← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 30912

الأديان الوضعية - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (451 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الدرس: ٤ الديانة الهندوسية (٢) .

стр. 72

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع (الديانة الهندوسية (٢)) التعريف بالهندوسية، وفكرة تأسيسها الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد: فنتحدث عن الهندوسية أكبر أديان الهند؛ من حيث التأسيس والتطور: الهندوسية ديانة الجمهرة العظمى في الهند الآن، قامت على أنقاض الويبية، وتشربت أفكارها وتسلمت عن طريقها، الملامح الهندية القديمة والأساطير الروحانية المختلفة، التي نمت في شبه الجزيرة قبل دخول الآريين، ومن أجل هذا عدها الباحثون امتدادا للويبية وتطورًا لها. وتسمى الهندوسية أو الهندوكية، إذ تمثلت فيها تقاليد الهند، وعاداتهم وأخلاقهم وصور حياتهم، وأطلق عليها البرهمية، ابتداء من القرن الثامن قبل الميلاد نسبة إلى براهمة، وهو القوة العظيمة السحرية الكامنة، التي تطلب كثيرا من العبادات، كقراءة الأدعية وإنشاد الأناشيد وتقديم القرابين، ومن براهمة اشتقت الكلمة البراهمة، لتكون علمًا على رجال الدين، الذين كان يعتقد أنهم يتصلون في طبائعهم بالعنصر الإلهي، وهم لهذا كانوا كهنة الأمة، لا تجوز الذبائح إلا في حضرتهم وعلى أيديهم. الهندوسية من حيث فكرة التأسيس: من مؤسس الهندوسية؟ من الذي وضع الهندوسية؟ من الذي وضع كتابها المقدس "الويدا"؟ في الإجابة على هذين السؤالين، نقرر أنه ليس هناك مؤسس للهندوسية، يمكن الرجوع إليه كمصدر لتعاليمها أحكامها، فالهندوسية دين متطور ومجموعة من التقاليد والأوضاع، تولدت من تنظيم الآريين لحياتهم جيلًا بعد جيل، بعدما وفدوا على الهند، وتغلبوا على سكانها الأصليين، واستأثروا دونهم بتنظيم المجتمع، وقد تولد من استعلاء الآريين

стр. 73

الفاتحين، على سكان الهند الأصليين ومن احتكاكهم بهم، تلك التقاليد الهندوسية التي اعتبرت على مر التاريخ دينًا، يدين به الهنود ويلتزمون بآدابه. ويمكن القول: أن أساس الهندوسية، هو عقائد الآريين بعد أن تطورت، بسبب اختلاط الآريين، وهم في طريقهم البطيء إلى الهند، بشعوب كثيرة وبخاصة بالإيرانيين، ثم تأثرت هذه العقائد بعد احتلال الآريين للهند، بسبب الاتصال بأفكار السكان الأصليين، وبفلسفات وأفكار نشأت في الهند، في مراحل متباعدة من التاريخ، حتى أصبحت الهندوسية بعيدة عن العقائد الآرية الأصيلة. والهندوسية أسلوب في الحياة، أكثر مما هي مجموعة من العقائد والمعتقدات، تاريخها يوضح استيعابها لشتى المعتقدات والفرائض والسنن، وليست لها صيغ محدودة المعالم، ولذا تشمل من العقائد ما يهبط لعبادة الأحجار والأشجار، وما يرتفع إلى التجريدات الفلسفية الدقيقة. وإذا كانت الهندوسية ليس لها مؤسس معين؛ فإن "الويدا" كذلك، وهي الكتاب المقدس الذي جمع العقائد والعادات والقوانين بين دفتين، ليس له كذلك واضع معين، ويعتقد الهندوس أنه أزلي لا بداية له، وملهم به قديم قدم الملهم، ويرى الباحثون من الغربيين والمحققون من الهندوس، أنه قد نشأ في قرون عديدة متوالية لا تقل عن عشرين قرنًا، بدأت قبل الميلاد بزمن طويل، وقد أنشأته أجيال من الشعراء والزعماء الدينيين والحكماء الصوفيين عقبًا بعد عقب، وفق تطورات الظروف وتقلبات الشئون، وينسب بيري كتابة "الويدا" إلى الآريين، سنعطي فيما بعد إن شاء الله معلومات كافية عن هذا الكتاب المقدس.

стр. 74

أهم الموضوعات المتعلقة بالهندوسية والموضوعات الجديرة بالدراسة حول الهندوسية، يمكن تلخيصها في الآتي: ١ - "الويدا". ٢ - الله في التفكير الهندسي. ٣ - نظام الطبقات. ٤ - أهم عقائد الهندوسية: (الكارمة، تناسق الأرواح، وحدة الوجود، الانطلاق). ٥ - من صور الأخلاق عند الهندوسيين: (مراحل الحياة، التسول، محاربة الملاذ، تعذيب الجسم). ٦ - نماذج من الفقه الهندوسي. ٧ - تعريف بالكتب المقدسة لدى الهندوس بعد "الويدا". ٨ - لمحة تاريخية عن الديانة الهندوسية. وسنتكلم عن هذه الموضوعات بشيء من التفصيل فيما يلي بإذن الله ﵎. أولًا: "الويدا": قلنا فيما سبق: إن "الويدا" كتاب الهندوس المقدس، لا يعرف له واضع معين، ولإعطاء صورة أقرب إلى الدقة عن "الويدا"، الذي يعد بحق دائرة معارف عن الهندوس، نلجأ إلى كاتب هندي قدير، وهو الأستاذ محمد عبد السلام، لنلخص بحثه عن "الويدا"، ضمن أبحاثه القيمة عن فلسفة الهند القديمة، يقول: للويدا قيمة تاريخية كبرى، إذ تنعكس في هذا الأدب الديني، حياة الآريين في الهند في عهدهم القديم ومقرهم الجديد، ففيه أخبار "حملهم وترحالهم، دينهم وسياستهم، حضارتهم وثقافتهم، معيشتهم ومعاشرتهم، مساكنهم وملابسهم، مطاعمهم ومشاربهم، مهنهم وحرفهم"، وترى فيه مدارج الارتقاء للحياة العقلية، من سذاجة البدو

стр. 75

إلى شعور الفلاسفة، فتوجد فيه أدعية ابتدائية تنتهي بالارتياب، وإلوهية تترقى إلى وحدة الوجود. و"الويدات" عبارة عن أربع كتب دينية، هي: ١ - الريج ويدا. وهو أشهر الأربعة وأهمها وأشملها، كما سيظهر من مقارنة موضوعاته، بموضوعات "الويدا"ت الثلاث الأخرى، ويقال: إن تأليف "الريج ويدا" يرجع إلى ثلاثة ألاف سنة قبل الميلاد، وتشمل ألف وسبعة عشر أنشودة دينية، وضعت ليتضرع بها أتباعها أمام الآلهة، أو يتغنون بها عن الآلهة، وأشهر الآلهة الذين ورد ذكرهم فيها هو الإله "أندرا" إله الآلهة، ثم يجيء بعده الإله "أغنى" إله النار وراعي الأسرة، فالإله "فارونا" فالإله "سوريا الشمس" وغيرهم، ولا زال الهنود يتغنون بأناشيد من الريج ويدا، يرتلونها في صلواتهم صباحًا ومساء، ويتيمنون بتلاوتها في حفلات زواجهم، كما كانوا يفعلون منذ ثلاثة آلاف عام. الثاني: "ياجور ويدا". وتشمل العبادات النثرية، التي يتلوها الرهبان عند تقديم القرابين. الثالث: "ساما ويدا". وتشمل الأغاني التي ينشدها المنشدون، أثناء إقامة الصلوات وتلاوة الأدعية. الرابع: "آثار ويدا". وتشمل المقالات في السحر والرقي والتوهمات الخرافية، مصبوغة بالصبغة الهندية القديمة. فالحياة الهندية كما يصورها آثار فيدا مملوءة بالآثام، والكون حافل بالشياطين والأغوال يخوفون الناس، والآلهة كفت أيديها عن الخير ولم

стр. 76

تعد تدفع الشر، ويروي أثار فيدا لجوء الناس للخرافات والرقى والسحر، ليحموا أنفسهم. وكل من هذه "الويدات" الأربعة، يشتمل على أربعة أجزاء، هي "سامهتا، وبراهمن، وأرنيك، أبانيشاد"، وهي بهذا الترتيب من حيث قدمها التاريخي، سنتحدث عن كل منها فيما يلي: ١ - سامهتا أو مجموعة المنظومات لكثرة المنظوم فيها. ومنظومات "الريج ويدا" أهمها، وقد تكرر أكثرها في "ساما ويدا"، وهذه المنظومات يتغنى بها عند تقديم القرابين، ويشمل "سامهتا من ياجور ويدا"، بعض الأدعية التي تقرئ عند تقديم القرابين كذلك، أما منظومات أثار فيدا، فأدعية كانت يقدمها سكان الهند الأقدمون، لآلهتهم قبل زحف الآريين، وإذا فلها قيمة تاريخية ودينية عظيمة، وتمثل "السامهتا" مذهب الفطرة في التفكير "الهندوسي". ٢ - "البراهمن، أو الهدايات". التي يقدمها البراهمة للمقيمين في بلادهم وبين أهليهم، وتشمل بيان أنواع القرابين وتفاصيلها ومواسمها، وتبيان أن إرضاء البراهمة ضروري، لقبول القرابين، يمثل البراهمن مرحلة أقرب إلى التحضر للتفكير الهندوسي. ٣ - "أرنيك" أو الغاديات أو الهدايات والإرشادات. التي تقدم للشيوخ المعمرين، الذين يتركون أهليهم في الربع الرابع من أعمارهم، ليقيموا في الكهوف والغابات، والأرنيك تهدي أمثال هؤلاء إلى أعمال سهلة، يقومون بها بدل القرابين، التي أصبحوا يعجزون عن تقديمها.

стр. 77

٤ - "أبانيشيدات". وهي الأسرار والمشاهدات النفسية للعرفاء من الصوفية، وتدون هذه إرشادًا للرهبان والمتنسكين، الذين مالوا إلى باطن الحياة وتركوا ظاهرها، وتمثل الأبانيشيدات مذهب الروح، الذي هو المرتبة العليا في سلسلة الارتقاء الديني، وتعتبر "الأبانيشيدات" خطوة جريئة في سبيل الحرية الدينية، وتخليص الدين من الرسوم البرهمية، وبها أبعدت الآلهة أو قل الاهتمام بها، وهدأت الأدعية وندرت القرابين وانحطت المراقبات اللاهوتية، وحل العلم والعرفان محل ذلك، ولولا بقايا من الشعور الديني، لكانت الأبانيشيدات فلسفة محضة. والناظر إلى هذه الأقسام الأربعة، يلاحظ أن "السامهتا" يمثل دين الفطرة أو الفكر البدائي، أما البراهمن فيمثل مذهب القانون ودين الأمة، التي تركت البداوة ولم تتعمق بعد في الحضارة، أما "الأرنيك" فينقل الفكر من القانون إلى الروح، فهو معبر تاريخي، وتجيء بعده الأبانيشيدات حيث مذهب الروح، الذي هو المرتبة العليا في سلسلة الارتقاء الديني، وقد وضعت الأبانيشيدات في المدة من ثماني مائة إلى ستمائة قبل الميلاد. نماذج من "الويدا": فيما يلي نماذج من (الريج ويدا) مترجمة عن السنسكريتية، هذه أغنية لـ (أندرا) إله الآلهة: تقول: "هو الأعلى من كل شيء وهو الأسمى، إله الآلهة ذو القوة العليا، الذي أمام قدرته الغالبة، ترتعد الأرض والسماوات العالية، أيها الناس استمعوا لشعري، إنما هو إندرا إله الكون، هو الذي قهر الشياطين في الحساب، وأجرى السبعة الصافية الكبار، واقتحم كهوف الكآبة والأكدار، وأخرج

стр. 78

البقرات الجميلة من الأرحام، وأضاء النار القديمة من البرق في الغمام، ذلك هو اندرا البطل الجسور، الجيش المتقدم للهيجاء، يناديه للنصرة يوم الحرب، الأعزاء بصيته الذائع يهتفون، والأذلاء يذكرون اسمه بشفاههم ويهمسون، وقائد الجيش على العجلة الحربية، يدعو ويستنصر إندرا إله الحرب، الأرض والسماء تعترفان بسلطانه وكماله، والجبال المرتعدة تخر له وتسجد لجلاله، هو الذي يرسل صواعق السماء على أعدائه، فلتهدى إليه الزكائب المقدسة، فإنه يقبل هذه الخمر ويمنحنا رضاه، ويستمع للشعر وأغاني الولاء، له البقرات وأفراس الوغى، له القرى والمساكن وعجلات الحرب. ويرفع الشمس بيده اليمنى، ويفتح الأبواب الحمر من شفق الفجر، فيمزق السحاب الأحمر تمزيقا، يرسل شآبيب المطر لنصدق به تصديقًا". وهذه أغنية للشمس: "يجيء بالشمس جيادها الحمر، فيصل الفجر العظيم الجميل، الذي ينعش الجميع بضيائه، وتأتي الإلهة على مركبة فخمة، توقظ الإنسان ليقوم بعمل نافع". هذه أغنية لـ"أغنى" إله النار: "حينما أرى هذا الكائن المنير في قلبي، تدوي أذناي وتختلج عيناي، وتتيه نفسي في ارتياب، فماذا أقول وماذا أفكر، فيا أغنى مجدتك جميع الآلهة، واجفة ما تواريت في الظلام". ويمكن أن نذكر بعد إن شاء الله، مزيد من الاقتباسات من "الويدا"، عند الكلام عن النقاط الأخرى المتصلة بالهندوسية. ثانيًا: الله في التفكير الهندوسي. التعدد والوحدانية في الفكر الهندي. يوجد في التفكير الهندوسي فيما يختص بالإله نزعتان مختلفتان تمام الاختلاف: نزعة الوحدانية ونزعة التعدد، وإن كانت نزعة التعدد أقوى وأكثر انتشارًا، وقد بلغ التعدد عند الهنود مبلغًا كبيرًا، فقد كان عندهم كما سبق القول، لكل قوة طبيعية تنفعهم

стр. 79

أو تضرهم إله يعبدونه، ويستنصرون به في الشدائد، كالماء والنار والأنهار والجبال وغيرها، وكانوا يدعون تلك الآلهة، لتبارك لهم في ذريتهم وأموالهم، من المواشي والغلات والثمار وتنصرهم على أعدائهم. ولم يصل "الهندوس" إلى عبادة هذه الظواهر دفعة واحدة، إنما مروا بمراحل انتهت بهم إلى عبادتها، ويصور الأستاذ محمد عبد السلام مراحل هذا الانتقال بقوله: "وكانت المظاهر الكونية الجميلة والمناظر العظيمة، باعثة لإيقاظ الشعور الديني فيهم، فأعجبوا بهذه المظاهر واستمتعوا بها، وشكروا لها وامتنوا وأثنوا عليها، ثم ظنوا أن لهذه المظاهر أرواحًا ونفوسًا، كما أن لهم هم أرواحًا ونفوسًا، واعتبروا هذه الأرواح قوة كامنة وراء الظاهر، واعتبروا هذه الأرواح قوة كامنة وراء المظاهر، وبيدها أن تمنحهم هذه المظاهر، التي أعجبتهم أو تحجبها عنهم، فتقربوا إليها بالعبادة والقرابين، واعتبروها آلهة ودعوها عند الحاجات، وعلى هذا كثرت الآلهة عندهم كثرة زائدة، ولكنهم في وسط هذا التعدد، كانوا يميلون أحيانًا للتوحيد أو إلى اتجاه قريب منه؛ فقد كانوا إذا دعوا إلها من آلهتهم، أو أثنوا عليه أو تقربوا إليه بقربان، أقبلوا عليه بكل عواطفهم وجل ميولهم، حتى يغيب عن أعينهم سائر الآلهة والأرباب، ويصير إلهاهم هو ذلك الإله لا غير، فيسمونه بكل اسم هو حسن، ويصفونه بكل صفة كمالية، يخاطبونه برب الأرباب وإله الآلهة، تعظيما وإجلالًا لا تحقيقًا وإيقانًا. وإذا عطفوا إلى إله غيره، أقاموه مقام الأول وجعلوه رب الأرباب وإله الآلهة، فهذا التعبير رب الأرباب أو إله الآلهة، كان أولا يدل على العظمة والجلال، فلما مضت القرون على هذا النحو، أصبح هذا التعبير ثابت المعنى، أي أنهن اعتقدوا فعلًا أن في صف الآلهة، رئيسًا ومرءوسين وآمرًا ومأمورين، وأن

стр. 80

الرئيس والآمر هو وحده رب الأرباب وإله الآلهة، وهذا وصف ثابت له لا ينتقل إلى سواه، والكائنات كلها تحت يده وسائر الآلهة تحت أمره". التثليث في الفكر الهندي: في حوالي القرن التاسع قبل الميلاد، وصل فكر الكهنة الهنود إلى إبراز هذه النتيجة، التي تقرب من التوحيد أو تصل إليه؛ فقد جمعوا الآلهة في إله واحد، وقالوا: إ نه هو الذي أخرج العالم من ذاته، وهو الذي يحفظه ثم يهلكه ويرده إليه، وأطلقوا عليه ثلاثة أسماء: "فهو براهمة" من حيث هو موجد، وهو "فشنو" من حيث هو حافظ، وهو "سيفا" من حيث هو مهلك. وهكذا فتح الكهنة الهنود الباب للمسيحيين، فيما يسمى تثليث في وحدة ووحدة في تثليث، فبراهمة اسم الله في اللغة السنسكريتية، وهو عند البراهمة الإله الموجود بذاته، لا تدركه الحواس ويدركه العقل، وهو مصدر الكائنات كلها لا حد له، وهو الأصل الأزلي المستقل، الذي منه يستمد العالم وجوده، وجاء في كتاب (الباجا فاتا بورانا) وهو من الكتب الهندية المقدسة، أن كاهنًا توجه إلى الآلهة براهمة وفشنو وسيفا، وسألهم أيكم الإله بحق، فأجابوا جميعًا اعلم أيها الكاهن، أنه لا يوجد أدنى فارق بيننا نحن الثلاثة، فإن الإله الواحد يظهر بثلاثة أشكال، بأعماله من خلق وحفظ وإعدام، ولكنه في الحقيقة واحد، فمن يعبد أحد الثلاثة، فكأنه عبدها جميعا أو عبد الواحد الأعلى. وقد سبق أن ذكرنا أن هذا الثالوث الجديد ظهر متأخرًا، نتيجة للتطور الذي سقناه، ومن أجل هذا ليس له ذكر في "الويدا"، أما الآلهة الواردة بـ"الويدا"ت فعديدة، ولكنها اجتمعت في ثلاثة آلهة رئيسة، هم فارونا في السماء، واندرا في الهواء، وأغنى في الأرض.

стр. 81

الاحتفال بالمعبودات الهندية: وقبل أن نطوي صفحة الكلام عن آلهة الهنود، يجدر بنا أن نقتبس من كتاب (هندسم)، وصفه الرائع للاحتفال بالمعبودات الهندية، ومن هذا الكتاب يتضح، أن من أهم الشعائر الدينية، أن يعد التمثال أحسن إعداد وأن يقام في المعبد، ويعامله عباده كأنه حي يسمع ويعي، يدهنونه بالزيوت ويضمخونه بالطيب، ويحتف بالإله الجديد الذي يدخل المعبد لأول مرة احتفاء واسعًا، يتجه الكل للترحيب به وحسن استقباله كأنه ضيف عظيم، يغسل بالعطور ويكسى بأحسن ثياب ويزين بالجوهر واللؤلؤ، ويوضع أمامه أحسن طعام وأشهى شراب، ويحاط بالزهر والريحان، وتطوف به الجماعة منحنية ضارعة، على أنغام الموسيقى ودخان البخور وأصوات الغناء. ويستمر هذا الكتاب ليقرر، أن بعض الهنود يرون في التمثال إلههم، ويراه آخرون رمزا للإله، ويخضع العابد إلى شعائر دقيقة، لتقبل توسلاته وعبادته، فهو يبدأ بأن ينظف نفسه ويقلل من الطعام أو يصوم، يتخذ أمام إلهه جلسة خاصة، ويشير إليه بإصبعه في خضوع، ويحبس أنفاسه ما أمكن، وهذه الصلاة تتكرر ثلاثة مرات في اليوم، ويصحبها قربانًا من أي نوع، ولا يطول وقتها في العادة، إلا بالنسبة لهؤلاء الذين لهم مطلب، يرجون عون الآلهة لتحقيقه، أو أولئك الذين يميلون للنسك، ويريدون مزيدًا من التقرب للآلهة، فأمثال هؤلاء يقدمون قرابين أكبر، وتطول صلاتهم أمام الآلهة. والاحتفالات أو الصلوات اليومية، يمكن أن تجرى في البيت، إذ لا يكاد يخلو بيت من معبود، أما الاحتفالات العامة فتجرى في المعبد أو في الخلاء، ويستغرق بعضها ساعة أو ساعات، ويمتد بعضها لعدة أيام، وبعضها يتصل بمواسم زراعية أو فيضان أنهار أو هطول أمطار، وبعضها يتصل بالمعبود نفسه، بما يشبه ما نسميه في البلاد العربية المولد،

стр. 82

وبعض المعبودات له شهرة واسعة، تجلب له الحجاج في أثناء الاحتفال به من أقاصي شبه الجزيرة، وبعضها يحتفل به احتفالًا محليًّا، أي في القرية أو في مجموعة القرى المتجاورة فقط، وهكذا. وقد ورد الحديث عن براهمة وعن خلق الكون في كتاب (قوانين منو)، ومنه ننقل الفقرة التالية التي تشرح هذا الموضوع، "في المبدأ كان الكون مغمورا في غيابة الظلام، ولا يمكن إدراكه، وخال من كل وصف مميز، لا يستطاع تصوره بالعقل ولا بالوحي، كأنه في سبات عميق، وانقضى على هذا أمد طويل، ثم تعلقت إرادة المولى الموجود بذاته التي لا تدركها الأبصار، فجعل هذا العالم مرئيًّا هو وعناصره الخمسة وأصوله الأخرى، متلئلًا بالنور الأقدس، قاشعًا الظلام الحالك. فاقتضت حكمة براهمة الذي لا يدركه إلا العقل، أن يبرز من مادته المخلوقات المختلفة، فأوجد الماء أولا ووضع فيه جرثومة، فصارت الجرثومة بيضة لامعة لمعان الذهب، وعاشت داخلها الذات الصلبة على صورة براهمة، وهو جد جميع الكائنات، فبعد أن لبس براهمة في البيضة سنة برهمية، وهي تعادل ملايين السنين البشرية، قسم المولى بمحض إرادته هذه البيضة قسمين، وصنع منهما السماء والأرض والكائنات، وعين لكل كائن اسمه، وخلق عددا عديدا من الآلهة، وخلق طائفة غير مرئية من الجن، خلق الزمان وأقسامه والكواكب والأنهار والبحار والجبال". وهناك رواية أخرى عن خلق الكون، ترويها الأساطير الهندية، فحوى هذه الرواية، أن الروح الكوني تشكل بالشكل الإنساني، ثم نظر حوله فلم هناك يجد شيئا غير نفسه، فصرخ بملء فه هاأنا ذا، فوجدت من هذه الساعة كلمة أنا، ولذلك فأول ما يقول الإنسان إلى الآن، عند كلامه عن نفسه أنا، وشعر هذا الروح

стр. 83

الكوني أو الإنسان الأول بالخوف من وحدته، فلذلك يخاف الإنسان إلى الآن إذا كان وحيدا، لكنه سأل نفسه لماذا أخاف، ما دام ليس هناك أحد غيري، وإنما يخاف الإنسان من غيره، ووجد نفسه لا يشعر بالسعادة، لذلك لا يشعر الإنسان بالسعادة إذا كان وحيدًا، فرغب في إيجاد قرين له، فقسم نفسه قسمين، قسم بقي على حاله، وتحول القسم الآخر إلى امرأة، فكانت هذه المرأة زوجته، ومن تلك الساعة تسلسل خلق الإنسان. ونختم كلامنا عن الآلهة، بإبراز أن هذه هي الآلهة عند طبقات الهندوس الأربعة، التي يتكون منها المجتمع الهندوسي، أما المنبوذون فلهم تفكيرهم الديني الخاص، إذ لم يكونوا محسوبين أعضاء بذلك المجتمع، ولم يكونوا تابعين للمجتمع الهندوسي، ولعل من الأفضل أن نتكلم هنا كلمة موجزة، عن عقائدهم ووضعهم السياسي والاجتماعي، في عهد سيطرة الهندوسية. دين المنبوذين: والمنبوذون كما سبق القول: هم سكان الهند الأصليون، الذين لا يجري في عروقهم الدم التوراني أو الدم الآري، ويسمون زنوج الهند، وقد حرمهم المجتمع الهندوسي حقوق الإنسان، ونزل بهم إلى مستوى أقل أحيانًا من مستوى الحيوان، ولم يسمح لهم بأن يعتنقوا الدين الهندوسي أو يتخلقوا بآدابه، وتركوا هكذا في حياة بدائية مريرة، ومن ثم اتجهوا في تدينهم إلى الأمور البدائية، فأصبح دينهم أشبه بعبادة الأرواح، التي اعتصمت بها الأقوام الفطرية الساذجة، وأعظم الآلهة في مجتمع المنبوذين، ربما كان كومة من الآجر تمثل أم القرية، أو شيطانها الذي يمنح الخصب للعواقر، ويحمي المحصول من الآفات، ويرعى القرية بعنايته ورعايته، وقد يكون للمنبوذ فكرة غامضة مبهمة، عن كائن سام عظيم، ولكنه إلى جانب ذلك يؤمن بجملة من الأرواح الشريرة. ولا يزال المنبوذون يعانون هذا أو أكثره حتى اليوم، فالحرف الحقيرة وقف أو ضريبة عليهم، ودور العلم لا تفتح لهم إلا قليلًا، وقد دفع هذا الوضع

стр. 84

برؤسائهم، أن يهددوا باعتزال الهندوس، والدخول في مجتمعات الأديان الأخرى، ومن أجل هذا فقط، خفت حدة المعاملة التي كان يعاملهم بها الهندوس، خوفًا من أن ينضموا إلى الأديان الأخرى التي تحارب الهندوسية، وساعد على ذلك ما أصدرته الحكومة الهندية من قوانين المساواة، التي إن لم تحقق المساواة الكاملة، فقد حسنت حال هؤلاء المساكين بعض الشيء، وقد انتهزت فرق التنصير المسيحي هذا الوضع، فتوغلت بين جماعات المنبوذين، تدعوهم للدخول في المسيحية، وللمسلمين للأسف جهودا محدودة، نحو تقديم الإسلام لهؤلاء المنبوذين، ولا تزال المعركة تدور. الطبقات في الفكر الهندوسي، وأهم عق ائد الهندوسية ثالثًا: الطبقات في الفكر الهندوسي: سبق أن أشرنا إلى نظام الطبقات في الهند، وذكرنا أن المجتمع الهندي، يتكون من أربع طبقات، هي: ١ - البراهمة. ٢ - الجند. ٣ - التجار والصناع. ٤ - الخدم والعبيد. ولا يدخل المنبوذون في هذا التقسيم، وقلنا: إن هذا التقسيم، نشأ عن التقاء الآريين بالتورانيين والسكان الأصليين، ومعنى هذا أنه نشأ أول ما نشأ على أساس الجنس، ويؤيد وش هذا الرأي، فهو يقول، وكان الآريون شعبًا يفوق في نشاطه وحيويته السكان الأصليين، وكانوا يعتقدون اعتقادًا جازمًا، بسمو جنسهم على سواهم من الأجناس، وكلمة آري التي عرفوا بها معناها النبلاء، ونَحنُ في

стр. 85

مصدر هذا التقسيم، نَختلف مع مؤلف (تاريخ الإسلام في الهند)، فهو يرى أن الحياة بالهند، اقتضت أن يقوم بعض الناس بالطقوس الدينية، ويقوم آخرون بالحروب، كان من الطبيعي أن توجد جماعة تقوم بالعمل في الحقول. ونسأل إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم يكن الآريون أو بعضهم مثلا، هم الذين يقومون بالزراعة أو الخدمة، إن المسألة فيما نرى ليست مقتضيات الحياة، ولكنها مقتضيات السيادة والقوة، التي لاحظها الآريون في أنفسهم. ونختلف كذلك مع "البروفيسور أترية" الأستاذ بجامعة منارس في الهند، الذي يرى أن الهنود القدماء، نظموا حياتهم الاجتماعية على طبقات أسموها شاتر فارنا، وهذا التنظيم قائم على أساس اختيار المهن، ولا يمت بصلة إلى هذه الطائفة الممقوتة الحاضرة، التي ابتليت بها الهند، لأنها ابتليت بالحكم الأجنبي الذي دام عدة قرون، وإن نظام الطبقات ما أريد به قط تمزيق المجتمع، بل توحيده على أساس تقسيم العمل: فمن الناس قسم يولع بالعلم، فيترك له العلم ويكون طبقة البراهمة. والقسم الثاني هواه في الحكم والسلطان وأعمال الجراءة والحرب، ومنهم تتكون كاشتريا. والقسم الثالث: أولئك الذين جبروا على حب المال، فليكونوا تجارا وزراعا الوشيا. والقسم الرابع: الذين خلقوا أغبياء بلاداء؛ فلا يصلحون لغير المهن السافلة والقيام بالخدمة، وتتكون منهم طبقة الشدرا،

стр. 86

ونسأل "البروفيسور أترية"، هل لو مال أحد من الشدرا للعلم وعشقه، كان يباح له أن يصبح براهميا؟، وألا يوجد في طبقة "الكاشتريا" خامل أو بليد، وإذا وجد بها خامل أو بليد، هل يمكن أن ننحدر به إلى طبقة الشدرا؟، الإجابة دائما بالنفي، فالطبقية مصدرها العرق سيادة الجنس، أكثر من أي شيء آخر. ويقول "ويلز" عن هذه الطبقات: كان المجتمع الهندي بعد الغزو الآري مقسم إلى طبقات، لا يؤاكل بعضها بعضًا ولا تتزاوج، ولا تختلط اختلاطًا حرًّا، ثم استمر هذا التقسيم الطبقي أمد التاريخ كله، وهذا أمر من شأنه أن يجعل سكان الهند، شيئا يخالف المجتمعات الأوربية والمغولية البسيطة السهلة التزاوج، فهو في الحقيقة مجتمع مجتمعات، ويشير "ويش" إلى نقطة مهمة، هي أن نظام الطبقات، بدأ يظهر عندما بدأ اختلاط سمح، بتكون مجتمع موحد من هذه العناصر المتباينة، أما قبل هذا الاختلاط، فلم تكن هناك ضرورة لتكوين هذا النظام، فنظام الطبقات كان وسيلة للمحافظة على سلامة العرق السامي، بعد أن خيف عليه من الاندماج في الأجناس الأخرى، التي بدأ يتصل بها. ويؤكد "بيري" ذلك، إذ يقرر أن نظام الطبقات، لم يظهر إلا في قوانين منو، حوالي القرن الثالث قبل الميلاد، ويذكر "ويش" كذلك أن هذه الطبقات الأربعة، ليست في الحقيقة إلا تبسيطا للحديث عن نظام الطبقات في الهند، إذ أن الهنود مجتمع تنتشر فيه الطبقات، حتى أن عدد طبقاته الآن يبلغ حوالي ثلاثة آلاف طبقة، ويذكر بيري أن طبقة الكهنة، حافظت طويلًا على نقائها، أما الطبقات الثلاث الأخرى، فقد تفتت ونشأ عنها طبقات كثيرة. بقي أن نقول عن المنبوذين، إنهم لم يدخلوا التقسيم، ولم يكونوا إحدى طبقات المجتمع الهندوسي، إذ لم يعدوا منه، وقد سبقت الإشارة إلى هذا، على أن الفلسفة الهندية لم تقنع بالجنس والعنصر، سببًا لنشأة نظام

стр. 87

الطبقات، بل رأت أن تربطه بنص مقدس، فورد في قوانين منو، التي اقتبسنا منها بعض فقراتها آنفًا سبب هذه الطبقات، يقول منو وهو يعدد خلق براهمة للكائنات، "ثم خلق البرهمية من فمه، والكاشتريا من ذراعه، والويشا من فخذه، والشدرا من رجله، فكان لكل من هذه الطبقات، منزلته على هذا النحو". وبناء على هذا التفكير، الذي يرى أن الطبقات خلقها الله على هذا الوضع، يصبح هذا التقسيم أبديًّا، فهو من صنع الله ولا طريق لإزالته، وعلى هذا لا يرتفع أي شخص من أي قسم إلى القسم الأعلى، وبناء عليه كذلك، ومع الاعتقاد أن الابن يأتي على نمط أبيه، لا يجوز لرجل أن يتزوج امرأة من طبقة أعلى من طبقته لعدم الكفاءة، ولأنّ أولاده منها سيهبطون إلى مستواه، وهذه خسارة على التكوين الاجتماعي، ولكن يجوز للرجل أن يتزوج امرأة من طبقة أقل من طبقته، على ألا تكون من الطبقة الرابعة "الشدرا"، التي ليست إلا للخدمة، ولا تسمو لأن يتزوج منها أحد أفراد الطبقات العليا الثلاثة. وجاء في قوانين منو، أن الرجل من الطوائف الثلاثة الشريفة، إن غلبه الحب فتزوج بامرأة من غير هذه الطوائف، فإنه سوف يرى هلاك أسرته. ويتبع نظام الطبقات كذلك، أن تلاحظ أسماء الأطفال من كل طبقة، فيختار الاسم من الكلمات الدالة على البهجة السرور، إن كان برهميًّا، وعلى الحول والقوة إن كان كاشتريا، وعلى الغنى والثروة إن كان ويشيًّا، وعى الذل والمهانة إن كان شدريا، وتلتقي هذه الطبقات الأربعة في الاعتقاد بالآلهة، وكلها تقدس البقرة وكلها تخضع للنظام الطبقي، والبراهمة هم ملجأ الجميع، في حالات الميلاد والزواج والوفاة.

стр. 88

وقد تحدثت شرائع منو بالتفصيل، عن وظائف كل طبقة على النحو الآتي: ولكل طبقة من طبقات المجامع الهندوسي، وظائفها وواجباتها، فعلى البرهمي أن يشتغل بالتعليم والتعلم، وبإرشاد الناس في دينهم، فكان هو المعلم والكاهن والقاضي، أما "كاشتريا" فكانت وظيفته أن يتعلم، ويقدم القرابين وينفق في الصدقات، ويحمل السلاح للدفاع عن وطنه شعبه، أما ويشيا فعليه أن يزرع ويتجر ويجمع المال، وينفق على المعاهد العلمية والدينية، وأما "شدرا" فعليه أن يخدم الطوائف الثلاثة الشريفة. ومن شرائع منو، نورد بعض النصوص التي تقرر اختصاصات كل طبقة: البراهمة: يقوم البراهمة بدرس أسفار "الويدا" وتعليمها، وتبريك تقديم القرابين، التي لا تقبل من الناس إلا عن طريقهم، ويجب أن يحافظ البرهمي على كنز الشرائع المدنية والدينية، وإذا ولد برهمي وضع في الصف الأول من صفوف الدنيا، البرهمي محل لاحترام جميع الآلهة، بسبب نسبه وحده، أحكامه حجة في العالم، والكتاب المقدس هو الذي يمنحه هذا الامتياز، كل ما في العالم ملك للبرهمي، وللبرهمي حق في كل موجود، والبرهمي إذا ما افتقر، حق له أن يمتلك مال "الشدري"، الذي هو عبد له، من غير أن يجازيه الملك على ما فعل، فالعبد وما يملك لسيده. ولا يدنس البرهمي بذنب، ولو قتل العوالم الثلاثة، ولا ينبغي للملك أن يجبي خراجا، من برهمي عالم بالكتاب المقدس، ولو مات الملك محتاجًا، ولا يجوز له أن يصبر على جوع برهمي في ولايته، وليتجنب الملك قتل برهمي، ولو اقترف جميع الجرائم، وليطرده إذا رأى من مملكته، على أن يترك له جميع أمواله، وألا يصيبه بأذى، وعلى الملك ألا أمرا مهما كان، دون استشارة البراهمة.

стр. 89

"الأكشتريا": إن الذين تغذت عقولهم بكتب "ويدا" وغيرها، هم الذين يصلحون لأن يكونوا قوادًا أو ملوكًا أو قضاة أو حكامًا للناس، ينصب الملك من الأكشتريا، وللملك على الأكشتريا احترام الجنود لقائدهم، ويجب ألا يستخف بالملك ولو كان طفلًا، ذلك بأن يقال: إنه إنسان، فالألوهية تتجسم في صورة الملك البشرية، ولا يجوز للأكشتري أن يشتغل بغير الجندية، والأكشتري يعيش جنديًّا حتى في وقت السلم، وعلى "الأكشتريا" أن يتجمعوا عند أول نداء، وعلى الملك أن يعد لهم عدد الحرب وأسلحته. لا تبارك موارد الملك ووسائله، ولو نال كنوزًا واكتسب أملاكًا، إلا إذا أصبح صديقًا للضعيف. "الويشية": يجب على الويشي أن يتزوج امرأة من طائفته، وأن يعنى جادًّا بمهنته، ويربي الماشية على الدوام، وعلى التجار منهم معرفة قوانين التجارة ونظم الربا، وليعلم الويشي جيدًا كيف يبذر الحبوب، وليفرق بين الأرض الجيدة والأرض الرديئة، وليضطلع على نظام الموازين والمكاييل اضطلاعًا كافيًا، وليعرف أجر الخدم ولغات الناس، وما تحفظ به السلع، وكل ما يمت إلى البيع والشراء بصلة. أما "الشدرا": فيجب على الشدري، أن يمتثل امتثالًا مطلقًا أوامر البراهمة، سادة الدار العارفين بالكتب المقدسة والمشتهرين بالفضائل، فترجى له السعادة بعد موته لبعث

стр. 90

أسمى، لا يجوز للشدري أن يجمع ثروات زائدة، ولو كان على ذلك من القادرين، فالشدري إذا جمع مالًا آذى البراهمة بكحته، ويجب نفيه من الطبقة الدنيا الذي تحدثه نفسه، بأن يساوي رجلًا من طبقة أعلى من طبقته، وأن يوصم تحت الورك، وتقطع يده إذا على من هو أعلى منه بيده أو بعصاه، وتقطع رجله إذا رفصه برجليه، وإذا ما دعاه باسمه أو باسم طائفته بدون تقدير، أدخل إلى فمه خنجر، محمي متلوث النصل طوله عشرة قراريط، ويأمر الملك بصب زيت حار في فمه وفي أذنيه، إذا بلغ من الوقاحة، ما يبدي به رأيا للبراهمة في أمور وظائفهم. ولا يزال النظام الطبقي سائدًا في الهند، وقد اتخذ أحيانًا أسس جديدة، فمن ذلك مثلا أتباع مذهب السك، الذي أنشئ لخلق دين موحد من الهندوسية والإسلام، ولم يفلح هؤلاء فيما قصدوا إليه، ولكنهم سرعان ما اتخذوا من مذهبهم، أساسًا لنظام طبقي، فقد عدوا أنفسهم طبقة، ورفضوا التزاوج مع سواهم، ووضعوا كذلك نظام القرية، الذي لا يسمح أحيانًا، بالزواج بين سكانها وسكان قرية أخرى، وهناك محاولات تزعمها الزعيم غاندي، للتخفيف من حدة هذه الطبقات أو إزالتها، وكذلك لإنصاف طبقة المنبوذين بوجه خاص، ولكن هذه المحاولات لم يقدر لها النجاح بعد، وكان الزعيم غاندي ضحية من ضحاياها. وتعتمد هذه المحاولات على اتجاه فلسفي جديد لهذا التقسيم، بأن تذكر بأنه ليس خلقيا ولا طبيعيًّا، وليس إلا توزيعًا للأعمال، حسب طبع كل إنسان وميله واستعداده، كما مر بنا ذلك.

стр. 91

رابعا: أهم عقائد الهندوسية: أهم العقائد في الديانة الهندوسية أربعة، هي: ١ - الك ارمة. ٢ - تناسخ الأرواح أو تجوال الروح. ٣ - الانطلاق. ٤ - وحدة الوجود. وسنشرح فيما يلي رأي الهندوس، في كل من هذه العقائد. ١ - الكارمة: يقول البروفيسير "أترية": إنّ الشهوة أقوى عامل في حياتنا، ولكن شهواتنا تؤثر على الآخرين، فنحن في أعمالنا التي تفرضها الشهوات، نحسن إلى الآخرين أو نسيء، فلابد أن ينطبق علينا قانون الجزاء، المُسيطر على سائر الأحياء الحرة في الكون، وقانون الجزاء يسمى في اللغة السنسكريتية كارمة، وليس لأحد أن يتملص منه، وقد جاء في كتاب (يوجا وأسسها) ما يلي: ليس في الكون مكان، لا الجبال ولا السموات ولا البحار ولا الجنات، يفر إليه المرء من جزاء أعماله، حسنة كانت أو سيئة، وجميع أعمال البشر الاختيارية، التي تؤثر في الآخرين خيرًا كانت أو شرًّا، لا بد وأن يجازى عليها بالثواب أو العقاب، طبقا لناموس العدل الصارم، فنظام الكون إلهي قائم على العدل المحض، وأن العدل الكوني قضى بالجزاء لكل عمل، وأن في الطبيعة نوع من النظام، لا يترك صغيرة ولا كبيرة من أعمال

стр. 92

الناس بدون إحصاء، وبعد إحصائها ينال كل شخص جزاءه على عمله، ويكون الجزاء في هذه الحياة. ولكن الهندوس لاحظوا من واقع الحياة، أن الجزاء قد لا يقع، والظالم قد ينتهي قبل أن يقتص منه، المحسن قد ينتهي قبل أن يحسن إليه، ولذلك لجئوا إلى القول بتناسخ الأرواح، وسنشرح هذا فيما بعد، ليقع الجزاء في الحياة القادمة، إذا لم يتم في الحياة الحاضرة. ويبدو أن "البروفيسير أترية" لاحظ صعوبة فهم هذا القانون، فتدارك هذا قائلًا: لا صعوبة علينا معشر الهندوس، في فهم هذا الناموس ناموس كارمة، وإن لم يسهل على غيرنا فهمه. وتحاول فلسفة اليوجا، تقريب موضوع الكارمة إلى الأذهان، فتذكر أن حياتنا تكون سارة أو غير سارة، تبعا لما نقوم به من أعمال، وهذا يشبه ما يقال، عندما تقع المصيبة على شخص، فإننا نقول: من عمله، إذ الجزاء من جنس العمل، ولكنا نعرف هذا في نفس الحياة، فالظالم يظلم والمعين يعان، ولكن الكارمة تجعل الجزاء حياة في حياة أخرى. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله صحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 93

الدرس: ٥ الديانة الهندوسية (٣) .

стр. 94

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الخامس (الديانة الهندوسية (٣)) بقية العقائد الهندوسية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الغر الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد: فتعال بنا إلى العقيدة الثانية المتمثلة في: تناسخ الأرواح: يطلق بعض الباحثين على هذه العقيدة تعبيرًا اصطلاحيًّا آخر هو تجوال الروح، وقد يطلق عليها التناسخ فقط، ويطلق عليها كذلك تكرار المولد والتناسخ رجوع الروح بعد خروجها من جسم إلى العالم الأرضي في جسم آخر، وسبب التناسخ أو تكرار المولد هو: أولًا: أن الروح خرجت من الجسم، ولا تزال لها أهواء، والشهوات مرتبطة بالعالم المادي لم تتحقق بعد، وثانيًا: أنها خرجت من الجسم وعليها ديون كثيرة في علاقاتها بالآخرين لا بد من أدائها فلا مناص إذا من أن تستوفي شهواتها في حيوانات أخرى، وأن تتذوق الروح ثمار أعمالها التي قامت بها في حياتها السابقة، فالميل يستلزم الإرادة، والإرادة تستلزم الفعل في هذا الجسد، وإن لم يصلح هذا ففي جسد غيره فقد خلقت الميول لتستوفى، وإذا لم تستوفِ لم ينجُ الإنسان من تكرار المولد، وإذا اكتملت الميول، ولم يبقَ للإنسان شهوةٌ ما، وأزيلت الديون، فلم يرتكب الإنسان إثمًا، ولم يَقُم بحسنة تستوجب الثواب نجت روحه، وتخلصت من تكرار المولد، وامتزجت بالبراهما سواء كان الاكتمال لجسدٍ واحدٍ، أو أجساد متعددة؛

стр. 95

فجسد الإنسان المادي هو الذي يولد من جسدين لوالدين. وأما الذي يحركه وينشطه، ويسيطر عليه فجسد اللطيف يتركب من القوى الأساسية، والحواس، والقوة الآلية المحركة والعناصر اللطيفة والعقل فإذا حدث ما نسميه الموت مات الجسد المادي وتوقف وبلي. أما الجسد اللطيف فلا يموت، بل يخرج، ويعمل مدة من الزمن في آفاق اللطيفة التي تشبه حال أحلامنا، فيجرب هناك الجنة والنار التي تكلمت عنها الكتب الدينية، ثم يعود مسوقًا بالميول، والأعمال الماضية كرة أخرى إلى هذه الحياة متقمصًا جسدًا جديدًا، وتبدأ بذلك دور جديدًا لهذه الروح، وتكون هذه الدورة نتيجة للدورة الماضية فتوجد الروح في إنسان أو حيوان أو ثعبان ويسعد أو يشقى نتيجة لما قدم من عمل في حياته السابقة. ومن الشروط اللازمة لتجوال الروح أن الروح في عالمها الجديد لا تذكر شيئًا عن عالمها السابق فكل دورة منقطعة تماما بالنسبة للروح عن سواها من الدورات وهنا نجد الديانة الهندوسية تلتقي مع الأديان السماوية في جانب، ولكنها سرعان ما تبتعد عنها فنقطة الالتقاء هي خلود الروح وحسابها على ما قدمت، ولكن الأديان السماوية ترى الروح كائنة مستقلة بجسم، فهو يحاسب على ما ارتكب مع هذا الجسم، ويتم الحساب بعد أن يتعرف الإنسان بأخطائه، ويذكره بها لسانه الذي نطق ويده التي امتدت، ورجله التي سارت يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون.

стр. 96

أما في الهندوسية فهناك انقطاع تام بين الدورتين، ومعنى هذا أن الروح تعاقب على ذنب لا تعرفه ولا تذكره، وترى الأديان السماوية أن الأرض دار بلاء واختبار، وان الآخرة دار حساب وجزاء، ولكن البرهمية اعتبرت الأرض دار جزاء وثواب. وقد تسرب القول بالتناسخ إلى سلة من المسلمين يقول بن حزم في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل افترق القائلون بتناسخ الأرواح على فرقتين؛ فذهبت الفرقة الأولى أن الأرواح تنتقل بعد مفارقتها الأجساد إلى أجسام أخرى، وإن لم تكن من نوع الأجساد التي فارقت، وهذا قول أحمد بن حافظ، وأحمد بن موسى تلميذه، وأبي مسلم الخراساني، ومحمد بن زكريا الرازي الطبيب الذي صرح بذلك في كتابه المرسوم (العلم الإلهي) وهو قول القرامطة. وقال الرازي في بعض كتبه: لولا أنه لا سبيل إلى تخليص الأرواح من الأجساد المتصورة بالصورة البهيمية إلى الأجساد المتصورة بصورة الإنسان إلا بالقتل، والذبح لما جاز قتل شيء من الحيوان أو ذبحه البتة وعلق بن حزم على هذا الاتجاه، وهو القول بالتناسخ بأنه دعاوى وخرافات بلا دليل، ومما تسرب إلى بعض فرق الشيعة متصلًا بالتناسخ القول برجعة فهي عودة الروح لحياة جديدة، ولكنها في الرجعة تعود في الجسم أي: أن الشخص نفسه جسمًا وروحًا يعود للحياة بعد الموت.

стр. 97

وقد قال بعض الإمامية بعودة علي بن أبي طالب، وقال أكثرهم: بعودة الإمام الثاني عشر، وهو المهدي، وسموه المهدي المنتظر، وقال: إنه سيعود إلى الأرض فيملأها عدلًا بعد أن ملئت ظلمًا. أما ثالث العقائد: فيسمي بالانطلاق، وقد سبق أن تكلمنا عن اكتمال الميول ونريد هنا أن نزيد هذا الموضوع وضوحًا؛ فنقرر أن معنى اكتمال الميول والشهوات هو توقفها وتغلب الإنسان على نفسه بحيث لا يبقي له شهوة ولا ميلا، بل يقنع بما حصل عليه، ولا يتطلب مزيدًا، وإذا تم ذلك مع انقطاع عن الأعمال وعن علائق الدنيا، وما فيها من ملاذ وعصيان تلك التي تستلزم تكرار المولد إذا تم له ذلك نجا من تكرار المولد، وامتزج بما رهب، وهذه الحالة هي التي يعبرون عنها بالانطلاق؛ فالانطلاق هو الامتزاج بما رهب، كما تندمج قطرة من ماء بالمحيط العظيم، وهدف الحياة الأسمى والانطلاق من دورات الوجود المتوالية، والاندماج في الكائن الأسمى، وهذا الانطلاق لا يكتسب بالأعمال؛ لأن الأعمال الصالحة يجازى عليها الإنسان من طريق الميلاد المتكرر كالأعمال الشريرة تمامًا وقد ورد في أرمك ما يلي: من لم يرغب في شيء ولن يرغب وتحرر من رق الأهواء واطمأنت نفسه فإنه لا يعاد إلى حواسه ويتحد بالبراهما فيصير هو ويصبح الفاني باقيًا ويؤخذ على هذا المبدأ أنه جعل التصوف، والزهد، والسلبية أفضل من صالح العمال فهي الطريق للإتحاد بالله، ومصالح الأعمال، فتنقذ دورة جديدة في الحياة تساب فيها الروح على ما قدمت من خير في الدورة السابقة.

стр. 98

رابعًا: وحدة الوجود هذا المبدأ وثيق الصلة بالمبادئ السابقة، بل يمكن القول أن هذه المبادئ كلها وثيقة الصلة بعضها ببعض، وقد سبق عند الحديث عن الله في التفكير الهندوسي أن شرحنا كيف انبثق الكون عن الله، ثم شرحنا عند الكلام عن مبدأ الانطلاق، كيف يمكن أن يعود الإنسان إلى الإتحاد بالله. وفي ولويد مزيد ل إ يضاح الصلة بين الكون وبراهما؛ مما أدى إلى اعتقاده بوحدة الوجود وأن نقتبس من فلسفة الهند الخطوات التي قادت إلى هذا التفكير، فقد كان الناس يؤمنون بأن في لعالم قوة عظيمة يلزم التقرب لها بالعبادة والقرابين، وكانت هذه القوة تسمى براهما في مرحلةٍ تاليةٍ لم تعد القرابين المادية ضرورية، بل حل محلها مراقبات على ظواهر كونية تخيلها الإنسان ضحايا، وذلك كالشمس، والنار، والهواء، وفي المرحلة الثالثة راقب الإنسان نفسه وتصورها قربانًا يوصل إلى براهما. في المرحلة الرابعة تجردت المراقبات عن تصور القرابين، بل صار الناس يراقبون أنفسهم على أنهم القوة الكامنة العالمية المؤثرة، ثم وصلوا من التمثل إلى العينية، وأذعنوا أن النفس الشخصية هي عين القوة الحيوية العالمية، أو البراهما؛ فصار المفتكر والموضوع الخارجي شيئًا واحد. وقد صور أستاذ هندي متخصص هذا الموضوع في مقال طويل نقتبس منه بعض الفقرات: خلقت الحياة هذه من الروح أتم؛ فالإنسان ليس جسمه أو حواسه؛ لأن هذه ليست إلا مركبًا، وهي تتغير وتموت، وتبلى، بل الإنسان هو الروح وهي سرمدية أزلية أبدية مستمرة غير مخلوقة، وذكرت شروح "لويدا" أن الإنسان من حيث روحه جاء على فطرة الله براهما، وكما أن شرارة النار نار؛ فإن الإنسان من نوع الإله، وروحه لا يختلف عن الروح الأكبر، إلا كما تختلف البذرة عن الشجرة عندما تجرد الروح بالظواهر المادية تبدأ رحلتها للعودة للروح الأكبر؛ ولذلك يسمى تخلصها من الجسم طريق العودة،

стр. 99

والإله في التفكير الهندي له صفات ثلاث فهو براهما، أي: خالق، و"وشنو" أي: حافظ، وسيفًا، أي: مهلك. وهذه الصفات الإلهية الثلاثة كامنة في الإنسان فهو يخلق الأفكار والأنظمة والمؤسسات، ويحافظ عليها، ويستطيع تدميرها ليعيد خلقها في شكل آخر. وفي فلسفة الهند الأخلاقية المسماة "ويدانت" وردت العبارة التالية هذا الكون كله ليس إلا ظهورًا للوجود الحقيقي الأساسي، وإن الشمس والقمر، وجميع جهات العالم، وجميع أرواح الموجودات أجزاء ومظاهر لذلك الوجود المحيط المطلق، وإن الحياة كلها أشكال لتلك القوة الوحيدة الأصيلة، وإن الجبال والبحار، والأنهار تفجر من ذلك الروح المحيط الذي يستقر في سائر الأشياء. وهذا التفكير هو ما قال به "سانكرا" في القرن الثامن الميلادي إذ وضح الهندوس في وحدة الوجود، وحاول أن يدلل على رفض الازدواج، وأن الروح الإنسانية هي جزء من الروح العالية براهما. وقد تسرب هذا التفكير إلى بعض طوائف المسلمين من الصوفية، والشيعة وقد لقي الحلاج حتفه؛ بسبب اعتناقه المذهب، ودعوته له، ومما يروى من شعره في ذلك: عجبتُ منك ومني ... أفنيتُك مني عني أدنيتني منك حتى ... ظننت انك أني ويروي الشهرستاني: أن ابن سبأ قال مرة لعلي بن أبي طالب ﵁: "أنتَ أنتَ" يقصد أنت الإله؛ فنفاه علي إلى المدائن، وربما يقال: إن عقوبة النفي لم تكن

стр. 100

كافية، ولكن يجاب على ذلك أن فسق ابن سبأ لم يكن قد وضح بعد، وأن الجملة التي قالها: "أنت أنت" لم تكن ظاهرة الدلالة. المقصود الضال الذي كانت هذه الجملة معبرة عنه؛ ولذلك نجد موقف علي قويًّا بالغ القوة عندما اتضح ذلك المقصود فيما بعد فيروي بن حزم أن قوم أصحاب عبد الله بن سبأ أتوا عليًّا، وقالوا له: إنه هو، فقال لهم: ومن هو؟ فقالوا: أنت الله فثار علي، وحكم عليهم بالإعدام حرقًا، وأمر بإشعال نار وألقاهم فيها. الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة. الأخلاق عند الهندوسيين وأنتقل بك أيها الدارس الكريم من عقيدة الهندوس إلى الأخلاق عند الهندوسيين: من صور الأخلاق عند الهندوسيين أن أغلى ما يطمع فيه البرهمي هو الانطلاق والاندماج في براهما -كما قلنا- ودستور عقل الهندي للوصول إلى هذه الغاية كان دائمًا الزيادة المفرطة بالصوم، وأرق الليل وتعذيب النفس كما كان، بأن يعيش أسير الحرمان، ويحمل نفسه ألوان البلاء، وبأن يبدو دائمًا كثير الهموم، والخوف، والتشاؤم، هو لا يتمنى الموت؛ لأن ما تنقله إلى دورة جديدة من دورات حياته، بل يرجو لنفسه الفناء في براهما. ومن أجل ذلك حفلت حياة كثير من الهنود بالبؤس ومحاربة الملاذ والسلبية والتصور وتعذيب النفس. وقسمت الفلسفة الهندية الحياة أربع مراحل وجعلت لكل مرحلة منهجا يليق بها، وكل دور مدته خمسة وعشرون عامًا باعتبار متوسط العمر مائة عامًا،

стр. 101

فالدور الأول دور التربية الجسدية، والعقلية والروحية، والدور الثاني دور الحياة العائلية المرء في هذا الدور، ويكون له أهل، وذرية، ويقوم بواجباته الأهلية. وفي الدور الثالث يتنحى عن الحياة العائلية هو وزوجته ويشغلان أنفسهما بخدمة المجتمع دون أن يكون لهما مطمع شخصي، أو نفع عائلي، أما الدور الرابع فيتجرد المرء فيه من كل ما هو دنيوي، ويتفرغ للرياضة الروحية وفي كل مرحلة من هذه المراحل نوع من الزهادة، ولكن الزهادة في المرحلة الأخيرة أقصى وأصعب. وسننقل من شرائع منه بعض ما فرضه الفقه الهندوسي على الهندوس من الزهادة وبخاصة في المرحلة الأخيرة وفيه إن الذي تغلب على نفسه فقد تغلب على حواسه التي تقوده إلى الشر إن النفس لأمارة بالسوء والنفس لا تشبع أبدًا، بل يزداد جشعها بعد أن تنال مشتهاها، إن الذي أوتي كل شيء، والذي تخلى كل ما كان في يده، فهذا خير من ذاك على طالب العلم أن يتجنب الحلوى، واللحوم، والروائح الطيبة، والنساء، وكذلك يجب عليه ألا يدلك جسده بما له رائحة طيبة، ولا يكتحل، ولا يلبس حذاءً ولا يتظلل بالشمسية، وعليه ألا يهتم برزقه يحصن رزقه بالتسول. وعندما تتدخل في الشيخوخة عليك بالتخلي عن الحياة الأهلية، وبالإقامة في الغابة، وإذا أقمت في الغابة فليس لك أن تقص شعرك ولحيتك وشواربك، ولا أن تُقَلِّمَ أظفارك، وليكن طعامك مما تمد الأرض وتثمر الأشجار، ولا تقطف الثمر بنفسك، بل كُلْ منه سقط من الشجرة بنفسه وعليك بالصوم، تصوم يومًا وتفطر يومًا، وإياك واللحم والخمر.

стр. 102

عود نفسك على تقلبان الموسم؛ فاجلس تحت الشمس المحرقة، وعش أيام المطر تحت السماء، وارتدي الرداء المبلل في الشتاء، لا تفكر في الراحة البدنية، اجتنب سائر الملذات، لا تقترب من زوجتك نَمْ على الأرض ولا تأنس في المكان الذي أنت فيه، إذا مشيت فامشي حذرًا حتى لا تتخطى عظمًا، أو شعرًا، وحتى لا تدوس نسمة، وإذا شربت الماء فاحذر أن تبتلع نسمة، لا تفرح للذيذ، ولا تحزن على الرديء. ولعل مما يكمل صورة البؤس، والتشاؤم عند الهنود أن نقتبس بعض عبارات من كتاب يعد عند الهندوس أعظم كتاب ألف تحت السماء كما قال بذلك "سوامي رانترتيها" القديس الهندوسي المعاصر، وهذا الكتاب هو (يوجا وأسوذوتها) الذي كأكثر الكتب المقدسة لدى الهنود لا يعرف مؤلف، ولا زمن تأليفه، يقول: هذا الكتاب السعادة لا سبيل لها في العالم الذي خلقت كل نفس فيه لتموت كل شيء في هذا العالم سائر إلى الزوال والفناء مسرات، هذه الحياة ليست إلا خداعًا وأوهامًا. وقد سقطت الأفراح على الأحزان أجل لم يشتريها أحدًا، كما تشترى العبيد، ولكننا نعمل كأننا عبيد مسخرون الرغبة فينا متقلقلة دائمًا كالقرد والنفس لا تشبع أبدًا، ولا تقنع بما في اليد، ولا تزال وثابة إلى ما تناله ومهما أشبعتها ازدادت جوعًا وطموحًا، لا خير في جسدٍ له محل للعاهات ووعاء لسائر الآلام، وهو سائر إلى الانحلال. اتصفت الطفولة بالضعف والطوقان والعجز وعدم القدرة على الكلام والتجرد من العلم، ويا ترى ماذا يجود علينا به زمن الشباب، وهل الشباب إلا كومضة برق تخطف أبصارنا، ثم لا تلبس أن تختفي مفسحة الطريق للشيخوخة بآلامها الثلجية القاسية، ما الحياة إلا كنور السراج الموضوع في الخلاء تلعب به الرياح من كل جهة ولي بهاء الأشياء كلها إلا كومضة برق تنير لحظة، ثم تختفي إلى الأبد. وما هي قيمة الجسد والأفراح والثروة والجاه، والملك إن كان محتمًا علينا أن نموت عاجلًا أو أجلًا، وأن الموت سيقضي على كل شيء.

стр. 103

نماذج من الفقه الهندوسي أنتقل بك إلى نماذج من الفقه الهندوسي، لإعطاء نما ذ ج من الفقه الهندوسي سنعتمد على مصدر مهم جدًّا هو الكتاب "منوبهراما ساستر" هو كتاب جامع يحتوي على الشرائع التي تطبعها الطائفة الهندوسية. ويقول ناشر الكتاب: إنه مؤلف عتيق لا نعرف مبدأه ولا مؤلفه وقد زعم البعض أنه من تأليف أول إنسان على الأرض، أو أول عارف وضعه بإلهام من الله في زمان غارق في القدم ولكن الأصح أنه وضع في فترة متتالية بعيد ما بينها فقد ورد ذكره في المؤلفات التي يرجع عهدها إلى القرن السابع قبل الميلاد مما يدل على أن بعض أجزائه كتب قبلها، وبه ذكر لما وقع في العصر البوذي، وهو على العموم يحمي الشرائع التي لا يحيد عنها الهندوس المتدينون حتى الآن، وسنقتبس من هذا الكتاب بعض النظم والقوانين الخاصة بالسلطة الحاكمة وبالمرأة، ثم بعض النظم المالية. الملك خلق الله الملك ليسوقنا البلد، ويدافع عنها؛ ولذلك لا تحتقرن ملكا وإن كان طفلًا رضيعًا؛ لأنه إله في صورة إنسان فوق الأرض وقد منح الله الملك السلطان الذي يعاقب به المذنبين، فلا ملك إلا بسلطان، ولا طاعة إلا بسلطان العقاب، وعلى الملك أن يصطفي لنفسه الوزراء من الأسر الطيبة ممن اتصفوا بالعلم والشجاعة والنزاهة، وإنما جاز له ذلك لأن الرجل الواحد يصعب عليه القيام بأعباء الملك الثقيلة وعلى الملك أن يختار سفراءه من أهل العلم والفراسة الذين تكفيهم الإرشادات للنفوذ إلى الأسرار العميقة؛ وليعلم الملك أن البهمي، وإن ساءت سيرة فله أن ينصح الملك إذا شاء، وعلى الملك الرفق بالطيبين والشدة مع الأشرار؛ فالملك العادل الذي لا يداهن الناس يحبه الناس. أما الكلام عن المرأة تعيش المرأة وليس لها خيار سواءً كانت بنتا صغيرة أو شابة أو عجوزًا البنت في خيار أبيها والمتزوجة في خيار بعلها والأرملة في خيار أبنائها، وليس

стр. 104

لها أن تستقل أبدًا، وعلى المرأة أن ترضى بمن ارتضاه لها والدها بعلًا فتخدمه طول حياته، ولا تفكر في رجل آخر بعد وفاته، بل عليها حينئذٍ أن تهجر ما تشتهيه من الأكل اللذيذ، واللبس الحسن، والزينة كلها، وتعيش أرملة إلى آخر عمرها، وإن وجدت زوجها لا يعتني بها، ويحب امرأة غيرها، فلا تحقد عليه، ولا تقصر في خدمته، ونيل مرضاته، فقد نيطت جنة المرأة برضاء بعلها، فلا تفعلن شيئًا لا يرضاه بعلها، وليس لواله البنت أن ينال شيئًا من المال، أو المتاع عند تزويجها لأن من يفعل ذلك فكأنه باع بنته والأسرة التي تحترم المرأة؛ فإن الآلهة تخصها بعطفها وأما الأسرة التي تحتقر فيها المرأة؛ فإن حسناتها تذهب سدى، والأوفق أن تشهد النساء للنساء، والرجال للرجال، والشهادة النساء، وإن كن نزيهات لا يقام لها كبير الوزن؛ لأن عقولهن لا توازن فيها. يحب الزوج زوجته وليعلم أنها تلده في صورة ابنه فهي خليقة بحب زوجها والمرأة سيدة بيتها فعلى الرجل أن يسلمها مقاليد البيت وواجباتها أن تلد وأن تربي أولادها وتدبر أمور منزلها ولتعلم المرأة أن عظمتها منوطة بعظمة زوجها والذي قال لرجل: إني أزوجك ابنتي فلا يحل له أن يرجع عن قوله ويخلف وعده وإن فعل ذلك؟ باسم الذي يقتل ألف نفس بريئة وإذا ابتلى أحدًا بزوجة شريرة خداعة قاسية القلب، فله أن يطلقها ويطردها من بيته، وليعيش الزوجان بالحب والوفاء؛ لأنهما لم يقترنا على اسم الله ليفترقا أو يتباغضا. ومن الكلام عن الملك والمرأة إلى كلام عن مسائل اقتصادية لا يجوز أكل الربا الفاحش، ولصاحب المال أن يأخذ روبية وربع -وربع روبية- ربًا عن مائة روبية في كل شهر.

стр. 105

وإذا حاول عم صبي صغير أن يستولي على أملاكه؛ فيمنعه الملك من ذلك، ويحول الأملاك إلى إدارته حتى يبلغ الصبي الرشد والعقار الذي لا يوجد له صاحبه يبقيه الملك في يده ثلاث سنوات؛ فإن لم يعرف صاحبه خلال هذه المدة يصبح ملكا للملك بعدها، وإذا وجدت لقطة في مكان أمر الملك بحفظها حتى يوجد صاحبها، والذي يسرق مثل هذا المال يلقي أمام فيل ليدوسه نكال لجنايته، وكما تمس العلقة الدم قليلًا قليلًا، كذلك يجب على الملك أن يكتفي بالقليل من الضرائب على رعيته، فيأخذ من أرباح الفضة والذهب النصف، ومن الحبوب الثمن أو السدس ومن ثمار الأشجار السدس، وكذلك قصب السكر، والعطور، والعقاقير. أما الصناع والعمال والمنبوذون فيسخرهم الملك يومًا واحدًا في كل شهر لأعماله؛ فهذه الضريبة التي عليهم أن يدفعوها. والولد الأكبر هو الذي يرث والديه، أما إخوته وأخواته، فكلهم يعيشون تحت أمره لأن الأخ الأكبر بمنزلة الأب، والذي ليس له ابن يجوز أن يقول لزوج ابنته إن ولد لها ولد هو الذي يرثني ويقوم مقام ابني، ولينظم الملك بواسطة الخبراء أثمان السلع المتقلبة كل خمسة أيام إلى خمسة عشر ولا يملك الولد والزوجة والرقيق شيئًا، وكل ما يحرزونه ملك لعائلته ولا يجوز للملك أن يفرض ضريبة على الأعمى والأبله، والكسح، وابن السبيل ومن يساعد المتبتلين إلى الكتاب المقدس.

стр. 106

الكتب المقدسة لدى الهندوس أنتقل بك إلى الكتب المقدسة لدى الهندوس وإعطاء فكرة عنها أو تعريف بهذه الكتب المقدسة الفكر الهندي يتسلط عليه اتجاه الروحاني، ومن هنا كثرة الآلهة لدى الهنود؛ وبالتالي كثرت الكتب المقدسة حتى جاوزت المئات ووصلت إلى الألوف، وفي الديانات السماوية يكون مصدر تقديس الكتب أنها كلام الله أوحى به إلى أنبيائه بالمعنى فقط كالتوراة والإنجيل، أو بالمعنى واللفظ كالقرآن الكريم. أما مصدر تقديس الكتب عند الهندوس، فليس لأنها موحى بها من الله فهي لم يوحَ بها بلا يعرف لأكثرها وضع معين، وإنما اشترك في تأليفها عدد كبير من الناس على ما يذكرون، وليس مصدر التقديس إبداعها في الفكرة أو الأسلوب فكثيرًا ما شملت هذه الكتب أفكارًا بدائية وأساليب ركيكة، بل إن مصدر تقديس هذه الكتب هو على العموم الاتجاه الروحاني لدى الفكر الهندي والموافقة على تأليه أي كائن، أو تقديس أي كتاب دون حاجة إلى إبداء الأسباب. ومن الناحية العملية كان مصدر هذه الكثرة تفسير كتاب "ألويد" الذي يعتبر أعظم الكتب المقدسة لدى الهندوس فإن مرور الزمن على هذا الكتاب جعله عسير الفهم غريب اللغة؟؟ فألفت كتب كثيرة لشرحه وتفسيره وعدها الهندوس مقدسة، ومرت قرون أخرى، واحتاجت هذه الشروح إلى شروح جديدة وإضافات فكتبت كتب أخرى واستساغ العقل الهندوسي أن يجعلها مقدسة أيضًا، وتضخمت لويدا فاحتاجت إلى وضع مختصرات قدسها العقل الهندوسي

стр. 107

كذلك هذا بالإضافة إلى كتب وضعت غير متصلة بلويد بل تصف حدثًا دينيًّا أو تاريخيًّا جديدًا على أن الكتب المقدسة لدى الهنود ليست كلها بطبيعة الحال في مستوىً واحد، فمنها كتب قليلة الانتشار، أو لا تحظى بتقديس جميع الهندوس، ومن كتب أقرب إلى الغموض منها إلى الوضوح. ومن أعظم كتبهم المقدسة على العموم "ألويدا" وقوانين "مينو" وقد تحدثنا عنهما واقتبسنا منهما اقتباسات كافيه لإظهار أهميتهما وبقي أن نعرف بكتب الأربعة آخرى تعتبر في القمة بين كتب الهندوس المقدسة وهذه الكتب هي: (مهابهارتا) (كيتا) (يوجا) و (سستها)، و (راميانا) (مهابهارتا) ملحمة الهند الكبرى تشبه "الإليزا والأوديسا" عند اليونان، وهي من الكتب الهندية القليلة التي يعرف مؤلفها: إن اسمه، وياس، وهو ابن العارف الكبير برسرا، وقد أملي "وياس" هذا النشيد المقدس على كنيتي الذي دونه. وقد وقعت هذه الملحمة الكبرى حوالي سنة ٩٥٠ قبل الميلاد وهي تصف حربا بين أمراء أسرة ملكية واحدة ولكن جميع ملوك الهند اشتركوا فيها مع هذا الجانب آنذاك بل اتخذ الآلهة دورا في المعركة أيضًا كما تروي الأقاصيص ذلك، ومن أعظم المعلمين الذين عنوا بتدريس "مهابهارتا سوتا" الذي يلقاها على جماعة العلماء والنساك والمرتضين. وقد افتتحها بقوله إنني أوفر حظًّا، وأسعد طالعًا بإبلاغي إليكم رواية "مهابهارتا" التي وضعها "وياس" ليعلمكم الدين الإنساني ويرشدكم إلى الحياة وغايتها، وقد سمعت رواية "مهابهارتا" بجوهرها، والقصص الاستطرادية المشتملة عليها ثم بعد ذلك حدث أن قمت برحلة طويلة زرت فيها الأماكن

стр. 108

المقدسة وزرت ساحة القتال التي دارت فيها راحة الملحمة الكبرى التي تتحدث عنها وتصفها هذه الأنشودة الحماسية. ويبدأ سوتا يروي هذه الملحمة التي يعتبرها الهندوس أنشودة حماسية نادرة لاحتواها على كثير من الروايات التمثيلية، والتعاليم الجليلة؛ ولأنها كما يقولون كالبحر الذي في قاعه من الدرر البهية والأحجار الكريمة ما لا يعد ولا يحصى، وهي ينبوع يتفجر تفيض منه الثقافة، وتنهمر منه الأخلاق والآداب. وعندما نقرأ رواية "سوتا" يشق علينا فهمها، ويصعب علينا متابعتها؛ لكثرة الأسماء الصعبة، وتشابهها ولكثرة الاستطرادات والغموض وسنحاول هنا أن نعطي موجزًا للقصة، ثم نتبعه بنماذج منها تجري حوادث هذه الملحمة في هستنابور حيث كان للملك ولدان الكبير منهما يدعى دهر "تارا شتارا" وكان مكفوف البصر؛ ولذلك آل الملك إلى الصغير المسمى "باندو" ولكن هذا اقترف ذنبًا، وهو ملك فحكم عليه بالنفي للتكفير عن الذنب إلى مجاهل الصحراء وإلى هنا انتقل الملك وزوجتاه وأل الملك إلى أولاده أخيه ويطلق عليهم "كورو" ومات "باندو" في المنفى بعد أن أعقب خمسة أولاد كانوا يعرفون بخمسة "باندو" وتربى هؤلاء في كنف الناسكين بالكهوف والفيافي حتى وصلوا إلى مرحلة عالية في الدراسة الدينية وفي إجادة لويزا وغيرها من الثقافات. ولما بلغ أكبرهم سن الرشد عاد بإخوته إلى "هاستنابورو" وطالب ميراثه في الملك بعد أن تمت الكفارة فناصبهم "كورو" العداء، وانقلبوا حاسدين لهم، واعين جهد المستطاع لكل ما يضرهم، ويؤذيهم، وبدأت المناوشات تدب بين الفريقين، ولكن مساعي الصلح، وفقت بينهما فاشتركَا في الحكم، ثم هزم ألبا ندوا في لعبة النرد

стр. 109

التي كانت تعد طبق التقاليد السائدة شرفًا، وكرامة "لكشتريا" فقضي عليهم بالنفي عن مملكتهم إلى غابات الصحاري ثلاثة عشر عامًا. وسافر هؤلاء إلى المنفى، ولما انتهى الأجل المضروب رجعوا إلى المملكة، وطالبوا بحقهم، ولكن "ديرودهن" المنتمي إلى "كورو" رفض أن يرد لهم حقوقهم، فاحتكم الطرفان إلى حراب، وشهدت ساحة القتال حربًا ضروسًا بين الفريقين انتهت بهزيمة "ديروديهن". هذا هو جوهر الملحمة الكبرى، وفي طيات القصة تأتي آداب هامة عن لعبة النرد والوفاء بالعهد والتكفير عن الخطايا، وتتدخل الآلهة، والجن في الموضوع من حين إلى آخر، كما يمكن أن نسميه خرافات خيالات، وأن نختر بعض الأحداث لنقصه كما يلي في نموذج من هذا الكتاب العظيم لدي الهندوس. كانت هناك حرب سجال بين الآلهة، وطائفة "السورا" وعلى رأس كل من الفريقين المتحاربين قيادة حازمة تدبر الحيل وتعمل بيقظة لتكسبن النصر فكان "برهسبتي" الخبير بأسرار الكتب المنزلة ومعارفها قائد الآلهة، وكان " سوكر أجاريا " المحنك البصير يقود " أسورا " في كفاحهم ضد الآلهة، ولكن " سوكر أجاريا " كان يجيد عملية "سنجيوني" التي تعيد الميت حيًّا. وعلى هذا فطالما رجحت كفة "أسورا" بسبب إعادة الحياة لمن يموت منه في الحرب، وكان هذا يرجح كفته على الآلهة التمس الآلهة من "كاجا" وكان قد اعتزل الحرب أن يتصل "بسوكر أجاريا" ويتقرب إليه، ويتعلم منه عملية "سانجيوني" ولو بطريق الخداع فقبل "كاجا" ويمم وجهه شطر سورا، ودخل على "سوكر أجاريا" وهتف به: قصدت إليك لأتلقى

стр. 110

دروس الحكمة والعرفان تحت وصايتك، ولم يرده " سوكر أجاريا " لأن الأستاذ المتضلع لا يرد طلب التلميذ النبيل، والتحق "كاجا" ببيت " سوكر أجاريا " يتعلم ويخدم. وكان لـ"سوكر أجاريا " بنت جميلة أسماها " ديويا ن ي " كان أبوها يحبها حبًّا جمَّا، وكان "كاجا" يقضي أكثر أوقاته معها يسليها بالغناء والرقص والقصص ويقضي لها كل حاجاتها فتعلقت به " ديوياني " وشغفت بحبه، وخافت " أسورا " من عاقبة هذه العلاقة بين "كاجا" و " ديوياني " وتخيلت أن "كاجا" سيستطيع تحت ستار طلب العلم والخدمة أن يعرف سر عملية " سنجيوني "، ولذلك قررت سورا قتل "كاجا" وانتهزت فرصة خروجه يرعى ماشية أستاذه، وهجم عليها أفراد منها، وقتلوه، ومزقوا جسمه شر ممزق. ولما عادت الماشية بدونه انزعجت "ديوياني" وأسرعت إلى أبيها صارخة باكية، وقالت: يا أبتي، إن الشمس قد غابت وعادت الماشية، ولم يأتِ "كاجا" إني أخاف أن يكون شر نزل به، وإني لا أستطيع أن أعيش ولا أراه بجانبي، فرق قلب الأب لابنته، واسترعى عملية " سنجيوني " وسرعان ما حضر "كاجا" وقص عليهما ما حدث له وهو يرعى الماشية من هجوم " أسورا " عليه وقتله، ولكن " أسورا " دبر ت طريقا جديدا للتخلص من "كاجا" فذهب مرة ليحضر الأزهار الجميلة من الغابة إلى " ديوياني " فانقض عليه بعضهم وقتلوه وحرقوه، ألقوا رماده في اليم، وطال انتظار ديوياني له دون جدوى فهرعت أبيها باكية ناحبة فأحياه لها مرة ثانية. ولكن " أسورا " دبرت أمرًا خطيرًا، فقد أمسكت بـ"كاجا" وقتلته وحرقت جسته وأذابت رماده في كأس خمر، وقدمت الكأس إلى " سوكر أجاريا " فشربه،
следующие страницы →