← Фикх общий

Фикх общий · id 308

مدونة أحكام الوقف الفقهية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

حلَّفه، والمراد - كما قال الأذرعي - إنفاقه فيما يرجع إلى العادة، وفي معناه الصرف إلى الفقراء ونحوهم من الجهات العامَّة، بخلاف إنفاقه على الموقوف عليه المعيَّن؛ فلا يصدَّق فيه؛ لأنه لم يأتمنه" (١). وقال باعلوي من الشافعية: "يلزم الوصي الإشهاد والمحاسبة، وكذا كل أمين في هذا الزمان تلزمه المحاسبة؛ لكثرة الخيانة" (٢). الاتجاه الثالث: التفرقة في المحاسبة بين ما إذا كان الناظر متبرِّعًا في نظره على الوقف أو غير متبرِّع: فإن كان الناظر متبرِّعًا في عمله في النظارة وادَّعى الصرف إلى المستحقين أو ادَّعى الإنفاق من الغلَّة في مصالح الوقف؛ فإن القول قول الناظر بيمينه، ولا يكلَّف بإثبات ذلك ببينة (٣). وإن كان الناظر غير متبرِّع ويأخذ الأجر لقاء نظرة على الوقف فإنه لا يقبل قوله إلا ببينة تثبت ذلك، وإليه ذهب الحنابلة، فقال الرحيباني من الحنابلة: يُقبل قول الناظر المتبرع في دفع المستحق الأجر، وإن لم يكن متبرعًا لم يقبل قوله إلا ببينة (٤).

стр. 947

المبحث السادس عزل الناظر قال القرافي المالكي: "العزل هو فسخ الولاية وردُّ المتولي كما كان قبلها؛ كفسخ العقود في البيع وغيره" (١)، وعزل الناظر إما أن يكون من قِبله بمعنى أنه يعزل نفسه عن النظارة، أو يكون من قبل ممن يملك تولية الناظر. أولًا: عزل الناظر نفسه: اختلف الفقهاء فيما يترتب على عزل الناظر نفسه على قولين: القول الأول: الناظر لا ينعزل بمجرد عزل نفسه، وإليه ذهب أكثر الحنفية، وأكثر الشافعية (٢). فمن كتب الحنفية؛ جاء في القنية: "الناظر المشروط له النظر إذا عزل نفسه لا ينعزل إلا أن يخرجه الواقف أو القاضي" (٣). وفي البزازية: "المتولي من جهة الحاكم امتنع من العمل ولم يرفع الأمر بعزل نفسه إلى الحاكم لا يخرج عن التولية" (٤). وفي الفتاوى الهندية: "لو قال متولي من جهة الواقف عزلت نفسي لا ينعزل إلا أن يقول له أو للقاضي فيخرجه" (٥). وجاء في الغرر البهية تعليقًا على عبارة البهجة الوردية "بل ينصب الحاكم ناظرًا": وقضية هذا أنه انعزل بعزل نفسه، لكن قال السبكي: الذي أراه أنه لا ينعزل، لكن لا يجب عليه النظر، بل له الامتناع ورفع الأمر إلى القاضي ليقيم غيره مقامه، وعليه فتولية الحاكم غيره كما مرَّ ليس لانعزاله، بل لامتناعه" (٦).

стр. 948

وقال القليوبي من الشافعية بعد أن ذكر أن النظر بعد زوال أهلية الناظر ينتقل إلى الحاكم: عُلم مما ذكر أن الناظر بشرط الواقف لا ينعزل ولو بعزل نفسه أو غيره، ولا يبدل بغيره (١). وعبَّر السبكي عن الخلاف بين الشافعية في المسألة بقوله: "الخامسة هل له أن يعزل نفسه بعد أن قبل؟ إن جعلناه كالوكيل فله ذلك ولكنه بعيد، وإن جعلناه كالموقوف عليه وهو الذي مال إليه ابن الرفعة فلا، ولا ينفذ عزله كما لو أسقط الموقوف إليه حقه بعد قبوله لا يسقط، وقال ابن الصلاح: لو عزل نفسه ليس للواقف نصب غيره، ولم يصرح ابن الصلاح بأن ذلك بعد القبول، فجاز أن يكون قبل القبول فيكون ردًّا، وجاز أن يكون مراده بالعزل امتناعه من النظر، وجاز أن يكون يعتقد أنه كالوكيل؛ فإن كان كذلك خالفناه" (٢). القول الثاني: للناظر عزل نفسه، وإليه ذهب العلامة قاسم من الحنفية، والمالكية وبعض الشافعية، وهو ما يؤخذ من عبارات الحنابلة والزيدية. قال الدسوقي من المالكية: "للناظر عزل نفسه، ولو ولاه الواقف" (٣). وقال ابن عابدين من الحنفية: "للمتولي عزل نفسه عند القاضي، وأن من العزل الفراغ لغيره عن وظيفة النظر أو غيره، وأنه لا ينعزل بمجرد عزل نفسه؛ خلافًا للعلامة قاسم" (٤). وإلى ذلك ذهب بعض الشافعية، كما حكى الإمام السبكي الخلاف في فتاواه (٥).

стр. 949

وقال البهوتي من الحنابلة: "ومن شرط بالبناء للمفعول لغيره النظر إن مات بأن قال الواقف: النظر لزيد فإن مات فلعمرو مثلًا، فعزل زيد نفسه أو فسق وقلنا ينعزل فكموته؛ لأن تخصيصه أي الموت للغالب أي خرج مخرج الغالب فلا يعتد بمفهومه، وإن أسقط حقه من النظر لغيره فليس له ذلك؛ لأنه إدخال في الوقف لغير أهله فلم يملكه وحقه باق، فإن أصر على عدم التصرف انتقل إلى من يليه كما لو عزل نفسه فإن لم يكن من يليه أقام الحاكم مقامه كما لو مات هذا ما ظهر لي ولم أره مسطورا وقد عمت البلوي بهذه المسألة" (١). وقال المرتضى من الزيدية بعد أن ذكر من له حقُّ التولية يملك العزل: "قلنا: لم يتركها لعدم الولاية، بل لعدم القدرة، (فرع) وللخمسة عزل منصوبهم، قيل: وكذا غيرهم، إذ من له التولية صلح للعزل، وله عزل نفسه في وجوههم كالوكيل" (٢). ثانيًا: عزل الناظر من قبل من له تولية النظر: اختلف الفقهاء في مسألة عزل الناظر باختلاف من له تولية النظر؛ وهم في الجملة: الواقف، ثم وصيه، ثم الموقوف عليه، ثم القاضي، وسنتكلم فيما يلي عن عزل كلِّ واحد من هؤلاء للناظر: أ) عزل الواقف للناظر: عزل الواقف لا يخلو؛ إمَّا أن يكون الواقف اشترط حين إنشاء الوقف العزل النفسية، وإما أن يكون قد اشترط النظارة لنفسه، أو لم يشترط شيئًا منهما.

стр. 950

١ - اشتراط الواقف العزل لنفسه: اتفق الفقهاء على أن الواقف إن شرط لنفسه ولاية العزل؛ فله عزل الناظر حسب ما شرط (١): فقال ابن مازة من الحنفية: "في فتاوى أبي الليث إذا وقف أرضًا وسلمها إلي المتولي ثم أراد أن يأخذها منه، فإن كان شرط في الوقف أن له العزل والإخراج من يد المتولي فله ذلك" (٢). وقال الصاوي من المالكية: "ذكر البدر القرافي أن ... للواقف عزله مطلقًا" (٣). وقال ابن حجر الهيتمي من الشافعية: "وللواقف عزل من ولاه نائبًا عنه؛ بأن شرط النظر لنفسه، ونصب غيره كالوكيل" (٤). وقال المرداوي من الحنابلة: "إذا عزل الواقف من شرط النظر له لم ينعزل إلا أن يشرط لنفسه ولاية العزل" (٥). وقال المرتضى من الزيدية: "للخمسة عزل منصوبهم، قيل وكذا غيرهم، إذ من له التولية صلح للعزل" (٦). وقال زين الدين العاملي من الإمامية: "ليس للواقف عزل المشروط في العقد، وله عزل المنصوب من قبله لو شرط النظر لنفسه" (٧).

стр. 951

٢ - اشتراط الواقف النظارة لنفسه: اختلف الفقهاء في ولاية الواقف عزل الناظر إذ شرط النظارة لنفسه على قولين: القول الأول: إذا اشترط الواقف النظارة لنفسه ثم جعله لشخص آخر فإن له عزله: وإليه ذهب الحنفية القائلون بجواز اشتراط الواقف التولية لنفسه، والشافعية في الصحيح، والحنابلة في وجه (١). قال ابن عابدين من الحنفية: "للواقف عزل الناظر مطلقًا سواء شرط له العزل أو لا، وهذا عند أبي يوسف؛ لأنه وكيل عنه وخالفه محمد؛ لأنه وكيل الفقراء عنده" (٢). وقال النووي من الشافعية: "للواقف أن يعزل من ولاه وينصب غيره كما يعزل الوكيل وكأن المتولي نائب عنه هذا هو الصحيح وبه قال الاصطخري وأبو الطيب بن سلمة" (٣). وقال المرداوي من الحنابلة: "وإن شرط الواقف النظر لنفسه ثم جعله لغيره أو فوضه إليه أو أسنده فهل له عزله فيه وجهان وأطلقهما في الفروع" (٤). القول الثاني: الواقف الذي شرط الولاية لنفسه ليس له أن يعزل الناظر؛ بناء على أن الواقف ليس له شرط التولية لنفسه: وإليه ذهب المالكية، ومحمد بن الحسن الشيباني من الحنفية، وبه قال الشافعية في وجه، والحنابلة في وجه.

стр. 952

جاء في الشرح الصغير من كتب المالكية: "أو على أن النظر له (أي للواقف)؛ فإنه يبطل؛ لما فيه من التحجير" (١). وقال ابن عابدين الحنفي: "للواقف عزل الناظر مطلقًا؛ سواء شرط له العزل أو لا، وهذا عند أبي يوسف؛ لأنه وكيل عنه، وخالفه محمد؛ لأنه وكيل الفقراء عنده" (٢). وقال الرملي الحنفي: "لا يجوز شرط التولية لنفسه (أي الواقف)، وإذا ولَّى غيره لا يكون وكيلًا عنه؛ فليس له عزله، ولا تبطل ولايته بموته" (٣). وقال النووي من الشافعية: "وفي وجه: ليس له العزل؛ لأن ملكه زال، فلا تبقى ولايته عليه" (٤). وقال المرداوي من الحنابلة: "الوجه الثاني: ليس له عزله، وهو الاحتمال الذي في الرعاية" (٥). ٣ - عدم اشتراط الواقف النظارة لنفسه ولا عزل الناظر: إذا لم يشترط الواقف لنفسه ولاية العزل عند إنشاء الوقف ولم يشترط النظارة لنفسه؛ فقد اختلف الفقهاء في حكم عزله للناظر على قولين: القول الأول: للواقف ولاية عزل الناظر: وإليه ذهب أبو يوسف من الحنفية، واختاره منهم مشايخ بلخ، والمالكية، والزيدية. قال ابن نجيم من الحنفية: "الواقف إذا عزل الناظر؛ فإن شرط له العزل حين الوقف صحَّ اتفاقًا (أي اتفاق الحنفية)، وإلا لا عند محمد، ويصحُّ عند أبي يوسف، ومشايخ بلخ اختاروا قول الثاني (أي أبا يوسف)، والصدر اختار قول محمد" (٦).

стр. 953

قال ابن مازة من الحنفية: "في فتاوي أبي الليث إذا وقف أرضًا وسلمها إلي المتولي ثم أراد أن يأخذها منه، فإن كان شرط في الوقف أن له العزل والإخراج من يد المتولي فله ذلك، وإن لم يكن شرط ذلك، فعلى قول أبي يوسف: له ذلك، وعلى قول محمد: ليس له ذلك" (١). وقال البدر القرافي المالكي: "إن القاضي لا يعزل الناظر إلا بجنحة، وللواقف عزله مطلقًا" (٢). وقال المرتضي من الزيدية: "من له التولية صلح للعزل" (٣). القول الثاني: الواقف الذي لم يشترط النظر لأحد ولم يشترط لنفسه ولاية عزل الناظر عند إنشاء الوقف ليس له عزل الناظر: وإليه ذهب الشافعية في المذهب، والحنابلة، ومحمد بن الحسن الشيباني من الحنفية، وهو مقتضى عبارات الإمامية. قال الخطيب الشربيني من الشافعية: "إن شرط الواقف النظر على وقفه لنفسه أو غيره أتبع شرطه، وإن لم يشرطه لأحد فالنظر للقاضي على المذهب؛ لأن له النظر العام فكان أولى بالنظر فيه، ولأن الملك في الوقف لله تعالى" (٤). وقال الرحيباني من الحنابلة: "وإذا لم يشرط واقف ناظرًا على الموقوف أو شرط النظر لمعين فمات المشروط له فليس للواقف ولاية النصب؛ لانتفاء ملكه فلم يملك النصب ولا العزل" (٥).

стр. 954

وقال ابن عابدين من الحنفية: للواقف عزل الناظر مطلقًا سواء شرط له العزل أو لا، وهذا عند أبي يوسف؛ لأنه وكيل عنه، وخالفه محمد؛ لأنه وكيل الفقراء عنده (١). وقال الحلي من الإمامية بعد أن ذكر وجوب اتباع ما شرط الواقف: "وإنه إذا شرط النظر لنفسه صحَّ، وإن أطلق ولم يبيّن؛ فإن قلنا: إنه ملك للموقوف عليه؛ كان له، وإن قلنا: للواقف؛ كان النظر له، وبعده للحاكم، وإن قلنا: لله تعالى؛ كان النظر للحاكم، وكذا البحث لو شرطه لأحد فمات" (٢). ب) عزل وصي الواقف الناظر: الفقهاء الذي يثبتون الولاية على الوقف لوصي الواقف؛ وهم الحنفية والمالكية والزيدية يعدُّون وصي الواقف ناظرًا على أوقافه، فيكون له نصب الناظر، وعزل الناظر المنصوب من قِبله (٣)؛ كالموكِّل فإنه يجوز له عزل وكيله (٤). قال ابن نجيم من الحنفية: "وصي الواقف ناظر على أوقافه كما هو متصرف في أمواله" (٥). وقال الدسوقي من المالكية: "فإن مات الناظر والواقف حي جعل النظر لمن شاء، فإن مات فوصيه إن وجد، وإلا فالحاكم" (٦). وقال أحمد الصنعاني الزيدي: "ولاية الوقف إلى الواقف ثم إلى منصوبه بعد موته سواء كان وصيًا للواقف في الوقف وغيره أو وليًا للواقف في الوقف فقط" (٧).

стр. 955

ج) عزل الموقوف عليه الناظر: يرى الفقهاء القائلون بأن للموقوف عليه ولاية النظر بالأصالة على الوقف أن له اشتراط التولية للغير؛ فله نصب الناظر وعزل الناظر المنصوب من قبله، فقد ذهب المالكية والحنابلة والزيدية وأكثر الأمامية إلى القول بثبوت الولاية للموقوف عليه. قال الشيخ عليش المالكي في تعليقه على عبارة ابن عرفة "فإن غفل المحبس عن ذلك كان النظر فيه للحاكم": "هذا والله أعلم إذا لم يكن المحبس عليه معيَّنًا مالكًا أمر نفسه، وأما إن كان معيَّنًا مالكًا أمر نفسه، ولم يول المحبس على حبسه أحدًا؛ فهو الذي يحوز الحبس الذي حُبس عليه ويتولاه، دلَّ على هذا غالب عبارات أهل المذهب" (١)، وأبان بأنه ليس للموقوف عليه عزل الناظر الذي نصب الواقف أو وصيه؛ لتأخر ولاية الموقوف عليه عن ولايتهم، إذا الولاية على الوقف لا تثبت للموقوف عليه إلا إذا غفل الواقف عن نصب الناظر على وقفه (٢). وقال الرحيباني الحنبلي: "ولناظر بأصالة؛ كموقوف عليه إن كان معيَّنًا، وحاكم فيما وُقف على غير معين ولم يعين الواقف غيره .. نصب وكيل عنه وعزله؛ لأصالة ولايته أشبه المتصرف في مال نفسه، وتصرف الحاكم في مال يتيم، ويتجه أن لكل من موقوف عليه وحاكم عزل وكيله ولو بلا جنحة، وهو متجه، وكونه له عزله لأصالة نظره؛ فهو - أي من نصَّبه الناظر أو الحاكم - نائبه كما في المطلق، وله الوصية لنظر لأصالة الولاية" (٣). وقال المرتضي من الزيدية: "ولاية الوقف إلى الواقف ثم منصوبه وصيًا أو وليًا، قلت ثم الموقوف عليه معيَّنًا؛ إذ هو أخص، ثم الإمام والحاكم" (٤).

стр. 956

وقال الحلي من الإمامية: "فإن قلنا: إنه ملك للموقوف عليه؛ كان له (أي النظر) " (١). ولا يُتصوَّر عزل الموقوف عليه الناظر عند الحنفية (٢) والشافعية (٣)؛ إذ لا يقولون بثبوت الولاية له على الوقف، وهو ما ذهب إليه أيضًا بعض الإمامية (٤)، فهم في المجمل يرون أنه لا ولاية للموقوف عليه في نصب الناظر مطلقًا (٥). د) عزل القاضي الناظر: الأصل أن القاضي بما له من ولاية عامة يتولى النظر على جميع الأوقاف، وبناء على هذا الأصل قرر الفقهاء أنه لو شرط الواقف عند إنشاء الوقف أن ليس للسلطان ولا القاضي أن يخرج الأموال الموقوفة من يده ويوليها غيره؛ فهذا الشرط باطل؛ لأنه مخالف لحكم الشرع؛ لأن الشرع أطلق للقاضي إخراج من كان متَّهمًا؛ دفعًا للضرر عن الفقراء (٦). قال ابن عابدين الحنفي نقلًا عن الأشياه: "لا يجوز للقاضي عزل الناظر لمشروط له النظر بلا خيانة، ولو عزله لا يصير الثاني متوليًا، ويصح عزل الناظر بلا خيانة لو منصوب القاضي" (٧). وذكر البدر القرافي المالكي: "أن القاضي لا يعزل الناظر إلا بجنحة" (٨).

стр. 957

وقال الخطيب الشربيني الشافعي تعليقًا على عبارة المنهاج "وللواقف عزل من ولاه ونصب غيره إلا أن يشرط نظره حال الوقف": "فليس له عزله ولو لمصلحة؛ لأنه لا تغيير لما شرطه، كما ليس لغير ذلك؛ ولأنه لا نظر له حينئذ" (١). وقال المرتضى من الزيدية بعد أن ذكر من له الولاية على الوقف بالترتيب: "ثم الإمام والحاكم، ولا يعترضان من مرَّ إلا لخيانة" (٢). ويستدلُّ الفقهاء على ما ذهبوا إليه من أن القاضي لا يملك عزل الناظر المشروط له النظر إلا بسبب موجب للعزل بأن ولاية القاضي متأخرة عن المشروط له ووصيه (٣). ثم اختلف الفقهاء في حقِّ القاضي في عزل الناظر الذي نصب من قبله من حيث الإطلاق والتقييد على ثلاثة أقوال: القول الأول: حقُّ القاضي في عزل الناظر المنصوب من قبله مطلقًا؛ وإليه ذهب بعض الحنفية، وهو ما يؤخذ من إطلاق عبارات الحنابلة. جاء في البحر الرائق: "فإن قلت هل للقاضي عزل من ولاه بغير جنحة؟ قلت نعم" (٤). وقال في موضع آخر: "إن للقاضي عزل منصوب قاض آخر بغير خيانة إذا رأى المصلحة" (٥). وقال في الأشباه والنظائر: "ويصح عزل الناظر بلا خيانة إن كان منصوب القاضي" (٦). القول الثاني: القاضي ليس له أن يعزل المنصوب من قِبله بلا سبب يوجب عزله؛ وإليه ذهب المالكية والشافعية.

стр. 958

قال التُّسُولى من المالكية: "إذا عين المحبس ناظرًا فليس له عزله لتعلق حق المحبس عليهم بنظره لهم حتى يثبت ما يوجب تأخيره من تقصيره وتفريطه قاله في المعيار عن ابن لب قال: وهذا بمنزلة مقدم القاضي على النظر في أمر المحجور أو المحبس فلا يعزله أحد لا القاضي الذي ولاه ولا غيره إلا أن يثبت ما يوجب عزله" (١). وقال الشيخ زكريا الأنصاري من الشافعية: "إذا أقام ناظرًا لم يكن له عزله بلا سبب، ولو عزله لم ينعزل بل لو عزله الإمام لم ينعزل؛ لأنه في هذه الحالة ليس نائب القاضي ولا الإمام وإنما أقامه القاضي لمصلحة الوقف والمسلمين بخلاف ما إذا كان النظر للقاضي بشرط الواقف" (٢). القول الثالث: عزل القاضي من ولَّاه مقيَّد بالمصلحة، وإليه ذهب بعض الحنفية (٣). فقد جاء في الخانية: "لو أن قيِّمين في وقف أقام كل قيم قاضي بلدة غير قاضي بلدة أخرى هل يجوز لكل واحد منهما أن يتصرَّف بدون الآخر، قال الشيخ الإمام إسماعيل الزاهد: ينبغي أن يجوز تصرف كل واحد منهما ولو أن واحدًا من هذين القاضيين أراد أن يعزل القيم الذي أقامه القاضي الآخر، فإن رأي القاضي المصلحة في عزل الآخر كان له ذلك وإلا فلا" (٤)، وقال ابن نجيم بعد نقل عبارة الخانية: "وفيه دليل على أن للقاضي عزل منصوب قاضٍ آخر بغير خيانة إذا رأى المصلحة" (٥).

стр. 959

مسألة: مسوِّغات عزل الناظر: اتفق فقهاء الحنفية، والمالكية، والحنابلة، والإباضية، والزيدية على أنه إذا ظهر موجب من موجبات عزل الناظر؛ فإن الناظر يستحق العزل (١)، ويأثم القاضي لو ترك الناظر يستمر في عمله في هذه الحالة، وذلك وفقًا للضرر عن الوقف وتحقيقًا لمصلحته (٢). وصرَّح في البزازية: "أن عزل القاضي للخائن واجب عليه، قال ابن نجيم: ومقتضاه الإثم بتركه" (٣). هذا؛ وإن مسوِّغات عزل الناظر هي: أولًا: الفسق: قال الشرواني من الشافعية: "المراد بالفسق ارتكاب كبيرة، أو إصرار على صغيرة أو صغائر ولم تغلب طاعاته معاصيه" (٤). واتفق فقهاء الحنفية، والشافعية والحنابلة، والإمامية .. على أن طروء الفسق للناظر من موجبات عزله عن النظارة (٥)، إلا أن الفقهاء اختلفوا في مسائل أبرزها: أ) عزل الناظر بمجرد فسقه: اختلف الفقهاء في عزل الناظر بطروء الفسق عليه على قولين: القول الأول: الناظر إذا فسق لا ينعزل بمجرد الفسق وإنما يستحق العزل:

стр. 960

وإليه ذهب الحنفية والإباضية، وهو ما يؤخذ مما قاله المالكية في عزل الوصي (١). قال ابن نجيم من الحنفية: "إن الناظر إذا فسق استحق العزل ولا ينعزل؛ كالقاضي إذا فسق لا ينعزل على الصحيح المفتى به" (٢). وقال في الأشباه في تفسير استحقاق العزل: "يجب عزله أو يحسن عزله" (٣). وجاء في التاج للثميني: "وينزعه الحاكم منه إن كان غير أمين، ويولِّي عليه أمينًا" (٤). وقال الدسوقي من المالكية: "طروء الفسق على الوصي يعزله؛ إذ تشترط عدالته ابتداء ودوامًا؛ أي يكون موجبًا لعزله عن الوصية، لا أنه ينعزل بمجرده، فتصرُّفه بعد طروء الفسق وقبل العزل ماضٍ (٥). القول الثاني: الناظر ينعزل بالفسق: وهو ما يؤخذ من إطلاق عبارات الشافعية، وقول عند الإمامية، وهو مذهب الحنابلة فيما إذا كان الناظر منصوب حاكمٍ ففسق بعد أن كان عدلًا (٦). جاء في فتح المعين: "ينعزل الناظر بالفسق فيكون النظر للحاكم" (٧).

стр. 961

وقال الحلي من الإمامية: "ولو جعل النظر لأجنبي عدل، ثم فسق، ضمَّ إليه الحاكم أمينًا، ويحتمل انعزاله بنفسه" (١). وقال ابن قدامة الحنبلي: "ومتى كان النظر للموقوف عليه إما بجعل الواقف ذلك له، أو لكونه أحقَّ بذلك عند عدم ناظر سواه، وكان واحدًا مكلفًا رشيدًا؛ فهو أحقُّ بذلك، رجلًا كان أو امرأة، عدلًا كان أو فاسقًا؛ لأنه ينظر لنفسه فكان له ذلك في هذه الأحوال كالطلق (٢)، ويحتمل أن يُضمَّ إلى الفاسق أمين؛ حفظًا لأصل الوقف عن البيع أو التضييع. وإن كان النظر لغير الموقوف عليه أو لبعض الموقوف عليه بتولية الواقف أو الحاكم لم يجز أن يكون إلا أمينًا، فإن لم يكن أمينًا وكانت توليته من الحاكم؛ لم تصح، وأُزيلت يده. وإن ولاه الواقف وهو فاسق أو ولاه وهو عدل وصار فاسقًا ضم إليه أمين ينحفظ به الوقف ولم تزل يده؛ لأنه أمكن الجمع بين الحقين ويحتمل أن لا تصح توليته وأنه ينعزل إذا فسق في أثناء ولايته" (٣). وقال ابن تيمية: "من ثبت فسقه أو أصر متصرفا بخلاف الشرط الصحيح عالما بتحريمه قدح فيه؛ فإما أن ينعزل أو يُعزل أو يضم إليه أمين على الخلاف المشهور" (٤). ب) إعادة الناظر الفاسق بعد توبته إلى الولاية: اتفق الفقهاء في الجملة على أن الناظر الفاسق إذا تاب بعد أن عزل عن النظارة بسبب فسقه فإن ولاية النظر تعاد إليه (٥).

стр. 962

وقد قيَّد بعض الفقهاء إعادة الناظر الفاسق بعد توبته إلى الولاية بقيود منها: أن يكون مشروطًا له النظر، فصرَّح الشافعية والإمامية والزيدية بأن إعادة الناظر الفاسق في هذه الحالة خاصٌّ بالناظر المشروط من قِبل الواقف، وفي غير ذلك لا تعاد النظارة إليه (١). قال الرملي الشافعي: "ولا يعود النظر بعود الأهلية ما لم يكن نظره بشرط الواقف، كما أفتى به المصنف" (٢). وقال الخطيب الشربيني الشافعي: "فإن زال الاختلال عاد نظره إن كان مشروطًا في الوقف، منصوصًا عليه بعينه" (٣). وقال من الإمامية: "ولو عرض له الفسق انعزل، فإن عاد عادت إن كان مشروطًا من الواقف" (٤). وقال أحمد المرتضى من الزيدية: "وفي الفسق خلاف ... إلا الوصي قبل الحكم بالعزل" (٥). وهو ما يؤخذ من عبارات الحنفية في الناظر المجنون إذا عاد إليه عقله؛ قال ابن عابدين في تعليقه على عبارة الفتح "وينعزل الناظر بالجنون المطبق إذا دام سنة، فإذا عاد إليه عقله عاد إليه النظر": "والظاهر أن هذا في المشروط له النظر، أما منصوب القاضي فلا" (٦).

стр. 963

وقال الحنفية: "لا يُعاد الناظر الفاسق إلى النظارة، إلا إذا أقام بينة أنه صار أهلًا لذلك" (١). ج) عدم تجزُّؤ الفسق: إذا كان الشخص ناظرًا على أوقاف عديدة وثبت فسقه بسبب خيانته في واحد منها فيسري فسقه في كلها ويعزل. فقد جاء في فتاوى المفتي أبي السعود العمادي: "ناظر على أوقاف متعددة ظهرت خيانته في بعض من الأوقاف هل يلزم عزله من الكل أو لا؟ الجواب: لا بدَّ من ذلك البته" (٢). ثانيًا: الخيانة: المراد بخيانة الناظر تصرُّفه في الوقف تصرُّفًا غير جائز عالمًا مختارًا (٣). واتفق فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة، والزيدية على أن الخيانة من موجبات عزل الناظر (٤). قال ابن نجيم الحنفي نقلًا عن البزازية: "إن عزل القاضي للخائن واجب عليه" (٥).

стр. 964

وعند المالكية: "إذا كان الناظر على الوقف سيئ النظر، غير مأمون؛ فإن القاضي يعزله" (١). ونقل القرافي المالكي عن اللخمي: "يعزل الوصي إذا اطلع منه على خيانة أو بَلَهٍ أو تفريط" (٢). وقال النووي من الشافعية: "الأمين ينعزل بالخيانة" (٣). وقال البهوتي من الحنابلة: "فإن لم يكن الأجنبي المولى من حاكم أو ناظر أصلي عدلًا؛ لم تصح ولايته لفوات شرطها وهو العدالة وأزيلت يده عن الوقف حفظًا له" (٤). وقال ابن قدامة من الحنابلة: "وإن وكل أمينًا وصار خائنًا فعليه عزله؛ لأن تركه يتصرَّف مع الخيانة تضييع وتفريط، والوكالة تقتضي استئمان أمين وهذا ليس بأمين فوجب عزله" (٥). وقال الحلي من الإمامية: "ولو ظهر من الوصي عجز ضم إليه، وإن ظهر منه خيانة وجب على الحاكم عزله ويقيم مقامه أمينًا" (٦). وقال أحمد المرتضى من الزيدية: "على الحاكم عزل الخائن لا غيره، ولا يُنقض ما تصرَّف فيه إن وافق الحقَّ، بل يُنقض لفسقه وخيانته، فإن خالف عزله وضمنه اتفاقًا" (٧).

стр. 965

ثالثًا: الجنون: المراد بالجنون زوال العقل واختلاله، ممَّا يمنع الأفعال والأقوال أن تجري على نهج مستقيم (١). والجنون على قسمين؛ أحدهما: المجنون المطبق؛ وهو الذي يستوعب جنونه جميع أوقاته، والثاني: المجنون غير المطبق؛ وهو الذي يكون في بعض الأوقات مجنونًا ويفيق في بعضها (٢). ومن مسوِّغات عزل الناظر الجنون، فإذ طرأ الجنون على ناظر الوقف زالت ولايته (٣). فعند الحنفية؛ قال ابن الهمام: "وينعزل الناظر بالجنون المطبق إذا دام سنة، نص عليه الخصاف لا إن دام أقل من ذلك، ولو عاد إليه عقله وبرأ من علته عاد إليه النظر" (٤). وقال ابن عابدين بعد أن نقل عبارة ابن الهمام بشأن عودة النظر إلى الناظر بعد برئه: "والظاهر أن هذا في المشروط له النظر؛ أما منصوب القاضي فلا" (٥). وعند المالكية لا تبطل النظارة بالجنون، فإن كان المستحق معيَّنًا رشيدًا؛ فهو الذي يتولى أمر الوقف، وإن كان غير رشيد فوليُّه (٦). وصرَّح الشافعية بأن الجنون والإغماء كالفسق في الانعزال به (٧).

стр. 966

ونص الشافعية أنه بالجنون تتسلب الولايات الثابتة بالشرع، وعليه، فإن جن الناظر؛ عزل، ويرتفع حجر الجنون بالإفاقة منه من غير فك ولا اقتران بشيء آخر كإيناس رشد، فتعود له الولايات؛ ومنها: ولاية الوقف (١). وقال ابن قدامة من الحنابلة: "إذا تغيَّرت حال الوصي بجنون أو كفر أو سفه زالت ولايته" (٢). وقال أحمد الصنعاني الزيدي في معرض بيان أسباب عزل الوكيل الثاني بزوال عقل أحدهما (أي الوكيل أو الموكل): "ولا فرق بين أن يكون بإغماء أو جنون" (٣). رابعا: موت الواقف: إذا كان الناظر منصوبًا من قبل الواقف فقد اختلف الفقهاء في عزل الناظر بسبب موت الواقف على قولين: القول الأول: ولاية الناظر المنصوب من قبل الواقف تزول بموت الواقف؛ وإليه ذهب أبو يوسف، والفتوى على قوله عند الحنفية، والظاهرية (٤). قال ابن نجيم الحنفي في الأشباه: "لو مات الواقف فلا ولاية للناظر، لكونه وكيلًا عنه فيملك عزله بلا شرط وتبطل ولايته بموته، وعند محمد ليس بوكيل فلا يملك عزله ولا تبطل بموته، والخلاف فيما إذا لم يشترط له الولاية في حياته وبعد مماته، وأما لو شرط ذلك لم تبطل بموته اتفاقًا، هذا حاصل ما في الخلاصة والبزازية، والفتوى على قول أبي يوسف كما في الولوالجية (٥).

стр. 967

وهذا ما يؤخذ من عبارات المالكية والزيدية والإمامية في قول الذين يرون بقاء ولاية الواقف على وقفه وأن الناظر وكيله (١). وموت الأصل وهو الموكِّل من الأمور التي ينعزل بها الوكيل (٢)؛ قال زين الدين العاملي من الإمامية: "حيث كانت (أي الوكالة) جائزة تبطل بالموت والجنون والإغماء، من كلِّ واحد منهما" (٣). القول الثاني: الناظر المنصوب من قِبل الواقف لا ينعزل بموت الواقف؛ لعدم بقاء ولاية الواقف على الوقف فلا يكون الناظر وكيلا عنه، وإليه ذهب الشافعية والإمامية والإمام محمد بن الحسن الشيباني من الحنفية (٤). وهذا ما يؤخذ من عبارات الحنابلة؛ حيث يقولون بزوال ملك الواقف عن الموقوف بمجرد الوقف، وإذا مات الناظر المشروط له فليس للواقف ولاية النصب، ففي فتاوي البغوي: "لا يبدل موت الواقف القيِّم الذي نصبه كأنه يجعل بعد موته كالوصي" (٥). وقال المرداوي من الحنابلة: "لو مات هذا الناظر (أي المشروط له النظر) في حياة الواقف؛ لم يملك الواقف نصب ناظر بدون شرط، وانتقل الأمر إلى الحاكم، وإن مات بعد وفاة الواقف فكذلك بلا نزاع" (٦).

стр. 968

خامسًا: موت القاضي: إن كان الناظر منصوب القاضي فمات القاضي أو عزل؛ فقد اختلف الفقهاء في عزل الناظر المنصوب من قبله على قولين: القول الأول: الناظر المنصوب من قبل القاضي لا ينعزل بموت القاضي أو عزله، وإليه ذهب جمهور فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة. فقد جاء في القنية من كتب الحنفية: "إذا مات القاضي أو عُزل يبقى ما نصَّه على حاله؛ قياسًا على نائبه في القضاء" (١). وقال الحطاب المالكي نقلًا عن المُتَيْطية: "لما أن تكلم على تقديم القاضي ناظر الأحباس، وإذا مات القاضي المقدم له أو عزل فتقديمه تامٌّ حتى ينقضه الوالي الذي بعده" (٢). وقال الخطيب الشربيني من الشافعية: "ولا ينعزل ناظر يتيم وناظر وقف بموت قاض وانعزاله لئلا تتعطل أبواب المصالح" (٣). وقال المرداوي الحنبلي: "كل قاضٍ مات أو عزل نفسه وصح عزله في الأصح أو عزل من ولاه وصح عزله، أو انعزل بفسق أو غيره انعزل نائبه في شغل معين كسماع بينة خاصة، وبيع تركة ميت خاصة، وقال: وفي خلفائه ونائبه في الحكم في كل ناحية وبلد وقريه وقيم الأيتام وناظر الوقوف ونحوهم أوجه: العزل وعدمه، وهو بعيد" (٤). القول الثاني: الناظر المنصوب من قبل القاضي ينعزل بموت القاضي وعزله؛ وهذ وجه عند الحنابلة، قال عنه صاحب الرعاية: "وهو بعيد" (٥).

стр. 969

سادسًا: زوال الأهلية: الأهلية نوعان: أهلية الوجوب؛ وهي: صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه، وأهلية الأداء؛ وهي: صلاحية الإنسان لصدور الفعل منه على وجه يعتدُّ به شرعًا (١). ويجوز عزل الناظر عند الشافعية إن زالت عنه الأهلية، على أنه إذا زالت أهلية الناظر على الوقف ثم عادت؛ فإن كان نظره مشروطًا في أصل الوقف عادت ولايته؛ إذ ليس لأحد عزله، وإلا فلا تعود إلا بتولية جديدة (٢). سابعًا: العجز عن إدارة الوقف: وإذا لم يكن المتولي غير خائن، لكنه عجز عن القيام بما يتوجَّه عليه لكثرة ما تولاه، أو يكون غير بصير أو لا معرفة له؛ فإن الإمام أو الحاكم يعترضان له بإقامة من يعنيه، ويكون وكيلًا لا وليًّا، ولا يعزلان المتولي (٣). ثامنًا: إهمال الوقف: إذا أهمل المتولي الوقف عند الزيدية؛ كأن ترك أرض اليتيم أو المسجد أو الوقف بغير زراعة، فإن كان ثمة من يزرعها ومنع؛ فهو غاصب، وإن لم يمنع بل تركها لغير

стр. 970

عذر؛ فهو عاصٍ، ولا يضمن؛ لأنه لم يُتلف عينًا ولا منفعة، وتبطل ولايته (١). مسألة: الآثار المرتبة على عزل الناظر: تعرَّض الفقهاء في إطار الآثار المترتبة على عزل الناظر لمسائل؛ منها: أولًا: أثر عزل الناظر على تصرُّفاته: اختلف الفقهاء في أثر عزل الناظر على تصرُّفاته على قولين: القول الأول: التصرفات التي قام بها الناظر بموجب ولايته قبل أن يُعزل؛ فهي صحيحة نافذة ويبني الناظر اللاحق عليها؛ لأنه تصرُّف وهو من أهل التصرُّف في محل ولايته، فلم يبطل تصرفه بموته أو عزله، وإليه ذهب جمهور فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والزيدية (٢). قال ابن عابدين من الحنفية نقلًا عن المنح والعلائي: "لا تنفسخ الإجارة بعزل الناظر" (٣). وفي السراجية: "حكم عزل القاضي والمتولي كالموت؛ فلا تنفسخ" (٤). وقال الدسوقي المالكي في تعليقه على عبارة الدردير المالكي "وأكري ناظره إن كان الوقف على معيَّن كفلان وأولاده كالسنتين والثلاث لا أكثر: "المراد بالناظر في كلام المصنف من كان من جملة الموقوف عليهم وأما غيره فيجوز له أن يكري أزيد من ذلك لأن بموته لا تنفسخ الإجارة (٥).

стр. 971

قال الرحيباني من الحنابلة: "ولا تنفسخ الإجارة بعزل الناظر بشرط الواقف" (١). وفي الروض المربع من كتب الحنابلة: "إن أجَّر الناظر العامُّ أو من شرط له وكان أجنبيًّا؛ لم تنفسخ الإجارة بموته ولا بعزله" (٢). قال ابن حجر الهيتمي من الشافعية: "إجارة ناظر الوقف لا تنفسخ بموته لدخولها في قول الأصحاب: ولا تنفسخ الإجارة بموت متولي الوقف" (٣). وقال المرتضى من الزيدية: "على الحاكم عزل الخائن لا غيره، ولا ينقض ما تصرف فيه إن وافق الحق" (٤). وتطبيقًا لأصل عدم انفساخ تصرُّفات الناظر المعزول: قال في الأنقروي: "أما إذا انعزل قيِّم الوقف بعد أن أجَّر ملك الوقف أو توفي؛ أصبح تقاضي الأجرة عائدًا على القيِّم اللاحق" (٥). حتى إن المستأجر إذا أعطى الأجرة القيم المعزول فلا تبرأ ذمته من الدَّيْن ويكون مجبرًا على إعطائه مرة أخرى للقيِّم اللاحق، على أن له استرداد ما أعطى القيِّم المعزول؛ لأن المعزول يكون قد أخذ الأجرة بدون حق (٦). وفي الفتاوى الهندية: "آجر القيِّم ثم عُزل ونُصِّب قيِّمٌ آخر، فقيل: أخذ الأجر للمعزول والأصح أنه للمنصوب؛ لأن المعزول آجرها للواقف لا لنفسه" (٧).

стр. 972

القول الثاني: الناظر الذي أجر الوقف تنفسخ الإجارة بموته وعزله، وإليه ذهب الحنابلة في أحد الوجهين. قال المرداوي الحنبلي: "ويجوز إجارة الوقف فإن مات المؤجر فانتقل إلى من بعده لم تنفسخ الإجارة في أحد الوجهين .. والوجه الثاني: تنفسخ، جزم به القاضي في خلافه وأبو الحسين أيضًا، وحكياه عن أبي إسحاق بن شاقلا، واختاره ابن عقيل، وابن عبدوس في تذكرته، والشيخ تقي الدين وغيرهم" (١). ثانيًا: تصرُّف الناظر قبل العلم بالعزل: صرَّح الفقهاء بأن الناظر كالوكيل في مواضع (٢). فإذا عزل الناظر ممن يملك عزله وهو غائب ولم يخبره بالعزل أحد (٣)، فقد اختلف الفقهاء في حكم تصرُّفاته قبل علمه بالعزل على قولين: القول الأول: تصرُّف الناظر بموجب ولايته في الوقف بعد عزله وقبل أن يبلغه العزل كتصرفه قبل العزل (٤)، يعني أن العزل قبل العلم لا يصح أصلًا (٥)، وإليه ذهب الحنفية، والمالكية في الراجح، والشافعية في قول. قال المرغيناني من الحنفية: "فإن لم يبلغه العزل فهو على وكالته، وتصرُّفه جائز حتى يعلم" (٦). وقال الدردير من المالكية: "وفي عزل الوكيل بعزل الموكل ولم يعلم الوكيل بذلك، وعدم عزله حتى يعلم به - وهو الراجح - خلاف" (٧).

стр. 973

وقال الخطيب الشربيني من الشافعية: "وفي قول؛ لا ينعزل حتى يبلغه الخبر ممن تقبل روايته؛ كالقاضي" (١). القول الثاني: الناظر يُعزل قبل علمه بالعزل، وإليه ذهب المالكية في قول، والشافعية في المذهب، والحنابلة (٢). قال الخرشي من المالكية: "إن الموكل إذا عزل وكيله ولم يعلم الوكيل بذلك هل ينعزل بمجرد عزل أو لا ينعزل إلا بعد علمه بالعزل؟ في ذلك خلاف" (٣). وقال الخطيب الشربيني من الشافعية: "فإن عزله وهو غائب؛ انعزل في الحال" (٤). وقال البهوتي الحنبلي: "وينعزل الوكيل بموت موكل، وعزله قبل علم الوكيل بالعزل؛ لأنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضا صاحبه؛ فصحَّ بغير علمه؛ كالطلاق، فيضمن الوكيل إن تصرَّف بعد موت موكله أو عزله؛ لبطلان تصرفه" (٥). ثالثًا: قبول قول الناظر المعزول في التصرُّف في الوقف: الأصل أن الناظر لو ظهرت خيانته لا يصدَّق قوله بيمينه، ويستوي في ذلك الناظر المعزول والمنصوب، وللفقهاء خلاف وتفصيل في قبول قول الناظر الثقة المعزول في النفقة على الوقف من مال نفسه أو مال الوقف وفي الدفع للمستحقين. فظاهر كلام الحنفية قبول قول الناظر الثقة المعزول في النفقة على الوقف من مال نفسه أو مال الوقف وفي الدفع للمستحقين إذا وافق الظاهر، ونقل ابن عابدين عن بعض المحققين أنه أفتى بأنه يُقبل قوله في الدفع للمستحقين مع يمينه ما دام ناظرًا، ومفهومه أنه لا يُقبل بعد العزل عن النظارة.

стр. 974

قال الحموي في غمز عيون البصائر: "ولم يتعرَّض المصنف لحكم المتولي بعد العزل؛ هل يقبل قوله في النفقة على الوقف من المال الذي تحت يده أم لا؟ ولم أره صريحًا لكن ظاهر كلامه أن قوله مقبول في ذلك إذا وافق الظاهر لتصريحهم بأن القول قول الوكيل بعد العزل في دعواه أنه باع ما وكل ببيعه وكانت العين هالكة وفيما إذا ادعى أنه دفع ما وكل بدفعه في براءة نفسه وأن الوصي له أدعى بعد موت اليتيم أنه أنفق عليه كذا يقبل قوله وعلله بأنه أسنده إلى حالة منافية للضمان وقد صرحوا بأن المتولي كالوكيل في مواضع ووقع خلاف في أن المتولي وكيل الواقف أو وكيل الفقراء فقال أبو يوسف بالأول وقال محمد بالثاني، ومما هو صريح في قبول قول الوكيل ولو بعد العزل، فرع في القنية قال: وكله وكالة عامة إلى أن يقوم بأمره وينفق على أهله من مال الموكل ولم يعين شيئًا للإنفاق بل أطلق ثم مات الموكل فطالبه الورثة ببيان ما أنفق ومصرفه فإن كان عمل لا يصدق فيما قال وإن اتهموه حلفوه وليس عليه بيان جهات الإنفاق وإن أراد الخروج عن الضمان فالقول قوله وإن أراد الرجوع فلا بدَّ من البينة. ا. هـ. فهذا صريح في قبول قول الوكيل في دعوى الإنفاق ولو بعد العزل وتحقيقه أن العزل لا يخرجه عن كونه أمينا فينبغي أن يقبل قول الوكيل بقبض الدين أنه دفع لموكله في حياته في حق براءة نفسه كما أفتى به بعض العلماء كما تقدم" (١). وقال ابن عابدين في حاشيته: "وبقي؛ هل يقبل قول الناظر الثقة بعد العزل أيضًا؟ ذكر الحموي في حاشية الأشباه من كتاب الأمانات أن ظاهر كلامهم القبول؛ لأن العزل لا يخرجه عن كونه أمينا وأطال فيه فراجعه وبه أفتى المصنف قياسا على الوصي لو ادعى بعد بلوغ اليتيم أنه أنفق كذا فإنه يقبل وعللوه بأنه أسنده إلى حالة منافية للضمان" (٢). وقال في موضع آخر: "وهل يُقبل قوله بعد عزله؟ فقد أفتى بعض المحققين بأنه يُقبل قوله في الدفع للمستحقين مع يمينه ما دام ناظرًا ا. هـ. لكن في حاشية الأشباه من كتاب الأمانات قال بعض الفضلاء: إنه يُقبل قوله في النفقة على

стр. 975

الوقف بعد العزل، ويخرج منه قبول قوله في الدفع للمستحقين بعد التأمل؛ فإنه قال: لم يتعرض المصنف لحكم المتولي بعد العزل؛ هل يقبل قوله في النفقة على الوقف من المال الذي تحت يده أم لا؟ لم أره صريحًا، لكن ظاهر كلامه أن قوله مقبول في ذلك إذا وافق الظاهر؛ لتصريحهم بأن القول قول الوكيل بعد العزل في دعواه أنه باع ما وكِّل في بيعه وكانت العين هالكة، وفيما إذا ادعى أنه دفع ما وكِّل بدفعه في براءة نفسه، وأن الوصي لو ادعى بعد موت اليتيم أنه أنفق عليه كذا يُقبل قوله، وعللوه بأنه أسنده إلى حالة منافية للضمان، وقد صرحوا بأن المتولي كالوكيل في مواضع، ووقع خلاف في أن المتولي وكيل الواقف أو وكيل الفقراء؛ فقال أبو يوسف بالأول، وقال محمد بالثاني، ومما هو صريح في قبول قول الوكيل ولو بعد العزل فرع في القنية؛ قال: وكله وكالة عامة بأن يقوم بأمره، ويُنفق على أهله من مال الموكل، ولم يعين شيئًا للإنفاق، بل أطلق، ثم مات الموكل، فطالبه الورثة ببيان ما أنفق ومصرفه؛ فإن كان عدلًا يصدق فيما قال، وإن اتهموه حلفوه، وليس عليه بيان جهات الإنفاق، ومن أراد الخروج من الضمان فالقول قوله، وإن أراد الرجوع فلا بدَّ من البينة. ا. هـ. وهذا صريح في قبول قوله في دعوى الإنفاق ولو بعد العزل، وتحقيقه أن العزل لا يخرجه عن كونه أمينًا، فينبغي أن يقبل قول الوكيل بقبض الدين أنه دفعه لموكله في حياته في حق براءة نفسه كما أفتى به بعض المتأخرين كما تقدَّم. انتهى ما في الحموي، ويُستنبط من ذلك أن الناظر يصدق بيمينه في الدفع للمستحقين بعد عزله؛ كالوكيل في قبض الدين إذا مات الموكل وصدَّقته الورثة في القبض وكذبوه في الدفع؛ فالقول قوله بيمينه؛ لأنه بالقبض صار المال في يده وديعة، فتصديقهم له بعد اعترافهم بأنه مودع كافٍ، فإن حلف بريء، وإن نكل لزمه المال ... وقد أفتى المرحوم الوالد بأنه يصدق بيمينه ما دام ناظرًا، ولم يذكر نقلًا، والمسألة تحتاج إلى نقل صريح من كتاب صحيح؛ حتى يطمئن القلب في الجواب بالقبول أو عدمه" (١).

стр. 976

المبحث السابع ضمان الناظر يُطلق الضمان في اللغة على معانٍ، منها: الالتزام، والتغريم (١). أما في اصطلاح الفقهاء فيطلق على كفالة النفس وكفالة المال عند جمهور الفقهاء من غير الحنفية، وعنونوا للكفالة بالضمان، ويُطلق على غرامة المتلفات والغصوب والتعييبات والتغييرات الطارئة، كما يُطلق على ضمان المال، والتزامه بعقد ويغير عقد. والمراد بالضمان: الالتزام بتعويض مالي عن ضرر الغير، فقد نصَّت المادة ٤١٦ من مجلة الأحكام العدلية على أن "الضمان إعطاء مثل الشيء إن كان من المثليات، وقيمته إن كان من القيميات" (٢). فضمان الناظر هو إلزام الناظر بإعطاء مثل ما أتلفه إن كان مثليًا وقيمته إن كان قيميًا. قال القرافي المالكي في معرض الكلام عن موجب الضمان: "أسباب الضمان في الشريعة ثلاثة: الإتلاف، أو التسبب للإتلاف، أو وضع اليد التي ليست مؤمنة" (٣). قال السرخسي من الحنفية: "والأيدي تنوعت إلى يد أمانة ويد ضمان، ويد ملك" (٤). وقال الزركشي من الشافعية: "اليد ضربان: يد غير مؤتمنة كيد الغاصب والمستام والمستعير والمشترى فاسدًا، وكذلك الأجير على قول، ويد أمانة كالوديعة الشركة والمضاربة والوكالة ونحوها" (٥).

стр. 977

والأصل في يد الأمانة أنها لا تضمن؛ إذ لا معنى للأمانة إلا انتفاء الضمان (١). ولا خلاف بين فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة، والزيدية في أن يد الناظر على الوقف يد أمانة لا يد عدوان (٢). قال علي حيدر من الحنفية: "ويد المتولي يد أمانة فلذلك إذا ضاع أو تلف مال الوقف الذي في يد المتولي بلا تعد ولا تقصير فلا يلزم المتولي ضمان" (٣). قال البهوتي من الحنابلة: "الناظر مؤتمن مطلق التصرُّف فالإذن والائتمان ثابتان" (٤). وقال أحمد الصنعاني الزيدي: "ولا يضمن أي المتولي شيئًا من غلات الوقف إلا ما قبض فيما يقبض، أو تصرف فيما لا يقبض إن فرط ولم يكن مستأجرًا؛ لأنه أمين" (٥). المسألة الأولى: أحوال تضمين الناظر: الناظر لا يضمن ما يتلف من مال الوقف في يده إلا في حالتَيْ التعدي والتقصير (٦). الحالة الأولى: تعدي الناظر: قال ابن عرفة من المالكية: "التعدي هو التصرُّف في شيء بغير إذن ربه دون قصد تملكه" (٧). والمراد بتعدي الناظر: مجاوزته ما وجب عليه في نظارة الوقف بأن أجرى تصرفًا مخالفًا لما وجب عليه (٨).

стр. 978

ومن أمثلة تعدي الناظر ما يأتي: أ) الإتلاف: اتفق فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة أن الناظر يضمن ما أتلفه من مال الوقف (١). وقد اعتبر فقهاء الحنفية والشافعية أن خلط أموال الوقف بغيرها من صور الإتلاف الموجب للضمان؛ لأن الخلط بما لا يتميز بمنزلة الإتلاف (٢). قال ابن نجيم من الحنفية: "وكذا المتولي الأمين إذا خلط بعض أموال الناس ببعض أو الأمانة بما له فإنه ضامن ... والمتولي إذا خلط أموال أوقاف مختلفة يضمن إلا إذا كان بإذن القاضي" (٣). ومن صور إتلاف الناظر مال الوقف شراء الناظر بغلَّة الوقف ضيعة ووقفها على وجه الوقف الأول. قال ابن غانم من الحنفية: "لو أراد المتولي أن يشتري ضيعة بغلَّة الوقف لتكون موثوقة على وجه الوقف الأول فقد وقعت ولم يوجد فيه رواية فقيل يجيزه القاضي: ثم اتفقوا على أنه لم يجز، ويضمن المتولي لو فعله" (٤). ومن صور إتلاف مال الوقف صرفه إلى غير جهته التي حددها الواقف، كأن يكون المال موقوفًا للفقراء فيصرفه الناظر في شيء من مصالح البلاد، فهو ضامن لذلك المال، وعد السالميُّ هذا الفعل تبديلًا للوقف عما وضع له، ويخشى على صاحبه الإثم (٥).

стр. 979

ومن صور إتلاف مال الوقف: إنفاق مال الوقف في زخرفة المساجد وتزيينها والتكلف لدقائق النقش في المحراب تضييع لمال الوقف ويوجب الضمان. قال الزيلعي الحنفي: "وأما المتولي فليس له أن يفعل ذلك (أي تزيين المساجد)، فإن فعله ضمن؛ لأنه ليس أن يضيع مال الوقف وإنما يفعل ما يرجع إلى إحكام البناء حتى لو جعل البياض فوق السواد للنقاء ضمن" (١). وقال ابن نجيم الحنفي: "وأما المتولي فإنما يفعل من مال الوقف ما يحكم البناء دون النقش، فإن فعل ضمن حينئذ لما فيه من تضييع المال" (٢). ب) إنكار مال الوقف: إنكار متولي الوقف الوقف يكون تعديًا موجبًا للضمان. قال الخصاف الحنفي: "إذا أنكر والي الوقف أي قيم الوقف فهو غاصب ويخرج من يده فإن نقص منها بعد الحجر فهو ضامن" (٣). ومن صوره بيع الوقف بغير وجه شرعي، فيقع على البائع الضمان، قال الإمام السالمي في من باع مال الوقف عن جهالة، والوقف للفقراء: "هذا البيع باطل، وبائع الوقف كبائع الحر عليه أن يسعى في خلاصه بها عز وهان، وهو ضامن للغلَّة التي فاتت بسبب بيعه حتى يعلم أن الشاري قد تخلص منها إلى أهله" (٤). ج) تصرف الناظر بما يتعارض مع مصلحة الوقف: إذا تصرف الناظر في مال الوقف تصرفًا بخلاف مصلحة الوقف فإنه يعد متعديًا ويحب عليه ضمان ما فات على الوقف بسبب تصرفه.

стр. 980

من أمثلة هذا النوع من التصرُّف: ١ - إقراض مال الوقف: ليس للناظر أن يقرض مال الوقف فإن فعل ضمن؛ قال ابن نجيم الحنفي نقلًا عن جامع الفصولين: "ليس للمتولي إقراض مال الوقف والمسجد فلو أقرضه ضمن وكذا المستقرض، ولو أن القيم أقرض مال المسجد ليأخذه عند الحاجة وهو أحرز من إمساكه فلا بأس به، وفي العدة: يسع المتولي إقراض ما فضل من غلَّة الوقف لو أحرز" (١). ٢ - إيداع مال الوقف: إيداع الناظر مال الوقف عند من ليس من عياله موجب للضمان قال في جامع الفصولين: ليس للمتولي إيداع مال الوقف إلا ممن في عياله ولا إقراضه، فلو أقرضه ضمن وكذا المستقرض (٢). ٣ - إبراء الناظر المستأجر عن الأجرة: إبراء الناظر المستأجر عما عليه من الأجرة يوجب ضمان الناظر؛ قال ابن نجيم الحنبلي: ولو أبرأ القيم المستأجر عن الأجرة بعد تمام المدة تصح البراءة عند أبي حنيفة ومحمد ويضمن (٣). ٤ - إجارة الناظر الوقف بأقل من أجر المثل: اختلف الفقهاء فيما يترتب علي إجارة الناظر للوقف بأقل من أجرة المثل على قولين: القول الأول: الناظر يضمن النقص عن أجرة المثل، وإليه ذهب الحنابلة (٤)؛ قال ابن رجب الحنبلي بعد أن تكلم عن بيع الوكيل بدون ثمن المثل: "فصحَّحناه وضمَّناه النقص، ومثله إجارة الناظر للوقف بدون أجرة المثل" (٥).

стр. 981

القول الثاني: يلزم المستأجر تمام أجر المثل، وإليه ذهب الحنفية والحنابلة، قال في الفتاوى الهندية من كتب الحنفية نقلا عن الفصول العمادية: "لو أجر القيم الدار بأقل من أجر المثل قدر ما لا يتغابن الناس فيه حتى لم تجز فسكنها المستأجر كان عليه أجر المثل بالغًا ما بلغ على ما اختاره المتأخرون، وكذا إذا آجره إجاره فاسده" (١). وعند الحنابلة لو أجَّر ناظر الوقف العين الموقوفة بأنقص من أجرة المثل؛ صحَّ عقد الإجارة، وضمن ناظر الوقف النقص الذي لا يتغابن به في العادة إن كان المستحق غيره؛ لأنه يتصرَّف في مال غيره على وجه الحظ، فضمن ما نقصه بعقده كالوكيل إذا باع أو أجر بدون ثمن أو أجر المثل (٢). القول الثالث: فيه تفصيل؛ إذا أكرى الناظر العين الموقوفة بأقل من أجرة المثل؛ ضمن تمام أجرة المثل إن كان مليًّا، وإلا رجع على المستأجر؛ لأنه مباشر، وذلك عند المالكية (٣). ٥ - استئجار العمال بأكثر من أجر المثل: استئجار الناظر العمال لعمارة الوقف بأكثر من أجر المثل أمر يتعارض مع مصلحة الوقف فيجعل الناظر ضامنًا جميع ما دفع للعمال، ففي الخانية: المتولي إذا استأجر رجلًا في عمارة المسجد بدرهم ودانق، وأجر مثله درهم فاستعمله في عمارة المسجد ونقد الأجر من مال الوقف قالوا يكون ضامنًا جميع ما نقد؛ لأنه لما زاد في الأجر أكثر مما يتغابن فيه الناس يصير مستأجرًا لنفسه دون المسجد، فإذا نقد الأجر من مال المسجد كان ضامنًا (٤).

стр. 982

٦ - تأخير عمارة الوقف التي لا يجوز تأخيرها: جاء في الفتاوى الهندية: "لو صرف المتولي على المستحقين وهناك عمارة لا يجوز تأخيرها فإنه يكون ضامنًا" (١). ٧ - الإسراف: صرف الناظر غلَّة الوقف بإسراف يتعارض مع مصلحة الوقف فيكون تعديًا موجبًا للضمان. قال في القنية: وإسراج السرج الكثيرة في السكك والأسواق ليلة البراءة بدعة، وكذا في المساجد، ويضمن القيم، وكذا يضمن إذا أسرف في السرج في رمضان وليلة القدر (٢). ٨ - أخذ مال الوقف: فليس للناظر أخذ شيء من مال الوقف على وجه الضمان فإن فعل ضمنه (٣). ٩ - الإهمال والتفريط: وإذا فرط الناظر سقط مما له من المعلوم بقدر ما فوته على الوقف من الواجب عليه من العمل، فيوزع ما قدر له على ما عمل، وعلى ما لم يعمله، ويسقط قسط ما لم يعمله (٤) وعند الزيدية إذا أهمل المتولي الوقف، كأن ترك أرض اليتيم أو المسجد أو الوقف بغير زراعة، فإن كان ثمة من يزرعها ومنع فهو غاصب (٥)، لكن إذا قصر الناظر أو فرط، فهو عاصٍ ولا يضمن؛ لأنه لم يتلف عينًا ولا منفعة، وتبطل ولايته (٦).

стр. 983

د) مخالفة شرط الواقف: مخالفة شرط الوقف في غير الحالات التي أجازها الفقهاء تعتبر تعديًا موجبًا للضمان؛ ومن أمثلتها: ١ - لو اشترى القيم بغلَّة المسجد ثوبًا ودفع إلى المساكين لا يجوز، وعليه ضمان ما نقد من مال الوقف (١). ٢ - إذا كان الوقف على عمارة المسجد لا يشتري منه الزيت والحصير، ولا يصرف منه للزينة والشرفات، ويضمن إن فعل (٢). هـ) تصرف الناظر في مال الوقف بما يعود على الناظر: تصرُّف الناظر في مال الوقف بما يعود نفعه عليه بعد تعديًا موجبًا للضمان. فقد سُئل أبو جعفر عن قيِّم جمع الغلَّة، فقسمها على أهل الوقف، وحرم واحدًا منهم فلم يعطه، وصرف نصيبه إلى حاجة نفسه، فلما خرجت الغلَّة الثانية طلب المحروم نصيبه؛ هل له ذلك؟ قال: إن شاء ضمَّن القيم، وإن شاء اتبع شركاءه فشاركهم فيما أخذوه (٣). قال ابن عابدين من الحنفية في تعليقه على عبارة أبي جعفر "إن شاء ضمن القيم": "قال الرملي الحنفي: أي لصرفه نصيب الغير إلى حاجة نفسه فصار متعديًا" (٤). وورد عن النووي والرافعي من الشافعية أنه: ليس للمتولي أن يأخذ شيئًا من مال الوقف على أن يضمنه، فإن فعل ضمن (٥).

стр. 984

و) تصرف الناظر الوقف تصرفًا يضر بالموقوف عليهم: نقل التُّسُولي من السيوطي الشافعي: أن ناظر الوقف إذا قبض كراء ريع الوقف وأخر صرفه لأربابه عن وقته المشروط صرفه فيه مع إمكانه حتى تغير النقد بنقص فإنه يضمن النقص في ماله لتعديه عليه (١). الحالة الثانية لتضمين الناظر: التقصير والتفريط: المراد بالتقصير: "عدم بذل الوسع في تحصيل المقصود" (٢)، وبه يفسَّر التفريط؛ قال البعلي الحنبلي: "التفريط: التقصير في الشيء حتى يضيع ويفوت" (٣). وكثيرًا ما يفسر الفقهاء التفريط بالتقصير أو العكس؛ قال البُجَيْرمي الشافعي: "وأما التفريط فيُطلق على التقصير وتضييع الشيء" (٤)، وقال الرحيباني الحنبلي: "الوديعة أمانة لا تضمن بلا تعدٍّ أو تفريط؛ أي تقصير في حفظ الوديعة" (٥)، وقال المرداوي الحنبلي: "وأما التفريط فهو التقصير في المأمور به" (٦)، وقال زين الدين العاملي من الإمامية: "والشريك أمين لا يضمن إلا بتعدٍّ وهو فعل ما لا يجوز فعله في المال، أو تفريط؛ وهو التقصير في حفظه وما يتم به صلاحه" (٧). والمراد بتقصير الناظر وتفريطه: تركه ما وجب عليه من أعمال نظارة الوقف (٨). أ) تضمين الناظر بالتقصير والتفريط: اختلف الفقهاء فيما يترتب على تقصير الناظر وتفريطه في مصالح الوقف على قولين:

стр. 985

القول الأول: تضمين الناظر عند تقصيره وتفريطه فيما وجب عليه من أعمال النظارة، من غير أن يفرقوا بين التقصير في عين أو فيما كان من الذمة، وإليه ذهب جمهور فقهاء المالكية، والشافعية والحنابلة (١). وقال البهوتي من الحنابلة: "متى فرط الناظر سقط ما له من المعلوم بقدر ما فوته على الوقف من الواجب عليه من العمل" (٢). القول الثاني: التفرقة بين التقصير في عين والتقصير فيما هو في الذمة، حيث أوجبوا الضمان على الناظر عند تقصيره في عين دون ما كان في الذمَّة وإليه ذهب الحنفية والزيدية. قال ابن نجيم من الحنفية: "فإن قلت: إذا قصر المتولي في شيء من مصالح الوقف هل يضمن؟ قلت: إن كان في عين ضمنها وإن كان فيما في الذمة، لا يضمن. قال في القنية: انهدم المسجد فلم يحفظه القيم حتى ضاعت خشبة يضمن. اشترى القيم من الدهان دهنا ودع ودفع الثمن ثم أفلس الدهان بعد لم يضمن" (٣). قال ابن عابدين من الحنفية: "لو ترك بساط المسجد بلا نفض حتى أكلته الأرضة ضمن إن كان له أجرة وكذا خازن الكتب الموقوفة" (٤). وعند الزيدية إذا قصَّر الناظر أو فرط، فهو عاص ولا يضمن؛ لأنه لم يُتلف عينًا ولا منفعة، وتبطل ولايته (٥).
следующие страницы →