين، بلا خلاف فيه على الجملة" (٢). القول الثاني: جواز إعارة الْوَقْف: وهو مذهب الشافعية، وظاهر مذهب الحنابلة. فيجوز للناظر إعارة الْوَقْف عند الشافعية، ويشترط الشافعية لصحة العارية صحة تبرعه وملكه المنفعة، ولو بوصية أو وقف، وإن لم يملك العين؛ لأن الإعارة ترد على المنفعة دون العين، وقيد ابن الرفعة جواز الإعارة من الموقوف عليه إذا كان ناظرًا، والمراد بملك المنفعة ما يعم الاختصاص بها والتصرف فيها إلا بطريق الإباحة، وعلى هذا لا يرد ما عليه العمل من إعارة الصوفي والفقيه مسكنهما بالرباط والمدرسة وما في معناهما؛ أي على القول بجواز ذلك، والمعتمد أنه لا يجوز كما قاله الأذرعي وغيره (٣). كما نصَّ عليه البجيرمي الشافعي؛ فقال: "وله إقراض مال الْوَقْف كما في مال اليتيم" (٤). وجاء عن المرداوي الحنبلي: "لا يضمن الْوَقْف إذا استعاره وتلف بغير تفريط؛ ككتب العلم وغيرها، في ظاهر كلام الإمام أحمد ﵀ والأصحاب، قاله في الفروع" (٥).

стр. 906

سادس عشر: رهن الْوَقْف: الرهن في اللغة: يأتي الرهن في اللغة بعدة معانٍ؛ منها: الثبات والدوام، ومنها الحبس (١). والرهن في الشرع: جعل عين مالية وثيقة بدين يستوفي منها أو من ثمنها إذا تعذَّر الوفاء (٢). اختلف الفقهاء في حكم رهن الْوَقْف على قولين: القول الأول: منع رهن الْوَقْف وتوابعه: وهو ظاهر مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والإمامية، والإباضية، والمعتمد عند الزيدية. فجاء عن الحنفية قولهم: "المتولي إذا رهن الْوَقْف بدَين لا يصح (٣)، بل قَرَّروا عزله، وعدُّوا ذلك خيانة منه؛ إذ جاء عنهم أيضًا: "متولي الْوَقْف باع شيئًا منه أو رهن؛ فهو خيانة، فيُعزل" (٤)، وهذا عملا بما تقرَّر عندهم من القاعدة الكلية في قولهم: "ما يجوز بيعه يجوز رهنه، وما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه" (٥)، وعلَّلوا ذلك أيضًا بقولهم: "لأنَّهُ لا يمكن بيعها وإيفاء الدين منها، وهو المقصود بالرهن" (٦). وظاهر مذهب المالكية القول بمنع رهن الْوَقْف، ومن ذلك ما نقله لنا صاحب مواهب الجليل في قوله: "شتل الشيخ تقي الدين: إذا وقف كتابًا على عامة

стр. 907

المسلمين وشرط ألَّا يُعار إلا برهن؛ فهل يصح هذا الرهن أم لا؟ فأجاب: لا يصح هذا الرهن؛ لأنها غير مأمونة في يد موقوف عليه، ولا يُقال لها: عارية أيضًا، بل الآخذ لها إن كان من أهل الْوَقْف مستحقًّا للانتفاع؛ فيده عليها يد أمانة، فشرط أخذ الرهن عليها فاسد، ويكون في يد الخازن للكتب أمانة؛ لأن فاسد العقود في الضمان كصحيحها، والرهن أمانة، هذا إذا أُريد الرهن الشرعي، وأما إن أريد مدلوله لغة وأن يكون تذكرة؛ فيصح الشَّرط؛ لأنَّهُ غرض صحيح، وأما إذا لم يعلم مراد الواقف، فيحتمل أن يقال بالبطلان بالشرط؛ حملًا على المعنى الشرعي، ويحتمل أن يقال بالصحة؛ حملًا على المعنى، وهو الأقرب لصحته" (١). وجاء عن الشافعية: "وإذا باع أو رهن الْوَقْف؛ هل يعزل ويفسق بفعله، ذلك ويقيم الحاكم الشرعي غيره؛ سواء كان من قبل الواقف أو غيره؛ فأجاب بقوله ... وإذا تعدى الناظر بنحو بيع أو رهن انعزل، ولزم الحاكم أن يولِّي غيره" (٢). وجاء عن الحنابلة: "ولا يصح رهن ما لا يصح بيعه؛ كأم الولد، والوقف والعين المرهونة؛ لأن المقصود من الرهن استيفاء الدين من ثمنه؛ وما لا يجوز بيعه لا يمكن ذلك فيه" (٣) وجاء عن الإمامية: "وكذلك أرض الْوَقْف لا يصح رهنها، فإن رهنها كان باطلًا، فإن كان فيها بناء نظرت: فإن كان من ترابها؛ فهو وقف، وإن كان من غير ترابها؛ فالبناء طلق والأرض وقف، وكذلك إن غُرست فيها أشجار؛ فالشجر طلق دونها، فإن رهن البناء والشجر؛ صحَّ، وإن رهنها دون الشجر والبناء؛ بَطَل، وإن رهنهما معًا؛ بطل في الأرض، وصحَّ في البناء والشجر" (٤).

стр. 908

وجاء عن الإباضية: "سؤال: هل يجوز لوارث الواقف أو وكيل وصيته -فضلًا عن غيرهما - أن يرهن وقفًا حبسه الموصي لمشروع خيري؟ وإذا تعدَّى أيٌّ كان فَرهَنه فعلًا؛ فهل يحكم الشرع ببطلانه؟ الجواب ... إن العلماء نصُّوا على أنه لا يُرهن ما لا يجوز بيعه، وهذا الرهن لا يجوز بيعه بحال، فكذلك لا يجوز رهنه؛ لأن كلًا من صحة البيع والرهن فرع لثبوت الملكية، وهذا الْوَقْف المتكلم عنه لا يملك أصله أو منفعته وراث ولا وصي، فضلًا عن غيرهم؛ وعليه فمن رهنه فرهنه باطل، لا يُعتدُّ به شرعًا" (١). وجاء عن الزيدية: وكل ما صحَّ بيعه صحَّ رهنه، إلا تسعة؛ وهي: وقف، وهدي، وأضحية، والأَمَة المؤجَّرة، والزوجة من غير الزوج المستأجر، والفرع دون الأصل، والنابت دون المنبت، والعكس، والجزء المشاع إلا إذا رُهن كله (٢)، وذلك إذا تلف الْوَقْف، فيُباع ولا يرهن (٣). وعلَّلوا ذلك بجملة من الآثار عن النَّبِيّ ﷺ ، منها قوله: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (٤). ويمنع رهن الْوَقْف جاءت قرارات منتدى قضايا الْوَقْف الفقهية الأول؛ إذ جاء فيها: "الأصل عدم جواز رهن الأصول الموقوفة في ديون الْوَقْف أو غيرها" (٥). القول الثاني: جواز رهن توابع الْوَقْف: جاء في رواية عند الحنابلة وبعض فقهاء الزيدية: جواز رهن ما كان تبعًا للوقف. فجاء في المغني قوله: "وما كان فيها من غير ترابها أو من الشجر المجدد فيها، إن أفرده بالبيع والرهن؛ فهل يصح؛ على روايتين، نصَّ عليهما في البيع؛ إحداهما:

стр. 909

يصح؛ لأنَّهُ طَلْق، والثانية: لا يجوز؛ لأنَّهُ تابع لما لا يجوز بيعه ولا رهنه، فهو كأساسات الحيطان، وإن رهنه مع الأرض؛ بطل في الأرض، وهل يجوز في الأشجار والبناء على الرواية التي يجوز رهنها منفردة؛ يخرج على الروايتين في تفريق الصفقة" (١). وجاء عند الزيدية: أنه يصح رهن الْوَقْف سنة أو سنتين؛ إذ القصد التوثيق، ولزوم البيع تابع لا مقصود؛ إذ قد لا يُباع الرهن كَلَوْ أُبرأ؛ تخرج عن ملك الراهن لقصد القربة؛ فلا يصح؛ كالمعتق، وهو الأصح؛ إذ من موجبه صحة البيع (٢). سابع عشر: ضبط حسابات الْوَقْف وتوثيقها: يعدُّ ضبط حسابات إيرادات الْوَقْف ومدفوعاته من صميم مقتضى النظارة عليه، ولقد نبَّه الفقهاء على ذلك؛ حفظًا لحقوق الموقوف عليهم من جهة، وحماية للناظر من جهة ثانية، وتحقيقًا لاستمرار الْوَقْف من جهة ثالثة، وذلك كما يأتي: ١ - ضبط مدفوعات أو مصاريف الْوَقْف: ذهب الحنفية، والإمامية إلى أن على ناظر الْوَقْف أن يضبط ما صرفه للموقوف عليهم ويقيِّده في سجلاته، ويأخذ على ذلك وصولات؛ حتَّى تبرأ ذمته ديانةً وقضاءً. فجاء عن الحنفية: "وإذا تحاسب ناظر الْوَقْف مع المستحقين على ما قبضه من غلَّة الْوَقْف في سنة معلومة، وما صرفه من مصارف الْوَقْف الضرورية، وما خصَّ كل واحد منهم من فاضل الغلّة، وصدَّقه كلٌّ منهم على ذلك، وكتب كلٌّ منهم وصولًا بذلك، فيعمل بما ذكر من المحاسبة والصرف والتصديق بعد ثبوته شرعًا، وليس لهم نقض المحاسبة بدون وجه شرعي، وإذا كان المتولي على وقف برٍّ يكتب مقبوضه ومصروفه كل سنة بمعرفة القاضي بموجب دفتر ممضي بإمضائه؛ فيُعمل بدفاتر المحاسبة الممضاة بإمضاء القضاة، ولا يكلَّف المحاسبة ثانيًا" (٣).

стр. 910

وجاء عنهم أيضًا: "إذا كان للوقف كتاب في ديوان القضاة المسمَّى في عرفنا بالسجل وهو في أيديهم؛ اتبع ما فيه استحسانًا إذا تنازع أهله فيه، وإلا ينظر إلى المعهود من حاله فيما سبق من الزمان من أن قوامه كيف كانوا يعملون، وإن لم يعلم الحال فيما سبق رجعنا إلى القياس الشرعي، وهو أن من أثبت بالبرهان حقًّا حكم له به" (١). ويعضد قولهم بأهمية ضبط حسابات دفاتر الموقف من إيراداته ونفقاته قولهم "ومتولي المسجد إذا تعذَّر عليه الحساب بسبب أنه أمي، فاستأجر من يكتب له ذلك بمال المسجد لا يجوز له كذا في الذخيرة" (٢). والشاهد قولهم: "إذا تعذَّر عليه الحساب بسبب أنه أمي"، ويدل على اعتنائهم بمسألة ضبط الحسابات المالية للوقف حماية له ولمقاصده. ويدعم أهمية تقييد المدفوعات ما جاء في البحر الرائق شرح كنز الدقائق عن اعتبار البينة في دعوى الصرف أو أحقيته في مبلغ معين والتي يعد التوثيق في السجلات أحد ركائزها؛ إذ قال: "قال في القنية: زل القاضي، فادَّعى القيِّم أنه قد أجرى له كذا مشاهرة أو مسانهة، وصدَّقه المعزول فيه .. لا يُقبل إلا ببينة" (٣). وجاء عن الإمامية: "ويجوز للمجتهد إيجاره لزراعة ونحوها مع ضبط الحجج" (٤). وعند الزيدية: لمتولى الْوَقْف (العمل بالظنِّ فيما التبس مصرفه)، والواجب أولًا أن يعمل بعلمه، فإن لم يحصل له علم نظر في الثقات المتصرفين قبله، فإن كان عملهم عن علم رجب الرجوع إليهم وإلى دفاترهم المبين فيها بخطوطهم كيفية المصرف، وإن كان عملهم عن ظ، فإن حصل له ظن عمل به وجوبا، وإن لم يحصل له ظنٌّ رجع إلى ظنِّ من قبله، فإن لم يحصل شيء ولا عرف يرجع إليه، قال في الكواكب: "فإن كان اللبس بين مصارف منحصرات قسمت الغلّة بين تلك المصارف بالسوية وإن كانت

стр. 911

المصارف غير منحصرات بل وقع اللبس مطلقًا فإن الغلّة تكون لبيت المال وكذلك الرقبة إذا لم يعلم كونها وقفًا وإن عرف أنها وقف بقيت وقفًا (١). ٢ - معاينة الأوقاف وتفتيش السجلات ومحاسبة الوكلاء: تعدُّ مراقبة السجلات وعمل وكلاء الناظر على الأوقاف من صلب أعمال النظارة؛ حماية للوقف ومقاصده وضبطا لمداخليه ونفقاته. ولقد جاءت أقوال المذاهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والإمامية في هذه المسألة كالآتي: فجاء عن الحنفية: "ويتحرى في تصرفاته النظر للوقف والغبطة" (٢). والشاهد في كلامهم تحري الغبطة والتي لا تكون إلا ضبط السجلات ومحاسبة الوكلاء الذين عينهم. وجاء قول المالكية كما نقله صاحب المعيار عن الفقيه العبدوسي: "وسُئل عن ناظر الأحباس هل يجب عليه تفقدها أم لا؟ فأجاب: تطوُّف ناظر الحبس وشهوده وكتابه وقباضه على ريع الأحباس؛ أكيد ضروري لا بد منه، وهو واجب على الناظر فيها، لا يحل له تركه، إذ لا يتبين مقدار غلتها ولا عامرها إلا بذلك، وما ضاع كثير من الأحباس إلا بإهمال ذلك، فيأخذ الناظر وفقكم الله بالله والجد والاجتهاد" (٣). وسُئل الفقيه العبدوسي أيضًا عن طريقة المحاسبة في الْوَقْف؛ فأجاب: "المحاسبة: أن يجلس الناظر والقباض والشهود، وتنسخ الحوالة كلها من أول رجوع الناظر إلى آخر المحاسبة، وتقابل وتحقق، ويرفع كل مشاهرة أو مسانهة أو كراء أو صيف أو خريف، وجميع مستفادات الحبس حتَّى يصير ذلك كله نقطة واحدة، ثم يقسم على المواضع، لكل حقه، ويعتبر المرتبات وما قبض ومن تخلص ومن لا، وينظر في المصير

стр. 912

ولا يقبل ذلك إلا جميع شهود الأحباس، وكذلك جميع الإجارات من لقط زيتون وآلة ونفض، ويطلب كل واحد بخطته، ومن أفسد شيئًا؛ لزمه غرمه، ومن تعدَّى على غير خطته أو ضيع شيئًا وأخذ عليها مرتبا؛ غرمه، ومن ضيع شيئًا من ذلك من شهود الأحباس؛ رجب القيام به عليهم، وتعجيل ذلك، وكذلك يجب على الناظر وهو المطلوب به، وإلا فلا يجوز تركه؛ فإن تركه كان مضيِّعًا" (١). وجاء عن الشافعية ما يفيد وجوب اهتمام ناظر الْوَقْف بضبط السجلات وحساب المداخيل والنفقات ومثاله مسألة خلاف الناظر مع الموقوف عليهم حول صرف المستحقات من عدمه، إذ جاء عنهم "ولو ادعى متولى الْوَقْف صرف الريع للمستحقين، فإن كانوا معيَّنين فالقول: قولهم، ولهم مطالبته بالحساب وإن كانوا غير معينين فهل للإمام مطالبته بالحساب" (٢). وجاء عن الحنابلة، ما ذكره صاحب كشاف القناع من أهمية تدوين وضبط إيرادات ومدفوعات الْوَقْف، والتنبيه على أن تكون مكتوبة وموزعة في نسخ على الموقوف عليهم ونسخة يحتفظ بها ناظر الْوَقْف، إذ قال: "ولهم؛ أي أهل الْوَقْف: مساءلته؛ أي الناظر، عما يحتاجون إلى علمه من أمور وقفهم حتَّى يستوي علمهم فيه وعلمه، وهو ظاهر، ولهم؛ أي أهل الْوَقْف: مطالبته بانتساخ كتاب الْوَقْف، لتكون نسخه في أيديهم وثيقة لهم، وله؛ أي الناظر، انتساخه؛ أي كتاب الْوَقْف، والسؤال عن حاله" (٣). وجاء عن الإمامية ما يفيد معنى المراقبة والتفتيش وحفظ الْوَقْف ومصالحه: وظيفة الناظر في الْوَقْف: العمارة له أولًا، وتحصيل الريع وقسمته على المستحق، وحفظ الأصل والغلة، ونحو ذلك من مصالحه" (٤). ولا تتحقق هذه المقاصد إلا بالرقابة على الْوَقْف وعلى موظفيه.

стр. 913

المبحث الرابع تفويض النظارة للغير المراد بتفويض النظارة للغير هو إقامة الناظر غيره مقام نفسه استقلالًا (١). وهذا يعني أن الناظر يسند نظارة الْوَقْف إلى غيره ويفرغ نفسه منها فيصبح الأول لا علاقة له بالنظر على الْوَقْف (٢). وتفويض الناظر النظارة يختلف عن الصور الآتية لنقل النظارة إلى الغير: أ) التوكيل بالنظر: التوكيل تفويض شخص أمره إلى آخر فيما يقبل النيابة ليفعله في حياته (٣). ولا خلاف بين فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والإمامية في جواز توكيل ناظر الْوَقْف غيره فيما يملكه من التصرفات، بناء على أن النظارة على الْوَقْف مما يقبل الوكالة (٤). قال المرداوي من الحنابلة في تعليقه على عبارة المقنع "يجوز التوكيل في كل حقِّ آدمي؛ من العقود والفسوخ والعتق والطلاق والرجعة" (٥): "يشمل كلامه: الحوالة والرهن والضمان والكفالة والشركة والوديعة والمضاربة والجعالة ... وكذا الوكالة في الْوَقْف، ذكره الزركشي وابن رزين وحكاه في الجميع إجماعًا" (٦).

стр. 914

والفرق بين تفويض الناظر النظارة للغير وبين التوكيل بالنظر هو أن التوكيل هو الإنابة، والتفويض هو التسليم (١). فالناظر الذي يوكل غيره في أعمال النظارة يثبت للوكيل ولاية التصرُّف فيما يملكه لا بطريق الخلافة، فولاية الموكل باقية في هذه الحالة وله أن يتصرَّف في الوقف مع وجود الوكيل (٢)؛ لأن التوكيل إنابة والإنابة تستدعي ولاية المنوب عنه، أما الولاية بطريق الخلافة فتستدعي سقوط ولاية من هو أصل (٣). وجاء عند الزيدية: "ويصح التوكيل به؛ كالعتق والطلاق" (٤). ب) إيصاء الناظر بالنظارة: الإيصاء هو إقامة الموصي الوصي مقام نفسه بعد الموت في حقِّ ولاية التصرف، فينتقل إلى الوصي ما للموصي من الولاية عند الموت (٥)، والمراد بإيصاء الناظر بالنظارة هو إقامة الناظر غيره مقام نفسه بعد الموت في حق النظارة على الوقف. يشترك تفويض النظارة والإيصاء بالنظر في أن كلا منهما إقامة الناظر غيره مقام نفسه بطريق الخلافة، إلا أن النظارة عند الإيصاء بالنظر لا تنتقل إلى الوصي إلا بعد موت الناظر الموصي. وقد اختلف الفقهاء في حكم إيصاء المتولي بالولاية على الوقف على ثلاثة أقوال:

стр. 915

القول الأول: للمتولي أن يفوض لغيره: وإليه ذهب الحنفية؛ حيث جاء في الفتاوى الهندية: للمتولي أن يفوض لغيره عند موته كالوصي له أن يوصي إلى غيره إلا أنه إن كان الواقف جعل لذلك المتولي مالا مسمى لم يكن ذلك لمن أوصى إليه بل يرفع الأمر إلى القاضي إذا تبرع بعمله ليفرض له أجر مثله إلا أن يكون الواقف جعل ذلك لكل متول، وليس للقاضي أن يجعل للذي كان أدخله ما كان الواقف جعله الذي كان أدخله (١). القول الثاني: ليس للناظر الإيصاء بالنظر إلى غيره إلا أن يجعل له الواقف ذلك: وإليه ذهب المالكية (٢)، والمفتى به عند الشافعية وما عليه معظم الأصحاب: أن الوقف إن كان على جهة عامة فالتولية للحاكم، كما لو وقف على مسجد أو رباط، وإن كان على معيَّن فكذلك إن قلنا: الملك ينتقل إلى الله تعالى وإن جعلناه للواقف أو الموقوف عليه فكذلك التولية (٣). القول الثالث: للناظر بالأصالة والناظر المشروط الذي جعل له الواقف أن يوصي الوصية بالنظر، وأما من لم يكن ناظرا أصليًّا أولم يشرط له الواقف الإيصاء فليس له الإيصاء بالنظر: وإليه ذهب الحنابلة؛ قال المرداوي: "وللناظر بالأصالة أن يعزل وينصب أيضًا بشرطه والمراد بالناظر بالأصالة الموقوف عليه أو الحاكم، قاله القاضي محب الدين بن نصر الله، وأما الناظر المشروط فليس له نصب ناظر ... وليس له الوصية بالنظر
следующие страницы →