← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 30912

الأديان الوضعية - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (451 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الدرس: ٧ الديانة البوذية (١) .

стр. 142

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السابع (الديانة البوذية (١)) الديانة البوذية: بوذا وحياته، ومبادئه، وتأسيسه للديانة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد: ففي حديثنا عن أديان الهند الكبرى بعد الديانة الهندوسية أو البرهمية يأتي الكلام عن الديانة البوذية والجينية، وقد ذكرت لك من قبل أن البوذية كانت أحد الاتجاهات الفكرية التي نبعت في القرن السادس، وذكرنا كذلك أنها كالجينية سارت في إطار الفكر الهندي في أكثر مبادئه، وذكرنا أيضًا أنها كالجينية كانت رد فعل لعسف البراهمة واستبدادهم مما أثار عليهم الطبقات الأخرى وبخاصة طبقة الكشتيريا حيث الأمراء والمحاربون، فالديانة البوذية والجينية هما حركتان فكريتان متعاصرتان مع الديانة الهندوسية أو البرهمية، وحديثنا الآن عن البوذية من حيث بوذا وحياته ومبادئه وتأسيسه للديانة البوذية. ويبقى الكلام بعد - إن شاء الله - عن عقيدة البوذية في الإنسان، وحقيقة النفس ما بين الخير والشر ونشأة الرهبنة في البوذية وأصولها وانتقالها إلى المسيحية، إلى غير ذلك مما هو يرتبط بهذه الديانة البوذية لنقف عليها ولنتعرف على ملامحها -بإذن الله ﵎ فنقول: البوذية منسوبة إلى بوذا. من بوذا؟ تعالى بنا نتعرف على مولده ونشأته من حيث المولد والنشأة في الناحية الشرقية من الهند، وبجانب مملكة "كوسالا" بين مدينة "بنارس" وجبال "الهيمالايا" شمال نهر "الكنج" المقدس حيث تقع الآن آجام كثيفة على حدود نيبال، كانت تمتد أرض خصبة مخضرة يانعة، فارعة الأشجار طيبة الخمائل، وكانت هذه الأرض موطن قبيلة "ساكيا" من الطبقة "الكشتيريا". وكان أمراء القبيلة هم أصحاب السيادة على هذه البقعة، وسلاطينها المسموعي الكلمة النافذي الرأي، وكان "سدودانا" أحد نبلاء هذه القبيلة يقطن قرية تُدعى "كبيلا وافو"، له فيها ضياع فسيحة، وزروع نضرة، وقصور شاهقة، وجاهٌ عريض، وكان متزوجًا من نبيلة اسمها "مايا" يعيش معها في هذا النعيم المقيم، والمجد العظيم.

стр. 143

وفي سنة ٥٦٣ قبل الميلاد أنجب هذان الأبوان طفلًا أطلقا عليه ""سذهاتا"" وماتت أمه في الأسبوع الأول من ولادته، فحضنته خالته "مهاياباتي" وشب الطفل في هذا النعيم العظيم، كما يشب أترابه من أبناء السادة والملوك، ووجد الدنيا كلها تحت أمره، والنعيم رهن إرادته وتهيأت له مفاتن الحياة، وانبسط الأمل أمام عينيه وتدفقت المسرات تحفه من كل جانب وبلغ مطلع الشباب، وهو يرفل في هذه النعمة كلمته مسموعة، ورأيه مطاع وسارع أبوه فزوجه من ابنة أحد الأمراء واسمها "ياسودهارا" ولم يطل الوقت حتى وُلد له ابن سموه "راهولا". كان من الممكن أن يعبر "سذهاتا" الحياة، كما عبرها، ويعبرها آلاف مثله من الأمراء والملوك وكان من الممكن أن تنسيه مفاتن الحياة التي نعم بها تلك الآلام التي يعانيها البؤساء والأشقياء، وكان من الممكن أن يلهيه شبابه عن هرم الشيوخ، وصحته عن آلام المرضى، وحياته المرحة عن صور الموت والفناء، كما كان عند سواه، أو شغف بالحياة، كأن الشباب لا يهرم والصحة لا تنحل، والحياة لا تزول. كان من الممكن أن يحصل هذا، ولكن ""سذهاتا"" لم يستسلم للملاذ والشهوات، ولم يفرغ لنفسه، ويستغرق في شهواته، وإنما عاش فردًا في مجموعة يفكر فيها، ويحس بإحساسها، لا بل الحق أن نقول: إن "سذهاتا" جذبه جانب الشر والألم في الحياة أكثر مما جذبه جانب النعيم والسرور، فلم يرضخ للحياة التي رُسمت له، وإنما رسم هو لنفسه حياة من طراز آخر على ما سيأتي تفصيله فيما بعد -إن شاء الله. أفكار "سذهاتا" وفلسفته: تروي الأقاصيص أن "سذهاتا" التقى مرة بشيخ عجوز واهن يتوكأ على عصاه ويوشك أن ينكفئ على صدره وقد احدودب

стр. 144

ظهره وتقوس وثقل عليه رأسه فلا يطيق حمله، فاضطرب له "سذهاتا" وتألم له، فقال له رفيقه شانا هكذا نهج الحياة، فلا مفر لنا من هذا المصير، وتروي قصة أخرى أن "سذهاتا" رأى مريضًا يتلوى من المرض ويئن من الألم، ويشكو من العناء، وأهله حوله لا يستطيعون إيقاف الألم، بل لا يرون الداء، ولا يحسون بالعناء، فقال له شانا هكذا نهج الحياة. وتروي قصة ثالثة: أن "سذهاتا" شاهد جثة أمعن فيها البلا، وبُعثت منها رائحة مؤذية ونتن كريه، فاستغرق في التفكير فقال له شانا هكذا نهج الحياة. وفكر "سذهاتا" في هذا العناء، وهذا الشقاء ما مصدره، وكيف يمكن التخلص منه، وبخاصة أن كل إنسان لا بد أن يعاني المرض يومًا، ولا بد أن يعاني سكرات الموت، وكثير من الناس يمتد بهم العمر؛ فيعانون الهرم والشيخوخة، وأحس والده باتجاهه، فحاول مقاومة هذا الاتجاه، بأن يبعد مناظر الألم عن ابنه، وأن يسبغ عليه مزيدًا من اللذات، والمسرات لتجذبه عن التفكير في الآلام، والشجون، ولكن هذه الأحاسيس كانت قد تمكنت من فكر "شذهاتا". فلم يكن من السهل أن يثني عنها، ثم إن "سذهاتا" عمق فيه هذا الطابع وكانت اتجاهه صدًّا لأحاسيس نفسية قوية؛ ولهذا فإن إبعاده عن هذه المناظر لم يأتِ بأية ثمر، واستقر رأي "سذهاتا" على أن يدع صخب الحياة، وأن يبدأ حياة الزهد، والفكر لعله يصل إلى معرفة سر الكون. وفي إحدى الليالي حيث كان القصر يموج بالبشر والمسرات بسبب ولادة ابنه قال "سذهاتا" وهذه رابطة أخرى علينا أن نرسمها، وحسم "سذهاتا" أمره على أن يفارق هذه الملاذ، وأن يبدأ تأملاته، وفي هجمة القصر بعدما شاهده من مرحٍ

стр. 145

وغناءٍ ألقى "سذهاتا" نظرتهم نظرة أخيرة على زوجته وطفله، وتسلل من القصر، وامتطى جواده، وانطلق إلى مرحلة جديدة، وكان سنه آنذاك تسعة وعشرين سنة، سار "سذهاتا" في تلك الليلة شقة بعيدة، حتى إذا أسفر الصبح توقف خارج أراضي عشيرته على ضفة نهر رملية، وهناك ترجل، وقطع بسيفه ذوائبه المتهدلة، وأماط عنه كل حلية، وأرسلها مع حصانه وسيفه إلى منزله، ثم واصل سيره حتى التقى براهبين من البراهمة فبقي معهما، وتتلمذ عليهما، وأراد عن طريقهما أن يصل إلى غايته. ولكن بعد فترة تأكد له أن ما يعيشان فيه من زهادة، وتقشف شيء مقصود لذاته، كأنها الغاية التي يتطلعان إليها، وكان "سذهاتا" يريد الزهادة وسيلة لمعرفة أسرار الكون، ولذلك هجرهما "سذهاتا" وقرر أن يسعى بنفسه إلى نيل المعرفة، وكشف أسرار الكون، وقد سلك من أجل هذا وسائل متعددة كالتصوف، والفلسفة، ثم انجذب نحو دنيا الرهبنة فبدأ حياة الترهب؛ لذلك يحسن بنا في هذه المرحلة من حياته أن نسميه "غوتاما" أي: الراهب، أو "غوتاما" أسير الفلسفة الهندية. وقبل أن نسترسل في هذه المرحلة من حياة "سذهاتا" يحسن بنا أن نتساءل لماذا اتجهت فلسفة "غوتاما" إلى الآلام والأشجان، حتى أصبحت الحياة كلها في نظره جحيمًا لا يُطاق ونسي ما في الحياة من معروف وخير وتخفيف ضر وتحقيق أمل، ثم لماذا اتخذ التقشف والانقطاع، والتبتل سبيلًا للوصول إلى كشف الحجاب عنه؟ كل هذه الأسئلة تدفع الباحث إلى الاعتقاد أن "غوتاما" كان على الأقل في هذه الفترة أسير الفلسفة الهندوسية، قرأها، وعرف اتجاهاتها، وتأثر بميولها إلى العزلة، والزهد والانقطاع عن الناس بتفكير، أو بدون تفكير، فلما رأى "غوتاما" منظر المرض، والشيخوخة، وجثة الميت ضعف دافع المقاومة في نفسه، ورجح عنده الميل إلى سلوك نفس الطريق الذي سلكه الهندوس من قبل.

стр. 146

"غوتاما" في تقشفه: لجأ "غوتاما" إلى العزلة والتقشف، وخلع ثيابه واكتفى برقاع وأوراق شجر يستر بها عورته، وألقى بجسمه بين الأشواك والحصى وأهمل الطعام والشراب والملاذ، ويُقال: إنه كان يتبلغ بمقدار ضئيل جدًّا من الطعام بلغ أحيانًا حبة من الأرز في اليوم، واتخذ ذلك طريقًا رجاءَ أن تُكشف له أسرار الحياة، ويعرف السبيل للنجاة من عنائها، وقام بألوان من الرياضات النفسية رغبة في أن يطهر نفسه حتى تصل إلى سر الكون. وقد كلفته هذه الأعمال اضمحلال في جسمه وانحلالًا في قواه، وزامله في هذه الفترة القاسية خمسة من النساك، وكانوا يرونه أكثرهم قسوة على نفسه وأصبرهم على الآلام، ولذلك وضعوه في موضع الزعامة بينهم، إذ كانت الزعامة في ذلك الحين لمن يستطيع أن يكون أشد صلابة وقسوة على جسمه، وأمضى "غوتاما" سبع سنين في هذا الصراع العنيف لم يحس في أثنائها ولا في نهايتها بأيِّ أثرٍ يسير به إلى غايته، وأدرك أن ما يفعله ما هو إلا إجهاد لجسمه، لا يغني فتيلًا، وهنا أقدم "غوتاما" بشجاعة على ما لم يكن معهودًا في نساك عصره. هؤلاء النساك الذين يرون محاربة الجسم كأنها غاية وليست وسيلة، ويستمرون في هذه الحرب حتى الفناء، وربما عدوا قديسين بسبب ذلك الموقف، أما "غوتاما" فكان كما قلنا قد اتخذ الزهد وسيلة، ثم رأى أنها وسيلة غير مجدية، فأعلن تمرده على هذه الطريقة، وعاد إلى طعامه وشرابه وكسائه، وقرر أن يتوقَّفَ عن قتل شهوات نفسه بالجوع، وأعلن أن خير ما يوصله إلى غايته عقل يتغذى في جسم سليم، وقد خيب فعله هذا أملة أتباعه فيه، ففارقوه آسفين على ما آل إليه أمره.

стр. 147

الإشراقة والكشف عن الأسرار: على أن "غوتاما" وإن كان قد عدل عن إماتة نفسه وتعذيبها؛ فإنه لم يعدل عن تفكيره، ومن الواضح: أن الإنسان قد يستطيع فجأة أن يغير أحواله المادية من صوم إلى طعام، ومن تقشف إلى بذخٍ، ولكنه لا يستطيع بسهولة أن يتخلى عن تفكيره وفلسفته، وبينما كان يمشي وحيدًا موحشًا، مال إلى شجرة في غابة "جوريلا" ليتفيأ ظلالها، ريثما يتناول طعامه، ولكن المقام طاب له في ظل هذه الشجرة، ويُقال: إنه أحس برغبة في البقاء تحتها بعض الوقت، فاستجاب لهذه الرغبة، وبقي تحت الشجرة، وفي هذا المكان حدث ما كان يتمناه "غوتاما". ويقول "غوتاما" واصفًا هذه المرحلة: سمعت صوتًا من داخلي قول بكل جلاء وقوة، نعم في الكون حق أيها الناسك، هنالك حق لا ريب فيه، جاهد نفسك اليوم حتى تناله، فجلست تحت تلك الشجرة في تلك الليلة من شهره الأزهار، وقلت لعقلي وجسدي: اسمعا لا تبرحا هذا المكان حتى أجد ذلك الحق، لينشف الجلد، ولتتقطع العروق، ولتنفصل العظام، وليقف الدم عن الجريان، لن أقوم من مكاني حتى أعرف الحق الذي أنشده فينجيني، وتم له في هذه الجلسة الإشراقة التي كان يترقبها، ويراها بعض الباحثين الغربيين وحيًا، ويصورها بوذا بأنها صوتٌ حادثه وسنروي هذا الحديث عند الكلام عن "النيرفانا". وهنا ننقل عبارة مولانا محمد عبد السلام الرانبوري، وهي "وكان مستغرقًا تأمله، خائضًا في تفكره إذ أخذه نزعة سماوية فغاب عن نفسه وعن كل ما حوله، وطفق يطرأ عليه حال بعد حال، ويلحقه طور وراء طور، ثم عاد شعوره يتجلى رويدًا رويدًا، فأشرقَ الكون لديه، وأصبح العقل يتجرد عن شوائب المادية فانشرح صدره، ورأى العالم في تكوناته، وتقلباته، ومباديه ومناحيه.

стр. 148

وقد غلب اللاهوت فتنور اللاهوت، فذاق سرورًا ما خطر بباله من قبل، ووجد قوة ما استشعر بها قط، فأبصر ينابيع الحياة، فأحاط بمنابع الآلام واستوعب منابت البؤس، واكتشف مقاليد السرور، ورأى سبيلًا يهدي إلى تلاشي الأحزان وزهوق الآلام، فأدرك متمناه، ونال مبتغاه، وتخلص من تقلبات الحياة، ونجا من حزازات الآلام، تيقظ شعوره وتنورت بصيرته واستوى على عرش البوذية وسار بوذا، أي: العارف المستيقظ والعالم المتنوع. ومن الآن سنطلق على بطل هذه الديانة بوذا، وهو الاسم، أو اللقف الذي حصل عليه عندما انكشف عنه الغطاء، ويحسن بنا هنا أن ننقل العبارة التي سجل بها بوذا هذه اللحظة التي يعتبرها هو ويعتبرها أتباعه لحظة إشراق وفوز. يقول بوذا: "لما أدركت هذا تحررت من الهوى تحررت من شرور الكون الأرضي، تحررت من شرور الخطأ، تحررت من شرور الجهل، وتيقظ في المتحرر شعور التحرر، وشعور عدم تكرر المولد، قد انتهى الصراط المقدس، قد تمت الفريضة فلن أرجع إلى هذه الدنيا رجعة أخرى قد أبصرت هذا". ترى ما هذه الإشراقة التي حصل عليها بوذا، وما هذا السر الذي كُشف له، وما هذه الأنوار التي أحاطت بنفسه، وما تلك الوسائل التي استطاع بها أن يحل مشكلات الحياة، ويوقف المرض والشيخوخة والموت؟ على كل حال لنسري الآن شوطًا آخر قبل أن نتحدث عن الإشراقة أو ما يسميه البوذيون "النيرفانا"، وهي السر، أو الحل لكل هذه الآلام، نحب هنا أن نوضح بعض الأسماء، والمظاهر الجديدة التي حدثت مع حدوث البوذية ومن أهمها إطلاق لقب بوذا، أي: العارف المستنير على "غوتاما" كما ذكرنا آنفًا. واللفظ في الأصل وصف، ولكن غلب إطلاقه على "غوتاما" فأصبح علمًا عليه، وجاز بذلك استخدامه من غير "ال" التعريفية، وبوذا هو الاسم الذي سنستعمله منذ الآن في الحديث عن "سيذهاتا" الأمير أو "غوتاما" الراهب. أما الشجرة التي كان بوذا يجلس تحتها لما تم له الكشف فقد سُميت شجرة العلم، أو الشجرة المقدسة، وقد احتلت عند البوذيين مكانة سامية، مثل مكانة الصليب عند المسيحيين، وإذا كان المسيحيون قد نشروا الصليب في حياتهم، ورسموه على حليهم وأجسامه، فإن البوذيين يرون في الشجرة المقدسة شيئًا يجب أن يسعى له الناس، لا أن يسعى هو للناس، ولهذا زرعوا في كل قطر شجرة واحدة من نوع الشجرة المقدسة يحج الناس إليها في المناسبات المختلفة.

стр. 149

وفي معبد "بروبودور" بالقرب من "جوكاجاكرتا" بأندونيسيا توجد الشجرة الوحيدة في "جاوا" من هذا النوع، والبوذيون يسعون إليها للتبرك والزيارة، وتحميها إدارة المعبد بسور حولها خوف أن يلتقط البوذيون أوراقها أو أغصانها للتبرك، أو يعبثوا بجذعها في تقربهم لها، واحتكاكهم بها. ويعلق ويلز على عناية البوذيين بهذه الشجرة بقوله: "ومن سوء الحظ أن تلاميذ "غوتاما" عنوا بحفظ شجرته أكثر من عنايتهم بالحفاظ على أفكاره التي أساءوا منذ البداية فهمها وشوهوها ومسخوها، أما غابة "أوريلا" فقد فقدت منذ ذلك التاريخ هذا الاسم، واتخذت اسمًا جديدًا يتناسب مع هذا الحدث الجلل الذي حدث بها، وهذا الاسم هو "بوذاكيا". الدعوة للبوذية وإعداد دعاتها: وبعد أن كُشف عن بوذا الحجاب، وأدرك منيته وقف مترددًا بعض الوقت وسأل نفسه أيقنع وحده بهذا النعيم الذي انغمس فيه، ويستمتع وحده بهذا السر الذي انكشف له؟ أم يبشر به، ويذيع أمره بين الناس حتى ينعموا معه بتلك السعادة، وذلك السرور؟ وفكر بوذا في قصور البشر عن إدراك هذه الحقائق السامية؛ خشية أن يكذبه الناس، ويرموه بالافتراء، أو الجنون، فأوشك أن يكفي بهذا السر لنفسه غير أن جانب الخير، كما يقول غلب عليه، والميل إلى الإيثار رجح في نفسه، ورأى أن عليه أن يدعو الناس، وليس عليه أن يفكر في النتيجة؛ إنه يريد الخير لهم والهداية، وإن لم يستجيبوا فقد أدى واجبه وأرضى ضميره.

стр. 150

ويعد البوذيون هذا الاتجاه من بوذا مطلع خير لهم وللبشرية جمعاء، ثم يصلون ويكبرون ويعلنون سرورهم واغتباطهم، كلما وصلوا في قصة بوذا إلى هذه النقطة، وعندما استقر رأي بوذا على أن ينشر دعوته ترك غابة "بوذاكايا" إلى مدينة "بنارس" حيث كان يعيش رفاقه الخمسة الذين زاملوه في فترة جهاده وتقشفه، ولما دعاهم لمذهبه لم يبدوا أية مقاومة، فقد كان ماضيهم معه يدعوهم لقبول دعوته، ثم خطى بوذا خطوةً أخرى، وجمع حوله مجموعة من الشبان بلغ تعدادهم مائتين، وعلمهم مبادئه ولقنهم دعوته، ووكل إليهم القيام بنشرها ريثما يكمل رحلته ليرى أسرته، وقد حاولت أسرته أن تكفه عن هذه الدعوى التي صورها خيالات تبدت إليه ولكنه لم يكف ولم يغيره بريق المال، وضروب الرخاء والسعادة، وعاد إلى أتباعه حيث بدأت مظاهر النجاح تبدو له، فالتف حوله عدد كبير من الرجال والنساء، والشيب، والشبان كانوا جميعًا يتخذون من بوذا مثالًا لهم، وكان هو يحيطهم بعنايته، ويشملهم جميعًا بحدبِهِ ورعايَتِهِ. واشتهرت دعوته بتسميتها النظام، أو عجلة الشريعة، فقد ظل بوذا يدفع عجلة الشريعة إلى الأمام أكثر من أربعين عامًا، حتى وصلت سنه الثمانين، واختار حياة المبشر المتسول مع كل ما تشتمل عليه من صعوبات وحرمان وسخرية ومقاومة، ولم يكن بوذا وحده هو الذي يدعو للنظام، وإنما اختار -كما سبق- القول نخبة من أتباعه؛ ليقوموا بالدعوةِ لها في مختلف النواحي، وتدلنا المراجع الرئيسة على أن بوذا كان يختبر الذين يقومون بالدعوة اختبارًا دقيقًا قبل أن يرسلهم لهذا الغرض. ونسوق هنا مثالًا لهذا الاختبار، كان أحد المريدين واسمه "بورنا" يريد أن يذهب إلى قبيلة "سورنا بارانتا" لدعوتهم، وكان بوذا يعلم أن هذه القبيلة معروفة بالشراسة والخشونة، ولا

стр. 151

ينجح معها إلا الثابت الضليع، فأراد أن يعرف متى استعداد مريده لتحمل ما قد يلم به من عناء، فقال له: إن رجال هذه القبيلة قساة سريعو الغضب، فإذا وجهوا إليك ألفاظ بذيئة خشنة، ثم غضبوا عليك، وسبوك فماذا كنت فاعلًا؟ فأجاب "بورنا" أقول: لا شك أن هؤلاء قوم طيبون لينوا العريكة؛ لأنهم لم يضربوني بأيديهم، ولم يرجموني بالحجارة، فإن ضربوك بأيديهم، ورجموك بالحجارة، فماذا كنت قائلًا؟ أقول: إنهم طيبون لينون؛ إذ لم يضربونِ بالعصي، ولا بالسيوف، فإن ضربوك بالعصي والسيوف؟ أقول: إنهم طيبون لينون؛ إذ لم يحرمونِ الحياة نهائيًّا، فإن حرموك الحياة؟ أقول: إنهم طيبون لينون إذ خلصوا روحي من سجن هذا الجسد السيئ بلا كبير آلام، فقال له بوذا: أحسنت يا "بورنا" إنك تستطيع بما أوتيته من الصبر والثبات أن تسكن في بلاد قبيلة "سورنا بارانتا" فاذهب إليهم، وكما تخلصت فخلصهم وكما وصلت إلى الساحل فأوصلهم معك، وكما تعزيت فعزهم، وكما وصلت إلى مقام "النيرفانا" الكاملة، فأوصلهم إليها مثلك. فهب "بورنا" إليهم، وكانت النتيجة أن آمنوا كلهم بالبوذية واتبعوها، ومثل هذا ما ترويه الأساطير، والقصص عن دعوة قطاع الطريق لدخول النظام؛ فهؤلاء الذين فروا من الحكومات والسلاطين، ولجئوا إلى الغابات قد وصلتهم الدعوة، وأنذرتهم بأنهم إن فروا من جنود الحكومة؛ فلن يستطيعوا الفرار من الهرم، والموت، والذنوب، وطالما استجاب هؤلاء للدعوة، وسجدوا لها واتبعوها، ليتحرروا من قيد الخوف، وليعيشوا في صفاء، ولم تصل لهم هذه الدعوة إلا بعد إعداد المريدين إعدادًا عجيبًا جعلهم يسخرون من كل المتاعب، ويقدمون على نشر الدعوة ببطولة نادرة وشجاعة عديمة المثال.

стр. 152

كان بوذا يودع مريديه الذين يتخذون طريقهم إلى الدعاية والإرشاد بقوله: "اذهبوا وانشروا النظام في البلاد رحمة بسائر الخلق، وإيثارًا لمصلحة الكثيرين على راحتكم، ولا يذهبن اثنان منكم في طريق واحد، بل يسلك كل واحد سبيلًا غير سبيل أخيه، بشروا بهذه الدعوة النبيلة في مبدئها النبيلة في وسطها النبيلة في غايتها، وبهذا الإصرار من بوذا ومريديه استطاعت الدعوة أن تنجح وتنتشر. نجاح بوذا وانتشار البوذية: شهد القرن الخامس قبل الميلاد نهاية اثنين من عظماء القادة والمفكرين كان بوذا أولهما، وكان سقراط ثانيهما، وكل منهما هاجم المعتقدات والطقوس، وسخر من الأفكار التي كان الناس يتبعونها في عهده، ولم يكن بوذا بأقل من سقراط معارضة وسخرية، فقد قال بإلغاء الطبقات، ولم يعترف بالآلهة الويدية، ولكن مع هذا نجد أن سقراط يصادف كثيرًا من العناء والتعذيب، بل الحكم بالإعدام، وتنفيذ هذا الحكم، ولكن بوذا عاش هادئًا ومات هادئًا، ورأى بنفسه نجاحه، وذيوع دعوته، فما السر في هذا النجاح الذي صادفه بوذا دون كبير عناء؟ الإجابة عن هذا السؤال سهلة يسيرة سبقت الإشارة إليها عند مطلع الكلام عن البوذية، وهي أن اضطراب الناس وحيرتهم في الهند كان داعيين لقبول أيِّ مذهبٍ يرد، أو فكرة تخطر بالبال، ثم إن الغريزة الهندية أكثر احتمالًا للأفكار الدينية من الغريزة اليونانية، على أن نجاح بوذا اشتركت فيه، بالإضافة إلى الطبيعة الهندية عوامل أخرى من أهمها قوله بإلغاء الطبقات، فقد كان ذلك داعيًا إلى أن يتبعه كثيرون ممن حطت طبقاتهم، أو ممن كانوا يحسون بثورةٍ ضد هذه الطبقات المتعددة المتفاوتة السيادة في الهند، وسنتحدث فيما بعد عن موقف بوذا من الطبقات، ونتائج هذا الموقف.

стр. 153

ثم كان لصفات بوذا الشخصية أثر كبير فيما صادفه من نجاح، ومن أبرز صفاته عدائه للتعصب الديني، واعتبار التعصب أعدى أعداء الدين، وقد رأى مرة أحد تلاميذه غرق في نقاشٍ حادٍّ مع برهمي كان يرمي بوذا بالإلحاد وقلة الورع، وكان يطعن في نظام التسول الذي أسسه بوذا، ولما رأى بوذا حماسة تلميذه وحدته أنكر عليه ذلك. وقال: أيها الإخوان إن كان هناك من يقذع في ذاتي، أو في ديني، أو في النظام، فليس لكم أن تغضبوا، أو تحزنوا، أو تحقدوا؛ لأنكم بهذا تعرضون أنفسكم لخطر الخسارة الروحية أولًا ثم لا تتمكنون في ثورة الغضب من تمحيص أقوال القادح ثانية، وكما كان عدوًا للتعصب الديني كان عدوًا للغضب والطيش، فلم يُعرف عنه أنه سبَّ، أو سخط، أو نطق لسانه بكلمة جارحة أو قاسية، وكان يرى الدنيا جاهلةً غافلةً لا شريرة خبيثة، كل هذا جمع الأصدقاء حول بوذا، وسببت لدعوته النجاح الذي حظيت به دون كثير من العناء والجهل. وفاة بوذا: بلغت عناية الأدب الهندي الحديث ببوذا، والبوذية درجة كبيرة، وبين يدي مقال رائع أشبه بقصيدة رقيقة يصور نهاية بوذا، ومن هذا المقال نقتطف بعض فقرات: عاشت "ياسود هارا" زوجة "غوتاما" منذ خرج زوجها في كوخ مثل كوخه على مدخل مدينة "راج راها"، ولما احتشدت الجمعية في ظل التلة الصغيرة هناك قبيل انهيار الأمطار، وكان السيد يحرك عجلة الإرشاد أمام الجميع جلست "ياسود هارا" وحدها مختفية بين ذلك الحشد العظيم تسمع كلام المبارك، وكان "راهولا" ابنها الوحيد يكلمها مرة واحدة كل سنة. أما السيد فكانت لا تراه، وعندما توجه السيد إلى التل وليس معه إلا "أنندا" ابن عمه، ومريده الأول أسر إليه السيد قائلًا: يا "أنندا" لقد حانت الساعة التي تجتاز

стр. 154

فيها "ياسود هَارَا" العين، أي: أنك على وشك أن تُنقل لعالم الروح حيث تصبح غير مرئية بالعين وذاك كناية عن الموت، فانتهز "أنندا" هذه الفرصة، وأجابه، وهو يرتعد ألا يرى السيد أن يتكلم معها، فأبدى السيد موافقته دون أن يفوه بكلمة. وفي الكوخ وجدا عجوزًا شمطاء حليقة الرأس ذابلة، عينها كالسراج الذي نضب زيته، خائرة القوى ترتعد، وهتفت لزوجها قائلة قد أطاعت الآمة سيدها، ودخلت النظام منذ أذن لها، والحمل الثقيل الذي حملته أضعه الآن على الأرض، إنه لم يبقَ في نفسي بذر للحياة، وسقطت فاقدة الحياة، قال "أنندا": إنها وصفت حملها إنه ثقيل، هل كان لها أن تتكلم مثل هذا إن كانت قد نالت النجاة؟ وأجابه كانا أحد المريدين إنها ماتت حيث تولد من جديد، وأستأنف بوذا سيره ومعه تلاميذه ومريدوه. وظهر التعب الإعياء على السيد فخاطب تلاميذه قائلًا: "كل شيء يؤول إلى انحلال، وأنا كذلك أيها التلاميذ قد شِخْتُ، وأوشكت أن أموت جدوا لتحرير أرواحكم بكل ما أوتيتم من الحول، وفي خلال الشهور القادمة سأموت إن أجلي قد حان، وإن حياتي يجب أن تنتهي، وآن لروحي أن تلقي حملها، أيها الرهبان عليكم بالتيقظ والتبصر، لتكن أفكاركم سليمة، راقبوا قلوبكم وصونوا نفوسكم، ولا تغفلوا، لتكن إرادتكم طاهرة قوية، واجتازوا بحر الحياة غير آسفين، ولا متحسرين. وواصل السيد سيره بين القرى والآجام، وكان "أنندا" قلقًا فقال له السيد: قل ما الذي يختلط في صدرك؟ فأجاب "أنندا" إن السيد يمشي في بلاد غير عامرة ليس بها إلا الأكواخ وأرى ألا يستحسن أن يموت السيد في مكان كهذا، ليكن

стр. 155

ذلك في مدينة عظيمة حيث يراه الكثيرون، ويؤمنون ويهتدون، فأجاب السيد في مثل هذا المكان يا حبيبي "أنندا" شعرت بأعمق السكينة في نفسي، هذه الشجيرات هي التي تنشرح روحي بجوارها، ودخل السيد الغابة، وتعمق هو ومريدوه حتى وصلوا مكانًا ترتفع أمامه قمم "هيمالايا" الشاهقة المكللة بالثلج. واختار السيد مكانًا بين دوحتين باسقتين، واستلقى على جنبه في إجهاد ظاهر، وتعب واضح، وأسح "أنندا" بأن السيد يقرب من النهاية، فانتحى ناحية وأخذ يبكي فطلبه السيد فجاءه وجلس بجواره، فقال له السيد: ألم أقل لك مرة بعد مرة إن الأشياء كلها لا ثبات لها، ألم أبين لك أن الأشياء التي نهواها لقربها منا هي التي يجب أن نقطع علاقتنا بها؛ لأن زوالها، أو الحرمان منها يورثنا الألم والحزن، وبات السيد تلك الليلة كلها يحرك عجلة العرفان أمام تلاميذه راقدًا رقدة الأسد تحت الشجرتين. وقد جاء كثير من الناس وتلقوا العلم عنه، وعند فلق الصبح، قال المبارك: قد يقول بعض منكم قبل نهاية اليوم لقد ذهب السيد عنا، وليس لنا معلم، كلا لا تقولون ذلك؛ فإني أترككم على المنهاج المعبد المستقيم الملون، اسمعوا معلمكم بعد ذهابي هو الشريعة والجمعية، ثم استوى جالسًا يرنوا إلى الجبال الشاهقة البيضاء، وقد سمعوه يتنفس الصعداء، والطمأنينة بادية على وجهه، وبعد قليل أخذ ينشد أنشودة البيت المتضالع: من بيت وراء بيت سجنني ... ومن رسالة إلى رسالة أرسلني

стр. 156

ولادة بعد ولادة وأنا أدور في دائرة ... متعبة باحثًا عن صانع هذه الخيمة إن البيت قد ارتجفت أركانه سقفه ... يرحب بمطر الموت في داخله وجدرانه من الغبار تنتظر النهاية ... كانت الولادة بعد الولادة أليمة الخجل والعذاب يتبعني وأنا ... آتيه في البيداء لا نهاية لها الآن يقوم السجين متحررًا ... يا صانع البيت لقد رأتك العين ها تهدم السقف وسقطت الجدران ... وانهارت الأركان لا شاطئ طال اختفائك ها قد وجدتك ومسكتك ... مسكًا قويًّا لا تنفلت من يدي أبدًا حان لي أن أتخلص من عذابي ... لقد خمدت هذه النار إلى الأبد

стр. 157

عاد بوذا بعد ذلك إلى رقدته الجسدية متبعًا، وقد ثقل تنفسه، ومع ذلك تكلم، أيها النساك كل شيء زائل مار كمر السحاب، تذكروا هذه الحقيقة واسعوا لحريتكم بالتواضع، والجد ناظرين إلى النهاية، سكت السيد وأغمض عينيه، ودخل في التفكير العميق لا يحرك ساكنًا، ولا يبدوا عليه أنه يشعر بما حوله. لقد مات السيد، قال "أنندا": أخيرًا زجره بعض الإخوان قائلًا: كلَّا إنه لم يمت، بل طرأت عليه حالة التفكر الذي لا يبقى معها حس، ولكنهم علموا بعد أن راقبوه مدة أن كل شيء قد انتهى، فما كان من بعض الإخوان الذين ما زالوا فريسة للأوهام أن ألقوا أنفسهم على الأرض يتمرغون في الغبار، وينتحبون، إلا أن "أنندا" وأصحابه الذين تحرروا من الأوهام، قالوا لهم: كل شيء زائل أيها النساك، والعقل الذي تحرر من الهوى يعرف ذلك. ويعرف أيضًا أنه كان لزامًا أن يرافقنا المبارك، وما كان يمكن أن يكون غير ذلك، سمع الرهبان والمنتحبون هذا الكلام، فرجعوا عن سلوكهم المخجل وأُعلن في البلاد أن السيد قد مات، وعلى شاطئ النهر وعلى الأرض الرملية الفسيحة أحرقوا الجثة، وأخذ كل واحد منهم يطوف حولها ثلاث مرات، جامعًا كفيه إزاء صدره، ثم يقف عند قدم المبارك، وينحني احترامًا وإجلالًا. وقد اجتمع أهالي "كوسينارا" القرويين، فاحتفلوا بموت السيد كما يُحتفل بموت الملوك لأنهم تذكروا أنه كان ابن الملك، ثم جُمع رماد السيد وقسموه إلى ثمانية أجزاء، وأرسلوا كل جزء منها إلى الجهة التي رأوها لائقة به، فبنيت فوق الرماد بنايات عظيمة في الجهات الثمانية".

стр. 158

من أخلاق بوذا وأقواله أخلاق بوذا: يصور علماء الهند صورة رائعة لبوذا فيقررون أنه كان شديد الضبط، قوي الروح ماضي العزيمة، واسع الصدر، عزوفًا عن الشهوة، بالغ التأثير، بريئًا من الحقد، بعيدًا عن العدوان، جامدًا لا ينبعث فيه حبٌّ ولا كراهيةٌ، ولا تحركه العواطف، ولا تهيجه النوازل، بليغ العبارة، فصيح اللسان، مؤثرًا بالعاطفة والمنطقة، له منزلة كبيرة في أعين الملوك، ومجالسه ملتقى العلماء والعظماء. ومن القصص التي تُروى لتدل على تواضعه أن أحد تلاميذه قال له مرة: إنني أيها السيد أؤمن بكل قلبي أنه لم يوجد قط، ولا يوجد الآن ولن يوجد إلى آخر الدهر مرشد أعظم قدرًا وأكثر قدرًا من مرشدنا المبارك. فأجاب بوذا هل أنت قد عرفت كل العارفين الذين سبقوني؟ وهل عرفت كل العارفين الذين يأتون بعدي؟ فأجاب التلميذ: لا يا سيدي؛ فلم يتيسر لي ذلك. فقال بوذا: هل عرفتني كل المعرفة، وتوغلت في نفسي كل التوغل؟ قال التلميذ: لا يا سيدي، وكيف لي ذلك؟! فقال بوذا: فلما إذًا أسرفت في قولك، وجعلتني خير الناس، وأنت لا تعرفني، ولا تعرف الناس. من أقوال بوذا: أوردنا فيما سبق بعض أقوال بوذا في مناسبات مختلفة ونورد فيما يلي مزيدًا من أقواله التي تشرح لنا فلسفته واتجاهاته: أ) ناموس الطبيعة ودورنا معه: إن ناموس الطبيعة هو الذي يسيطر على كل شيء، وهو يقضي أن لا يدوم العذاب والجحيم إلى ما لا نهاية، كما لا تدوم الجنة ولا النعيم، ومهما طال عهدهما فإنهما زائلان.

стр. 159

أخيرًا متى وكيف يتم ذلك؟ هذا يتوقف علينا نحن، كل محرك سافل يجب أن نقهره، كل إرادة مهينة نضبطها، كل ضعف معيب نتغلب عليه، ولكن ليس معنى هذا أن نغمض عيوننا عما يعانيه البشر من فقرٍ وشقاءٍ، زاعمين أنهم استحقوه بما جنته نفوسهم، إذ كل من يفكر هكذا، لا يتمسك بالإخوة العامة، والمحبة الشاملة مع سائر الخلق. فلا شك أن ناموس الطبيعة يعاقبه أشد العقاب؛ لأنه خارج عليه لعدم بذله الجهد الذي يسبب العفو والمرحمة، هذا وإن ناموس الطبيعة ليس بخاضع لذات قدسي يتصرف فيه كيفما شاء، بل ذلك الناموس مستقل بذاته نافذ بنفسه لا يتأثر بمؤثر بشري أو إلهي أبدًا. ب) في التناسخ: الإنسان مركب جسدي، يملك قوى يتحرك بها، وآلات يشعر بها فهو يحس، ويلمس، ويبصر، ويسمع، ويشم، ويدرك، وهو بهذه الحواس، والمشاعر يتصل بالعالم الخارجي، أما طبعه فيشتمل على النزعات، والكفاءات المنتجة من الماضي، فهي حسنة كانت أو قبيحة إرث له من الحياة التي عاشها في الماضي، وهي التي تكيف شخصيته التي تبدأ بها حياته جديدة، وذلك أن الحياة الداخلية للشخص ليست إلا سلسلة من الخيالات والرغبات والعواطف، فإذا انفصلت الأواصر المادية بالموت تقمصت قوى المادة الأولية جسدًا جديدًا. ولا تزال هذه القوى متوافرة إن لم ماديًّا فنفسيًّا، فيسعد الشخص الجديد، أو يشقى حسبما تهيأ له من السلوك السابق، العناصر التي تشكل شخصًا جديدًا لا تزال في تبدل مستمر، ولكنها لا تتلاشى كلية حتى تفنى تلك القوة التي تتمسك بها، وتدفعها إلى الميلاد الجديد، وليست تلك القوة إلا الرغبة في الوجود المنفرد.

стр. 160

ج) نار الشهوة وكيف تُطفأ: إن الحياة كلها من الولادة إلى الموت لهيب وحريق، إنها نار الشهوة، ونار البغض، والعداء والهوى، ومن هم أولئك الخدم الذين يشعلون هذه النيران، العواطف الستة والحواس الستة، إن العين ترى الأشياء الجميلة مزخرفة اللون، والأذن تسمع الأصوات الحلوة، والأنف يشم الروائح الطيبة، واليد تشعر بنعومة الريش، أو الحرير، الفم أو الحلق يقول: إن ثمر المانجو هذا لذيذٌ حقًّا. والقلب يتأثر بالأشياء المرغوبة، هؤلاء هم العبيد الستة الذين يسعون لتنفيذ أوامر سيدهم، فيجمعون الحطب فتزداد النيران اشتعالًا، ولكن هناك فريقًا لإخماد هذه النار، اتبعوا الصراط السوي النير، إن هذا الصراط مستقيم لا عوج فيه. أما بابه فهو تطهير الذهن ونهايته السلام والحنان لكل الخلق من الأحياء، إن الذي يسلك هذا الصراط لا يقول: إنني أنا، وذلك الإنسان غيري، ولذلك ففيه نفعه خسارته كلا، بل هو يقول يجب علي أنا الذي فزت بالبصيرة أن أشعر بالحب والحنان، لكل الخلق الذين قيدوا بهذه الأغلال، أغلال العلة، وتعدد الحياة، ولقد كسرت أنا هذه الأغلال بنفسي بقلع الشهوة من قلبي فيجب علي الآن أن أسعى للكل؛ فأجعلهم أحرارًا. "النيرفانا": في الهندوسية ما يُسمى بالانطلاق، وفي الجينية ما يُسمى بالنجاة، أما في البوذية فنتكلم عن النيرفانا، والكرما، والتناسخ أساس لأديان الهند كما سبق القول، والطريق واحد تقريبًا في هذه الأديان للتخلص من تكرار المولد، وهذا التخلص هو أسمى ما يتطلع له الهنود وذلك الطريق يتمثل بوجه خاص في قتل الشهوات الرغبات، والتوقف عن

стр. 161

عمل الخير والشر، وإذا استطاع الإنسان أن يجتاز هذا الطريق وصل إلى انطلاق، أو "النيرفانا" التي لا تختلف مدلولاتها اختلاف ذا بال، بالمدلول في الجميع هو التخلص من تكرار المولد، والحصول على اللذة الصادقة، والسعادة الدائمة، ولنعد إلى "النيرفانا" بالشرح الإيضاح. وقد سبق الكلام عن الإشراقة والكشف عن الأسرار وذكرنا أن "غوتاما" وهو تحت الشجرة المقدسة تمت له الإشراقة وانجلت له عقدة الكون وبوذا نفسه يصف هذه الإشراقة فيقول: كلمني صوت من داخلي قائلًا: إن الهوى هو أصل الحزن، والنفس هي التي تجلب الشقاء، وذلك أن المرء يقول دائمًا: أنا أنا، ويقول أيضًا: زوجتي وأولادي فهم أيضًا نوع من أنا، أما من سواهم فليسوا أنا، فيهوى ما يرى فيه شهوة نفسه، وإذا خاب شقي، وبهذه الفكرة يذهب الناس في الدنيا كالحريق العظيم المدمر فيؤذون ويقتلون، ويكونون لعنة على الخلق. قال بوذا للصوت: إن قبلت قولك فهل أنال الحرية، فأجاب الصوت نعم نعم، إنه يجلب لك الحرية أيها الناسك، فهل هذه "النيرفانا"؟ هل هي القضاء على الأنانية والتحرر من الهوى، وسلطان النفس؟ نعم هذا هو اتجاه بعض الباحثين وعبارته في ذلك هي أن شقاء الحياة وعناءها، وضجرها تبعث من رغبات النفس، وإن الإنسان يستطيع أن يكون سيدَ رغباته لا عبدًا لها، وإن في مقدوره الإفلات من قوة هذه الرغبات بقوة الثقافة الروحية الداخلية، ومحبة الآخرين، واتخذ تلاميذ بوذا هذا الاتجاه أحيانًا نظرية لهم توصل للنجاة أو لـ"لنيرفانا"، وتقي من تكرار المولد. وقد حدث أن سأله تلاميذه مرة عن مريد له مات حديثًا هل نجا من تكرار المولد فأجاب بالإيجاب، ولكن أحد البراهمة سمع ذلك، فاعترض على هذا

стр. 162

الغموض، فعاد بوذا يعلم تلاميذه أن لا يؤمنوا بالنظريات والعقائد، وألا يتكلموا عما بعد الموت، وأن يوجهوا عنايتهم للعمل، وكلماته في ذلك هي، يا أيها التلاميذ لا تسألوا أسئلة كهذه؛ فإنها عارية من كل نفع، ولا يقدر أحد على جوابها، هل تكلم يومًا الذي مات؟ إن السؤال عن الغيب وتجدد الحياة لا يجدي نفعًا، ولكنه يعذب العقل، وينهك القوى، عليكم بالسبيل النير الشريف؛ فإنه يوصلكم إلى السلام في هذه الحياة، واتركوا ما بعد هذه الحياة إلى اليد التي تولته من أول الكون، وعلى هذا عادت "النيرفانا" إلى الغموض. ويزيد هذا الغموض عن قراءة ما نُسب إلى بوذا عنها وهو قوله لمريديه، أيها المريدون هي طور لا أرض فيه ولا ماء، لا نور فيه ولا هواء، لا فيه مكان غير متناهي ولا عقل غير متناهي ليس فيه خلاء مطلق، ولا ارتفاع الإدراك واللا إدراك معًا، ليس هو هذا العالم، وذاك العالم لا فيه شمس، ولا قمر، أيها المريدون هي طور لا أقول عنه بإتيان، ولا بذهاب، ولا بوقوف، لا يموت، ولا يولد هي من غير أساس من غير مرور من غير انقطاع ذلك نهاية الحزن. ويقول العلامة "رادها كريشنن": إن بوذا رفض أن يشرح "النيرفانا"، وعلى هذا لا يجدي نفعًا أن نحاول فهمها، بل ربما كانت اللغات البشرية لا تستطيع شرح "النيرفانا"، ولكن لا تزال لدينا معلومات تقودنا إلى أسلم طريق لإيضاح "النيرفانا" ويبدو مما لدينا من مراجع أن "النيرفانا" مرت بمراحل تاريخية فقد كان مفهومها عند بوذا أول الأمر أنها الاندماج في الله والفناء فيه، ولكن أفكار بوذا تغيرت بالنسبة في التفكير في الله، فقد تخلى عن القول بأن هناك إله بل أنكر وجود الإله، كما سنبينه في معتقدات هذه الديانة -إن شاء الله- وبناءً على هذا الإنكار لم تعد "النيرفانا" الاندماج في الله، بل اتخذت لها معنى جديدًا، أو قل أحد معنيين متلاحقين هما:

стр. 163

١) وصول الفرد إلى أعلى درجات الصفاء الروحاني بتطهير نفسه والقضاء على جميع رغباته المادية، أو بعبارة أخرى فناء الأغراض الشخصية الباطلة التي تجعل الحياة بحكم الضرورة دنيئة أو ذليلة مروعة، ويصبح المقياس هو كل من شاء منا أن ينقذ حياته عليه أن يخسرها. ٢) إنقاذ الإنسان نفسه من رقة الكرمة، ومن تكرار المولد بالقضاء على الرغبات والتوقف عن عمل الخير والشر، وبناءًا عن المعنى الأول يصل الإنسان إلى "النيرفانا"، وهو حي وبناء على المعنى الثاني ترتبط "النيرفانا" بالموت، وبالتخلص من هذه الحياة على ألا يعود لها. وصل اللهم وبارك على سيدنا وآله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 164

الدرس: ٨ الديانة البوذية (٢) .

стр. 165

ب سم الله الرحمن الرحيم الدرس الثامن (الديانة البوذية (٢)) التعريف بالديانة البوذية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد: فحدثتك عن البوذية بدءًا بالكلام عن بوذا وحياته ومبادئه، وها أنا ذا أحدثك عن تأسيس ديانته، فماذا عن الديانة البوذية وما تبقى لنا من الكلام عن عقيدة البوذية، ونحو هذا. الديانة البوذية تعتبر خطب بوذا وتعاليمه التي ألقاها على تلاميذه، والحوارات التي جرت بينه، وبين فئات مختلفة من الناس، أهم المصادر التي تعرف بالعقيدة البوذية؟ وكذا اكتشاف العلل الاثنتا عشرة للألم، وكذلك الحقائق الأربعة التي توصل إلى معرفتها في أثناء دخوله حالة "النيرفانا" والتي تعتبر المدخل الصحيح إلى كل الفكر الديني البوذي، مع العلم أن البوذية قدمت نفسها كدينٍ إنسانيٍّ وعالميٍّ هدفه الأقصى فتح باب الخلود للناس، وإعطاء النور إلى المكفوفين المدفونين في الظلمات، وفتح باب الخلود للناس لم يكن له إلا بعد أن وجه انتقاداته للمذهبين السائدين آنذاك في الهند، وهما الجينية والهندوسية. نتلمس انتقاداته لعقيدة الجينية من خلال الحوار مع "أوبيكا" الشاب البرهماني الجيني الصديق القديم لبوذا، لم يسفر الحوار بينهما عن نتيجةٍ إيجابية، وانتهى بأن سلك بوذا طريقه، وأخذ "أوبيكا" طريقًا آخر. أما انتقادات بوذا للهندوسية البرهمانية فكانت في حواراته مع الرهبان الخمس الذين أشار عليهم بسلوك الطريق الوسطي، وحاول من خلال فكرة الطريق الوسطي أن يصحح أهم مسلمات الرهبان، أي: المبالغة والتطرف في التقشف، قال بوذا موجهًا كلامه إلى الرهبان: هنالك طريقان متطرفان على الرجل الذي ينبذ العالم تحاشيهما، فمن جهة عادة إشباع شهواته هذه طريقة تافهة وباطلة وبدون ثواب، ولا تتناسب إلا مع الأرواح المتجهة نحو العالم. ومن جهة أخرى: فإن إماتة الذات هي طريق مرهق ومضني وبدون فائدة، ليس الامتناع عن أكل السمك واللحم أو العري، أو حلق الرأس، أو إرسال الشعر

стр. 166

المجدول أو لبس الثوب الخشن أو التغطي بالغبار، أو تقديم الذبائح إلى "أغنا" إله النار عند الهندوس يساعد على تطهير الإنسان الذي لم يتحرر من عيوبه وضلالاته. قراءة كتب "الفيدا" وتقديم التقديمات إلى الكهنة، وذبح الذبائح للآلهة، وإماتة الذات تحت وطأة الحرارة، أو البرد لا تطهر أبدًا الذين لم يتحرروا من عيوبهم، وضلالاتهم، والطريق الوسطي التي يدعو إليها بوذا تزيح الطريقين المتطرفين، وهذه الطريق تفتح الأعين، وتعطي الفهم، وتؤدي إلى سلام الفكر والروح، وإلى الحكمة السامية وإلى الاستنارة الكاملة وإلى "النيرفانا". الأمر السلوكي الآخر الذي خالف فيه بوذا المتشددين في التقشف وإماتة الذات الاختيارية أنه سمح للرهبان بلبس الثياب المدنية، إذ كان النساك، والرهبان يعيشون عراة، ويلبسون الخِرَقَ الرثَّةَ المجموعة من المقابر، أو من كومات النفايات، وكانت هذه الثياب تنقل إليهم الأمراض، حتى إن بوذا نفسه أُصيب بمرض شديد نقلته إليه الثياب الوسخة التي كان قد جمعها من النفايات. وتذكر الروايات أن الناس فرحوا كثيرًا عندما سمعوا بسماح بوذا للرهبان بارتداء الثياب المدنية، وقُدمت في يومٍ واحدٍ عدة آلاف من البذلات إلى الرهبان من قبل السكان "رادجا كريها" كما سمح بوذا بتناول الأدوية والمعالجة، وهو أمرٌ لم يكن معهودًا في حياة الرهبان والنساك الهندوس الذين يعتبرون أن شدة الألم، وقهر الجسد طرائق للخلاص من العلاقات المادية، فلما حلَّ المرض بالرهبان استدعى بوذا الطبيب "ديجي فياكا" لمعالجتهم، وأمرهم بتناولِ الدواءِ، وألزمهم باستعمال المراهم الطبية، وعندما أصيب بوذا بالمرض قَبِلَ باستدعاء الطبيب ومعالجته بالأدوية، وحمامات مناسبة حتى شُفي من مرضه.

стр. 167

وقبل بوذا النساء في كنيسته بعد تردد، وأول امرأةٍ قُبلت في الكنيسة كانت خالته ومرضعته "ماها برادجاباتي" وتلتها "ياسود هرا" زوجته، وجماعة من النساء اللواتي سُمح لهن بوفاء نذورهن، ورسمهن تلميذات، ثم راهبات، لكنه طلب من تلاميذه الاحتراس من النظر إلى المرأة إلا كأمٍّ إذا كانت عجوزة، وكأخت إذا كانت صبية، وكابنة إذا كانت صغيرة. وأمر بوذا رهبان كنيسته بعدم صنع العجائب، أو التبجح بالقدرة على صنع ما لا يقدر عليه عامة الناس، وكان حازمًا في قرارِهِ هَذَا، السبب في ذلك أن أحد الرهبان استطاع بسلطته الروحية أخذ قصعة من أعلى عمود عالي دون استخدام السلالم، أو قضيب له كلاب صغير، عم الخبر وتناقله الناس، وقالوا: إن تلاميذ بوذا يصنعون العجائب، عندما عرف بوذا بالأمر أخذ القصعة وكسرها، ومنع تلاميذه من صنع العجائب من أيِّ نوعٍ كان، خاصة وأن رهبان دير من الأديرة روجوا دعاية عن قدرات خارقة يتمتع بها الرهبان في موسم المطر، وحصول المجاعة، فأسرع أهالي القرى يحملون التقديمات للرهبان الذين عاشوا ببحبوحة، وازداد جوع الناس في المحيط، فانتقد بوذا خبث الرهبان، وحرصهم على كسب المال، أو على أشياء أخرى، وخاطبهم: "أنا أمنعكم أيها الرهبان عن استعمال الرقيات، والسحر، والصلوات؛ لأنها أشياء غير نافعة. ويعتبر أن من يجرب صنع العجائب؛ يكون قد خرج عن العقيدة البوذية. وينتقد بوذا ما يفعله البراهمة من ابتهالات، وصلوات، وتضرع للآلهة على أمل الوصول إلى حالة الاتحاد بالإله براهما، فلا الابتهال للإله "اندرا" ولا التضرع إلى الإله "سوما" ولا التوسل إلى الإله "فارونا" بمؤدي إلى رؤية "براهما"، وهو يشدد في كلامه على استحالة رؤية الإله براهما، ويسخر من كل الممارسات الطقسية

стр. 168

التي يقوم بها البراهمة، ويحكم بأنها فارغة، ولا تجدي نفعًا. المقدسات البوذية: يخبر أحد تلاميذ بوذا وهو "اشقد جئت" عن العقيدة البوذية، ويصفها بالأبيات التالية: كشف بوذا عن المعنى الحق لكل ... المعلولات التي تولد من علائها وعلم الحكيم الكبير كيفية إخماد أهواء النفس ... الرديئة وميول القلب إلى الشر والآلام فما هي العلل التي كشف عنها بوذا، وما هي الطريقة لإخماد أهواء النفس؟. يؤكد بوذا في أكثر من موضع ومن خطبة وموعظة أن الجهل هو جذر كل الشرور عندما تبصر بأصل الولادة والموت، ويؤكد أيضًا أن الشرور حلقات السلسلة في نمو الحياة المسماة "النيداناواد" الاثنتا عشرة، وبما أن سبب كل ألم يرجع إلى أصل ينام مختبئًا في الجهل حيث تتجول الحياة وتتطور؛ فإن إزالة الجهل تؤدي هدم الشهوات التي تتولد منه، وإتلاف الشهوات، إتلاف للشعور الخاطئ الناتج عنها، وهدم الشعور الخاطئ يوقف الضلالة، والغواية لدى الكائنات الفرضية، وإيقاف الضلال، والغواية يؤدي إلى الخلاص من كل تعلق مريض، وإبعاد التعلق يهدم أنانية الأناني. وعند هذه الحالة الأخيرة يصبح الإنسان فوق الولادة، والهرم، والمرض، والموت ويتخلص من كل أشكال الألم والعزاء، عند الإعلان عن العلل الاثنتا عشرة للألم والأصل المختبئ تحت كل واحدة منها، والجهل

стр. 169

أطلق بوذا عجلة الشريعة ويصف بوذا هذه العجلة بقوله: "عوارض العجلة هي قواعد السلوك الطاهر، الحق هو تناسق طوله وتناسق طوله، الحكمة هي إصابته، والتواضع، والحياء، والحكمة، والتبصر هي المركز الذي يتركز فيه محور الحقيقة الثابت المستقر، جعل بوذا من الجهل الأصل لكل الشرور، وهو شأن فكري عقلي غير أنه عندما حدد عناصر دولاب الشريعة انطلق من السلوك، وانتهى به، وهو شأن حياتي عملي خارجي له بعده الاجتماعي والكوني. الأمر الذي يجعل من العمل في رأس اهتمامات الديانة البوذية، فالجانب الخلقي هو الجانب الطاغي على مجمل خطب، ومواعظ البوذا، ثم إن بوذا كان قد أطلق دولاب الشريعة الحقيقية مع تحديد دقيق للحقائق الأربعة المقدسة، الأولى وتتعلق بالألم والثانية تكشف عن أصل الألم، والثالثة تهدم إلى إخماد الألم، والرابعة تحقق محو الألم، وتقدم الطريقة ذات الشعب الثمانية لمحو الحزن، ويصف بوذا هذه الحقائق أنها حقائقٌ نبيلةٌ وشريفة. تقديس بوذا: استحق بوذا القداسة؛ لأنه رفض مملكته وثروته، وعائلته، وأسرته، واكتشف الطريق الحق مقدمًا هكذا إلى العالم المثل الذي يجب الاقتداء به، والسير على نهجه للوصول إلى "النيرفانا"، يقول بوذا عن نفسه في حوار مع والده، وبعد إعلان الدعوة وتحريك عجلة الشريعة: بأنه معلم الحقيقة، واعظ العدالة والإنصاف، ومدخل سلام "النيرفانا" إلى القلوب.

стр. 170

وتقول "ياسودا هارا" زوجة بوذا لولدها "راهولا" الطفل في تعريفه على والده هذا الرجل القديس ذي المنظر المجيد العظيم الشبيه بالإله براهما الكبير هو والدك، ويملك أربعة مناجم من الكنوز إشارة للحقائق الأربعة لم أشاهدها بعد، اذهب وتوسل إليه ليملكك إياها؛ لأن الابن يجب أن يرث ثروة أبيه. يُنظر إلى بوذا على أنه سيد العالم وملك الشريعة وملك الحقيقة المقيم فيها، إنه القديس الذي امتلك سلام الفكر والروح، صارع بوذا الشيطان أربع مرات كانت المرة الأولى عندما ترك قصر والده الملك، وزوجته، وابنه، والمرة الثانية في أثناء تأمله تحت شجرة المعرفة، وتصميمه على نشر الحقائق التي توصل إليها. المرة الثالثة عند بلوغه حالة "النيرفانا" للمرة الأولى، وعودته منها ليعلم الشريعة ويخلص الأنا الكونية، إنه عاد من غيبته الأولى الصغرى بتدخل من براهما نفسه الذي خاف على فناء العالم، إذا لم ينشر بوذا الشريعة الحقيقة، أما غيبته الكبرى فكانت وهو في عمر الثمانين حيث دخل حالة "النيرفانا" للمرة الأخيرة، وانتقل إلى عالم النور بعد أن اطمأن قلبه باستمرار الدعوة إلى العقيدة الصائبة، والحقيقية، لقد رفض بوذا الموت في المرة الأولى، ولكنه قبله في المرة الثانية وقد أدار عجلة الشريعة، واطمأن أن أحدًا لن يقدر على إيقافها. رافقت العجائب مراسيم حرق جثة بوذا، كما واكبت العجائب يوم مولده، لقد أُشعلت جثة بوذا على وجهٍ لم يُعمل إلا لملك الملوك، وهذا من الألقاب التي أطلقت عليه،

стр. 171

وجاء في الإنجيل، ولما أُشعلت المحرقة المأتمية في مدينة "كويسنا هارا" انطفأ وهج الشمس والقمر وسارت الأنهار الهادئة من الجهات سيولًا جارفة، ورجفت الأرض وارتجفت، وتقلقلت كل أوراق أشجار الغابات المتلفة القوية، كما ترتجف وتتقلقل أوراق شجر الحور، وسقطت على الأرض أزهار، وأوراق الأشجار، ولم تكن هذه الأشجار في فصل إوراقها وإزهارها. وأمطرت السماء أزهار المندرة وتركتها حتى غطت كل مدينة كوسيا هارا بسماكة قدم رجل حتى غطت كل مدينة "كويسنا هارا" بسماكة قدم رجل، وهذا الحديث العجائبي يعتقد به البوذي اعتقاده بكل ما جاء في الشريعة التي سنها بوذا وتركها للبشرية، تشير الكتابات البوذية المقدسة إلى لقاء للرهبان المقربين من بوذا بعد مراسيم حرق الجثة، وقال كل واحد منهم رأيه في بوذا؛ إنها الآراء، والمشاعر التي يحملها كل بوذي، ويُكِنُّهَا لصاحب الشريعة ومعلمها. منها المضبوط بوذا هو الحقيقة، وبهذه الصفة فهو موجود في كل مكان وخالد، البوذا هو الحقيقة الكاملة الروعة، والخالدة، والحاضرة في كل مكان، والتي لا تتغير، هذه هي "السلبهارغاكايا" أي: نعمة السعادة الكاملة. البوذا هو المعلم الذي يعز كل الكائنات، ويتخذ شكل الذين يعلمهم هذه هي "النيرمانا كايا" أي: الجسد الذي يظهر فيه، البوذا هو التوزيع الكثير البركة للدين، وهو روح الكنيسة، ومعنى التعاليم التي تركها لنا في كلامه المقدس، وهو الشريعة هذه هي "الدهرماكايا" أي: جسد القانون الرائع إلى أقصى حدود الروعة، رفض بوذا الطقوس الهندوسية المتعلقة بتكريم الآلهة، وعبادتها، وإقامة التماثيل، والمعابد لتعظيمها. إلا أن أتباع بوذا فيما بعد أقاموا المعابد، والتماثيل،

стр. 172

والصور الأنيقة له، وبالغوا في تكريم المعلم السيد، اعتبروه معلمًا للآلهة، كما للبشرية، وسيدًا خالدًا، ومحركًا للكون، ومؤسسًا لمملكة الحقيقة. واعتبر البوذيون أن صاحب الشريعة عاش قبل أن يصبح المستنير خمسمائة وثلاثين نوعًا من الحياة، عاش إلهًا اثنتين وأربعين مرة، وملكًا خمسة وثمانين مرة وأميرًا أربعة وعشرين مرة، وعالمًا اثنتين وعشرين مرة، كما عاش لصًا مرتين، وعبدًا مرة واحدة، ومقامرًا مرة واحدة، وعاش عدة مرات في أجسام أسد فغزال، فجود فنسر فثعبان، وكان مميزًا في كل الحيوانات السابقة، وكان أحكم أبناء الجنس الحيواني الذي وُلد فيه. ومن الحكايات التي يحكيها البوذيون واحدة تتحدث عن بوذا عندما كان يعيش في صورة طائر؛ إذ كان له سلطة على جميع طيور الغابة، وذات صباح فوجئت الطيور بأكوام من التراب، والغبار تتساقط من فروع الشجرة التي كانت تتحرك، ويحتك بعضها بالبعض الآخر، وأخذ الدخان يتصاعد، وبدأ الرعب يسيطر على كل الطيور، وفكر بوذا الطائر لا شك أن الفروع إذا استمرت في احتكاكها فلا بد أن يؤدي الاحتكاك إلى حصول الشرر، وإذا وُجد الشرر فسيتطاير، وتشتعل النيران، فتحرق الأوراق الجافة المتطايرة. وإذا اشتعلت النيران في الأوراق فسرعان ما تحترق الشجرة العظيمة نفسها، فكر عندئذ وقال إذا أردنا الحياة علينا أن نبتعد عن المكان وأن نرحل على الفور وراح الطائر بوذا يغرد لتسمعه بقية الطيور، وهو يغني الأغنية التالية: "إن الشجرة بنت الأرض، وهي التي نعتمد عليها نحن أبناء الهواء، هذه هي الشجرة نفسها بدأت تشتعل بالنار فاهربي أيتها الطيور بعيدًا في السماوات، فموطننا هو

стр. 173

نفسه بدأ يسبب لنا الأخطار والموت، وأنصتت الطيور إلى صوت بوذا، والبعض منها أخذ بالنصيحة وطار مع بوذا إلى البعيد. أما التي لم تسمع للنصيحة بقيت في أماكنها، وقالت: إن بوذا يرى التماسيح دائمًا في قطرة ماء، ولم تمضِ لحظاتٌ حتى اشتعلت النار، واحترقت الشجرة، وعجزت الطيور عن الهرب فوقعت في اللهيب. ويُقارن البوذيون بين هذه القصة، وحكاية خروج البوذا من قصر أبيه الملك، وبحثه عن الخلاص الذي وجده بعد أن أمضى سبع سنوات من الزهد، والنسك، والتأمل. تقديس العقيدة: تحظى العقيدة البوذية عند أصحابها بنفس القداسة التي يحظى بها واضعها، ويطلق عليها اسم النظام، أو عجلة الشريعة، قام بوذا بدفع هذه العجلة أكثر من أربعين عامًا مع جماعة من أتباعه الذين اختارهم، ونظم أمورهم، وأشرف إلى إعدادهم ليكونوا الدعاة المخلصين له ولعقيدته، قام "أوبالي" أحد الرهبان بعد أن تمت مراسيم حرق جثة بوذا، وذكّر إخوته الرهبان بما كان يقوله المعلم السيد عن العقيدة. قال: اعتاد معلمنا أن يقول للإخوة: أيها الرهبان بعد دخولي في "النيرفانا" يجب أن تحترموا الشريعة، وتطيعوها، وأن تنظروا إلى الشريعة كمعلم لكم، تشبه الشريعة النور الذي يلمع في الظلمات يرشد إلى الطريق، وهي تشبه أيضًا جوهرة نفيسة يجب عليكم ألا تتراجعوا أمام أي عذاب بغية امتلاكها، ويجب أن تكونوا مستعدين لتحمل كل تضحية حتى التضحية بحياتكم، أطيعوا الشريعة التي

стр. 174

كشفتها لكم بتدقيق وبضبط كلي، احترموا الحقيقة، كأنها على الإطلاق مشابهة لي. الواضح: أن تعاليم بوذا الواردة في هذه المقاطع تؤكد على ضرورةِ احترامِ الشريعة وطاعتها، والتعامل معها كجوهرة ثمينة، ولأنها كالنور الذي يرشد في الظلمات، كما أن بوذا يوازن بين الشريعة وبين نفسه ويجعلها شبيهة به، وبذلك يكون لها من القداسة ما له، إن الشريعة في نظر البوذي هي الحقيقة الخالدة، إنها البوذا بنفسه وهي حاضرة في كل مكان، ولا تتغير وهي جدًّا رائعة، وسنعرض فيما بعد لأهم ما جاء في الشريعة البوذية في شتى مسائل الوجود، والآلهة، والأخلاق، والتنظيم الاجتماعي الفقهي القانوني -إن شاء الله تعالى. يعرف بوذا في إحدى خطبه بعقيدته، وبالصفات الثمانية التي ميزتها عن غيرها من العقائد التي عرفت من قبل، يقول: تشبه عقيدتي المحيط؛ لأنها تملك الصفات الثمانية التي يملكها المحيط. ١ - كلاهما المحيط والعقيدة يصبحان تدريجيًا أكثر فأكثر عمقًا. ٢ - هما يحتفظان بجورهما عند كل التغيرات. ٣ - هما يلفظان الجثث على رمل الشاطئ. ٤ - كما أن الأنهار الكبيرة عندما تصب في المحيط تفقد أسماءها، وتصير جزءً من هذا المحيط كذلك البشر من كل الطوائف عندما ينتمون إلى الكنيسة ينكرون أصلهم ويصيرون إخوة وأولادًا "للساياكيموني". ٥ - المحيط هو الهدف الذي تجري بسرعة إليه كل الأنهار، وأمطر الغيوم، ومع هذا فهو لا يفيض، ولا يجف أبدًا، كذلك تضم الشريعة الملايين من البشر، ومع هذا فهي لا تزيد ولا تنقص.

стр. 175

٦ - وكما أن المحيط الكبير له طعم واحد هو الملوحة؛ كذلك عقيدتي لها عطر واحد هو الخلاص. ٧ - كلاهما؛ أي المحيط والشريعة مملوءان بالأحجار الكريمة واللآلئ والجواهر. ٨ - وهما المحيط والشريعة يعتبران مأوى لكل الكائنات. ويضيف البوذا عقيدتي تشبه الماء الذي تطهر كل شيء بدون تمييز، عقيدتي تشبه النار التي تحرق، وتأكل كل الأشياء الموجودة بين السماء، والأرض كبيرة كانت أم صغيرة، عقيدتي تشبه السماء؛ لأن فيها مكانًا واسعًا جدًّا يفوق قدر الكفاية لاستقبال الجميع من الرجال والسناء، ومن الصبيان والبنات، ومن الأقوياء، والضعفاء، هذه بعض الأوصاف المهمة التي أطلقها البوذا على شريعته، والتي يُستنتج منها سعي البوذا لنشر عقيدته، وجعلها تعم كل البشر، وكل الكائنات، وجعل هدفها الجمع بين جميع فئات الناس في بوتقةٍ واحدة، وتحت مظلة الشريعة الصالحة التي تزود أتباعها بما يؤمن لهم السعادة، والخلود، والخلاص من كل الآلام والعذابات. تقديس الكنيسة أو الرهبانية البوذية: اهتم بوذا بتأسيس الرهبانيات التي تجمع المريدين، والأتباع في كل المناطق التي انتشر فيها سيطه من خلال المبشرين، اقتنع منذ بداية تلقيه الإشراق الروحي وتعرفه على الحقيقة الخالدة استحالة نشرها بمفرده؛ إذ يستحيل عليه الاستجابة إلى كل الذين يريدون الاستماع إلى الحقيقة، وتقبل التكريس، والطقس الديني

стр. 176

فاختار من بين تلاميذه مبشرين مملوءين بالرحمة، والشفقة لتعليم الناس ما فيه خيرهم وصلاحهم. قام هؤلاء بالمهمة، وتوزعوا في أرجاء الهند يدعون الناس إلى العقيدة الوسطى التي بشر بها بوذا، أول بعثة للمبشرين الذين أطلقهم البوذا، زودهم بتعاليم الشريعة، ونبههم إلى أن أكثر الناس على عيونهم غشاوة من الغبار، فإذا لم يبشروا بالعقيدة؛ فلن يتمكنوا من الوصول إلى الخلاص، وطلب منهم -أي: من الرهبان أن يعلموا حياة القداسة لمن يستحقها من الناس، وحذرهم من وقوع الشريعة والقانون الكنسي في أيادي من لا يستحقونها؛ لأنها عندئذ تسقط، وتصبح محتقرة، ومكروهة لأن هؤلاء يجعلونها أضحوكةً وسخريةً ويعدمونها. أمسك البوذا في حياته زمام الأمور في الكنيسة، تقيد الرهبان بالتبشير أثناء تجواله في الطرقات وجمع الصدقات، لكنهم كانوا يجتمعون مجددًا في فصل الأمطار وينضمون إلى معلمهم بوذا ليستمعوا إلى نصائحه، وإرشاداته، ومواعظه. أو رهبانية بوذية أُقيمت في بستان "الخيزران" في "ميروفانا" قدمه الملك "بندي سارا" بالقرب من ميدينة "رادجا ريهي" عاصمة مملكة "ماجيتها" تلاه الدير الذي بناه التاجر الثري "انسا بنديكا" في مدينة "سرفيستي" وهكذا حتى عمت الأديرة كل شمالي البلاد الهندية. قبل بوذا دخول النساء لسلك الرهبنة بعد تردد، كانت "ياسودا هارا" زوجة بوذا قد توسلت إلى زوجها بوذا ثلاث مرات لتُقبل في الكنيسة لكن طلبها لم يُستجاب، لكن عندما تدخلت "برادجا باتيماها" الأم المرضعة، والمربية لبوذا بعض موت أمه مصحوبة بكثير من النساء المتحمسات للحقيقة لم يستطع المقاومة،

стр. 177

وقبلهن راهبات في كنيسته بعد هجرهن الخدمة المنزلية ليعتنقن حياة التسكع والتيه حسب مقتضيات العقيدة. نظم بوذا الكنيسة ووحد أراء وأفكار الرهبان حول الحقائق النبيلة التي بشر بها، ووحد الزي أو اللون الأصفر وعرفهم على الطقوس الواجب تنفيذها اجتماعاتهم وقداسيسهم التي تقام أيام السبت وفي كل الأديرة كما أصدر أوامره للرهبان بتلاوة "البراسيموكوشا" وهو طقس مغفرة الخطايا، ويُقام مرتين في الشهر. إذا وقع الخلاف والشقاق بين الرهبان، وانقسموا إلى أحزاب، كان البوذا يسرع إلى فك الخلافات بطريقة الديمقراطية هذا ما حصل بشأن النزاع الذي وقع بين رهبان دير مدينة "كوسامبي" حيث انقسموا إلى حزبين، طلب بوذا إجراء تحقيق حول النزاع وأجراء محاكمة، ومنع الكنيسة من اتخاذ إجراءات، وأحكام دون القيام بالتحقيقات اللازمة، وأمر أن يكون الاتفاق بالنص المكتوب، والفكر معًا ليكتسب شرعيته لقد أعد البوذا الرهبان، والرسل المبشرين بالشريعة إعدادًا جيدًا، وزودهم بالحقيقة التي تلقاها عن طريق الإشراك، وكان لهم القدوة في كل ما كان يتوجب عليهم القيام به، كثيرة هي المواعظ، والإرشادات التي قدمها رسله في المناطق. كما أن البوذا كان يمتحن الرهبان قبل أن يرسلهم في بعثة تبشيرية؛ كي يتأكد من قدرتهم على نشر الحقيقة بصورة سليمة، كلم الرهبان، ووعظهم، وأرشدهم إلى الطريقة الصحيحة الواجب اتباعها لنشر العقيدة بصورة سليمة ومنظمة، قال لهم: عندما أموت، ولا أعُد قادرًا على مكالمتكم، وعلى بناء أفكاركم بأحاديث دينية، وعلى أن لا أكون قدوة صالحة لكم اختاروا من بينكم رجالًا من عائلات

стр. 178

صالحة ومثقفين يبشروا بالحقيقة عوضًا عني، وعلى هؤلاء الرجال ارتداء أثواب "التاساغاتا" والدخول إلى مقرِّهِ، والجلوس على منبره. أثواب "التاساغاتا" هي الحلم، والرحمة، والسماحة، والتساهل، والرفق، والمغفرة والصفح، والتغاضي بكل سناها، وجلالها، وعظمتها وجزالتها، وإعجازها، وعلوها وبصبر جميل، وبطول روح طيبة، وثبات مكين، وبتجلد مستمر، وباحتمال قوي وبأناة لطيفة، ومقر "التاساغاتا" هو الإحسان والمحبة لكل الكائنات. ومنبر البوذا هو الفهم الصحيح للقانون في معناه المجرد، وكذلك في تطبيقاته الخاصة به، ويجب على الواعظ عرض الحقيقة بفكر شجاع، وبرباطة جأش حيث لا يمل ولا يفشل، ويجب عليه امتلاك قوة الإقناع، والاقتناع التي يكون جذرها في الفضيلة، وهي أمانة مدققة، ولازمة إلى ما يرغبه، ويمني نفسه به، ويدعو إليه وينذره. يجب على الواعظ أن ينضبط في ملكه، ودائرة عمله واختصاصه، وأن يكون صلبًا وقوي العزيمة في مهنته، وشغله، ومشاريعه، ويجب أن لا يكون متملقًا، ومداريًا، ومصانعًا ومطنبًا في مدح نفسه، ومدح الآخرين، ويجب أن لا يكون مفتتنًا بنفسه، ومحاولًا افتتان الآخرين، ويجب أن لا يكون مزهوًا ومعجبًا بنفسه، ومتباهيًا ومدعيًا ومحبًّا للجاه ولوعًا بالافتخار؛ مما يجعله يبحث عن مرافقة الكبار، ويجب عليه عدم عقد أية صداقة مع أشخاص خفيفي العقل مستهترين طائشين تافهين وغير أخلاقيين، وإذا دخلت التجربة عليه أن يفكر دائمًا بالبوذا فينتصر، يجب على الواعظ ألا يُحمل على مخاصمة الآخرين ومقاتلتهم. وألا يقدم على لوم، أو معاتبة، أو ذم المبشرين الآخرين.

стр. 179

ويجب عليه عدم الاغتياب والتسلب، والقدح، والطعن بغيره، وعدم الانتقاص من كرامة الآخرين، ويجب عليه عدم بث، ونشر، وإذاعة، وإفشاء كلمات لاذعة، وقاسية، وجافة وحادة، ويجب عليه عدم تسمية التلاميذ الآخرين بأسمائهم؛ بغية اغتيابهم والطعن بهم، وتوبيخ سلوكهم، يجب عليه الصعود إلى المنبر بجبة نظيفة، وفي ملابس مناسبة تحت هذه الجبة، وبفكر محرر من كل لوم وتوبيخ، وأن يكون بسلام مع العالم بأكمله، يجب عليه أن لا يلتذ أبدًا بمناقشات خصامية وقتالية، وألا يتدخل بمجادلات دينية؛ ليظهر تفوق مواهبه، وعلو كعبه، وسمو رتبته، وعظمة شرفه وتقدمه على غيره، لكن واجبه يقضي بأن يبقى وديعًا ودمسًا ولين الجانب وهادئًا، ويجب أن لا يسكن في قلبه أي شعور حاقد، ومشاحن وعدائي، وأن لا يغض النظر أبدًا، وأن لا يبعد جانبًا الترتيبات الإحسانية تجاه كل الكائنات، ويجب أن يكون هدفه الوحيد إيصال كل الكائنات إلى نعمة البوذا. على الواعظ الإقبال بنشاط وحماس على مهمته بحيث يجعله الداساغاتا ينظر إلى جسم الشريعة المقدسة في مجدها المتصاعد فيصبح محترمًا وموقرًا ومكرمًا كأحد هؤلاء الذين باركهم "التاساغاتا"، يبارك "التاساغاتا" الواعظ، والذين يستمعون إليه باحترام، والذين يتقبلون العقيدة بفرح، كل الذين يتقبلون الحقيقة ينالون الذكاء الكامل حقًّا هي كبيرة قوية العقيدة، فقراءة آية واحدة منها، وحفظ عبارة واحدة من الشريعة الصالحة ترسخ الإيمان في الحقيقة بأيِّ شخص كان، وتجعله يدخل في طريق هذه الحقيقة التي تقود إلى الخلاص من الشر، يجب على الواعظ أن يكون مملوءًا بالحيوية، وبالأمل الوهاج، ويجب أن لا يسأم، ولا يتعب، ولا يفقد الأمر أبدًا من نجاحهم النهائي.

стр. 180

يجب أن يكون الواعظ شبيهًا برجل محتاج إلى الماء، فيحفر بئرًا في أرض قاحلة وطالما يرى الرمل أبيض وجافًّا؛ يعلم أن الماء لا يزال على مسافةٍ كبيرةٍ، ولكن إذا لم يتقاعس أبدًا، ولم يترك عمله كشيء ميئوس منه، يجب أن ينشغل برفع الرمل الجاف بطريقة تمكنه من حفر الأرض إلى عمق أكبر، وإذا وجب تكرار الحفر إلى الأعمق؛ فإن الماء يصبح أكثر برودة، وأكثر صفاءً، وأفضل، ويحيي قوى الرجل الحافر ويجددها، وعندما يمضي عليه بعض الوقت من تكراره الحفر. يرى أن الرمل أصبح رطبًا فيدل ذلك على أن الماء أصبح قريبًا في أيديكم. ولكم أيها الناس والعائلات الكريمة والمثقفين قد وُضع النذر للتبشير بكلمات التاساغات ويضع المبارك مجددًا في أيديكم ويثق بكم ويأمركم بنشر شريعة الحقيقية الصالحة، تقبلوا شريعة الحقيقة الصالحة احتفظوا بها اقرءوها وراجعوا قراءتها تعمقوا بها أعلنوها بشروا بها كل الإخوة في كل الزوايا المسكونة اجمعوا حولكم سامعين متشوقين لسماع كلمات الشريعة اللطيفة، والمعزية، حثوا غير المؤمنين ليتقبلوا الحقيقة، واغمروهم بالطيبات، وبالفرح، واجعلوهم أشداء، وابنوهم وارفعوهم إلى الأعلى، وإلى أعلى الأعلى حتى يروا الحقيقة وجهًا لوجه في كل تألقها، ومجدها الذين لا نهاية لهما. وهذا النذر كما ورد في الإنجيل للتلاميذ دوى في المسكونة، ورجع يتردد كصدى من كل "البودهيز تفاوات". البودهيز تفاوات أي: الأشخاص الذين يصلون إلى مرحلة ما قبل الاستنارة، اللاحقين الذين سيأتون للتبشير بشريعة الحقيقة الصالحة، وينصح بوذا الدعاة بضرورة مخاطبة الناس على قدر عقولهم، وطريقتهم في التخاطب، فيقول: هنالك أنواع مختلفة من الجماعات يا أنتد، وأنتد هذا تلميذ بوذا المقرب، وشقيقه من أبيه،
следующие страницы →