← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 30912

الأديان الوضعية - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (451 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فاختار من بين تلاميذه مبشرين مملوءين بالرحمة، والشفقة لتعليم الناس ما فيه خيرهم وصلاحهم. قام هؤلاء بالمهمة، وتوزعوا في أرجاء الهند يدعون الناس إلى العقيدة الوسطى التي بشر بها بوذا، أول بعثة للمبشرين الذين أطلقهم البوذا، زودهم بتعاليم الشريعة، ونبههم إلى أن أكثر الناس على عيونهم غشاوة من الغبار، فإذا لم يبشروا بالعقيدة؛ فلن يتمكنوا من الوصول إلى الخلاص، وطلب منهم -أي: من الرهبان أن يعلموا حياة القداسة لمن يستحقها من الناس، وحذرهم من وقوع الشريعة والقانون الكنسي في أيادي من لا يستحقونها؛ لأنها عندئذ تسقط، وتصبح محتقرة، ومكروهة لأن هؤلاء يجعلونها أضحوكةً وسخريةً ويعدمونها. أمسك البوذا في حياته زمام الأمور في الكنيسة، تقيد الرهبان بالتبشير أثناء تجواله في الطرقات وجمع الصدقات، لكنهم كانوا يجتمعون مجددًا في فصل الأمطار وينضمون إلى معلمهم بوذا ليستمعوا إلى نصائحه، وإرشاداته، ومواعظه. أو رهبانية بوذية أُقيمت في بستان "الخيزران" في "ميروفانا" قدمه الملك "بندي سارا" بالقرب من ميدينة "رادجا ريهي" عاصمة مملكة "ماجيتها" تلاه الدير الذي بناه التاجر الثري "انسا بنديكا" في مدينة "سرفيستي" وهكذا حتى عمت الأديرة كل شمالي البلاد الهندية. قبل بوذا دخول النساء لسلك الرهبنة بعد تردد، كانت "ياسودا هارا" زوجة بوذا قد توسلت إلى زوجها بوذا ثلاث مرات لتُقبل في الكنيسة لكن طلبها لم يُستجاب، لكن عندما تدخلت "برادجا باتيماها" الأم المرضعة، والمربية لبوذا بعض موت أمه مصحوبة بكثير من النساء المتحمسات للحقيقة لم يستطع المقاومة،

стр. 177

وقبلهن راهبات في كنيسته بعد هجرهن الخدمة المنزلية ليعتنقن حياة التسكع والتيه حسب مقتضيات العقيدة. نظم بوذا الكنيسة ووحد أراء وأفكار الرهبان حول الحقائق النبيلة التي بشر بها، ووحد الزي أو اللون الأصفر وعرفهم على الطقوس الواجب تنفيذها اجتماعاتهم وقداسيسهم التي تقام أيام السبت وفي كل الأديرة كما أصدر أوامره للرهبان بتلاوة "البراسيموكوشا" وهو طقس مغفرة الخطايا، ويُقام مرتين في الشهر. إذا وقع الخلاف والشقاق بين الرهبان، وانقسموا إلى أحزاب، كان البوذا يسرع إلى فك الخلافات بطريقة الديمقراطية هذا ما حصل بشأن النزاع الذي وقع بين رهبان دير مدينة "كوسامبي" حيث انقسموا إلى حزبين، طلب بوذا إجراء تحقيق حول النزاع وأجراء محاكمة، ومنع الكنيسة من اتخاذ إجراءات، وأحكام دون القيام بالتحقيقات اللازمة، وأمر أن يكون الاتفاق بالنص المكتوب، والفكر معًا ليكتسب شرعيته لقد أعد البوذا الرهبان، والرسل المبشرين بالشريعة إعدادًا جيدًا، وزودهم بالحقيقة التي تلقاها عن طريق الإشراك، وكان لهم القدوة في كل ما كان يتوجب عليهم القيام به، كثيرة هي المواعظ، والإرشادات التي قدمها رسله في المناطق. كما أن البوذا كان يمتحن الرهبان قبل أن يرسلهم في بعثة تبشيرية؛ كي يتأكد من قدرتهم على نشر الحقيقة بصورة سليمة، كلم الرهبان، ووعظهم، وأرشدهم إلى الطريقة الصحيحة الواجب اتباعها لنشر العقيدة بصورة سليمة ومنظمة، قال لهم: عندما أموت، ولا أعُد قادرًا على مكالمتكم، وعلى بناء أفكاركم بأحاديث دينية، وعلى أن لا أكون قدوة صالحة لكم اختاروا من بينكم رجالًا من عائلات

стр. 178

صالحة ومثقفين يبشروا بالحقيقة عوضًا عني، وعلى هؤلاء الرجال ارتداء أثواب "التاساغاتا" والدخول إلى مقرِّهِ، والجلوس على منبره. أثواب "التاساغاتا" هي الحلم، والرحمة، والسماحة، والتساهل، والرفق، والمغفرة والصفح، والتغاضي بكل سناها، وجلالها، وعظمتها وجزالتها، وإعجازها، وعلوها وبصبر جميل، وبطول روح طيبة، وثبات مكين، وبتجلد مستمر، وباحتمال قوي وبأناة لطيفة، ومقر "التاساغاتا" هو الإحسان والمحبة لكل الكائنات. ومنبر البوذا هو الفهم الصحيح للقانون في معناه المجرد، وكذلك في تطبيقاته الخاصة به، ويجب على الواعظ عرض الحقيقة بفكر شجاع، وبرباطة جأش حيث لا يمل ولا يفشل، ويجب عليه امتلاك قوة الإقناع، والاقتناع التي يكون جذرها في الفضيلة، وهي أمانة مدققة، ولازمة إلى ما يرغبه، ويمني نفسه به، ويدعو إليه وينذره. يجب على الواعظ أن ينضبط في ملكه، ودائرة عمله واختصاصه، وأن يكون صلبًا وقوي العزيمة في مهنته، وشغله، ومشاريعه، ويجب أن لا يكون متملقًا، ومداريًا، ومصانعًا ومطنبًا في مدح نفسه، ومدح الآخرين، ويجب أن لا يكون مفتتنًا بنفسه، ومحاولًا افتتان الآخرين، ويجب أن لا يكون مزهوًا ومعجبًا بنفسه، ومتباهيًا ومدعيًا ومحبًّا للجاه ولوعًا بالافتخار؛ مما يجعله يبحث عن مرافقة الكبار، ويجب عليه عدم عقد أية صداقة مع أشخاص خفيفي العقل مستهترين طائشين تافهين وغير أخلاقيين، وإذا دخلت التجربة عليه أن يفكر دائمًا بالبوذا فينتصر، يجب على الواعظ ألا يُحمل على مخاصمة الآخرين ومقاتلتهم. وألا يقدم على لوم، أو معاتبة، أو ذم المبشرين الآخرين.

стр. 179

ويجب عليه عدم الاغتياب والتسلب، والقدح، والطعن بغيره، وعدم الانتقاص من كرامة الآخرين، ويجب عليه عدم بث، ونشر، وإذاعة، وإفشاء كلمات لاذعة، وقاسية، وجافة وحادة، ويجب عليه عدم تسمية التلاميذ الآخرين بأسمائهم؛ بغية اغتيابهم والطعن بهم، وتوبيخ سلوكهم، يجب عليه الصعود إلى المنبر بجبة نظيفة، وفي ملابس مناسبة تحت هذه الجبة، وبفكر محرر من كل لوم وتوبيخ، وأن يكون بسلام مع العالم بأكمله، يجب عليه أن لا يلتذ أبدًا بمناقشات خصامية وقتالية، وألا يتدخل بمجادلات دينية؛ ليظهر تفوق مواهبه، وعلو كعبه، وسمو رتبته، وعظمة شرفه وتقدمه على غيره، لكن واجبه يقضي بأن يبقى وديعًا ودمسًا ولين الجانب وهادئًا، ويجب أن لا يسكن في قلبه أي شعور حاقد، ومشاحن وعدائي، وأن لا يغض النظر أبدًا، وأن لا يبعد جانبًا الترتيبات الإحسانية تجاه كل الكائنات، ويجب أن يكون هدفه الوحيد إيصال كل الكائنات إلى نعمة البوذا. على الواعظ الإقبال بنشاط وحماس على مهمته بحيث يجعله الداساغاتا ينظر إلى جسم الشريعة المقدسة في مجدها المتصاعد فيصبح محترمًا وموقرًا ومكرمًا كأحد هؤلاء الذين باركهم "التاساغاتا"، يبارك "التاساغاتا" الواعظ، والذين يستمعون إليه باحترام، والذين يتقبلون العقيدة بفرح، كل الذين يتقبلون الحقيقة ينالون الذكاء الكامل حقًّا هي كبيرة قوية العقيدة، فقراءة آية واحدة منها، وحفظ عبارة واحدة من الشريعة الصالحة ترسخ الإيمان في الحقيقة بأيِّ شخص كان، وتجعله يدخل في طريق هذه الحقيقة التي تقود إلى الخلاص من الشر، يجب على الواعظ أن يكون مملوءًا بالحيوية، وبالأمل الوهاج، ويجب أن لا يسأم، ولا يتعب، ولا يفقد الأمر أبدًا من نجاحهم النهائي.

стр. 180

يجب أن يكون الواعظ شبيهًا برجل محتاج إلى الماء، فيحفر بئرًا في أرض قاحلة وطالما يرى الرمل أبيض وجافًّا؛ يعلم أن الماء لا يزال على مسافةٍ كبيرةٍ، ولكن إذا لم يتقاعس أبدًا، ولم يترك عمله كشيء ميئوس منه، يجب أن ينشغل برفع الرمل الجاف بطريقة تمكنه من حفر الأرض إلى عمق أكبر، وإذا وجب تكرار الحفر إلى الأعمق؛ فإن الماء يصبح أكثر برودة، وأكثر صفاءً، وأفضل، ويحيي قوى الرجل الحافر ويجددها، وعندما يمضي عليه بعض الوقت من تكراره الحفر. يرى أن الرمل أصبح رطبًا فيدل ذلك على أن الماء أصبح قريبًا في أيديكم. ولكم أيها الناس والعائلات الكريمة والمثقفين قد وُضع النذر للتبشير بكلمات التاساغات ويضع المبارك مجددًا في أيديكم ويثق بكم ويأمركم بنشر شريعة الحقيقية الصالحة، تقبلوا شريعة الحقيقة الصالحة احتفظوا بها اقرءوها وراجعوا قراءتها تعمقوا بها أعلنوها بشروا بها كل الإخوة في كل الزوايا المسكونة اجمعوا حولكم سامعين متشوقين لسماع كلمات الشريعة اللطيفة، والمعزية، حثوا غير المؤمنين ليتقبلوا الحقيقة، واغمروهم بالطيبات، وبالفرح، واجعلوهم أشداء، وابنوهم وارفعوهم إلى الأعلى، وإلى أعلى الأعلى حتى يروا الحقيقة وجهًا لوجه في كل تألقها، ومجدها الذين لا نهاية لهما. وهذا النذر كما ورد في الإنجيل للتلاميذ دوى في المسكونة، ورجع يتردد كصدى من كل "البودهيز تفاوات". البودهيز تفاوات أي: الأشخاص الذين يصلون إلى مرحلة ما قبل الاستنارة، اللاحقين الذين سيأتون للتبشير بشريعة الحقيقة الصالحة، وينصح بوذا الدعاة بضرورة مخاطبة الناس على قدر عقولهم، وطريقتهم في التخاطب، فيقول: هنالك أنواع مختلفة من الجماعات يا أنتد، وأنتد هذا تلميذ بوذا المقرب، وشقيقه من أبيه،

стр. 181

لازمه كل فترة التبشير، وحضر موته، وجمع الرهبان بعد موت الأستاذ. في جماعات النبلاء، والبراهمة، وأرباب البيوت والرهبان، والجماعات كائنات أخرى من عاداتي عندما أدخل على إحدى الجماعات، وقبل جلوسي آخذ لونًا شبيهًا بلون الحاضرين لسماعي، وصوتًا شبيهًا بصوتهم، وأستعمل لغتهم، وأحدثهم بحديث ديني، معلمًا إياهم، وموحيًا في نفوسهم القوة، والانتعاش، ومالئًا قلوبهم بالفرح. ففي كلام بوذا هنا إشارة واضحة على احترام قدرات الناس على الفهم وعلى أهمية مسايرة جلساءه بأن يكون كأيِّ فردٍ منهم، بذلك، ومن هذا القبيل استعمل بوذا الأسلوب القصصي، والأمثال في ترويج أفكاره ونشرها؛ لأنها أقرب إلى فهم الناس إضافة إلى الصور الرمزية، والعبارة السهلة في خطابه الديني. كما أن البوذا كان شديد الحرص على إعداد رسله وإمدادهم بكل أدوات الإقناع ليضمن نجاحهم في نشر الدعوة حتى إنه كان يمتحنهم قبل إرسالهم في بعثات تبشيرية، كما حرص بوذا على تأسيس كنيسته، وتقديم يد العون لشد أزرها، وتوحيد كلمة رهبانها أينما كانت، إلا أن الأمر لم يدم طويلًا بعد موته، أول مجمع كنسي للبوذيين عقد في مدينة "رادجا اريها" بغية عرض عقائد المقبوض بوذا الظاهرة وتصنيفها في مجموعات، ومقابلة الكتابات المقدسة بعضها مع بعض للتأكد من عدم وقود أي نقص فيها أو أي خطأ يتخللها، والعمل على إقرار قانون كنسي يُتخذ كنبع تعليمي لتعليم وإرشاد الأجيال الآتية. عندما احتشد أتباع بوذا سألوا "كاسياما" وكان أعلم تلاميذ بوذا أن يقرأ عليهم آراء المقبوض الإلهيات فقرأها عليهم، وسألوا "أوباري" وكان أعلمهم بالشريعة أن يتلو عليهم النظام، ثم سألوا "أنندا" أن يروي لهم حكايات بوذا،

стр. 182

وأمثاله، ومواعظه فرواها وحُفظت أقوال هؤلاء الرهبان في الصدور، وتناقلتها الأجيال حتى عهد الملك "أسوكا" حيث دونت، وكان ذلك في حدود العام ٢٤٢ قبل الميلاد، وأهم المدونات تلك هي التي عُثر عليها في جزيرة بالي بإندونيسا. الأسس الفكرية للعقيدة البوذية الحقيقة: الحقيقة هي الهدف الأقصى الذي يسعى البوذي إليه، لأن الحقيقة هي جوهر الحياة وتستمر وتدوم بعد موت الجسد، الحقيقة خالدة كما يقول بوذا وتواصل حياتها حتى بعد اختفاء السماوات والأرض، وآمن بوذا بوحدة الحقيقة وتشابهها في كل الأوقات وفي كل الأمكنة، كما أن الحقيقة غير قابلة للهندسة والتركيب والتنظيم، لأن الحقيقة واحدة، وتبقى على ما هي عليه بشكل دائم وغير قابلة للتغيير والتقلب، إنها مغايرة للجهالات والضلالات؛ لأن الضلالات تستطيع أخذ كل الأشكال التي تعجب الناس الذين اختاروها، لهذا السبب؛ فإن التأمل بهذه الأشكال هو شهي ولذيذ ومفرح، لكن هذه الأشكال تبقى مترجرجة، وغير ثابتة، وتحمل في داخلها عناصر التفكك، والتفتت، والتحلل. ويؤكد البوذا أن العالم وُجد لأجل الحقيقة وعُمر لأجلها، غير أن تدخلات الفكر وتركيباته الخاطئة هي التي غيرت طبيعة الحالة الحقيقية للأشياء، وأحدثت الضلالات والجهل، والذين يقعون في شباك الضلال، والجهل تعمر الأنانية، والفجور في قلوبهم وتتولد الرغبات، والشهوات في نفوسهم، وينساقون ساعة إذن إلى البؤس، والألم

стр. 183

وتشبه الأوهام، والضلالات، والأكاذيب سفن كبيرة مزينة إلا أن السوس قد نخر خشبها ومن ركبها معرض للمخاطر، والتهلكة، لذلك يعتبر امتلاك الأوهام والضلالات هو الموت والخطيئة هي طريق الضياع. أما الحقيقة فإنها أقوى من قوة الموت، هي حاضرة في كل مكان، هي خالدة ومجيدة، ومجدها عظيم، ثم إن الحقيقة تهدي إلى طريق الاستقامة، والخلاص، وهي الطريقة النبيلة ذات الشعب الثمانية، وهي أيضًا طريق مستقيمة وواضحة ويجدها بسهولة من يحبها، وسعداء هم الذين يسيرون على طريق الحقيقة. البوذا هو الذي كشف الحقيقة، وأظهرها، وبين الطريق إليها، وأسس مملكتها وأدار عجلتها، وحقيقة الحقيقة التي أعلنها البوذا لا يمكن حصرها في مكانٍ ما، مهما كان هذا المكان بعيدًا في لانهائيته إنها لا متناهية، ولا يوجد أبدًا مكان للحقيقة في الإحساس، ولا في ملذاته، ولا في آلامه، صحيح أن الإحساس هو الخطوة الأولى إلى الحقيقة، لكن لا يوجد أبدًا مكان فيه للحقيقة مهما كانت قدرة الإحساس على السطوع من الوجه اللامع من الجمال، ومن صنوف مباهج الحياة. نظرة لأهمية الإحساس من حيث هو الخطوة الأولى في الحقيقة، والمدخل إلى عالمها؛ فإن البوذا علم الناس كيفية الاستعمال الصحيح للإحساس، والممارسة الصحيحة، والصالحة للعقل، وعلم بوذا الصلاح، وغير على هذا الوجه المخلوقات العاقلة إلى كائنات إنسانية صالحة طيبة، ووجدت الحقيقة مكانًا تقدر أن تقيم فيه وهو الروح الإنسانية. يخالف بوذا أصحاب الاتجاهات العقلانية، ويؤكد بأنه لا يوجد أبدًا مكان للحقيقة في العقلانية إذ العقلانية سيف ذو حدين، يستعمل العقل لمقاصد

стр. 184

سامية، ومحبة، ويستعمل لمقاصد فاسدة مبغضة، وكما الحس كذلك العقل، العقلانية هي السطح الذي تقيم عليه الحقيقة، وبدون العقل لا يمكن الوصول إلى أية حقيقة، لكن لا يوجد أي مكان للحقيقة في العقلانية مع أنها الأداة الضرورية لترويض أشياء العالم. الحقيقة في نظر البوذي هو البوذا نفسه، ولهذا نفسه وجبت عندهم عبادة بوذا إنها جوهره إنها المعيار الوحيد للتميز بين العقائد الصحيحة والعقائد الخاطئة، والحقيقة والبوذا كلاهما لا يستطيع أي لسان التعبير عنهما إلا أن الحقيقة ليست اختيارية أو صفقة أعمال، لكن يمكن البحث عنها، ومن بحث عنها بصدق معتمدًا الطرائق والشعاب التي علمها بوذا يجدها لا محالة، لكن كيف يكون امتلاك الحقيقة؟ لا يمكن امتلاك الحقيقة ما لم يتعلم المرء التمييز بين الأنا والحقيقة، الأنا هي سبب الأنانية ومنبع الخطيئة لا تقتصر الحقيقة بأية أنا الحقيقة الجامعة وتقود إلى العدالة والمساواة، إن الاستراحة في الحقيقة تستلزم الانقطاع عن الملذات وإزالة الأنا هي شرط الاستنارة، ومحو الأنا هو "النيرفانا" والتطهر من الخطايا، وتقديس الحياة هما الطريقة للوصول إلى الحقيقة. تحرير النفس من الأنا الأنانية المسكينة، وعدم الرغبة في أذية الآخرين، والطهارة تجعلها جوهرة صافية تعكس نور الحقيقة، واللجوء إلى جماعة الباحثين عن الحقيقة والمجهدين أنفسهم للعيش ضمن الحقيقة يساعد في بلوغ الحقيقة بشر بوذا بالطريقة الوسطى المغايرة لنوعين متطرفين، وأعلن في خطبة بنارس، والتي تعرف أيضًا بخطبة غابة الغزلان الطريق العامة للطريق الوسطى التي يجب أن تحل محل الطريقين المتطرفين.

стр. 185

يقول: هنالك طريقان متطرفان على الرجل الذي ينبذ العالم تحاشيهما، فمن جهة عادة إشباع شهواته هذه الطريق تافهة وباطلة وبدون ثواب، ولا تتناسب إلا مع الأرواح المتجهة نحو العالم، ومن جهة أخرى فإن إماتة الذات هي تطليق مرهق ومضني وبدون فائدة وباطل، حب اللذات الجسدية الشهواية يضعف الإنسان، إشباع الشهوات تجعل المخلوق عبدًا لأهواء نفسه الباطلة، البحث عن اللذة يتلف الإنسان ويذله ويدني منزلته، إن سد حاجات ضرورات الوجود ليس شغف، والمحافظة على جسدنا ليبقى في صحة جيدة هو واجب، وبدون هذا لا نستطيع صيانة قنديل الحكمة، هذه هي الطريق الوسطى أيها الرهبان التي تبعد جانبًا الطريقين المتطرفين. الآلام: وجود الألم كان الحافز الأول لبوذا؛ ليبدأ سفرته التأملية، وأول مباشرة له مع الحياة والعالم الخارجي أطلعته على ثلاثة مظاهر، أو نماذج للألم هي، الأمل الناتج بسبب المرض، والألم الحاصل بسبب الشيخوخة. وأخيرًا الألم الذي يتركه حدث الموت في نفوس أقارب أصدقاء المتوفى، وبعد تأملات عميقة في الوجود الإنساني والكوني، وجد أن سبب الألم، وأصله يكمن في التغير الذي يثقل على الإنسان، ويقلق وجوده، وأطلق في عظة "بنارس" الحقيقة الشريعة المتعلقة بالآلام، قال: والآن أيها الرهبان هاكم الحقيقة الشريعة المتعلقة بالآلام، الولادة ألم الهرم، ألم المرض ألم، وجودك مع من لا تحبه ألم، كل رغبة غير محققة ألم، وبالاختصار، فكل الحالات التي يضع التعلق الجسد فيها ألم. وحول الحقيقة المتعلقة بأصل الألم يقول حقًّا هي الشهوة الجامحة التي تسبب التجديد في الوجود، والمصحوبة بالفرح الشهواني؛ فهي تبحث عن إشباعها مرة هنا ومرة هناك، هي شهوة إشباع الأهواء الفاسدة، وشهوة الحياة المستقبلية، وشهوة السعادة في هذه الحياة.

стр. 186

أما الحقيقة المتعلقة بإخماد الألم: فهي تتألف من إطفاء العطش المتجه نحو أهواء النفس الرديئة، وميول القلب الشريرة، وإخفاء هذا العطش، وهي الرفض القاطع لهذه الشهوة، والتحرر منها، وعدم التأسيس، والبناء عليها، وطريقة محو الألم تكون بسبب الطريق ذات الشعب الثمانية، وهي النظرات الصائبة، والكلمات الصائبة والسلوك الصائب، وطريقة الحياة الصائبة، والجهد الصائب، والأفكار الصائبة، والرؤية الصائبة. يستدل من الحقائق التي كشفها البوذا المتعلقة بأصل الألم، وطريقة إخماده ذات الشعب الثمانية، أن الألم أمر حقيقي مرتبطٌ بوجود الإنسان، وانتقاله من حالٍ الولادة إلى حال الهرم، ثم الموت، جميعها أمور حتمية لا يخرج أي إنسان من دائرتها، إلا أن سعي الإنسان إلى التغلب على قدره، والارتباط الجسدية هي التي تحدث الأمل لأن ارتباطات الجسد، وإشباع شهواته الآنية، والمستقبلة هي التي ترمي الإنسان في آتون العذاب والحزن، وإن إطفاء الشهوات، أي: شهوات التعلق هي المدخل إلى محو الألم، وبلوغ السلام النفسي لذلك يغلب الجانب الخلقي على مجمل الفكر الديني البوذي؛ إذ أن الشعب الثمانية لمحو الألم التي ذكرها تركز على المسائل السلوكية بشكل أساسي. من هنا الحكم العام السائد على فلسفة البوذية بأنها عملية خلقية تهتم بالفعل الإنساني أكثر من اهتمامها بالنواحي الماورائية الإلهية ويؤكد هذه النظرة بوذا نفسه في قوله: إذا تعلم كل العالم الحقيقة، نكون قد زرعنا بذور الطيبة، واللطف والوداد، والعطف والتساهل، والتسامح، ويصبح حصاد الأعمال الصالحة مدرارًا وأكثر وفرة، لعل الهدف الأساسي للدعوة البوذية هو بناء الإنسان المحب، والمتسامح والمتساهل؛ لأن حصاد هذه الأعمال هو الفرح والسلام، وهذا الإنسان الفائق هو في الوقت نفسه الإنسان الذي

стр. 187

تخلص من أناه وأنانيته بالأعمال الطيبة، والجودة واللطف، والعطف، والتساهل المستمر، نتوصل إلى طريق الخلود، وبالمحبة، والرحمة نصلح أنفسنا، ونجعلها تصل إلى الكمال. قول البوذا هذا يعني: أن بلوغ الكمال والخلود وكلاهما يكون خاليًا من الألم يكون بتطبيق القواعد الأخلاقية السليمة والحقيقية لذلك فإن الإنسان المحب يجد طريق الخلاص، وهو يشبه المحارب القوي الشهم الحازم، ويشبه أيضًا المحارب الحاذق الماهر المُدرب، ويشبه كذلك بطلًا منازلًا مجاهدًا قويًّا، وحكيمًا في أداء مهمته. ويعظ بوذا الرهبان ويدعوهم إلى ترك الأنا، وهي المسببة للألم، فيقول لهم: ولكن بما أنه يوجد أعمال؛ ولأن هذه الأعمال تدوم أعطوا كل عنايتكم للأعمال إن المقصد الأسمى للإنسان هو وضع حد للألم، ولن يكون له ذلك ما لم يعرف بذر الألم أي أصله، وهو الأطماع، والأهواء، والميول، والعطش إلى الحياة، ولا بد له أيضًا من معرفة الطريق المقدس ذي الشعب الثمانية السابق ذكرها لإزالة الألم، وعندما يعرف الإنسان الشريف جذر الألم، والطريق إلى إزالته، ويسير عليه رافضًا كل الأهواء والميول الشريرة، وهادمًا فكر الكلمة أنا أكون، وتاركًا الجهل، ومتوصلًا إلى الاستنارة يكون قد وضع حدًّا نهائيًّا لكل ألم في هذه الحياة. ومن ثم ستكون لنا وقفة -إن شاء الله تعالى- مع الأخلاق البوذية، هذا وإن الهدف المباشر لأخلاق البوذية هو بناء إنسان يكون سيد نفسه، وصالحًا، وطاهر القلب أما الهدف الأقصى، فهو تهيئة الإنسان لبلوغ حالة الفكر الهادئ الذي تخلص من فكرة الأنا، وليدخل في سلام الخلود.

стр. 188

ومن العناصر الرئيسة في الديانة البوذية: التأمل والحكمة: التأمل والحكمة عنصران أساسيان من عناصر، أو شعاب الطريقة البوذية، وهما النتيجة الطبيعية للسلوك الحق المعادلة واضحة العمل الصحيح يلازمه الفكر الصحيح، والموقف الصحيح، ثم إن الفكر والعمل معًا يرتبطان بوجود الحق. خاطب بوذا الرهبان في أيامه الأخيرة قائلًا: أيها الرهبان كونوا ملآ بالإيمان، ومتواضعي القلوب، وبعيدين عن الخطيئة، ومتلهفين، ونهمين للتعلم، وأقوياء ونشيطين، وأصحاب مروءة، وذوي عزم، وفعالين في تفكيركم، ومملوءين بالحكمة؛ على ذلك يكون الهدف من السلوك البوذي إحداث الفراغ النفس، وانصرافها إلى التفكر للامتلاء بالإيمان، والحكمة بأكثر من موضع من الإنجيل. يعلن بوذا أنه أخذ على عاتقه تأسيس مملكة الحقيقة، ويشير إلى أن الحقيقة سكنت قلبه وحصل على "النيرفانا" بعد أن أطفأ جذوة الأنا؛ فصار جسده عفيفًا طاهرًا وفكره محررًا من كل شهوة، لكن مع هذه التأملات التي يجب أن يلتزم بها الإنسان ليدخل روحه إلى الفردوس. أجاب البوذا عن هذا السؤال بقوله هناك خمسة تأملات هي التأمل بالمحبة والتأمل بالشفقة، والتأمل بالفرح، والتأمل بالنجاسة، والتأمل بطمأنينة الفكر، وصفائه، وهدوئه، والتأمل الخامس وهو الذي يتوج كل التأملات السابقة، ويرتفع فيه الإنسان عن كل أنواع التعلق إذا كانت التأملات الأربعة السابقة له تجعل الإنسان في حال الطمأنينة، والفرح، والشفقة والمحبة؛ فإن التأمل الخامس يجعله يرتفع، ويتجاوز

стр. 189

كل الانفعالات، وهي حالة صوفية ذاهلة لكل شيء وفوق كل عاطفة حتى العواطف النبيلة. كما أن التأملات الخمسة من حيث مضمونها تشكل محتوى الطريق التي تؤدي إلى الحكمة السامية؛ إذ أن بلوغ الحكمة يتطلب قدرات فائقة للطبيعة البشرية، والمميزات الأساسية للحكمة البوذية تتلخص في التالي، إن الحياة كلها ألم وهي إلى فناء، أي: أن الكل زائل، ولا يدوم، ولا يمكن لأي شيء أن يبقى على حاله وهو عرضة للتدفق المستمر من الأخطاء السائدة عند العالم، إنهم يتصورون الأشياء ثابتة أو على الأقل يتصور الإنسان أن فيه عنصرًا روحيًّا دائمًا يطلق عليه اسم الأنا، أو الذات، أو الفكر، وفكرة الأنا الشخصية هي التي تدعوهم إلى أنواع التعلقات، وإلى محاربة بعضهم البعض للدفاع عن هذه الأنا المتوهمة أنها خالدة. وقد عارض بوذا هذه الفكرة، كما أنه رفض قول الهندوسية: بأن الروح أو الأنا الفردية تتحد بالأنا الكونية، وأعلن أن الأرواح البشرية تتشكل من التحام زمني مؤقت، وعابر لخمس مجموعات من العوامل تُسمى الخامدات أولاها جسدية مادية، والباقية غير جسدية، وغير مادية. هذا؛ ويبقى عن البوذية كلام يرتبط بالفهم البوذي للإنسان و"النيرفانا" وانتشار هذه البوذية في أكثر من بلد بخلاف الهند كالصين واليابان. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله صحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 190

الدرس: ٩ الديانة البوذية (٣) .

стр. 191

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس التاسع (الديانة البوذية (٣)) عقيدة البوذية وفلسفتها الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، وآله وصحبه الطيبين الطاهرين الغر الميامين، أما بعد: فننتقل إلى عقيدة البوذية وفلسفتها؛ لبيان هذه العقيدة ومعالمها: يعتقد بوذا ككل المذاهب الهندية في مبدأ التناسخ، وأهم ما تعمل له البوذية هو -كما سبق- التخلص من تكرار المولد، والوصول إلى "النيرفانا" والخطاب الأول الذي ألقاه بوذا على رفاقه في بنارس عقب أن تلقى الإشراق يحوي أهم عناصر الفلسفة البوذية. ونحن ننقل نصه فيما يلي من كتاب البوذيين المقدس: "أيها الرهبان هذه هي الحقيقة المقدسة عن الألم المولد، ألم الحرام، ألم المرض، ألم الموت، ألم الاجتماع بغير المألوف، ألم الافتراق عن المألوف، ألم عدم ظفر الرجل بما يهوى ألم، أيها الرهبان هذه هي الحقيقة المقدسة عن مصدر الألم الظمأ، والشهوة، والهوى، والرغبة في التلذذ، وفي التكوين في القوة ذلك الهوى، وتلك الشهوة تجر من مولد إلى مولد، ومن ألم إلى ألم". ويسوق بوذا سلسلة قضايا تؤدي إلى هذه الحقيقة هي: "أن الهوى أصل الألم، أي: يقول: إذا وجدت الشهوة، والهوى وجد التحديد، والتخصيص، وإذا وجد التحدي، د والتخصيص وجد الجهل، وإذا وجد الجهل وجد الخطأ وإذا وجد الخطأ وجد الحزن؛ فالحزن نتيجة للهوى والشهوات، أيها الرهبان هذه هي الحقيقة المقدسة عن إعدام الألم، إعدام الشهوة والهوى والظمأ، والرغبة إعدامًا باتًّا". أيها الرهبان، هذه هي الحقيقة المقدسة عن سبيل إعدام الألم سلوك الطريق المثمن ذي الثماني شعب الاعتقاد الصحيح العزم، الصحيح القول الصحيح العمل، الصحيح العيش، الصحيح الجهد، الصحيح الفكر، الصحيح التأمل، الصحيح، ونستطيع من هذا الخطاب الذي يعد فاتحة تبشير بوذا أن نستخلص ما يسميه البوذيون الحقائق الأربعة، وهي:

стр. 192

الحقيقة الأولى: الألم موجود، فالولادة والمرض، والموت، ومتاعب الحياة من فراق أحبة، أو لقاء أعداء كلها تأتي بالألم. الحقيقة الثانية: لهذا الألم سبب، وعلة الألم هي الشهوات والرغبات؛ لأنها التي تنمي فينا الرغبة في اللذة، والتملك، والشوق إلى عالم المستقبل. الحقيقة الثالثة: هذا السبب قابل للزوال، ويبطل الحزن متى بطلت الشهوة ما انطفأ الظمأ للأشياء. الحقيقة الرابعة: الوسيلة لزواله موجودة، ولإبطال الألم طريق واحد هو إتباع الشعب الثماني التي سبق ذكرها، والتي يصوغها بعض الكتاب في عبارات أخرى الآراء السليمة، الشعور الصائب، القول الحق، السلوك الحسن، الحياة الفضلى، السعي المشكور، الذكرى الصالحة، التأمل الصحيح، وهناك قيودٌ عشرةٌ تحول دون بلوغِ الإنسانية درجة النجاة والسلام، وتلك القيود هي: ١ - الوهم الخادع في وجود النفس. ٢ - الشك في بوذا وتعاليمه. ٣ - الاعتقاد في تأثير الطقوس والتقاليد الدينية. ٤ - الشهوة. ٥ - الكراهية. ٦ - الغرور. ٧ - الرغبة في البقاء المادي. ٨ - الكبرياء.

стр. 193

٩ - الاعتداد بالبر الذاتي. ١٠ - الجهل. ومن الممكن تحطيم هذه القيود لمن يؤمن بالحقائق الأربعة، ويعمل في ضوء هديها، وتتحطم هذه القيود شيئًا فشيئًا على درجات أربع: ١ - فمجرد الإيمان بالحقائق الأربعة يحطم القيود الثلاثة الأولى؛ لأن الإيمان بها هو اتباع لأفكار بوذا، وذلك يستلزم عدم الشك فيه، وعدم الاعتقاد في الطقوس والتقاليد الدينية "الهندوكية وغيرها" واتباع بوذا في فكرته عن التناسخ، وأن الإنسان حلقة في سلسلة متتابعة، وليس له وجود مستقل. ٢ - وعندما يؤمن الإنسان بالحقيقة الثانية، وهي أن علة الألم هي الرغبات والشهوات تخف حدة الشهوة والكراهية، والغرور من نفسه. ٣ - إذا اتبع الحقيقة الثالثة، وتأكد أنه لا بد للقضاء على الألم من القضاء على الشهوة تحطمت قيود الشهوة، والكراهية، والغرور تحطيمًا نهائيًّا. ٤ - فإذا اتبع الحقيقة الرابعة، واتبع الشعب الثماني، وتخلق بها تهدمت باقي القيود العشرة، وبذلك يصل الإنسان إلى الهدف السامي الذي يطلبه وهو "النيرفانا" أو النجاة. وهكذا ترى البوذية أن الكون أزلي مستمر ليس له مبدأ ولا نهاية، وترى أن المولد الفردي هو منشأ الآلام التي تملأ حياة الفرد، وليس هذا المولد إلا نتيجة للشهوات، والرغبات، والعواطف، والميول الفردية المتقدمة لفرد قد سبق هذا الفرد، فتجددت حياة هذه النفس لتلاقي جزاء ما خضعت للشهوات والرغائب من قبل، ثم تكون للنفس في دورها الجديد شهوات أخرى ورغائب فتجدد مرة

стр. 194

أخرى لنفس السبب، وهكذا إلى ما لانهاية فالشهوات والعواطف هي سبب هذا التسلسل الذي سيمتد إلى ما لا نهاية، ولا تنتهي السلسلة المشؤمة حتى تعم بذورها إلى الشهوات والرغبات والعواطف والميول؛ فيتجدد الميلاد، والهرم، والموت، وسائر أوجاع الحياة وحسراتها. وما بعثت البوذاوات في الكون إلا لإعدام بذور الآلام والحسرات. قال بوذا: لولا ثلاثة في الدنيا لما ظهر في الكون الكامل المقدس الأعلى بوذا ولا الشريعة، ولا أشرق في الكون التعليم الذي يعرضه الكامل، وما هذا الثالوث إلا المولد والهرم والموت، وما تبشير بوذا إلا الدعوة إلى النجاة من الآلام، والحسرات باجتثاث شأفتها، وقلع أصولها. وأهم شيء في التعليم البوذي هو الحقائق الأربع التي سبق ذكرها فمن آمن بها، واتبعها كتبت له النجاة، والسعادة، ومن لم يعلمها، ولم يؤمن بها ظل في شقائه وآلامه يموت ويحي، ثم يهرب ويهلك، ويولد من جديد، ولا تنقطع هذه السلسلة حتى يعرف هذه الحقائق ويتبعها. وقد كشفت الأسرار لبوذا، فعرف هذه الحقائق، وآمن بها، واتبعها؛ ولذلك يقول: لقد أحرصت علم الحقائق الأربع المقدسة، وأحرصت فهمها بانجلاء تام، فصرت على يقينٍ بأني قد ظفرت بالبوذية الكبرى وقد عرفت أنه قد ضمنت لي النجاة بروحي ومولدي هذا آخر مولد، وليس لي بعد هذا من مولد مستألف. وإتمام للفلسفة البوذية نذكر الوصايا العشر التي تنسب إلى بوذا وهي: ١ - يجب ألا تقضي على حياة. ٢ - يجب ألا تأخذ ما يعطى إليك.

стр. 195

٣ - يجب ألا تقول ما هو غير صحيح. ٤ - يجب ألا تستعمل شرابًا مسكرًا. ٥ - يجب ألا تباشر علاقة جنسية محرمة. ٦ - يجب ألا تأكل في الليل طعامًا نضج في غير أوانه. ٧ - يجب ألا تكلل راسك بالزهر، وألا تستعمل العطور. ٨ - يجب ألا تقتني المقاعد، والمساند الفخمة. ٩ - يجب ألا تحضر حفلة رقصٍ أو غناء. ١٠ - يجب ألا تقتني ذهبًا أو فضة. هذه فلسفة البوذية ومعتقداتها، وأذكر شيئًا عن هذه المعتقدات بشيء من التفصيل فأقول الله في التفكير البوذي. يقول العلامة "رادها كريشنان" الذي كان نائب رئيس الجمهورية الهندية سنة ألف وتسعمائة وخمسون: إن بوذا لا يقر العقائد، ولا يؤسس مذاهب فلسفية، ولا يزعم أنه جاء إلى الأرض بحكمة خصوصية ملكها من الأزل، بل يعلن بكل جلاء أنه كسب هذه الحكمة بجهوده الجبارة، فيما سبق له من الحياة على الأرض دهورًا وأحقابًا؛ لتعدد المواليد، وهو يرشد أتباعه إلى نظام يضمن الرقي الأخلاقي، ولا يدعوهم إلى دين كسائر الأديان؛ إنه يري أتباعه سبيلًا، ولا يقر عقيدة؛ لأنه يرى أن قبول عقيدة يصد عن البحث وعن الحق فكثيرًا ما ترفض الحقائق؛ لأنها تخالف عقيدة يتمسك بها الذين جاءت لهم هذه الحقائق. فبوذا يؤسس دعوته على حصوله على المعرفة، أو بعبارة أخرى على تجربته الروحية التي لا يمكن بيانها بالألفاظ فدعوته حكاية عن تجربته وعن الطريق المؤدي إليها، وهو

стр. 196

يقول: إن الحق لا يعرف بالنظريات بل بالسير في طريقه، وعلى هذا لم يعنَ بوذا بالحديث عن الإله، ولم يشغل نفسه بالكلام عنه إثباتًا أو إنكارًا، وتحاشا كل ما يتصل بالبحوث اللاهوتية وما وراء الطبيعة، أو عن القضايا الدقيقة في الكون؛ إذ كان يرى أن خلاص الإنسان متوقف عليه هو لا على الإله. ويرى أن الإنسان صانع مصيره، ومن كلماته في ذلك كونوا لأنفسكم جزائر قائمة لنفسها، وكونوا لأنفسكم موائل وكهوفًا، ولا تعتصموا بملاذ خارجي ولا تحتموا بغير أنفسكم، وكان ينهى أصحابه، وزواره أن يخوضوا في هذه الأبحاث، ويوبخهم على سؤالهم عن قضايا دقيقة مجردة، ويأمرهم بالخوض في أعمالهم، ودواعيها وميولهم، وعواطفها، وعواملها، وقد سأله أحد مريديه مرة، هل الذات موجودة، فسكت فسأله هل الذات ليست موجودة؛ فظل ساكتًا فسأله، هل هذا الكون دائمًا أم غير دائم. وأخيرًا قال بوذا لهذا المريد: هل قلت لك: جئني أعلمك عن الذات، وعن الكون لا لم أقل: هذا أيها المريدون لا تفكروا، كما يفكر الناس، بل فكروا هكذا هذا ألم هذا مصدر الألم هذا إعدام الألم، هذا سبيل إعدام الألم، ولكن بوذا اتجه أحيانًا إلى جانب الإنكار أكثر من اتجاهه إلى جانب الإثبات فقد وقف في إحدى خطبه يسخر ممن يقولون بوجود الإله. وكان مما قاله في ذلك: إن المشايخ الذين يتكلمون عن الله، وهم لم يروه وجهًا لوجه كالعاشق الذي يذوب كمدًا، وهو لا يعرف من هي حبيبته، أو كالذي يبني السلم، وهو لا يدري أين يوجد القصر، أو كالذي يريد أن يعبر نهرا فينادي الشاطئ الآخر ليقدم له. وسنعود إلى هذا التفكير بالنقد فيما بعد إن شاء الله.

стр. 197

ومن أجل إهمال الإله أو الاتجاه لنكرانه أحيانًا اتجه براهمة براهمة عصره إلى أن يصموه بوصمة الإلحاد، والإيمان بإله اتجاه نفسي قوي لا يقل عن قوة الغرائز في البشر، وإهمال هذا الاتجاه يحدث ارتباكًا واضطرابًا؛ ومن أجل هذا نجد أتباع بوذا من بعده يفكرون في الإله، ويعملون على الوصول إليه أو التعرف عليه، ولما كان بوذا ترك هذا المجال خاليًا، فقد لعبت بهم الأهواء فاتجه بعضهم إلى اعتقاد أن بوذا ليس إنسانًا محضًا، بل إن روح الله قد حلت به. وهذه العقيدة تشبه عقيدة الحلول التي يعتنقها بعض المسيحيين في السيد المسيح فيقولون: إن شخصيته ثنائية لاهوتية وناسوتية، وأن الشخصية اللاهوتية حلت بالناسوت، وتسربت هذه العقيدة أيضًا إلى مدعي التشيع فقالوا بها بما يتعلق بعلي بن أبي طالب ﵁ بل ذهب بعض البوذيين إلى القول: بأن بوذا كائن لاهوتي هبط إلى هذا العالم؛ لينقذه مما فيه من شرور. امتزاج البوذية بالهندوكية: بقي موضوع خطير يتصل بالإله عند بوذا؛ فاتجاهات البوذية الخلقية واللاعقائدية سببت سرعة انتشار البوذية في الهند لسهولة هذه الاتجاهات، ولعدم تعارضها مع آلهة الهندوس، وعلى هذا كان كثير من الهنود يتبعون البوذية في أخلاقها، ويظلون مع ذلك على ولائهم لآلهة الهندوس، ومن هنا بدأت البوذية تختلط في مظاهرها بالهندوسية، وبدأ البوذيون الذين يقوم مذهبهم على عدم الاعتراف بالإله يعترفون بآلهة الهندوكية، ويتقربون إليها لذلك لم تكن مظاهر البوذية خالصة لها، بل كانت خليطًا منها. ومن الهندوسية. ومن هنا أخذت البوذية تتلاشى من الهند شيئًا فشيئًا، ويندمج أتباعها في تقاليد الهندوسية وطقوسها وآلهتها، ووضع البوذيون الذين قالوا: إن بوذا كان إلهي

стр. 198

تمثال بوذا بين آلهة الهندوس ولم يعارض الهندوس؛ لأن العقل الهندي كما قلنا من قبل لا يضيره أن يضم إلهًا جديدًا إلى ما يعترف به من آلهة وبمرور الزمن ذهب تمثال بوذا إلى آلهة كثيرة، وذهب أتباع البوذية بين الهندوس فلم يعد للبوذية شأن في شبه القارة الهندية، وبجوار تمثال بوذا انتعش آلهة آخرون في البلدان الأخرى التي دخلتها البوذية، فظهر في اليابان تمثال الإله "شنتو" وفي الصين ظهر تمثال الإله "تاوسي". البوذية وفلسفة اليوجا: إن عقيدة بوذا في آلهة الهندوس ليس إلا عودًا إلى تفكير الجنان يوجا الذي يرى في كل الديانات، وفي كل الفلسفات حق، ولكن هذا الحق ليس سوى ذرة من الحق الأعظم الكامل، فهذا المذهب لا يعترض على دين، أو فلسفة، ويرى أن أي دينٍ، أو فلسفة ليس هو كل شيء، وليس هو كل الحق، ومعتنق هذا التفكير لا ينتمي إلى دينٍ أو مذهب؛ لأنه يرى أتباع كل الديانات المختلفة إخوة له مهما اختلفوا؛ فجنان يوجا مذهب يتسع لمعتقدات الجميع، ويأبى أن يتقيد بقيود أي منها. اليوجا خدعة ضد الدين والوطن: ويجب أن نقرر بشدة أن إثارة هذا المذهب والدعاية له ترمي إلى محاربة الإسلام بطري غير مباشر وقد رأيت هذه المحاولات في عدة بلاد فالإسلام هو القوة التي قهرت المنصرين المسيحيين والبوذيين؛ فإذا صرفوا الناس عنه بطريق، أو بآخر ولو باسم الجنان يوجا التي تتسع لكل المعتقدات، ولا تتقيد بقيود، أي: منها إن هذا كسب له عظيم، وبعد أن يصرف المسلم عن الإسلام بهذه الحيلة البارعة يمكن نقله إلى التشكيك فجذبه إلى دائرة أخرى؛ فليحذر المسلم اليوجا، ومداخلها ودعاتها.

стр. 199

وقد نشرت جريدة الأخبار القاهرية الصادرة في السادس عشر من شهر سبع سنة ألف تسعمائة وخمس وسبعين من الميلاد خبرًا عن إنشاء مكتب بالقاهرة باسم تدريبات اليوجا، وكان المكتب بخلف هذه التدريبات يباشر نشاطًا دينيًّا لتمنيع الأديان، والانتقاص من القيم الروحية التي تتضمنها، كما ثبت أنه يمول من جهات صهيونية، ولهذا أصدرت، وزارة الداخلية قرارًا بإغلاق هذا المكتب، وترحيل الأجانب الذين يعملون فيه. ومن العقائد البوذية إلى تعاليم البوذية هل البوذية دين أو فلسفة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تتوقف على فهمنا لمعنى الدين، ومعنى الفلسفة إذا كان المقصود بالدين الإيمان بقوة علوية محيطة بنا، ومتصرفة في أقدارنا، وقبول طائفة من المعتقدات على أنها حقائق كشفت لنا؛ فإن بوذا بمقتضى هذا لم يكن صاحب دين، فقد رأيناه لا يتكلم عن الله، بل ربما سخر ممن تكلموا عنه، غير أن أتباع بوذا بعده رفعوه إلى درجة الآلهة، وقبلوا كلماته على أنها حقائق لا يتطرق إليها شك. وهم بهذا يرفعون فلسفة بوذا إلى مستوى الدين، ويرون أنه لم يتكلم عن الله؛ لأنه هو الله فالبوذية بناءً على رأي بوذا فلسفة، ولكنها في رأي البوذيين دين، ونحن نتفق مع بوذا، ونرى أنه لم يكن نبيًّا، ولا صاحب دين ولم يتلقَّ وحيًا، إنما هو باحث فيلسوف مفكر عاش على الأرض، وفكر فيما حوله من الأشياء، ورأى ما ينزل بهم من متاعب، وانتفع في تفكيره بما سبقه من فلسفات، وأفكار، واهتدى إلى نتائج بعضها من نتائج من سبقوه.

стр. 200

ويقول مولانا أبو المكارم: أزاد الذي كان وزيرًا للمعارف بالهند ما يلي عن ذلك الموضوع: يبدو لي أن وضع بوذا في صفوف الفلاسفة أسهل من وضعه في صف الأنبياء؛ وذلك لأنه لم يتعرض في مباحثه لله، بل حاول حل مسألة الحياة، وانتهى منها دون التحرش بالله وبوجوده، إنه قد قطع علاقة له مع الحياة الدينية في الهند التي كانت تدين بآلهة، وإلهات لا تعد، ولا تحصى. إنه بدأ بحثه وفرغ منه دون أن يلجأ للاعتقاد بالله، وإن الأساس الذي بنا عليه بحثه أساس فلسفي، فقال: إن هدف الجهد الإنساني يجب أن يكون الوصول إلى حل مسألة الحياة، وذلك من المستطاع دون الاستعانة بوجود فوق العقل أجل أسرع أتباعه بعد وفاته إلى تحويل تعاليمه إلى مذهب ديني، ولما وجدوا أنه ترك المكان الذي يحتله الله في الأديان فارغًا عمدوا إلى بوذا نفسه، فحملوه ورفعوه إلى عرش الإله الفارغ، إلا أن بوذا ليس بمسئول عما فعله أتباعه. وبعض المفكرين الغربيين يرون البوذية دينًا؛ لأنها ترسم الطريق للتخلص من الذنوب؛ لأن فيها جانبًا روحيًّا، ولأن معتنقيها كانوا يمتازون بحماسة قوية لا تتوافر إلا مع الأديان. من تعاليم البوذية لا عقائد بلا عمل: هذا الموضوع يرتبط بالموضوع السابق إذا كنا آنفا قلنا: إن بوذا ليس نبيًّا، لكنه فيلسوف فإننا هنا ننقل عن العلامة الهندي رادها "كريشنان" أن بوذا لم يكن نبيًّا؛ لأنه لم يقرر عقائد، ولم يكن كذلك فيلسوفًا؛ لأنه لم يؤسس مذاهب فلسفية، إنما أسس دعوته بناءً على تجربته الروحية التي لا يمكن بيانها بألفاظ. فدعوته حكاية عن هذه التجربة، وعن الطريق المؤدي إليها، وبوذا إن الحق لا يعرف بالنظريات، بل يعرف بالسير المتواصل في طريقه، وفي ذلك يقول أيضًا:

стр. 201

إن عملي ملكي عملي ميراثي، وعملي هو الرحم الذي يحملني وعملي هو الجنس الذي أنتمي إليه، وعملي هو الملجأ الذي التجئ به. فأساس النظام الذي يضعه بوذا العمل لا العقيدة؛ فقد كان يحاول خلق عادة لا إقرار عقيدة، وعلى هذا ليس في تعاليمه إلا القليل الذي يصح أن يصف بالعقيدة، كما أنه لم يأمر بعبادات، ولا رياضيات تقشفية، وكل إلحاحه كان على التدريب الأخلاقي، ومن التعاليم البوذية الجانب الأخلاقي. أخلاق الجماعة البوذية: هناك صلة بين البوذية والجينية في مسألة الأخلاق؛ فالجينية لهم فرقتان فرقة خاصة، وهم الرهبان المنقطعون للتبتل وعامة، وهم أتباع الجينية من غير الرهبان، أما في البوذية فلم تكن هناك طائفة خاصة بالأسس والرهبان، وكان أتباع بوذا جماعة واحدة يتعاون أفرادها على الوعظ والإرشاد يلتزمون حياة شعارها ضبط النفس من الشهوات، وليست هناك شعائر يتبعها من يريد الالتحاق بالبوذية، وعلى الراغب في الالتحاق بها أن يتنازل عن ماله وعقاره، ويحمل مخلاته للسؤال، وينضم إلى الجماعة ويتخلق بأخلاقهم. ولعل من الممكن أن نقول: إن فكرة التخلص من الأموال لدخول البوذية قد تسربت إلى المسيحية، حيث يروي متى، ومرقص، ولوقا عن عيسى: أنه قال لشاب غني أراد أن يدخل المسيحية بِعْ أملاكك، وأعطي ثمنها للفقراء، وتعال اتبعني، فلم يقبل الشاب، فقال عيسى: يعسر أن يدخل غني ملكوت الله". وليس ضبط النفس، وقهر الشهوات بدرجة واحدة بين أتباع بوذا، بل كانوا يتفاوتون في ذلك تبعًا لمقدرتهم الخاصة، ولاحترام الحياة إنسانية كانت، أو حيوانية.

стр. 202

من أهم الأخلاق البوذية فليس لبوذي أن يقتل حيوانًا للهو كالصيد، أو في جد كذبحه للأكل، بل عليه أن يرفق بالحيوان، ويعده أخاه في الخلق، ولا يراه خلقًا أدنى منه، فالهدوء الروحي، والحب لكل نسمة هو ما أرشد له بوذا، والمحبة الشاملة أهم، وأفضل من الأعمال الحسنة لدى الجماعة البوذية. وقد قال بوذا في ذلك: الحسنات على اختلاف أنواعها لا تبلغ سدس فضل المحبة التي تحرر القلب من شوائب الشر؛ لأن مثل هذه المحبة يتضمن سائر الحسنات، إن المحبة تشرق نورًا وبهاءً، ترون الأمة تحيط بوليدها حتى في الأخطار التي تهدد حياتها، كذلك يجب على كل إنسان أن يغرس في نفسه الحب العميق الصادق لسائر الخلق. ومن التعاليم البوذية ما يرتبط بالفلسفة في جانب الثروة، فلسفة الثروة عند بوذا: تكلمنا آنفا عن رأي بوذا فيما يتعلق بالمال والعقار، وذكرنا أنه حث من يريد دخول النظام أن يتنازل عن أمواله وعقاره، ثم يحمل مخلاته، ويلتحق بالجماعة، وذلك هو رأي بوذا تجاه الثروة، ولكنه أورد مزيدًا من الشرح الذي يظهر أن هذا الاتجاه هو الغالب؛ لأن الثروة في أكثر الأحيان تستعبد صاحبها، وتجذب نفسه، وتصير هدفًا لذاتها. أما إذا لم تشغف النفس بالثروة، ولم يكن الإنسان عبدًا لها لو تكن هدفًا لذاتها، وإنما تجمع لتنفق في الوجوه الصحيحة؛ فإن الثروة حينذاك لا تصير نقمة، ولا شرًّا، بل تصبح نعمة، وبركة للإنسان، ومثلها الحياة، والسلطان، ومما يتصل بالثروة رأيه في العمل والبطالة، فقد كان واضحًا من سياسة الكشكول والسؤال أن بوذا يتجه للبطالة؛ ولذلك سأله أحد الجينيين مرة هل أنت تدعو إلى ترك الأعمال، وهجر الأشغال؟ فأجابه إني أدعو إلى ترك كل عمل قبيح يجر إلى الشرور، ولكني بجنب هذا أدعو إلى القيام بكل ما هو حسن للجسد واللسان، والفكر، وكذلك أدعو إلى الإقبال على كل عمل يؤدي إلى الخير والسعادة، ولكن سلوك بوذا على كل حال كان يناقض حب العمل.

стр. 203

ومن التعاليم البوذية إلغاء الطبقات: تحدثنا من قبل عن نظام الطبقات في الهندوسية، ولعل من أهم المبادئ التي نادى بها بوذا هي إلغاء هذا النظام، ومن أقواله في ذلك: اعلم أنه كما تفقد الأنهار الكبيرة أسمائها عندما تصب في البحر، كذلك تبطل الطبقات أربع عندما يدخل الشخص في النظام، ويقبل الشريعة إن ما يدعو إليه بوذا هو الرهبنة، وفي الرهبنة يتساوى سائر البشر، ولكن يؤخذ على هذا الاتجاه أنه جعل إلغاء نظام الطبقات متوقفًا على دخول البوذية، فلم يدعو للمساواة في حد ذاتها. أما الإسلام: فهتف بالمساواة مبدأ عاما بين البشر قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣) فالآية تنادي الناس، ولا تنادي المؤمنين فقط، وهي تتكلم عن مبدأ الخلق أن الناس ينحدرون من أبٍ واحد وأمٍّ واحدة، فلا معنى للتفاوت والطبقية. وقد سبق أن قلنا: إن البوذية؛ لأنها لم تتكلم عن الله سرعان ما انمحت وذابت في الهندوسية في الهند، وبالتالي سرعان ما ضاعت المساواة إذ ربطها بوذا بدخول البوذية. ومن التعاليم البوذية المرأة والبوذية: يقول علامة "رادها كريشنان" النائب الأسبق لرئيس الجمهورية الهندية في بحثه سالف الذكر: إن المرأة الهندية في عصر بوذا لم تكن منعزلة ولكننا مع ذلك نجد بوذا يتردد كثيرًا في قبولها؛ لتكون من أتباع دينه، وقد سأله مرة أحد خاصته، وهو ابن عمه "أنندا" كيف نعامل النساء أيها السيد؟ فأجاب لا تنظر إليهن، ولكن إذا اضطررنا إلى النظر إليهن لا تخاطبهن، ولكن إذا خاطبننا إذًا كن على حذر تام منهن.

стр. 204

وكان "أنندا" من أنصار المرأة، وكان ابن عم بوذا وصفيه، فما زال يلح على بوذا حتى قبل ضم النساء إلى جماعته، وأتباعه، على أنه على الرغم من ذلك كان يرى في هذا خطر على المجتمع البوذي، وقد قال لـ"أنندا" مرة: لو لم نضم المرأة لدام النظام الخالص طويلًا، أما الآن بعد دخول المرأة بيننا فلا أراه يدوم طويلًا. وقد أُثِرَ عن بوذا قوله: للنظام من بعدي أن يغير من سننه ما يراه مضرًّا لمقاصده وحياته، ويرى العلامة "رادها كريشنان": أن بوذا عنى بهذه الجملة لأتباعه طرد النساء إذا رأوا منهن خطرًا على الدعوة. لمحة تاريخية عن البوذية وانتشارها، والكتب المقدسة لديهم هذا؛ ونذكر لمحة تاريخية عن البوذية، والكلام عن تاريخ البوذية يشمل اتجاهين أحدهما دراسة البوذية من ناحية تطورها الفكري والفلسفي والثاني دراسة البوذية من ناحية انتشارها، وما صادفته من انكماش وانبساط، وعوامل ذلك، وفيما يلي حديثنا عن كل من هذين الاتجاهين: أ- تطور البوذية الفكري والفلسفي: صورنا فيما سبق البوذية في حياة مؤسسها فشهدنها نظاما أخلاقيا واتجاهًا تربويًّا، ولكنها أخذت تتطور من قرن إلى قرن، فدخلتها مسائل عن الإلهيات والكون كان بوذا قد نهى عنها، وحذر منها مريديه، ولكنهم بعده بحثوا فيها، وأدرجوها في التعليم نفسه، فأصبحت البوذية مذهبًا فكريًّا ومباحث عقلية، وبعدت البوذية الجديدة بذلك عن القديمة. لقد كانت البوذية القديمة تزكية وتربية، فأصبحت البوذية الحديثة فكرًا وفلسفة، وقد قسمها العلماء حسب الطابع العام إلى البوذية القديمة والبوذية الجديدة،

стр. 205

فالبوذية القديمة صبغتها أخلاقية، وميزتها سذاجة المنطق، وإثارة العاطفة، وطابعها الحض على الخضوع، لقوانين النظام والاهتمام بهدي شارعها، وكأنها هي التي دعا إليها بوذا نفسه، وأتبعها مريدوه وأتباعه الملازمون له. أما البوذية الجديدة فهي عبارة عن تعاليم بوذا مختلطة بآراءَ دقيقةٍ في الكون، وأفكار مجردة عن الحياة، والنجاة مؤسسة على نظريات فلسفية وقياسات عقلية قد سمحت بها قرائح المتأخرين من الشراح، والزعماء والغالب عليها صبغة الفلسفة، وقد ارتبط التغير الفلسفي البوذي بانتشار البوذية، ودخولها أقطار كثيرة؛ فإن أتباعها هنا، وهناك أكثروا فيها القياس والتأويل حسب عقولهم، وثقافاتهم حتى بعدت عن أصلها الساذج البسيط وسنسوق فيما يلي اتجاه الفرق الفلسفية الجديدة، ويلاحظ أن أكثرها أتخذ الاعتراف بالإله أساسًا لفلسفته. فرقة تقول بوحدانية الله، وأنه أوجد أولًا عددًا محدودًا من الأرواح، ثم ترك الإنشاء، والتعمير مكتفيًا بما وضعه في العالم من قوانين، كالبذور تسير سيرها الطبيعي بلا نهاية، وهذه الأرواح هي التي تخلق الخير والشر، فرقة ترى أنه أودع هذه الأرواح التي أرسلها للعالم قوى تستطيع منها: أن تعرف الخير من الشر من أجل ذلك لا يرسل الله رسلًا اكتفاء بذلك. وفرقة ترى: أن الله يفرغ الكمالات الإنسانية في كل زمنٍ على إنسان يتجرد لعبادته ويبتعد عن إرضاء الشهوات الحيوانية وهذا الإنسان المختار يحل محل الإله في إظهار الرضا عن بعض الناس، أو الغضب عليهم تبعا لما يأتونه من الأعمال، ويعرفه الناس، ويلتفون حوله، وتبالغ فرقة أخرى في تعبير المعنى السابق. تقول: إن الله يحل في أية صورة يختارها من صور أفراد الإنسان حلول تطهير، وتكميل لا حلول استقرار، كاللام في البلاد التبت.

стр. 206

وتتكلم كل الفرق عن التناسخ وارتباطه بالكرما، ولكن بعض الفرق ترى تناسخ النوع الإنساني مقصور عليه، والتناسخ الحيواني مقصور عليه، فلا تنتقل روح من إنسان إلى حيوان، ولا العكس، وتزيد فرقة أخرى في تضييق دائرة التناسخ، فترى أن روح العالم تنتقل إلى صانع وهكذا. ب- انتشار البوذية: انتشرت البوذية في عهد بوذا انتشارًا واسعًا بين الطبقات العليا، والطبقات الدنيا. أما طبقة الملوك والجنود: فقد دخلت البوذية تخلصا من سلطان البراهمة الذين أثاروا سخط جميع الطبقات الأخرى باستبدادهم وتعسفهم، أما الطبقات الدنيا: فقد دفعت بنفسها إلى البوذية؛ لتتخلص مما عانته في رحاب الهندوسية من اضطهاد واحتقار، ولكن البوذية بدأت تنكمش بعد بوذا. وقد سبق أن ذكرنا: أن من أهم أسباب انكماشها أنها لم تعنى بالكلام عن الإله بعبارة أخرى تركت فراغًا كبيرًا في نفوس أتباعها، وبمرور الزمن ملأ أتباعها هذا الفراغ بآلهة الهندوس، أو بعابدة بوذا نفسه، أو واتخاذه إلهًا، ويتصل بهذا أيضًا أن بوذا لم يبنِ معابد، ولم يأمر أتباعه بممارسة أي لونٍ من ألوان العبادة؛ بسبب هذا لجأ أتباع بوذا إلى معابد الهندوس فوضعوا فيها تمثال بوذا. وأصبح كل ما زاد هو إله جديد أضيف إلى آلهة الهندوس المتعددة. والعقل الهندي يرحب بالمزيد من الآلهة، وهكذا أخذت البوذية تتلاشى في الهندوسية، وأخذت الهندوسية تمتصها، وتمتص أتباعها يومًا بعد يوم وكان سبب ضعف البوذية في الهند -بالإضافة إلى ما سبق-: أن البوذية اهتمت بإصلاح الباطل، أي: إصلاح الأخلاق، فحاربت الشهوة، والغور والكبرياء، وألزمت بالشعب

стр. 207

الثماني من رأي سليم، وشعور صائب، وسلوك حسن إلى آخره. ولكن الهندوسية قنعت بأشياء ظاهرية كالغسل في الأنهار المقدسة، والأخذ بالطقوس، والقرابين، ومعالجة الظاهر، ومعالجة الظاهر أيسر وأسهل من معالجة الأمور الباطنية؛ ولهذا تخلى البوذيون يومًا بعد يوم عن صراعهم مع نفوسهم، واكتفوا بقربان يقدمونه، أو مظهر يظهرون به. كما ترى الهندوسية مما ساعد على ذلك تأصل نظام الطبقات الذي رفضته البوذية، واحتواء الهندوسية على تقاليد القوم وعاداتهم مما جرهم إليها يوما بعد يوم. هذا ما آلت إليه حال البوذية في منتصف القرن الثالث قبل الميلاد، ففي داخل الهند كانت البوذية تضعف، وتنكمش، ولم تكن البوذية قد عرفت بعد طريقها خارج الهند، وجاء الملك العظيم أسوكا، والبوذية على وشك أن تنهار، فاعتنقها، وبعث فيها الحياة مرة أخرى، ودفع بها إلى الخارج والمؤرخون يعدونه للبوذية شبيهًا بالقديس بولس القسطنطين الأكبر بالنسبة للمسيحية. فتعالى بنا نقص طرفًا من حديث هذا الملك العظيم أعني عندهم. أسوكا وانتشار البوذية: كان الإسكندر المقدوني قد استولى على السند في زحفه نحو الشرق ولكنه لم يتقدم نحو نهر كينج، ولم يسيطر على باقي الهند؛ لأن المقدونيين رفضوا أن يسيروا معه في هذا العالم المجهول، وألَّفَ المقدونيون مملكةً صغيرة في هذا الركن من الهند في سنة ثلاثمائة وواحد وعشرين قبل الميلاد تمكن الأمير "شاندرا غوبتا" الذي ينحدر لأسرة موريا أن يجمع حوله قبائل عديدة من منطقة التلال، وأن يستولي على المملكة الإغريقية بالإنجاب، ويزيل عن الهند آثار الحكم الإغريقي وجاء ابنه بعده فبسط رقعة مملكته، فلما جاء حفيده أسوكا، وجد نفسه حاكمًا

стр. 208

على الأقاليم الممتدة من أفغانستان إلى مدراس، وصار أسوكا من ستة مائتين وأربع وستين إلى مائتين وسبع وثلاثين قبل الميلاد في مطلع حياته سيرة أبيه وجده في محاولة التوسع عن طريق الحرب، وبينما كان أسوكا في قمة انتصاراته الحربية أحس باشمئزاز من هول الحروب وقسوتها، فتخلى عن الحرب، وكره النصر عن طريقها، وزهدت نفسه فيها تمام، وتبنَّى مذهب البوذية. ثم أعلن أن فتوحه ستكون منذ ذلك الحين في ميادين الدين وروي الأساطير أن هذا التحول كان بسبب ما ناله من حيرة وبسبب تأنيب ضميره لقتله إخوته، وعددهم تسعة وعشرون، أو حرقه زوجاته، وجواريه وكن خمسمائة، ودام حكم أسوكا ثمانية وعشرين عامًا تعتبر أزهى فترة في تاريخ البشرية المضطرب؛ فقد قام في الهند بحركة عظيمة للخير والثراء حفر الآبار وزرع الأشجار، وأسس المستشفيات، والحدائق العامة والبساتين التي تربى فيها الأعشاب الطبية. واهتم بأهالي الهند الأصليين، واتخذ العدة لتعليم النساء، وخصص هبات الخيرية هائلة لهيئات التعليم البوذية، واتجه أسوكا إلى خارج الهند، فأرسل البعوث الدينية إلى كشمير، وسيلان، والإمبراطورية اليونانية، وجبال هيمالايا، وفارس والإسكندرية، وهكذا انتقلت البوذية من مذهب ضمن المذاهب الدينية الهندية إلى دين عالمي، وسرعان ما لبى أهل سيلان دعوة أسوكا، فاعتنقوا الدين الجديد. ولعل مما سبب ذلك ما كان بين حاكمها، وبين أسوكا من روابط الصداقة

стр. 209

ويروى أن أهل الجزيرة أرسلوا بعثة إلى الهند لتعلم البوذية، وأن أسوكا أرسل مع إحدى بعثاته إلى سيلان فسيلة لشجرة المعرفة التي نال بوذا تحت ظلالها المعرفة، والبصيرة، وغرست هذه الفسيلة، ففي سيلان وبمرور الزمن أصبحت دوحة عظيمة، ولا تزال باقية إلى الآن، وهي أقدم شجرة على الأرض، وأقام أسوكا المسلات في عدة أمكنة حيث دون عليها تعاليم البوذية، وأنذر من يميلون للعصيان، ووعد البررة بالهبات والخيرات، وتنازل أسوكا عن ممتلكاته، ولم يستبقِ إلا ثمانية أشياء ضئيلة هي أرضية ثلاثة صفراء، ونطاق يشدها به، وإبرة لترقيع الأرضيات ومجموعة خيوط للترقيع، وموسى لحلق شعره، وغربال لتصفية الماء قبل شربه حتى لا يبلع نفسًا. وندب أسوكا رجالًا يتجولون في البلاد يرغبون الناس في النسك والورع ويعلمونهم مكارم الأخلاق، وحثهم أن يكونوا قدوة للناس ليسهل على الناس الاقتداء بهم فيجارونه في سيرتهم الرشيدة، وصبرهم على الشدائد، وعهد إليهم كذلك النظر في الأعمال الخيرية، وإدارة شئونها ليزيد نفعها، وخولهم بعض السلطة؛ فكان لهم مطلق سراح المسجونين إذا اقتنعوا ببراءتهم. وكانوا يراقبون الناس ليتحققوا أنهم يلتزمون سبل السلام، ويحترمون القانون، ويراعون حق الفقراء والأكابر، ومات أسوكا، وقد انتشرت البوذية في الهند، وفي البلاد المجاورة لها، ولكن البوذية في الهند عادت بعد قليل تصارع الهندوسية، كما فعلت من قبل، ولم تستطع البوذية أن تثبت في هذا الصراع؛ فالهندوسية كانت أثبت، وأكثر صلة باتجاهات السكان وميولهم، فاضمحلت البوذية أمامها، وأخذت تنحدر حتى انحصرت على الهند تقريبا.

стр. 210

أما في البلاد المجاورة فإن البوذية سارت بنجاح، وانسابت في اتجاهات متعددة في شرقي أسيا حتى أصبح أتباعها حوالي خمسمائة مليون نسمة ينتشرون في بورما، وتايلاند، والصين، واليابان، وإندونيسيا، ونيبال والتبت وسيلان. والبوذية القديمة: أي: العميقة الصلة ببوذية بوذا، والتي يتجلى فيها الطابع الأخلاقي والتربوي تسمى المذهب الجنوبي، وهي تنتشر في بورما وتايلاند وسيلان وكتبها المقدسة مكتوبة باللغة البالية وهي لغة هندية قديمة. أما البوذية الجديدة فهي التي اختلطت بالآراء والنظريات الفلسفية وتسمى المذهب الشمالي وتنتشر في الصين، واليابان، والتبت ونيبال وإندونيسيا، وكتبها المقدسة مكتوبة باللغة "السنكسريتية" وأتباعها أكثر من أتباع المذهب الجنوبي، والبوذية في الصين بوجه خاص لها طابع يجعلها بعيدة عن البوذية الحقيقية، فقد سبقها الصينيون بثقافتهم وحياتهم، فجعلوا آلهتها ثلاثة وثلاثين على نحو ما كانوا يعملون قبل البوذية، وأقاموا لها المعابد الجذابة التي تزينها الفنون الجميلة. ومما سبب إقبال الصينيون على البوذية أنها دخلت بلادهم بعد أن أصبح بوذا إلهًا، وأصبح تمثاله وثنًا يُعْبَد، تقدم له القرابين، وتقام له الصلوات، لقد كان لهم مع آلهتهم الأولى مظاهر للتقديس، ليست بعيدة عن هذه المظاهر؛ مما سبب إقبالهم على البوذية، كذلك أنه دين إنقاذ، وطهر يمنح ب"النيرفانا" اللذة، والسعادة في الحياة، وبعد الموت، ويحث على الرحمة ويغري بالخير، ويقضي على الشهوات الظالمة، ويبعد الشرور. مراحل انتشار البوذية: ولنسر خطوة خطوة مع التاريخ نسجل انتشار البوذية الذي سبق أن أشرنا إليه معتمدين على مرجع هام خاص لهذه الدراسة. إن التاريخ الإجمالي للبوذية يقرر أن هذه الديانة واصلت سيرها طوال خمسة وعشرين قرنًا، وفي خلال هذه الفترة الطويلة تطورت البوذية سواء من ناحية العقيدة، أو التطبيق أو الأدب، أو المؤسسات المرتبطة بها كالمعابد والمعاهد، وقد

стр. 211

اقتحمت البوذية حوالي ثلاثين قطرًا في أسيا وكان تأثيرها عظيمًا في آداب هذه الأقطار، وفي اتجاهاتهم الدينية، ومنذ القرن التاسع عشر اتصل الفكر البوذي ببعض دول أوروبا؛ فأصبح للفكر البوذي أثره في الفلسفة الغربية، والأدب الأوروبي، والموسيقى وغيرها من فنون ثقافية ذلك مجمل القول نحو تمدد البوذية، وانتشارها، ولكن إعطاء تفاصيل عن هذا الانتشار يكاد يكون أمرًا متعذرًا لقلة المادة الدقيقة عنها. ومن الممكن على كل حال لو قسمنا عمر البوذية إلى خمس مراحل كل مرحلة خمس قرون لنعطي أبرز التطورات عن البوذية في كل من هذه المراحل شهدت الفترة الأولى من مطلع البوذية حتى القرن الأول الميلادي تحولًا كبيرًا في العقيدة البوذية فيما يتصل ببوذا فقد كان في أول هذه الفترة يعد معلمًا، ورجلًا عظيمًا، ورائدًا عالميًّا، ثم أصبح مع مرور السنين رجلًا مقدسًا فمعبودًا فإلهًا، ولم يكن ذلك التطور الواسع باتفاق الجميع، ولذلك عقدت عدة مؤتمرات للتوفيق؛ ولكنها لم تستطع تقنع الجماهير لترك مكان الإله شاغرًا كما أراده بوذا أن يكون فظل الخلاف قائمًا. وفي خلال هذه الفترة ظهر الإمبراطور أسوكا الذي دفع بالبوذية خارج حدود الهند كما سبق القول، وبدأت البوذية تبني المعابد، وتضع فيها الآلهة، كما بدأت تقيم الجمعيات التي ترعى الحياة الاجتماعية، وتشرف على شئون الدين، وبخاصة في الهند، وسيلان. وفي الفترة الثانية أي: من القرن الأول حتى القرن الخامس الميلادي أخذت البوذية تنتشر تجاه الشرق إلى بنغال تجاه الجنوب الشرقي إلى كمبوديا، وفيتنام، تجاه الشمال الغربي إلى كشمير. في القرن الثالث اتخذت طريقها تجاه الشرق إلى الصين

стр. 212

أواسط أسيا، وكان دخولها إلى الصين بطريق البحر أيضًا، ومن الصين اتجهت إلى الشمال الشرقي ودخلت كوريا، وكان لنشاط الحجاج الصينيين الذين زاروا الهند وسيلان وجاوا بين سنة ثلاثمائة وتسع وتسعين، وسنة أربعمائة وأربعة عشر ميلادية أثر كبير في نشر البوذية في هذه البقعة. كانت البوذية في هذه البقاع تتعاون تعاونًا كاملًا مع النظام الملكي الذي كان مسيطرا خلال هذه القرون على هذه الأقطار، وبواسطة الارتباط بين الدين والسياسة انتشرت البوذية، وكثر تابعوها، وشهدت هذه المدة تقدما واضحا في الثقافة البوذية التي أخذت تقيم المعاهد، وتنشر تراثها على أتباعها. وفي المدة التالية أي: من القرن السادس إلى العاشر الميلادي استمرت البوذية في التقدم، والانتشار، وبخاصة من كوريا والصين إلى اليابان، ومن الهند إلى نيبال، ثم إلى التبت، وزادت مواكب الحجاج في هذه الفترة، وكثر نشاطهم، وتنقلهم إلى البلاد التي دخلتها البوذية. يلاحظ في هذه الفترة أن الارتباط بين القصور الملكية الحاكمة وبين البوذية لم يكن دائمًا وطيدًا، وكان انتشار البوذية، أو تقلصها يتوقف على قوة الارتباط وضعفه، وتعد هذه الفترة من أزهى فترات البوذية من الناحية الثقافية، فقد اتضح تأثير البوذية على الآداب، والفنون في جميع البلدان التي دخلتها. وفي المدة التالية أي من القرن الحادي عشر إلى الخامس عشر ضعفت البوذية واختفى كثير من آثارها؛ وذلك لعودة النشاط الهندوسي في الهند ولظهر والإسلام في الهند وفي سواها من الأقطار التي كانت تتربع فيهلا البوذية، ولكن البوذية اتجهت بنشاطها في هذه الفترة فارة من الإسلام تجاه لاوس، ومنغوليا، وسيام، وبورما، وكان النشاط الثقافي البوذي عظيم الأثر خلال هذه الفترة في بورما، وكمبوديا، وسيلان، واليابان.

стр. 213

أما الفترة الأخيرة: أي: من القرن السادس عشر إلى القرن العشرين فتعتبر فترة دقيقة في تاريخ البوذية؛ إذ وقفت البوذية وجهًا لوجه أمام تحدي الفكر الغربي الذي حملة الاستعمار إلى تلك البقاع، فقد أدخل الاستعمار الغربي إلى هذه البلاد اتجاهاته الفكرية، وإصلاحاته التربوية وفلسفاته في مختلف الشئون، لم تجد البوذية بُدًّا من أن تتعاون طوائفها المختلفة لتقف في وجه هذا الزحف الفكري، وهكذا التقت الفرق البوذية أو قربت بعضها من بعض لتقوى على النضال في معركتها مع المسيحية الغربية، والفلسفات الأوروبية. وقد تبنت البوذية كثيرًا من الاتجاهات الغربية، كما تشربت المسيحية بعض الأفكار البوذية، وتبدلت المطبوعات بين المشرفين على هاتين الفلسفتين، وتطور التعليم في المعابد، فاقترب من كليات الغرب والجامعات، وتم التعاون في الخدمات الاجتماعية بين البوذيين والغربيين وفي نهاية هذه الفترة اصطدمت البوذية بالشيوعية، وأصبح الحكم في كثير من الأقطار التي تنتشر بها البوذية في أيدي حكومات شيوعية، ولم يتضح بعد مصير البوذية في ظل الظروف الجديدة. وأخيرًا الكتب المقدسة لدى البوذية: يجدر بنا عند الكلام عن الكتب البوذية المقدسة أن نقرر أن البوذيين لا يدعون أنها منزلة، وإنما ينسبونها إلى بوذا، وهي عندهم بمثابة كتب الحديث عند المسلمين، وقد حفظ أتباع بوذا عنه أحاديثه وخطبه، وأمثاله ولكن بعد وفاة بوذا ظهر الخلاف بين أتباعه، كما ظهر الاختلاق لبعض أحاديث، ونسبتها إليه، فعقد أتباعه مجلسًا كبيرًا في "رجا جرها" سنة أربعمائة وثلاث وثمانين قبل الميلاد؛ ليزيلوا أسباب الخلاف وليقربوا، أي: ليوحدوا الأتباع عن طريق تحديد ما قاله بوذا وأتباعه.

стр. 214

ولما احتشد القوم سألوا "كاسي أبا" أعلم مريدي بوذا أن يقرأ عليه آراء المبارك عما وراء الطبيعة فقرأها عليهم، فتلقوها، ورووها عنه، وسألوا "أوبالي"، وكان من أسن المريدين الأحياء أن يتلوا عليهم شريعة النظام فقرأها عليهم فتلقوها عنه، ثم سألوا "أنندا" أحب المريدين عند بوذا أن يلقي عليهم ما سمعه من بوذا من حكايات، وأمثال، ومواعظ؛ ففعل وتلقوها وروها عنه. وظلت هذه الروايات محفوظة في الصدور يتلقاها جيل عن جيل حتى عهد الملك أسوكا مائتين اثنين وأربعين قبل الميلاد وفي ذلك الحين كان قد ظهر فيها شيء من التحريف والاختلاق في الرواية فخاف الزعماء الشيوخ على ضياع هذا التراث فاجتمعوا، واستقر رأيهم على كتابة هذه المجموعات الثلاث فكتبوها، ويظهر أنهم وضعوا كل مجموعة في سلة خاصة ليعلقوها بعيدًا عن الضرر، ومبالغة في تخليصها؛ ولذلك سميت هذه المجموعات بالسلال الثلاث، أو "البتيكات"، وتحوي السلة الأولى العقائد؛ لذلك سميت سلة العقائد، وتحوي السلة الثانية الشريعة؛ ولذلك سميت سلة الشريعة، وتحوي السلة الثالثة الحكايات؛ ولذلك سميت سلة الحكايات. وهذه السلال الثلاث يقال لها: القانون البالي، وهي تشمل البوذية القديمة بدون تحريف أو بتحريف قليل، وهي لهذا أهم الكتب المقدسة للبوذية، وسميت هذه الروايات القانون البالي نسبة إلى اللغة البالية التي دونت بها هذه الروايات، هذا والله أعلم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 215

الدرس: ١٠ الديانة البوذية (٤) .
следующие страницы →