Полный текст (451 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الكتب المقدسة لدى الهندوس
أنتقل بك إلى الكتب المقدسة لدى الهندوس وإعطاء فكرة عنها أو تعريف بهذه الكتب المقدسة الفكر الهندي يتسلط عليه اتجاه الروحاني، ومن هنا كثرة الآلهة لدى الهنود؛ وبالتالي كثرت الكتب المقدسة حتى جاوزت المئات ووصلت إلى الألوف، وفي الديانات السماوية يكون مصدر تقديس الكتب أنها كلام الله أوحى به إلى أنبيائه بالمعنى فقط كالتوراة والإنجيل، أو بالمعنى واللفظ كالقرآن الكريم.
أما مصدر تقديس الكتب عند الهندوس، فليس لأنها موحى بها من الله فهي لم يوحَ بها بلا يعرف لأكثرها وضع معين، وإنما اشترك في تأليفها عدد كبير من الناس على ما يذكرون، وليس مصدر التقديس إبداعها في الفكرة أو الأسلوب فكثيرًا ما شملت هذه الكتب أفكارًا بدائية وأساليب ركيكة، بل إن مصدر تقديس هذه الكتب هو على العموم الاتجاه الروحاني لدى الفكر الهندي والموافقة على تأليه أي كائن، أو تقديس أي كتاب دون حاجة إلى إبداء الأسباب.
ومن الناحية العملية كان مصدر هذه الكثرة تفسير كتاب "ألويد" الذي يعتبر أعظم الكتب المقدسة لدى الهندوس فإن مرور الزمن على هذا الكتاب جعله عسير الفهم غريب اللغة؟؟ فألفت كتب كثيرة لشرحه وتفسيره وعدها الهندوس مقدسة، ومرت قرون أخرى، واحتاجت هذه الشروح إلى شروح جديدة وإضافات فكتبت كتب أخرى واستساغ العقل الهندوسي أن يجعلها مقدسة أيضًا، وتضخمت لويدا فاحتاجت إلى وضع مختصرات قدسها العقل الهندوسي
стр. 107
كذلك هذا بالإضافة إلى كتب وضعت غير متصلة بلويد بل تصف حدثًا دينيًّا أو تاريخيًّا جديدًا على أن الكتب المقدسة لدى الهنود ليست كلها بطبيعة الحال في مستوىً واحد، فمنها كتب قليلة الانتشار، أو لا تحظى بتقديس جميع الهندوس، ومن كتب أقرب إلى الغموض منها إلى الوضوح.
ومن أعظم كتبهم المقدسة على العموم "ألويدا" وقوانين "مينو" وقد تحدثنا عنهما واقتبسنا منهما اقتباسات كافيه لإظهار أهميتهما وبقي أن نعرف بكتب الأربعة آخرى تعتبر في القمة بين كتب الهندوس المقدسة وهذه الكتب هي: (مهابهارتا) (كيتا) (يوجا) و (سستها)، و (راميانا) (مهابهارتا) ملحمة الهند الكبرى تشبه "الإليزا والأوديسا" عند اليونان، وهي من الكتب الهندية القليلة التي يعرف مؤلفها: إن اسمه، وياس، وهو ابن العارف الكبير برسرا، وقد أملي "وياس" هذا النشيد المقدس على كنيتي الذي دونه.
وقد وقعت هذه الملحمة الكبرى حوالي سنة ٩٥٠ قبل الميلاد وهي تصف حربا بين أمراء أسرة ملكية واحدة ولكن جميع ملوك الهند اشتركوا فيها مع هذا الجانب آنذاك بل اتخذ الآلهة دورا في المعركة أيضًا كما تروي الأقاصيص ذلك، ومن أعظم المعلمين الذين عنوا بتدريس "مهابهارتا سوتا" الذي يلقاها على جماعة العلماء والنساك والمرتضين.
وقد افتتحها بقوله إنني أوفر حظًّا، وأسعد طالعًا بإبلاغي إليكم رواية "مهابهارتا" التي وضعها "وياس" ليعلمكم الدين الإنساني ويرشدكم إلى الحياة وغايتها، وقد سمعت رواية "مهابهارتا" بجوهرها، والقصص الاستطرادية المشتملة عليها ثم بعد ذلك حدث أن قمت برحلة طويلة زرت فيها الأماكن
стр. 108
المقدسة وزرت ساحة القتال التي دارت فيها راحة الملحمة الكبرى التي تتحدث عنها وتصفها هذه الأنشودة الحماسية.
ويبدأ سوتا يروي هذه الملحمة التي يعتبرها الهندوس أنشودة حماسية نادرة لاحتواها على كثير من الروايات التمثيلية، والتعاليم الجليلة؛ ولأنها كما يقولون كالبحر الذي في قاعه من الدرر البهية والأحجار الكريمة ما لا يعد ولا يحصى، وهي ينبوع يتفجر تفيض منه الثقافة، وتنهمر منه الأخلاق والآداب.
وعندما نقرأ رواية "سوتا" يشق علينا فهمها، ويصعب علينا متابعتها؛ لكثرة الأسماء الصعبة، وتشابهها ولكثرة الاستطرادات والغموض وسنحاول هنا أن نعطي موجزًا للقصة، ثم نتبعه بنماذج منها تجري حوادث هذه الملحمة في هستنابور حيث كان للملك ولدان الكبير منهما يدعى دهر "تارا شتارا" وكان مكفوف البصر؛ ولذلك آل الملك إلى الصغير المسمى "باندو" ولكن هذا اقترف ذنبًا، وهو ملك فحكم عليه بالنفي للتكفير عن الذنب إلى مجاهل الصحراء وإلى هنا انتقل الملك وزوجتاه وأل الملك إلى أولاده أخيه ويطلق عليهم "كورو" ومات "باندو" في المنفى بعد أن أعقب خمسة أولاد كانوا يعرفون بخمسة "باندو" وتربى هؤلاء في كنف الناسكين بالكهوف والفيافي حتى وصلوا إلى مرحلة عالية في الدراسة الدينية وفي إجادة لويزا وغيرها من الثقافات.
ولما بلغ أكبرهم سن الرشد عاد بإخوته إلى "هاستنابورو" وطالب ميراثه في الملك بعد أن تمت الكفارة فناصبهم "كورو" العداء، وانقلبوا حاسدين لهم، واعين جهد المستطاع لكل ما يضرهم، ويؤذيهم، وبدأت المناوشات تدب بين الفريقين، ولكن مساعي الصلح، وفقت بينهما فاشتركَا في الحكم، ثم هزم ألبا ندوا في لعبة النرد
стр. 109
التي كانت تعد طبق التقاليد السائدة شرفًا، وكرامة "لكشتريا" فقضي عليهم بالنفي عن مملكتهم إلى غابات الصحاري ثلاثة عشر عامًا.
وسافر هؤلاء إلى المنفى، ولما انتهى الأجل المضروب رجعوا إلى المملكة، وطالبوا بحقهم، ولكن "ديرودهن" المنتمي إلى "كورو" رفض أن يرد لهم حقوقهم، فاحتكم الطرفان إلى حراب، وشهدت ساحة القتال حربًا ضروسًا بين الفريقين انتهت بهزيمة "ديروديهن".
هذا هو جوهر الملحمة الكبرى، وفي طيات القصة تأتي آداب هامة عن لعبة النرد والوفاء بالعهد والتكفير عن الخطايا، وتتدخل الآلهة، والجن في الموضوع من حين إلى آخر، كما يمكن أن نسميه خرافات خيالات، وأن نختر بعض الأحداث لنقصه كما يلي في نموذج من هذا الكتاب العظيم لدي الهندوس.
كانت هناك حرب سجال بين الآلهة، وطائفة "السورا" وعلى رأس كل من الفريقين المتحاربين قيادة حازمة تدبر الحيل وتعمل بيقظة لتكسبن النصر فكان "برهسبتي" الخبير بأسرار الكتب المنزلة ومعارفها قائد الآلهة، وكان " سوكر أجاريا " المحنك البصير يقود " أسورا " في كفاحهم ضد الآلهة، ولكن " سوكر أجاريا " كان يجيد عملية "سنجيوني" التي تعيد الميت حيًّا.
وعلى هذا فطالما رجحت كفة "أسورا" بسبب إعادة الحياة لمن يموت منه في الحرب، وكان هذا يرجح كفته على الآلهة التمس الآلهة من "كاجا" وكان قد اعتزل الحرب أن يتصل "بسوكر أجاريا" ويتقرب إليه، ويتعلم منه عملية "سانجيوني" ولو بطريق الخداع فقبل "كاجا" ويمم وجهه شطر سورا، ودخل على "سوكر أجاريا" وهتف به: قصدت إليك لأتلقى
стр. 110
دروس الحكمة والعرفان تحت وصايتك، ولم يرده " سوكر أجاريا " لأن الأستاذ المتضلع لا يرد طلب التلميذ النبيل، والتحق "كاجا" ببيت " سوكر أجاريا " يتعلم ويخدم.
وكان لـ"سوكر أجاريا " بنت جميلة أسماها " ديويا ن ي " كان أبوها يحبها حبًّا جمَّا، وكان "كاجا" يقضي أكثر أوقاته معها يسليها بالغناء والرقص والقصص ويقضي لها كل حاجاتها فتعلقت به " ديوياني " وشغفت بحبه، وخافت " أسورا " من عاقبة هذه العلاقة بين "كاجا" و " ديوياني " وتخيلت أن "كاجا" سيستطيع تحت ستار طلب العلم والخدمة أن يعرف سر عملية " سنجيوني "، ولذلك قررت سورا قتل "كاجا" وانتهزت فرصة خروجه يرعى ماشية أستاذه، وهجم عليها أفراد منها، وقتلوه، ومزقوا جسمه شر ممزق.
ولما عادت الماشية بدونه انزعجت "ديوياني" وأسرعت إلى أبيها صارخة باكية، وقالت: يا أبتي، إن الشمس قد غابت وعادت الماشية، ولم يأتِ "كاجا" إني أخاف أن يكون شر نزل به، وإني لا أستطيع أن أعيش ولا أراه بجانبي، فرق قلب الأب لابنته، واسترعى عملية " سنجيوني " وسرعان ما حضر "كاجا" وقص عليهما ما حدث له وهو يرعى الماشية من هجوم " أسورا " عليه وقتله، ولكن " أسورا " دبر ت طريقا جديدا للتخلص من "كاجا" فذهب مرة ليحضر الأزهار الجميلة من الغابة إلى " ديوياني " فانقض عليه بعضهم وقتلوه وحرقوه، ألقوا رماده في اليم، وطال انتظار ديوياني له دون جدوى فهرعت أبيها باكية ناحبة فأحياه لها مرة ثانية.
ولكن " أسورا " دبرت أمرًا خطيرًا، فقد أمسكت بـ"كاجا" وقتلته وحرقت جسته وأذابت رماده في كأس خمر، وقدمت الكأس إلى " سوكر أجاريا " فشربه،
стр. 111
وهرعت " ديوياني " إلى أبيها لثالث مرة، وعندما طالت غيبة "كاجا" وحاول أبوها أن ينصحها بالرضا بالقضاء والقدر، ولكنها بكت بنشيج وحسرة، ولما حاول أبوها أن يحييه هذه المرة اضطرب "كاجا" في أحشائه فقال أبوها: إن عودة "كاجا" للحياة لا تتم إلا بموتي؛ ليخرج هذا من بين أحشائي، وشمل الحزن " ديوياني "؛ إذ أدركت أنها لا بد أن تفقد حبيبها أو والدها واضطربت لهذا الأمر الفاجع، ولكنَّ أباها وجد حلًّا للمشكلة، فقد علم السر " سنجيوني " إلى "كاجا" وهو في أحشائه، وقال له: الآن تشق بطني لتخرج أنت من أحشائي، وأموت أنا، ثم تعيد لي الحياة باصطناع سن جيوني معي، وتم ذلك بنجاح.
ولما أعاد "سوكر" أجاريا للحياة انحنى تلميذه أمامه، وقال: إن الشيخ الذي يعلم التلميذ الساذج يقوم مقام الأب فأنت أبي، وحيث إني خرجت من داخلك فأنت لي كذلك أم حنون.
ذلك نموذج من الأقاصيص التي اشتركت فيها ال آلهة ودونتها (مهابهارتا) وكما قلنا أنفا: إنها تتخللها أحكام وقوانين آداب فشرب الخمر يصبح معصية بعد أن خدع بسببه "سوكر أجاريا" ومن هتاف "سوكر أجاريا" محذر ً امن الخمر لا تقترب الفضيلة شارب الخمر ويزدريه الناس احتقارا هذا بلاغ، وقتل برهمي غدرا يعتبر عملا منكرا يتحدث عنه "سوكر أجاريا" طويلا محذرا " أسورا " من ارتكابه وكان ذلك بمناسبة الاعتداء على "كاجا".
ومن هذا الكتاب المليء بالأساطير إلى الكتاب الثاني (ك ِ يتا) أو (ك َ يتا) هذا الكتاب جزء من الملحمة الكبرى مهابهارتا التي تحدثنا عنها أنفا والتي كما قلنا تصف حربا شعواء بين فريقين من الأمراء ينحدران من أسرة ملكية واحدة، وينسب هذا الكتاب أو أكثر إلى كرشنا أحد أبطال الهندوس المقدسين، وكان قد اتخذ جانبا في هذه الملحمة تحت قيادة البطل أروجنا.
стр. 112
ومن قراءة (كيتا) يلاحظ اهتمام هذا الكتاب لا بالجانب القصصي أو الخرافي الذي لاحظناه في النموذج السابق، بل بالجانب الفلسفي والاجتماعي، و (كيتا) لهذا يعتبر من الروافد التي قدمت إلى مهابهارتا أروع التعاليم وأرقى الثقافات، ومنه استمد ت تعاليم كثير ة رأيناها في دراستنا السابقة، والكتاب يقدم لنا صورة الهيئة الاجتماعية الهندية في ذلك العصر فنعلم منه ما كان عليه الشعب من المعتقدات الدينية والعادات الاجتماعية والأفكار الفلسفية، وو جهة نظره العامة في الحياة وما بعد الممات، وهو يخبرنا أن الناس ضلوا عن سواء السبيل، ووقعوا فريسة للتقاليد والأوهام فتركوا لب الدين وتمسكوا بقشوره، وكانوا يتشدقون بألفاظ ويدا ويعملون بظواهرها فيقيمون الطقوس والعبادات الرسمية وهم مع اعتقادهم بوحدة الله يعبدون آلهة آخرى، وليس هذا فحسب بل يعبدون أسلافهم، وكذلك يعبدون العفاريت، ويتطيرون ويعتقدون في الفعل.
وبجانب هؤلاء وعلى العكس منهم يوجد أناس ينعون على متبع الظواهر اتجاههم، ولكن هؤلاء غلو كذلك في مذهبه م فأنكروا العبادات والظواهر على الإطلاق زاعمين أنها قشور، وكان أكثر هؤلاء وأولئك مقلدين جامدين، ويوجد أناس آخرون يرون في الرهبانية والتجرد من الدنيا النجاة فيهجرون الكسب ويعيشون عالة على الناس.
وكان " أورجنا " زعيم أحد الحزبين المتحاربين متأثرا بأحوال بيئته مؤمنا بمعتقدات عصره وخ ادعا للأفكار الشائعة، فلما اصطفت الصفوف ودقت الطبول وآن أوان القتال تلجلج في مباشرته، وجرى بينه وبين " كريشنا " حوار ف وعظه " كريشنا " وحثه على القتال وكتاب (كيتا) اشتمل على هذا الحوار الذي جرى في ساحة الحرب، وأعفي سمعك من هذا الحوار المطول والمليء بالأساطير لأنتقل بك إلى الكتاب الثالث المقدس عند الهندوس إعطاء فكرة عنه، وهو المسمى (رامايانا).
стр. 113
(رامايانا) كتاب قديم لا يعرف مؤلفه ولا تاريخ تأليفه بالضبط، وكل ما نعرفه عن تاريخه أنه كله أو بعضه أقدم من (مهابهارتا) الذي تكلمنا عنه سابقا، وعرف تاريخ (رامايانا) التقريبي بواسطة إشاراتي إليه في (مهابهارتا) وإن كان ذلك لا يحدد تاريخه بالضبط؛ لأن الكتب المقدسة الهندية ألفت في فترات طويلة فلا يدل حدث بها على تاريخ تأليف الكتاب كله، و (رامايانا) يعني بالأفكار الس ي اسية أو الدستورية للحياة الهندية فهو يتحدث عن تكوين م جالس الشورى وطرق اختيار الملوك وولاة العهود، ثم عن واجبات الملك وعن واجبات مجالس الشورى وسلوك أعضائها.
ونقتبس من هذا الكتاب ثلاث خطب تتصل بأحد الملوك الهند المشاهير وهو الملك " راما "، وتحتوي على تقاليد ونظم هندية تتصل بالسياسة؛ أحس " داسارتها " ملك الهند بوهن في صحته فعقد المجلس التشريعي في عاصمته أيودها وألقى بالمجلس الخطاب التالي:
اخترتموني ملكا عليكم وقد بذلت كل جهدي في القيام بواجباتي نحوكم، وها أنا ذا قد بلغت من الكبر عتيا، ويحتم علي واجبي أن أصارحكم بأن أعباء الملك فوق مقدرتي الآن، وأراني أضعف من أن أتحملها، وهذه الأعباء تحتاج إلى رجل أقوى مني جسدا وعقلا، وإنكم لتعرفون " راما " ابني ولا تخفى عليكم مزاياه التي تؤهله ليكون ولي عهدي، وينوب عني في الحكم ما دمت حيا، ويخلفني بعدي ويخدم شعبه كأبيه، هذا رأيي أنا ولك م الحرية التامة في قبوله أو رده، فإن قبلتموه فذاك ما أريد وإن رفضتموه واخترتم رجلا غيره فإني أنزل على إرادتكم وأقبل قراركم بطيب نفس؛ لأن غايتكم وغايتي واحده هي خدمة الشعب وخير البلاد.
وخرج الملك وترك الأعضاء ليتناقشوا فاتفقت كلمتهم على قبول " راما " وليا للعهد ونائبا عن الملك في حياته على أن يكون ملكا بعد وفاة أبيه إن سار سيرة والده في الحكم، فلما بلغ " داسارتها " ذلك عاد للمجلس ومعه " راما " خاطبه أمام الجالسين قائلًا:
стр. 114
لقد وقع اختيار مجلس الشعب عليك لتكون ولي عهدي ونائبي في الحكم وخلفي في الملك بعد مماتي بما أنك أكبر أولادي من زوجتي الأولى التي هي كفء لي في العز والمجد، فأنت أحق أولادي بالشرف الذي أراك المجلس أهلا له، ومزاياك المعروفة جعلتك خلي ق التخدم شعبك، فعليك أن تخفض جناحك لرعيتك وتسهر على راحتها ورفاهيتها، وتعدل في الحكم وتنصف سائر الناس، وليكن الكبير والصغير سواء عندك في الحكم ولا تؤثرن نفسك على المصالح العامة، ولا تخلدن للراحة والتمتع بلذائذ الحياة، وليكن همك الوحيد رضا الشعب وهناء هـ، فالملك يجب أن يكون محبوبا لدى شعبه، محمودا في سيرته، وأشقى الناس وأنحسهم الملك الذي تمقته رعيته؛ لأن من يمقته خلق الله يمقته الله.
وابتدأ " راما " مس ئ ولياته بخطاب قال فيه:
لا يوجد العدل إلا ب ال صدق، ويجب أن يكون محض اصريحا لا تشوبه شائبة من الكذب والباطل، وأعضاء هذا المجلس الذين يعرفون الحق ثم يظلون ساكتين هم أكثر الكاذبين شرا، والذين يسكتون عن الحق نظرا لمصالحهم الذاتية أو خوفا من نقمة الأقوياء هم المجرمون الذين يخلدون في نار الجحيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 115
الدرس: ٦ الديانة الهندوسية (٤) .
стр. 116
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السادس
(الديانة الهندوسية (٤))
" لويزا" كتاب الهندوس المقدس
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:
فنواصل الكلام عن الديانة الهندوسبة من حيث "الكارما" وتناس خ الأرواح، ووحدة الوجود والانطلاق، والأخلاق عند الهندوسيين والعبادات، وما إلى ذلك مما تبقى في عناصر هذه الديانة.
علمت أن "لويزا" كتاب الهندوس المقدس لا يعرف له وضع معين، وإنما له قيمة تاريخية كبرى؛ إذ تنعكس في هذا الأدب الديني حياة الأهليين في الهند في عهدهم القديم، ومقرهم الجديد، وفيه أخبار حلهم، وترحالهم، ودينهم، وسياستهم، وحضارتهم، وثقافتهم ومعيشتهم، ومعاشرتهم، ومساكنهم، وملابسهم، ومطاعمهم، ومشاربهم ومهنهم، وحرفهم، وترى فيه مدارج ارتقاء الحياة العقلية من سذاجة البدوي إلى إلى شعور الفلسفي، فتوجد فيها داهية الابتدائية تنتهي بالارتياق، وإلوهية تترقى إلى وحدة الوجود.
وكما علمت أيضًا أن "الويدات" عبارة عن أربع كتب دينية هي "الريجويدا" و"ياجورويدا" و"ساماويدا" و"آثارويدا" وكل من هذه الويدات الأربعة يشتمل على أربعة اجزاء هي: "سمهت" و"برهمن" و"أرنيك" و"أبونيشد" والناظر إلى هذه الأقسام الأربعة.
يلاحظ أن "السمهت" تمثل دين الفطرة، أو الفكر البدائي، أما "البرهمن" فيمثل مذهب القانون، ودين الأمة التي تركت البداوة، ولن تتعمق بعد في الحضارة بـ"الأرنيك" فينقل الفكرة من القانون إلى الروح، فهو معبر تاريخي وتجيء بعده "ألفبني شيدات" حيث مذهب الروح الذي هو المرتبة العليا في سلسلة الارتقاء الديني.
وقد وضع "الأبنيشيدات" في المدة من ثمانمائة إلى ستمائة قبل الميلاد وعلمت أيضًا أن النظام عند الهندوس يقوم على الطبقات الأربع حيث يتكون المجتمع حسب الهندوسية من أربع طبقات هي: "البرهمه" و"القشتريا" و"الويشاش " و " الشودر" ومزاعم الهندوسية تصل إلى حد التمييز في مصدر ما يتكون منه أهل كل طبقة، وفي شرع منه المعروف باسم "منوسيماتري" يقولون لسعادة العالم خلق "برهمه" البراهمه من وجهه و"القشتيريين" من ذراعيه و"الويش" من فخذيه و"الشودر" من قدميه، وقد سبق تفصيل ذلك ونأتي إلى شعائر وعبادات الهندوس.
الطهارة تتوزع في الهند أماكن عديدة لها صفة القداسة عند الهندوس وهذه الكثرة العددية حصلت بالتراكم عبر السنين، ويلاحظ أن هذه المواقع التي يحجون إليها تتوزع على ضفاف الأنهار، وإن كان نهر الغانج من بينها هو الأكثر قداسة، وفيه يلقون رماد موتاهم بعد حرق جثثهم، ونهر الغانج يزعمون أنه ينبع من تحت قدمي الإله الحافظ "فشنو".
ولعل الماء يتمتع بمكانة عندهم بسبب ما فيه من فوائد من حياة عند البشر ولسائر المخلوقات، وقد اعتمد الهندوس الماء في الطهارة وطقوسهم في الطهارة بواسطة الماء نجد منها ما يتفق مع ما جاء في الشرائع السماوية، وقد يكون ذلك عندهم مستفادًا من هذه الشرائع السماوية؛ فالجنابة عندهم يتم التطهر منها بالاغتسال بالماء، كما جاء في نصوص كتابهم منه مثلًا: "إذا ما خرج المني من الإنسان؛ فإنه يتطهر بالغسل، وبالنسبة للمرأة، كذلك تغتسل بعد الحيض.
وأما بعد الإجهاض وإسقاط الحمل قبل أوانه، فالواجب معرفة كم من الأشهر مضى على حملها، بحيث تقوم بالتطهر بعد عدة أيام هي عدد الأشهر التي مضت على الحمل، وفي "منيوسماتري" تطهر المرأة بعد الإجهاض بيوم عن كل شهر من أشهر الحمل وتطهر بعد الحيض بالغسل
стр. 117
يطهر المرء بالغسل إذا ما لامس شخصًا من الأسافل، أو امرأة حائضًا أو نفساء، أو جسمان ميت، أو لمس من قد لمس جثمان ميت، وكل من يموت في معركة، أو قتال، أو يهلك بصاعقة، أو دون بقرة، أو برهمي أو يقتل بأمر الملك أو يريد الملك أن يكون طاهرا لا يتنجس أحد بموته والطهارة عند الهندوس منها ما هو حسي، وهو الاغتسال بالماء، ومنها ما هو معنوي كطهارة الروح بالعلوم المقدسة والقلب بالعبادات وهكذا دواليت؛ ولهذا الغرض التطهيري نص شرعهم على ما يلي:
إن العلم والنار، والطعام، والتراب، والقلب، والماء، والطلي بخفي البقر والهواء، والطقوس الدينية، والشمس والزمن كل أولئك تطهر جسم الإنسان.
إن البدن يطهر بالماء، أما الجوف فيطهر بالصدق، ويطهر الروح بالعلوم المقدسة، وبالعبادات، ويطهر القلب بالعلم الصحيح، ويستنتج من النص السابق أمران اعتبار بول البقر مادة للتطهر؛ ولذلك فإن في معابدهم، وبعد انتهاء طقوسهم قد يرشون على الناس بول بقر، وظن أنها تعطي البركة، والربط بين طهارة البدن، وطهارة النفس، والروح هذا أمر في منتهى الأهمية عندهم.
أما الصلاة: فيبدو أن للصلاة عندهم أركان لا تتم إلا بها هي الاستحمام وارتداء الثياب النظيف ذات اللون الأصفر، أو الأبيض هذا مع غسل الأيدي والأفواه بالماء المعطر، وأثناء بدء الصلاة هناك هيئة تخص كل من الرجل والمرأة، فالرجل يجلس متربعًا، والمرأة تجلس على ركبتيها هذه أركان الصلاة التي يكون أداؤها كما يلي:
ليس في الهندوسية صلاة جامعة، ولا صلاة جماعة؛ فالصلاة كلها فردية وهي ثلاثة أنواع صلاة برفقة الكاهن، واتباع ترانيمه، وصلاة برفقته دون اتباع الترانيم، وصلاة فردية محضة،
стр. 118
أما بالنسبة لصلاة الهندوس فهي مرتان في اليوم الأولى صباحًا، والثانية مساءً، وتفسيرهم أن كل صلاة تسقط ما حصل من هفوات، وأخطاء، وذنوب حصلت من الإنسان ما بين هاتين الصلاتين فصلاة الصبح تسقط ذنوب الليل، وصلاة المساء تسقط ذنوب النهار.
ورد في هذا الموضوع في نصوص شرعهم من "نوسمتري" ما يلي على المصلي أن يقرأ في صلاة الصبح "كيتري" في قلبه وهو واقف على قدميه من انبلاج الفجر حتى مطلع الشمس، ويقرأها في صلاة المساء، وهو جالس إلى ظهور النجوم إن صلاة الصبح بهذه الطريقة تذهب كل ذنوب الليل، وصلاة المساء تذهب كل ذنوب النهار، إن من لا يؤدي هاتين العبادتين قائمًا في الصباح وقاعدًا في المساء يجب أن يطرد ك"الشودر" ويمنع من أداء الواجبات الدينية، ويحرم من حقوق المولودين ثانية.
ويلاحظ من هذا النص تشدد الهندوس في مسألة الصلاة فمن لم يؤدِّ الصلاة عندهم يطرد، ويصبح من المنبوذين، وهم الطبقة الخادمة الشودر وهذا عقاب القاسي إضافة إلى حرمانه من حقوق المولودين ثانية أي: من انتقلت إليهم روح كانت لها حياة سابقة، ولعل ذلك يشكر دليلًا على أهمية الصلاة في شعائرهم؛ ولأن الهنود مولعون بالتمسك، والاعتزال في الغابات، وعلى ضفاف الأنهار، فإن شرعهم يرشد إلى عبادة تولد الاطمئنان، وهي تلك التي يمكن أثناءها أن يمارس المرء تأمل العقلي طلبا لصفاء النفس، فقد جاء عندهم لا بأس بأن يقوم المرء بالعبادات حتى ولو بقراءة "كيتري" وحدها؛ وذلك بالقرب من نهر أو من غابة، وهو مطمئن البال مستجمع الفكر.
ويستخدم الهندوس عن طقوسهم في معابدهم برفقة الكاهن إضافة إلى الماء في النهار النار التي يوقدون بها البخور ومع ذلك الأزهار، والصلاة التي تؤدى في المعابد
стр. 119
تؤدى على الشكل التالي يتلو الكاهن تعاويذه التقليدية، وبعدها يركع الشخص تحت قدمي الصنم متضرعًا يتلو الكاهن الأدعية التقليدية كل طبقة لها وضع خاص في الأدعية التي يتلوها الكاهن في الختام، يتلو الكهنة دعاء مخصوصًا يصلي الشخص ثم يرش الماء، ثم يخرج.
ومن شعائرهم إحراق الموتى والنفس هي الأساس في المفهوم الهندوسي والبدن ليس له اعتبار كبير وضمن نظام التناسخ فإن النفس عندهم تنتقل في دورة الحياة من بدن إلى آخر؛ طلبًا للزكية، والتطهر حتى إذا ما تم لها ذلك توقف حلولها في الأبدان، وأتحدث بالروح الكلية "النيرفانا" لذلك اعتمدوا نظامًا قاسيًا مع البدن في الحياة، وإذا ما مات المرء فيكون في طقوسهم إحراق الجسمان، ومن ثم وضع الرماد في أنبوب، وإلقاء هذا الرماد في نهر "الغانج" النهر المقدس عندهم.
والغريب عندهم: أنهم يعدون من باب تكريم البقرة دفنها إذا ماتت ضمن مراسيم معينة بينما الإنسان يحرقونه، والأكثر غرابة ما كان سائدًا عندهم بشأن النساء، حيث كان من طقوسهم إحراق المرأة حية مع جسمان زوجها المتوفى، وبقيت هذا العادة السائدة عند بعضهم حتى أواسط القرن التاسع عشر للميلاد حيث سنت الحكومة البريطانية التي كانت تستعمل الهند يومها قانونًا يمنع ذلك.
"اليوغ" الإنسان في الهندوسية من نفس "أتمان" وجسده أشبه ما يكون بحاجز كثيف يمنع النفس من انعتاق من توالي دورة الحياة عليها ليتحقق الإتحاد من الروح الكلية، أو بالإله براهما؛ لذلك اعتمد الهندوس مصطلح كارما، ويشير هذا المصطلح إلى نظريته في الولادة، وتناسخ الأرواح بين الأبدان، ومصير الإنسان خاصة النفس مرهون بأعمال الإنسان نفسه؛ فإذا سلك الإنسان
стр. 120
سبل الخير، والعمل الصالح، وقام بواجباته الدينية، بلغ "المقشى" و"انعتق" من دورة الحياة والموت، واتحد بالكل براهما، وإذا سلك الإنسان طريق الشر والمفاسد وأهمل الواجب بقيت روحه متنقلة من جسد لآخر، وتتكرر عليها دورة الحياة والموت.
لهذه الغاية عمد الهندوس إلى رياضة "اليوغ" و"اليوغا"، وهي التحكم بالتنفس، وبالجسد، والعمل لتلاشيه، وإماتة شهواته يجب أن تقترن بما يستمونه "هيمسا"، أي: اللاعنف، والامتناع عن توجيه الأذى للآخرين من البشر، أو المخلوقات، وكل ما فيه حياة بما فيه ذلك الحيوان" أو النبات إن "براهما" وأتمن النفس واحد؛ لذلك تكون "اليوغا" من أجل إعادة هذه اللحمة التي انفكت عند نزول النفس في بدن فمطلب تحرير النفس لتتحد براهما إذا هو غاية "اليوغا"، أو تسمى اليوجا، وبذلك تكون ممارسة "اليوغا" أمرًا مطلوبًا لتحقيق الحكمة التي من خلالها يمكن القضاء على الجهل الذي يتسبب في الخلط بين "البروشا" الروح و"البلاكريتي" أي: المادة ويكن أيضًا إدراك الطبيعة الجوهرية للذات: واعتبارها "البوشا" الروح.
إن "اليوغا" تحدث في شبه انفصال للنفس والبدن رغم تلاقيهما؛ بحيث لم تعد آلام البدن ذات فعل في النفس، و"اليوغا" تمكن الإنسان من الخلاص من الدنيا وزينتها، وهو على قيد الحياة، وهذا فضله؛ لأن الخلاص بالموت واحد للجميع.
"اليوغ" هي السبيل للخلاص من الآلام والبلايا؛ تمهيدًا لتحقيق "النيرفانا" التي بها يتم الإتحاد والذوبان الكامل لأتمون الروح ببراهما؛ هكذا تنتهي "اليوغا" بالإنسان إلى خلاص من نير البدن، ومن نوازع الأنا ليكون محبًّا للناس جميعًا
стр. 121
هذه الدرجة الرفيعة تعطي لصاحبها لقب "مهاتما"، وهو لقب يطلق على الصلحاء، والقديسين عند الهندوس، والكلمة بالأصل من مقطعين أتما أو أتمن، أي: الروح ومها معناه العظيم؛ وبذلك يصبح من تحقق له الخلاص صاحب الروح العظيم.
المرأة عند الهندوس:
إن الهندوسية التي اعتمدت نظامًا طبقيًّا جائرًا ظلمت كذلك المرأة، وسلبت منها الحرية، والحقوق بكل أنواعها، ولم تعطها أية ما كان وبمراجعة نصوصهم في شرعهم "مينوساماتري" نجد ما ورد في حق المرأة ظالمًا لا يقر لها بأبسط الحقوق الإنسانية المرأة عند الهندوس خاضعة في شتى مراحل عمرها للرجل، ويحل واحد بعد آخر في هذا الأمر فتكون مسئولية الأب، وبعد الزواج للزوج، وبعد وفاة الزوج للابن ورد ذلك عندهم في نصيين لا تليق الحرية المطلقة بالمرأة قط، بل يجب أن يرعاها أبوها في صغرها وزوجها بعد ذلك وابنها في كبرها يجب على المرأة وهي صغيرة، وشابة، أو مسنة ألا تعمل عملًا، ولو داخل دارها بمطلق إرادتها وحريتها، بل يجب أن تكون في صغرها تابعة لأبيها، وفي صباها لزوجها وإذا مات زوجها فلابنها، ولا تكون مطلقة الحرية.
وتعطي الشريعة الهندوس للرجل حق التسلط على زوجته في شتى وجوه حياتها وسلوكه الديني والدنيوي حتى العبادات عندهم من صلاة وصوم لا تؤديها إلا من خلاله، ويطالبونه أن تطيعه لدرجة العبودية، وأن تكون طاعتها له قائمة حتى لو كان منحرفًا، وغير صالح، وبذلك يكون مجتمع الهندوس مجتمع ذكوريًّا بكل الكلمة من معنى، ورد عندهم حول هذا الموضوع ما يلي:
стр. 122
على المرأة المخلصة أن تحترم زوجها كالإله، ولو كان عاريًا من كل فضيلة وكان يميل إلى غيرها.
ليس على المرأة أن تقوم مستقلة عن زوجها بعمل تقدمه، ولا أن تنذر نذرًا، ولا أن تصوم؛ لأن المرأة المطيعة لزوجها تنال الفردوس الأعلى بطاعتها له.
جاء عندهم قد فُطِرَ النساء على إغراء الرجال، فعلى العقلاء أن يحذروهن إن في استطاعة النساء استهواء حتى العلماء من الرجال، وجعلهم عبيد الهوى والغضب.
وتدعو الهندوسية الرجل إلى عدم مواقعة زوجته وهي في الحيض، وهذا أمر يلتقون فيه مع الشرائع السماوية، ولكنهم لا يقفون عند هذا الحد، بل يذهبون إلى القول بالابتعاد عن المرأة أثناء الحيض، وعدم النوم على فراشها، أو استخدام ما تمسه من أدوات طول هذه المدة، ويعطون صورة منفرة عمن يواقع زوجته في الحيض، ويرغبون بالمقابل باجتناب في هذه الحالة ورد في "مينوسامتري" حول هذا الأمر، وعليه -أي: الرجل- ألا يقترب من زوجته عند ظهور دم الحيض مهما غلبت عليه شهوته، وألا ينام معها بفراش واحد، وهذا معروف عند اليهود أيضًا.
إن وطء الحائض يذهب العقل، والنشاط، والقوة، والجمال، وبالاختصار إنه يضيع الحياة كلها واجتنابها، وهي في حالة الحيض يزيد العقل، والنشاط والقوة، والعمر والمرأة، عند الهندوس لا تتاح لها فرصة التحصيل العلمي خاصة الفلسفة؛ لأنها لا تطيق ذلك، ويقودها إلى الجنون، وكذلك يحرمونها دراسة كتب "الفيدا" و"لويدا" المقدسة عندهم ينقل "ديوارانت" في هذا
стр. 123
ففي "المهاباراسا" إذا درست المرأة كتب "الفيدا" كانت هذه علامة الفساد في المملكة.
إن البراهما يحولون بين زوجاتهم وبين دراسة الفلسفة؛ لأن النساء إن عرفن كيف ينظرن إلى اللذة والألم، والحياة والموت نظرةً فلسفيةً أصابهن مس من الجنون، أو أبين بعد ذلك أن يظللن على خضوعهن.
والهندوس يشجعون على الزواج المبكر، ويعتبرون عدم الزواج عارًا، ومنذ الصغر يهتم الأهل بإتمام زواج أولادهم، والزواج يربط المرأة بزوجها رباطًا أبديًّا؛ لذلك انتشر عندهم إن مات الزوج قبل الزوجة أن تحرق الأرملة مع جثمان زوجها؛ لأنه خير لها ألا تبقى بعده، ويدعون للتباعد في الزواج بحيث يتزوج الإنسان من قريباته، إما لجهة الأم أو الأب، ويضعون بعض التوجيهات لجهة اختيار الزوجة في "مينوساماتري" عن الزواج ما يلي:
إن خير زوجة للمولود هي التي ليست من قريبات الأم، ولا من أسرة الأب وإذا كان موضوع حرق المرأة الأرملة مع جثمان زوجها قد توقَّفَ بشكل شبه نهائي بعد قانون أصدره المستعمرون الإنجليز سنة ألف وثمانمائة وثلاثين من الميلاد؛ فإن المرأة ظلت محرومة من الميراث أبويها حتى سنة ألف وتسعمائة وست وخمسين من الميلاد؛ حيث صدر قانون في الهند يعطيها هذا الحق إلا أن المرأة لم تنتهِ معاناتها بعدُ في مجتمع الهند حيث إشكالية الدوقة التي على أهلها تأمينها كي تقبل كزوجة، وهذا الأمر وبعد تطور الفحص الجنيني قبل وضع الحمل معرفة جنس الجنين ساعد على انتشار حركة الوأد الخطيرة للمولود الأنثى، إما بالإجهاض، أو بالدفن لحظة الولادة.
стр. 124
وهذا الأمر ليس بعيدًا؛ ففي أوائل أغسطس من عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين الميلادية أصدر البرلمان الهندي قانونًا يحذر إجراء الفحوص الطبية لتحديد نوع الجنين قبل ولادته؛ لأن طلب الأهل للذكور دون الإناث كان يؤدي بعد معرفة نوع الجنين إلى ممارسة عمليات الإجهاض للإناث من الأجنة، وبعض الأسر الفقيرة في ولايتي كامل و"راجستان" تقوم بقتل المواليد الإناث بعد دقائق قليلة من الولادة، وهذا يحصل غالبًا في الأسر الفقيرة التي يكون فيها عدد من الإناث، ولا يستطيع الأهل القيام بواجب التجهيز.
بقي أن نقول بأن الهندوسية تعطي للرجل حق تطليق زوجته وهذا الحق غير معطى لها أما الأمور التي تبرر له هذا الطلاق، فهي بحسب شرعهم في مينوسامتري محددة بالنص التالي:
يحق للرجل أن يطلق زوجته إذا ما ظهر له فيها عيب، أو مرض أو أنها غير بكر، أو أنها أعطيت له بخدعة.
من تقاليد الهندوس
ثم أنتقل بك أيها الدارس الكريم إلى شيء من تقاليد الهندوس:
لا تجلس على الحصير، أو الفراش الجالس عليه من هو أكبر منك قدرًا، وإذا كنت جالسًا، ودخل عليك من هو أكبر منك قدرًا، فَقُم له، واستقبله، وسلم عليه، والصغير إذا لقي الكبار عليه أن يبدأهم السلام، وأن يعرفهم بنفسه، ومن لا يعرف ألفاظ السلام يستخدم مع الكبير تعبيرًا "تمسكار" أي: انحني أمامك.
في نصوصهم: "على الصغير إذا ما لقي كبيرًا أن يعرفه بنفسه بعد السلام عليه قائلًا: أنا فلان
стр. 125
هذا التكريم ينطلق من القدر، والعلم لا من العمر فقط ويتسع ليشمل عددًا كبيرًا من ذوي الشأن المحيطين بالإنسان؛ لذلك جاء الأمر عندهم بضرورة احترام، وإجلال مجموعة كبيرة من الأشخاص.
قف وعظِّمْ خَالَكَ، وعمك، وحماك، والعلماء الذين يقومون بالأعمال الدينية وأستاذك ولو كانوا أصغر منك سنًّا، وقبل ذلك؛ فالتكريم الأكبر، والاحترام الأعم هو للوالدين، فهما أصحاب الفضل الأساسي على الإنسان، وقد عانيا ما عانيا في تربيته، وإعداده ليس بالمستطاع مكافأة الأبوين حتى ولا بمائة سنة على ما يقاسيانه من العذاب في نسل الأولاد.
على التلميذ أن يقوم على خدمة الأبوين، والأستاذ بما يرضيهم، وبذلك ينال ثواب عبادته كلها، إن طاعة هؤلاء الثلاثة هي خير العبادات؛ فعلى التلميذ ألا يقوم بعبادةٍ ما رجاءَ الثواب، وزيادةَ الحسنات إلا بإذنهم؛ فالوالدان؛ والأستاذ هم أكثر من يحسن للإنسان، ويسهم في تشكيل شخصيته لذلك وجب عليه أن يبادلهما الإكرام والإجلال، وهذا الاحترام يعبر عنه بأسلوب المخاطبة، وبالهيئة عند التخاطب مع الأستاذ.
والأدب الهندوسي في هذا الباب فيه: يجب على التلميذ ألا يكلم أستاذه وهو مضطجع، أو وهو جالس على حصير، أو وهو يأكل، أو كان منحرف الوجه عنه، بل عليه أن يكلمه قائمًا إن كان الأستاذ جالسًا، ويتقدم إليه، ويقترب منه إن كان قائمًا، ويسرع إليه إن كان قادمًا، ويركض خلفه إن كان سائرًا، والهندوسي عليه أن يسعى إلى النعيم الأخروي؛ وبذلك عليه أن يتحمل الأذى في الدنيا، وألا يرد الإساءةَ بمثلها.
стр. 126
وفي الهندوسية جملة وصايا تصب كلها في مجمل اتباع الفضائل، فقد جاء في نصوصهم: "لا تؤذي غيرك ولو أوذيت، ولا تتكلم بما يؤذي غيرك، ويمنعك من النعيم الأخروي، ولا تحسد الآخرين على ما آتاهم الله من فضله واحرم الهندوسية القمار، وتطالب الحاكم أن يمنع القمار، وكل أشكال الرهانات وأن يعمل على معاقبة ذلك.
ويعدون القمار كسبًا غير مشروع، وهو من جملة أنواع السرقة يقولون في تحريم القمار على الملك أن يمنع المقامرة، والرهان في مملكته؛ لأنهما يبيدان الملك على الملك أن يعمل جهد طاقته لإبادة المقامرين والمراهنين؛ لأن القمار والرهان سرقة ظاهرة، وتستمر مسيرة القيم مع الهندوسية، فإذا بها تحرم الرشوة، وتحارب النفاق، والتدليس، وتحظر التنجيم، والارتزاق من خلاله، كما أنها تعاقب من لا يمارس عمله خاصة الأطباء بصدقٍ وأمانة، وتطالب الحاكم بأن يلاحق هؤلاء، وينزل بهم العقاب المناسب لاستئصال الفساد من المجتمع.
ورد في شرع "مينو سماتري": "أن المرتشي، والماكر، والمدلس، والمقامر والمعلم الذي يعلم أداء الطقوس الدينية بالأجر لا للصواب هو الذي يسلك بالخبث، والنفاق، والذي يعيش بالتنجيم، ورجال الحكومة الكبار، والطبيب الذي لا يمارس مهنته بصدق، والمشعوذ، والمومس الماكرة، وغيرهم من الناس الذين يخادعون، ويمكرون جهرًا، والذي يتزي بزي الفرق العالية هم شوك للرعية على الملك أن يستقصي أخبار هؤلاء الناس، ويقبض عليهم؛ فإذا أصبحوا في قبضة الملك عليه أن ينظر إلى إجرامهم، وإلى قواهم البدنية، ثم لينزل العقاب بكل واحدٍ منهم بالنسبة إلى جرمه، والهندوسية تحرم السرقة، وتنزل أشد العقوبات بالسارق، وتتدرج العقوبة وصولًا إلى الإعدام حالة تكرار فعلِ السرقة.
стр. 127
يقول شرعهم: "على الملك أن يقطع أيدي اللصوص الذين يسطون على المنازل ليلًا للسرقة، ثم ليصلبهم فتقطع إصبع اللص في أول سرقة يسرقها وتقطع يده وقدمه في السرقة الثانية، ويعاقب بالموت بالسرقة الثالثة، ومن آداب الهندوسية، وشرعها تحريم الغش، وبالتالي فمن يغش عندهم له العقاب، ولا يصح أن يمر عمله بلا عقاب؛ كي يرتدع سواه كي يرتدع وسواه عن فعل الغش.
ورد في "مينو ساماتري" يعاقب بالغرامة المالية الصغرى، أو المتوسطة كل من يغش زبائنه، أو يغالي في الثمن، وتحرم الهندوسية الخمر؛ لأنه نجس، ومصدر للخبث، كما في قانون "مينوساماتري" إن الخمر نجسة كالإثم فعلى المولودين ثانية ألا يشربوها.
ومن صور الأخلاق عند الهندوسيين: نقول إن أغلى ما يطمع فيه البربهمي هو الانطلاق، والاندماج في براهما، ودستور العقل الهندي للوصول لهذه الغاية كان دائمًا الزهادة المفرطة بالصوم، وأرق الليل وتعذيب النفس، كما كان بأن يعيش أسير الحرمان، ويحمل نفسه ألوان البلاء، وبأن يبدو دائمًا كثير الهموم، والخوف والنشاذ، هو لا يتمنى الموت لأن الموت ينقله إلى دورة جديدة من دورات حياته، بل يرجو لنفسه الفناء في براهما.
اعتقاد الهندوس حول تناسخ الأرواح
أنتقل بك إلى ما يعتقده الهندوس حول تناسخ الأرواح حيث يؤمن الهنود بتناسخ الأرواح:
ومعناه: أن الروح حينما تفارق جسدها عند الموت تنتقل إلى جسد آخر وتستمر هكذا في التنقل حتى تستقر في أصلها الأول الذي صدرت منه وهو الله تعالى، وفكرة التناسخ هذه تتضمن فكرة وحدة الوجود الذي قال بها الهنود؛ لأن جميع الكائنات في نظرهم تتضمن روحًا صدرت من الله الواحد، والكائنات في الحقيقة هي الروح السارية فيها.
стр. 128
وما المادة المحسوسة إلا مظاهر فانية لا قيمة لها، والأرواح حينما تصدر من مقرها الأول تبقى عاشقة للعودة إلى مصدرها، وأصلها، ولكن اختلاطها بالمادة، وتشابكها مع الشهوات يؤخر لها تحقيق هذا الأمل.
إن الموجودات كلها قد صدرت عن الله، وستعود إليه؛ فهو وحده الموجود وهو أصل كل موجود سواه، وفي إطار وحدة الوجود يفهم التناسخ الروحي لأن الروح تفارق الجسد المادي عند الموت، وتنتقل إلى جسد آخر.
وأكد البيروني هذه القضية، ويورد نصوص من الكتب الهندوسية تقول: قال ياسدوا لأرجن: إن كنت بالقضاء السابق مؤمنًا؛ فاعلم أنهم ليسوا، ولا نحن معًا بموتى، ولا ذاهبين ذهابًا لا رجوع معه؛ فإن الأرواح غير مائتة، ولا متغيرة إنما تتردد في الأبدان على تغير الإنسان من الطفولة للشباب والكهولة، ثم الشيخوخة التي عقباها موت البدن، ثم العودة كيف يذكر الموت، والقتل من عرف أتن النفس أبدية الوجود لا عن ولادة ولا إلى تلف وعدم، وهي ثابتة قائمة لا سيف يقطعها، ولا نار تحرقها، كل مولود ميت وكل ميت عائد، وليس للإنسان من كلا الأمرين شيء، وإنما هما إلى الله الذي منه جميع الأمور وإليه تصير.
إن الاعتقاد في التناسخ عندهم يعتمد على بعض القضايا اليقينية في نظرهم وهي:
الإنسان في الحقيقة بروحه لا بجسده؛ لأن الجسد ينتهي، أما الروح فهي باقية خالدة، وهي جوهر الإنسان.
الإحساس بالسعادة أو بالشقاء متعلقٌ بالروح لا بالجسد، والعقاب بعد الموت يكون بالروح فقط.
стр. 129
تنزل الروح من مصدرها طاهرة نقية؛ فإذا ما اختلطت بالجسد عاشت بين الأهواء، والشهوات، ومالت إليها.
أعمال الإنسان في حياته تستتبع نتائجها بعد الموت بالضرورة؛ فإن كان عمله خيرًا نالت روحه الخير، وإن كان عمله شرًّا؛ جوزيت روحه بالشر وذلك يتحقق بالتناسخ؛ لأن الإنسان الذي يعمل خيرًا، تنتقل روحه إلى جسد صالح طاهر أرقى من الجسد السابق وهي بذلك تسعد أما الإنسان السيئ؛ فإن روحه تجازى بأن تنتقل إلى جسد ناقص شقي تشقى فيه، وهكذا تجازى الروح.
إن الهنود لا يشكون في أن الأفعال التي يقوم بها الإنسان بإرادته فتحسن إلى الآخرين، أو تسيء إليه لابد أن يكافأ عليها ذات يوم، أو يعاقب بها، وكل من يفلت من هذه الحياة يجنيه في حياة أخرى؛ لأنه لا يموت موتًا كاملًا، إن النفس في كل كائنٍ هي شخصيته، ولا يمكن أن تصير إلى فناء.
إن النظر في تفاوت الظروف في الحياة الدنيا يؤدي حتمًا إلى التسليم بأنه كان ثمة حياة سابقة، كذلك يتحتم أن يكون الموت مفضيًا إلى حياة جديدة تنال فيها النفس جزاء ما قدمت في الحياة التي انقضت، ولكن إلى متى يستمر التناسخ.
التناسخ مستمر إلى أن تصل الروح إلى الخير التام وتندمج في الإله براهما، ووصولها إلى الخير التام ليس بالأمر المستحيل، إن الروح تستمر خلال التناسخ في التجوال صعودًا، وهبوطًا حتى تتمكن من قهر الشهوات والقضاء على الرغبات الدنيا، والوصول إلى نهاية السلم؟ وحينئذ تتقمص جسدًا راقيًا نظيفًا، وبعده تستقر في الخير الأعلى وبذلك يتحقق الهدف الأقصى للروح فتثبت، وتعيش في سعادةٍ دائمةٍ وغامرة.
стр. 130
ويلاحظ هنا أن الهنود يفصلون الجسد عن الروح، ويجعلون كلًّا منهما مستقلًّا عن الآخر، وفي نفس الوقت يحملون كلًّا منهما ما يرتكبه الآخر من أوزار؛ فالروح تتقمص جسدًا تشقيه إذا ارتكب إثمًا، والجسد إذا أثم يجعل الروح آثمة معه، وهم بذلك يترددون بين مذهب الجبر، ومذهب الاختيار، وفي إطار الإيمان بتناسخ الأرواح يظهر لنا إيمان الهنود بأمور ثلاثة:
أ- تجوال الروح وهو يعني تنقل الروح من جسد إلى جسد.
ب- وحدة الوجود وهو يعني أن الكون كله منبثق عن الله وما الكون كله إلا مظهر لله.
ج-الانطلاق وهو يعني عودة الروح إلى بارئها الأعلى ولامتزاجها في حقيقتها الأصلية.
ويدافع بعض فلاسفة الهنود المعاصرين عن الإيمان بهذه الجوانب المتصلة بالروح؛ حيث يرى في الوحدة الروحية دافعًا للمحبة الاجتماعية؛ فحين نفهم أننا كأغصانِ شجرةٍ واحدة توجد عواطف التضامن والتعاون والمحبة، إن من يرى جميع المخلوقات في الوجود الواحد.
ويرى الموجود الواحد في جميع المخلوقات لا يكره أحدًا، ويتحرر من الوهم ومن الألم إلى الأبد والأديان السماوية ترى أن الروح من الله، وأن لها دورها الكبير مع الجسد، وأنها لا تموت مع الجسد، وهي في هذا تتفق مع العقيدة الهندوسية، لكنها تختلف عنها في أن لكل كائنٍ مخلوق روحه الخاصة به، ولا تناسخ بين الأرواح، وأن الآخرة هي دار الجزاء الحقيقي وأن النعيم والعذاب يلحق بالجسد والروح.
стр. 131
ثم الحديث عن الجنة والنار يؤمن أغلب الهندوسيين بالجنة، والنار كضرورة للجزاء عن الأعمال الخيرة، أو السيئة، وهما عندهم في الدنيا، والجزاء فيهما متعلق بالروح فقط، وحتى تتفق عقيدتهم في تناسخ الأرواح يقولون بمنازلهم أربعة تعيشها الروح.
المنزلة الأولى: العليا وهي الجنة التي تنعم فيها الأرواح، وتنال الجزاء الحسن على ما عملت من خير حيث تمكث فيها الروح مدة محددة بمقدار العمل الذي أدته، ثم تنتقل منها بعد انتهاء المدة إلى المنزلة الثانية وتسمى الجنة عندهم.
المنزلة الثانية الوسطى: وهي مجتمع الناس، حيث العمل والكسب، وفيها يكون تناسخ الأرواح وتجوالها، فإذا ما قامت الروح بدورها في هذه المنزلة، تنتقل إلى المنزلة الأولى العليا إن كانت راقية، وتذهب إلى منزلة الثالثة السفلى إن كانت على خطأ ونقص، ويسمون هذه المنزلة مارلوك.
المنزلة الثالثة السفلى: وهي النار، وتأتيها الأرواح الآثمة لتأخذ عقابها فالذي تستحقه، وتمكث فيها مدة معينة تخرج منها إلى منزلة رابعة الأدنى، والمنزلة الثالثة تسمى عندهم "ناكلوك" المنزلة الرابعة الأدنى، وهي المنزلة التي تعيش فيها أرواح النبات، والحيوانات غير الناطقة، وتهبط إليها الرواح بعد انتهاء عقوباتها في النار، وليس بعد هذه المنزلة منزلة أخرى فإذا ما ترقت الروح فيها انتقلت إلى المنزلة الثانية حيث تعمل وتنشط وتنال حظها الذي يستحقه صعودا أو هبوطا وهكذا تتحرك الأرواح في منازلها المذكورة تبعًا لتصورٍ معينٍ لا يتعارض مع تناسخ الأرواح.
стр. 132
ومما ذكره الهندوسيون نرى: أن المنزلة الواحدة في حركة الأرواح تتكون من مراتب عديدة تصل إلى المئات كما أنهم يحددون لكل عمل مرتبة معينة ومعنى هذا أن الروح قد تمكث في منزلةٍ واحدة آلاف السنين متنقلة بين مراتبها العديدة، ومن البرهميين من ينكر فكرة الجنة والنار ويكتفي بما في التناسخ من عقوبة وجزاء.
العبادات الهندوسية والطقوس الدينية
وأنتقل بك إلى الحديث عن العبادات الهندوسية والطقوس الدينية؛ حيث تحدد المصادر الهندوسية الهدف الأسمى للهندوسي، وتذكر أن غايته الوصول إلى الإله والفناء فيه، وترى أن هذا هو قمة السعادة للإنسان؛ ولذلك نجد الهندوسية توضح المنهج الأمثل لتحقيق هذا الهدف.
إن المنهج الهندوسي يشمل طقوسًا، وعبادات معينة، كما يشمل نظمًا وأخلاقًا، والعبادات في الهندوسية كثيرة، وهي أساس المنهج للوصول عادة، وأهمها ما يلي:
أولًا: الحج: وهو قصد أحد البلاد الطاهرة، أو أحد الأصنام المعظمة، أو أحد الأنهار المطهرة يغتسل الهندوسي بها، ويخدم الصنم، ويهدي إليه، ويكثر من التسبيح، والدعاء، ويتصدق للبراهمة، والسدنة، ويحلق رأسه، ولحيته والحج عند الهندوسيين تطوع، وفضيلة، وليس فرضًا ملزمًا.
وقد حددت النصوص الهندوسية الأماكن التي يحج إليها أو التي يحج إليه الهنود كما أنها أجازت الحج إلى أيِّ مكانٍ يوصف بفضيلةٍ ما في أيِّ وقتٍ كما أنهم يفضلون بعض الأماكن على غيرها، ومن المفضلة بلدة "بارانسي" وزهادهم يقصدونها، ويلازمونها، ويحرصون على أن تأتيهم أجيالهم فيها
стр. 133
ويقولون: إن سافك الدم مأخوذٌ بذنبِهِ إلَّا أن يدخل بلدة "بارانسي" فينال فيها العفو الغفران، ومن هذه الأماكن "بوكر" و"كشمير" وهناك العديد من الأساطير حول السبب في تعظيم هذه الأماكن المعظمة.
ثانيًا: الصوم: وهو إمساك عن الطعام مدة ما يقول البيروني، والصوم أنواع يختلف كل نوع بحسب مقدار المدة، وبحسب صورة الفعل، فأما الأمر المتوسط الذي به تحصل شريطة الصوم فهو أن يعين اليوم المصوم فيه ويضمر اسم يتقرب به إليه على أن يبدأ الصوم، من ظهر اليوم السابق إلى شروق شمس اليوم التالي، أو إلى الظهر منه على أن يعلن اسمًا يصام لأجله في يوم الصيام نفسه مع الإكثار من التسوك، والاغتسال.
ومن الصوم أنواع أخرى كأن يأكل عند الظهيرة فقط ثلاثة أيام، ويعقبها بالطعام في العتمة ثلاثة أيام كذلك، وهكذا تنوع الصوم عند الهندوسي تبعًا لاختلاف مدة الانقطاع عن الصوم، وتبعًا للغرض الذي من أجله كان الصوم.
ويرى الدكتور على عبد الواحد وافي: أن عبادة الصوم نوعان نوع خاص لرجال الدين البرعميين حيث يلزمهم الصيام في أوائل كل فصل من فصول السنة ووقت الكسوف، ومن غروب الشمس إلى غروب الشفق الأحمر كل يوم، وصوم الخاصة فرض لازم ونوع للعامة، ومنه الصوم الذي أوردناه أولًا وصوم العامة فضيلة، وتطوع؛ وعلى الجملة فسائر صوم الهندوسي مرتبط بمواقيت فلكية الأمر الذي جعل الهنود يتفوقون في علم الفلك، ومنازل القمر،
стр. 134
والصوم الهندسي من العبادات الهامة؛ لما له من أثرٍ واضحٍ في إهمال المطالب الحيوانية للجسم وإضعاف القوى الجسمية والإقلال من تحكمها في الإنسان، وهذا أساس لتحقيق الغاية المرجوة، وهي الفناء في الله، والاندماج معه.
ثالثًا: الذكر: وهو عبادة تشمل قراءة الأوراد والدعوات الدينية، والتسبيح ولزوم الصدق، وملاينة الناس في الحديث، والأمر بالمعروف، والوعظ والتذكير.
رابعًا: الصلاة وهي تسبيحٌ وسجودٌ، ويكون بوضع الإبهامين على الراحتين المتجهتين نحو الشمس أيًّا كانت.
خامسًا: تقديم القرابين: وهي تقديم أنواع من الأطعمة، والأشربة للآلهة مع ترتيل الأناشيد، وتأدية الرقصات، وحركات أمام الآلهة التي تعددت وكثرت.
سادسًا: حرق الموتى؛ حيث يقوم الهنود بحرق موتاهم في كومة من خشب السندل تحت إشراف الكهنة الذين يدهنون جسم الميت بالشحوم والدهون، ويرتلون الأناشيد أثناء الحرق وقبله، ويبقى أهل الميت بجواره أربعًا وعشرين ساعة، وذلك ليجمعوا الرماد لإلقائه بعد اثني عشر يومًا في النقطة التي يعتقدون أن نهري جمنى والجاج يلتقيان فيها بين أهل الأسطوري عند بلدة الله أباد.
سابعًا: عبادة البقر؛ حيث يتجه الهنود بالعبادات السالفة الذكر في بعض الأحيان إلى البقرة وهي من المعبودات الهندية التي لم تضعف قداستها مع الأيام.
يقول المهاتماهاندي: إن حماية البقرة التي فرضتها الهندوسية هي هدية الهند إلى العالم، والفكر الهندي يعتقد أن البقرة هي أم الإنسان. إن البقرة خير رفيق للمواطن الهندي، وهي خير حماية للهند، عندما أرى البقرة لا أعدني أرى حيوانًا؛ لأني أعبد البقرة، وسأدافع عنها أمام العالم أجمع إنها تفضل أمي
стр. 135
الحقيقية؛ لأنها تمنحنا اللبن دائمًا، ولا تطلب مقابل ذلك سوى الطعام العادي، ولا تكلفنا علاجًا إذا مرضت، وإذا ماتت تنقطع بعظمها وجلدها وقرونها، وإذا ماتت ينتفع بعظمها، وجلدها، وقرونها.
إن ملايين الهنود يتجهون للبقرة بالعبادة والإجلال، وأنا أعد نفسي واحدًا من هؤلاء الملايين، ومن العجيب أن يصدر هذا التعظيم للبقرة من مفكر كبير حرر قارة بأكملها هو "المهاتماهاندي" لكنه الضلال الذي يصاحب الإنسان حين يبعد عن طريق الله، واقرأ معي قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (الكهف: ١٠٣ - ١٠٥).
وتلك حالة تفسر ألوان الضلال الذي يحدث من العلماء والمفكرين، وكثير من الرجال المشهورين.
هذا؛ ومن العبادات إلى الشرائع؛ حيث تتضمن كتب المقدسة عند الهنود عددا من الأسس والشرائع المنظمة لحياة الهندية في إطار الطبقات التي أشرنا إليها، ومن هذه النظم تنظيم الدولة على أساس خضوعها لملك من البراهمة يختاره الشعب لحماية حدود الدولة من أعدائها، وعلى الملك أن يقود الجيش بنفسه، وله على الرعية الطاعة، ودفع الخراج، والهدايا والأموال.
وفي شرائعهم توضيح مكانة المرأة في المجتمع؛ وإذ الشريعة الهندوسية لا أهلية لها -كما أشرنا قبل- ووضع نظام للحياة الفردية، وللنشاط الواجب الإتباع حيث يقسم هذا النظام عمر الرجل إلى أربعة مراحل متساوية كل منها خمس وعشرون عامًا؛ ففي المرحلة الأولى يشهد الفرد بناء صحته وقوته وعقله وروحه، ثم الحالة الثانية يتزوج، ويرعى أسرته، ثم الحالة الثالثة يهتم بخدمة المجتمع بقدر استطاعته،
стр. 136
ولا يجعل نشاطه كله لأسرته، وفي المرحلة الرابعة يهتم ببقية روحه والصعود بها إلى عالمها الأسمى ليتحقق له الانطلاق.
وفي التشريع الهندوسي وضع نظام للزواج الذي يتم عن طريق الاستيلاء على المرأة بالقوة وبخاصة في طبقة القشتريا، وتبيح الهندوسية نكاح الاستضلاع الذي حرمه الإسلام، كما تبيح أن يشترك في المرأة الواحدة عدد من الأزواج إذا كانوا إخوة، كما تبيح تعدد الزوجات للزوج الواحد، والهندوسية تحرم الزواج على القديسين من رجال الدين.
وتضع الهندوسية نظامًا للميراث حيث يرث الابن أباه، ولا ترث البنت ويحددون حق الملكية الفردية في العقار والمنقول، وتضع الشريعة الهندوسية نظامًا للمسئولية يأخذ بفكرة المسئولية الجماعية في القتل والسرقة والنكاح، وغير ذلك وتحدد مسئولية الملك والحاكم، ومن الشرائع إلى الأخلاق حيث تدعو الهندوسية إلى العديد من الفضائل الأخلاقية الراقية تعتمد وصايا عشرة كأساس للأخلاق عندها وهي:
١ - مراعاة الكائن الإلهي.
٢ - مقابلة الإساءة بالإحسان.
٣ - القناعة واحترام ملك الآخرين.
٤ - الاستقامة.
стр. 137
٥ - الطهارة الشاملة.
٦ - كبح جماح النفس والحواس.
٧ - دراسة الفيدا والتعقل.
٨ - الصبر والمثابرة.
٩ - الصدق وحب الحقيقة.
١٠ - اجتناب الغضب.
كما يحددون الرذائل التي يجب أن يبتعد عنها الهندوسي بشكل مفصل وربطت الهندوسية الأخلاق بالجزاء حيث يلقى صاحب الفضائل ثوابًا روحيًّا ويلقى صانع الرذائل عقابًا أليمًا، والهنود يأخذون من أخلاقهم قاعدة ذهبية تقول لا تصنع بغيرك مالا تحب أن يصنعه غيرك بك، وأحب لغيرك ما تحبه لنفسك أشد الحب، وهم يرون في هذا القاعدة مبدأ سلام، وأمان للجميع.
وأختم بالكلام عن المذاهب في تفسير نشأة تطور أديان الهند حيث ذهب العلماء في تفسير نشأة أديان الهند وتطورها مذاهب متعددة نشملها في اتجاهين رئيسين:
الاتجاه الأول: يذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى أن أديان الهند جميعا نشأة بطريق التطور الطبيعي ويرونها في بدايتها مجموعة من العادات والتقاليد القديمة التي حولها الهنود خلال القرن الثامن قبل الميلاد إلى دين منظم شامل لألوان من
стр. 138
العبادة، والطقوس المختلفة، ويذهب هؤلاء إلى أن البداية قامت على تعدد الآلهة في صورة بدائية حيث كانوا يقولون: إن الليل إله، والصبح إله.
وكانوا يتقربون إليهما بشرب الخمر، وكانوا يألهون الشمس ويسمونها بأسماء متعدد، ويؤلهون العواصف، ويرمزون لها بالعجل، وهكذا كثرة الآلهة في الهند بصورة واضحة تترقى من صور آلهة صغيرة ضعيفة إلى آلهة قوية كبيرة، ثم حدث رقي أكثر فظهر ثالوث الآلهة العظيم قائم على برهمة وشيفني، وسيفًا حيث تدور حولهم الأساطير العديدة.
وأخيرًا كان التطور إلى الإيمان بغله خالق متصف بصفات راقية، كما جاء في أنشودة الخلق التي تضمنها الكتاب العاشر من "الرشفيدا"، وعلى هذا تعتبر الديانة الهندوسية من صناعة الإنسان؛ حيث سارت على سنة التطور والترقي كما تعتبر البوذية والجينية صورًا لهذا التطور، وإن اتخذت اتجاهات مضادة في بعض التعاليم، وأصحاب هذا الاتجاه يرجعون جميع مصادر الأديان الهندية إلى تأليف الإنسان ووضعه، وما قداستها إلا بسبب إحاطتها بآلة من التعظيم والاحترام.
وللكهنة دور رئيس في إبراز هذا التقديس بواسطة الأساطير والمتخيلات التي يرمونها عن الآلهة وآثارها وبواسطة هذا الاتجاه يتضح السبب في تناقض العقيدة عند الهندوس من أمثال الإيمان بالله، وإنكار النبوة، والقول بالإلهام المستمر للبراهمة الطبقة المقربة للإله برهمه، ومن أمثال الإيمان بالحساب على الأعمال بواسطة التناسق، حيث يحمل الوزر ما لم يرتكبه وأصحاب هذا الرأي عديدون، وهم لا يهتمون بتحليل الأديان
стр. 139
الهندية، أو مصادرها حيث لا فائدة من ذا التحليل؛ لأن أي تعارض من تضاد مسلم عندهم حيث يقتضي ذلك.
أما الاتجاه الثاني: فيذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى إن وجود التوحيد التام المنزه من كل ريب ونقص في الهندوسية دليل على أن الدعوة الإلهية قد جاءت مباشرة، أو وصلت إليهم بطريقةٍ ما، ويستدلون على ذلك بعجز العقل عن الوصول وحده إلى التوحيد المطلق، بكل تفصيلاته وكمالاته، كما يستدلون بأن القوة بالتطور، والترقي يقضي بظهور التوحيد بالمرحلة الأخيرة من التطور بينما التوحيد وجد في الهند منذ البداية، كما يقول "ماكسميلر": أيًّا كان العصر الذي تم فيه جمع الأناشيد المذكورة في "الريجفلدا" فقبل ذلك العصر كان بين الهنود مؤمنون بالله الواحد الذي لا هو بذكر ولا بأنثى، ولا تحده أحوال التشخيص وقيود الطبيعة الإنسانية.
وقد ارتفع شعراء الفيدا في الواقع إلى أوجه سام في إدراكهم الحقيقة الربوبية إنها إدراك أرفع وأعلى مما يطيف بأذهان قول يخدعون أنفسهم بأنهم من أهل الكتاب بل إن البوذية والجينية وهما الإله، ولا يعترفان بالعديد من التعاليم الهندوسية جاءت متأخرة، مما يؤكد أن الدين في الهند كان يتردى في كثير من الحالات.
يقول أصحاب هذا الاتجاه: إن عقيدة التوحيد عند الهنود دخلها تحريف البشر؛ ولهذا نرى الكتب الهندوسية تتضمن التوحيد مع التعدد وتنكر النبوة وتحيط الآلهة بالأساطير وتقدس نظام الطبقات، وكل ذلك ألوان من التحريف، كما أن البوذية والجينية لا تزيد عن هذه الاتجاهات المحرفة.
стр. 140
ومن الممكن تفسير التناقضات الموجودة في أديان الهند على هذا بأن البعض يرجع إلى الدين الحقيقي كالإيمان بالجنة والنار والإيمان بقوة الروح، ويرجو البعض الآخر إلى التحريف، والتأليف البشري من الرسالات السماوية رغم كتبها المقدسة، وتعاليمها الرشيدة تظهر معها الأفكار المحرفة، والاتجاهات الضالة؛ ولذلك هي تلبس الفرق العديدة إلا وتظهر مدعية تبعيتها للرسالة الإلهية، بل وتزعم أنها الوحيدة المتمسكة بالحق.
إن هذا يؤكد الاتجاه الثاني، ويشير إلى أن دخول التحريف في أيِّ دين منكر. هذا وقد أشار بعض علماء مقارنة الأديان إلى وجود تشابه يكاد أن يتطابق بين نصوص دينية هندية، وبين نصوص نصرانية، موجودة في الأناجيل الأمر الذي يضع الباحث أمام ضرورة أن أحدهما تأثر بالآخر، ونقل عنهم في إطار عدد من الاحتمالات العقلية، والوقائع العلمية الثابتة، ولا شك أن اللاحق قد نقل عن السابق.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 141
الدرس: ٧ الديانة البوذية (١) .
стр. 142
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السابع
(الديانة البوذية (١))
الديانة البوذية: بوذا وحياته، ومبادئه، وتأسيسه للديانة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:
ففي حديثنا عن أديان الهند الكبرى بعد الديانة الهندوسية أو البرهمية يأتي الكلام عن الديانة البوذية والجينية، وقد ذكرت لك من قبل أن البوذية كانت أحد الاتجاهات الفكرية التي نبعت في القرن السادس، وذكرنا كذلك أنها كالجينية سارت في إطار الفكر الهندي في أكثر مبادئه، وذكرنا أيضًا أنها كالجينية كانت رد فعل لعسف البراهمة واستبدادهم مما أثار عليهم الطبقات الأخرى وبخاصة طبقة الكشتيريا حيث الأمراء والمحاربون، فالديانة البوذية والجينية هما حركتان فكريتان متعاصرتان مع الديانة الهندوسية أو البرهمية، وحديثنا الآن عن البوذية من حيث بوذا وحياته ومبادئه وتأسيسه للديانة البوذية.
ويبقى الكلام بعد - إن شاء الله - عن عقيدة البوذية في الإنسان، وحقيقة النفس ما بين الخير والشر ونشأة الرهبنة في البوذية وأصولها وانتقالها إلى المسيحية، إلى غير ذلك مما هو يرتبط بهذه الديانة البوذية لنقف عليها ولنتعرف على ملامحها -بإذن الله ﵎ فنقول: البوذية منسوبة إلى بوذا.
من بوذا؟
تعالى بنا نتعرف على مولده ونشأته من حيث المولد والنشأة في الناحية الشرقية من الهند، وبجانب مملكة "كوسالا" بين مدينة "بنارس" وجبال "الهيمالايا" شمال نهر "الكنج" المقدس حيث تقع الآن آجام كثيفة على حدود نيبال، كانت تمتد أرض خصبة مخضرة يانعة، فارعة الأشجار طيبة الخمائل، وكانت هذه الأرض موطن قبيلة "ساكيا" من الطبقة "الكشتيريا".
وكان أمراء القبيلة هم أصحاب السيادة على هذه البقعة، وسلاطينها المسموعي الكلمة النافذي الرأي، وكان "سدودانا" أحد نبلاء هذه القبيلة يقطن قرية تُدعى "كبيلا وافو"، له فيها ضياع فسيحة، وزروع نضرة، وقصور شاهقة، وجاهٌ عريض، وكان متزوجًا من نبيلة اسمها "مايا" يعيش معها في هذا النعيم المقيم، والمجد العظيم.
стр. 143
وفي سنة ٥٦٣ قبل الميلاد أنجب هذان الأبوان طفلًا أطلقا عليه ""سذهاتا"" وماتت أمه في الأسبوع الأول من ولادته، فحضنته خالته "مهاياباتي" وشب الطفل في هذا النعيم العظيم، كما يشب أترابه من أبناء السادة والملوك، ووجد الدنيا كلها تحت أمره، والنعيم رهن إرادته وتهيأت له مفاتن الحياة، وانبسط الأمل أمام عينيه وتدفقت المسرات تحفه من كل جانب وبلغ مطلع الشباب، وهو يرفل في هذه النعمة كلمته مسموعة، ورأيه مطاع وسارع أبوه فزوجه من ابنة أحد الأمراء واسمها "ياسودهارا" ولم يطل الوقت حتى وُلد له ابن سموه "راهولا".
كان من الممكن أن يعبر "سذهاتا" الحياة، كما عبرها، ويعبرها آلاف مثله من الأمراء والملوك وكان من الممكن أن تنسيه مفاتن الحياة التي نعم بها تلك الآلام التي يعانيها البؤساء والأشقياء، وكان من الممكن أن يلهيه شبابه عن هرم الشيوخ، وصحته عن آلام المرضى، وحياته المرحة عن صور الموت والفناء، كما كان عند سواه، أو شغف بالحياة، كأن الشباب لا يهرم والصحة لا تنحل، والحياة لا تزول.
كان من الممكن أن يحصل هذا، ولكن ""سذهاتا"" لم يستسلم للملاذ والشهوات، ولم يفرغ لنفسه، ويستغرق في شهواته، وإنما عاش فردًا في مجموعة يفكر فيها، ويحس بإحساسها، لا بل الحق أن نقول: إن "سذهاتا" جذبه جانب الشر والألم في الحياة أكثر مما جذبه جانب النعيم والسرور، فلم يرضخ للحياة التي رُسمت له، وإنما رسم هو لنفسه حياة من طراز آخر على ما سيأتي تفصيله فيما بعد -إن شاء الله.
أفكار "سذهاتا" وفلسفته:
تروي الأقاصيص أن "سذهاتا" التقى مرة بشيخ عجوز واهن يتوكأ على عصاه ويوشك أن ينكفئ على صدره وقد احدودب
стр. 144
ظهره وتقوس وثقل عليه رأسه فلا يطيق حمله، فاضطرب له "سذهاتا" وتألم له، فقال له رفيقه شانا هكذا نهج الحياة، فلا مفر لنا من هذا المصير، وتروي قصة أخرى أن "سذهاتا" رأى مريضًا يتلوى من المرض ويئن من الألم، ويشكو من العناء، وأهله حوله لا يستطيعون إيقاف الألم، بل لا يرون الداء، ولا يحسون بالعناء، فقال له شانا هكذا نهج الحياة.
وتروي قصة ثالثة: أن "سذهاتا" شاهد جثة أمعن فيها البلا، وبُعثت منها رائحة مؤذية ونتن كريه، فاستغرق في التفكير فقال له شانا هكذا نهج الحياة.
وفكر "سذهاتا" في هذا العناء، وهذا الشقاء ما مصدره، وكيف يمكن التخلص منه، وبخاصة أن كل إنسان لا بد أن يعاني المرض يومًا، ولا بد أن يعاني سكرات الموت، وكثير من الناس يمتد بهم العمر؛ فيعانون الهرم والشيخوخة، وأحس والده باتجاهه، فحاول مقاومة هذا الاتجاه، بأن يبعد مناظر الألم عن ابنه، وأن يسبغ عليه مزيدًا من اللذات، والمسرات لتجذبه عن التفكير في الآلام، والشجون، ولكن هذه الأحاسيس كانت قد تمكنت من فكر "شذهاتا".
فلم يكن من السهل أن يثني عنها، ثم إن "سذهاتا" عمق فيه هذا الطابع وكانت اتجاهه صدًّا لأحاسيس نفسية قوية؛ ولهذا فإن إبعاده عن هذه المناظر لم يأتِ بأية ثمر، واستقر رأي "سذهاتا" على أن يدع صخب الحياة، وأن يبدأ حياة الزهد، والفكر لعله يصل إلى معرفة سر الكون.
وفي إحدى الليالي حيث كان القصر يموج بالبشر والمسرات بسبب ولادة ابنه قال "سذهاتا" وهذه رابطة أخرى علينا أن نرسمها، وحسم "سذهاتا" أمره على أن يفارق هذه الملاذ، وأن يبدأ تأملاته، وفي هجمة القصر بعدما شاهده من مرحٍ
стр. 145
وغناءٍ ألقى "سذهاتا" نظرتهم نظرة أخيرة على زوجته وطفله، وتسلل من القصر، وامتطى جواده، وانطلق إلى مرحلة جديدة، وكان سنه آنذاك تسعة وعشرين سنة، سار "سذهاتا" في تلك الليلة شقة بعيدة، حتى إذا أسفر الصبح توقف خارج أراضي عشيرته على ضفة نهر رملية، وهناك ترجل، وقطع بسيفه ذوائبه المتهدلة، وأماط عنه كل حلية، وأرسلها مع حصانه وسيفه إلى منزله، ثم واصل سيره حتى التقى براهبين من البراهمة فبقي معهما، وتتلمذ عليهما، وأراد عن طريقهما أن يصل إلى غايته.
ولكن بعد فترة تأكد له أن ما يعيشان فيه من زهادة، وتقشف شيء مقصود لذاته، كأنها الغاية التي يتطلعان إليها، وكان "سذهاتا" يريد الزهادة وسيلة لمعرفة أسرار الكون، ولذلك هجرهما "سذهاتا" وقرر أن يسعى بنفسه إلى نيل المعرفة، وكشف أسرار الكون، وقد سلك من أجل هذا وسائل متعددة كالتصوف، والفلسفة، ثم انجذب نحو دنيا الرهبنة فبدأ حياة الترهب؛ لذلك يحسن بنا في هذه المرحلة من حياته أن نسميه "غوتاما" أي: الراهب، أو "غوتاما" أسير الفلسفة الهندية.
وقبل أن نسترسل في هذه المرحلة من حياة "سذهاتا" يحسن بنا أن نتساءل لماذا اتجهت فلسفة "غوتاما" إلى الآلام والأشجان، حتى أصبحت الحياة كلها في نظره جحيمًا لا يُطاق ونسي ما في الحياة من معروف وخير وتخفيف ضر وتحقيق أمل، ثم لماذا اتخذ التقشف والانقطاع، والتبتل سبيلًا للوصول إلى كشف الحجاب عنه؟ كل هذه الأسئلة تدفع الباحث إلى الاعتقاد أن "غوتاما" كان على الأقل في هذه الفترة أسير الفلسفة الهندوسية، قرأها، وعرف اتجاهاتها، وتأثر بميولها إلى العزلة، والزهد والانقطاع عن الناس بتفكير، أو بدون تفكير، فلما رأى "غوتاما" منظر المرض، والشيخوخة، وجثة الميت ضعف دافع المقاومة في نفسه، ورجح عنده الميل إلى سلوك نفس الطريق الذي سلكه الهندوس من قبل.
следующие страницы →