← Фикх общий

Фикх общий · id 308

مدونة أحكام الوقف الفقهية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

المصارف غير منحصرات بل وقع اللبس مطلقًا فإن الغلّة تكون لبيت المال وكذلك الرقبة إذا لم يعلم كونها وقفًا وإن عرف أنها وقف بقيت وقفًا (١). ٢ - معاينة الأوقاف وتفتيش السجلات ومحاسبة الوكلاء: تعدُّ مراقبة السجلات وعمل وكلاء الناظر على الأوقاف من صلب أعمال النظارة؛ حماية للوقف ومقاصده وضبطا لمداخليه ونفقاته. ولقد جاءت أقوال المذاهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والإمامية في هذه المسألة كالآتي: فجاء عن الحنفية: "ويتحرى في تصرفاته النظر للوقف والغبطة" (٢). والشاهد في كلامهم تحري الغبطة والتي لا تكون إلا ضبط السجلات ومحاسبة الوكلاء الذين عينهم. وجاء قول المالكية كما نقله صاحب المعيار عن الفقيه العبدوسي: "وسُئل عن ناظر الأحباس هل يجب عليه تفقدها أم لا؟ فأجاب: تطوُّف ناظر الحبس وشهوده وكتابه وقباضه على ريع الأحباس؛ أكيد ضروري لا بد منه، وهو واجب على الناظر فيها، لا يحل له تركه، إذ لا يتبين مقدار غلتها ولا عامرها إلا بذلك، وما ضاع كثير من الأحباس إلا بإهمال ذلك، فيأخذ الناظر وفقكم الله بالله والجد والاجتهاد" (٣). وسُئل الفقيه العبدوسي أيضًا عن طريقة المحاسبة في الْوَقْف؛ فأجاب: "المحاسبة: أن يجلس الناظر والقباض والشهود، وتنسخ الحوالة كلها من أول رجوع الناظر إلى آخر المحاسبة، وتقابل وتحقق، ويرفع كل مشاهرة أو مسانهة أو كراء أو صيف أو خريف، وجميع مستفادات الحبس حتَّى يصير ذلك كله نقطة واحدة، ثم يقسم على المواضع، لكل حقه، ويعتبر المرتبات وما قبض ومن تخلص ومن لا، وينظر في المصير

стр. 912

ولا يقبل ذلك إلا جميع شهود الأحباس، وكذلك جميع الإجارات من لقط زيتون وآلة ونفض، ويطلب كل واحد بخطته، ومن أفسد شيئًا؛ لزمه غرمه، ومن تعدَّى على غير خطته أو ضيع شيئًا وأخذ عليها مرتبا؛ غرمه، ومن ضيع شيئًا من ذلك من شهود الأحباس؛ رجب القيام به عليهم، وتعجيل ذلك، وكذلك يجب على الناظر وهو المطلوب به، وإلا فلا يجوز تركه؛ فإن تركه كان مضيِّعًا" (١). وجاء عن الشافعية ما يفيد وجوب اهتمام ناظر الْوَقْف بضبط السجلات وحساب المداخيل والنفقات ومثاله مسألة خلاف الناظر مع الموقوف عليهم حول صرف المستحقات من عدمه، إذ جاء عنهم "ولو ادعى متولى الْوَقْف صرف الريع للمستحقين، فإن كانوا معيَّنين فالقول: قولهم، ولهم مطالبته بالحساب وإن كانوا غير معينين فهل للإمام مطالبته بالحساب" (٢). وجاء عن الحنابلة، ما ذكره صاحب كشاف القناع من أهمية تدوين وضبط إيرادات ومدفوعات الْوَقْف، والتنبيه على أن تكون مكتوبة وموزعة في نسخ على الموقوف عليهم ونسخة يحتفظ بها ناظر الْوَقْف، إذ قال: "ولهم؛ أي أهل الْوَقْف: مساءلته؛ أي الناظر، عما يحتاجون إلى علمه من أمور وقفهم حتَّى يستوي علمهم فيه وعلمه، وهو ظاهر، ولهم؛ أي أهل الْوَقْف: مطالبته بانتساخ كتاب الْوَقْف، لتكون نسخه في أيديهم وثيقة لهم، وله؛ أي الناظر، انتساخه؛ أي كتاب الْوَقْف، والسؤال عن حاله" (٣). وجاء عن الإمامية ما يفيد معنى المراقبة والتفتيش وحفظ الْوَقْف ومصالحه: وظيفة الناظر في الْوَقْف: العمارة له أولًا، وتحصيل الريع وقسمته على المستحق، وحفظ الأصل والغلة، ونحو ذلك من مصالحه" (٤). ولا تتحقق هذه المقاصد إلا بالرقابة على الْوَقْف وعلى موظفيه.

стр. 913

المبحث الرابع تفويض النظارة للغير المراد بتفويض النظارة للغير هو إقامة الناظر غيره مقام نفسه استقلالًا (١). وهذا يعني أن الناظر يسند نظارة الْوَقْف إلى غيره ويفرغ نفسه منها فيصبح الأول لا علاقة له بالنظر على الْوَقْف (٢). وتفويض الناظر النظارة يختلف عن الصور الآتية لنقل النظارة إلى الغير: أ) التوكيل بالنظر: التوكيل تفويض شخص أمره إلى آخر فيما يقبل النيابة ليفعله في حياته (٣). ولا خلاف بين فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والإمامية في جواز توكيل ناظر الْوَقْف غيره فيما يملكه من التصرفات، بناء على أن النظارة على الْوَقْف مما يقبل الوكالة (٤). قال المرداوي من الحنابلة في تعليقه على عبارة المقنع "يجوز التوكيل في كل حقِّ آدمي؛ من العقود والفسوخ والعتق والطلاق والرجعة" (٥): "يشمل كلامه: الحوالة والرهن والضمان والكفالة والشركة والوديعة والمضاربة والجعالة ... وكذا الوكالة في الْوَقْف، ذكره الزركشي وابن رزين وحكاه في الجميع إجماعًا" (٦).

стр. 914

والفرق بين تفويض الناظر النظارة للغير وبين التوكيل بالنظر هو أن التوكيل هو الإنابة، والتفويض هو التسليم (١). فالناظر الذي يوكل غيره في أعمال النظارة يثبت للوكيل ولاية التصرُّف فيما يملكه لا بطريق الخلافة، فولاية الموكل باقية في هذه الحالة وله أن يتصرَّف في الوقف مع وجود الوكيل (٢)؛ لأن التوكيل إنابة والإنابة تستدعي ولاية المنوب عنه، أما الولاية بطريق الخلافة فتستدعي سقوط ولاية من هو أصل (٣). وجاء عند الزيدية: "ويصح التوكيل به؛ كالعتق والطلاق" (٤). ب) إيصاء الناظر بالنظارة: الإيصاء هو إقامة الموصي الوصي مقام نفسه بعد الموت في حقِّ ولاية التصرف، فينتقل إلى الوصي ما للموصي من الولاية عند الموت (٥)، والمراد بإيصاء الناظر بالنظارة هو إقامة الناظر غيره مقام نفسه بعد الموت في حق النظارة على الوقف. يشترك تفويض النظارة والإيصاء بالنظر في أن كلا منهما إقامة الناظر غيره مقام نفسه بطريق الخلافة، إلا أن النظارة عند الإيصاء بالنظر لا تنتقل إلى الوصي إلا بعد موت الناظر الموصي. وقد اختلف الفقهاء في حكم إيصاء المتولي بالولاية على الوقف على ثلاثة أقوال:

стр. 915

القول الأول: للمتولي أن يفوض لغيره: وإليه ذهب الحنفية؛ حيث جاء في الفتاوى الهندية: للمتولي أن يفوض لغيره عند موته كالوصي له أن يوصي إلى غيره إلا أنه إن كان الواقف جعل لذلك المتولي مالا مسمى لم يكن ذلك لمن أوصى إليه بل يرفع الأمر إلى القاضي إذا تبرع بعمله ليفرض له أجر مثله إلا أن يكون الواقف جعل ذلك لكل متول، وليس للقاضي أن يجعل للذي كان أدخله ما كان الواقف جعله الذي كان أدخله (١). القول الثاني: ليس للناظر الإيصاء بالنظر إلى غيره إلا أن يجعل له الواقف ذلك: وإليه ذهب المالكية (٢)، والمفتى به عند الشافعية وما عليه معظم الأصحاب: أن الوقف إن كان على جهة عامة فالتولية للحاكم، كما لو وقف على مسجد أو رباط، وإن كان على معيَّن فكذلك إن قلنا: الملك ينتقل إلى الله تعالى وإن جعلناه للواقف أو الموقوف عليه فكذلك التولية (٣). القول الثالث: للناظر بالأصالة والناظر المشروط الذي جعل له الواقف أن يوصي الوصية بالنظر، وأما من لم يكن ناظرا أصليًّا أولم يشرط له الواقف الإيصاء فليس له الإيصاء بالنظر: وإليه ذهب الحنابلة؛ قال المرداوي: "وللناظر بالأصالة أن يعزل وينصب أيضًا بشرطه والمراد بالناظر بالأصالة الموقوف عليه أو الحاكم، قاله القاضي محب الدين بن نصر الله، وأما الناظر المشروط فليس له نصب ناظر ... وليس له الوصية بالنظر

стр. 916

أيضًا، نص عليه في رواية الأثرم؛ لأنه إنما ينظر بالشرط ولم يشرط الإيصاء له خلافًا للحنفية (١). ج) المصادقة على النظر: المراد بالمصادقة في النظر إقرار الناظر بأن النظارة ليست له وإنما هي لفلان، أو إقراره بأن فلانًا شريك معه في النظارة ويصدقه المقرُّ له (٢). ونظرًا لأن الإقرار حجة ملزمة بنفسه (٣)؛ يعزل الناظر عن النظارة بموجب إقراره إذ شهد على نفسه بأن النظارة ليست له؛ فيؤاخذ بما يصح من كلامها (٤)، وهذا ما لا خلاف فيه بين الفقهاء. وإنما اختلفوا في ثبوت النظارة للمقَرِّ له على قولين: القول الأول: النظارة لا تثبت للمقَرِّ له؛ لأن الإقرار قاصر على قائله، وإليه ذهب المالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). القول الثاني: وفيه تفصيل بسبب كون الناظر المقرِّ منفردًا بالنظارة أو كونه غير منفرد بها؛ فإن كان الناظر منفردًا بالنظارة؛ صحَّ إقراره المذكور، بمعنى أنه يؤاخذ بإقراره حيث أمكن تصحيحه، أما لو كان في نفس الأمر أقر كاذبًا؛ لا يحلُّ للمقَرِّ له شيء مما أقرَّ به، وإليه ذهب الحنفية (٨).

стр. 917

وأما لو أقرَّ الناظر أن فلانًا يستحق معه نصف النظر مثلًا يؤاخذ بإقراره، ويشاركه فلان في وظيفته ما داما حيين، ولو مات أحدهما (أي: المقِرَّ أو المقَرَّ له)؛ فإن كان هو المقِرَّ، فالحكم بطلان الإقرار وانتقال النظر لمن شرطه له الواقف بعده، وأما لو مات المقَرُّ له؛ فالذي يقتضيه النظر كما قال ابن عابدين: بطلان الإقرار أيضًا، وإنما يوجهها القاضي للمقِرِّ أو لمن أراد من أهل الوقف (١). د) إسقاط الناظر حقه في النظر لغيره: عند المالكية ليس للناظر أن يوصي بالنظر لأحد غيره إلا أن يجعله له الواقف، فيقول له: اجعله إلى من شئت، فكل من ملك حقًّا على وجه يملك معه عزله، وضابط ذلك أنه: ليس له أن يوصي به كالقاضي والوكيل ولو مفوضًا وخليفة القاضي للأيتام .. وشبه ذلك (٢). وعند الشافعية: لا يجوز للناظر أن يوصي بالنظارة لغيره، ولو فعل لم تصح منه، فمن عزل نفسه وأسقط حقَّه من النظر لغيره، فلا يسقط حقُّه، ويستنيب القاضي من يباشر عنه في الوظيفة (٣). قال البهوتي من الحنابلة: "ومن شُرط" بالبناء للمفعول، "لغيره النظر إن مات" بأن قال الواقف: النظر تزيد فإن مات فلعمرو مثلًا، (فعزل) زيد، (نفسه أو فسق)، وقلنا: ينعزل (فكموته؛ لأن تخصيصه)؛ أي الموت، (للغالب)؛ أي: خرج مخرج الغائب، فلا يُعتدُّ بمفهومه. وإن أسقط حقَّه من النظر لغيره فليس له ذلك؛ لأنه إدخال في الوقف لغير أهله فلم يملكه وحقُّه باقٍ، فإن أصر على عدم التصرُّف انتقل إلى من يليه كما لو عزل نفسه فإن لم يكن من يليه أقام الحاكم مقامه كما لو مات، هذا ما ظهر لي ولم أره مسطورا وقد عمت البلوى بهذه المسألة (٤).

стр. 918

ولتفصيل مذهب الحنفية في هذه المسألة لا بد من بيان أن هذه المسألة ترجع إلى مبحث عزل الناظر نفسه، وهو ما يُعرف أيضًا بالفراغ عن الوظيفة والتنازل عنها؛ قال ابن نجيم: "ومِنْ عَزْلِ نَفْسِهِ الفَرَاغُ عمن وظيفة النَّظر لرجلٍ عند القاضي" (١). والمذهب أنه يصح إسقاط الحق في النظارة في مرض الموت إذا لم يخالف شرط الواقف؛ لأنه يصير وصيًّا عنه، أما إذا لم يكن في مرض الموت؛ بأن كان في صحة الناظر، ولم يخالف شرط الواقف، فقد صرح الحنفية بصحة الفراغ (إسقاط الحقِّ) عن النظر وغيره من الوظائف، إلا أنهم اختلفوا؛ هل يُشترط (لإسقاط الحقِّ للغير) تقرير القاضي؟ أم يكفي مجرد الفراغ له؟ وذلك على قولين: القول الأول: ما أفتى به العلامة قاسم؛ وهو سقوط حقِّ الفارغ بمجرد إسقاطه، وإن لم يقرِّره القاضي. القول الثاني: أنه لا بدَّ من تقرير القاضي لإسقاط الحقِّ في النظارة، وهو المذهب. لذلك قالوا: إن ما ذكره العلامة قاسم لم يستند فيه إلى نقل، وأنه خولف في ذلك؛ وعليه فلا بدَّ من تقرير القاضي؛ قال ابن نجيم: "لو أسقط حقَّه من وظيفته وفرغ عنها لغيره من غير أن يكون بين يدي القاضي؛ لا يسقط حقُّه" (٢)، وقال ابن عابدين: "مطلب في النزول عن الوظائف: وذكر في البحر أيضًا أن المتولي لو عزل نفسه عند القاضي ينصب غيره، ولا ينعزل بعزل نفسه حتى يبلغ القاضي، ومن عزل نفسه لفراغ لغيره عن وظيفة النظر أو غيرها، ثم إن كان المنزول له غير أهل لا يقرِّره القاضي، ولو أهلًا لا يجب عليه تقريره، وأفتى العلامة قاسم بأن من فرغ لإنسان

стр. 919

عن وظيفته سقط حقُّه، وإن لم يقرِّر الناظر المنزول له، فالقاضي بالأولى، وقد جرى التعارف بمصر الفراغ بالدراهم، ولا يخفى ما فيه، وينبغي الإبراء العام بعده. اهـ ما في البحر ملخصًا، لكن لا ينافي هذا ما يأتي في الفصل من أن المتولي إذا أراد إقامة غيره مقامه لا يصح إلا في مرض موته ... وسُئل في الخيرية عما إذا قرَّر السلطان رجلًا في وظيفة كانت لرجل فرغ لغيره عنها بمال؛ أجاب بأنها لمن قرَّره السلطان لا للمفروغ له؛ إذ الفراغ لا يمنع تقريره؛ سواء قلنا بصحته المتنازع فيها، أو بعدمها الموافق للقواعد الفقهية، كما حره العلامة المقدسي" (١). وقال أيضًا: "مطلب في الفرق بين تفويض الناظر في صحته وبين فراغه عنه: (تنبيه) صرحوا بصحة الفراغ عن النظر وغيره من الوظائف، وأفتى العلامة قاسم بسقوط حقِّ الفارغ بمجرد لكنه لم يتابع على ذلك فلا بدَّ من تقرير القاضي كما قدمناه ... وأنت خبير بأن هذا شامل للفراغ في حال الصحة والمرض، فينافي ما هنا من عدم صحة التفويض في حال الصحة بلا تعميم، وتوقَّفت في ذلك مدة، وظهر لي الآن الجواب بأن الفراغ مع التقرير من القاضي عزل لا تفويض، ويدلُّ عليه قوله في البحر إذا عزل نفسه عند القاضي فإنه ينصب غيره، ولا ينعزل بعزل نفسه ما لم يبلغ القاضي، ثم قال: ومن عَزل نفسه الفراغ عن وظيفة النظر لرجل عند القاضي ... فهذا صريح فيما قلناه، ولله الحمد، وبه ظهر أن قولهم هنا: لا يصح إقامة المتولي غيره مقامه في حياته وصحته؛ مقيَّد بما إذا لم يكن عند القاضي، أما لو كان عند القاضي كان عزلًا لنفسه، وتقرير القاضي للغير نصب جديد، وهي مسألة الفراغ بعينها، وبهذا يتجه عدم سقوط حق الفارغ قبل تقرير القاضي، خلافًا لما أفتى به العلامة قاسم؛ إذ لو سقط قبله انتقض قولهم: لا تصح إقامته في صحته بخلافه بعد تقرير القاضي؛ لأنه بعده يصير عزلًا لنفسه عن الوظيفة، ولا يرد أن العزل يكفي فيه مجرد علم القاضي كما مرَّ، فلا حاجة إلى التقرير؛ لأن الفراغ عزل خاص مشروط، فإنه لم يرض بعزل نفسه إلا لتصير الوظيفة لمن نزل له عنها، فإذا

стр. 920

قرَّر القاضي المنزول له تحقَّق الشرط فتحقق العزل، وبهذا تُجمع كلماتهم، فاغتنم هذا التحرير فإنه فريد" (١). وفي تكملة حاشية رد المحتار: "لو جعل النظر لغيره في مرض موته يصح إذا لم يخالف شرط الواقف؛ لأنه يصير وصيًّا عنه، وكذا لو فرغ عنه لغيره وقرَّر القاضي ذلك الغير يصح أيضًا؛ لأنه يملك عزل نفسه، والفراغ عزل، ولا يصير المفروغ له ناظرًا بمجرد الفراغ، بل لا بدَّ من تقرير القاضي كما تحرَّر سابقًا، فإذا قرَّر القاضي المفروغ له صار ناظرًا بالتقرير، لا بمجرد الفراغ" (٢)، وقال ابن نجيم: "المشروط له النظر؛ إذا أسقط حقه منه لا يسقط" (٣). وعند الزيدية: لا يجوز للمتولي أن يوصي بالنظارة لغيره إلا إذا كان مفوضًا بهذا، فللمتولي أن يولي غيره حيث فوض وإلا فلا، إذ هو وكيل، وقيل: بل والٍ؛ فيجوز". (٤). هـ) حكم تفويض النظارة للغير: اتفق فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والإمامية، والزيدية على أن من له الولاية الأصلية على الوقف أن يفوض النظارة لمن يراه، وسبق تفصيل ذلك إحالة؛ وهم في الجملة: الواقف، ووصيه، والموقوف عليهم، والقاضي، كما اتفقوا أن من ثبتت نظارته بالشرط له أن يفوض النظارة لغيره إذا شرط له ذلك (٥).

стр. 921

فقد قال الحصكفي من الحنفية: "إذا أراد المتولي إقامة غيره مقامه في حياته وصحته، إن كان التفويض له بالشرط عامًا صح ولا يملك عزله إلا إذا كان الواقف جعل له التفويض والعزل" (١). وقال الدسوقي من المالكية: "إن شرط الواقف أن يكون فلان ناظر وقفه فيجب اتباع شرطه، ولا يجوز العدول عنه لغيره، وليس له الإيصاء بالنظر لغيره، إلا أن يجعل له الواقف ذلك" (٢). وقال الشربيني الخطيب من الشافعية: "لو قال الواقف: جعلت النظر لفلان، وله أن يفوض النظر إلى من أراد" (٣). وقال البهوتي من الحنابلة: "وأما الناظر المشروط فليس له نصب ناظر ولا الوصية بالنظر ما لم يكن مشروطًا له" (٤). وفي البحر الزخار للزيدية: "وللمتولي أن يولي غيره حيث فوض، وإلا فلا" (٥). وأما الناظر المشروط إذا لم يشرط حق إسناد النظر للغير صراحة فقد اختلف الفقهاء في تفويضة النظر على الوقف لغيره على قولين: القول الأول: إذا لم يشرط له حق إسناد النظر للغير ليس له أن يفوض غيره: وإليه ذهب جمهور الفقهاء من المالكية، والحنابلة، والزيدية (٦).

стр. 922

قال الحطاب من المالكية: "عُلم من كلام ابن القاسم أن الواقف إذا جعل النظر لشخص فليس للناظر أن يوصي بالنظر لأحد غيره إلا أن يجعله له الواقف" (١). وقال المرداوي من الحنابلة: "وأما الناظر المشروط فليس له نصب ناظر؛ لأن نظره مستفاد بالشرط ولم يشرط النصب له" (٢). وفي البحر الزخار للزيدية: "وللمتولي أن يولي غيره حيث فوض وإلا فلا" (٣). وهذا ما يؤخذ من عبارات الشافعية والإمامية؛ حيث ينحصر كلامهم في تفويض النظر ممن جعل له حقُّ التفويض (٤). القول الثاني: إذا أراد المتولي اقامة غيره مقامه في مرض موته صح. وإليه ذهب الحنفية (٥)؛ قال شيخي زاده: "مرض المتولي وفوَّض التولية إلى غيره جاز" (٦)، وقال ابن عابدين: "وإنما صح إذا فوض في مرض موته وإن لم يكن التفويض له عامًّا لما في الخانية من أنه بمنزلة الوصي وللوصي أن يوصي إلى غيره" (٧). و) اشتراط قبول الناظر للنظارة: من خلال عبارات فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة، والإمامية، والزيدية يتبين أن قبول الناظر النظارة ينطبق عليه ما قاله الفقهاء في قبول الوكالة.

стр. 923

فقال الرافعي من الشافعية: "ينبغي أن يجيء في قبول المتولي النظر ما في قبول الوكيل الوكالة" (١). قال القرافي من المالكية: "يجوز للناظر الكراء للسنة والشهر وما يرى من النظر مما يجوز مثله للوكيل" (٢). وقال الشرواني من الشافعية: ولقبوله (أي المشروط له) النظر حكم قبول الوكيل" (٣). وقال ابن مازة من الحنفية عند الكلام عن الولاية في الوقف: "القوامة وكالة" (٤). وقال الحموي من الحنفية: "وقد صرحوا بأن المتولي كالوكيل في المواضع" (٥). فالمراد بقبول النظارة: كل ما صدر من الناظر مشعرًا على رضاه وموافقته على القيام بأعمال النظارة (٦). وقال البهوتي من الحنابلة: "يُقبل قول الناظر المتبرع في دفع المستحق، وإن لم يكن متبرعًا لم يُقبل قوله إلا ببينة" (٧). وقبول النظارة يكون باللفظ وبغير اللفظ.

стр. 924

أولًا: قبول النظارة باللفظ: اتفق فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة، والإمامية، والزيدية على أن القبول يتحقَّق باللفظ، كما لو قال من يملك تولية الناظر: قد وليتك نظارة هذا الوقف، فقال الناظر: قبلت، أو قال كلامًا آخر غير لفظ: "قبلتُ" مشعرًا بالقبول؛ فإن القبول يصح، ويصبح القابل ناظرًا (١). قال الحطاب من المالكية على أنه: "ليس للإيجاب والقبول لفظ معيَّن، وكل لفظ أو إشارة فُهم منها الإيجاب والقبول؛ لزم به البيع وسائر العقود" (٢). وبناء على أصل الشافعية أن قبول المتولي ينبغي أن يجيء فيه ما في قبول الوكيل وبتفصيل خاص لهم (٣). قال النووي من الشافعية: "وأما القبول فيطلق بمعنيين؛ أحدهما: الرضا والرغبة فيما فوض إليه، ونقيضه الردّ، والثاني: اللفظ الدال عليه على النحو المعتبر في البيع وسائر المعاملات، ويعتبر في الوكالة القبول بالمعنى الأول حتى لو رد فقال: لا أقبل أو لا أفعل بطلت الوكالة. فلو رد ثم ندم وأراد أن يفعل لم يجز بل لا بدَّ من إذن جديد؛ لأن الوكالة جائزة ترتفع في الدوام بالفسخ فارتدادها بالرد في الابتداء أولى. وأما المعنى الثاني، وهو القبول لفظًا ففيه أوجه، أصحها لا يُشترط، والثاني يُشترط، والثالث إن أتي بصيغة عقد "وكلتك" "وفوضت إليك"؛ اشتُرط، وإن أتى بصيغة أمر نحو "بِع" و "اشتره" لم يُشترط (٤).

стр. 925

ولما كانت النظارة نوعًا من الوكالة، فإنها تأخذ حكم الوكالة في قبولها بالقول عند الحنابلة، قال البهوتي: "يصح قبول الوكالة بكل قول أو فعل من الوكيل يدل على القبول" (١). ثانيًا: قبول النظارة بغير اللفظ: ويشمل عدة أنواع: ١ - القبول بالفعل: يرى فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة، والإمامية أن القبول يحصل بالفعل بمباشرة الناظر التصرُّف فيما أسند إليه دون صدور تلفُّظ منه، فهذه المباشرة بإجراء التصرُّف في الوقف دالة على قبول الناظر النظارة (٢). قال النووي من الشافعية: "القبول بالفعل أن يتصرَّف فيما أذن له فيه، فإذا تصرَّف تبيَّنا أن القبول حصل قبل التصرُّف" (٣). وقال الرحيباني من الحنابلة: "يصح قبول وكالة بكل قول أو فعل من الوكيل دلَّ عليه" (٤). وقال الحلي من الإمامية: "القبول: كل لفظ أو فعل يدل على الرضا بذلك" (٥). ٢ - قبول النظارة بالسكوت: السكوت هو ترك التكلم مع القدرة عليه (٦).

стр. 926

اختلف الفقهاء في دلالة السكوت على القبول على قولين: القول الأول: سكوت الناظر وصمته يعدُّ قبولًا للنظارة. وبه قال الحنفية، والشافعية؛ فلو لم يتكلم الناظر، والتزم الصمت تجاه الإيجاب ممن يملك تولية الناظر، وحاول إجراء ما أُسند إليه من أعمال النظارة .. يكون قد قبل النظارة دلالة، ويكون تصرُّفه صحيحًا، يعني يكون سكوته دليلًا على الرضا. أما لو رد الناظر النظارة بعد الإيجاب؛ فلا يبقى حكم للإيجاب، ولا تنعقد النظارة وإن قبل بعد ذلك، ما لم يجدد الإيجاب والقبول. جاء في الفتاوى الهندية نقلًا عن الذخيرة: "قبول الوكيل ليس بشرط لصحة الوكالة، ولكن إذا ردَّ الوكيل الوكالة ترتد، وقال أبو بكر الدمياطي من الشافعية: ولا يُشترط من الوكيل القبول لفظًا، بل الشرط عدم الردِّ منه؛ فلو ردَّها - كأن قال: لا أقبل أو: لا أفعل - بَطَلت" (١). القول الثاني: سكوت الناظر وإباؤه عن القبول لفظًا يعدُّ ردًّا للنظارة. وإليه ذهب الحنابلة؛ فقال البهوتي: ولو أبي الوكيل أن يقبل الوكالة فكعزله نفسه؛ كالموصى له إذا لم يقبل الوصية ولم يردها؛ يُحكم عليه بالرد، وعلى قياس ذلك باقي العقود الجائزة (٢). وهذا ما يؤخذ من عبارات المالكية؛ حيث إنهم لا يذكرون السكوت وعدم الردِّ؛ مما يدل على قبول الوكيل (٣).

стр. 927

ثالثًا: تراخي قبول النظارة عن الإيجاب: لا خلاف بين الفقهاء في صحة قبول الناظر النظارة إذا صدر القبول من الناظر فور إيجاب من يملك تولية النظر، وإنما اختلفوا في صحة النظارة عند تراخي القبول عن الإيجاب على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يُشترط لصحة النظارة فورية القبول من الناظر؛ فتصح النظارة مع تراخي القبول كما تصح مع فوريته. وإليه ذهب الحنفية، والمالكية في قول، والشافعية في المذهب، والحنابلة، والإمامية، والزيدية في الأصح (١). فعند الحنفية: "قبول الوكيل ليس بشرط لصحة الوكالة استحسانًا، ولكن إذا ردَّ الوكيل الوكالة ترتد" (٢)، وكذا: "إذا وكَّل رجلًا غائبًا، وأخبره رجل بالوكالة؛ يصير وكيلًا" (٣). وذهب الشافعية إلى أنه: "يصح قبولها (أي الوكالة) على الفور والتراخي، بأن يوكله في بيع شيء فيبيعه بعد سنة، أو يبلغه أنه وكَّله منذ شهر فيقول: قبلت" (٤). وعند المالكية: "لا بد من قبول التوكيل؛ فإن تراخي قبوله بزمن طويل فيتخرَّج فيه قولان" (٥).

стр. 928

وقال ابن قدامة من الحنابلة بعد أن ذكر ما تصحُّ به الوكالة: "يجوز القبول على الفور والتراخي؛ نحو أن يبلغه أن رجلًا وكلَّه في بيع شيء منذ سنة؛ فيبيعه، أو يقول: قبلت، أو يأمره بفعل شيء فيفعله بعد مدة طويلة؛ لأن قبول وكلاء النبي ﷺ لوكالته كان بفعلهم، وكان متراخيًا عن توكيله إياهم؛ ولأنه إذن في التصرُّف، والإذن قائم ما لم يرجع عنه، فأشبه الإباحة" (١). وعند الإمامية: "يجوز مطلقًا، سواء تأخَّر عن الإيجاب، أو قارن" (٢). وعند الزيدية: "في التراخي وجهان ... أصحهما: يصحّ، ما لم يرد" (٣). القول الثاني: يُشترط لصحة النظارة فورية القبول، فإن وقع القبول فورًا فتصح النظارة، وإلا بَطَل الإيجاب؛ لأنه عقد في حال الحياة، فكان القبول فيه على الفور. وإليه ذهب المالكية في قول ثانٍ، والقاضي أبو حامد المروروذي من الشافعية، والزيدية في مقابل الأصح. فقد قال ابن عرفة وابن شاس من المالكية: "لا بدَّ في الصيغة من القبول؛ فإن وقع بالفور فواضح، وإن تأخَّر ففي لغوه قولان على الروايتين في لغو التخيير بانقضاء المجلس" (٤). ونقل في المهذب عن القاضي أبي حامد المروروذي من الشافعية أنه قال: "لا يجوز إلا على الفور؛ لأنه عقد في حال الحياة؛ فكان القبول فيه على الفور؛ كالبيع" (٥).

стр. 929

وقال الزيدية: "في التراخي وجهان ... أصحهما: يصحّ، ما لم يرد، وقيل: لا؛ كالبيع والإجارة" (١). القول الثالث: الرجوع إلى العادة؛ هل المقصود من هذا اللفظ جوابه على الفور؟ أم لا؟ وهذا ما يراه بعض المالكية، قال المازري: "التحقيق: الرجوع الاعتبار المقصود والعادة؛ هل المراد من اللفظ استدعاء الجواب عاجلًا؟ أو ولو كان مؤخرًا" (٢). (ز) النزول عن النظارة: المراد بالنزول عن النظارة فراغ الناظر لغيره عن وظيفة النظر، وهو يندرج تحت مسألة عزل الناظر نفسه (٣)، أو هو قول المشروط له النظر: جعلتُ النظر لفلان (٤). وقد اختلف الفقهاء فيما يترتب على نزول الناظر عن النظر لغيره على ثلاثة أقوال: القول الأول: من نزل عن حقِّ النظر لغيره لا يسقط حقه: وإليه ذهب الشافعية والحنابلة. قال البجيرمي من الشافعية: من عزل نفسه ما لو أسقط حقَّه من النظر لغيره بفراغ له؛ فلا يسقط حقُّه، ويستنيب القاضي من يباشر عنه في الوظيفة (٥). وقال الرحيباني من الحنابلة: وإن أسقط حقَّه من النظر لغيره فليس له ذلك؛ لأنه إدخال في الوقف لغير أهله، فلم يملكه، وحقُّه باقٍ، فإن أصرَّ على عدم التصرُّف انتقل إلى من يليه، كما لو عزل نفسه، فإن لم يكن من يليه أقام الحاكم مقامة، كما لو مات (٦).

стр. 930

القول الثاني: من فرغ، الإنسان عن وظيفته سقط حقُّه وإن لم يقرِّر القاضي المنزول له: وبهذا أفتى العلامة قاسم من الحنفية (١)، وهو الظاهر من قول المالكية. قال ابن نجيم من الحنفية: أفتى العلامة قاسم بأن من فرغ لإنسان عن وظيفته سقط حقُّه منها؛ سواء قرَّر الناظر المنزول له أو لا (٢)، فلا بدَّ من تقرير القاضي (٣). وهذا ما يؤخذ من عبارات المالكية، قال الدردير: واتبع وجوبًا شرط الواقف إن جاز شرعًا؛ كتخصيص مذهب أو ناظر معيَّن، وله عزل نفسه، فيولي صاحبه من شاء إن كان حيًّا، وإلا فالحاكم (٤). القول الثالث: إن الناظر لا ينعزل بمجرد عزل نفسه ونزوله عن وظيفة النظر لغيره، بل لا بدَّ من تقرير القاضي المفروغ له لو أهلًا، وأنه لا يلزم القاضي تقريره ولو أهلًا. وإلى هذا القول ذهب أكثر الحنفية (٥)؛ جاء في البحر الرائق: إذا عزل نفسه عند القاضي فإنه ينصب غيره، وهل ينعزل بعزل نفسه في غيبة القاضي؟ الجواب: لا ينعزل حتى يبلغ القاضي، كما صرحوا به في الوصي والقاضي (٦). ح) الاعتياض عن نزول حقِّ النظر للغير: اختلف الفقهاء في حكم الاعتياض عن نزول حقِّ النظارة للغير على قولين: القول الأول: جواز الاعتياض عن نزول حقِّ النظارة للغير:

стр. 931

وإليه ذهب الحنفية في المفتي به، والشافعية، وهو ما يؤخذ من عبارات المالكية. قال ابن عابدين من الحنفية تعليقًا على عبارة الحصكفي: "وعليه فيفتى بجواز النزول عن الوظائف بمال" (١). وقال العلامة العيني الحنفي في فتاواه: ليس للنزول شيء يعتمد عليه ولكن العلماء والحكام مشوا ذلك للضرورة (٢)، ثم قال في معرض الاستدلال بجواز الاعتياض عن جواز النزول عن وظائف بمال: وذكر الحموي أن العيني ذكر في شرح نظم درر البحار في باب القسم بين الزوجات أنه سمع من بعض شيوخه الكبار أنه يمكن أن يحكم بصحة النزول عن الوظائف الدينية قياسا على ترك المرأة قسمها لصاحبتها؛ لأن كلا منهما مجرد إسقاط (٣). وأضاف: ورأيت بخط بعض العلماء عن المفتي أبي السعود أنه أفتى بجواز أخذ العوض في حق القرار والتصرف وعدم صحة الرجوع، وبالجملة فالمسألة ظنية والنظائر المتشابهة للبحث فيها مجال وإن كان الأظهر فيها ما قلنا فالأولى ما قاله في البحر من أنه ينبغي الإبراء العام بعده والله أعلم (٤). وقال البجيرمي من الشافعية في تعليقه على عبارة الخطيب "لم ينعزل بنفسه": "ومِن عَزل نفسه ما لو أسقط حقَّه من النظر لغيره بفراغ له؛ فلا يسقط حقُّه، ويستنيب القاضي من يباشر عنه في الوظيفة، وهذا يفيد أن الواقف إذا شرط من الوظائف شيئًا لأحد حال الوقف اتُّبع، ومنه ما لو شرط الإمامة أو الخطابة لشخص ولذريته، ثم إن المشروط له ذلك فرغ عنها الآخر، وباشر المفروغ له فيهما مدة، ثم مات الفارغ عن أولاد .. وهو أن الحقَّ في ذلك ينتقل لأولاد الفارغ على ما شرطه الواقف، ثم ما استغله المفروغ له من غلَّة الوقف لا يرجع عليه بشيء منه؛ لأنه استحقه في مقابلة العمل؛ سيَّما وقد قرَّره الحاكم؛ غاية الأمر أن تقريره وإن

стр. 932

كان صحيحًا للنيابة عن الفارغ ثابت له مدة حياة الفارغ؛ وكذلك لا رجوع للمفروغ له على تركة الفارغ بما أخذه في مقابلة الفراغ، وإن انتقلت الوظيفة عنه لأولاد الفارغ؛ لأنه إنما دفع الدراهم في مقابلة إسقاط الحقِّ له، وقد وجد وقرره الحاكم على مقتضاه (١). وقال الصاوي المالكي في تعليقه على عبارة الدردير "نعم، له أن يُسقط حقَّه": "ظاهره جواز ذلك، ولو بمال يأخذه لنفسه" (٢). القول الثاني: عدم جواز النزول عن وظيفة النظر بالمال، وللمنزول له الرجوع به: وإليه ذهب الخير الرملي من الحنفية؛ قال ابن عابدين من الحنفية: أفتى في الخيرية بأنه لو فرغ عن الوظيفة بمال فللمفروغ له الرجوع بالمال؛ لأنه اعتياض عن حق مجرد وهو لا يجوز (٣). ثم نقل ما جاء في الانتصار للرأي القائل بثبوت حقِّ المفروغ له على الفارغ ببدل الفراغ، وقال: ما قلنا في الفراغ عن الوظيفة يُقال مثله في الفراغ عن حقِّ التصرُّف في مشدِّ مسكة الأراضي، ويأتي بيانها قريبًا، وكذا في فراغ الزعيم عن تيماره، ثم إذا فرغ عنه لغيره ولم يوجهة السلطان للمفروغ له، بل أبقاه على الفارغ، أو وجَّهه لغيرهما .. ينبغي أن يثبت الرجوع للمفروغ له على الفارغ ببدل الفراغ؛ لأنه لم يرض بدفعه إلا بمقابلة ثبوت ذلك الحقِّ له، لا بمجرد الفراغ، وإن حصل لغيره، وبهذا أفتى في الإسماعيلية والحامدية وغيرهما، خلافًا لما أفتى به بعضهم عن عدم الرجوع؛ لأن الفارغ فعل ما في وسعه وقدرته؛ إذ لا يخفى أنه غير مقصود من الطرفين، ولا سيَّما إذا أبقى السلطان والقاضي التيمار أو الوظيفة على الفارغ؛ فإنه يلزم اجتماع العوضين في تصرُّفه، وهو خلاف قواعد الشرع (٤).

стр. 933

المبحث الخامس الرقابة على أعمال الناظر الرقابة على أعمال الناظر مهم وضروري؛ وذلك للتأكد من قيام النظار بمسئولياتهم بصورة صحيحة وللحيلولة دون وقوع الخيانة والتلاعب في أموال الوقف. وقد أسند الفقهاء مهمة الرقابة على أعمال الناظر إلى القاضي باعتباره ناظرًا عامًّا ينظر في عموم الأوقاف. نقل الأذرعي الشافعي عمن لا يحصى قال: إن الذي نعتقده أن الحاكم لا نظر له معه ولا تصرف، بل نظره معه نظر إحاطة ورعاية (١). قال السيوطي من الشافعية في معرض ذكر ما على القاضي فعله: النوع الثاني: فيما يتعلق بوظيفة القضاء من التواقيع والتسجيلات، وتفويض الأنظار والتداريس، والنظر على الأوقاف الجارية تحت نظر الحكم العزيز ونصب الأمناء والقوام على الأيتام الداخلين تحت حجر الشرع الشريف، وغير ذلك من التعلقات التي هي منوطة بحكام الشريعة المطهرة (٢). وقد نصَّ الحنابلة على أن للحاكم أو القاضي الرقابة على أعمال الناظر، وهي نظر إحاطة ورعاية، فلا نظر لحاكم مع ناظر خاص لكن للحاكم النظر العام فيعترض على الناظر الخاص إن فعل ما لا يسوغ له فعله لعموم ولايته. وللحاكم ضمُّ أمين إلى الناظر الخاص مع تفريطه أو تهمته ليحصل المقصود من حفظ الوقف، والظاهر أن الأول يرجع إلى رأي الثاني ولا يتصرَّف إلا بإذنه ليحصل الغرض من نصبه وكذا إذا ضم إلى ضعيف قوي معاون له فلا يزال يد الأول عن المال ولا نظره، والأول هو الناظر دون الثاني هذا قياس ما ذكره في الموصى له (٣).

стр. 934

وعند المالكية الأصل أن الناظر أمين لا يضمن، لكن فرق فقهاء المالكية بين أن يشترط على الناظر الإشهاد، وبين عدم الإشهاد، فنصوا على أنه إذا مات الواقف وعدم كتاب الوقف قبل قول الناظر في الجهات التي يصرف عليها إن كان أمينا، وإذا ادعى الناظر أنه صرف الغلَّة صدق إن كان أمينا، ما لم يكن عليه شهود في أصل الوقف فلا يصرف إلا باطلاعهم، ولا يقبل بدونهم. وإذا ادَّعى أنه صرف على الوقف مالًا من عنده صدق من غير يمين إن لم يكن متهمًا وإلا فيحلف، وبه قاله البرزلي والسيولي (١). وتتم مراقبة القاضي لأعمال النظارة بأساليب منها: الأول: يتولى القاضي بنفسه مراقبة أعمال الناظر والإشراف عليه (٢)؛ قال البهوتي من الحنابلة: ولا نظر لحاكم مع ناظر خاص، لكن للحاكم النظر العام؛ فيعترض عليه إن فعل الخاص ما لا يسوغ له فعله؛ لعموم ولايته (٣). الثاني: أن يضمَّ القاضي للناظر ثقة أمينًا ويطلق الفقهاء عليه ناظر حسية (٤)، قال الرحيباني من الحنابلة: وللحاكم ضمُّ أمين إلى الخاص مع تفريطه أو تهمته، يحصل المقصود من حفظ الوقف (٥).

стр. 935

ويكون ضمُّ أمين إلى الخاص في الحالات الآتية (كما ذهب إليه الحنفية والشافعية): الحالة الأولى: الطعن في أمانة الناظر: إذا طعن بعض المستحقين في الناظر وشكوا عنه دون أن يثبتوا خيانته، فيحقُّ للقاضي أن يدخل مع الناظر غيره. قال ابن عابدين من الحنفية في تعليقه على عبارة الحصكفي "ليس للقاضي عزل الناظر بمجرد شكاية المستحقين حتى يثبتوا عليه خيانة": نعم له أن يدخل معه غيره بمجرد الشكاية والطعن كما حرَّره في أنفع الوسائل أخذًا من قول الخصاف إن طعن عليه في الأمانة لا ينبغي إخراجه إلا بخيانة ظاهرة" (١)، وقال البهوتي من الحنابلة: وللحاكم ضمُّ أمين إلى الناظر الخاص مع تفريطه أو تهمته ليحصل المقصود من حفظ الوقف، والظاهر أن الأول يرجع إلى الثاني ولا يتصرَّف إلا بإذنه ليحصل الغرض من نصبه (٢). قال في الإسعاف من كتب الحنفية: لا يولَّى إلا أمين قادر بنفسه أو بنائبه؛ لأن الولاية مقيَّدة بشرط النظر وليس من النظر تولية الخائن؛ لأنه يخلُّ بالمقصود، وكذا تولية الفاجر؛ لأن المقصود لا يحصل به (٣). الحالة الثانية: ضعف الناظر: أن يكون الناظر الخاص ضعيفًا لا يتمكن من القيام بأعمال النظارة بشكل صحيح، فيضم إليه قويًا حفظًا للوقف وتحقيقًا لمصلحته. وقال البهوتي من الحنابلة: ويضمُّ إلى ناظر ضعيف قوي أمين ليحصل المقصود؛ سواء كان ناظرًا بشرط أو موقوفًا عليه (٤).

стр. 936

الحالة الثالثة: فسق الناظر: أن يولِّي الواقف النظارة لفاسق، أو جعل له النظارة وهو عدل ثم فسق فيضم القاضي إليه ناظرًا أمينًا. قال ابن قدامة من الحنابلة: وإن ولاه الواقف وهو فاسق، أو ولاه وهو عدل وصار فاسقًا؛ ضمَّ إليه أمين لحفظ الوقف ولم تزل يده؛ لأنه أمكن الجمع بين الحقين (١) وقال البهوتي من الحنابلة: ويُضمُّ إلى الفاسق عدل (٢). قال الحلي من الإمامية: ولو جعل النظر الأجنبي عدل ثم فسق؛ ضمَّ إليه الحاكم أمينًا، ويحتمل انعزاله بنفسه (٣). الحالة الرابعة: ظهور خيانة الناظر: يرى بعض الحنفية أن للقاضي أن يدخل مع الناظر الذي يثبت خيانته شخصًا آخر؛ ليقوم مع الناظر الأول بأعمال النظارة، فقد نقل ابن عابدين من الحنفية ما جاء في فتاوي الإسماعيلية بأنه ليس للناظر معارضة المتولي إلا أن يثبت أن نظارته بشرط الواقف. ثم قال ابن عابدين معقبًا عليه، وفيه نظر إذ لو نصبه القاضي ناظرًا على المتولي لثبوت خيانته لم يستقل المتولي بالتصرف (٤). مسألة: مدى استقلالية الناظر الأصيل عند ضمِّ ناظر حسبة إليه: اختلف الفقهاء في استقلال الناظر الأصيل بالتصرف بعد أن يضم إليه القاضي ناظر حسبة على قولين: القول الأول: الناظر الأصيل لا يستقل بالتصرف، بل يرجع إلى ناظر حسبة ولا يتصرَّف إلا بإذنه:

стр. 937

وإليه ذهب الشافعية والحنابلة؛ قال البهوتي من الحنابلة: "للحاكم ضمُّ أمين إلى الناظر الخاص مع تفريطه أو تهمته؛ ليحصل المقصود من حفظ الوقف، والظاهر أن الأول يرجع إلى رأي الثاني ولا يتصرَّف إلا بإذنه؛ ليحصل الغرض من نصبه، وكذا إذا ضُمَّ إلى ضعيف قوي معاون له؛ فلا تُزال يد الأول من المال ولا نظره، والأول هذا الناظر دون الثاني" (١). وقال القليوبي من الشافعية: "ليس لمشرف أو ناظر حسبة تصرف بل يتوقف صحة تصرف غيره على مراجعته فلا بدَّ من إذنه، وقال الأذرعي من الشافعية: إلا في خسيس كحزمة بقل" (٢). القول الثاني: الناظر الأصيل يستقل بالتصرف إلا إذا كان ضمُّ ناظر حسبة إليه لخيانته: وإليه ذهب الحنفية؛ قال الحصكفي: "لو ضمَّ القاضي للقيِّم ثقة؛ أي ناظر حسبة؛ هل للأصيل أن يستقل بالتصرف؟ لم أره، وأفتى الشيخ الأخ أنه إن ضمَّ إليه لخيانة؛ لا يستقل، وإلا فله ذلك" (٣). وقال ابن عابدين من الحنفية معلقًا على عبارة الحصكفي: "قد يُقال إنه إذا ضمَّ إليه للطعن في أمانته، وكان للأصيل الاستقلال بالتصرف؛ لم يبق فائدة لضمِّه إليه، إلا أن يصوَّر فيما إذا ضمَّه إليه إعانة له، لا لطعن ولا لخيانة، تأمَّل" (٤). القول الثالث: تعيين المشرف على الناظر: ذكر بعض فقهاء الحنفية والشافعية - في إطار الأساليب التي يتوسَّل بها القاضي إلى مراقبة أعمال النظار - تعيين المشرف بجانب المتولي، وبيَّنوا ما يُناط به من مهامَّ. قال الحصكفي من الحنفية: "ليس للمشرف التصرُّف، بل الحفظ" (٥).

стр. 938

وقال ابن عابدين من الحنفية أيضًا في تعليقه على عبارة الحصكفي "والظاهر أن المراد بالحفظ حفظ مال الوقف عنده": "لكن قال في الفتح: وهذا يختلف بحسب العرف في معنى المشرف ومقتضاه أنه لو تعورف تصرفه مع المتولي اعتبر، ويحتمل أن يراد بالحفظ مشارفته للمتولي عند التصرُّف لئلا يفعل ما يضر ويؤيده ما ذكروه في مشرف الوصي" (١). وجاء في تنقيح الفتاوى الحامدية من كتب الحنفية: " (سُئِلَ) في وقف له متولٍّ ومشرف بمعنى الناظر بشرط واقفه والمتولي يتصرَّف في أمور الوقف بدون إذن المشرف واطلاعه ومعرفته بلا وجه شرعي فهل ليس له ذلك؟ (الجواب): نعم قال الفضلي يكون الوصي أولى بإمساك المال ولا يكون المشرف وصيًا، وأثر كونه مشرفًا أنه لا يجوز تصرف الوصى إلا بعلمه ا هـ. كذا نقله الشيخ خير الدين عن الخانية، وكذا نقله في أدب الأوصياء ثم قال: وفي الخاصي ويقول الفضلي يُفتي. ا هـ. وأنت على علم بأن الوقف يستقي من الوصية، ومسائله تنزع منها" (٢). وقال القليوبي من الشافعية: "ليس لمشرف ولا ناظر حسبة تصرف، بل يتوقف صحة تصرف غيره على مراجعته فلا بدَّ من إذنه" (٣). مسألة: محاسبة الناظر: المحاسبة مفاعلة من الحساب، وهو استيفاء الأعذار فيما للمرء وعليه (٤). والمراد بمحاسبة الناظر هو مناقشته فيما قام به من تصرفات في مال الوقف. والأصل أن الناظر يتصرَّف بمقتضى المصلحة؛ قال السبكي من الشافعية: "كل متصرِّف عن الغير؛ فعليه أن يتصرَّف بالمصلحة" (٥).

стр. 939

وناظر الوقف فرد من أفراد هذه القاعدة، وإذا تقرَّر أن الناظر لا يتصرَّف إلا بمقتضى المصلحة وأنه ممنوع من التصرُّف خلاف ذلك شُرعت محاسبته؛ للتأكد من عدم إخلاله بالمصلحة التي هو مطالب بالتصرف على حسبها، وفي الصحيح "أن النبي ﷺ استعمل رجلًا على الصدقة؛ فلما رجع حاسبه"، وهذا أصل في محاسبة العمال المتفرقين (١). يقول ابن نجيم الحنفي نقلًا عن القنية: "إن مشروعية المحاسبات للنظار إنما هي ليعرف القاضي الخائن من الأمين" (٢). وبتتبُّع عبارات الفقهاء يتبيَّن أن الجهات التي لها محاسبة الناظر هي: الموقوف عليهم، والقاضي، وللسلطان كذلك أن ينصب ديوانًا يختصُّ بمحاسبة النظار؛ باعتبار أن السلطان هو الذي يقرر ولاية القضاة في الرقابة على الناظر، فلا مانع من أن يقرر الولاية لغيرهم؛ فقد سُئل ابن تيمية الحنبلي عن أوقاف ببلد؛ بعضها له ناظر خاص، وبعضها له ناظر من جهة ولي الأمر، وقد أقام ولي الأمر على كل صنف ديوانًا، يحفظون أوقافه، ويصرفون ريعه في مصارفه، وينظر في تصرفات النظَّار والمباشرين، ويحقِّق ما يجب تحقيقه من الأموال المصروفة .. فهل لولي الأمر أن يفعل ذلك إذا رأى فيه المصلحة؟ أم لا؟ فأجاب: نعم لولي الأمر أن ينصب ديوانًا مستوفيًا لحساب الأموال الموقوفة عند المصلحة، كما له أن ينصب الدواوين لحساب الأموال السلطانية كالفيء وغيره، وله أن يفرض له على عمله ما يستحقه مثله من كل مال يعمل فيه بقدر ذلك المال، واستيفاء الحساب وضبط مقبوض المال ومصروفه من العمل الذي له أصل (٣). كما أسند الفقهاء مهمة محاسبة النظار ومتابعة سير أعمالهم إلى القاضي إذا كانت ولايته عامَّة، أو كان قد خصه الحاكم بالنظر في الأوقاف فأصبح هو الذي يتابع أعمال الناظر ويشرف عليها (٤).

стр. 940

قال ابن نجيم الحنفي: ينبغي للقاضي أن يحاسب أمناءه فيما في أيديهم من أموال اليتامى؛ ليعرف الخائن فيستبدله، وكذا القوَّام على الأوقاف (١). ونقل ما جاء في القنية: "إن مشروعية المحاسبات للنظار إنما هي ليعرف القاضي الخائن من الأمين. وأضاف قائلًا: فإن قلت: هل يباح للقاضي أخذ الأجر على المحاسبات من مال الأوقاف؟ قلت: قال في البزازية من كتاب القضاء: إن كتب القاضي سجلًا، أو تولى قسمة وأخذ أجرة المثل له ذلك، وله تولي نكاح صغيرة لا يحل له أخذ شيء؛ لأنه واجب عليه، وكل ما وجب عليه لا يجوز أخذ الأجر عليه، وما لا يجب عليه يجوز أخذ الأجر ... ثم قال: فقد استفيد منه أنه يجوز له الأخذ على نفس الكتابة ولا يجوز له الأخذ على نفس المحاسبات؛ لأن الحساب واجب عليه" (٢). مسألة: محاسبة الموقوف عليهم الناظر: للموقوف عليهم إذا كانوا معيَّنين مساءلة الناظر ومحاسبته ومطالبته ببيان ما يحتاجون إلى علمه من أمور وقفهم. وسُئل ابن حجر الهيتمي الشافعي: عن واقف شرط في وقفه أن يصرف ريعه في جهات متعددة منها قراء يقرأون ما تيسر من القرآن في كل يوم فهل يستحقون معلوم كل يوم من الأجرة المقبوضة أو بعضها بحسابه أم لا يستحقون إلا بعد انقضاء الإجارة والحال أن الواقف لم ينص على شيء من ذلك، وإذا حصل في الوقف هدم أو خلل فيه فتوقف الناظر عن عمارته وإصلاحه من ريعه فهل للمستحقين مطالبته بذلك لئلا يتمادى إلى خرابه كله فيفوت غرض الواقف وهل للمستحقين محاسبته بالأجرة في كل سنة ليعلم كل منهم ما يخصه من ذلك فإن الأجرة تزيد وتنقص باختلاف الزمان والمكان، وهذا محسوس لا خفاء فيه وإذا قلتم لهم ذلك، فهل لهم تحليفه إذا لم يصادقهم على شيء خفي أو القول قوله من غير محاسبة، وهل لهم أيضًا

стр. 941

محاسبته في العمارة أيضًا؟ فأجاب بقوله: يستحقون ما يخصُّ كلَّ يوم قرأوه بمضيه ولا يتوقف استحقاقهم لذلك على انقضاء المدة، ويجب على الناظر العمارة وإن لم يشرطها الواقف فإن تركها مع التمكن فسق وانعزل عن النظر وللمستحقين مطالبته بها ولهم أيضًا مطالبته بالحساب إذا كانوا معينين كما قاله النووي وغيره وقد صرح النووي كسريج وغيره بأن الناظر لو ادعى صرفه على المستحقين وهم معينون وأنكروا فالقول قولهم ولهم المطالبة بالحساب وبه يعلم الجواب عن جميع ما في السؤال (١). وجاء في تنقيح الفتاوى الحامدية من كتب الحنفية: (سُئِلَ) فيما إذا تحاسب ناظر الوقف مع المستحقين على ما قبضه من غلَّة الوقف في سنة معلومة وما صرفه في مصارف الوقف الضرورية وما خص كل واحد منهم من فاضل الغلَّة وصدق كل منهم على ذلك وكتب كل منهم وصولا بذلك فهل يعمل بما ذكر من المحاسبة والصرف والتصديق بعد ثبوته شرعًا وليس لهم نقض المحاسبة بدون وجه شرعي؟ (الجواب): نعم وقد أفتى بذلك الشيخ إسماعيل أيضًا (٢). وعند المالكية ليس للموقوف عليهم محاسبة الناظر؛ لأنه وكيل الواقف أو القاضي، قال ابن عرفة: "لو قدم المحبس من رأى لذلك أهلًا فله عزله واستبداله" (٣). والأصل عند الحنابلة التفريق بين الناظر المتبرع؛ فيصدق في كلِّ ما يدعيه، وإلا لا بدَّ من البينة، فيُقبل قول الناظر المتبرع في دفع المستحق، وإن لم يكن متبرعًا لم يقبل قوله إلا ببينة ونحوه كشراء طعام أو شراب شرطه الواقف؛ لأن الناظر هو الذي يلي الوقف، وحفظه، وحفظ ريعه، وتنفيذ شرط واقفه وطلب الحظّ فيه مطلوب شرعًا فكان ذلك إلى الناظر (٤).

стр. 942

مسألة: كيفية محاسبة الناظر: لا خلاف بين الفقهاء في محاسبة الناظر في الإنفاق على الوقف والصرف إلى المستحقين، كما ناقشت الصفحات السابقة، إلا أنهم اختلفوا في كيفية محاسبة الناظر وقبول قوله على ثلاثة اتجاهات: الاتجاه الأول: التفرقة بين كون الناظر أمينًا أو غير أمين: وإليه ذهب الحنفية والمالكية؛ فقال الحنفية: يُكتفي من الناظر الأمين أن يقدَّم حسابًا إجماليًّا ويُقبل قوله فيما قام بتحصيله من غلَّة الوقف وما أنفقه في إعمار الوقف وإصلاحه، وما وزعه على المستحقين؛ شريطة ألا يكذبه الظاهر. قال الحصكفي من الحنفية: لا تلزم المحاسبة في كل عامٍ، ويكتفي القاضي منه بالإجمال لو معروفًا بالأمانة (١). ثم فرَّق الحنفية في محاسبة الناظر بين إنكار المستحقين الصرف لهم وإنكار أرباب الوظائف الصرف لهم. فإن ادَّعى الناظر الأمين الصرف إلى المستحقين وأنكر المستحقون؛ فإنهم متفقون على أن الناظر لا يكلف بإثبات ما يدعيه بالبينة، بل يُقبل قوله، ثم اختلفوا في تحليفه على قولين: القول الأول: إن الناظر يحلف؛ وذهب إليه بعض الحنفية؛ منهم: الناصحي والخير الرملي وابن نجيم (٢). القول الثاني: إن الناظر لا يحلف؛ وذهب إليه بعض آخر من الحنفية؛ منهم: حامد أفندي العمادي، والحصكفي (٣).

стр. 943

وجاء في تنقيح الفتاوى الحامدية من كتب الحنفية: (سُئِلَ) قاضي الشام سنة ١١٥٣ هـ في صرف الناظر للمستحقين قبل عزله وبعده، وكذا لأرباب الوظائف؛ هل يقبل قوله في ذلك بيمينه؟ أو لا؟ (الجواب) الذي مرَّ جوابه أنه يُقبل قوله فيما يدعيه من الصرف على المستحقين بلا بينة؛ لأن هذا من جملة عمله في الوقف، وأفتى التمرتاشي وقال: واختلفوا في تحليفه، واعتمد شيخنا في الفوائد أنه لا يحلف (١). وإن ادَّعى الناظر الصرف لأرباب الوظائف ولم يصدقوه في الصرف لهم؛ فإن للحنفية في ذلك قولين: القول الأول: وبه قال أكثر الحنفية؛ ويرون أنه يقبل قول الناظر في الدفع الأرباب الوظائف. القول الثاني: وبه أفتى الملا أبو السعود من الحنفية؛ بأنه لا يُقبل قول الناظر. فأفتى أبو السعود بأنه إن ادَّعى الناظر الدفع لأرباب الوظائف؛ كالإمام بالجامع، والبوَّاب .. لا يُقبل قوله؛ لأن ما يأخذه الإمام - ونحوه من أرباب الوظائف - ليس مجرد صلة، بل فيه شوب الأجرة (٢). وقال الحصكفي من الحنفية: "لو ادَّعى المتولي الدفع قُبل قوله بلا يمين، لكن أفتى الملا أبو السعود أنه إن ادَّعى الدفع من غلَّة الوقف لمن نصَّ عليه الواقف في وقفه؛ كأولاده وأولاد أولاده .. قُبل قوله، وإن ادَّعى الدفع إلى الإمام بالجامع والبواب ونحوهما؛ لا يقبل قوله، كما لو استأجر شخصًا للبناء في الجامع بأجرة معلومة، ثم ادَّعى تسليم الأجرة إليه؛ لم يُقبل قوله، قال المصنِّف (أي التمرتاشي): وهو تفصيل في غاية الحسن؛ فيُعمل به، واعتمده ابنه في حاشية الأشباه" (٣).

стр. 944

أما الناظر غير الأمين فإن القاضي لا يكتفي بالإجمال، ويُجبره على تقديم الحساب بالتفصيل وجمعه من ريع الوقف وعمَّا أنفقه، فإن امتنع عن تقديم الحساب مفصَّلًا أحضره يومين أو ثلاثة يخوِّفه ويهدِّده، ولا يحبسه، فإن قدَّم الحساب؛ وإلا اكتفى القاضي منه باليمين" (١). قال ابن نجيم من الحنفية: "وإن كان متَّهمًا يجبره القاضي على التفسير شيئًا فشيئًا، ولا يحبسه، ولكن يحضره يومين أو ثلاثة أو يخوفه ويهدده إن لم يفسر، فإن فعل وإلا اكتفى منه باليمين" (٢). وقال المالكية: "إن اشترط الواقف في أصل الوقف ألا يصرف الناظر شيئًا إلا بمعرفة شهود فإن الناظر لا يصدق بقوله فقط وإن كان أمينًا بل لا بد من الإشهاد أتباعًا الشرط الواقف، فإن لم يشترط الواقف على الناظر الإشهاد في الصرف فيقبل قوله في الصرف والإنفاق إذا كان أمينًا من غير يمين، فإن لم يكن أمينًا، أو كان ما ادعاه لا يشبه ما قال، أو اتهمه القاضي .. فإنه لا يصدق إلا بيمين" (٣). قال الصاوي من المالكية: "واعلم أنه إذا مات الواقف وعدم كتاب الوقف؛ قُبل قول الناظر في الجهات التي يصرف عليها إن كان أمينًا، ما لم يكن عليه شهود في أصل الوقف؛ فلا يصرف إلا باطلاعهم، ولا يقبل بدونهم، وإذا ادعى أنه صرف على الوقف مالًا من عنده صدق من غير يمين إن لم يكن متَّهمًا، وإلا فيحلف" (٤). وقال الدسوقي من المالكية: "وإذا ادعى أنه صرف على الوقف مالًا من ماله صدق من غير يمين إلا أن يكون متهما فيحلفه" (٥).

стр. 945

وفي مواهب الجليل للحطاب المالكي: "سُئل السيوري عن إمام مسجد ومؤذنه ومتولي جميع أموره قام عليه محتسب بعد أعوام في غلَّة حوانيت له وقال: فضلت فضلة عما أنفقت، فقال المتولي: لم يفضل شيء فقال له المحتسب: بين للقاضي صفة الخروج (أي الإنفاق) فقال: لا يجب علي ذلك، ولو علمت أنه يجب علي ذلك ما توليت ولا قمت به، والحال أنه لا يوجد من يقوم به إلا هو، ولولا هو لضاع، فهل يقبل قوله أو لا يقبل؟ فأجاب السيوري: القول قوله فيما زعم أنه أخرجه إذا كان يشبه ما قال، قال البرزلي: وهذا إذا لم يشترط عليه دخلًا ولا خرجًا إلا بإشهاد (١). الاتجاه الثاني: التفرقة في محاسبة الناظر بين كون الموقوف عليهم معيَّنين أو غير معيَّنين: فإن كان الموقوف عليهم معيَّنين وادَّعى الناظر صرف الغلَّة للمستحقين، وكذَّب المستحقون؛ فلا يُصدَّق في دعواه، وعليه إثبات ما يدعيه من الصرف بالبينة، وذلك لأن المستحقين لم يأتمنوا الناظر. وأما إن كان الموقوف عليهم غير معيَّنين وادَّعى الناظر الصرف لهم؛ فإنه يصدق في قدر ما اتفق عند الاحتمال، وللقاضي مطالبته بالحساب في أَوجه الوجهين وإن اتهمة حلفه، وإليه ذهب الشافعية (٢). قال الخطيب الشربيني من الشافعية: "ولو ادعى متولي الوقف صرف الريع للمستحقين؛ فإن كانوا معيَّنين؛ فالقول قولهم ولهم مطالبته بالحساب، وإن كانوا غير معيَّنين؛ فهل للإمام مطالبته بالحساب أولًا؟ وجهان؛ حكاهما شريح في أدب القضاء، أَوْجههما الأول، ويصدق في قدر ما أنفقه عند الاحتمال، فإن اتهمه الحاكم

стр. 946

حلَّفه، والمراد - كما قال الأذرعي - إنفاقه فيما يرجع إلى العادة، وفي معناه الصرف إلى الفقراء ونحوهم من الجهات العامَّة، بخلاف إنفاقه على الموقوف عليه المعيَّن؛ فلا يصدَّق فيه؛ لأنه لم يأتمنه" (١). وقال باعلوي من الشافعية: "يلزم الوصي الإشهاد والمحاسبة، وكذا كل أمين في هذا الزمان تلزمه المحاسبة؛ لكثرة الخيانة" (٢). الاتجاه الثالث: التفرقة في المحاسبة بين ما إذا كان الناظر متبرِّعًا في نظره على الوقف أو غير متبرِّع: فإن كان الناظر متبرِّعًا في عمله في النظارة وادَّعى الصرف إلى المستحقين أو ادَّعى الإنفاق من الغلَّة في مصالح الوقف؛ فإن القول قول الناظر بيمينه، ولا يكلَّف بإثبات ذلك ببينة (٣). وإن كان الناظر غير متبرِّع ويأخذ الأجر لقاء نظرة على الوقف فإنه لا يقبل قوله إلا ببينة تثبت ذلك، وإليه ذهب الحنابلة، فقال الرحيباني من الحنابلة: يُقبل قول الناظر المتبرع في دفع المستحق الأجر، وإن لم يكن متبرعًا لم يقبل قوله إلا ببينة (٤).

стр. 947

المبحث السادس عزل الناظر قال القرافي المالكي: "العزل هو فسخ الولاية وردُّ المتولي كما كان قبلها؛ كفسخ العقود في البيع وغيره" (١)، وعزل الناظر إما أن يكون من قِبله بمعنى أنه يعزل نفسه عن النظارة، أو يكون من قبل ممن يملك تولية الناظر. أولًا: عزل الناظر نفسه: اختلف الفقهاء فيما يترتب على عزل الناظر نفسه على قولين: القول الأول: الناظر لا ينعزل بمجرد عزل نفسه، وإليه ذهب أكثر الحنفية، وأكثر الشافعية (٢). فمن كتب الحنفية؛ جاء في القنية: "الناظر المشروط له النظر إذا عزل نفسه لا ينعزل إلا أن يخرجه الواقف أو القاضي" (٣). وفي البزازية: "المتولي من جهة الحاكم امتنع من العمل ولم يرفع الأمر بعزل نفسه إلى الحاكم لا يخرج عن التولية" (٤). وفي الفتاوى الهندية: "لو قال متولي من جهة الواقف عزلت نفسي لا ينعزل إلا أن يقول له أو للقاضي فيخرجه" (٥). وجاء في الغرر البهية تعليقًا على عبارة البهجة الوردية "بل ينصب الحاكم ناظرًا": وقضية هذا أنه انعزل بعزل نفسه، لكن قال السبكي: الذي أراه أنه لا ينعزل، لكن لا يجب عليه النظر، بل له الامتناع ورفع الأمر إلى القاضي ليقيم غيره مقامه، وعليه فتولية الحاكم غيره كما مرَّ ليس لانعزاله، بل لامتناعه" (٦).

стр. 948

وقال القليوبي من الشافعية بعد أن ذكر أن النظر بعد زوال أهلية الناظر ينتقل إلى الحاكم: عُلم مما ذكر أن الناظر بشرط الواقف لا ينعزل ولو بعزل نفسه أو غيره، ولا يبدل بغيره (١). وعبَّر السبكي عن الخلاف بين الشافعية في المسألة بقوله: "الخامسة هل له أن يعزل نفسه بعد أن قبل؟ إن جعلناه كالوكيل فله ذلك ولكنه بعيد، وإن جعلناه كالموقوف عليه وهو الذي مال إليه ابن الرفعة فلا، ولا ينفذ عزله كما لو أسقط الموقوف إليه حقه بعد قبوله لا يسقط، وقال ابن الصلاح: لو عزل نفسه ليس للواقف نصب غيره، ولم يصرح ابن الصلاح بأن ذلك بعد القبول، فجاز أن يكون قبل القبول فيكون ردًّا، وجاز أن يكون مراده بالعزل امتناعه من النظر، وجاز أن يكون يعتقد أنه كالوكيل؛ فإن كان كذلك خالفناه" (٢). القول الثاني: للناظر عزل نفسه، وإليه ذهب العلامة قاسم من الحنفية، والمالكية وبعض الشافعية، وهو ما يؤخذ من عبارات الحنابلة والزيدية. قال الدسوقي من المالكية: "للناظر عزل نفسه، ولو ولاه الواقف" (٣). وقال ابن عابدين من الحنفية: "للمتولي عزل نفسه عند القاضي، وأن من العزل الفراغ لغيره عن وظيفة النظر أو غيره، وأنه لا ينعزل بمجرد عزل نفسه؛ خلافًا للعلامة قاسم" (٤). وإلى ذلك ذهب بعض الشافعية، كما حكى الإمام السبكي الخلاف في فتاواه (٥).

стр. 949

وقال البهوتي من الحنابلة: "ومن شرط بالبناء للمفعول لغيره النظر إن مات بأن قال الواقف: النظر لزيد فإن مات فلعمرو مثلًا، فعزل زيد نفسه أو فسق وقلنا ينعزل فكموته؛ لأن تخصيصه أي الموت للغالب أي خرج مخرج الغالب فلا يعتد بمفهومه، وإن أسقط حقه من النظر لغيره فليس له ذلك؛ لأنه إدخال في الوقف لغير أهله فلم يملكه وحقه باق، فإن أصر على عدم التصرف انتقل إلى من يليه كما لو عزل نفسه فإن لم يكن من يليه أقام الحاكم مقامه كما لو مات هذا ما ظهر لي ولم أره مسطورا وقد عمت البلوي بهذه المسألة" (١). وقال المرتضى من الزيدية بعد أن ذكر من له حقُّ التولية يملك العزل: "قلنا: لم يتركها لعدم الولاية، بل لعدم القدرة، (فرع) وللخمسة عزل منصوبهم، قيل: وكذا غيرهم، إذ من له التولية صلح للعزل، وله عزل نفسه في وجوههم كالوكيل" (٢). ثانيًا: عزل الناظر من قبل من له تولية النظر: اختلف الفقهاء في مسألة عزل الناظر باختلاف من له تولية النظر؛ وهم في الجملة: الواقف، ثم وصيه، ثم الموقوف عليه، ثم القاضي، وسنتكلم فيما يلي عن عزل كلِّ واحد من هؤلاء للناظر: أ) عزل الواقف للناظر: عزل الواقف لا يخلو؛ إمَّا أن يكون الواقف اشترط حين إنشاء الوقف العزل النفسية، وإما أن يكون قد اشترط النظارة لنفسه، أو لم يشترط شيئًا منهما.

стр. 950

١ - اشتراط الواقف العزل لنفسه: اتفق الفقهاء على أن الواقف إن شرط لنفسه ولاية العزل؛ فله عزل الناظر حسب ما شرط (١): فقال ابن مازة من الحنفية: "في فتاوى أبي الليث إذا وقف أرضًا وسلمها إلي المتولي ثم أراد أن يأخذها منه، فإن كان شرط في الوقف أن له العزل والإخراج من يد المتولي فله ذلك" (٢). وقال الصاوي من المالكية: "ذكر البدر القرافي أن ... للواقف عزله مطلقًا" (٣). وقال ابن حجر الهيتمي من الشافعية: "وللواقف عزل من ولاه نائبًا عنه؛ بأن شرط النظر لنفسه، ونصب غيره كالوكيل" (٤). وقال المرداوي من الحنابلة: "إذا عزل الواقف من شرط النظر له لم ينعزل إلا أن يشرط لنفسه ولاية العزل" (٥). وقال المرتضى من الزيدية: "للخمسة عزل منصوبهم، قيل وكذا غيرهم، إذ من له التولية صلح للعزل" (٦). وقال زين الدين العاملي من الإمامية: "ليس للواقف عزل المشروط في العقد، وله عزل المنصوب من قبله لو شرط النظر لنفسه" (٧).
следующие страницы →