القول الثاني: يلزم المستأجر تمام أجر المثل، وإليه ذهب الحنفية والحنابلة، قال في الفتاوى الهندية من كتب الحنفية نقلا عن الفصول العمادية: "لو أجر القيم الدار بأقل من أجر المثل قدر ما لا يتغابن الناس فيه حتى لم تجز فسكنها المستأجر كان عليه أجر المثل بالغًا ما بلغ على ما اختاره المتأخرون، وكذا إذا آجره إجاره فاسده" (١).
وعند الحنابلة لو أجَّر ناظر الوقف العين الموقوفة بأنقص من أجرة المثل؛ صحَّ عقد الإجارة، وضمن ناظر الوقف النقص الذي لا يتغابن به في العادة إن كان المستحق غيره؛ لأنه يتصرَّف في مال غيره على وجه الحظ، فضمن ما نقصه بعقده كالوكيل إذا باع أو أجر بدون ثمن أو أجر المثل (٢).
القول الثالث: فيه تفصيل؛ إذا أكرى الناظر العين الموقوفة بأقل من أجرة المثل؛ ضمن تمام أجرة المثل إن كان مليًّا، وإلا رجع على المستأجر؛ لأنه مباشر، وذلك عند المالكية (٣).
٥ - استئجار العمال بأكثر من أجر المثل:
استئجار الناظر العمال لعمارة الوقف بأكثر من أجر المثل أمر يتعارض مع مصلحة الوقف فيجعل الناظر ضامنًا جميع ما دفع للعمال، ففي الخانية: المتولي إذا استأجر رجلًا في عمارة المسجد بدرهم ودانق، وأجر مثله درهم فاستعمله في عمارة المسجد ونقد الأجر من مال الوقف قالوا يكون ضامنًا جميع ما نقد؛ لأنه لما زاد في الأجر أكثر مما يتغابن فيه الناس يصير مستأجرًا لنفسه دون المسجد، فإذا نقد الأجر من مال المسجد كان ضامنًا (٤).
стр. 982
٦ - تأخير عمارة الوقف التي لا يجوز تأخيرها:
جاء في الفتاوى الهندية: "لو صرف المتولي على المستحقين وهناك عمارة لا يجوز تأخيرها فإنه يكون ضامنًا" (١).
٧ - الإسراف:
صرف الناظر غلَّة الوقف بإسراف يتعارض مع مصلحة الوقف فيكون تعديًا موجبًا للضمان. قال في القنية: وإسراج السرج الكثيرة في السكك والأسواق ليلة البراءة بدعة، وكذا في المساجد، ويضمن القيم، وكذا يضمن إذا أسرف في السرج في رمضان وليلة القدر (٢).
٨ - أخذ مال الوقف:
فليس للناظر أخذ شيء من مال الوقف على وجه الضمان فإن فعل ضمنه (٣).
٩ - الإهمال والتفريط:
وإذا فرط الناظر سقط مما له من المعلوم بقدر ما فوته على الوقف من الواجب عليه من العمل، فيوزع ما قدر له على ما عمل، وعلى ما لم يعمله، ويسقط قسط ما لم يعمله (٤)
وعند الزيدية إذا أهمل المتولي الوقف، كأن ترك أرض اليتيم أو المسجد أو الوقف بغير زراعة، فإن كان ثمة من يزرعها ومنع فهو غاصب (٥)، لكن إذا قصر الناظر أو فرط، فهو عاصٍ ولا يضمن؛ لأنه لم يتلف عينًا ولا منفعة، وتبطل ولايته (٦).
стр. 983
د) مخالفة شرط الواقف:
مخالفة شرط الوقف في غير الحالات التي أجازها الفقهاء تعتبر تعديًا موجبًا للضمان؛ ومن أمثلتها:
١ - لو اشترى القيم بغلَّة المسجد ثوبًا ودفع إلى المساكين لا يجوز، وعليه ضمان ما نقد من مال الوقف (١).
٢ - إذا كان الوقف على عمارة المسجد لا يشتري منه الزيت والحصير، ولا يصرف منه للزينة والشرفات، ويضمن إن فعل (٢).
هـ) تصرف الناظر في مال الوقف بما يعود على الناظر:
تصرُّف الناظر في مال الوقف بما يعود نفعه عليه بعد تعديًا موجبًا للضمان.
فقد سُئل أبو جعفر عن قيِّم جمع الغلَّة، فقسمها على أهل الوقف، وحرم واحدًا منهم فلم يعطه، وصرف نصيبه إلى حاجة نفسه، فلما خرجت الغلَّة الثانية طلب المحروم نصيبه؛ هل له ذلك؟ قال: إن شاء ضمَّن القيم، وإن شاء اتبع شركاءه فشاركهم فيما أخذوه (٣).
قال ابن عابدين من الحنفية في تعليقه على عبارة أبي جعفر "إن شاء ضمن القيم": "قال الرملي الحنفي: أي لصرفه نصيب الغير إلى حاجة نفسه فصار متعديًا" (٤).
وورد عن النووي والرافعي من الشافعية أنه: ليس للمتولي أن يأخذ شيئًا من مال الوقف على أن يضمنه، فإن فعل ضمن (٥).
стр. 984
و) تصرف الناظر الوقف تصرفًا يضر بالموقوف عليهم:
نقل التُّسُولي من السيوطي الشافعي: أن ناظر الوقف إذا قبض كراء ريع الوقف وأخر صرفه لأربابه عن وقته المشروط صرفه فيه مع إمكانه حتى تغير النقد بنقص فإنه يضمن النقص في ماله لتعديه عليه (١).
الحالة الثانية لتضمين الناظر: التقصير والتفريط:
المراد بالتقصير: "عدم بذل الوسع في تحصيل المقصود" (٢)، وبه يفسَّر التفريط؛ قال البعلي الحنبلي: "التفريط: التقصير في الشيء حتى يضيع ويفوت" (٣).
وكثيرًا ما يفسر الفقهاء التفريط بالتقصير أو العكس؛ قال البُجَيْرمي الشافعي: "وأما التفريط فيُطلق على التقصير وتضييع الشيء" (٤)، وقال الرحيباني الحنبلي: "الوديعة أمانة لا تضمن بلا تعدٍّ أو تفريط؛ أي تقصير في حفظ الوديعة" (٥)، وقال المرداوي الحنبلي: "وأما التفريط فهو التقصير في المأمور به" (٦)، وقال زين الدين العاملي من الإمامية: "والشريك أمين لا يضمن إلا بتعدٍّ وهو فعل ما لا يجوز فعله في المال، أو تفريط؛ وهو التقصير في حفظه وما يتم به صلاحه" (٧).
والمراد بتقصير الناظر وتفريطه: تركه ما وجب عليه من أعمال نظارة الوقف (٨).
أ) تضمين الناظر بالتقصير والتفريط:
اختلف الفقهاء فيما يترتب على تقصير الناظر وتفريطه في مصالح الوقف على قولين:
стр. 985
القول الأول: تضمين الناظر عند تقصيره وتفريطه فيما وجب عليه من أعمال النظارة، من غير أن يفرقوا بين التقصير في عين أو فيما كان من الذمة، وإليه ذهب جمهور فقهاء المالكية، والشافعية والحنابلة (١).
وقال البهوتي من الحنابلة: "متى فرط الناظر سقط ما له من المعلوم بقدر ما فوته على الوقف من الواجب عليه من العمل" (٢).
القول الثاني: التفرقة بين التقصير في عين والتقصير فيما هو في الذمة، حيث أوجبوا الضمان على الناظر عند تقصيره في عين دون ما كان في الذمَّة وإليه ذهب الحنفية والزيدية.
قال ابن نجيم من الحنفية: "فإن قلت: إذا قصر المتولي في شيء من مصالح الوقف هل يضمن؟ قلت: إن كان في عين ضمنها وإن كان فيما في الذمة، لا يضمن. قال في القنية: انهدم المسجد فلم يحفظه القيم حتى ضاعت خشبة يضمن. اشترى القيم من الدهان دهنا ودع ودفع الثمن ثم أفلس الدهان بعد لم يضمن" (٣).
قال ابن عابدين من الحنفية: "لو ترك بساط المسجد بلا نفض حتى أكلته الأرضة ضمن إن كان له أجرة وكذا خازن الكتب الموقوفة" (٤).
وعند الزيدية إذا قصَّر الناظر أو فرط، فهو عاص ولا يضمن؛ لأنه لم يُتلف عينًا ولا منفعة، وتبطل ولايته (٥).
стр. 986
ب) من صور تقصير الناظر في صرف الغلَّة التي وردت لدى الفقهاء:
١ - إذا تحصَّل ريع الوقف عند الناظر أو الجابي، فنودي عليه برخص، فإن حصل منه تقصير في صرف، بأن شرط الواقف الصرف في كل شهر، فحصل الريع في الشهر الثاني، وأخر الصرف يوما واحدا مع حضور المستحقين في البلد، عصى وأثم، ولزمه ضمان ما نقص بالمناداة في ماله؛ لأنه كالغاصب بوضع يده عليه، وحبسه عن المستحقين، وإن نودي عليه - والحالة هذه - بزيادة، كانت للوقف، كما هو واضح (١).
٢ - شراء الناظر شيئًا للوقف بأكثر من ثمن المثل: فإذا اشترى الناظر شيئًا للوقف بأكثر من ثمن المثل صح الشراء وضمن الزيادة.
قال في المحرر: إذا اشترى الوكيل أو المضارب بأكثر من ثمن المثل أو بدونه صحَّ ولزمه النقص والزيادة.
قال ابن تيمية من الحنابلة: "وكذلك الشريك والوصي والنار على الوقف وبيت المال ونحو ذلك. وقال: هذا ظاهر فيما إذا فرط. وأما إذا احتاط في البيع والشراء ثم ظهر غبن أو عيب لم يقصر فيه فهذا معذور يشبه خطأ الإمام أو الحاكم ويشبه تصرفه قبل علمه بالعزل" (٢).
٣ - التجهيل: والمراد بالتجهيل أن لا يبين الأمين قبل موته حال الأمانة التي بيده فقد سئل الشيخ عمر بن نجيم عما لو قال المريض: عندي ورقة في الحانوت لفلان ضمنها دراهم لا أعرف قدرها فمات ولم توجد، فأجاب: بأنه من التجهيل لقوله في البدائع هو أن يموت قبل البيان ولم تعرف الأمانة بعينها (٣).
стр. 987
ج) اتجاهات الفقهاء في تضمين الناظر المجهّل إذا مات:
واختلف الفقهاء في تضمين الناظر إذا مات مجهّلًا لمال الوقف إلى ثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول: الناظر إذا مات مجهلًا لعين الوقف أو مال البدل - أي ثمن الأرض المستبدلة - فإنه يضمنه، ومعني ضمانه صيرورته دينًا في تركته، وإليه ذهب الحنفية (١).
قال الحموي الحنفي: "ويُستفاد من قولهم: إذا مات مجهلًا لمال البدل يضمنه، جواب واقعة الفتوى؛ وهي أن المتولي إذا مات مجهلًا لعين الوقف كما إذا كان الوقف دراهم أو دنانير على القول بجوازه وعليه عمل الروم أن يكون ضامنًا له؛ لأنه إذا كان يضمن بتجهيل مال البدل فبتجهيل عين الوقف أولى" (٢).
واختلف الحنفية في تضمين الناظر إذا مات مجهلًا لغلَّة الوقف على أربعة أقوال:
القول الأول: ورد في غالب كتب المذهب المعتمدة أن الناظر إذا مات مجهلًا غلات الوقف فإنه لا يضمن (٣).
القول الثاني: جاء في أنفع الوسائل: إنه ينبغي أن يفصل فيه فيقال: إن حصل طلب المستحقين من الناظر وأخر حتى مات مجهلًا ضمن، وإن لم يحصل طلب منهم ومات مجهلًا ينبغي أيضًا أن يقال: إن كان محمودًا بين الناس معروفًا بالديانة والأمانة إنه لا ضمان عليه، وإن لم يكن كذلك ومضى الزمان والمال في يده ولم يفرقه ولم يمنعه من ذلك مانع شرعي يضمن.
القول الثالث: أنه إن مات فجأة لا يضمن لعدم تمكنه من بيانها فلم يكن حابسًا لها ظلمًا، وإن مات بمرض ونحوه فإنه يضمن؛ لأنه تمكن من بيانها ولم يبين فكان مانعًا ظلمًا فيضمن (٤).
стр. 988
القول الرابع: يرى قاضي خان من الحنفية أن المتولي إذا مات مجهلًا غلات المسجد ومات من غير بيان فإنه لا يضمن (١).
وقال ابن عابدين من الحنفية بعد أن ذكر الخلاف بين علماء الحنفية في تضمين الناظر إذا مات مجهلًا لغلَّة الوقف: والحاصل أن المتولي إذا قبض غلَّة الوقف ثم مات مجهز بأن لم توجد في تركته ولم يعلم ما صنع بها لا يضمنها في تركته مطلقًا كما هو المستفاد من أغلب عباراتهم، ولا كلام في ضمانه بعد طلب المستحق ولا في عدم ضمانه لو كانت الغلَّة لمسجد، وإنما الكلام فيما لو كانت غلَّة وقف لها مستحقون مالكون لها هل يضمنها مطلقًا على ما يفهم من تقييد قاضيخان أو إذا كان غير محمود ولا معروف بالأمانة كما بحثه الطرسوسي، أو إذا كان موته بعد مرض لا فجأة كما بحثه في الزواهر فليتأمل، وهذا كله في غلَّة الوقف، أما لو مات مجهلا لمال البدل: أي لثمن الأرض المستبدلة أو لعين الوقف فإن يضمن بموته مجهلًا بالأولى كما قال الشارح عن المصنف، وبه يعلم أن إطلاق المصنف والشارح في محل التقييد فتنبه (٢).
الاتجاه الثاني: إذا مرض الناظر مرضًا مخوفًا أو حبس للقتل لزمه أن يوصي بالدين من عين الوقف أو غلته فإن سكت عنهما ضمن؛ لأنه عرضهما للفوات إذ الوارث يعتمد ظاهر اليد ويدعيها لنفسيه والمراد بالوصية الإعلام والأمر بالرد، وهذا ما ذكره الشافعية ضمن أسباب التقصير (٣).
قال الشيخ زكريا الأنصاري من الشافعية في معرض بيان ذكر أسباب تقصير المودع: "السبب الثالث ترك الإيصاء بها فعلى ذي مرض مخوف أو حبس لقتل إن تمكن من الرد والإبداع والوصية الرد لها إلى المالك أو وكيله، ثم إن عجز عن الرد إليهما فعليه الوصية بها إلى الحاكم، ثم إن عجز فعليه الوصية إلى أمين، ومحل الضمان بغير إيصاء وإيداع إذا تلفت الوديعة بعد الموت لا قبله على ما صرح به
стр. 989
الإمام ومال إليه السبكي؛ لأن الموت كالسفر فلا يتحقق الضمان إلا به، وقال الإسنوي: إنّه بمجرد المرض يصير ضامنا لها حَتَّى لو تلفت بآفة في مرضه أو بعد صحته ضمنها كسائر أسباب التقصيرات ويؤيده ما سيأتي أول السبب الرابع، ومحله أيضًا في غير القاضي" (١).
الاتجاه الثالث: إذا مات الناظر وجهل ما بيده من مال الوقف عينًا كانت أو غلَّة فإنه يضمن ويكون دينًا في التركة أسوة الغرماء، وإليه ذهب الحنابلة (٢)، وهذا ما يؤخذ من عبارات المالكية والإمامية.
قال الرحيباني من الحنابلة: "وإن مات عامل في مضاربة، أو مات مودع - بفتح الدال - أو مات وصي على صغير أو مجنون أو سفيه، وجهل بقاء ما بيدهم من مضاربة الوديعة ومال موليه، فهو دَيْن لصاحبه في التركة أسوة الغرماء ... قال في الفروع: ولأنه لما أخفاه ولم يعينه، فكأنه غاصب، فتعلق بذمته، قال في شرح الإقناع من كتب الحنابلة: قلت: وقياسه ناظر الوقف وعامله، إذا قبض للوقف شيئًا ومات، وجهل بقاؤه، وقد وقعت مسألة الناظر وأفتيت فيها باللزوم" (٣).
قال المَوّاق (تعريف وضبط) من المالكية: "إذا مات المودع ولم توجد الوديعة أنها في ماله" (٤).
وقال المحقق الحلي من الإمامية: "إذا اعترف بالوديعة ثمّ مات، وجهلت عينها، قيل: تخرج من أصل تركته، ولو كان له غرماء، فضاقت التركة حاصهم المستودع، وفيه تردُّد" (٥).
стр. 990
د) القيمة التي يضمن بها المتولي المتعدي أو المقصر:
سُئل الرملي الشافعي: عن أمين تحت يده عين مقومة فتعدَّى أو قصر فيها حَتَّى تلفت هل يضمنها بأقصى قيمها أو بقيمة يوم التلف؟ فأجاب بأنه يضمنها بأقصى قيمها من التعدي أو التقصير فيها إلى تلفها (١).
المسألة الثانية: أحوال إسقاط الضمان عن الناظر:
الأصل أن الناظر أمين ويده على الوقف يد أمانة، والأمين لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط (٢).
قال علي حيدر: يد المتولي يد أمانة فلذلك إذا ضاع أو تلف مال الوقف الذي في يد المتولي بلا تعدّ ولا تقصير فلا يلزم المتولي ضمان (٣).
ونذكر فيما يلي بعض الحالات التي لا يضمن فيها الناظر:
لا يضمن الناظر إذا فعل شيئًا في مال الوقف وترتب عليه ضرر على الوقف من غير تعدٍّ أو تفريط منه أو كان فعله بأمر من القاضي، وتفصيله على النحو الآتي:
أولًا: صور عدم التعدي والتفريط:
وقد وردت هذه الصور لدى المذهب الحنفي، والشافعي، والمالكي، والزيدي، والإباضي:
١ - جاء في تنقيح الحامدية من كتب الحنفية: سُئل فيما إذا دفع الناظر استحقاق رجل توفي من المستحقين إلى جماعة في درجة المتوفى من أهل الوقف فادعى رجل آخر من مستحقي الوقف أنه يشارك الجماعة في الاستحقاق المذكور ويطالب الناظر بما خصه من ذلك في السنين الماضية فهل إذا أثبت دعواه بالوجه الشرعي فطلبه على المتناولين لذلك لا على الناظر؟ الجواب: نعم إذ
стр. 991
الناظر دفع ما لا يستحقه غير المدفوع إليه عمن ظن أنه يستحقه المدفوع إليه فلا ضمان عليه في ذلك لعدم تعديه بعدم علمه المستحق وله مطالبته به مع عدم الضمان وقد أفتى بذلك الخير الرملي في الوقف والعلامة الشيخ إسماعيل (١).
٢ - لو شرط الواقف قضاء دينه ثمّ يصرف الفاضل إلى الفقراء فلم يظهر دَيْن في تلك السنة فصرف الفاضل إلى المصرف المذكور ثمّ ظهر دَيْن على الواقف يسترد ذلك من المدفوع إليهم؛ لأن الناظر ليس بمتعد في هذه الصورة لعدم ظهور الدين وقت الدفع فلم يملكة القابض فكان للناظر استرداده (٢).
٣ - قال البجيرمي من الشافعية: "يجوز للناظر صرف الأجرة المعجلة لأهل البطن الأول ولا ضمان عليه لو مات الآخذ قبل انقضاء المدة وانتقل الاستحقاق لغيره ولا ضمان على المستأجر بل يرجع أهل البطن الثاني على تركة القابض من وقت موته" (٣).
٤ - ما تلف من غلات الوقف قبل وصوله إلى الناظر فلا ضمان عليه، ففي البحر الزخار: وما تلف من غلات الوقف قبل وصوله إلى المتولي فلا ضمان عليه ولا بعد القبض إلا حيث فرط (٤).
ومما يلحق بهذا الباب ما جاء في المعيار المعرب من كتب المالكية: فقد سُئل عن الناظر وقف أكره بالتهديد والوعيد على صرف جملة دراهم من فوائد الوقف لوزير ليصرفها في غير وجهها، فأجاب: بأنه لا ضمان عليه وذمته بريئة منها (٥).
стр. 992
فالمال الموصى به في يد الناظر أمانة عند الحنابلة، يجب عليه حفظه تحفظ الأمانات، ولا يودعه لحاجة، فإن أودعه عند من يغلب على الظن حفظه، فالحاكم العادل إن وجد أو غيره بحيث لا يكون في إيداعه تفريطا فلا ضمان عليه، وإن أودعه لخائن أو عاجز مع إمكانه أن لا يفعل فهو مفرط (١).
٥ - وعند الزيدية إذا أهمل المتولي الوقف، كأن ترك أرض اليتيم أو المسجد أو الوقف بغير زراعة، دون أن يمنع زراعتها، بل تركها لغير عذر فهو عاص ولا يضمن؛ لأنه لم يتلف عينًا ولا منفعة (٢).
ويرى الإباضية أن الناظر لا يضمن مال المسجد إن لم يقع منه عدوان، ولكن الأجير يضمن ما أفسد من مال المسجد، وجاء في شرح النيل: "من ولي نخلًا لمسجد فله أن يعطيه من يعمله بنصيب منه على وجه العدل فيه، وإن تفضَّل فقام بنفسه وماله هو أفضل له، وإن رأى دفع سهم منه بقيامه أصلح للمسجد وسعه ذلك، ومن أطنى نخلة لمسجد أو يتيم من وكيل أو محتسب فكسر شيئًا من خوصها ضمنه، وقيل: ما لا قيمة له ولا تحاسب بين الناس على مثله لا ضمان فيه على الخطأ، وسقوطه على المحتسب أقرب إذا قصد الصّلاح للمسجد أو اليتيم وإن كسر الأجير عذوق نخلة للمسجد ضمن قيمته يوم كسره" (٣).
ثانيًا: صور لما يفعله الناظر بأمر من القاضي:
١ - أمر القاضي الناظر بشيء ففعله فإنه لا يضمن؛ فقد جاء في البحر الرائق من كتب الحنفية: "إذا أمر القاضي بشيء ففعله، ثمّ تبيَّن أنه ليس بشرعي أو فيه ضرر على الوقف هل يكون القيِّم ضامنًا، قلت: قال في القنية طالب القيم أهل المحلة أن يقرض من مال المسجد للإمام فأبى فأمره القاضي به فأقرضه ثمّ مات الإمام مفلسًا لا يضمن القيم مع أن القيم ليس له إقراض مال المسجد" (٤).
стр. 993
٢ - لو أذن القاضي للقيِّم في خلط مال الوقف بماله تخفيفًا عليه؛ جاز، ولا يضمن (١).
٣ - إذا أمر الناظر ببيع أشجار المسجد مرتقبًا بتأخير بيعها رواجًا لها فرخصت فإنه لا يضمن؛ قال الشيخ زكريا الأنصاري من الشافعية: "أو أخر القيم بيع ورق فرصاد لطفل ونحوه حَتَّى مضى وقته ضمن لا إن ارتقب بتأخير بيعه نفاقًا" (٢).
٤ - وعند الشافعية لا يجوز للناظر أن يقترض من غير إذن من القاضي ولا شرط من الواقف، فإن فعل لم يرجع بما صرفه لتعديه بل، فلا بدَّ فيه من إذن القاضي (٣).
المسألة الثالثة: علاقة ذمَّة الناظر المالية بذمَّة الوقف المالية:
قال في جامع العلوم في اصطلاحات الفنون: "الذمة في اللغة العهد، وإنما سمي ذمي؛ لأن نقضه يوجب الذم. وعند البعض: وصف، وعند البعض ذات، فمن جعلها وصفًا عرفها بأنها وصف يصير بيه الشخص أهلًا لإيجاب ما له وما عليه. ومن جعلها ذاتًا عرفها بأنها نفس لها عهد، فالإنسان يولد وله ذمة صالحة للوجوب له وعليه عند الفقهاء، بخلاف سائر الحيوانات (٤).
فالذمة التي هي مناط الأهلية هي من خواص الإنسان التي يمتاز بها عن سائر المخلوقات (٥).
стр. 994
وهناك نصوص فقهية تثبت للوقف حقوقًا باسمه ويطالب بواجبات.
فقد جاء في الدر المختار: "لا يجوز الاستدانة على الوقف إلا إذا احتيج إليها المصلحة الوقف" (١).
وقال الخطيب الشربيني من الشافعية: "لو كان الشريك كمسجد له شقص لم يوقف باع شريكه يأخذ له الناظر بالشفعة" (٢).
فهل معنى ذلك أن للوقف نوعًا من ذمَّة وأهلية كذمَّة الإنسان ؟
هذا ما اختلف فيه الفقهاء المعاصرون: فمنهم من نفي الذمَّة عن الوقف ومنهم من أثبتها له.
قال د. مُحَمَّد علي القري: "وليس صحيحًا أن الوقف هو مثال للشخصية الاعتبارية ذات الذمَّة المالية المستقلة، إذ أن وصف الذمَّة المستقلة غير موجود في الوقف ولو وجد لأدي ذلك إلى جواز استيلاء دائنيه عليه إذا لم تفِ إيراداته في تسديد ديونهم، ولم يقل أحد بذلك، فدل ان الوقف ليس له ذمَّة مستقلة قابلة لتحمُّل الالتزامات" (٣).
ويقول على الخفيف: "نرى بعض الفقهاء - من الحنفية وغيرهم - يصرِّحون بأن الوقف ليس له ذمَّة، وأن بيت المال لا ذمَّة له" (٤).
ولذلك منع بعض فقهاء الحنفية من الاستدانة للوقف مطلقًا، كما نُقل ذلك عن هلال الرأي؛ فقد نقل ابن نجيم عنه قوله بأن الاستدانة إذا وقعت إنما تكون في ذمَّة الناظر (٥)، وإلى ذلك ذهب ابن نجيم؛ وأنه إذا استدان الناظر يثبت عليه، ولا
стр. 995
يملك قضاءه من غلَّة الوقف التي هي للفقراء (١)، وبرَّر بعضهم ذلك بـ"أن الوقف لا ذمَّة له" (٢).
ومن أجاز الاستدانة قال: إذا استدان ناظر الوقف لإصلاحه مثلًا مبلغًا يزيد عن قيمة الوقف، ثمّ لم يقدر على السداد؛ كانت الزيادة في ذمَّة الناظر؛ مما يدل على أن الوقف يفتقر إلى الذمَّة المالية المستقلة، وإلا كانت الديون قد ثبتت في ذمته، ولكانت تلك الديون في ذمَّة الوقف لا تنتقل بحال إلى ذمَّة الناظر، ففقهاء الإسلام عرفوا الشخصية الاعتبارية ذات الذمَّة المالية المستقلة، والمسئولية المحدودة لا مستند له ولا دليل عليه، وإن لم يتناولوه صراحة قديمًا، فاحتاج إلى قدر من النظر والتأمل المعرفة ما يترتب عليه من أحكام (٣).
بينما أورد د. علي محيي الدِّين القره داغي القول بثبوت نوع من الذمَّة للوقف (٤)، وذهب إلى: "أن الفقه الإسلامي وإن لم يعترف للهيئات والشركات بوجود شخصية معنوية على غرار التشريعات الحديثة؛ لكنه وصل بطريقته إلى حلول تقترب منها حلول الفقه الوضعي من حيث الآثار والنتائج، فقد عالج الفقه الإسلامي الموضوع بشكل يقرُّ له بنوع من استقلالية الذمَّة، حيث قرَّر الفقهاء جواز الوقف على الجهة؛ وهي أشخاص غير معيَّنين؛ كالفقراء، أو مصالح خيرية؛ كالمساجد والمستشفيات .. ونحوها (٥)، وقرَّر بعضهم - كالشافعية (٦) والحنابلة (٧) وغيرهم - جواز انتقال الملك إليها، فهذا دليل على انتقال الملك إلى غير الإنسان، بل أجاز بعضهم الوقف على بهيمة ويقبله المالك ويُنفق عليها من ريعه (٨)، كما ذكر فقهاء الحنفية والشافعية أنه يجوز للقيِّم أن يستدين على
стр. 996
الوقف للمصلحة بإذن القاضي ثمّ يستردُّه من غلته (١)، فهذا دليل على أن الوقف له نوع من الذمَّة يستدان عليها ثمّ يسترد منها حين إدراك الغلَّة، وقال ابن نجيم: "أجَّر القيم، ثمّ عُزل، ونُصِّب قيِّم آخر؛ فقيل: أخذ الأجر للمعزول، والأصح له للمنصوب؛ لأن المعزول أجره للوقف لا لنفسه" (٢)؛ فهذا يدل على أن الوقف من حيث هو يقبل الإجارة حيث اعتبر الإجارة له، فعلى هذا فإن ذمته منفصلة عن ذمَّة المتولي، ويُستنتج منه أن الوقف ثبت له أهلية وجوب، وإن كان لا يتولى الإجارة بنفسه، بل يتولاها ناظر الوقف، وأيضًا فإن المقرَّر عند الحنفية هو أن الإجارة تبطل بموت أحد المتعاقدين، ومع ذلك فهي لا تبطل بموت متولي الوقف فيما لو قام هو بتأجير أموال الوقف (٣)؛ فهذا دليل آخر على أن الوقف يتمتع بنوع من الأهلية يكاد ينفصل عن متوليه، وأورد ابن عابدين مثالًا آخر؛ وهو أن ناظرًا على المسجد الموقوف اتفق مع حصري ليكسو المسجد، ويكون ثمن الحصر من ريع الوقف (٤)، فعُزل قبل ظهور الريع وعين آخر، فيلزم الثاني تخليص حقِّ الحصري ودفعه له من ريع الوقف، وهذا دليل على أن جميع التزامات الناظر الأول تنتقل إلى الناظر الثاني، وهذا ما عليه بقية المذاهب (٥).
وجاء ضمن قرارات منتدى قضايا الوقف الفقهية الأول ما يأتي (٦):
ذمَّة الوقف المالية:
أ - لا مانع شرعًا من الاعتراف بالشخصية الاعتبارية للوقف التي تتمتع بجميع الحقوق إلا ما كان ملازمًا لصفة الإنسان الطبيعية، فيكون لها ذمَّة مالية مستقلة
стр. 997
عن ذمَّة الواقف والموقوف عليه، وأهلية مدنية في الحدود التي يعينها سند إنشائه، أو التي يقرُّها القانون، ولها حقُّ التقاضي، ودفع الدعاوى على الغير كما للآخرين الحقُّ في رفع الدعوى عليها.
ب - يمثل الوقف في كل ذلك ناظر الوقف أو الشخص الذي يحدده صكُّ الوقف أو القضاء، أو إدارة الوقف حسب النظام الأساسي للوقف.
ويترتب على ثبوت الشخصية الاعتبارية للوقف عدة نتائج؛ من أهمها (١):
١ - أن للوقف باعتباره شخصًا معنويًّا ذمته المالية المستقلة عن ذمَّة ناظر الوقف أو متوليه، وعن ذمَّة الواقف، والموقوف عليهم، فمال الوقف وجميع حقوقه والتزاماته خاص به وإن ذمته لا تنشغل بذمَّة غيره مهما كان، وتكون هي المالكة - اعتباريًّا - لجميع حقوقه وأمواله، وأن دائني الوقف، أو الناظر أو الموقوف عليه ليس لهم حق على ذمَّة الوقف، كما أن ديونه لا يطالب بها غير الوقف نفسه، كما أنه لا تقع المقاصة بين ديون الوقف، وديون هؤلاء.
٢ - أن للوقف باعتباره شخصًا معنويًا أهلية مدنية في كسب الحقوق واستعمالها في الحدود التي رسمها له القانون.
٣ - أن له كذلك حقُّ التقاضي ورفع الدعاوى على الغير، كما للآخرين الحق في رفع الدعوى عليه باعتباره شخصًا معنويًّا.
٤ - يمثله في كل ذلك ناظر الوقف أو الشخص الذي يحدده صك الوقف أو القضاء أو إدارة الوقف حسب النظام الأساسي له، وأن هذا الشخص عليه ما على الوكيل للشخص الطبيعي من الحقوق والواجبات والمسؤوليات.
стр. 998
المبحث الثامن أجرة الناظر
الأجرة: هي العوض الذي يُعطى مقابل منفعة الأعيان أو منفعة الآدمي (١)، فيكون المراد بأجرة الناظر: العرض الذي يعطى مقابل قيامه بأعمال النظارة على الوقف.
وجاء ضمن قرارات منتدى قضايا الوقف الفقهية الأولى ما يأتي:
أجرة الناظر: هي المقابل المالي لإدارة الناظر للوقف ومسئوليته عنه بطريقة مباشرة (٢).
والنظارة شأنها شأن الوكالة والوصاية والولاية تكون بأجر وبغير أجر، وينطبق على النظارة ما ينطبق على هذه العقود.
قال ابن قاسم العنسي الزيدي: "إذا تنازع ذو الولاية للوقف والمتولي للمسجد أيهما يحرث الوقف ويبقى تحت يده ... وإن طلبا معًا بغير أجرة أو بأجرة متساوية؛ فمتولي الوقف أقدم بذلك كالحضانة" (٣).
أولًا: اشتراط الواقف أجرًا للناظر:
لا خلاف بين فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة، والإمامية والإباضية في أن الواقف إذا اشترط أجرًا للناظر من غلَّة الوقف فإنه يأخذ أجره من الوقف اتباعًا لشرط الواقف.
قال علاء الدِّين بن عابدين من الحنفية: "الحاصل أن الواقف إن عين للناظر شيئًا فهو له كثيرًا كان أو قليلًا على حسب ما شرطه عمل أو لم يعمل حيث لم يشترطه في مقابلة العمل" (٤).
وفي الفتاوى الهندية عند الحنفية: "وأما الناظر فإن كان المشروط له من الواقف فهو كأحد المستحقين" (٥).
стр. 999
وقال الدردير المالكي: "واتبع وجوبًا شرط الواقف إن جاز شرعًا كتخصيص مذهب من المذاهب الأربعة أو ناظر معين" (١).
وقال النَّوَوِي من الشافعية: "لو شرط الواقف للمتولي شيئًا من الغلَّة جاز وكان ذلك أجرة" (٢).
وقال البهوتي من الحنابلة: "وإن شرط الواقف لناظره أجرة أي عوضًا ملومًا، فإن كان المشروط لقدر أجرة المثل اختص به، وكان مما يحتاج إليه الوقف من أمناء وغيرهم من غلَّة الوقف، وإن كان المشروط أكثر فكلفة ما يحتاج إليه الوقف من نحو أمناء وعمال على الناظر يصرفها من الزيادة" (٣).
وقال مُحَمَّد الجواد العاملي من الإمامية: "إن عيَّن (أي الواقف) له شيئًا جاز وإن كان أقل من أجرة المثل، وإن أطلق كان له أجرة مثل عمله مع زيادة قصده الأجرة به" (٤).
وقال أطفيش من الإباضية: "ومن عنده مال مسجد وقاطع على عمله عاملًا له وينفق عليه من ماله هو ويأخذ من مال المسجد إذا تم جاز له" (٥).
ثانيًا: عدم اشتراط الواقف أجرًا للناظر:
اختلف الفقهاء في أجر الناظر إذا لم يشترط الواقف أجر الناظر من غلَّة الوقف على خمسة أقوال:
القول الأول: إذا لم يشترط الواقف للناظر شيئًا فله أجر مثل عمله، وإليه ذهب الحنفية، وبه يقول الإمامية (٦).
стр. 1000
قال ابن نجيم في البحر الرائق: "وأما بيان ما له فإن كان من الواقف فله المشروط ولو كان أكثر من أجرة المثل، وإن كان منصوب القاضي فله أجر مثله، واختلفوا هل يستحقه بلا تعيين القاضي: فنقل في القنية، أولًا: أن القاضي لو نصب قيما مطلقًا ولم يعين له أجرًا فسعى فيه سنة فلا شيء له، وثانيًا: أن القيم يستحق أجر مثل سعيه سواء شرط له القاضي أو أهل المحلة أجرًا أو لا؛ لأنه لا يقبل القوامة ظاهرًا إلا بأجر والمعهود كالمشروط، قال وقالوا إذا عمل القيم في عمارة المسجد والوقف كعمل الأجير لا يستحق الأجر؛ لأنه لا يستحقُّ له أجر القوامة وأجر العمل، فهذا يدل على أنه يستحقُّ بالقوامة أجرًا، وإذا لم يعمل الناظر لا يستحق شيئًا لما في الخانية ولو وقف أرضه على مواليه مثلًا ثمّ مات فجعل القاضي للوقف قيما وجعل له عشر الغلَّة في الوقف وللوقف طاحونة في يد رجل بالمقاطعة لا يحتاج فيها إلى القيم وأصحاب الوقف يقبضون غلتها منه لا يستحق القيم عشر غلتها؛ لأن ما يأخذه بطريق الأجرة ولا أجرة بدون العمل، وفي فتح القدير بعد نقله فهذا عندنا فيمن لم يشترط له الواقف إما إذا شرط كان من جملة الموقوف عليهم" (١).
وقال زين الدِّين العاملي من الإمامية: "ثمّ إن شرط له شيء عوضًا عن عمله لزم وليس له غيره وإلا فله أجرة المثل من عمله" (٢).
القول الثاني: إذا لم يشترط له الواقف شيئًا لا يستحق أجرة، وإليه ذهب الشافعية في الصحيح (٣).
قال الشيخ زكريا الأنصاري من الشافعية: "وأخذ المتولي من ريع الوقف مشروطه أي ما شرطه له الواقف ولو زاد على أجرة المثل، ثمّ إن شرطه لنفسه تقيَّد بأجرة المثل، فإن لم يشرط له شيئًا فلا أجر له كما علم من باب الإجارة، فلو رفع الأمر إلى الحاكم ليقرر له أجره فهو كما إذا تبرَّم الولي بحفظ مال الطفل ورفع الأمر إلى القاضي ليثبت له أجرة، قاله البلقيني، قال الشارح في تحريره: ومقتضى تشبيهه
стр. 1001
بالولي أن يأخذ مع الحاجة إما قدر نفقته كما رجحه الرافعي هناك، أو الأقل من نفقته وأجرة مثله كما رجحة النَّوَوِي، وقد يقال فيما قاله نظر، لأن التشبيه بالولي إنما وقع في حكم الرفع إلى الحاكم لا مطلقًا فلا يقتضي ما قاله" (١).
القول الثالث: إن لم يسمِّ الواقف للناظر شيئًا وهو مشهور بأخذ العوض على عمله فله أجرة المثل وإلا فلا شيء له، وإليه ذهب الحنابلة (٢).
قال البهوتي من الحنابلة: "إن لم يسم الواقف للناظر شيئًا فقياس المذهب إن كان مشهورًا أي معدًا لأخذ العوض على عمله فله أجرة مثل عمله وإلا بأن لم يكن معدًا لأخذ العوض على عمله فلا شيء له؛ لأنه متبوع بعمله" (٣).
القول الرابع: الناظر الذي لم يشترط له الواقف شيئًا يجعل له القاضي أجره وهذا ما يؤخذ من عبارات المالكية؛ قال ابن عرفة: "عن ابن فتوح: للقاضي أن يجعل لمن قدمه للنظر في الأحباس رزقًا معلومًا في كل شهر باجتهاده في قدر ذلك بحسب عمله، وفعله الأئمة" (٤).
القول الخامس: الناظر الذي لم يجعل له الواقف شيئًا من الوقف لا يحلُّ له شيء من غلَّة الوقف، بل من بيت المال، وإليه ذهب ابن عتاب من المالكية (٥).
ثالثًا: من يقدر أجرة الناظر:
حقُّ تقدير أجر الناظر محصور في الواقف والقاضي.
أ) تقدير الواقف أجر الناظر:
اتفق فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والإمامية على أنه للواقف أن يقدِّر أجر الناظر.
стр. 1002
فقد جاء في الفتاوى الهندية من كتب الحنفية: "إذا جعل الواقف للقائم بأمر الوقف مالًا معلومًا كل سنة للقيام بأمر الوقف؛ جاز" (١).
وقال الدردير من المالكية: "اتبع وجوبًا شرطه (أي الواقف) إن جاز شرعًا" (٢).
وقال الشرواني من الشافعية: "أما إن شرط النظر لغيره وجعل للناظر أكثر من أجرة المثل لم يمتنع" (٣).
وقال البهوتي من الحنابلة: "إن شرط الواقف لناظر أجرة أي عوضًا معلومًا؛ فإن كان المشروط لقدر أجرة المثل؛ اختُصَّ به" (٤).
وقال مُحَمَّد الجواد العاملي من الإمامية: "إن عيَّن - أي الواقف - له شيئًا جاز" (٥).
وتقدير الواقف للأجر إمَّا أن يكون مساويًا لأجر المثل، أو أقل من أجر المثل، أو أكثر منه:
فإذا قدر الواقف للناظر أجرًا مساويًا لأجر المثل؛ فإنه يستحقه بلا خلاف (٦).
وأما إذا قدر الواقف للناظر أقل من أجر المثل؛ فإن رضي به فإنه يعدُّ متبرعًا بالقيام ببعض أعمال النظارة، شأنه في ذلك شأن الوكيل والوصي، حيث يجوز كل منهما بأجرة وبغير أجرة (٧).
وإن لم يرض الناظر بما قدر له الواقف من أجر؛ فعليه أن يرفع الأمر إلى القاضي، وللقاضي أن يرفع أجره إلى أجر مثله؛ قال علاء الدِّين بن عابدين من
стр. 1003
الحنفية: "وأما الناظر بشرط الواقف فله ما عينه له الواقف ولو أكثر من أجر المثل كما في البحر، ولو عين له أقل فللقاضي أن يكمل له أجر المثل بطلبه" (١).
وإذا قدَّر الواقف للناظر أكثر من أجر المثل؛ فقد اختلف الفقهاء في استحقاق الناظر لكامل الأجر المقدر له من قبل الواقف على قولين:
القول الأول: يستحق الناظر الأجر المقدر ولو كان أكثر من أجر المثل، وإلى هذا ذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والإمامية.
قال ابن نجيم من الحنفية: "وأما بيان ماله فإن كان من الواقف فله المشروط ولو كان أكثر من أجرة المثل" (٢).
وقال الصاوي من المالكية: "واتبع شرطه (أي الواقف) وجوبًا إن جاز" (٣).
وقال الشرواني من الشافعية: "أمَّا إن شرط النظر لغيره وجعل للناظر أكثر من أجرة المثل؛ لم يمتنع" (٤).
وقال مُحَمَّد الجواد العاملي من الإمامية: "إن عين له شيئًا جاز" (٥).
القول الثاني: إذا قدر الواقف للناظر أكثر من أجرة المثل فإنه يستحق أجرة المثل فقط، وإليه ذهب الحنابلة (٦).
قال الرحيباني الحنبلي: "فإن شرط الواقف للناظر أجرة أي عوضًا معلومًا، فإن كان المشروط بقدر أجرة المثل اختُصَّ به، وكان ما يحتاج إليه الوقف من أمناء
стр. 1004
وغيرهم من غلَّة الوقف، وإن كان المشروط أكثر فكلفة ما يحتاج إليه الوقف من نحو أمناء وعمال على الناظر، يصرفها من الزيادة حَتَّى يبقى له أجرة مثله، إلا أن يكون الواقف شرطه له خالصًا" (١).
ب) تقدير القاضي أجر الناظر:
لا خلاف بين فقهاء الشافعية، والمالكية، والحنابلة في أن للقاضي أن يجعل للناظر أجرًا مقابل قيامة بأعمال النظارة (٢).
كما اتفق فقهاء الحنفية على أنه ليس للقاضي أن يقدر للناظر معلومًا أكثر من أجر المثل (٣).
والقاضي يقدِّر أجر الناظر في حالتين:
الحالة الأولى: إذا لم يعين الواقف للناظر أجرًا:
قال ابن نجيم من الحنفية: "الناظر على الوقف إذا لم يشترط له الواقف فله أجر مثل عمله حَتَّى لو كان الوقف طاحونة يستغلها الموقوف عليهم فلا أجر له فيها كما في الخانية، وهذا إذا عين القاضي له أجرًا، فإن لم يعين له وسعى فيه سنة فلا شيء له" (٤).
وقال علاء الدِّين بن عابدين من الحنفية بعد ذكر المسألة: "أقول في تعبيره بأجر المثل إشارة إلى أن القاضي ليس له أن يجعل له أكثر منه حَتَّى لو جعل له العشر كما هو المتعارف فإن كان أكثر من أجر المثل يرد الزائد كما حققه العلَّامة البِيريُّ" (٥).
стр. 1005
الحالة الثانية: إذا قدَّر الواقف للناظر أجرًا أقل من أجر المثل:
قال ابن عابدين من الحنفية: "وأما الناظر بشرط الواقف فله ما عينه الواقف ولو أكثر من أجر المثل كما في البحر، ولو عين له أقل فالقاضي أن يكمل له أجر المثل بطلبه" (١).
رابعًا: مورد أجر ناظر الوقف:
لا خلاف بين الفقهاء في أنه إذا شرط الواقف للناظر أجرًا من غلَّة الوقف؛ فإنه يأخذ أجره من الوقف اتباعًا لشرط الواقف (٢).
واختلفوا في مورد أجر الناظر إذا لم يشترط الواقف أجره من الوقف على قولين:
القول الأول: يجوز للناظر أن يأخذ ما يستحقه من أجر من غلَّة الوقف وإن لم يشرط الواقف أجره من الوقف، وإليه ذهب الحنفية، والمالكية في الراجح، والشافعية والحنابلة والإمامية والإباضية (٣).
فقد جاء في تنقيح الفتاوى الحامدية من كتب الحنفية: "سُئل في الناظر إذا أراد أخذ العشر من كامل غلَّة الوقف نظير عمله وهو قدر أجر مثله ويعارضه بقية المستحقين زاعمين أن له عشر الفاضل بعد المصارف؛ فهل له ذلك؟ الجواب: حيث كان العشر أجر مثله ولم يجعل له الواقف شيئًا له أخذه من كامل الغلَّة قبل حساب المصارف" (٤).
وقال الدسوقي المالكي نقلًا عن البدر القرافي المالكي: "للقاضي أن يجعل للناظر شيئًا من الوقف إذا لم يكن له شيء" (٥).
стр. 1006
وجاء في نهاية الزين من كتب الشافعية: "ويُصرف ريع ما وقف على المسجد وقفًا مطلقًا أو على عمارته في بناء وتجصيص ... وأجرة قيّم" (١).
وقال الرحيباني من الحنابلة: "ولناظر وقف - ولو لم يحتج - أكل منه بمعروف نصًّا، إلحاقًا له بعامل الزكاة، وكل ذلك حيث لم يشرط الواقف له شيئًا، وإلا بأن شرط الواقف له شيئًا فله ما شرط له الواقف فقط" (٢).
وقال زين الدِّين العاملي من الإمامية: "ثمّ إن شرط له شيء عوضًا عن عمله لزم وليس له غيره، وإلا فله أجرة المثل عن عمله" (٣).
وقال أطفيش من الإباضية: "ويجوز الصّلاح كله لمال المسجد؛ كشراء سماد لأرضه للجمعة، وطناء ماء لها، وكبناء جدار عليها، وفسل الفسيل فيها، وإعطاء الأجرة من ماله" (٤).
وجاء ضمن قرارات منتدى قضايا الوقف الفقهية الأول: يُحمل ما يستحقه الناظر من أجر على ريع الأوقاف الداخلة تحت نظارته، وتوزَّع على الأوقاف بحسب ريعها (٥).
القول الثاني: لا يحلُّ للناظر أن يأخذ أجره من غلَّة الوقف، وإنما يأخذه من بيت المال، وإليه ذهب بعض المالكية.
جاء في مواهب الجليل: "قال ابن عرفة المالكي عن ابن فتوح: للقاضي أن يجعل لمن قدمه للنظر في الأحباس رزقًا في كل شهر باجتهاده في قدر ذلك بحسب عمله وفعله الأئمة، "وعن" ابن عتاب عن المشاور لا يكون أجره إلا من بيت المال، فإن أخذها من الأحباس أُخذت منه، ورجع بأجره في بيت المال، فإن لم يُعط منها
стр. 1007
فأجره على الله، وإن لم يُجعل له فيها شيء؛ لأنه تغيير للوصايا، وبمثل قول المشاور أفتى ابن ورد، وقال: لا يجوز أخذ أجرته من الأحباس، إلا أن يُحمل على من حبس، وخالفه عبد الحق، وابن عطية، وقال: ذلك جائز، لا أعلم فيه نصُّ خلاف. ا. هـ. ونقل البرزلي كلام عبد الحق وابن عطية، والله أعلم" (١).
وقد ضعَّف الدسوقي فتوى ابن عتاب فقال: "إفتاء ابن عتاب بأن الناظر لا يحلُّ له أخذ شيء من غلَّة الوقف، بل من بيت المال، إلا إذا عن الواقف له شيئًا .. ضعيف" (٢).
خامسًا: وقت استحقاق الناظر الأجر:
يفرِّق الفقهاء في الوقت الذي يبدأ منه استحقاق الناظر للأجر بين أن يكون أجره مقدَّرًا من قِبل الواقف، وأن يكون مقدَّرًا من قِبل القاضي.
أ) وقت استحقاق الأجر إذا كان مقدرًا من قبل القاضي:
لا خلاف بين فقهاء الحنفية في أن الناظر يستحق أجره المقدر له من قِبل القاضي من وقت مباشرته لأعمال النظارة؛ قال الحموي الحنفي في تعليقه على عبارة الأشباه: "العامل لغيره أمانة لا أجر له إلا الوصي والناظر فيستحقان بقدر أجرة المثل إذا عملا؛ أي يستحقان أجرًا متلبسًا بقدر أجر المثل" (٣).
وللقاضي عند المالكية أن يجعل لناظر الوقف رزقًا معلومًا في كل شهر باجتهاده في قدر ذلك بحسب عمله وفعله الأئمة، وذلك عائد للشرط، فإن شرط أن يعطى له عن العام الأول من غلَّة العام الثاني أو عكسه؛ صحَّ (٤).
стр. 1008
وجاء في جواهر العقود من كتب الشافعية: "ويصرف إلى الإمام الراتب بالتربة في كل شهر كذا، وإلى المؤذن كذا وإلى القائم كذا وإلى الخادم كذا وإلى البواب كذا وإلى الناظر كذا وإلى المعمار كذا وإلى الجابي كذا وإلى المباشر كذا" (١).
وعند الحنابلة يستحقُّ الناظر الأجرة من وقت نظره في الوقف؛ لأنها في مقابلته فلا يستحق إلا بقدره (٢).
ب) وقت استحقاق الأجر إذا كان مقدرًا من قبل الواقف:
اختلف الفقهاء في الوقت الذي يبدأ فيه استحقاق الناظر الأجر إذا كان مقدرًا من قبل الواقف على ثلاثة أقوال:
القول الأول: الناظر يستحق أجره المقدر له من قبل الواقف من وقت مباشرته الفعلية للنظارة على الوقف، وإليه ذهب الحنابلة والإمامية، وهذا ما يؤخذ من عبارات الحنفية.
قال البهوتي من الحنابلة: وله أي الناظر الأجرة من نظره في الوقف؛ لأنها في مقابلته فلا يستحق إلا بقدره" (٣).
وقال زين العاملي من الإمامية: "ثمّ إن شرط له شيء عن عمله لزم، وليس له غيره، وإلا فله أجرة المثل عن عمله" (٤).
جاء في البحر الرائق من كتب الحنفية: "إذا لم يعمل الناظر لا يستحق شيئًا لما في الخانية، ولو وقف أرضه على مواليه مثلًا ثمّ مات فجعل القاضي للوقف قيمًا وجعل له عشر الغلَّة في الوقف وللوقف طاحونة في يد رجل بالمقاطعة لا يحتاج فيها
стр. 1009
إلى القيم وأصحاب الوقف يقبضون غلتها منه لا يستحق القيم عشر غلتها؛ لأن ما يأخذه بطريق الأجرة ولا أجرة بدون عمل. وفي فتح القدير بعد نقله: فهذا عندنا فمن لم يشترط له الواقف، أما إذا شرط كان من جملة الموقوف عليهم" (١).
وقال الحموي الحنفي بعد نقل المسألة: "لكن هذا في ناظر لم يشترط له الواقف أما إذا اشترط كان من جملة الموقوف عليهم فيستحقه بالشرط لا بالعمل" (٢).
القول الثاني: الناظر الذي شرط له الواقف أجره يستحق أجره من حين شرط الواقف معلومه، وهذا ما أفتى به الشهاب الرملي من الشافعية.
قال ابن حجر الهيتمي من الشافعية: "شرط الواقف لناظر وقفه فلان قدرًا، فلم يقبل النظر إلا بعد مدة بَانَ استحقاقه لمعلوم النظر من حين آل إليه، كذا قيل، وقال الشرواني من الشافعية: في تعليقه على عبارة "كذا قيل": أفتى بذلك شيخنا شهاب الرملي" (٣).
القول الثالث: التفرقة بين كون الأجر المشروط للناظر أكثر من أجر المثل أو مساويًا له أو أقل.
فإن كان المشروط أكثر من أجر المثل استحقه الناظر من حين آل النظر إليه وإن لم يباشر، وإن كان مساويًا لأجر المثل، أو أقل عنه فإنه لا يستحقه فيما مضى، وإنما يستحقه من حين مباشرة عمل النظارة.
وهذا ما ذهب إليه ابن حجر الهيتمي من الشافعية، فقد قال في تحفة المحتاج: "شرط الواقف لناظر وقفه قدرًا فلم يقبل النظر إلا بعد مدة بان استحقاقه لمعلوم النظر من حين آل إليه كذا قيل، وإنما يتجه في المعلوم الزائد على أجرة المثل؛ لأنه لا يقصد كونه في مقابلة عمل بخلاف المعلوم المساوي الأجرة مثل نظر هذا الوقف، أو الناقص عنه لا يستحقه فيما مضى؛ لأنه في مقابلة عمله ولم يوجد منه فلا وجه لاستحقاقه" (٤).
стр. 1010
سادسًا: تبرع الناظر بالنظارة:
المراد بتبرع الناظر: قيام الناظر بأعمال النظارة غير طالب عوضًا (١).
وقد ذكر فقهاء الحنفية والشافعية حالات يكون الناظر فيها متبرِّعًا:
١ - عدم تعيين القاضي لمنصوبه شيئًا:
قال علاء الدِّين بن عابدين من الحنفية: إن نصبه (أي الناظر) القاضي ولم يعيِّن له شيئًا، يُنظر: إن كان المعهود ألا يعمل إلا بأجرة المثل؛ فله أجرة المثل؛ لأن المعهود كالمشروط، وإلا فلا شيء له (٢).
٢ - عدم اشتراط الواقف للناظر شيئًا:
وفي هذا الإطار يقول ابن نجيم الحنفي: "الناظر على الوقف إذا لم يشترط له الواقف فله أجر مثل عمله، حَتَّى لو كان الوقف طاحونة يستغلها الموقوف عليهم فلا أجر له فيها كما في الخانية. وهذا إذا عين له القاضي أجرًا، فإن لم يعين وسعي فيه سنة فلا شيء له" (٣).
وقال الشيخ زكريا الأنصاري من الشافعية: وللناظر من غلَّة الوقف ما شرطه له الواقف وإن زاد على أجرة المثل وكان ذلك أجرة عمله نعم إن شرطه لنفسه تقيد بأجرة المثل كما مر فإن عمل بلا شرط فلا شيء له كما علم من باب الإجارة فلو رفع الأمر إلى حاكم ليقرر له أجرة فهو كما إذا تبرم الولي بحفظ مال الطفل ورفع الأمر إلى القاضي ليثبت له أجرة قاله البلقيني (٤).
стр. 1011
٣ - قبول النظر على الوقف مجانًا:
قال ابن عابدين من الحنفية: تحت مطلب "وإذا قبل الأجنبي النظر مجانًا فللقاضي نصبه: قدمنا عن البيري عن حاوي المصيري عن وقف الأنصاري إنّه إذا لم يكن من يتولى الوقف من جيران الواقف وقرابته إلا برزق ويقبل واحد من غيرهم بلا رزق فللقاضي أن ينظر الأصلح للوقف" (١).
٤ - وكيل الناظر:
جاء في تنقيح الفتاوى الحامدية من كتب الحنفية: "سئل فيما إذا وكل ناظر وقف زيدًا يتعاطى عنه أمور الوقف ولم يشرط له أجرة على ذلك وتعاطى زيد ذلك مدة فهل ليس له أجرة على ذلك؟ الجواب: نعم، ولا أجر للوكيل إلا بالشرط" (٢).
سابعًا: تقدير أجرة المثل للناظر:
إن لم يقدِّر الواقف أجرة للناظر، فعند الحنفية أن القاضي يقدر له أجرة المثل؛ قال ابن نجيم في البحر الرائق: "إن كان منصوب القاضي فله أجر مثله ... وفي فتح القدير بعد نقله: فهذا عندنا فيمن لم يشترط له الواقف، أما إذا شرط كان من جملة الموقوف عليهم ا. هـ" (٣).
ولا يجوز عند الحنفية أن يفرض القاضي للناظر أكثر من أجرة المثل؛ قال ابن عابدين: "الصواب أن المراد من العشر: أجر المثل، حَتَّى لو زاد على أجر مثله رد الزائد كما هو مقرر معلوم، وفي إجابة السائل ومعنى قول القاضي للقيِّم عشر غلَّة الوقف: أي التي هي أجر مثله، لا ما توهمه أرباب الأغراض الفاسدة" (٤).
وجاء في فقه الشافعية أنه إذا لم يسمِّ الواقف للناظر شيئًا من الأجرة، فقياس المذهب إن كان مشهورًا بأخذ أجرة المثل على عمله، فله أجرة مثل عمله (٥).
стр. 1012
ثامنًا: صور ضوابط تقدير أجرة المثل للناظر:
عرَّف الفقهاء أجرة المثل بأنها: "الأجرة التي قدَّرتها أهل الخبرة السالمين عن الغرض" (١)؛ ولا بدَّ للقاضي أن يجتهد في مقدار أجرة المثل في كل واقعة بحسبها؛ لوجود عوامل عدة تؤثر في مقدار هذه الأجرة، كاختلاف الزمان والمكان والعملة، ولذا فلا يمكن تحديد أجرة الناظر بنسبة ثابتة دائمًا كالعشر مثلًا، ويمكن أن يتحقَّق القاضي من مقدار الأجرة عن طريق الاستعانة بأهل الخبرة.
وذكر صاحب درر الحكام صورًا أربع يمكن من خلالها تعيين أجرة المثل؛ وهي (٢):
الصورة الأولى: تعيينه بتقدير أرباب الخبرة الخالين عن الغرض:
وكيفية ذلك أن ينتخب اثنان، مثلًا: من أهل الخبرة الخالين عن الغرض فيقدران الأجرة التي يستحقها مثيل ذلك المال، أو ذلك الرجل في عمله مع المدة الذي استؤجر فيها.
ولما كانت إجارة المنفعة تزاد على الأعيان أيضًا ينبغي أن ينظر في تقدير أجر المثل إلى شيئين:
(١) إلى المنفعة المعادلة لمنفعة المأجور.
(٢) إلى زمان الإجارة ومكانها.
وكذلك يلزم إذا كانت الإجارة واردة على العمل أن ينظر إلى شيئين:
(١) إلى شخص مماثل للأجير في ذلك العمل.
(٢) إلى زمان الإجارة ومكانها؛ لأن الأجرة تختلف باختلاف الأعمال والأزمنة والأماكن.
ويعين أجر المثل من جنس الدراهم والدنانير لا من جنس الأجر المسمي ... هذا إذا اتفق أهل الخبرة على مقدار أجر المثل، أما إذا اختلفوا وقدروا تقديرًا متفاوتًا فيؤخذ وسط ما قدروه، كما لو قدر بعضهم أجر المثل اثني عشر قرشًا، وبعضهم قدره عشرة، وبعضهم أحد عشر؛ فحق الأجير حينئذ أحد عشر.
стр. 1013
وهذا التقدير المبيَّن ليس من قبيل الشهادة الشرعية؛ فلا يشترط فيه ألفاظ الشهادة كما لا يشترط عند الشيخين نصابها، أما مُحَمَّد فقد اشترط نصاب الشهادة في ذلك وليس في هذه المادة إشارة إلى اختيار أحد المذهبين.
الصورة الثانية: تعيينه بإقرار المدعى عليه:
وهذا ظاهر كما لو ادعى المدعي أن أجر المثل عشرة دنانير مثلًا وصدَّقه المدعى عليه في ذلك.
الصورة الثالثة: تعيينه بالشهادة الشرعية:
وذلك كما لو اختلف الطرفان على مقدار أجر المثل فادعى الأجير أنه ديناران وادعى المستأجر أن لا يتجاوز الدينار ولا يكتفي هنا في إخبار أهل الخبرة بغير الشهادة؛ لأن إخبارهم هذا شهادة فيجب مراعاة سائر شروط الشهادة فيه التي منها التلفظ بالشهادة.
فإذا أقام كلا الطرفين شهودا على مقدار ما ادعاه من أجر المثل، رجحت بينة مدعي الزيادة.
الصورة الرابعة: تعيينه باليمين:
وذلك فيما إذا لم يتمكن صاحب المال من إقامة بينة الشهادة على ما يدعيه لما له من مقدار أجر المثل فيتوجه اليمين حينئذ على المستأجر على عدم الزيادة؛ مثال ذلك: أن يدعي صاحب المال أن أجر المثل لماله مائة قرش، ويقول المستأجر: إنّه خمسون قرشًا، ويعجز رب المال عن إقامته البينة على دعواه، فيتوجه اليمين على المستأجر أن أجر المثل لا يجتاز الخمسين قرشًا التي ادعى أنها أجر المثل.
ولو طلب بعض الناس حينئذ استئجار المال المذكور بخمسمائة قرش؛ فلا يعتبر ذلك أجر مثل للمال المذكور؛ لأن ذلك المبلغ إنما هو أجر مسمى، والأجر المسمى كما يكون زائدًا عن أجر المثل يكون ناقصًا.
стр. 1014
ومن الضوابط التي تُراعى في أجرة المثل أيضًا (١):
أ - النظر إلى شخص مماثل للناظر في الإدارة والكفاءة.
ب - النظر إلى زمان الإجارة ومكانها وظروفها وملابساتها.
ج - النظر إلى قيمة النقود وما طرأ عليها من تغيير.
د - الاستعانة بلجنة من أهل الخبرة بحيث لا تقل عن اثنين عدلين.
وجاء ضمن قرارات منتدى قضايا الوقف الفقهية الأول: "تحدَّد ضوابط أجرة المثل في وظيفة الناظر في ضوء تأهيله العلمي والعملي، وطبيعة العمل، وظروف الزمان والمكان، والعرف" (٢).
تاسعًا: أجرة أعوان ناظر الوقف:
كل من يعمل لمصلحة الوقف بإذن ناظر الوقف يستحق أجره وإنما يستعين ناظر الوقف على استثمار أو متابعة أو رعاية الوقف بمن يحتاجهم لذلك شيئًا لاختصاصهم وحاجة الوقف إلى أعمالهم.
قال في الإسعاف من كتب الحنفية: "ويجوز له أن يستأجر أجراء لما يحتاج إليه الوقف من العمارة، وليس له حد معين، وإنما هو على ما تعارفه الناس من الجعل عند عقدة الوقف ليقوم بمصالحه، إذ لا يعني استحقاق ناظر الوقف أجرة أن يعمل بنفسه، فقد يحتاج إلى أعوان يبذل لهم المال، سواء أكانوا عمالًا أو مستشارين، فقد تدعو حاجة الوقف إلى رأي المكاتب الاستشارية: هندسية أو غيرها أو تدعو الحاجة إلى إنشاء مصنع، أو شركة لها مجلس إدارة يرأسه الناظر، أو من ينيبه ويعينه رؤساء أقسام تحتهم عمال، فكل هؤلاء مستحقون أجرة مقابل أعمالهم؛ لأنها من حاجة الوقف ولمصلحته، ولا عبرة بكثرة الأعوان إنما العبرة بمقدار الحاجة إليهم" (٣).
стр. 1015
لا خلاف بين الفقهاء في جواز استعانة الناظر بأعوان على أعمال الوقف وإدارة شؤونه، ولهم في ذلك آراء نفصِّلها فيما يأتي:
أ) عند الحنفية:
نصَّ فقهاء المذهب الحنفي على مشروعية تنصيب الناظر لأعوان وأجراء له يقومون على رعاية الوقف وإدارة شؤونه، كما نصُّوا على استحقاق أولئك الأعوان للأجرة، وأن مرجع تقديرها إلى ما تعارفه الناس، وفيما يأتي بعض أقوالهم:
١ - قال الخصاف: "لوالي الوقف أن يستأجر الأجراء لما يحتاج إليه من العمارة وهذا شيء قد كُفينا مؤونة الاحتجاج له؛ لأن عمل الناس عليه، قلت: وهل يحدُّ القيام الذي يستحق به هذا الرجل ما جعل له الواقف من غلَّة هذه الصدقة؟ قال: ليس عندنا في هذا شيء محدود، وإنما ذلك على ما يتعارفه الناس من القيام بعمارة ما وقعت عليه عقدة هذه الصدقة واستغلال ذلك وبيع غلاته وتفرقة ما يجتمع من غلاته في الوجوه التي سبلها فيها، قلت: أرأيت إن لم يباشر الرجل هذا بنفسه؟ قال: إنما يكلف من هذا ما يجوز أن يفعله مثله، ولا ينبغي له أن يقصر عن ذلك، وأما ما كان يفعله الوكلاء والأجراء فليس ذلك عليه، ألا ترى أنه لو جعل القيام بذلك إلى امرأة من أهله أو من بيته، وجعل لقيامها بذلك مالًا سماه لها في كل سنة؛ هل تكلف المرأة من القيام إلا مثل ما يفعله النساء؟ قال: ليس عليها من ذلك إلا ما يتعارفه الناس في هذا الأمر، ألا ترى أن الرجل يكون له الضياع فلا يباشرها بنفسه ولا يشاهدها، وإنما يقوم بأمرها كفاته، فكذلك حال القيم بأمر هذه الصدقة فيما يتولاه من ذلك (١).
٢ - وقال برهان الدين الطرابلسي الحنفي: "فصل فيما يجعل للمتولي من غلَّة الوقف: يجوز أن يجعل الواقف للمتولي على وقفه في كل سنة مالًا معلومًا لقيامه بأمره،
стр. 1016
والأصل في ذلك ما فعله عمر بن الخطاب ﵁؛ حيث قال: "لوالي هذه الصدقة أن يأكل منها غير متأثل مالًا"، وما فعله على بن أبي طالب ﵁؛ حيث جعل نفقة العبيد الذين وقفهم مع صدقته ليقوموا بعمارتها من الغلَّة، وهو بمنزلة الأجير في الوقف، ألا ترى أنه يجوز له أن يستأجر أجراء لما يحتاج إليه الوقف من العمارة، وعليه عمل الناس، وليس له حد معين، وإنما هو على ما تعارفه الناس من الجعل عند عقده الوقف؛ ليقوم بمصالحه من عمارة واستغلال وبيع غلات وصرف ما اجتمع عنده فيما شرطه الواقف، ولا يكلف من العمل بنفسه إلا مثل ما يفعله أمثاله، ولا ينبغي له أن يقصر عنه وأما ما تفعله الأجراء والوكلاء فليس ذلك بواجب عليه، حتى لو جعل الولاية إلى امرأة وجعل لها أجرا معلوما، لا تكلف إلا مثل ما تفعله النساء عرفًا" (١).
٣ - وفي الفتاوى الهندية: "إذا جعل الواقف للقائم بأمر الوقف مالًا معلومًا كل سنة للقيام بأمر الوقف جاز، ويكلف القائم ما يفعله مثله وجاءت العادة به؛ من عمارة الوقف واستغلاله ورفع غلاته وتفريقها في وجوه الوقف، كذا في الحاوي، ولا ينبغي أن يقصر في ذلك، وأما ما كان يفعله الوكلاء أو الأجراء فليس له ذلك، كذا في المحيط، حتى ولو جعل الولاية إلى امرأة وجعل لها أجرًا معلومًا، لا تكلف إلا مثل ما تفعله النساء عرفًا، ولو نازع أهل الوقف القيم وقالوا للحاكم: إن الواقف إنما جعل هذا في مقابلة العمل، ولا يعمل شيئًا لا يكلفه الحاكم من العمل ما لا تفعله الولاة، كذا في البحر الرائق، وإن حدث للمتولي آفة؛ مثل: الجنون أو العمى أو الخرس .. فإن أمكنه مع ذلك الأمر والنهي؛ فالأجر قائم، وإن لم يمكنه ذلك لم يكن له من الأجر شيء، فإن طعن في الوالي طاعن لم يخرجه القاضي من الولاية إلا بخيانة ظاهرة، فإن أخرجه قطع عنه الأجر الذي جعل له الواقف لقيامه، وإن صلح من أخرجه القاضي رد عليه ولاية الوقف، كذا في الحاوي، وإن رأى أن يدخل آخر ويكون بعض هذا المال فلا بأس بذلك، وإن كان هذا المال الذي سمى قليلًا ضيقًا فرأى الحاكم أن يجعل للرجل الذي أدخل معه رزقًا من غلَّة الوقف؛ فلا بأس
стр. 1017
بذلك، فإن كان الواقف جعل له للقيام بأمر هذا الوقف مالًا معلومًا في كل سنة، وكان المال الذي سماه الواقف لهذا الرجل أكثر من أجر مثله على القيام به؛ فهو جائز، ولا يُنظر في هذا إلى أجر مثله، وللناظر أن يوكل من يقوم بما كان إليه من أمر الوقف ويجعل له من جعله شيئًا وأن يستبدله به كذا في فتح القدير وإذا جعل الواقف لقيم بأمر الوقف مالا فنصب القيم قيما وجعل ذلك المال له لم يجز ذلك إلا أن يكون الواقف جعل ذلك إليه كذا في الحاوي" (١).
ب) وعند المالكية:
إذا شرط الواقف أو شهد العرف أن من اشتغل في المدرسة شهرًا فله دينار، فاشتغل أقلَّ من ذلك ولو بيوم؛ فلا شيء له (٢).
ج) وعند الشافعية:
أجرة أعوان ناظر الوقف عند الشافعية على الواقف بعيدًا عن أجرة الناظر إن كان قد شرط للناظر أجرة المثل، أما إن كان الواقف قد شرط للناظر زيادة عن أجرة المثل؛ فإن أجرة أعوان الناظر تشمل أجرته وأعوانه، حتى ينزل إلى أجرة المثل، إلا أن يكون الواقف قد شرطها له خالصًا (٣).
د) وعند الحنابلة:
إذا حدَّد الواقف أجرة لأعوان الناظر عمل بشرطه، فإن لم يحدد الواقف أجرة لأعوان الناظر، حدد الناظر لهم أجرتهم، فإن لم يحدد الناظر أجرتهم، حددها الحاكم أو القاضي، وليس للناظر زيادة الأجرة بخلاف الحاكم، قال الحارثي: وإن شرط الواقف في الصرف نصب الناظر للمستحق؛ كالمدرس، والمعيد، والمتفقهة؛ أي: الطلبة بالمدرسة مثلًا .. فلا إشكال في توقف الاستحقاق على نصب الناظر له (أي:
стр. 1018
المدرس ونحوه)؛ عملًا بالشرط، ولو وقف لمدرس وفقهاء، فللناظر ثم الحاكم تقدير أعطيتهم، فلو زاد النماء فهو لهم، وليس تقدير الناظر أمرًا حتمًا كتقدير الحاكم، بحيث لا يجوز له أو لغيره زيادته ونقصه لمصلحة (١).
ويستحق العامل ما جعل له إن كان الجعل معلومًا، فإن قصر العامل، فترك بعض العمل لم يستحق ما قابل بعض العمل المتروك، وإن كان العمل قد وجد مع جناية العامل استحق العامل الجعل لوجد العمل ولا يستحق الزيادة على الجعل (٢).
هـ) وعند الإباضية:
جاء في شرح النيل: " (وجوِّز له بيع أصله وشراء عبد) أو أمة (أو جمل) أو غيره (لخدمته)؛ أي خدمة الأصل أو المنفعة اليتيم كحمل مال، وجاز فسل أرضه وحرثها وقطع الفسيل من نخله وبيعه وإعطاء الأجرة من ماله لكل من يخدمه أو يخدم ماله، كتذكير نخل وصرمه وقطع ثمره وحمله ودوس درعه، فإن كان الأصلح لليتيم أن تحرث أرضه له ويعطي أجر الحارث ذهبًا أو فضة أو جزءًا من ثمارها فليفعل، وإن كان الأصلح له أن يعطيها لمن يحرثها لنفسه ويعطي لليتيم أجرة أرضه ذهبا أو فضة أو غيرهم فعل ... والحاصل أن مال اليتيم والغائب والمجنون والمسجد ومال الوقف والزكاة والأمانة الوديعة عمله فيما يصلح له" (٣).
وجاء ضمن قرارات منتدى قضايا الوقف الفقهية الأول: "يُستعان بشؤون الوقف المختلفة بالمسلمين الأكفاء، ولا يستعان بغير المسلمين إلا عند الضرورة" (٤).
مسألة: مورد أجر أعوان ناظر الوقف:
أعوان النظار الذين يدخلهم الحاكم مع الناظر، إما أن يصرف أجورهم من حصة الناظر الأصلي، وإما أن يصرف له من ريع الوقف إن كان معلوم الناظر الأصلي لا يكفي، وينبغي الاقتصاد وعدم الإسراف في صرف الأجور، حفاظا على أموال الوقف.
стр. 1019
قال الطرابلسي: "وإن رأى (يعني الحاكم) أن يدخل معه (يعني الناظر) رجلًا آخر فعل، ومعلومه باقٍ له، وإن رأى أن يجعل لمن أدخله معه حصة من معلومه فلا بأس، وإن رآه ضيقًا فجعل لمن أدخله من غلَّة الوقف قدرًا معيَّنًا جاز، وينبغي له أن يقتصد فيما يجعل له من الغلَّة" (١).
عاشرًا: ضابط الأعمال الداخلة في اختصاص الناظر على الوقف:
يطالب ناظر الوقف بكل ما فيه المصلحة للوقف من حيث إدارته ونماؤه، وهذا ما ذهب إليه المالكية الشافعية والحنابلة.
فقال خليل من المالكية: "واتبع شرطه إن جاز كتخصيص مذهب أو ناظر أو تبدئة فلان بكذا وإن من غلَّة ثاني عام أو إن لم يقل من غلَّة كل عام أو أن من احتاج من المحبس عليه باع أو إن تسور عليه قاض أو غيره رجع له أو لوارثه: كعلى ولدي ولا ولد له لا بشرط إصلاحه على مستحقه: كأرض موظفة إلا من غلتها على الأصح أو عدم بدء بإصلاحه أو بنفقته وأخرج الساكن الموقوف عليه للسكني إن لم يصلح لتكري له، وأنفق في فرس لكغزو من بيت المال، فإن عدم: بيع وعوض به سلاح، كما لو كلب وبيع: ما لا ينتفع به من غير عقار في مثله أو شقصه كأن أتلف وفضل الذكور وما كبر من الإناث في إناث لا عقار وإن خرب ونقض ولو بغير خرب إلا لتوسيع كمسجد ولو جبرًا وأمروا بجعل ثمنه لغيره" (٢).
وقال النووي الشافعي: "وظيفة المتولي العمارة والإجارة وتحصيل الغلَّة وقسمتها على المستحقين، وحفظ الأصول والغلات على الاحتياط، هذا عند الإطلاق، ويجوز أن ينصب الواقف متوليًا لبعض الأمور دون بعض" (٣).
وذكر الحنفية ضابط الأعمال الداخلة في اختصاص الناظر على الوقف ونصَّوا على أنَّ ناظر الوقف يطالب بكل ما تعارف عليه الناس وجرت به العادة مما يقوم به النظَّار مما فيه المصلحة للوقف، فليس فيه شيء محدود.
стр. 1020
ومن أقوالهم في ذلك:
١ - قال الخصاف: "قلت: وهل يحد القيام الذي يستحق به هذا الرجل ما جعل له الواقف من غلَّة هذه الصدقة؟ قال: ليس عندنا في هذا شيء محدود، وإنما ذلك على ما يتعارفه الناس من القيام بعمارة ما وقعت عليه عقدة هذه الصدقة واستغلال ذلك وبيع غلاته وتفرقة ما يجتمع من غلاته في الوجوه التي سبلها فيها" (١).
٢ - وقال أبو المعالي برهان الدين بن مَازَةَ الحنفي: "رجل وقف وقفًا صحيحًا وجعل ولايتها إلى رجل وجعل إليه القيام بأمرها في حال حياته، وبعد وفاته ... فما الذي يجب على هذا الرجل القيم من العمل؟ قال: ليس ذلك على ما يتعارفه الناس من القيام عمارة الضيعة واستغلال ذلك وبيع غلاته وينفق ما يجتمع من غلاته في الوجوه التي سبلها فيه" (٢).
٣ - وقال في دور الحكام شرح مجلة الأحكام (المادة ٥٨): " (التصرُّف على الرعية منوط بالمصلحة)، هذه القاعدة مأخوذة من قاعدة: (تصرُّف القاضي فيما له فعله من أموال الناس والأوقاف مقيَّد بالمصلحة)؛ أي أن تصرف الراعي في أمور الرعية يجب أن يكون مبنيًّا على المصلحة، وما لم يكن كذلك لا يكون صحيحًا" (٣).
وعند الحنابلة: أن وظيفة الناظر حفظ الوقف وعمارته وإيجاره وزرعه ومخاصمة فيه وتحصيل ريعه من أجرة أو زرع أو ثمر والاجتهاد في تنميته وصرفه في جهاته من عمارة وإصلاح وإعطاء مستحق ونحوه وله وضع يده عليه والتقرير في وظائفه (٤).
ولا شك أن هناك مقتضيات معاصرة وأساليب ووسائل حديثه وهي اليوم من مستلزمات عمل الناظر في الحفاظ على الوقف ونمائه فلا بدَّ من اهتمام الناظر