Полный текст (451 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
اقتحمت البوذية حوالي ثلاثين قطرًا في أسيا وكان تأثيرها عظيمًا في آداب هذه الأقطار، وفي اتجاهاتهم الدينية، ومنذ القرن التاسع عشر اتصل الفكر البوذي ببعض دول أوروبا؛ فأصبح للفكر البوذي أثره في الفلسفة الغربية، والأدب الأوروبي، والموسيقى وغيرها من فنون ثقافية ذلك مجمل القول نحو تمدد البوذية، وانتشارها، ولكن إعطاء تفاصيل عن هذا الانتشار يكاد يكون أمرًا متعذرًا لقلة المادة الدقيقة عنها.
ومن الممكن على كل حال لو قسمنا عمر البوذية إلى خمس مراحل كل مرحلة خمس قرون لنعطي أبرز التطورات عن البوذية في كل من هذه المراحل شهدت الفترة الأولى من مطلع البوذية حتى القرن الأول الميلادي تحولًا كبيرًا في العقيدة البوذية فيما يتصل ببوذا فقد كان في أول هذه الفترة يعد معلمًا، ورجلًا عظيمًا، ورائدًا عالميًّا، ثم أصبح مع مرور السنين رجلًا مقدسًا فمعبودًا فإلهًا، ولم يكن ذلك التطور الواسع باتفاق الجميع، ولذلك عقدت عدة مؤتمرات للتوفيق؛ ولكنها لم تستطع تقنع الجماهير لترك مكان الإله شاغرًا كما أراده بوذا أن يكون فظل الخلاف قائمًا.
وفي خلال هذه الفترة ظهر الإمبراطور أسوكا الذي دفع بالبوذية خارج حدود الهند كما سبق القول، وبدأت البوذية تبني المعابد، وتضع فيها الآلهة، كما بدأت تقيم الجمعيات التي ترعى الحياة الاجتماعية، وتشرف على شئون الدين، وبخاصة في الهند، وسيلان.
وفي الفترة الثانية أي: من القرن الأول حتى القرن الخامس الميلادي أخذت البوذية تنتشر تجاه الشرق إلى بنغال تجاه الجنوب الشرقي إلى كمبوديا، وفيتنام، تجاه الشمال الغربي إلى كشمير. في القرن الثالث اتخذت طريقها تجاه الشرق إلى الصين
стр. 212
أواسط أسيا، وكان دخولها إلى الصين بطريق البحر أيضًا، ومن الصين اتجهت إلى الشمال الشرقي ودخلت كوريا، وكان لنشاط الحجاج الصينيين الذين زاروا الهند وسيلان وجاوا بين سنة ثلاثمائة وتسع وتسعين، وسنة أربعمائة وأربعة عشر ميلادية أثر كبير في نشر البوذية في هذه البقعة.
كانت البوذية في هذه البقاع تتعاون تعاونًا كاملًا مع النظام الملكي الذي كان مسيطرا خلال هذه القرون على هذه الأقطار، وبواسطة الارتباط بين الدين والسياسة انتشرت البوذية، وكثر تابعوها، وشهدت هذه المدة تقدما واضحا في الثقافة البوذية التي أخذت تقيم المعاهد، وتنشر تراثها على أتباعها.
وفي المدة التالية أي: من القرن السادس إلى العاشر الميلادي استمرت البوذية في التقدم، والانتشار، وبخاصة من كوريا والصين إلى اليابان، ومن الهند إلى نيبال، ثم إلى التبت، وزادت مواكب الحجاج في هذه الفترة، وكثر نشاطهم، وتنقلهم إلى البلاد التي دخلتها البوذية.
يلاحظ في هذه الفترة أن الارتباط بين القصور الملكية الحاكمة وبين البوذية لم يكن دائمًا وطيدًا، وكان انتشار البوذية، أو تقلصها يتوقف على قوة الارتباط وضعفه، وتعد هذه الفترة من أزهى فترات البوذية من الناحية الثقافية، فقد اتضح تأثير البوذية على الآداب، والفنون في جميع البلدان التي دخلتها.
وفي المدة التالية أي من القرن الحادي عشر إلى الخامس عشر ضعفت البوذية واختفى كثير من آثارها؛ وذلك لعودة النشاط الهندوسي في الهند ولظهر والإسلام في الهند وفي سواها من الأقطار التي كانت تتربع فيهلا البوذية، ولكن البوذية اتجهت بنشاطها في هذه الفترة فارة من الإسلام تجاه لاوس، ومنغوليا، وسيام، وبورما، وكان النشاط الثقافي البوذي عظيم الأثر خلال هذه الفترة في بورما، وكمبوديا، وسيلان، واليابان.
стр. 213
أما الفترة الأخيرة: أي: من القرن السادس عشر إلى القرن العشرين فتعتبر فترة دقيقة في تاريخ البوذية؛ إذ وقفت البوذية وجهًا لوجه أمام تحدي الفكر الغربي الذي حملة الاستعمار إلى تلك البقاع، فقد أدخل الاستعمار الغربي إلى هذه البلاد اتجاهاته الفكرية، وإصلاحاته التربوية وفلسفاته في مختلف الشئون، لم تجد البوذية بُدًّا من أن تتعاون طوائفها المختلفة لتقف في وجه هذا الزحف الفكري، وهكذا التقت الفرق البوذية أو قربت بعضها من بعض لتقوى على النضال في معركتها مع المسيحية الغربية، والفلسفات الأوروبية.
وقد تبنت البوذية كثيرًا من الاتجاهات الغربية، كما تشربت المسيحية بعض الأفكار البوذية، وتبدلت المطبوعات بين المشرفين على هاتين الفلسفتين، وتطور التعليم في المعابد، فاقترب من كليات الغرب والجامعات، وتم التعاون في الخدمات الاجتماعية بين البوذيين والغربيين وفي نهاية هذه الفترة اصطدمت البوذية بالشيوعية، وأصبح الحكم في كثير من الأقطار التي تنتشر بها البوذية في أيدي حكومات شيوعية، ولم يتضح بعد مصير البوذية في ظل الظروف الجديدة.
وأخيرًا الكتب المقدسة لدى البوذية:
يجدر بنا عند الكلام عن الكتب البوذية المقدسة أن نقرر أن البوذيين لا يدعون أنها منزلة، وإنما ينسبونها إلى بوذا، وهي عندهم بمثابة كتب الحديث عند المسلمين، وقد حفظ أتباع بوذا عنه أحاديثه وخطبه، وأمثاله ولكن بعد وفاة بوذا ظهر الخلاف بين أتباعه، كما ظهر الاختلاق لبعض أحاديث، ونسبتها إليه، فعقد أتباعه مجلسًا كبيرًا في "رجا جرها" سنة أربعمائة وثلاث وثمانين قبل الميلاد؛ ليزيلوا أسباب الخلاف وليقربوا، أي: ليوحدوا الأتباع عن طريق تحديد ما قاله بوذا وأتباعه.
стр. 214
ولما احتشد القوم سألوا "كاسي أبا" أعلم مريدي بوذا أن يقرأ عليه آراء المبارك عما وراء الطبيعة فقرأها عليهم، فتلقوها، ورووها عنه، وسألوا "أوبالي"، وكان من أسن المريدين الأحياء أن يتلوا عليهم شريعة النظام فقرأها عليهم فتلقوها عنه، ثم سألوا "أنندا" أحب المريدين عند بوذا أن يلقي عليهم ما سمعه من بوذا من حكايات، وأمثال، ومواعظ؛ ففعل وتلقوها وروها عنه.
وظلت هذه الروايات محفوظة في الصدور يتلقاها جيل عن جيل حتى عهد الملك أسوكا مائتين اثنين وأربعين قبل الميلاد وفي ذلك الحين كان قد ظهر فيها شيء من التحريف والاختلاق في الرواية فخاف الزعماء الشيوخ على ضياع هذا التراث فاجتمعوا، واستقر رأيهم على كتابة هذه المجموعات الثلاث فكتبوها، ويظهر أنهم وضعوا كل مجموعة في سلة خاصة ليعلقوها بعيدًا عن الضرر، ومبالغة في تخليصها؛ ولذلك سميت هذه المجموعات بالسلال الثلاث، أو "البتيكات"، وتحوي السلة الأولى العقائد؛ لذلك سميت سلة العقائد، وتحوي السلة الثانية الشريعة؛ ولذلك سميت سلة الشريعة، وتحوي السلة الثالثة الحكايات؛ ولذلك سميت سلة الحكايات.
وهذه السلال الثلاث يقال لها: القانون البالي، وهي تشمل البوذية القديمة بدون تحريف أو بتحريف قليل، وهي لهذا أهم الكتب المقدسة للبوذية، وسميت هذه الروايات القانون البالي نسبة إلى اللغة البالية التي دونت بها هذه الروايات، هذا والله أعلم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 215
الدرس: ١٠ الديانة البوذية (٤) .
стр. 216
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس العاشر
(الديانة البوذية (٤))
نشأة الرهبنة في البوذية، ووصولها وانتقالها إلى المسيحية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:
فلنتحدث عن نشأة الرهبنة في البوذية، ووصولها وانتقالها إلى المسيحية:
إن المتتبع لتاريخ بوذا والبوذية يلاحظ أن بوذا نادى بتعاليم أخلاقية من أجل نشر دعوته، تتمثل في الدعوة إلى المحبة، والتسامح، والتعامل بالحسنى، والتصدق على الفقراء، وترك الغِنَى، والترف، وحمل النفس على التقشف والخشونة، وفيها تحذير من النساء والمال، وفيها ترغيب في البعد عن الزواج، وقال بوذا: من أجل أن ينتصر الإنسان علة نفسه، وعلى شهواته؛ فلا بد، وأن يتقيد بالأمور الآتية:
الاتجاه الصحيح المستقيم الخالي من سلطان الشهوة واللذة، وذلك عند الإقدام على أيِّ عملٍ، وألا يتأثر التفكير الصحيح بالأهواء لابد من الاعتقاد المستقيم الذي يصحبه ارتياح، واطمئنان إلى ما يقوم به، ولابد أيضًا من مطابقة اللسان لما في القلب ومطابقة السلوك للقلب واللسان وأن الحياة الصحيحة هي التي يكون قوامها هجر اللذات، والرجائل عنده في الأصل ترجع إلى الاستسلام للملاذ، والشهوات، وسوء النية في طلب الأشياء، والغباء، وعدم إدراك الأمور على وجْهِهَا الصحيح.
ومن وصاياه: لا تقضي على حياة حي، ولا تسرق، ولا تغضب، ولا تكذب، ولا تتناول مسكرًا، ولا تزني، ولا تأكل طعامًا نضج في غير أوانِهِ، ولا ترقص، ولا تحضر مرقصًا، ولا حفل غناء، ولا تتخذ طيبًا، ولا تقتني شرابًا وفيرًا، ولا تأخذ ذهبًا ولا فضة.
стр. 217
وقد عبر البوذيون عن بلوغ النفس الكمال الأسمى، ودرجة السعادة عندما تتلخص من التناسخ بـ"النيرفانا" عندما تتخلص من التناسخ بـ"النيرفانا" وهي تعني الخلاص من أسر المعاناة، والرغبة، واكتساب صفاء الدين، والروح تحرر من أسر العبودية، واللذة، وانبثاق نور المعرفة عن طريق تعذيب النفس ومقاومة النزعات مع بذلِ الجهد، والتأمل، والتركيز الفكري والروحي، وهو هدف البوذية الأسمى من خلال هذه الأخلاق التي أرستها البوذية نجد صلةً واضحةً بينها، وبين الرهبنةِ، فلتكُنْ هذه الإطلالة السريعة بعد ذلك -إن شاء الله تعالى- حول الرهبنة البوذية، ونشأتها، وتأثر النصرانية بها.
التعريف بالرهبنة البوذية وبيانها والغرض منها:
الرهبنة في اللغة العربية، تعني: طريقة الرهبان في الزهد، والعزلة، والرهبانية منسوبة إلى الرهبنة بزيادة الألف، وهي من رهبنة النصارى، وأصلها من الرهبة الخوف كانوا يترهبون بالتخلي من أشغال الدنيا، وترك ملاذها، والزهد فيها، والعزلة عن أهلها، وتعمد مشاقها حتى غن منهم من كان يخفي نفسه، ويضع سلسلة في عنقه، وغير ذلك من أنواع التعذيب، فنفاها النبي ﷺ ونهى المسلمين عنها والرهبانية مصدر الراهب والرهبنة فعلنه أو فعلل على تقدير أصلية النون وزيادتها.
والرهبنة في قاموس المصطلحات البوذية هي البار باشا وهي أيضًا من كلمتين بار، أي: الزهد والاعتزال وباشا، أي: المطلق، أو التام فيكون المعنى الزهد المطلق، أو الاعتزال التام، والمراد به هو الاعتزال عن البيوت والمساكن، والاعتزال عن أسلوب حياة أهلها إلى أسلوب الرهباني هو التنسك، والتبتل.
стр. 218
وقد عرفها بعض علماء البوذية بأنها هي الامتناع عن جميع الرذائل والانعزال التام عن الحياة المدنية، أو بتعبير آخر هي الاعتزال عن العالم كله، ويعنى بذلك: الاعتزال عن النهج الذي يعيش فيه أهل العالم، وهذا هو المعنى المنصوص عليه في كتاب: "تريبيتاكا" في جميع استعمالاته لهذه الكلمة، وحيث يتضمن كل ما يتعلق بالرهبنة من نظامها، وأدبها وطقوسها، وما أشبه ذلك.
فالرهبنة البوذية: هي الاعتزال الكلي عن جميع شئون الحياة المدنية، أي: شئون البوذيين المدنيين الساكني البيوت؛ لأن البوذية تقسم أهلها إلى طائفتين المدنيين، وهو ساكنو المنازل، والبيوت، والرهبان، وهم المتنازلون عن البيوت، والأموال، والشهوات، واللذات لممارسة حياة الرهبانية.
ومن هنا يتضح لنا: أن الغرض الحقيقي من الرهبنة البوذية هو إعدام الألم والتسامي بالروح، أو الوصول إلى "النيرفانا" أي: السعادة في هذه الحياة فقد اعتقد البوذيون فيما زعموا: أن الوصول إلى السعادة لا يتم إلا بانخراطهم في سلك الرهبنة؛ وذلك لأن الحياة المدنية، أو المنزلية على حد تعبيرهم لها عقبات، ولها موانع كثيرة قد تحول دون الوصول إلى السعادة في هذه الحياة.
أما الرهبانية: فتتيح لهم فرصة أكبر للوصول إلى السعادة؛ لأنها تحررت عن جميع القيود، والعقبات، وتحررت عن الشهوات واللذات، وعن نعيم الدنيا وزخارفها، وقد ذهب بوذا إلى أن الرهبانية أسلوبٌ جليلٌ من أساليب الحياة لما فيها من تضحية شاقة لا يصلح لها كل إنسان، ولا يقدر عليها كل إنسان، ولا يصل إلى غايتها كل من سلك سبيلها، كما زعم أنها أسمى وظيفة للبشر، وأن أصحابها هم في أَسْمَى مَرَاتِبِ الناس.
стр. 219
فقد أكد بوذا في كثير من كلامه خطورة الحياة المدنية، فمثلها مرة بالبحر الواسع المخيف، ومرة أخرى بالغابة المليئة بالحيوانات المفترسة والمدقق في كلام بوذا السابق؛ يلاحظ: أنه يقصد تخويف أتباعه من الحياة المدنية؛ ليلتحقوا معه بالرهبانية، وليبلغوا الهدف المزعوم بـ"النيرفانا" أي: السعادة في حياتهم الراهنة من أجل هذا تنادي البوذية بنظام الرهبنة، وتفرض على الرجال البوذيين أن يدخلوا فيها مرة في حياتهم. أما نساؤهم فرهبانيتهن على سبيل الاختيار لا على سبيل الإلزام.
ثانيا: تاريخ نشأة الرهبنة في البوذية:
يرجع تاريخ نشأة الرهبنة في البوذية إلى العصر البوذي الأول، أي: في النصف الأول من القرن السادس قبل الميلاد، وذلك عندما انتشرت في ذلك العصر مظاهر الرهبانية، وذلك بظهور عدد من النساك، والرهبان من البراهمة، والجينيين، واليوجيين وغيرهم، وكان هؤلاء ينقطعون إلى الغابات والكهوف متنسكين، ومبتعدين عن العالم؛ فبعضهم يستغرق في التأمل والتفكير في أسرار الحياة، وفك غوامضها، وبعضهم يتدرب على جميع أنواع التعب والمشقة؛ زاعمين أن ذلك تنقية للروح، وتحريرًا لها من القيود الجسمانية ومعوقاتها.
وكان كثير منهم ينتقلون من قريةٍ إلى قرية؛ لاستجداء الطعام يتجولون في القرى، والأرياف لنشر مبادئهم، وأفكارهم، وكانت الطبيعة والأجواء قد أملت عليهم ظاهرة التحمل، والصبر على المتاعب والمشاق، وكان من بين هؤلاء النساك الأمير "سيدهارتا" مؤسس البوذية.
فقد اتخذ الرهبانية شريعة له في الحياة منذ خروجه من القصر حتى آخر حياته، وتروي القصة البوذية: أن بوذا قد اتخذ حياة الزهد التقشف والنسك منذ
стр. 220
مغادرته القصر، ولم يخرج منها حتى نالته الوفاة، وقد طبق تلاميذه وأتباعه هذا النظام تمام بتمام حتى انتهى الأمر بإنشاء المعابد، والأديرة الفاخرة للرهبان، وانتشرت هنا وهناك في ربوع الهند وغيرها.
ومن هنا يمكن القول: بأن الزهد والعزلة هما من الدعائم الأولى للحياة الديرية في البوذية؛ لأنهما مهدَا في أول الأمر لنوع من حياة الرهبانية الانفرادية، ويتمثل ذلك في رهبانية بوذا وحوارييه، ثم تحولت بعد ذلك إلى حياة ديرية اجتماعية بعد انتشار المعابد والأديرة، ولما كثرت أتباع البوذية في الهند، وغيرها وضعت لهم القوانين، والنظم والتقاليد في الرهبنة تدريجا على أيدي الرهبان البوذيين أنفسهم.
ولم يضع بوذا في حياته صورة، أو شكلًا معينًا للبوذية، كما هو معروف الآن بل تم ذلك بعد وفاته على أيدي الرهبان الأوائل، ثم الذين بعدهم، وهلم جرا، حيث أدخلوا عليها تعديلات، وإضافات كثيرة حسب أهوائهم ومصالحهم، كما هو شأن سائر القوانين، والنظم الوضعية، وعبر مرور الزمن، وكثرت التعديلات، ودونت النظم الرهبانية في البوذية، وأصبح قانون الرهبانية يحكم به الرهبان البوذيون فيما بينهم.
ثالثًا: هل هناك صلة بين النصرانية والبوذية في النظام الرهباني؟
وللإجابة عن هذا التساؤل نقول: لم تكن الرهبنة أصلًا من الأصول التي جاء بها المسيح عيسى ﵇ إنما هي بدعة استحدثها النصارى متأثرين بنزعات فلسفية، ومذاهب أخلاقية المنادية بالنسك والعابدة، والتي ظهرت قبل المسيحية، ومنه البوذية، ولا يخفى علة كل باحث في الأديان أن هناك صلة وثيقة بين البوذية، والنصرانية في النظام الرهباني؛ وذلك لوجود ملامح متشابهة بين الرهبانيتين؛ مما يؤكد أن النصرانية قد اقتبست
стр. 221
رهبانيتها من البوذية التي سبقتها بما يقرب من خمسة قرون. ومن الأدلة على ذلك:
أ- أن الرهبة النصرانية نشأت أول ما نشأت في مصر في خلال القرن الثالث الميلادي، ثم نقلها الرهبان الأقباط إلى فرنسا وإيطاليا، وغيرها من الدول، كما أن أولى الأديرة التي عرفتها المسيحية، كانت في مصر وخاصة في الإسكندرية التي كانت تمثل المركز الحضاري والتجاري للرومان آنذاك؛ ونظرًا لتبادل المصالح التجارية كثر توافد تجار لهند وسفرائها على على الإسكندرية، وتردد عليها كثير من البوذيين والجينيين، وهم في طريقهم إلى الروم.
وبتعبير آخر أن الإسكندرية كانت علة علم تام ومعرفة كاملة بأديان الهند وفرقها ونحلها وإن النصارى في الإسكندرية قد اتخذوا معظم خصائصها وملامحها البارزة واتخذوها رمزًا للتقدس والمهابة، وبالغوا في الرياضات البدنية والرهبانية والعزلة؛ فالنصرانية في الإمبراطورية الرومانية قد تأثرت وحدانيتها إلى حَدٍّ بعيدٍ بالديانة البوذية التي خرجت من موطنها الأصلي الهند في ذلك الوقت، وانتشر معتنقوها في العالم الروماني عن طريق القوافل التجارية وغيرها.
ب- إن الدارس لهذا النظام يلاحظ أن النصرانية اتفقت مع البوذية في كثير من المبادئ والتعاليم والرهبانية لأن ظهور الكنائس النصرانية، وسلطانها ونظامها في البداية شبيهة بالبوذية إلى حدٍّ كبيرٍ؛ ولعل انتشارَ الأديرة البوذية في أنحاء العالم بعد بوذا بقرون، وفي الشرق الأوسط بالذات أيام الإغريق قد أعطى المسيحية فكرة إنشاء الكنائس على منوالها.
ج- ومن الأوجه المتشابهة أيضًا بين الديانتين في الرهبنة وجود المفاسد والانحرافات في كل من الأديرة البوذية والنصرانية وهو أمر معروف لدى الباحثين
стр. 222
في تاريخ الأديان؛ لأن الكبت العنيف الذي تفرضه الرهبانية لا يمكن تنفيذه، ويؤدي في النهاية إلى نتيجة عكسية وانحرافات ومفاسد.
د- ومن الأوجه المشابهة أيضًا عبادة الرهبان، والقديسين، فالبوذيون يعبدون بوذا، ويعبدون جميع الرهبان القديسين، ويعتبرونهم واحدًا من الثالوث المقدس كذلك النصارى، فقد غلو في نبيهم عيسى ﵇ فجعلوه شريك الله وجزءً منه وإلها آخر معه غلو في قديسيهم، وصالحيهم فعبدوهم من دون الله، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَم﴾ (التوبة:٣١).
وبالموازنة بين الأقوال المنسوبة إلى بوذا والأقوال المنسوبة إلى المسيح في الإنجيل أو الأناجيل المحرفة نجد بينهما تشابها كبيرًا، وهذه بعض النصوص من الكتاب البوذي تري "بيتاكا" وبعض الأناجيل المسيحية.
أ- في تري "بيتاكا" أوصى بوذا أتباعه بأن يطرحوا الدنيا جانبًا، ويتنازلوا عن بيوتهم، وأموالهم، وأهاليهم، ويؤثروا الفقر، والعيش على التسول، وفي الإنجيل ماتا الإصحاح التاسع الفقرة السادسة إلى الثانية والعشرين اشترط المسيح على من يريد دخول الدعوة أن يتنازل عن أملاكه، ويؤثر الفقر ليدخل في ملكوت الله، وقال للشاب الغني لما سأله عن العمل الصالح الذي به الحياة الأبدية: إن أردت أن تكون كاملًا؛ فاذهب، وبِعْ أملاكك، وأعطي الفقراء؛ فيكون لك كنز في السماء، وتعالى اتبعني.
ب- وفي إنجيل مرقص الإصحاح العاشر الفقرة الثامنة والعشرون إلى الثلاثين قول بطرس أحد حوارييه: "ها نحن قد تركنا كل شيء، واتبعناك قال يسوع: "الحق أقول لكم ما من أحد ترك لأجلي، ولأجل الإنجيل بيتًا، أو إخوة، أو
стр. 223
أخوات، أو أمًّا أو أبًا، أو أولادًا أو حقولًا، إلا وينال مائة، وضعف الآن في هذا الزمان، وفي الزمان الآتي الحياة الأبدية قس على هذا الكثير والكثير من أوجه التشابه بين نصوص الكتاب البوذي المسمى تري "بيتاكا" والأناجيل المسيحية.
ج- يقول صاحب كتاب معالم تاريخ الإنسانية كانت الأديرة موجودة في العالم قبل ظهور المسيحية؛ حيث أنشأت البوذية لنفسها مجتمعات ورجال اعتزلوا الجهود العامة والتجارة في العالم؛ ليعيشوا عيشةَ التقشُّفِ والتأمل، وهكذا قامت عملية التأثير، والتأثر بين السابق واللاحق.
أ- خصائص الرهبان في البوذية: للرهبان البوذيين خصائص كثيرة يختصون بها دون غيرهم من المدنيين، وتعتبر هذه الخصائص من أهم الشروط في الرهبانية، وفيما يلي بيان لأهم هذه الخصائص:
١ - لبس أو ارتداء الزي الأصفر، وهو عبارة عن قطعتين من القماش المصبوغ باللون الأصفر يتخذون أحداهما إزارًا، والأخرى رداءً على شكل لباس الإحرام، ويضعون فوقها بعض الرقع دلالة على الزهد، والفقر والمهانة، ولا يلبسون غير هذا اللباس طوال مدة رهبانيتهم، والبوذيون يقدسون هذا اللباس إلى حدٍّ بعيد، ويعتبرونه شعارًا مقدسًا في ديانتهم وفي القديم كان هذا اللباس عبارة عن الخرق الملتقطة من المزابل، أو أكفان الموتى.
٢ - حلق الرأس والحفاء بمعنى أنهم يحلقون كل شعورهم في الرأس والوجه، وأنهم لا يمشون منتعلين، بل يمشون حفاة ابتداء ببوذا الذي كان يتجول في المدن والقرى بدون نعل إلا أن بوذا أجازه فيما بعد للمرضى فقط.
стр. 224
٣ - التسول وترك العمل: وهو أيضًا من ضمن الخصائص التي يمتاز بها الرهبان في البوذية عن غيرهم، ويعتبرونه الطريق الوحيد في حصولهم على الطعام اليومي، والتسول عادة قديمة للرهبان في الهند قد اتخذه بوذا طريقًا لمعيشته طيلة حياتِهِ الرهبانية، وحتى في زيارتِهِ لوالدِهِ، فقد تسول، وجمع طعامه اليومي استجداء من الناس، وهذه العادة عادة فاسدة تشجع الناس على الكسل، والبطالة، وترك العمل، والتمسك بالفقر.
٤ - الصوم الدائم: ومعناه الاقتصار في اليوم والليلة على أكلةٍ واحدةٍ في وقت الضحى، وهذا نظام عام لجميع الرهبان في المعابد، والأديرة سواء كانوا من الشيوخ، أو المبتدئين، وللرهبان السائحين في الغابات، والأرياف أسلوب مناسب لهم، وهو الجوع والامتناع عن الطعام حتى إذا ما شعر احدهم بمفارقة الحياة أكل ورق الشجر، وهذا مخالف لتناول الطيبات من الرزق، والتي أحلها الله لكل إنسان.
٥ - الصمت الدائم وهو عدم الكلام إلا عند الضرورة وهو من صفات المدح عندهم ووسيلة لجلب العطايا والمال والمنصب والجاه والثناء انه رمز للسكينة ونور من أنوار "النيرفانا" أي: السعادة.
٦ - التبتل: وهو من خصائص الرهبان البوذيين، ومعناه: الانقطاع عن الزواج وهو من أهم شروط الرهبنة بعد شروط التجرد الكامل عن الدنيا، وشرط المجاهدة المتواصلة، وشرط الرياضة للنفس، والبدن؛ وذلك لأن الزواج في زعمهم ملذة من ملذات الدنيا الدنيئة التي يجب عليهم الابتعاد عنها.
٧ - السكن في الأديرة والخضوع للشيخ، أو الراهب الكبير، فعلى كل راهب ألا يسكن المنازل، ولا يبيت فيها، ولكن يجب عليه أن يلازم السكنى في الأديرة.
стр. 225
الآداب والنظم التي يجب أن يلتزم بها الرهبان في الديانة البوذية
وأنتقل إلى الكلام عن الآداب والنظم التي يجب أن يلتزم بها الرهبان في الديانة البوذية:
للرهبنة البوذية آداب ونظم يلتزم بها الرهبان في حياتهم ويعرف مدى زهدهم وتنسكهم بقدر ما يحافظون عليها ويتبعونها وقد نسب بعضها إلى بوذا نفسه وبعضها إلى أتباعه من بعده الذين أدخلوا عليه إضافات وتعديلات كثيرة حتى بلغت مجموعة هذه الآداب، والنظم مائتين وسبع وعشرين فقرة، وفيما يلي عرض لأهم النظم، والآداب في الرهبنة وفقًا لما ورد في كتابهم "تريبيتاكا".
١ - المحافظة بدقة على الوصايا البوذية العشر، وخلاصتها الكف عن القتل والكف عن الزنا، والكف عن السرقة، والكف عن الكذب، والكف عن شرب الخمر، والكف عن الطعام في الليل، والكف عن الغناء والرقص، والكف عن الزينة بجميع أنواعها، والكف عن اتخاذ الفراش، والمقعد المرتفعين والمحشوين بالقطن، أو نحوه، والكف عن قبول الهدايا من الذهب والفضة.
٢ - على الرهبان أن يلتزموا بالنظام والآداب الأخرى للرهبنة، وأهمها عدم الزواج، والابتعاد عن الخلوة بالراهبات، وكذلك الابتعاد عن التوسط بين الرجال والنساء وبين الزوج والزوجة، ومن آداب الرهبان المبتدئين:
أ- ألا يخطر ببالهم خواطر النساء والشهوة، وإذا توالت عليهم هذه الخواطر فعليهم اللجوء إلى إكثار الخلوة، وعدم مخالطة الناس مع دوام المراقبة.
стр. 226
ب- التجرد التام عن الملكية، أو عن تخزين الأشياء، والتجرد عن الاحتراف بأي حرفة كانت.
ج- الانفراد والعزلة والسكون والصمت وعفة اللسان وعدم المزاح والهزل او ما شابه ذلك من أمور أخرى.
د- إظهار الفقر والتواضع، وعدم الافتخار والتكبر، والابتعاد عن المنصب والجاه والثناء، وعن حب الرئاسة، أو حب الظهور.
هـ- إظهار التسامح، ومسالمة الجميع، ومحبة الغرباء، والكف عن القذف والنميمة، وعن السعي في سبيل التفرقة بين الرهبان.
وتعليم الناس السلام والمحبة وإنشاء المشافي، والملاجئ للفقراء والمساكين، والجد في منع الحروب، والتسامح تجاه جميع الأديان في العالم باعتبارها أوجه ناقصة لحقيقة واحدة متمثلًا قول بوذا لتلاميذه الرهبان: نَزِّهُوا قلوبكم من كل خصام في الأديان والمذاهب، ولا تتركوا المحبة، بل أحبوا الخلق كلهم، وليكن قصدكم الوحيد هو دعوة الناس إلى النيرفانا أي السعادة.
ذ- الابتعاد عن الأماكن التي فيها مظنة لتهمة الناس، وهذه الأماكن هي بيت البغايا، وبيت الأرامل والثيبات، ودير الراهبات، ومحلات الخمر، وأماكن القمار، وأماكن الرقص، والغناء.
ح- السياحة مرة على الأقل خلال فترة الترهب، وهي عبارة عن الخروج إلى البراري، أو الأرياف، أو الغابات البعيدة عن مجتمع الناس، ولا يصطحبون معهم في هذه الحالة زادًا، ولا طعامًا، ولا ماء؛ ومن هنا يدعون كثير من الخوارق، وللسياحة عندهم حالتان حالة عامة، وحالة خاصة فالسياحة العامة هي آنفة الذكر.
стр. 227
أما السياحة الخاصة: فهي سياحة بعض الرهبان الذين يختارون التجول في الأرض طوال مدة رهبانيتهم؛ فيسيحون من قرية لإلى قرية ومن مدينة إلى مدينة معتمدين على كرم الناس من أهلها، ولا يتوقفون عن سياحتهم إلا في فصل الأمطار.
ط- الكف عن الخروج، والتجول في فصل الأمطار، هو ثلاثة أشهر معروفة عندهم، فلا يخرجون من الأديرة، والمعابد إلا في حالة الاضطرار.
ي- الخروج للتسول كل صباح؛ لأن فيه إظهار المحبة، والرحمة لسائر الحيوانات على حدِّ زعمِهِم، وللتسول عندهم آداب كثيرة منها ألا يأخذ المتسول إلا ما يعطى له، وألا يطمع في استكثار، وألا يتكلم عن التسول وألا ينظر إلى المعطي، ولكن ينظر إلى كشكولته عند قبول الطعام، وألا يتسول بطلب، أو إلحاح، أو إغراء، وألا يتكبرَ في رهبانيتِهِ بأن يظهر للناس أنه متزمت متشدد في الرهبنة ليخصوه بالعطاء.
ك- ومن آدابهم في الطعام ألا يأكلوا أكثر من مرةٍ واحدةٍ في اليوم؛ امتثالًا لقول بوذا المشهور: "اجلسوا للطعام جلسة واحدة، وألا يقصدوا من الطعام التلذذ، أو تقوية الجسد، أو تجميله، أو ما شابه ذلك لما في ذلك من إثارة للشهوات، وألا يأكلوا الطعام من لحم الإنسان، أو الفيل، أو الحية أو الكلب، أو الأسد، أو الدب، أو النمر، ويأكل غير ذلك من اللحوم الأسماك.
ل- الالتزام بمبدأ آنسه، أي: عدم الإساءة والإيذاء لأي كائن، احترام كل شيء حي، وذلك بإظهار المحبة، والشفقة للناس، والحيوان جميعًا.
م- ومن آداب الرهبان الهامة أيضًا أنهم لا يحيون المدنيين بأيِّ تحيةٍ مهما كانت مرتبتهم، ولو كانوا من الأقرباء بل على المدنيين أن يحيوهم تحية تقديسية،
стр. 228
وصفتها ضم الأصابع على الصدر، أو الوجه مع انحناء الرأس، أو السجود، وهي تحية معروفة لدى البوذيين يقدمونها لرهبانهم كلما قابلوهم، ولو كانوا صغارًا أو أبناء لهم.
ن- التوبة الرهبانية: وهي عبارة عن اعتراف الراهب، وإقراره علنًا أمام شيخ المعبد، أو أعضائه من الرهبان بما ارتكبه من مخالفة للنظام، وشيخ المعبد هو الذي يتولى تطبيق العقاب عليه، ويتمثل في الرئيس العام للرهبان.
كنا قد ذكرنا في العنوان العريض النظم والآداب في الرهبنة:
فذكرنا منها الرقم الأول المحافظة بدقة على الوصايا البوذية العشر.
والثاني: الالتزام بالآداب والنظام والرهبنة، والتي تجولنا فيها هذه الجولة.
ونذكر الثالث المتمثل في الرياضة الروحية، وهي جزء في العمل الرهباني، وبها تتم الغاية المنشودة على حسب زعمهم، وتتمثل في التأمل الذاتي الذي يصل بالإنسان إلى الفناء أو الفراغ، وهو نهاية مطاف البوذيين.
الرابع: الاجتماع لذكر التراتيل الدينية يوميًّا حيث يجلسون على هيئة صفوف بأن يقابل كل صف الصف الذي يقابله من الجهات الأربع، ويذكرون التراتيل على صوت واحد بأن يبدأ بها رئيسهم، ثم ينطقون بها وراءه، ويرفعون أصواتهم، ويتمايلون يمينًا وشمالًا، هذا يذكرني بحضرات الصوفية.
وهناك اجتماع ديني أسبوعي في المعبد حيث يجتمع فيه المدنيون رجالا ونساءً ويقدمون فيه الأطعمة والحاجات اللازمة للرهبان، ثم يشتركون معهم في طقوس الصلوات، والتراتيل، ويستمعون أحيانًا إلى الخطب والمواعظ من بعض مشايخ الرهبان.
стр. 229
ومن أوجه التشابه والتأثير والتأثر في النظام الرهباني البوذية والنصرانية هو ما يلاحظه الناظر في خصائص وآداب الرهبان في المسيحية، وأهمه:
١ - أن يختبر الراهب لمدة ثلاث سنوات.
٢ - أن يحلق شعر رأسه.
٣ - أن يصلى عليه صلاة الجنازة؛ لأنه فقد الدنيا، وودعها، فكأنه مات؛ ولذلك يصلى عليه.
٤ - الطاعة المطلقة للآباء، والرؤساء.
٥ - تلاوة المزامير كلها يوميا بتأمل وتسبيح.
٦ - تقديم ذبيحة التذلل.
٧ - تلاوة أربعين إصحاحًا من الكتاب المقدس يوميًّا.
٨ - تلاوة صلاة التسبيحة اليومية.
٩ - الإكثار من الصوم.
١٠ - حضور صلوات مجمع الرهبان.
١١ - قراءة أقوال أباء الرهبنة ومعلميها.
١٢ - الليل بالنسبة للراهب فكر وتجريب للقلب.
١٣ - النهار للصلوات، وإعداد الطعام.
زِيُّ الرهبان:
كما لا حظنا أن للرهبان في البوذية زيًّا خاصًّا، كذلك الحال في المسيحية رغم اختلاف اللون إلا أن القاسم المشترك في الهدف منه؛ حيث إنه فيهما أي: في البوذية والمسيحية
стр. 230
يكون شعارًا للراهب يذكره بما عقد عليه النية، وما عاش من أجله، فهو أيقونة، والأيقونة مصطلح يوناني معناه صورة مدشنة بالمايرون؛ فهو أيقونة صامتة للرهباينة حقًّا، فقد كان أنطونيوس مؤسس الرهبنة يلبس قميصًا من جلد الغنم، فوقه مسح من الكتان، وكان يلبس قلنسوة، أي: لغطاء رأسه من الوبر، وكان يمسك بيديه عكازًا، وظل هذا تقليدًا يورث من السابق للاحق، ويشترط في الزي أن يتفق مع الهدف منه؛ بحيث يكون خشنًا، لا تنعم فيه ويتكون من:
١ - ثوب: ويفضل أن يكون من الكتان؛ ليذكرهم بالكفن، والموت، أو من شعر الماعز.
٢ - الزنار أو الإسكين، وعليه ثلاثة صلبان، وهو رمز لموت أعضاء الراهب وعفته.
٣ - القلنسوة: وهي تصنع من شريط قماش أسود عليه صليبان باللون الأبيض، يضعها الراهب ابتداء من هامة رأسه؛ ليحفظ الصليب أفكاره من الشر.
٤ - هو غطاء للرأس، وهو يذكر الراهب بالطفولة، وبساطتها.
٥ - الشال، أو الشملة لتغطية الرقبة.
٦ - القاصرية، ويلبسها الراهب أثناء عمله اليدوي.
٧ - المراقعة، أي: الثوب المرقع، والرهبان الأتقياء يلبسونه على الدوام.
٨ - قميص الجلد: وهو من جلد الماعز يوضع على رقبة الراهب؛ للوقاية من صقيع الشتاء.
٩ - الحذاء: ولا يلبس إلا عند الخروج من القلابة أثناء السفر، أو الانتقال من مكان إلى آخر، والقلابة عبارة مكان تعبد الراهب في صومعته، وهي حجرتان
стр. 231
داخل بعضهما الأولى مخصصة للصلاة والنوم، والثانية والثانية للاستخدام اليومي، ولهما باب واحد، وإذا وصل عدد القلابة إلى مائة فتسمى إسكيني، كذا نقلًا عن كتاب الرهبنة.
١٠ - العكاز: وهو رمز للسلاح الروحي الذي به فلق موسى البحر، وأما الإسكين الكبير وهو الذي يعطى للراهب بعد أن تتأكد فضائله، أو تقواه مع ملاحظة أن الزي في العصر الحالي يخضع للمتغيرات الزمنية، والمكانية إلا مع هذا هو إشعار للرهبنة، ومذكر بها سواءً في الديانة البوذية، أو النصرانية.
وقد ذكر الإمام محمد أبو زهرة في كتابه (مقارنات الأديان): الديانات القديمة ذكر أكثر من ستة وأربعين مقابلة تأثرت بها المسيحية المحرفة من البوذية؛ مما يؤكد عملية التأثير، والتأثر بين السابق واللاحق.
موقف الإسلام من الرهبنة
ونختم هذا المبحث بموقف الإسلام من الرهبنة حيث نضع رهبنة بوذا والنصارى في ميزان العقل والدين؛ فالمسلمات العقلية والدينية عما فيصل التفرقة بين الحق والباطل، ونحتكم إليها لبيان وجه الحق. والرهبنة وهل هي دواء لداء، كما أريد منها، أم أصبحت داءً لا دواء له إلا بالإصغاء إلى ما تمليه تلك المسلمات العقلية، والدينية اللذين يسلط نورهما على نظام الرهبنة في الفكرين البوذي والنصراني؟ فالدواء سيتوجه إليهما معًا، ولكل من يسلك مسلكهما ويصاب بدائهما حتى وإن كان من المتصوفة المسلمين وعلى من شاكلتهم.
وبحول الله ﵎ نشرع في المطلوب ببيان موقف الإسلام من الفكر الرهباني في البوذية والنصرانية.
أسس ومبادئ الرهبنة في ميزان الدين والعقل:
أولًا: التبتل في ميزان الدين والعقل: جعل بوذا التبتل هو الحل الأمثل لحتمية الألم الذي يأتي عن طريق الميلاد، فلو لم يولد لما كنا نشيخ، أو نموت، وعلة الميلاد هي الرغبة؛ فقتل هذه الرغبة لا يتأتى إلا بالتبتل حيث لا ميلاد؛ ومن ثم لا ألم، والتبتل يريح من هذا الوجود الذي ليس إلا وهمًا عظيمًا، وضلالًا مبينًا؛ وبالتالي يتخلص الإنسان من وهم الوجود، وألم الرغبة.
وكذلك جعل الفكر المسيحي التبتل ضروريًّا للحياة الروحية، فعدم الزواج أهم أسس الرهبنة في المسيحية، فهي عندهم الكبح الاختياري لغريزة من غرائز
стр. 232
الأحياء الأرضية في سبيل التسامي إلى ما هو غير أرضي والمسيح هو الذي غرس زهرة البتولية، فالبتولية هي هبة من الله؛ لأنه يوجد خصيان ولدوا هكذا من بطون أمهاتهم، ويوجد خصيان خصاهم الناس ويوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات من استطاع أن يقبل فليقبل" متى الإصحاح التاسع عشر الفقرة العاشرة إلى الثاني عشر.
بما أن التبتل أساس للرهبنة في الفكرين البوذي والنصراني؛ لزم علينا أن نضعه في ميزان الإسلام، فنكون مستمدين العون من الله، التبتل في اللغة مصدر تبتل بمعنى انقطع للعبادة، وأخلص فيها، وهو مأخوذ من مادة بتل التي تدل على إبانة الشيء من غيره، والبتل القطع بتله يبتله، ويبتله بتلًا، وبتله فانبتل، وتبتل أبانه من غيره، والبتول، والبتيل، والبتيلة من النخو الفسيلة المنقطعة عن أمها المستغنية عنها، وتبتل إلى الله انقطع وأخلص. وفي التنزيل: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ (المزمل: ٨).
ومعناه: أخلص له إخلاصًا، وانقطع له انقطاعًا؛ لأن حقيقة الانقطاع إلى الله إنما تقع بإخلاص العبادة له، والتبتل الانقطاع عن الدنيا إلى الله تعالى وكذلك التبتيل، يقال للعابد: إذا ترك كل شيء، أو اقبل على العبادة، والبتول من النساء المنقطعة عن الرجال لا إرب لها فيهم وبها سميت مريم البتول، وفي الاصطلاح يراد بالتبتل أحد أمرين:
١ - الانقطاع إلى الله في العابدة، وإخلاص النية انقطاعًا يختص به، وإلى هذا أشار الله في القرآن الكريم، بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ (الأنعام: ٩١) وفي قوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾.
٢ - التبتل الانقطاع عن النكاح، والأول مأمور به شرعًا، والثاني منهي عنه قطعًا، والتبتل يجمع أمرين اتصالًا وانفصالًا لا يصح إلا بهما، فالانفصال انقطاع قلبه عن حظوظ النفس المزاحمة لمراد الرب منه، وعن التفات قلبه إلى ما
стр. 233
سوى الله؛ خوفًا منه، أو رغبة فيه، أو مبالاة به، أو فكرًا فيه بحيث يشغل قلبه عن الله -جل وعلا- والاتصال لا يصلح إلا بعد هذا الانفصال، وهو اتصال القلب لله، وإقباله عليه هذا هو مفهوم التبتل في الفكر الإسلامي وهو يتفق في بعض معناه مع الفكرين البوذي والنصراني وهو الانقطاع إلى الله.
ولكن تميز الفكر الإسلامي بأن جعل المعنى الأول الانقطاع إلى الله مأمور به، والمعنى الثاني الانقطاع عن الزواج منهيًّا عنه، بل غلوا في الدين هذا فيما يتعلق بمفهوم التبتل.
أما فيما يتعلق بجوهره وغايته، وحيث نرى الفكرين البوذي والنصراني قد جعل عدم الزواج هو جوهر التبتل، وأساسه؛ بحيث إذا تزوج الفرد لا يعد متبتلًا لتعارض الزواج مع التبتل الذي هو جوهر الرهبنة؛ وبالتالي جعلوا جوهر التبتل، وغايته هي الكبح الاختياري لغريزة من غرائز الأحياء الأرضية في سبيل التسامي إلى ما هو غير أرضي، فعدم الزواج هو الأساس للانخراط في سلك الرهبنة، ولو تزوج وأراد سلوكها؛ فعليه أن يترك الرجل أو المرأة أسرته وأهله، وينقطع للعبادة بكافة صورها، بينما نجد الأمر في الإسلام يختلفُ اختلافًا تميز عن ذلك تمامًا؛ حيث إن جوهر التبتل ووسائله ليست في العزوف عن احتياجات البشرية التي أودعها الخالق فينا.
فالمقصود الاسمي ألا يشغل الإنسان عن الله وعبادته مع ممارسته كل الاحتياجات الفطرية وفق شرع الله تعالى، وهنا يكون متبتلًا إلى الله، وهو مع خلق الله، ومن هنا جاءت وسطية الإسلام، وتقديم الدواء في هذا المقام حيث كان الإسلام حكيمًا في دوائه، فلم يجنح للمادية المغرقة، ولا إلى الروحية المفرطة.
стр. 234
ومن هنا فقد حرم الإسلام الزنا، وهو مظهر من مظاهر المادية الجامحة فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: ٣٢) بل إنه أمر بغض البصر، وتوجه بهذا الأمر للجنسين، حيث حتى لا يحدث طغيان مادي جنسي في مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور: ٣٠، ٣١).
وقد شدد الإسلام في تحريم جريمة الزنا، وعده فاحشة وإثمًا كبيرًا، ونفر من مقدماته؛ لأنها لا تقل حرمة عنه، وتوعد عليه بالعذاب الأليم، هذا من جانب، ومن جانب آخر شرع ضمانات وقائية كافية، تحول بين أتباعه، وبين الوقوع في الزنا حيث أباح، وشرع الزواج، وجعله وسيلة القيام بمهمة الخلافة، والعمارة في الكون، وهو بذلك يسير في ركاب الحق، والفطرة السليمة.
والعقول الراجحة التي أجمعت على أن الزواج في واقعه ما هو إلا تنظيم لفطرة أودعت في الإنسان، كما أودعت في غيره من أنواع الحيوان، ولولا الزواج الذي هو تنظيم لفطرة مشتركة بين الإنسان والحيوان؛ لتساوى الإنسان مع غيره من أنواع الحيوان في سبيل إشباع هذه الفطرة عن طريق الفوضى؛ وعندئذٍ لا يكون الإنسان ذلك المخلوق الذي سوَّاهُ الله ونفخ فيه من روحه، وفضَّلَهُ على كثير ممن
стр. 235
خلق تفضيلًا؛ ومن ثم لا نعرف دينًا من الرسالات السماوية، إلا وكان للزواج فيه المكان الأول مما يستدعي العناية، والرعاية والاحترام، ولذلك لا نعرف أمة من الأمم التي تعرف قيمة الحياة، إلا وكان الزواج لديها آخذ تلك المنزلة، والعناية والاهتمام، وليس ذلك فقط لأن الزواج أصل الأسرة، بل لأنه مما تدعو إليه الفطرة، وتقضي به الطبيعة البشرية، ومتطلباتها حيث يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١).
ويقول -جل وعلا-: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الأنعام: ١٦٥) كذا قال ربنا: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: ٦١).
حتى الأنبياء وعباد الرحمن وهم الذين لم يشغلهم أحد عن الله تمشوا مع الفطرة وحصولها فقال الله عنهم: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ (الرعد: ٣٨) وحكى القرآن عن عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان: ٧٤).
فقد سألوا ربهم أن يرزقهم أزواجًا وأعقابًا يسرون بمكانتهم، وتقر بهم أعينهم، وكأنهم قالوا: هب لنا منهم سرورًا وفرحًا، فمحبة الولد، والذرية لا يتأتى إلا عن طريق الزواج، وقد تمناها سيدنا إبراهيم أبو الأنبياء، وخليل الرحمن الأواه الحليم، دون أن يعوقه ذلك عن التبتل إلى الله، والانقطاع للعابدة حيث تضرع إلى الله أن يهبه ذرية صالحة قال تعالى عنه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ (الصافات: ١٠٠، ١٠١) فلم يذم، بل استجاب الله له فوهب له من الصالحين؛ ليعينه على الدعوة والطاعة، ويؤنسه في الغربة.
стр. 236
وهذا سيدنا زكريا وهو من أنبياء بني إسرائيل طلب الذرية ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (آل عمران: ٣٨) وأيضًا ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا * يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (مريم: ٥ - ٧).
فلو كان هذا الطلب يشغله عن الله ما طلبه، بل طلبه وأجابه ولاه، وأثنى عليه: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (الأنبياء: ٨٩، ٩٠).
فلم يشغلهم الزواج عن الله حتى الصديقة مريم بنت عمران رزقت بغلام زكي: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ (مريم: ١٩) فالزواج نعمة من نعم الله ينتظم بها علاقة كل من الرجل والمرأة تجاه الآخر؛ لأن غريزة الجنس في الإنسان من أقوى وأعتى غرائزه.
والرجل والمرأة يميل أحدهما إلى الآخر دائمًا وأبدًا، وقد ركب فيهما ما لا يعد ولا يحصى من أسباب الجذب، والانجذاب الطبيعي، وأشرب في قلوبهما حب الجنس للآخر، والولع به، والاندفاع لإرواء هذه الغريزة قوة لا تقهر إلا بالزواج، وكل إنسان طبيعي سوي ينطوي على وازع جنسي حبيس، وشهوة قوة فعالة، فبدلًا من كبحها، كما هو الحال في الرهبانية المصادمة، للفطر السوية، وسنن الأنبياء بدلًا من ذلك يتزوج الفرد دون أن يعوقه ذلك عن طريق الله، والتبتل إليه، ودون أن يشعر المتزوج أنه أقل مرتبة ممن لم يتزوج، كما هو الحال
стр. 237
في الفكر الكنسي الذي ينظر إلى الزواج أنه غير الأمثل؛ ومن ثم حرموه على رجال الدين، وعلى الرهبان والعباد.
بل إن التعاليم النصرانية توجب على من يريد الاشتراك في بعض الحفلات المقدسة، وبعض الأعمال الدينية أن يمتنع عن كل اتصال جنسي قبل حلول موعدها بيوم أو أكثر، فلا يجوز مثلًا لأحد الزوجين أن يشترك في أي عيد من أعياد الكنيسة، إذا كان في الليلة السابقة؛ لهذا العيد قد اتصل بزوجته، وكأنهما قد اقترفا إثمًا عظيمًا سلبهما من التدرج الأخلاقي بينما يرى الإسلام أن اتصال الرجل بزوجته هو من أماثل الأعمال وأفضلها لما يترتب عليه من كسر حدة الشهوة، ويكون ذلك في الحلال.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 238
الدرس: ١١ الديانة البوذية (٥) .
стр. 239
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الحادي عشر
(الديانة البوذية (٥))
حكم الرهبنة في الإسلام من حيث العزف عن الزواج
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فحدَّثتُك عن نشأة الرهبنة في البوذية وأصولها، وانتقالها إلى المسيحية، وآدابها ونظمها ونحو هذا، ثم أردفت الكلام عن وجهة نظر الإسلام في الرهبنة والرد عليها، وأن الإسلام حرمها ومنعها، وعدَّها بدعة من البدع التي اخترعها النصارى ومن سبقهم ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ (الحديد: ٢٧).
ولما كان قوله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ (المزمل: ٨) من الآيات التي يمكن أن تُفهم خطأ بمعنى الرهبنة، فقد بينا الفرق بين التبتُّل الصحيح بمعنى الانقطاع إلى الله في العبادة وإخلاص العبادة له، وبين الرهبنة المرفوضة أو التبتل المذموم بالعزوف عن الزواج، الذي جعله الله آية وجعله نعمة، وجعله سبب عمران الكون، وسنة الأنبياء والمرسلين، ودأب الصالحين.
وأرى لزامًا علي أن أبين حكم الإسلام ووجهة نظره في معالم الرهبنة، من حيث العزوف عن الزواج، والدعوة إلى الفقر، والتسول، وما إلى ذلك من مظاهر، نبين فيها حكم العقل، وحكم الشرع في هذه المسألة التي قد يظنها الناس أنها من حسنات البوذية، ومن حسنات النصرانية، ومن سلك ملكهما وصار على ضربهما.
حدثتك أن الزواج نعمة من نعم الله وأن اتصال الرجل بزوجته هو من أماثل الأعمال وأفضلها في الإسلام؛ لما يترتب عليها من كسر حدة الشهوة في الحلال، ولذلك جاء في الحديث قوله ﵊: ((إذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته، فليأتِ أهله؛ فإن ذلك يرد ما في نفسه))، أخرجه مسلم، وهكذا يعترف الإسلام بأمر الفترة عن طريق الوضع السوي لكل من الرجل والمرأة في إطار يرتضيه رب العالمين دون أن يعتبر إفضاء كل منهما للآخر داخل هذا الإطار، نافيًا من التدرج حتى في شخص الأنبياء دون أن يمنعهم ذلك من أهلية التلقي عن الله، والوحي إليهم، واصطفائهم، والإسلام يرفع هذا الحرج فيقول الله في القرآن: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (البقرة: ٢٢٣)، كما يقول الرسول ﵊: ((وفي بضع أحدكم صدقة))، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ فقال: ((أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر)) قالوا: نعم. فقال: ((كذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر))، وقال ﵊: ((تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة)).
ويؤكد الرسول ﵊ على أن الزواج من سنن المرسلين فيقول ﵊: ((أربع من سنن المرسلين: الحياء والتعطر، والسواك، والنكاح))، فالنكاح وآثاره من إنجاب الذُّرية من سنن الأنبياء، وهم المصطفون الأخيار، الذين لم تشغلهم أموالهم ولا أولادهم عن ذكر الله، ومن هنا جاء التحذير من
стр. 240
الانشغال بالأولاد عن الله في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (المنافقون: ٩)، فالخسران حصل لهم بسبب الانشغال لا بسبب آخر، فالواقع يشهد أن وجود الأولاد قد يُحصل به الإنسان درجات من الرقي الأخلاقي في حالتي الحياة والموت، فإذا عاشت الذرية فلعل منهم من يُجاهد في سبيل الله ويحصل الشهادة، وإذا مات كان فرطًا لأبويه ينتفع به أبواه أو ينتفع هو بأبويه، ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له))، وقد دعا النبي ﵊ لخادمه أنس ﵁ استجابة لطلب أمه فدعا له قائلًا: ((اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيت)).
ومعلوم أن النبي ﵊ إنما دعا له بخير، وحتى يوم القيامة ينعم الله على عباده فيقول: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (الرعد: ٢٣، ٢٤)، وقوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (الطور: ٢١).
ولم يكتفِ الإسلام وهو يقدم الدواء لهذا الداء ببيان مفهوم التبتل الصحيح ووسائله وجوهره، وكون الزواج من سنن المرسلين، وتمني الذرية شيء مغروس في الفطرة، ولم يكتفِ بذلك، بل عمد إلى النهي عن التبتل صراحة، وعدَّه غلوًّا في الدين يتنافى مع وسطية الإسلام، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﵌ يسألون عن عبادته، فلما أخبروا عنها كأنهم تقالوها -أي: عدوها قليلة- فقالوا: أين نحن من النبي ﵊-
стр. 241
وقد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ثم قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أما أنا أصوم ولا أفطر، قال الثالث: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج. فجاء رسول الله ﵌ فقال: ((أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)).
فالإسلام راعى الفطرة في بناء التكاليف عليها، حيث لا تكون مصطدمة معها، أو مهملة لمقتضياتها المادية والروحية، ومن ثم لم يقبل النبي ﵊ أي سلوك شاذٍّ عنها، فعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: رد رسول الله ﵌ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا.
بينما يرى الفكر الكنسي أن الذين خصوا أنفسهم لأجل ملكوت الله هم أعلى مرتبة، حيث يقول متَّى: لأنه يوجد خصيان وُلِدوا كذا من بطون أمهاتهم، ويوجد خصيان خصاهم الناس، ويوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السموات، من استطاع أن يقبل فليقبل.
أرأيت إلى انتكاسة الفطرة كيف تكون، بينما الإسلام يُعلن رفضه للرهبانية صراحة، فعن سعد بن أبي وقاص ﵁ أيضًا قال: لما كان من أمر عثمان بن مظعون الذي كان من ترك النساء، بعث إليه رسول الله ﵌ فقال: ((يا عثمان إني لم أُمر بالرهبانية، أرغبت عن سنتي؟))، قال: لا يا رسول الله. قال: ((إن من سنتي أن أصلي وأ نام، وأ صوم وأطعم، وأنكح، وأطلق، فمن رغب عن سنتي فليس مني، يا عثمان إن لأهلك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا))، ويقول ﵌ في الحديث: ((أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد، فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن، فإنه روحك في السماء، وذكرك في
стр. 242
الأرض))، الحديث. كما قال ﵊ أيضًا: ((تزوجوا، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، ولا تكونوا كرهبانية النصارى)).
وهكذا يرفض الإسلام الرهبانية رفضًا قاطعًا بطرق عدة منها: الأمر المباشر بالزواج، ومنها النهي الصريح عن التبتل والرهبانية، ومنها تصحيح مفهومها، وأنها تعني في الإسلام الجهاد والضرب في نحور الأعداء، ومنها اعتبار من أرادوا أن يسلكوها مُغالين في الدين كحديث الرهط، وحديث عثمان بن مظعون سالفَي الذكر، فهذه مواقف فردية معدودة من بعض الصحابة تشير إلى الاتجاه إلى سبيل الغلو والتشدد في الدين، ولكن الرسول ﵌ كان لهم بالمرصاد، فردهم عن هذا السبيل، قوَّم هذا العوج، وصحح نظرتهم فاستجابوا للفطرة التي جاء بها الإسلام لأنها الأصل ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (الروم: ٣٠)، أي: ما ينبغي أن تُبدل تلك الفطرة أو تغير؛ لأنها بمعنى الإسلام عند عامة أهل العلم والسلف وأهل التأويل، فمصادمة ذلك إنما هو انحراف عن الصراط المستقيم؛ حيث انعقد الإجماع في كل الشرائع السماوية والأخلاقية السوية على أن الزواج هو الوضع السوي لكلٍّ من الرجل والمرأة.
فالزواج في الهندوسية رباط مقدس، وهو إلتزامي للجميع، حتى إن الرجل عندما يصبح أرملًا يتخلى عن رئاسة الأسرة لتنتقل إلى ابنه المتزوج، والسبب في ذلك يرجع للاعتقاد بأن الأعزب لا يستطيع أن يقوم بتقديم القرابين للأسلاف، كما يعتقد الهندوس أن سعادة الفرد في الآخرة سوف تتوقف على تسلسل أعقابه من الذكور، وعلى ما يقدمه هؤلاء للأرواح من صلوات وأدعية وأضحية، وقرابين في مختلف المناسبات والأعياد.
стр. 243
فالعزوبة تعرض روح الأعزب وأروح سلفه للشقاء، ومن ثَمَّ فهو جرم كبير يقترفه الأعزب في حق نفسه وآبائه؛ ولذا فإن الزواج يُعدُّ عندهم أحد الفروض العينية الواجبة على الفرد، ولم يكن محارمًا على الرجل أن يقترن بأي امرأة من ذوي قرباه ما عدا المحرمات، وكان على الأرملة أن تقترن بعد وفاة زوجها بأخيه أو أحد أقاربه.
والبرهمية تلتقي مع اليهودية من حيث محاربة الفردية ووجوب الزواج، وهما يعتبران الأعزب القادر على الزواج ولا يتزوج مخربًا في بناء الله يعمل على إطفاء نوره، وعليه فالأعزب فاسد ضار.
وإذا كان الأمر كذلك فإن القائلين بالرهبانية خالفوا العقل والنقل؛ حيث خالفوا التوراة التي جاء فيها قول الرب لأدم وحواء: وقال لهم: "أثمروا وأكثروا واملئوا الأرض" سفر التكوين، الإصحاح الأول الفقرة التاسعة والعشرون، وجاء فيها أيضًا: "ودعا آدم اسم امرأته حواء لأنها أم كل حي"، سفر التكوين الإصحاح الثالث الفقرة الحادية والعشرون. وأيضًا: "من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسدًا واحدًا" سفر التكوين الإصحاح الثاني الفقرة الخامسة والعشرون. وأيضًا: "وعرف آدم حواء امرأته فحبلت وولدت قايين" سفر التكوين، الإصحاح الرابع الفقرة الأولى.
وقد خالفوا الإنجيل أيضًا، حيث ورد فيه ما يفيد أن الزواج مبارك من حيث ثبت المسيح رباط الزيجة وباركه بحضور العرس في قانا الجليل، وقانا الجليل: اسم عبري معناه مكان القصب، وهو في الجليل بمكان عالٍ بالنسبة إلى كفر ناحوم، ويقال بأنها تقع بالقرب من صيدى ويقول بعضهم: إنها تقع شمال شرقي الناصرة بأربعة أميال، كذا في قاموس الكتاب المقدس.
стр. 244
والنص يقول: "وفي اليوم الثالث كان عرس في قانا الجليل، وكانت أم يسوع هناك، ودُعي أيضًا يسوع وتلاميذه إلى العرس" يوحنا الإصحاح الأول الفقرة الأولى والثانية.
أما مخالفة الرهبانية للعقل والواقع، فلنترك الواقع الاجتماعي لمن شددوا على أنفسهم بتحريم ما أحل الله له، يتكلم حيث أدت إلى مفاسد وانحرافات في سلوك الرهبان أنفسهم، داخل جدران الأديرة التي عجَّت بألوان الرذيلة التي مارسوها في الأماكن المقدسة وخارجها. راجع كتاب (الجنس في الكنيسة)، وكتاب (فضائح الكنائس)، فلا تقع عينك إلا على ما يشين، ويلطخ الحياة الرهبانية من الفضائح الشنيعة، والدعارة التي لا تضارعها دعارة مواخير الفساد. كتاب العلمانية سفر الحوالي.
حيث انتشر اللواط بين رهبان المعبد في قصة الحضارة لوول ديورانت، وكذلك انتشر الاغتصاب على يد الرهبان، وراح النصارى يدافعون عن هذه الجرائم ويتحدثون عنها باسم الإيمان والرجاء والمحبة، أي إيمان؟! لقد حرم الرهبان والراهبات على أنفسهم الزواج لأن لا ينشغلوا عن الله فانحرفوا عنه بالكلية، وأدَّى غلوهم في دينهم إلى العكس تمامًا، فبدلًا من أن تصبح هذه الأديرة أماكن طاهرة إذا بها تصبح مواخير الفسق والدعارة للمترهبنين والمترهبنات، وأما الفرد العادي فقد ضعفت ثقته بالدين وتزعزعت في نفسه القيم والأخلاق الدينية، كيف لا؟ وهو يرى خصيان الملكوت ومثال الطهر يغرقون في الفجور، فأيهما يتفق مع العقل والواقع، أمصادمة الغريزة والفطرة والعقل والنقل؟ أم السير في الإطار الصحيح بالزواج؟ فالمسيح لم ينه عنه! ولم تتح له فرصة الزواج، بل إنه حضر وبارك العرس كما ذكر يوحنا، كما أن وضع
стр. 245
المسيح وكونه آية للناس فعدم زواجه خصوصية من خصوصياته ولم يأمر بالاقتضاء به فيها، وكذلك الحال بالنسبة لسيدنا يحيى حيث كان حصورًا حسب بشارة الملائكة به ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران: ٣٩)، والحصور: الذي لا يأتي النساء، إما من العِنَّة والاجتهاد في إزالة الشهوة، والثاني أظهر في الآية؛ لأنه بذلك يستحق الرجل الحمد.
ومن ثمََّ التبتل ليس من فطرة الإنسان ولم يأمر به أي نبي من الأنبياء، ومنهم أنبياء بني إسرائيل موسى وعيسى وسليمان وغيرهم، ومن قبلهم سيدنا إبراهيم، وسيدنا يعقوب فهو من سنن المرسلين، من آدم إلى مسك الختام سيدنا محمد ﵌، فالتبتل لم يشهد له الواقع الديني والتاريخي والاجتماعي، فهو شذوذ عن القانون العام للأديان، وخروج عن القصد الحسن والسير المعتدل عن الصراط المستقيم، ومن ثَمَّ فشل التبتل في تحقيق المقصود به، وهو الانقطاع إلى الله؛ فأدَّى إلى الانقطاع عن الله؛ هذا لمخالفتهم السنة الإلهية القائلة ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الذاريات: ٤٩).
وإذا كان مستند القائلين بالرهبنة والتبتل هو الهرب من المرأة؛ لأنها أصل الشر والخطيئة، فلماذا أوجبوا الرهبنة عليها هي الأخرى، وممن ستهرب هي الأخرى، إن هذا التناقض ليدل على الضلال الفكري والسلوك؛ لأنه ماذا بعد الحق إلا الضلال، بينما يرى الإسلام أن المرأة مخلوق مكرم كالرجل، وأن الوسوسة والأكل من الشجرة منسوب إلى آدم وحواء معًا، وعتاب الله توجَّه لهما معًا، حيث يقول سبحانه في القرآن الكريم المعصوم من التحريف، والمهيمن على ما سبقه
стр. 246
﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف: ٢١ - ٢٣).
فليست المرأة في الإسلام أصل الشر، بل هي كالرجل في التدرج في مدارج الكمال الأخلاقي أو العكس ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: ٧، ٨)، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٣٥)، فمدار الأمر أمام الله على أساس عمل الخير أو الشر، لا على أساس ذكر أو أنثى؛ بل قد عاب القرآن على من إذا بُشِّر بالأنثى ظل وجهه مسودًّا وهو كظيم، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (النحل: ٥٨، ٥٩).
بل إن الإسلام يباهي بنماذج من النساء صرن مضرب المثل في الطاعة، وضرب بهن المثل للمؤمنين حيث قال رب العالمين: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ
стр. 247
الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ (التحريم: ١١ - ١٢).
ويؤكد تلك الحقيقة المرتكزة على العمل لا غير قوله سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: ٩٧). ومن ثم لم تكن المرأة أصل الشر والخطيئة لذاتها، بل إذا انحرفت كانت سببًا في الخطيئة لانحرافها لا لشيء آخر ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ (التحريم: ١٠)، لكن عند عدم الانحراف يتنافس كل من الرجل والمرأة في مرضات رب العالمين، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
الأمر الذي يؤكَِّد أن زعم القائلين بأن المرأة هي أصل الشر والخطيئة، وبالتالي لزم الأمر منها بالتبتل، فيكشفه لنا وول ديورانت الذي يفسر عداوة الرهبان للمرأة بأنه يرجع إلى ضعفهم أمام مفاتن المرأة؛ حيث يقول: "وكانت الفضيلة تبدو لبعض الرهبان بأنها صراع نفساني بين المرأة والمسيح، ولم يكن تشهيرهم بالنساء إلا جهودًا يبذلونها لإماتة شعورهم بمفاتنهن، كما كانت أحلامهم الصالحة التقية في بعض الأحيان يرطبها ضباب الشهوة" ثم يستطرد قائلًا "ولقد استخف الرهبان وهم يقسمون بأن يبقوا عذابًا بقوة الغريزة الجنسية التي يستثيرها مرارًا وتكرارًا ما يشاهدونه من مناظر، وأمثلة من غير رجال الدين".
ومن هنا أصبح الرهبان تحت تأثير وحكم الغريزة التي تحاول الظهور كلما أمكنها ذلك، فغدت غرائزهم أقوى من إيمانهم، حتى إن رئيس الدير إفشام لم يكن أحد بمنجاة من فجوره. وكانت قصائد الحب متداولة بين الرهبان، وكانت
стр. 248
التماثيل المقامة في بعض الكنائس الكبرى والنقوش المحفورة في أثاثها، بل الرسوم المصورة في بعض الكتب المقدسة نفسها تُمثل عبث الرهبان والراهبات، تمثل خنازير في ثياب الرهبان، وأثواب الدير بارزة فوق أعضاء التذكير المنتصبة، والراهبات يعشن مع الشياطين.
ولكن رجال الدين في هذه الأيام رأوا من الخير إزالة الكثرة الغالبة من هذه الرسوم، ثم يعتذر ول ديورانت عن هذا الفجور قائلًا "وقامت طائفة متتابعة من المصلحين الدينيين ببذل ما في وسعها من الجهد، لكي تعيد الرهبان ورؤساء الأديرة إلى المُثل العليا التي جاء بها المسيح". قصة الحضارة، المجلد الثامن، الجزء السادس عشر، الصفحة مائة وواحد وثمانين.
وأنَّى لهم ذلك، وهم يسيرون ضد فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، وهم يبغونها عوجًا بتبديلها، والله غالب على أمره، فإذا أراد الفكر الرهباني أن يرد جماح غلو الرهبان والراهبات إلى المثل العليا حقًّا فليصغوا إلى ما جاء به الإسلام الذي يعترف بالإنسان، وكونه كلًّا ولا يتجزأ، فيأخذه بمنهج الوسط فلا إفراط ولا تفريط، فلا يحرم الرغبة ولكنه ينظمها، ويسعى دائمًا إلى التوازن بين أهداف الحياة، وضرورات ونوازع الفرد، فهو يوازن بين مطالب جسده وروحه؛ لأنهما جزآن من كيان واحد، وعليه فإن التدين الحق في الإسلام ليس هو التخلص من الرغبات والشهوات، وليس هو التقشف بالكف عن اللذات، وليس هو في تحريم ما أحل الله، فالتبتل بهذا المعنى في الفكرين البوذي والنصراني، يصطدم مع منهج الله في الحياة.
стр. 249
حكم الرهبنة في الإسلام من حيث الفقر
ثانيًا: الفقر كأساس للرهبنة في ميزان الدين والعقل، جعل الفكر البوذي والنصراني الفقر أساسًا وشرطًا جوهريًّا للانخراط في الرهبنة، كما أشرنا إلى ذلك أثناء الكلام على أسس الرهبنة، وكان هذا الاتجاه ردَّ فعل للتطرف المادي للبرهمية واليهودية، فجاء الفكر البوذي ليرد على التطرف البرهمي، فنادى بالفقر وعدم التملك، والنظرة التشاؤمية للحياة، وجاء الفكر النصراني ليردَّ على التطرف المادي الجشع لليهود، فنادى بأن مرور جَمَل في ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله.
فبينما نجد هذا الغلو نرى عظمة الإسلام الذي يحتم على الإنسان أن يعمر الحياة في ظل المنهج الإلهي القائم على استخلافه في الأرض، والمرتكز على الوسطية؛ لذا أنكر المادية المفرطة فقال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ (الإسراء: ١٨)، بين للمادين والذين نظروا للحياة الدنيا واطمأنوا بها: أن الدنيا لا تستحق أن يلهث الإنسان وراءها فقال: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (يونس: ٢٤)، كما قال تعالى أيضًا: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ (الكهف: ٤٥)، وقال جل وعلا: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ
стр. 250
الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (آل عمران: ١٤).
ولم يكتفِ الإسلام بذلك، بل قص علينا العديد من مواقف الماديين وكيف كانت عاقبتهم الوخيمة، مثل: النمود، وفرعون، وقارون، وقصة سبأ صاحب الجنتين، وغيرهم كثير، كيف جنى عليهم ترفهم وماديتهم، وفي هذا الإطار جاءت هذه الحقيقة لكبح جماح الغنى المطغي والمادية في أعتى صورها فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ (فاطر: ١٥ - ١٧).
وبجانب الإنكار على المادية الجامحة، ولئلا تتحير البشرية وتتخبط في ظلمات الإفراط والتفريط أو الغلو والتقصير، أنكر الإسلام أيضًا وبنفس القوة على الروحية الجارفة؛ لأنها تبديد للطاقات البناءة، وتخريب للحياة، وكفر بنعم الله، وفي هذا الإطار جاءت نصوص كثيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد: ٢٧)، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (المائدة: ٨٧)، وما ذلك إلا لأن الإنسان جبل على حب المال ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (الفجر: ٢٠).
فالوسطية هي التي تعصم الإنسان من الوقوع بين فكَّي الفقر المنسي أو الغنى المطغي، وهذا ما ركز عليه الإسلام حيث قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الجمعة: ٩، ١٠)، هذا لأن الإسلام لا يخاصم
следующие страницы →