← Общие книги

Общие книги · id 30911

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضوء الكتاب والسنة

سليمان الحقيل

Полный текст (162 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عجز المسلم عن الإنكار بإحدى الدرجات السابقة كان عليه أن ينكر المنكر بقلبه بحيث يعلم الله منه أنه كاره لما رأى من المنكر، غير أنه لا يكتفي منه بمجرد الكره بالقلب، وإنما ينبغي أن يصحب ذلك مقاطعة أهل المنكر إذا يئس من الإصلاح واجتناب مجالسهم التي يقترفون فيها الإثم؛ لأن هذا من ثمرات الكره الذي يطوي عليه قلبه للمنكر وإلا فليس كارها للمنكر ولا منكرا له بقلبه، من يشارك أهل المنكر فيؤاكلهم ويشاربهم ويجالسهم، ومجالسهم لا تخلوا من معصية الله (١) وقد قال رسول الله ﷺ : " لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم وآكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون " (٢) . مما سبق من استعراض الدرجات التنفيذية لإنكار المنكر وإزالته نستطيع أن نقسم هذه الدرجات التي ذكرها العلماء إلى قسمين: أحدهما إنكار المنكر وإزالته وتغييره بالوعظ والنصح والإرشاد، والآخر إزالة المنكر وتغييره بالقوة على هذا الترتيب، أي يحاول إزالة المنكر وتغييره بالوعظ والنصح والتلطف أولا، فإن لم يفلح جهده فعليه أن يصلح بالقوة، ولا يجوز النوع الثاني ما لم يتثبت من عدم تأثير الأول،

стр. 107

ويبدو - والله أعلم - أن درجات تغيير المنكر المذكورة في الحديث «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (١) يبدو أن الترتيب في هذا الحديث الشريف لدرجات تغيير المنكر من حيث القوة، لا من حيث الدعوة، فأقوى وسائل تغيير المنكر اليد ثم اللسان ثم القلب، ولا يعني هنا بحال أن نبدأ التغيير والإصلاح بالقوة (٢) . ومما يؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] (٣) ففي هذه الآية الكريمة أمر الله المسلمين إذا اختلفت طائفتان منهم لأمر ما بأن يصلحوا بينهما بالحق، ولكن إذا أبت إحداهما الخضوع للحق قوتلت لحماية المظلوم، فأمر الله سبحانه بالسعي للإصلاح أولا ثم القتال إذا لم يتحقق الصلح، ولذلك ذكر العلماء أن استخدام القوة لا يجوز ما دام الإصلاح بالوعظ والنصح مأمولا. يقول العلامة أبو بكر الجصاص في هذا المعنى: " أمر الله بالدعاء إلى الحق قبل القتال، ثم إن أبت الرجوع قوتلت " (٤) .

стр. 108

ويقول الزمخشري: " يبتدئ بالسهل، فإن لم ينفع ترقى إلى الصعب " (١) . ويقول ابن العربي المالكي: " إن الله سبحانه أمر بالصلح قبل القتال، وعين القتال عند البغي " (٢) . ويقول القرطبي: " فالمنكر إذا أمكن إزالته باللسان للناهي فليفعل، وإن لم يكن إلا بالعقوبة. . . فليفعل " (٣) .

стр. 109

[هل يحق للعامة استعمال القوة لتغيير المنكر] هل يحق للعامة استعمال القوة لتغيير المنكر؟ يتبين مما ذكرناه عن درجات تغيير المنكر أن تغيير المنكر باللسان متقدم على التغيير بالقوة، ولا شك أن كل مسلم يجب عليه بحكم الشريعة أن يذكر بالمعروف ويأمر به ويحذر عن المنكر وينهى عنه. أما استخدام القوة في ذلك، وهل أجازته الشريعة الإسلامية لكل فرد أو إنما هو على الحكام وأولي الأمر فحسب؟ (١) نجد أن العلماء قد أسهبوا الكلام في ذلك وأطنبوا ولا يتسع المقام لاستعراض ما قالوا، ونكتفي هنا برأي الإمام القرطبي حيث يقول: " قال العلماء: الأمر بالمعروف باليد على الأمراء، وباللسان على العلماء، وبالقلب على الضعفاء ويعني عوام الناس " (٢) . ما ذكره القرطبي عن العلماء في هذه العبارة يقرر أصلا عاما، ومعناه أن الولاية بما أنها صاحبة سلطة وقوة، يجب عليها إقامة المعروف

стр. 110

وإزالة المنكر بالقوة، كذلك العلماء يستطيعون أداء واجب التبليغ والإصلاح والإرشاد، عليهم أن يحضوا الناس على فعل المعروف ويشرحوا لهم شناعة وخطورة وعاقبة المنكر، أما الذين لا يستطيعون ذلك أيضا فليس عليهم إلا أن يحبوا المعروف ويكرهوا المنكر بقلوبهم، ويجب أن لا يفهم من قول العلماء الذي حكاه القرطبي أن يرى أحد معصية تقترف، وليس بيده الحكم والسلطان، فيسكت عليها كل السكوت، ولا يبذل ما يسمعه من الجهد لإزالتها؛ لأن الإسلام يطلب من كل من رأى منكرا أن يغيره بالقول اللين، ولكن إذا لم ينجح في ذلك واستطاع إزالته بالقوة أزاله بالقوة (١) . والذي نراه فيما يتعلق بهذه المسألة - والله أعلم - أن ينظر إلى موقف الحكومة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع الذي يوجد فيه هؤلاء العامة، فإذا كانت الحكومة قائمة بواجبها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكل أمانة وصدق وإخلاص، ويوجد في المجتمع هيئات مؤهلة للقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي لا تأخذها في الحق لومة لائم، ولدى هذه الهيئات الإمكانات والقدرة والصلاحيات من ولي الأمر لتغيير المنكر وإزالته، ولديها بالإضافة إلى ذلك الوقت الكافي للوصول إلى مكان ارتكاب المنكر قبل الانتهاء من فعله، فإنه لا ينبغي في

стр. 111

هذه الحالة أن يستخدم العامة وسيلة القوة لإزالة المنكر، عليهم أن يتصلوا بالهيئة المحتسبة ويخبرونها بمكان المنكر لتأتي هذه الهيئة وتزيله بقوة السلطان؛ لأنه يخشى من استعمال العامة للقوة في إزالة المنكر من حدوث الفتن والفوضى والاضطراب، فتؤدي وسيلة إنكار المنكر هذه إلى منكر أعظم بكثير من المنكر المقترف، فقد ينضم إلى هؤلاء العامة الذين استخدموا القوة لإزالة المنكر بنية صادقة ابتغاء مرضاة الله، قد ينضم إليهم ناس أصحاب أهداف شريرة ليس هدفهم إزالة المنكر بل الإساءة إلى سمعة من عملوا بصدق على إزالته، كما قد يكون من أهدافهم تعكير الأمن والاستقرار في البلاد. . . .

стр. 112

[الفصل الرابع الصفات والآداب التي ينبغي أن يتحلى بها الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر] [أولا أن يكون رقيقا لطيفا رحيما بمن يأمره وينهاه] أولا: أن يكون رقيقا لطيفا رحيما بمن يأمره وينهاه. ثانيا: الإخلاص. ثالثا: الصبر. رابعا: التواضع. خامسا: معرفة متى ينبغي أن يكون الأمر بالمعروف سرا، ومتى ينبغي أن يكون جهرا. سادسا: التحقق والتثبت من المنكر. سابعا: معرفة أحوال وظروف من يأمرهم أو ينهاهم. ثامنا: القدوة. تاسعا: كسر الحواجز بين الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر وبين الناس. عاشرا: اتساع الصدر لقبول الخلاف فيما يجوز الخلاف فيه. - ملحق برسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن كيفية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 113

الصفات والآداب التي لا بد من توافرها في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الأعمال الصالحة التي يقوم بها المسلم، فهو باب من أبواب الجهاد، وهو قيام بأمانات الله وحفظ لحرمات المسلمين، ولذا يشترط في القائم به شروط، وينبغي له آداب، وقد تحدثنا عن شروط وجوبه، وهنا نذكر جملة من الصفات والآداب التي ينبغي أن يتحلى بها الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، حتى يكون لعمله قبول وأثر محمود. وفيما يلي أهم هذه الصفات والآداب: أولا: أن يكون رقيقا لطيفا بمن يأمره وبمن ينهاه من الصفات الكريمة والآداب الحميدة التي يجب أن يتحلى بها من يتصدى لدعوة الناس إلى الخير ونهيهم عن الشر: لين الجانب وحسن الخلق؛ ليكون التأثير أبلغ والاستجابة أقوى، وهذه الصفة من اللطف والرفق واللين هي من أميز ما يجب أن يظهر به الداعية في طريق الإصلاح والتبليغ والدعوة إلى الله، فقد قال رسول الله ﷺ : «ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا كان العنف في شيء إلا شانه» (١) .

стр. 114

وقال ﷺ أيضا: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف» (١) وقال سفيان الثوري ﵀: " لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فيه خصال ثلاث: رفيق بما يأمر رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر عدل بما ينهى، عالم بما يأمر عالم بما ينهى (٢) . وقال أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى -: " الناس يحتاجون إلى مداراة ورفق في الأمر بالمعروف بلا غلظة، إلا رجلا مباينا معلنا بالفسق، فيجب عليه نهيه وإعلانه؛ لأنه يقال: ليس لفاسق حرمة، فهذا لا حرمة له "، وقال أيضا: " كان أصحاب ابن مسعود إذا مروا بقوم يرون منهم ما يكرهون يقولون مهلا يرحمكم الله " (٣) . ومن الرفق أن يراعي القائم بهذه الفريضة حرمة الناس ومشاعرهم فلا يفضحهم، وإنما يأمرهم وينهاهم بالرفق واللين وبدون تشهير بهم، قال الإمام الشافعي: " من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه " (٤) .

стр. 115

إلا أنه يستثنى من ذلك من اختاروا فضح أنفسهم فجاهروا بمعاصيهم، فهؤلاء لا بأس من أمرهم ونهيهم سرا وعلانية (١) . إن الرفق واللطف واللين في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له فوائد عظيمة في كسب الأنصار والمؤيدين وبالتالي انطلاق الدعوة إلى الخير والالتفاف حولها، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٢) . وقد ورد في تفسير هذه الآية قول لعبد الله بن عمر جاء فيه: " إني أرى صفة الرسول ﷺ في الكتب المتقدمة، إنه ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ". وفي السيرة النبوية أمثلة عديدة لأسلوب الرفق واللطف الذي اتخذه النبي ﷺ لتبليغ أمر ربه والدعوة إليه، وفيما يلي نذكر بعضا من هذه الأمثلة: ١ - روى الإمام البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: «بال أعرابي في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه، فقال النبي ﷺ : دعوه وأريقوا على بوله سجلا (دلوا) من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا

стр. 116

معسرين» . أمر النبي ﷺ أصحابه بترك هذا الأعرابي الجاهل حتى ينتهي من بوله، فلما انتهي أمر أن يراق على بوله ذنوبا من ماء فزالت المفسدة. ثم دعا الرسول ﷺ ، الأعرابي فقال: «إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى أو القذر إنما هي للصلاة وقراءة القرآن» أو كما قال ﵊، فانشرح صدر الأعرابي لهذه المعاملة الحسنة، ولهذا رأيت بعض العلماء نقل أن هذا الأعرابي قال: اللهم ارحمني ومحمدا، ولا ترحم معنا أحدا؛ لأن محمدا عامله هذه المعاملة الطيبة، أما الصحابة - رضوان الله عليهم - فسعوا في إزالة المنكر من غير تقدير لحال هذا الرجل الجاهل " (١) . ٢ - روى أبو أمامة «أن غلاما شابا أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله أتأذن لي في الزنا؟ فصاح الناس به، فقال النبي ﷺ : ادن، فدنا حتى جلس بين يديه، فقال النبي ﷺ : أتحبه لأمك؟ قال: لا، جعلني الله فداك. قال: كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم. . أتحبه لابنتك؟ قال: لا، جعلني الله فداك. قال: كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم، أتحبه لأختك؟ - وزاد ابن عوف: إنه ذكر العمة والخالة وهو يقول في كل واحدة - لا، جعلني الله فداك. فوضع رسول الله ﷺ ، يده على صدره وقال: اللهم طهر قلبه واغفر ذنبه وحصن فرجه فلم يكن شيء أبغض إليه منه، يعني الزنا» .

стр. 117

فانظر يا أخي الداعية إلى الله الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر كيف عالج النبي ﷺ هذا الداء برحمة ولين ورفق، ما عنفه النبي ﷺ ، وما حمل عليه بقسوة، بل جعل يخاطب عقله، ويقوي في نفسه روح الخير، ويضعف في نفسه نار الشهوة. . . ٣ - روى الإمام مسلم أن معاوية بن الحكم السلمي حدث يوما فقال: «بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه. . . . . ما شأنكم تنظرون إلى؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني سكت، فلما صلى، ﵊، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله ما كرهني ولا ضربني ولا شتمني. . . وإنما قال: إن هذه الصلاة لا يصح فيهما شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال ﷺ » (١) . فانظر أخي الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر كيف أن الدعوة المحببة إلى النفوس يقبلها الإنسان وينشرح لها صدره. ٤ - «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله هلكت: قال " ما أهلكك؟ "، قال: وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائم، فأمره النبي ﷺ أن يعتق رقبة، فقال: لا أجد، ثم أمره أن يصوم شهرين متتابعين، قال: لا أستطيع، ثم أمره أن يطعم ستين مسكينا، قال: لا

стр. 118

أستطيع، فجلس الرجل فأتي النبي ﷺ بتمر فقال: خذ هذا فتصدق به، ولكن الرجل طمع في كرم النبي ﷺ ، الذي هو أعظم كرم لمخلوق، فإن رسول الله ﷺ أكرم الناس، فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله، والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه أو نواجذه؛ لأن هذا الرجل جاء خائفا يقول (هلكت) فذهب غانما، فقال النبي ﷺ : " أطعمه أهلك " فذهب الرجل مطمئنا غانما فرحا بهذا الدين الإسلامي، وبهذا اليسر من الداعية الأول لهذا الدين الإسلامي صلوات الله وسلامه عليه» (١) . ٥ - «رأى النبي ﷺ ، رجلا في يده خاتم ذهب فنزعه النبي ﷺ ، بيده الكريمة وطرحه في الأرض وقال: يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده» . فالنبي ﷺ لم يعامله معاملة الأولين بل نزعه من يده وطرحه في الأرض، فلما انصرف النبي ﷺ ، قيل له: خذ خاتمك انتفع به، فقال: والله لا أخذ خاتما طرحه النبي ﷺ الله أكبر هذا الامتثال العظيم من الصحابة ﵃ دلالة كل ما سبق أنه يجب على الداعية الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يدعو إلى الله بالحكمة والرفق واللين، فليس الجاهل كالعالم، وليس المعاند كالمستسلم، فلكل مقام مقال ولكل منزلة حال (٢) .

стр. 119

هذه نماذج من سيرة رسول الله ﷺ ، تبين لنا كيف كان ﷺ يأمر وينهى بالرفق واللين واللطف. . . فليكن لنا أسوة وقدوة حسنة في رسول الله ﷺ ، نتعلم منه كيف نأخذ بأيدي العصاة إلى طاعة الله. إن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، وقد تدفعها القسوة والشدة أحيانا إلى المكابرة والإصرار والنفور فتأخذها العزة بالإثم، ولا يقصد بالرفق واللين واللطف في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المداهنة والرياء والنفاق (١) وإنما يقصد بها بذل النصح وإسداء المعروف بأسلوب دمث مؤثر يفتح القلوب ويشرح الصدور، وبخاصة إذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجها (لجماعة المسلمين) فإنه لا ينبغي بحال مخاطبتهم بالتوبيخ والتقريع والعنف ما دام ينفع النصح والوعظ والإرشاد، وقد أوضحنا هذا المعنى عند الحديث عن الدرجات التنفيذية لتغيير المنكر وإزالته. إن الداعية الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الناجح، يستهوي القلوب بلطفه ولينه ورقته وهدوئه وحبه للناس وتآلفه معهم، فالمؤمن بطبعه آلف ومألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، قال الرسول ﷺ : «ألا إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجالس يوم القيامة أحسنكم أخلاقا

стр. 120

الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون» (١) . ويقول سيد قطب ﵀ في حاجة الناس إلى الرفق والسماحة والحلم: " الناس في حاجة إلى كنف رحيم، وإلى رعاية فائقة، وإلى بشاشة سمحة، إلى ود يسعهم وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم. . في حاجة إلى قلب يعطيهم ولا يحتاج منهم إلى عطاء، ويحمل همومهم ولا يعنيهم بهمه، ويجدون عنده دائما الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة والود والرضا، وهكذا كان قلب رسول الله ﷺ ، وهكذا كانت حياته مع الناس ما غضب لنفسه قط، ولا ضاق صدره لضعفهم البشري " (٢) . فصاحب الوجه البشوش المتواضع وصاحب القلب الطيب الرفيق الرحيم ومالك الخلق الحسن يستطيع أن يؤثر بهذه الخلال في قلوب الناس ويؤثر في عواطفهم ويسير بهم نحو الإيمان والكمال، ولن يستطيع ذلك أصحاب الأموال والكنوز مهما كثرت (٣) فعواطف الناس وقلوبهم لا تشترى بالمال، وإنما يملكها من اتصف بالأخلاق الإسلامية الحميدة وهم الدعاة الصادقون والرعاة العادلون وغيرهم من عباد الله الذين زينهم الإيمان وجملتهم التقوى.

стр. 121

[ثانيا الإخلاص] ثانيا: الإخلاص الإخلاص من أهم الصفات اللازمة لنجاح الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، فالقيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يهدف إلى قصد عظيم وغاية سامية، وهي أن تعلو كلمة الله على الأرض ويظهر دينه ويعم نوره. . . فإذا علم ذلك فينبغي لمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن ينوي في ذلك وجه الله تعالى، ويجعل نيته خالصة له سبحانه، وأن يقصد بعمله هذا أن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الله هو المطاع في الأرض (١) وأن يحرر نفسه عند العزم على القيام بهذا العمل من أية نية أخرى ويجرد نيته من جميع حظوظه الشخصية (٢) . فإن الله ﵎ يقول فيما يخبر عنه الرسول ﵊ في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا بريء منه، وهو كله للذي أشرك» (٣) . ويتضح مما سبق أن الشخص الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إذا نوى بعمله في مجال الأمر بالمعروف أمورا شخصية كأن ينوي بروز شهرته بين الناس أو ينوي أن يظهر للناس أنه عالم أو ينوي الانتقام والتشفي من شخص معين لأنه يكرهه لسبب من الأسباب أو ينوي

стр. 122

التقليل من قدر شأن كريم محبوب عند الناس ليعلم الناس بفسقه. . . إذا عمل هذه الأشياء وأمثالها فإن عمله هذا رياء، ولا يكون من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تحدث العلماء قديما عن أهمية الإخلاص عند القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحذروا كل التحذير من الرياء، يقول ملا علي القاري في هذا الصدد (١) " من أهم شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون صاحبه مخلصا في فعله، طالبا إظهار دين الله وإعلاء كلمته وإطاعة أمره في بريته دون الرياء والسمعة والحمية لنفسه وطبيعته، فإنما ينصر ويزول به المنكر إذا كان صادقا في مقام الإخلاص ". قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] (٢) . ويقول نظام الدين النيسابوري في حديثه عن بعض حدود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: " كل ذلك إيمانا واحتسابا، ولا سمعة ولا رياء ولا بغرض من الأغراض النفسانية والجسمانية، وذلك أن هذه الدعوة منصب النبي والخلفاء الراشدين بعده " (٣) . ويقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في معرض حديثه عن بيان الأخلاق والصفات التي ينبغي للدعاة أن يتحلوا بها وأن يسيروا عليها، يقول:

стр. 123

" منها الإخلاص، فيجب على الداعية أن يكون مخلصا لله لا يريد رياء ولا سمعه ولا ثناء الناس ولا حمدهم، إنما يدعو إلى الله يريد وجهه (١) قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٨] (٢) وقال ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣] (٣) . هذا بعض ما قاله العلماء حول مكانة الإخلاص وخطورة الرياء وشره، فاحرص أخي الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر على أن يكون قصدك فيما تقوم به من عمل لأداء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجه الله وحده طالبا رضاه، راغبا في ثوابه خائفا من عقابه، وأن تتجرد كل التجرد من حب ثناء الناس أو طلب الجاه، أو ابتغاء الشهرة والظهور فإن حب الظهور كما قيل - يقصم الظهور. [ثالثا الصبر] ثالثا: الصبر الصبر من الصفات اللازمة لنجاح الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وهو فضيلة من الفضائل التي حث عليها القرآن الكريم في أكثر من آية حتى وردت مادة (ص. ب. ر) في القرآن الكريم في مائة وثلاثة مواضع. والصبر خصلة من خصال أولي العزم من الرسل، وإنه من عزم الأمور. قال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] (٤) وقال

стр. 124

تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ﴾ [الأحقاف: ٣٥] (١) وجزاء الصبر سلام وخير كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] (٢) وقال تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] (٣) وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤] (٤) . وقد أوضح العلماء ﵏ أهمية الصبر بالنسبة للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، يقول الإمام الرازي: " من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يؤذى فأمره بالصبر " (٥) . ويقول الإمام ابن تيمية: " أمر الله الرسل، وهم أئمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالصبر " (٦) . وأخرج الطبراني في الأوسط (٧) عن أبي جعفر الخطمي أن جده عمير بن حبيب بن حماسة، ﵁، وكان قد أدرك النبي ﷺ عند احتلامه أوصى لولده، فقال: " يا بني إياك ومجالسة السفهاء فإن مجالستهم داء، ومن يحلم عن السفيه يسر. . . ومن يحبه يندم. . .

стр. 125

وإذا أراد أحدكم أن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر فليوطن نفسه على الصبر على الأذى، ويثق بالثواب من الله تعالى، فإن من يثق بالثواب من الله لم يضره مس من الأذى ". إن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر رجل نصب نفسه لبيان الحق، والحق لا يرضي كل الناس، لذا فإنه يتعرض للأذى ممن لا يرضيهم الحق فيكون ذلك ابتلاء له وامتحانا، قال الله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ - وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣] (١) . فلا بد لمن يقوم بهذه الفريضة أن يكون حليما صبورا، فإنه إن لم يكن كذلك فربما يؤول أسلوبه إلى فساد أكثر من الإصلاح، ولذلك كانت وصية لقمان لابنه كما قال الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] (٢) فأوصاه بالصبر مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكذلك فإن الله أمر رسله وهم أئمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - كما يقول الإمام ابن تيمية - بالصبر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ - وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ - وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ - وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ - وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ - وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٧] (٣) فأمره

стр. 126

من بداية الطريق بالصبر على الإنذار الذي هو أمر بالمعروف الأكبر، ونهي عن المنكر الأكبر (١) وللمزيد من إلقاء الأضواء على أهمية الصبر بالنسبة إلى الداعية إلى الله الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أنقل نص ما قاله فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين في إحدى محاضراته عن موضوع الصبر نظرا للفائدة العظيمة لما تحدث عنه فضيلته، يقول جزاه الله خيرا (٢) " أن يكون الداعية صابرا على دعوته، صابرا على ما يدعو، إليه صابرا على ما يعترض دعوته، صابرا على ما يعترضه من الأذى. أن يكون صابرا على الدعوة أي مثابرا عليها لا يقطعها ولا يمل، بل يكون مستمرا في دعوته إلى الله بقدر المستطاع، وفي المجالات التي تكون الدعوة فيها أنفع وأولى وأبلغ. وليصبر على الدعوة ولا يمل فإن الإنسان إذا طرقه الملل استحسر وترك. ولكن إذا كان مثابرا على دعوته فإنه ينال أجر الصابرين من وجه، وتكون له العاقبة من وجه آخر. واستمع إلى قول الله مخاطبا نبيه ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] (٣) ولا بد أن يكون الإنسان صابرا على ما يعترض دعوته من معارضات ومجادلات لأن كل إنسان يقوم داعيا إلى الله عز

стр. 127

وجل لا بد أن يعارض: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١] (١) فكل دعوة حقة لا بد أن يقوم لها معارض لا بد أن يقوم لها ممانع ومجادل فيها ومشكك، ولكن يجب على الداعية أن يصبر على ما يعترض دعوته حتى لو وصفت تلك الدعوة بأنها خطأ أو أنها باطل، وهو يدرك أنها مقتضى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فليصبر على ذلك. ولكن هذا لا يعني أن الإنسان يصر على ما يقول وما يدعو إليه وإن تبين له الحق، فإن الذي يصر على ما يدعو إلية وإن تبين له الحق يشبه من قال الله فيهم: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: ٦] (٢) المجادلة في الحق بعد ما تبين صفة مذمومة. وقد قال الله فيمن اتصف بها: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] (٣) فما يعترض دعوتك، أيها الداعية، إن كان حقا فالواجب عليك الرجوع إليه، وإن كان باطلا فلا يثني عزمك عن المضي قدما في دعوتك. كذلك لا بد أن يكون الداعية صابرا على ما يعترضه هو من الأذى؛ لأن الداعية لا بد أن يؤذى إما بالقول وإما بالفعل، وها هم الرسل صلوات الله

стр. 128

وسلامه عليهم أوذوا بالقول وأوذوا بالفعل، اقرأ قول الله : ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] (١) ما رأيك فيمن يأتيه الوحي من ربه ويقال له في وجهه إنك ساحر أو مجنون؟ لا شك أنه يتأذى، ومع هذا فالرسل صبروا على ما أوذوا بالقول وعلى ما أوذوا بالفعل. انظر إلى أول الرسل نوح ﵊: كان قومه يمرون به وهو يصنع الفلك ويسخرون به فيقول لهم: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ - فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود: ٣٨ - ٣٩] (٢) ولم يقتصر الأمر بهم على السخرية به بل توعدوه بالقتل: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] (٣) أي من المقتولين رميا بالحجارة. هنا توعد بالقتل مع تهديد بأنا قد رجمنا غيرك إظهارا لعزتهم وأنهم قد رجموا آخرين وأنت منهم، ولكن هذا لم يثن نوحا ﵊ عن دعوته بل استمر حتى فتح الله بينه وبين قومه. وهذا إبراهيم ﵊ قابله قومه بالرفض بل شهروا به بين الناس: ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٦١] (٤) ثم توعدوه بالإحراق: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨]

стр. 129

(١) فأوقدوا نارا عظيمة ورموه بالمنجنيق لبعدهم عنها لشدة حرارتها، ولكن قال رب العزة والجلال: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] (٢) فكانت بردا وسلاما ونجا منها فكانت العاقبة لإبراهيم: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٠] (٣) . وهذا موسى ﵊ توعده فرعون بالقتل فقال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦] (٤) فتوعدوه بالقتل، ولكن آخر الأمر كانت العقبى لموسى ﵊: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥] (٥) . وهذا عيسى ﵊ حصل له من الأذية ما حصل حتى رماه اليهود بأنه ابن بغي، وقتلوه على زعمهم وصلبوه ولكن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا - بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٨] (٦) فنجي منهم. وهذا خاتم الرسل وإمامهم وسيد بني آدم محمد ﷺ ، قال الله عنه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]

стр. 130

(١) وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٦] (٢) وحصل من أذيتهم القولية والفعلية مما هو معلوم لدى العلماء في التاريخ، ومع هذا صبر فكانت العاقبة له، إذن فكل داعية لا بد أن يناله الأذى ولكن عليه أن يصبر، ولهذا لما قال الله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٣] (٣) كان من المتوقع أن يقول الله فاشكر نعمة الله على تنزيل هذا القرآن ولكن الله قال له: فاصبر لحكم ربك (٤) إشارة إلى أن كل من قام بهذا القرآن فلا بد أن يناله ما يناله من الأمور التي تحتاج إلى صبر عظيم. فعلى الداعية أن يكون صبورا، وأن يستمر حتى يفتح الله له، وليس من الضروري أن يفتح الله له في حياته، بل إن المهم أن تبقى دعوته ولو بعد موته فإنه حي، قال الله : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢] (٥) ففي الحقيقة أن حياة الداعية ليس معناها أن تبقى روحه في جسمه فقط بل أن تبقى مقالته حية بين الناس، وانظر إلى قصة أبي سفيان مع هرقل حين

стр. 131

قدم عليه في السنة السابعة للهجرة، فلما سمع به هرقل وكان قد سمع بمخرج النبي ﷺ ، دعا أبا سفيان فسأله عن النبي ﷺ عن ذاته ونسبه وما يدعو إليه وأصحابه، فلما أخبره أبو سفيان عما سأله عنه، قال هرقل له: " إن كان ما تقول حقا فسيملك ما تحت قدمي هاتين ". سبحان الله من يتصور ملكا إمبراطوريا، كما يقولون، يقول مثل هذا القول في محمد ﷺ ، وهو مع ذلك لم يحرر جزيرة العرب من رق الشيطان والهوى، ومن يتصور أن مثل هذا الرجل يقول مثل هذا القول؟ ولهذا لما خرج أبو سفيان قال لقومه: " لقد أمر أمر ابن أبي كبشة إنه ليخافه ملك بني (الأصفر) . " أمر " يعني عظم ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف: ٧١] (١) أتى عظيما. وقد ملك النبي ﷺ ، ما تحت قدمي هرقل بدعوته لا بشخصه؛ لأن دعوته أتت على هذه الأرض واكتسحت الأوثان والشرك وأصحابه. وملكها الخلفاء الراشدون بعد محمد ﷺ ، ملكوها بدعوة النبي ﷺ ، وشريعة النبي ﵇، إذن على الداعية أن يصبر وستكون العاقبة له إذا كان صادقا مع الله سواء في حياته أو بعد مماته. قال موسى لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] (٢) وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠] (٣) . .

стр. 132

[رابعا التواضع] رابعا: التواضع التواضع من أهم الصفات اللازمة لنجاح الداعية إلى الله الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ويعني التواضع معرفة المرء قدر نفسه وتجنب الكبر، ويتطلب أن يتجنب الإنسان المباهاة بما فيه من الفضائل والمفاخرة بالجاه والمال. . . وأن يتحرز من الإعجاب والكبر. والتواضع لا يكون إلا في أكابر الناس ورؤسائهم وأهل الفضل والعلم، أما الإنسان العادي فلا يقال له: تواضع، وإنما يقال له: " أعرف نفسك لا تضعها في غير موضعها ". ومن التواضع أن يتواضع المرء مع أقرانه (١) وكثيرا ما تثور بين الأقران والأنداد روح المنافسة والتحاسد، وربما استعلي الإنسان على قرينه، وربما فرح بالنيل منه، والحط من قدره وشأنه، وعيبه بما ليس فيه أو تضخيم ما فيه، وقد يظهر ذلك بمظهر النصيحة والتقويم وإبداء الملاحظات، ولو سمى الأمور بأسمائها الحقيقية لقال الغيرة. ومن التواضع أيضا التواضع مع من هو دونك، فإذا وجدت أحدا أصغر منك سنا أو أقل منك قدرا فلا تحقره، فقد يكون أسلم منك قلبا أو أقل منك ذنبا أو أعظم منك إلى الله قربا. حتى لو رأيت إنسانا فاسقا وأنت يظهر عليك الصلاح فلا تستكبر عليه، واحمد الله

стр. 133

على أن أنجاك مما ابتلاه به، وتذكر أنه ربما يكون في عملك الصالح رياء أو عجب يحبطه، وقد يكون عند هذا المذنب من الندم والانكسار والخوف من خطيئته ما يكون سببا في غفران ذنبه. عن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ حدث: «أن رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان، وأن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك» (١) أو كما قال. ومن التواضع ألا يعظم في عينك عملك، إن عملت خيرا أو تقربت إلى الله تعالى بطاعة، فإن العمل قد لا يقبل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] (٢) . وضد التواضع الكبر، والكبر يكاد يكون من أشد الأمراض خطرا على الدعاة إلى الله الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فالمجالات التي يعمل فيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر مرتع خصب لظهور هذا الداء العضال ونموه (٣) وقد عرض القرآن الكريم في أكثر من موضع قصة إبليس الذي خرج من رحمة الله إلى سخطه وهبط من سمائه إلى

стр. 134

أرضه حين قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧٦] (١) والكبر داء تعددت أسبابه وكثرت مسبباته. ومنها: غرور العلم: وهو أشد أنواع الغرور على الإطلاق والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر أكثر الناس عرضة للإصابة بجرثومة هذا الداء الفتاك، فالخطابة والكتابة والتعليم والتوجيه وسواها من وسائل الدعوة فضلا عن الشهادات والدرجات العلمية، والألقاب الجامعية فإنها تعد من أوسع مداخل الشيطان إلى النفس البشرية؛ لأنها مجلبة للشهرة لافتة للأنظار، مثيرة للإعجاب، وفي هذا ما فيه من عوامل الإشباع والإملاء لرغائب النفس وجوعاتها. فعلى الدعاة إلى الله الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أن يكونوا شديدي الاحتراس من الوقوع في هذا المرض العضال وليعلموا أن الله الذي منحهم هذه المواهب قادر على أن يسلبهم إياها من حيث لا يشعرون، إن من حق الله عليهم أن يكونوا شاكرين لفضله غير جاحدين ولا كافرين، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]

стр. 135

(١) . وإن من علائم الشكر لنعم الله تعالى وفضله زيادة الخوف منه والإقبال على طاعته، والإدبار عن معصيته والتواضع لجلاله وعظمته، فضلا عن تسخير العلم لتعليم الناس وهدايتهم وتوجيههم وإرشادهم. وعلى الدعاة إلى الله أن يحاسبوا أنفسهم دبر كل حديث القوه، أو خطاب ارتجلوه، أو مقال كتبوه، أو اجتماع أداروه؛ ليطمئنوا إلى أن مشاعر العجب وأحاسيس الكبر لم توقظها طلاقة لسان أو حسن بيان أو مظاهر إعجاب واستحسان، لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص له، وأنه هو القائل على لسان نبيه ﷺ : «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني فيهما قصمته» (٢) . [خامسا معرفة متى يكون الأمر بالمعروف سرا ومتى يكون جهرا] خامسا: معرفة متى يكون الأمر بالمعروف سرا ومتى يكون جهرا من الأمور اللازمة لنجاح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معرفة متى يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سرا ومتى يكون جهرا، وعليه أن يعلم أن الأمر السري لا يعالج علنا، يعالج سرا؛ لئلا يفشو المنكر، ولئلا يفتضح فاعله. وإذا كان الأمر ظاهرا فإنه يعالج علنا ولا

стр. 136

حرج في ذلك؛ لأن صاحب المنكر هو الذي فضح نفسه وأعلن البلاء (١) . وكان السلف يجبون أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سرا فيما بين الآمر والمأمور، فإن ذلك من علامات النصح له، فإن الناصح ليس غرضه إشاعة عيوب من ينصح له، وإنما غرضه إزالة المفسدة التي وقع فيها (٢) . يقول الإمام الشافعي ﵁ في هذا المعنى: " من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه في وعظه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه " (٣) . وأما الإشاعة وإظهار العيوب فهو مما حرم الله ورسوله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩] (٤) . والأحاديث في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سرا كثيرة جدا (٥) . وقال بعض العلماء لمن يأمر بالمعروف: " واجتهد أن تستر

стр. 137

العصاة، فإن ظهور عوراتهم وهن في الإسلام، أحق شيء بالستر " (١) . فلهذا كانت إشاعة الفاحشة مقترنة بالتعيير وهما من خصال الفجار؛ لأن الفاجر لا غرض له في زوال المفاسد ولا في اجتناب المؤمن للنقائص والمعايب، إنما غرضه في مجرد إشاعة العيب في أخيه المؤمن، فهو يعيد ذلك ويبديه، ومقصوده تنقص أخيه المؤمن في إظهار عيوبه ومساويه للناس، ليدخل عليه الضرر في الدنيا. وأما الناصح الأمين فغرضه بذلك إزالة عيب أخيه المؤمن واجتنابه له. أخي الداعية إلى الله، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إذا علمت ذلك فإنني أوصيك بتقوى الله أولا ثم أوصيك بعدم تعيير الفاسق بما ابتلي به، بل ادع له بالهداية والتوبة والعافية مما ابتلي؛ لأن عقوبة من أشاع السوء عن أخيه المؤمن وتتبع عيوبه وكشف عورته عقوبة خطيرة؛ لأن الله يتبع عورة المتبع لأخيه المؤمن ويفضحه ولو في جوف بيته، قال رسول الله ﷺ : «يا معاشر من آمن بلسانه ولم يؤمن قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته» (٢) وأخرج الترمذي من حديث واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ ، قال: «لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك» (٣) .

стр. 138

ولما ركب ابن سيرين الدين وحبس به قال: " إني أعرف الذنب الذي أصابني هذا؛ عيرت رجلا منذ أربعين سنة فقلت له يا مفلس " (١) . [سادسا التحقق والتثبت من المنكر] سادسا: التحقق والتثبت من المنكر من الأمور اللازمة لنجاح الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، التحقق والتثبت من المنكر المطلوب إزالته وتغييره. وقد تحدثنا عن الشق الأول من هذا الموضوع في فصل القواعد والمبادئ العامة التي تحكم القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (تحت عنوان العلم) ، وأنه لا بد للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يعرف حقيقة ما يأمر به وحقيقة ما ينهى عنه من وجهة النظر الشرعية. كما تحدثنا عن الشق الثاني في موضوع شروط تغيير المنكر، ونضيف هنا أن المسلم حينما يوفق للقيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يجب عليه أن يتحقق من أن ما يريد إنكاره منكر محقق دال على إنكاره (٢) كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ لأن بعض الناس قد يرى فعلا من الأفعال أو يسمع قولا من الأقوال يظنه منكر، بحسب ما جرت عليه عادات الناس وتقاليدهم، ولكنه في الشريعة الإسلامية ليس بمنكر، بل معروف وقد يحصل العكس، فيرى بعض الناس المعروف شرعا

стр. 139

منكرا عندهم، وهذا ما يحدث كثيرا في بعض الأقطار الإسلامية، وما ذلك إلا لأن الجهل قد ضرب أطنابه على أبناء الأمة الإسلامية، والتثبت من المنكر يتطلب أن كل من أراد أن ينكر منكرا - وكلنا مطالبون بذلك - فعليه أن يتأكد أن هذا المنكر وقع بالفعل، ويجب عليه أن لا يسارع بنهي شخص معين أو جماعة معينة بمجرد الظن من غير تثبت أو بينة، وأن الإنسان تكتنفه نوازع الخير ونوازع الشر، وربما فكر في عمل المنكر ولكنه تراجع عنه. والتحقق والتثبت من المنكر، يتطلب من الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أنه عندما يبلغ بوجود منكر ما من شخص فإن عليه أن يتحقق من الهدف الحقيقي لذلك الشخص، فقد يكون هذا الشخص من المنافقين أو الفاسقين النمامين أو أصحاب الغيبة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، المخبرون من هذه الفئة قد لا يكون هدفهم العمل على إزالة المنكر وتغييره، وإنما يكون هدفهم الإيقاع وتشويه سمعة من ينسبون إليه فعل المنكر، قال الله تعالى مخبرا عن المنافقين: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] (١) كما حذر الله جل وعلا من النمام، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ - هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١٠ - ١١] (٢) .

стр. 140

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] (١) ويقول تعالى عن ممتهني الغيبة ومثيري الإشاعات ومروجي الفواحش: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ١٩] (٢) . فعلى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن لا يأخذ القول الذي يأتيه عن وجود منكر قولا مسلما، بل عليه بالتحري والتثبت حتى لا يأمر إنسانا بمعروف لم يتركه أو ينهاه عن منكر لم يقترفه. [سابعا معرفة أحوال الناس وظروفهم] سابعا: معرفة أحوال الناس وظروفهم من الأمور اللازمة لنجاح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، معرفة أحوال الناس وظروف وطبيعة المجتمع وخصائص العصر؛ لكي يتمكن من مخاطبة الناس على قدر أحوالهم وطاقاتهم بحيث يكون أسلوبه طبقا لحال المخاطب، فيكون أسلوبه مع الأمي غير أسلوبه مع المتعلم، وطريقته مع العاقل غير طريقته مع السفيه (٣) . يقول عباس العنبري: كنت مارا مع أبي عبد الله بالبصرة، قال سمعت رجلا يقول لرجل: يا ابن الزاني، فقال الآخر: يا ابن الزاني، قال فوقفت ومضى أبو

стр. 141

عبد الله، فالتفت فقال: يا أبا الفضل، امش، قال: فقلت: قد سمعنا، وقد وجب علينا، قال: امض، ليس هذا من ذلك (١) . ترك الإمام أحمد بن حنبل ﵁ النهي عن المنكر لما رأى مرتكبه على هذه الدرجة من الحمق والسفاهة. وحول أهمية العصر ومعرفة خصائصه ومتطلباته وعدم إدراك بعض الدعاة لهذه الحقيقة، يقول أحد الدعاة تحت عنوان العدل مع الواقع (٢) " فالبعض من الدعاة يعيش في هذا العصر وكأنه يعيش في القرن الخامس الهجري، لا يعرف عصره ولا يدري ما يقع حوله، ويفاجأ بالأحداث كما يفاجأ بها رجل الشارع ". صعد خطيب من الخطباء في إحدى القرى وفي يده كتاب يقرأ منه، فكان مما قاله في آخر خطبته أن دعا لأمير المؤمنين السلطان العثماني فلان، أن يخلد الله ملكه، ويؤيد سلطانه. . . هذه الصورة الصارخة من الغيبوبة قد لا تتكرر كثيرا، لكن ثمت صور ألطف منها تتكرر بصفة دائمة، أحد الشباب سألني قائلا: حزب البعث! ما هو حزب البعث؟ ما هي عقائده الأخرى غير مسألة الكفر بالبعث؟ ظن أخي أن سبب تسميته بحزب البعث؛ لأنه يكفر بالبعث كما سمي القدرية لأنهم ينكرون القدر. إن المسلم قيم على عصره، وشاهد عليه، فهو يعيش هموم

стр. 142

المجتمع، ويدرك تيارات الفكر واتجاهات السياسة، ويحرص على إيجاد الحلول الصحيحة للواقع الجديد، وعلى مقاومة الانحرافات بعد معرفتها وإدراك جذورها. . . وليس من الضروري أن يصبح كل داعية كذلك، لكن لا بد أن تنفر من المؤمنين طائفة ليقوموا بهذه الفريضة، وعلى المستوى العام لا بد أن يكون للداعية نافذة على الواقع يدرك خلالها أهم الأحداث المحيطة به ويستطيع أن يكون مرشدا للناس إلى السلوك الصحيح حيالها. وعلى العموم فإن معرفة الداعية لأحوال الناس وظروفهم وخصائص عصرهم تساعد الداعية إلى الله في تحقيق أهداف قيامه بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. [ثامنا القدوة فيما يدعو إليه واجتناب ما ينهى عنه] ثامنا: القدوة فيما يدعو إليه واجتناب ما ينهى عنه من الأمور اللازمة لنجاح الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يفعل ما يأمر به ويجتنب ما ينهى عنه، وسبق أن أوضحنا في موضوع شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن العدالة ليست شرطا أساسيا للقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما هي شرط كمال وأدب، واستشهدنا فيما ذهبنا إليه بأقوال بعض العلماء. والذي لا شك فيه أن الداعية إلى الله لا يستطيع أن ينفذ بدعوته إلى مستمعيه ما لم يكن قدوة حسنة، إن مسئولية الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر تجاه أنفسهم أعظم بكثير من مسئولياتهم تجاه المجتمع. . وخطورة التقصير

стр. 143

فيما للدعاة على أنفسهم من واجبات يفوق خطورة التقصير فيما للمجتمع عليهم من حقوق. . . فالدعاة إلى الله ينبغي أن يكونوا قدوة حسنة للمجتمع الذي يعيشون فيه، تبدو في حياتهم آثار الرسالة التي يدعون إليها (١) . وقد أنكر الله - جل وعلا - على أولئك الذين يعظون الناس ولا يتعظون، وينهونهم ولا ينتهون، فقال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] (٢) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣] (٣) . إن على الدعاة أن يترسموا خطى الدعوة في كل شأن من شئونهم في أقوالهم وأفعالهم في حياتهم الخاصة والعامة. . . في أنفسهم كأفراد، وفي بيوتهم كأزواج وآباء. . . وهذا ما يؤكد عليه علي بن أبي طالب ﵁ يقول: " من نصب نفسه للناس إماما فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تهذيبه لسيرته قبل تهذيبه بلسانه، فمعلم نفسه ومهذبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومهذبهم " (٤) . وهل يجني الذين يقولون ما لا يفعلون. . . ويعظون ولا يتعظون ويرشدون ولا

стр. 144

يسترشدون إلا سخرية العباد وسخط رب العباد، يخسرون دينهم ودنياهم وذلك هو الخسران المبين. قال الشعبي: " يطلع يوم القيامة قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار فيقولون لهم: ما أدخلكم النار، وإنما دخلنا الجنة بفضل تأديبكم وتعليمكم؟ فيقولون: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله وننهى عن الشر ونفعله " (١) . إن الواجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون حريصا على إصلاح سره كما يجب عليه أن يكون حريصا على إصلاح جهره. . . عليه أن يكون صريحا مع نفسه فلا يخادعها، ومع الناس فلا يرائيهم ولا ينافقهم. . . . وليسمع قول ابن السماك في هذا المعنى: " كم من مذكر بالله ناس لله. . . وكم من مخوف بالله جريء على الله. . . وكم من مقرب إلى الله بعيد عن الله. . . وكم من داع إلى الله فار من الله. . . وكم من تال لكتاب الله منسلخ عن آيات الله " (٢) . فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ينبغي أن يخشى الله لا الناس، ويخلص له في سره وجهره، فلا يكون في ظاهره ملاكا وفي باطنه شيطانا، وليحذر أن يكون ممن عناهم الله بقوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٨] (٣) .

стр. 145

وليعلم أن الله قريب منه مطلع على سره، قال الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧] (١) . ورحم الله أبا الأسود الدؤلي حين قال: يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام من الضنا ... كي يشتفي منه وأنت سقيم لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم فابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل ما تقول ويقتدى ... بالقول منك وينفع التعليم مما سبق تتضح لنا أهمية القدوة للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر. وإكمالا للفائدة في هذا الموضوع أورد ما قاله فضيلة الشيخ محمد بن
следующие страницы →