Полный текст (451 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف: ٢١ - ٢٣).
فليست المرأة في الإسلام أصل الشر، بل هي كالرجل في التدرج في مدارج الكمال الأخلاقي أو العكس ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: ٧، ٨)، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٣٥)، فمدار الأمر أمام الله على أساس عمل الخير أو الشر، لا على أساس ذكر أو أنثى؛ بل قد عاب القرآن على من إذا بُشِّر بالأنثى ظل وجهه مسودًّا وهو كظيم، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (النحل: ٥٨، ٥٩).
بل إن الإسلام يباهي بنماذج من النساء صرن مضرب المثل في الطاعة، وضرب بهن المثل للمؤمنين حيث قال رب العالمين: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ
стр. 247
الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ (التحريم: ١١ - ١٢).
ويؤكد تلك الحقيقة المرتكزة على العمل لا غير قوله سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: ٩٧). ومن ثم لم تكن المرأة أصل الشر والخطيئة لذاتها، بل إذا انحرفت كانت سببًا في الخطيئة لانحرافها لا لشيء آخر ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ (التحريم: ١٠)، لكن عند عدم الانحراف يتنافس كل من الرجل والمرأة في مرضات رب العالمين، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
الأمر الذي يؤكَِّد أن زعم القائلين بأن المرأة هي أصل الشر والخطيئة، وبالتالي لزم الأمر منها بالتبتل، فيكشفه لنا وول ديورانت الذي يفسر عداوة الرهبان للمرأة بأنه يرجع إلى ضعفهم أمام مفاتن المرأة؛ حيث يقول: "وكانت الفضيلة تبدو لبعض الرهبان بأنها صراع نفساني بين المرأة والمسيح، ولم يكن تشهيرهم بالنساء إلا جهودًا يبذلونها لإماتة شعورهم بمفاتنهن، كما كانت أحلامهم الصالحة التقية في بعض الأحيان يرطبها ضباب الشهوة" ثم يستطرد قائلًا "ولقد استخف الرهبان وهم يقسمون بأن يبقوا عذابًا بقوة الغريزة الجنسية التي يستثيرها مرارًا وتكرارًا ما يشاهدونه من مناظر، وأمثلة من غير رجال الدين".
ومن هنا أصبح الرهبان تحت تأثير وحكم الغريزة التي تحاول الظهور كلما أمكنها ذلك، فغدت غرائزهم أقوى من إيمانهم، حتى إن رئيس الدير إفشام لم يكن أحد بمنجاة من فجوره. وكانت قصائد الحب متداولة بين الرهبان، وكانت
стр. 248
التماثيل المقامة في بعض الكنائس الكبرى والنقوش المحفورة في أثاثها، بل الرسوم المصورة في بعض الكتب المقدسة نفسها تُمثل عبث الرهبان والراهبات، تمثل خنازير في ثياب الرهبان، وأثواب الدير بارزة فوق أعضاء التذكير المنتصبة، والراهبات يعشن مع الشياطين.
ولكن رجال الدين في هذه الأيام رأوا من الخير إزالة الكثرة الغالبة من هذه الرسوم، ثم يعتذر ول ديورانت عن هذا الفجور قائلًا "وقامت طائفة متتابعة من المصلحين الدينيين ببذل ما في وسعها من الجهد، لكي تعيد الرهبان ورؤساء الأديرة إلى المُثل العليا التي جاء بها المسيح". قصة الحضارة، المجلد الثامن، الجزء السادس عشر، الصفحة مائة وواحد وثمانين.
وأنَّى لهم ذلك، وهم يسيرون ضد فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، وهم يبغونها عوجًا بتبديلها، والله غالب على أمره، فإذا أراد الفكر الرهباني أن يرد جماح غلو الرهبان والراهبات إلى المثل العليا حقًّا فليصغوا إلى ما جاء به الإسلام الذي يعترف بالإنسان، وكونه كلًّا ولا يتجزأ، فيأخذه بمنهج الوسط فلا إفراط ولا تفريط، فلا يحرم الرغبة ولكنه ينظمها، ويسعى دائمًا إلى التوازن بين أهداف الحياة، وضرورات ونوازع الفرد، فهو يوازن بين مطالب جسده وروحه؛ لأنهما جزآن من كيان واحد، وعليه فإن التدين الحق في الإسلام ليس هو التخلص من الرغبات والشهوات، وليس هو التقشف بالكف عن اللذات، وليس هو في تحريم ما أحل الله، فالتبتل بهذا المعنى في الفكرين البوذي والنصراني، يصطدم مع منهج الله في الحياة.
стр. 249
حكم الرهبنة في الإسلام من حيث الفقر
ثانيًا: الفقر كأساس للرهبنة في ميزان الدين والعقل، جعل الفكر البوذي والنصراني الفقر أساسًا وشرطًا جوهريًّا للانخراط في الرهبنة، كما أشرنا إلى ذلك أثناء الكلام على أسس الرهبنة، وكان هذا الاتجاه ردَّ فعل للتطرف المادي للبرهمية واليهودية، فجاء الفكر البوذي ليرد على التطرف البرهمي، فنادى بالفقر وعدم التملك، والنظرة التشاؤمية للحياة، وجاء الفكر النصراني ليردَّ على التطرف المادي الجشع لليهود، فنادى بأن مرور جَمَل في ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله.
فبينما نجد هذا الغلو نرى عظمة الإسلام الذي يحتم على الإنسان أن يعمر الحياة في ظل المنهج الإلهي القائم على استخلافه في الأرض، والمرتكز على الوسطية؛ لذا أنكر المادية المفرطة فقال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ (الإسراء: ١٨)، بين للمادين والذين نظروا للحياة الدنيا واطمأنوا بها: أن الدنيا لا تستحق أن يلهث الإنسان وراءها فقال: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (يونس: ٢٤)، كما قال تعالى أيضًا: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ (الكهف: ٤٥)، وقال جل وعلا: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ
стр. 250
الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (آل عمران: ١٤).
ولم يكتفِ الإسلام بذلك، بل قص علينا العديد من مواقف الماديين وكيف كانت عاقبتهم الوخيمة، مثل: النمود، وفرعون، وقارون، وقصة سبأ صاحب الجنتين، وغيرهم كثير، كيف جنى عليهم ترفهم وماديتهم، وفي هذا الإطار جاءت هذه الحقيقة لكبح جماح الغنى المطغي والمادية في أعتى صورها فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ (فاطر: ١٥ - ١٧).
وبجانب الإنكار على المادية الجامحة، ولئلا تتحير البشرية وتتخبط في ظلمات الإفراط والتفريط أو الغلو والتقصير، أنكر الإسلام أيضًا وبنفس القوة على الروحية الجارفة؛ لأنها تبديد للطاقات البناءة، وتخريب للحياة، وكفر بنعم الله، وفي هذا الإطار جاءت نصوص كثيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد: ٢٧)، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (المائدة: ٨٧)، وما ذلك إلا لأن الإنسان جبل على حب المال ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (الفجر: ٢٠).
فالوسطية هي التي تعصم الإنسان من الوقوع بين فكَّي الفقر المنسي أو الغنى المطغي، وهذا ما ركز عليه الإسلام حيث قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الجمعة: ٩، ١٠)، هذا لأن الإسلام لا يخاصم
стр. 251
الغنى بل يعده فضل الله على عباده، ولا يخاصم الجمال والزينة، بل يستحبها للناس ويؤثرها للمؤمنين خاصة؛ لأن المؤمن يُقبل على الدنيا ليأخذ منها زاده المادي ويقبل على الدين ليأخذ منه زاده الروحي، يحرص على إيمانه بربه أبدًا، ويحرص كذلك على نصيبه من الحق الكريم من دنيا الناس، وما ذلك إلا لأن المال دعامة الاقتصاد وبه تكون التنمية، وعليه تدور النظم والسياسات الاقتصادية في العام، فالإسلام يعترف به وبحرية التملك ما دام من حلال، وينفق في حلال بوسطية حيث يقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: ٦٧)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (الإسراء: ٢٩).
وفي هدي النبي ﵌ نرى هذا الدعاء الجميل العظيم: ((اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر)). ومن أدعية القرآن الجامعة: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (البقرة: ٢٠١)، يرددها المؤمن لينال خيري الدنيا والآخرة.
وبالتالي، فالدعوة إلى عدم التملك والفقر كأساس للتعبد والانقطاع إلى الله يتنافى مع الواقع الديني على مر العصور؛ حيث يؤدي إلى تعطيل القوى، وعدم الأخذ بطرف الغنى الحلال، مع أن سيدنا آدم مأمور أن يسلكها فقد جاء في سفر التكوين: "بعرق وجهك تأكل خبزًا حتى تعود إلى الأرض التي أُخذت منها" سفر التكوين الإصحاح الثالث الفقرة التاسعة عشرة.
стр. 252
فهي دعوى للحصول على لقمة العيش بعرق الجبين، وتحصيل المال من وجه حلال؛ هربًا من الفقر، وفي سفر الأمثال نهيٌ عن الكسل لعدم الوقع في دائرة الفقر حيث يقول السفر: "اذهب إلى النملة أيها الكسلان، تأمل طرقها وكن حكيمًا، التي ليس لها قائد أو عريف أو متسلط، وتعد في الصيف طعامها، وتجمع في الحصاد أكلها، إلى متى تنام أيها الكسلان؟! ".
والنصارى يؤمنون بالعهد القديم، ويعتبرونه مصدرًا للتشريع؛ لأن المسيح ما جاء لينقض الناموس، وموسى ﵇ الذي يؤمن به النصارى عمل أجيرًا، واستناد النصارى على قول الإنجيل ناسبًا ذلك للمسيح: "إذا أردت أن تكون كاملًا بِعْ ما تملك وتعالَ اتبعني"، فعلى فرض صحة نسبتها للمسيح فهي حالة خاصة لعلاج هذا النوع الذي استشرى فيه داء حب المال وطغيانه.
ومثلها قول متَّى في إنجيله عن المسيح: "لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض، حيث يفسد السوس والصدأ، وحيث ينقب السارقون ويسرقون، بل اكنزوا لكم كنوزًا في السماء، حيث لا يفسد سوس ولا صدأ، وحيث لا ينقب سارقون ويسرقون؛ لأنه حيث يكون كنزك يكون قلبك"، متَّى، الإصاح السادس، الفقرة التاسعة عشر إلى الثانية والعشرين.
فيراد بمثل هذه النصوص وغيرها كبح جماح طغيان المال، وذلك له نظير في الإسلام مثل قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (الكهف: ٤٦)، فلا يُفهم من ذلك الدعوة إلى الرهبنة والفقر، والعزوف عن الدنيا أو المال؛ حيث إن الله تعالى قد سمى المال خيرًا في مواضع من كتابه العزيز حيث قال : ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ (البقرة: ١٨٠) وأراد به المال، وقال: ﴿وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ (الكهف: ٨٢)، وقال ممتنًّا
стр. 253
على عباده: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ (نوح: ١٢)، وقال سيدنا محمد ﵌: ((نعم المال الصالح للرجل الصالح)).
وحذر من الفقر وقال: ((كاد الفقر أن يكون كفرًا))، وهو ثناء على المال شريطة ألا ينشغل الإنسان به عن ربه، كما قال : ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة: ٢٤)، وسيدنا سليمان -وهم يؤمنون به- طلب الملك والمال، وحازه ولم يشغله عن ربه ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (ص: ٣٥)، سيدنا يوسف ﵇ قال: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: ٥٥).
أما الرهبان فقد خالفوا الفطرة والعقل والنقل، وغالطوا أنفسهم حيث قال الحق: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (الفجر: ٢٠). نتيجة هذه المصادمة وذلك الانحراف تحولوا إلى آكلين أموال الناس بالباطل، اتخذوها وسيلة تُدرُّ عليهم المال الوفير، وقد صور الحق ﵎ ذلك فقال عنهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (التوبة: ٣٤)، وقد انحطت أخلاقهم واستحوذ عليهم الجشع وحب والمال، ومن ثم تحولت الكنيسة والرهبان إلى الطرف الناتج عن كثرة المال، وفاض ثراء المجتمع المتزايد على مر الزمن على الأديرة، وكان السخاء الشعبي مصدرًا لما ينغمس فيه الرهبان
стр. 254
أحيانًا من ترف، فإن ما قام به الرهبان من إصلاح اقتصادي لأوربا في العصور الوسطى ليشهدوا بأنهم كانوا ولا يزالون بوجه عام مُلاكًا وزراعًا أذكياء.
وهكذا انصرف ذكاؤهم وتفكيرهم إلى المال وطرق جمعه، حتى ولو بالإلحاف في السؤال كما يقول ول ديورانت: "كان بعض الرهبان يغادرون الأديرة باختيارهم، ويضايقون الناس بإلحافهم في السؤال، ولا يتقيدون بقيود الأديرة، وأصبح رؤساء الأديرة المنكبون على مباهج الدنيا، السمان الأغنياء الأقوياء؛ هدفًا لسخرية الشعب وتشهير الأدباء، ومن الأديرة ما اشتهر بطعامه الشهي وخمره، وفسدت أخلاقهم لزيادة ثرائهم كرد فعل للحرام الذي تكلفوه. ومن ثم فالرهبنة قائمة على العنت والمشقة وتكليف النفس البشرية فوق طاقاتها، والغلو في تهذيبها إلى حد التضييق والتعذيب، هذا التفريط الذي أعقبه إفراط.
أما في الإسلام فمن منهجه: ((اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا))، يوازن الإنسان بين الدنيا والآخرة، فيبيح حرية التملك، وتحقيق العزة الاقتصادية، ويحارب الفقر، وفي ذات الوقت يأمر بالزكاة والزهد في المال، بمعنى عدم الإلحاح في طلب متع الدنيا، وحصر الهدف في الحصول عليها لذاتها، وكأنها غايات لا وسائل، والإسلام بدعوته للزهد يحول دون المادية وطغيانها افتنان القلب بها؛ لتحقيق الكرامة والثقة بالله، دون أن يحرم الاستمتاع بمتع الدنيا الحلال، يقول تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (الأعراف: ٣٢).
هذا هو معنى الزهد في الإسلام، ليؤكد التوازن، والفكر الزهدي في الإسلام غير الرهبنة، إن الرهبانية شيء خاص للقائلين بها، وأما الإسلام ففيه التوازن الذي حرمه الفكر
стр. 255
الرهباني فضلَّ وأضل، وأصبح أصحابه من أصحاب الغنى المطغي عن طريق الأملاك الإقطاعية والأوقاف والعشور، عشر ما تُغله الأرض الزراعية، والإقطاعيات، وما يمتلكه الإنسان من مال والضرائب، والهبات، والعطايا، والعمل المجني، والسُّخْرة، كلها باسم الدين.
وهكذا بدأ الفقر في الرهبنة بشيء صغير ثم اتسعت دائرته، وتطاير شرره، فتحول من دواء لطغيان المال إلى داء لاقتناء المال، وكنزه، بل واستخدامه ضد مراد رب العالمين، لمحاربة عباده الصالحين الكادحين الموحدين، فهل يحب المسيح عيسى بن مريم ذلك، يقول صاحب كتاب (مهجة الفؤاد في تفسير أناجيل الآحاد): "وبما أن كثيرين قديمًا كانوا يعذبون أجسادهم بعذابات أليمة وشديدة على طرق متعددة، لا حبًّا بالمسيح، بل اتباعًا لتصوراتهم الضالة، ورغبة في اكتساب المجد العالمي، كما يفعل الآن كثيرون من نُسَّاك بلاد الهند، وصدق الله حين يقول عن هذه الأكثرية أيضًا في آية الرهبنة: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد: ٢٧).
حكم الرهبنة في الإسلام من حيث إهانة الجسد
ثالثًا: إهانة الجسد، ومواصلة تعذيبه كأساس للرهبانية في ميزان الدين والعقل، لقد رضي الخالق -وهو أعلم بمن خلق- للبشرية أن تمارس حياتها الطبيعية، وأن تتمتع بزينة الحياة الدنيا والطيبات من المأكل والمشرب والملبس، وهذه سنة الله من لدن آدم ﵇، بخلاف الفكر البوذي والنصراني، الذي يتنافس في إهانة الجسد وتعذيبه بزعم التقرب إلى الله، كما أسلفنا أثناء عرض أسس الرهبنة، وجاء الإسلام يعطي كل ذي كل حقٍّ حقَّه، وكان من شعاره: ((إن لبدنك عليك حقًّا))، وحديث الرهط، والذين كان يريد أحدهم أن يعذب جسده بمواصلة الصوم فنهاه النبي ﵌.
стр. 256
وقد أوضح النبي ﵊ أن الاعتناء بالجسم من مظاهر التقرب إلى الله في مثل: الوضوء قبل الصلاة، والغسل يوم الجمعة، وفي حب الله للمتطهرين بإزالة الوسخ والأذى الذي لحقهم، وهكذا هدي الإسلام في العناية بالجسم والمبالغة في طهارته؛ ولأن فطرة الإنسان جُبلت على النظافة، وقد أمر الإسلام بستر العورة، وأخذ الزينة، وفي ذلك قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (الأعراف: ٢٦)، كما قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: ٣١).
وهكذا جمع الإسلام بين خير الأمرين: أخذ بالحظ المعتدل من الدنيا والأجر العظيم في الآخرة. أما الفكر الرهباني فيتصادم مع العقل والواقع، وينحرف عن الوسطية في الوقت الذي يأتي بالأعاجيب في تعذيب وإهمال الجسد تفريطًا في حقه، وجاء الآخرون من بعدهم مما لا يرضى به المسيح عيسى بن مريم ﵇ إفراطًا فأهلكوا الجسد والروح.
حكم الرهبنة في الإسلام من حيث الاعتزال والعزلة
رابعًا: الاعتزال والعزلة كأساس للرهبنة في الميزان: يزعم الفكر الرهباني في البوذية والنصرانية أن العزلة واعتزال الحياة الاجتماعية شرط للانقطاع إلى الله، وأساس للتقرب إليه، والناظر بعين الحق يتضح له أن النصوص الدينية والمسلمات العقلية لا تؤيد ذلك؛ حيث إن سيدنا آدم لم يعتزل الخلق ولا أمر أبناءه بذلك؛ بل شارك في معترك الحياة العامة، وقال الله له في التوراة: "بعرق وجهك تأكل خبزًا حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها"، وكأن العمل لا يتوقف حتى ينتهي عمر الإنسان، ثم تستنهض التوراة همم الكسالى، وتضرب
стр. 257
لهم مثلًا بالنملة قائلة: "اذهب إلى النملة أيها الكسلان، تأمل طرقها وكن حكيمًا، إلى متى تنام أيها الكسلان؟! ".
بل تحدد التوراة مهمة آدم، وهي عمارة الكون حينما تقول: "فأخرجه الرب الإله من جنة عدن، ليعمل في الأرض التي أخذ منها".
وعلى ذلك سار المسيح، فكثيرًا ما ضرب الأمثال لهم، ومنها مثل الزرع، سيدنا موسى اشتغل برعي الغنم شأن كثير من الأنبياء، وفي الإسلام احتلَّ العمل، ومشاركة الناس المكان اللائق بأهميته في تيسير حركة المجتمع؛ ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًّا في توازن ووسطية، حتى في يوم الجمعة الذي هو عيد المسلمين الأسبوعي يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الجمعة: ٩، ١٠). وفي المقابل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (المنافقون: ٩).
فالعبادات في الإسلام لا تتعارض مع مصالح الدنيا ما دام الإنسان آخذًا بالوسطية، كما أن الإسلام فيه دعوة، ووُصفت أمة الإسلام بالخير، والخير فيه دعوة وأمر بمعروف ونهي عن النكر ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: ١١٠)، وهذا لا يتحقق بالعزلة ((والذي يُخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يُخالط الناس ولا يصبر على أذاهم))، ومن ثم فالتدين الحق ليس باعتزال الخلق والتخلي عن الدنيا وشئونها كما في البوذية والنصرانية.
стр. 258
وأين الانقطاع بالعزلة إلى الله والرهبان والراهبات لم ينعزلوا لله، بل للكيد للإسلام والمسلمين، والطعن في دينه، وتلك الحركة الاستشراقية والتنصيرية خير شاهد على ذلك، فالرهبان هم طلائع المستشرقين والمنصرين، فالعزلة عند السابقين تخريب للبيوت والأسر وتشتيتها، لقد اتهم جمهور الرومان الدين المسيحي بالعمل على تشتيت الأسر وخراب البيوت؛ حيث كان الواحد منهم يهجر عائلته وأرضه، ومن ثم كان سخط الجموع الوثنية الرومانية أشدّ من سخط الأباطرة أنفسهم.
والعزلة عند المعاصرين تلبيس على الغير؛ لإدارة رحى الحرب على الإسلام والمسلمين بحجة التمكين لدين المسيح، فأخذوا في العمل وشيدوا المصانع في الأديرة، وأقاموا مزارع، وأسسوا مشروعات، واشترطوا على من يريد الانخراط في سلك الرهبنة، أن يكون حاصلًا على مؤهل متوسط على الأقل حتى يكون عارف بدوره المنوط به أداؤه.
ورأينا الآن من الرهبان ممن هم أطباء ومهندسون ومدرسون وغيرهم، ألا يدل ذلك على مدى التناقض شأن الباطل دائمًا، فماذا بعد الحق إلا الضلال.
حكم الرهبنة في الإسلام من حيث الطاعة المطلقة لرجل الدين، واعتقاد عصمته
خامسًا: الطاعة المطلقة لجل الدين، واعتقاد عصمته، وعبادة الرهبان في الميزان.
لقد قرر الإسلام حقيقة جوهرية وهي أن العصمة واجبة للأنبياء والرسل، فلهم حق الطاعة؛ لأنهم يوحى إليهم من عند الله، لكن زعم السلطان الرسولي المعطى للإنسان التابع للنبي أيُّ نبي في أيَّة أمة لا حظ له في الواقع الديني، وبالتالي فإن صكوك الغفران أبطلها الإسلام بقوله: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (آل عمران: ١٣٥)، وبقوله: ﴿فَأُلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (الفرقان: ٧٠)، فالله وحده لا غير هو الغفار؛ وبالتالي فالأساس الذي اعتقده
стр. 259
الناس في الرهبان، وأنهم معصومون أو أعطوا سلطانًا رسولي زعم باطل، فالكل سواء أمام الله، فالإسلام لم يعترف بما يسمى رجل دين بمعناه اللاهوتي، أو بوجود سلطة كهنوتية ذات طقوس خاصة ولا بوساطة كهنوتية على النحو الذي يُعرف في الفكر البوذي والنصراني، بل العبد يلجأ إلى الله مباشرة ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: ١٨٦).
وقد أبطل القرآن اتخاذ الغير ربًّا فقال تعالى عنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣١)، وهكذا أخرجتهم الرهبنة عن عبادة الله إلى عبادة غيره، فأوقعتهم في الوثنية التي جاءت الرسالات الإلهية لمحاربتها، مما يدل دلالة واضحة على أن الرهبانية لم تكن أصلًا من أصول أي دين حق بمفهومها البوذي والنصراني، وإنما هم المبتدعون لها، دون أن يراعوها حق رعايتها، ففسق أكثرهم عن الحق، ولذا نختم بقول الله : ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد: ٢٧).
يقول الإمام القرطبي في (تفسيره): ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ (الحديد: ٢٧)، أي من قبل أنفسهم، وفيها قراءتان إحداهما بفتح الراء وهي الخوف، والثانية بضمها وهي منسوبة إلى الرهبان، وذلك لأنهم حملوا أنفسهم على المشقات في الامتناع من المطعم والمشرب والنكاح، والتعلق بالكهوف والصوامع، ذلك أن
стр. 260
ملوكهم غيروا وبدلوا، وبقي نفر قليل، فترهبنوا وتبتلوا، فإن الضحاك قال: "إن ملوكًا بعد عيسى ارتكبوا المحارم ثلاثمائة سنة، فأنكرها عليهم ما كان بقي على منهاج عيسى فقتلوه، فقال قوم بقوا بعده: نحن إذا نهيناهم قتلونا، فليس يسعنا المقام بينهم، فاعتزلوا الناس واتخذوا الصوامع".
وقوله تعالى: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ (الحديد: ٢٧) أي: ما فرضناها عليهم، معناه: لم نكتب عليهم شيئًا البتة، ويكون ﴿ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ (الحديد: ٢٧) بدلًا من الهاء والألف في كتبناها، والمعنى: ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، وقيل: إلا ابتغاء الاستثناء منقطع، والتقدير: ما كتبناها عليهم، لكن ابتدعوها هم ابتغاء رضوان الله.
فقوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (الحديد: ٢٧) أي: فما قاموا بها حق القيام، وهذا خصوص؛ لأن الذين لم يرعوها بعض القوم، وإنما تسببوا بالترهيب إلى طلب الرياسة على الناس وأكل أموالهم، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٣٤).
وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾، قال: "كانت ملوك بعد عيسى بدَّلوا التوراة والإنجيل، وكان فيهم مؤمنون يقرءون التوراة والإنجيل، ويدعون إلى دين الله تعالى، فقال أناس لملكهم: لو قتلت هذه الطائفة. فقال المؤمنون: نحن نكفيكم أنفسنا، فطائفة قالت: ابنوا لنا اسطوانة ارفعونا فيها، وأعطونا شيئًا نرفع به طعامنا وشرابنا، ولا نرد عليكم، وقالت طائفة: دعونا نهيم في الأرض ونسيح، ونشرب كما تشرب الوحوش في البرية، فإذا قدرتم علينا فاقتلونا، وطائفة قالت: ابنوا لنا دورًا في الفيافي ونحتفر الآبار، ونحترث
стр. 261
البقول، فلا تروننا، وليس أحد من هؤلاء إلا وله حميم منه، ففعلوا فمضوا ألئك على منهاج عيسى، وخالف قوم من بعدهم ممن قد غيَّر الكتاب فقالوا: نسيح، ونتعبد كما تعبد أولئك، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان من تقدم من الذين اقتدوا بهم، فذلك قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ ي قول: ابتدعها هؤلاء الصالحون فما رعوها المتأخرون ﴿حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُم ْ﴾ يعني: الذين ابتدعوها أولًا، ورعوها، ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾، يعني المتأخرين فلما بعث الله محمدًا ﵌ ولم يبق منهم إلا قليل جاءوا من الكهوف والصوامع، والغيران، فآمنوا بمحمدٍ ﵌".
وبمثل هذا قال الإمام ابن كثير في الآية: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾، قال: أي ابتدعها أمة النصارى، ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾، أي: ما شرعناها لهم وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم، وقوله: ﴿إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم قصدوا بذلك رضوان الله، والآخر: ما كتبنا عليهم ذلك، وإنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله، وقوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ أي: فما قاموا بما التزموه حق القيام، وهو ذم لهم من وجهين:
أحدهما: الابتداع في دين الله، ما لم يأمر به الله، والثاني: في عدم قيامهم بما التزموه بما زعموا أنه قربة، يقربهم إلى الله . إلى آخر ما قال.
وكذا قال الألوسي والفخر الرازي، وآخرون.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 262
الدرس: ١٢ الديانة الجينية .
стр. 263
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني عشر
(الديانة الجينية)
تمهيد للديانة الجينية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:
فنأتي إلى ثالث أديان الهند الكبرى، وهي الديانة الجينية، من حيث التأسيس والنشأة وأهم عقائدها، فنشرع في بيان هذا إن شاء الله ﵎، فنمهد له فنقول:
في القرن السادس قبل الميلاد يُعتبر هذا القرن من أجدر عصور التاريخ بالملاحظة، ففي كل مكان به كانت عقول الناس تُظهر جُرأة جديدة، وفي كل مكانٍ كان الناسُ يستيقظون مما ران عليهم من تقاليد الأباطرة والكهان، والقرابين، ويسألون أشد الأسئلة تعمقًا ونفاذًا، وكأنما الجنس البشري قد بلغ مرحلة الرشد بعد طفولة دامت عشرين ألف سنة.
ففي هذا القرن ظهر بالهند مهاير معلم الجينية، وظهر هوتامة مؤسس البوذية، ظهر في الصين كونفشيوس المربي العظيم، وفي إيران ظهر زرادتشت، وبين بني إسرائيل قام أشعياء، وغيرهم من المعلمين، وفي بلاد الإغريق ارتفع صوت فيثاغورس، وفي مدينة إفسس تجلى هيراقليتوس يواصل تأملاته وأبحاثه الفكرية في طبيعة الأشياء، وهكذا هبت موجة فكرية تجاوبت أصداؤها في كل مكان.
ومن بين ألوان النشاط الفكري التي انبثقت في القرن السادس قبل الميلاد كان كما قلنا ظهور مهاوير وبوذى بالهند.
ويُلاحظ على أفكار هذين المعلمين، بل على أفكار جميع المصلحين والفلاسفة الهنود أنها دارت في الفلك الهندي ولم تتجاوزه، فالجميع يرون أن الحياة الدنيا تعاسة، والعيش فيها ويل، والتغير والزوال أساس الحسرات وأصل الآلام، والجميع يقولون بتكرار المولد وبالزهد وسيلة للنجاة، وإذا شذ أي مفكر هندي عن هذا الإطار ضاع صوته دون غناء، ويقول الفيلسوف الهندي عبد السلام الرمبوري عن فرقة الصنواكيين: إنهم شرذمة خالفوا كيان تربتهم فأكلتهم.
стр. 264
ومن أجل هذا التشابه اختلط أمر الجينية مثلًا على غستاف لوبون فعدها نوع من البوذية، ومن أجل هذا أيضًا لم تستطع البوذية الصمود في معركتها ضد الهنودسية، حول موضوع الطبقات وغادرت البوذية وطنها ثمنًا لهذا الخلاف، ودخل نظام الطبقات إلى البوذية بشكل عملي، وإن أنكرته نظريًّا. أما الجينية فقد اضطرت بعد فشل مقاومتها إلى العودة لقبول نظام الطبقات بشكل ما، فقررت الاعتراف بالبراهمة ورسمت إجلالهم، وبذلك استطاعت البقاء في الهند.
تأسيس ونشأة الديانة الجينية
وضع البراهمة نظام الطبقات -كما قلنا في حديثنا عن الهندوسية، وخص البراهمة أنفسهم بكثير من الامتيازات التي ذكرنا بعضها عند الكلام عن نظام الطبقات، وفي ظل هذا النظام استبدَّ البراهمة وظهر عسفهم وطغيانهم أحيانًا، وضجَّ الناس من استبداد البراهمة وجورهم، وتمنوا ظهور قائد روحي جديد يخلصهم من ظلم البراهمة وطغيانهم، وكانت طائفة الكشتريا أكثر الطوائف إحساسًا بهذا الظلم لشدة ما بين الطائفتين من تنافس كنتيجة لقرب المسافة بينهما.
ويمكننا هنا أن نشير إلى أسطورة وردت في مهاب هرتا تدل على مدى ما بين الطائفتين من أضغان، وتتصل هذه الأسطورة بالأميرة ديوياني التي سبق أن تحدثنا عنها عند التعريف الذي أوردناه بمهاب هرتا، وموجز الأسطورة أن ديوياني -وهي من طبقة البراهمة- خرجت في نزهة في فصل القيظ مع سيرمستها بنت ملك أسورا ومعها بعض الأتراب، ووصلنا ببحيرة فخلعن ملابسهن ونزلن للاستحمام، فهبت عاصفة حملت ملابسهن وخلطتها بعضها ببعض، وخرجن من البحيرة فأخطأت سيرمستها بنت الملك ولبست ملابس ديوياني البرهمية فقالت لها ديوياني: ألا تعلمين أيتها الجاهلة أن كسوة بنت الشيخ أكبر من أن
стр. 265
ترتديها بنت التلميذ، هل أنت بلهاء إلى هذا الحد؟! فغضبت سيرمستها وأجابت: أنا بنت ملك يذكره الناس شاكرين أياديه، وأنت بنت رجل يعيش على الإحسان، عشيرتي عشيرة البر، وعيشرتك عشيرة الاستعطاف والتسول. وأخرجت كل منهما ما في جعبتها من الحقد، ولم يقنع البراهمة بعد ذلك إلا بعقوبة قاسية تقع على بنت الملك، واختارت ديوياني العقوبة التي ترضيها، وهي أن تصبح بنت الملك خادمة لها في المنزل الذي ستتزوج فيه.
وهكذا كان هناك سخط من كل الطبقات ضد استبداد البراهمة، وكان الكشتريا أكثر الطوائف سخطًا، ثم كان لقوتهم المسئولين عن مقاومة طغيان البراهمة وجبروتهم، وكذا دب في نفوس أبناء الكشتريا إحساسًا بضرورة الثورة، وقوي هذا الإحساس على مر الزمن حتى جاء القرن السادس فإذا بالإحساس يصبح واقعًا، فهبت ثورتان كبيرتان في وجه الهندوسية يقود مهاوير إحدى هاتين الثورتين، ويقود غوتاما ثانيتهما، وكما تحدثنا عن البوذية التي قادها غوتاما الذي لقب البوذا، فنحن الآن مع مهاوير الذي تزعم الجينية.
مهاوير زعيم الجينية، ماذا عنه وعن بيته وولاته ونشأته؟
بيت مهاوير وولادته ونشأته:
ينحدر مهاوير من أسرة من طبقة الكشتريا التي تسيطر على أمور السياسة والحرب، وكانت أسرته تقيم في بيسارة وهي بالقرب من المدينة المسماه الآن بتنا بولاية بي هارب، وكان أبوه سيد هارتا عضوًا في المجلس الذي يحكم المدينة، أو قطاع المحاربين فيها، وتزوج سيد هراتا من بنت رئيس هذا المجلس واسمها تيريسالا، وارتقت مكانت وسيد هراتا حتى وصفته بعض الروايات بأنه كان أمير المدينة، أو ملكها، وكان مهاوير الابن الثاني لوالديه؛ ولذلك آلت الإمارة إلى أخيه عقب وفاة الأب.
стр. 266
وكان مولد مهاوير سنة خمسمائة وتسع وتسعين قبل الميلاد، وفي اليوم الثاني عشر لولادته اجتمع أعضاء الأسرة في حفل كبير، ودعيت عمت الطفل لتختار له اسمًا كالعادة غير أن والديه ذكرا أن الأسرة نعمت بالرخاء والخير منذ حملت به أمه، واقترح لذلك أن يسمى ورد هاماتا، أي: الزيادة؛ ولكن أتباعه يدعونه مهاوير مدعين أنه الاسم الذي اختارته له الآلهة، ومعناه: البطل العظيم، ويدعى كذلك جينى، أي: القاهر والتغلب، وبهذا الوصف سميت الفرقة كلها، وسميت به الديانة الجينية؛ لأن مؤسسيها عُرفوا بقهر شهواتهم والتغلب على رغباتهم المادية.
ونشأ مهاوير في بيته المجيد وسط الرخاء وطيب العيش، وكانت أسرته تستقبل من حين لآخر وفود الرهبان، وجماعات النساك؛ حيث يجدون في دار الأمير إقامة طيبة وحسن ترحيب، وكان مهاوير منذ نعومة أظفاره يحب مجالستهم ويستمع إلى حكمهم، وإرشاداتهم، وتأثر مهاوير بهم وبفلسفاتهم؛ فعزف عن المتع والملاذ الدنيوية، ومال إلى الرهبانية والتبتل والزهد، ولكن الظروف لم تكن تسمح له بالتعمق في الرهبنة، والخوض في الزهد؛ نظرًا لمكانة أسرته التي كانت ترعى شئون السياسة والنضال، وتعيش في الترف والبزخ، ودفعته حياة أسرته إلى الزواج، فتزوج بفتاة اسمها ياسودا وولدت له بنتًا اسمها أبوجا، وظل مهاوير طيلة حياة والديه يكبت إحساسه وشوقه للرهبنة، ويعيش في الظاهر كما يعيش أبناء طائفته، وينطوي باطنة على رغبة في الزهد والصفاء، فلما توفي والداه أتيحت له الفرصة ليعلن ما أخفى، وكان أخوه الأمير قد تولى الإمارة فطلب منه مهاوير أن يأذن له في الرهبنة، ولكن الأمير خشي أن يظن الناس أن تصرف مهاوي كان نتيجة لقسوة أخيه عليه، أو تقصيره في مطالبه، فطلب الأمير من مهاوير أن يؤجل ذلك عامًا فاستجاب له مهاوير.
стр. 267
وفي الموعد المحدد عقد اجتماع كبير تحت شجرة أشوكا، اشترك فيه أفراد الأسرة وأهالي البلدة، وأعلن مهاوير فيه رغبته في التخلي عن الملك والألقاب ومتاع الدنيا ليخلو للزهد والتبتل، وكان هذا مطلع حياته الروحية الصريحة، فخلع ملابسه الفاخرة ونزع حليه وحلق رأسه، وبدأ حياتًا جديدة وكانت سنه آنذاك ثلاثين عامًا.
ترهب مهاوير ودعوته:
صام مهاوير يومين ونصف يوم، ونتف شعر جسمه، وبدأ يجوب البلاد حافيًا وفي زيِّ الزهاد والنساك، ولجأ إلى الزهد والجوع والتقشف، وغرق في التفكير، واهتم بالرياضة الصعبة القاسية، والتأملات النفسية العميقة، وبعد ثلاثة عشر شهرًا من ترهبه، خلع ملابسه دون حياء، إذ كان قد قتل في نفسه عواطف الجوع والإحساس والحياء، وكان أحيانًا يعتكف في المقابر، ولكن أكثر وقته كان يمضيه متجولًا في طول البلاد وعرضها، وكان يغرق في المراقبة إلى حد لا يشعر فيه بالحزن أو السرور، ولا بالألم أو الراحة، وكان يعيش على الصدقات الطفيفة التي تقدم إليه.
ويرى الجينية أن مهاوير ولد مزودًا بثلاث منها، فلما وصل بتأملاته وتقشفه حصل على الدرجة الرابعة، واستمر مهاوير يصارع المادة ويزيد في تبتله؛ فراح يجوب البلاد دون راحة، وحرص كل الحرص على أن لا يقتل حيًّا، وكان يراقب نفسه مراقبة دقيقة في صمت تام، وبعد اثني عشر عامًا أصبح كما يقول عنه أتباعه: سيره مستقيمًا كسير الحياة، لا يبالي بالعراقيل كالعاصفة، وكان قلبه نقيًّا كماء البركة في الشتاء لا يلوثه شيء كورق اللوتس مشاعره محمية كأعضاء
стр. 268
السلحفاة، وحيدًا فريدًا كقرن الخرتيت، حرًّا كالطير، جسورًا كالفيل، قويًّا كالثور، مهيبًا كالأسد، ثابتًا كالجمل، عميقًا كالبحر، وديعًا كالقمر، بهيًّا كالشمس، طاهرًا كالإبريز.
ووصل مهاوير إلى حالة الذهول وعدم الإحساس بما حوله، وأفنى كل اتجاه مادي، فحصل من درجات العلم على الدرجة الخامسة، وهي درجة العلم المطلق، ونيل البصيرة أو النجاة، وبعد سنة أخرى من الصراع والتأملات فاز بدرجة المرشد، أو ترسانكارة؛ وبهذا بدأ مهاوير مرحلة جديدة هي الدعوة لعقيدته.
وقد اتجه أول الأمر إلى أسرته وعشيرته فاستجابوا له، ثم استجاب له أهل مدينته، وأخذت دعوته تنتشر بين الملوك والقواد الذين رأوا في هذه الدعوة ما يعبر عن خواطرهم في الثورة على البراهمة وسار في دعوته بنجاح حتى بلغ الثانية والسبعين، فنزل مدينة بنابوني في ولاية بتنا فألقى على الناس خمسة وخمسين خطبة وأجاب عن ستة وثلاثين سؤالًا غير مسئولة، ولما تمت خطبه حان أجله فقضى نحبه سنة خمس وسبعين وعشرين قبل الميلاد.
في خلوة وحيدًا فتحرر من قيود الحياة وتسلسل الولادة والشيخوخة والموت، وترك تراثًا ضخمًا من الوصايا والحكم والفلسفات جديرة بالتقدير.
جينا الرابع والعشرون:
ويرى الجينيون أن الجينية مذهب قديم جدًّا وأنه قد تم نضجه على يد أربع وعشرين من الجينين، وكان جينى الأول اسمه رساب ها وقد ظهر منذ أمد بعيد ولا يحفظ التاريخ عنه شيئًا، ولا ترتبط به إلا بعض الأساطير، وتتابع
стр. 269
الجيناوات الواحد بعد الآخر حتى ظهر الجيناواني الآخران في العصور التاريخية، أما أولهما وهو جين الثالث والعشرون فاسمه بارسوناث، وقد ولد في القرن التاسع قبل الميلاد ومات في القرن الثامن، وقد أسس نظامًا رهبانيًّا شدد فيه بضرورة الرياضيات الشاقة المتعبة، وجعل أتباعه قسمين: خاصة، وعامة، فالخاصة هم الرهبان المتبتلون الذين التزموا الرياضة الشاقة والحرمان، وتركوا الأهل والمسكن، وأخذوا يجوبون الأقطار ويطوفون في القرى والأمصار، وهذا القسم هو عمود النظام، والعامة هم الذين يؤيدون النظام بأموالهم ويمدون الرهبان بحاجاتهم مع بعد عن الفواحش وانشغال بالمكاسب من غير عنف ولا إضرار بأحد، مقتدين بالرهبان ما وسعهم ذلك.
وجاء مهاوير وهو جينى الرابع والعشرون فاعتنق مبادئ بارسواناث، وزاد عليها من فكرة وتجاربه وإلهامه، وعلا شأنه واشتهرت الطريقة باسمه، وعرف النظام بلقبه، فلا تعرف الجينية إلا منسوبة إليه. هذه هي الجينية من حيث التأسيس والنشأة.
أهم عقائد الجينية
ما هي أهم عقائد الجينية؟:
يقول أحد الفلاسفة الهنود الذي هو يدعى مولانا محمد عبد السلام الرمبوري عن الجينية: هي حركة عقلية متحرر، متحررة من سلطان الويدات، مطبوعة بطابع الذهن الهندوسي العام، أسس بنيانها على الخوف من تكرار المولد، والخوف من الحياة اتقاء شائماتها، منشؤها الزهد في خير الحياة، فزعًا من أضرارها، عمادها الرياضة الشاقة، والمراقبات المتعبة، ومعولها الجمود للملذات والمؤلمات، وسبيلها والتقشف والتشدد في العيش، وطريقها الرهبانية، ولكن غير رهبانية البرهمية، وقد داوى الجينيون الميول والعواطف بإفنائها وواصلوا في ذلك إلى إخماد شعلة الحياة بأيديهم، وافتقدوا النجاة في وجود من غير فعلية، وسرور من غير انبعاث، ذلك موجز القول في عقائد الجينية، وسنعطي فيما يلي من دراسات بعض التفاصيل لعقائد الجينية.
стр. 270
الجينية والإله: سبق أن ذكرنا أن الجينية كانت نوع من المقاومة للهندوسية، وثورة على سلطان البراهمة، ومن هنا لم يعترف مهاوير بالآلهة، فالاعتراف بالآلهة قد يخلق من جديد طبقة براهمة أو كهنة يكونون سلطة بين الناس والآلهة.
وكرر أنه لا يوجد روح أكبر أو إله أعظم لهذا الكون، ومن هنا سمي هذا الدين دين إلحاد، واتجهت الدينية أن الاعتقاد بأن كل موجود إنسانًا كان أو حيوانًا أو نباتًا أو جمادًا يترك من جسم وروح، وبأن كل روح من هذه الأرواح خالدة مستقلة يجري عليها التناسخ التي اتفق فيه الجينية مع الهندوسية.
هذا هو أساس الفكر الجينية تجاه الإله، غير أن الجينية دين مسالم مبالغ كل المبالغة في البعد عن العنف، حتى إنه يكره قتل الهوام، والحشرات الصغيرة.
وعدم العنف عهد من العهود الأربعة التي وضعها بارسوناث، وهو جينى الثالث والعشرون، وبسبب هذه المسألة اعترف الجينيون بآلهة الهندوس فيما عدى الثالوث برهما، ووشنوا، وسيفا، وكانوا في بادئ الأمر -كما يظهر من كتبهم- يعترفون بالآلهة الهندوس للهندوس، ويحترمونها للمجاملة والمسالمة، ولكنهم عادوا فأجلوها لذاتها، وإن لم يصلوا في إجلالها إلى درجة الهندوس بطبيعة الحال، غير أن العقل البشري يميل إلى الاعتراف بإله، ويحتاج الإلحاد إلى أدلة أكثر من الأدلة التي يحتاجها إثبات الآلهة، ومن هنا وجد فراغ كبير في الجينية، بسبب عدم اعتراف مهاوير بإله يكمل به صورة الدين الذي دعا إليه، وكان من نتيجة ذلك أن اعتبره أتباعه إلهًا، بل عدوا الجيناوات الأربعة والعشرين آلهة لهم، ولعلهم بذلك كانوا متأثرين بالفكر الهندي الذي يميل في الأكثر إلى تعدد الآلهة.
стр. 271
والجينية تتفق مع الإسلام في جزء يسير تتعلق بروح الإنسان؛ ذلك هو خلود الروح خلودًا أبديًّا، وخضوعها للثواب أو العقاب لما يرتكبه صاحبها، وإن اختلف الإسلام مع الجينية في طريقة الثواب والعقاب.
وعدم الاعتراف بالإله استتبع عند الجينيين اتجاهات مهمة سلبية تتعلق بالعقائد، فهم لا يقولون بالصلاة ولا بتقديم القرابين، ولا يعترفون بالطبقات، ولا بما تدعيه الطبقة العليا في النظام الهندوسي وهي طبقة البراهمة من امتيازات ومزايا، ولكن خلق المسالمة الذي دفع الجينيين إلى الاعتراف بآلهة الهندوس -كما ذكرنا آنفًا- دعاهم هنا إلى الاعتراف بالبراهمة وأن من الواجب احترامهم المطلق، وليس معنى هذا وجود طبقة براهمة في الجينية؛ بل المقصود احترام براهمة الهندوس، كطائفة لهم مكانتها في الدين الهندوسي.
أما الطبقات في الجينية فلم تتعدََّ ما وضعه برسواناث من تقسيم الجينيين إلى خاصة وهم الرهبان، وعامة وهم من يؤيدون النظام من غير الرهبان، ولم تجعل الجينية للرهبان امتيازات كما فعلت الهندوسية، بل إن الجينية جعلت الرهبنة مشقة وتضحية وتكليفً ا.
من عقائد الجينية الكرما والتناسخ:
وقد سبق أن شرحنا الكرما والتناسخ عند الهندوس، وقد قلنا: إن أديان الهند تسير غالبًا في فلك الهندوسية، ومن هنا قالت الجينية بالكرما والتناسخ؛ ولكن الجينية لم تعتقد ما اعتقده الهندوس من أن الكرما أمر اعتباري يحقق قانون الجزاء الذي يُحمِّل الإنسان تبعة أعماله، ويجزيه عليه عن طريق تناسخ الأرواح، بل قالت الجينية: بأن الكرما كائن مادي يخالط الروح كأنه يمسك بتلابيبها أو يحيط بها كما تحيط الشرنقة بالفراشة، ولا سبيل لتحرير الروح
стр. 272
من رقة هذا الكائن إلا شدة التقشف والحرمان من الملذات في كل مرحلة من مراحل الحياة، فهذه وحدها هي وسيلة تحرير الروح, وحياتها حياة أبدية حرة، وفي ذلك تقول النصوص الجينية المقدسة: كما تتحد الحرارة بالحديد، وكما يمتزج الماء باللبن، كذلك يتحد الكرما بالروح؛ وبذلك تصير الروح أسيرة في يد الكرما.
وللوصول إلى تخليص الروح من الكرما يظل الإنسان يولد ويموت حتى تطهر نفسه وتنتهي رغباته، وإذ ذاك تقف دائرة عمله، ومعها حياته المادية فيبقى روحًا خالدًا في نعيم خالد، وخلود الروح في النعيم بعد تخلصها من المادة يسمى عند الجينيين النجاة، وهو ما يُعادل الانطلاق في الهندوسية، والنرفانا في البوذية.
الحسنة والسيئة في الديانة الجينية:
الحسنة عند الجينيين هي فعل الخيرات، كإطعام المساكين ومساعدة المحتاجين، وبخاصة فيما تصل بالرهبان الجينيين، وقسم الجينيون الحسنات تسعة أقسام، وذكروا أن الحسنات تجزى باثنين وأربعين طريقًا، منها ما هو في حياة الإنسان الحالية: كالبركة والغنى والصحة، ومنها ما هو في حياة القادمة.
وأما السيئة: فهي ارتكاب الأعمال الخبيثة والفواحش، وقسموها ثمانية عشر نوعًا: منها الكذب والسرقة، والفسق، والفجور، والخيانة، والجشع، وما إلى ذلك، وأشد أنواع الجنايات وأفظعها لدى الجينيين هو الاعتداء على الحياة والعنف والتشدد.
ووضعوا كفارات خاصة لكل نوع من السيئات، منها الفقر والتناسخ في أشخاص تعساء، أو في قوالب الحيوانات والجمادات.
стр. 273
وتختلف الحسنات والسيئات باختلاف طبقتي الجينية اللتين سبق أن تحدثنا عنهما، وهما طبقتا الخاصة والعامة على ما يشبه في الفكر الإسلامي الأثر القائل: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
فما يجوز للعامة لا يجوز صدوره من الخاصة، ويطلب من العامة الخلق الحسن، وعمل الحسنات، ويكافئون عليها بما يضمن حياة أو حيوات طيبة، أما النجاة فالسبيل إليها شاق عسير، وهي من خصائص الخاصة.
النجاة وسبل الوصول إليها: النجاة هي غاية الكون، وهي التطهر من أوساخ العواطف والشهوات الحيوانية، والتخلص من قيود الحياة، ومن تكرار المولد والموت، وهي التمسك بالخير، والتخلي عن ارتكاب الشر، والنجاة طور من الوجود، يختلف عن أطوار الحياة الدنيا الفانية، وهي الفوز بالسرور الخالد الذي لا يشوبه ألم ولا حزن ولا هم، ولا تكون للأرواح الناجية مطامع خاصة ولا أهداف تستميلها، والشخص الناجي ليس بذي جسم مادي، وليس بطويل ولا قصير، ولا لون له، يحيط بكل شيء، مطلق من جميع القيود، يكون دائمًا في سرور وطمأنينة واستقرار ونعيم مقيم، مكانه فوق الخلاء الكوني، وليس للنجاة نهاية، فهي أبدية سرمدية ولا تحصل النجاة إلا بعد عبور المرحلة البشرية بما فيها من عوائق ومتاعب، ولا نجاة بالمعنى الحقيقي إلا للبشر كما قال مهاوير في وصفه للحياة والنجاة، ولا توصف النجاة بوصف نعلمه، ولا بحال نعقله.
والسبيل إلى النجاة شاق عسير كما قلنا من قبل، ولا يطمع فيها إلا الخاصة من الرهبان، وللوصول للنجاة يتحتم على الناسك ألا يوقع أذى بإنسان أو حيوان، وعليه أن يدرك أن احترام الحياة أقدس ما عني به مهاوير، وعلى هذا يحرم عليه قتل
стр. 274
الحيوان، وبالتالي أكل اللحوم، ولعل لهذا صلة بصوم المسيحيين عما فيه روح، فأغلب الظن أن صوم المسيحيين على هذا الوجه انحدر لهم من الفكر الجيني، ويبالغ الرهبان في الحيطة والحفاظ على ما فيه روح فيمسك بعضهم بمكنسة ينظف بها طريقه أو مجلسه؛ خشية أن يطأ حشرة فيها روح فيؤذيها أو يقلتها، ويضع بعضهم غشاء على وجهه يتنفس خلاله حتى لا يستنشق أي كائن حي وهو يلتقط أنفاسه.
ولا بد للنجاة كذلك من قهر جميع المشاعر والعواطف والحاجات، ومؤدى هذا أن لا يحس الراهب بحب أو كره، ولا بسرور أو حزن، ولا بحر أو برد، ولا بخوف أو حياء، ولا بجوع أو عطش، ولا بخير أو شر، والجيني بذلك يصل إلى حالة من الجمود والخمود والذهول، فلا يشعر بما حوله، ودليل ذلك أن يتعرى فلا يحس بحياء، وينتف شعره فلا يتألم، لأنه لو أحس بما في الحياة من خير وشر أو نظم متفق عليها، فمعنى هذا أنه لا يزال متعلقًا بها، خاضعًا لمقاييسها، وهذا يبعده عن النجاة.
ولما كان أبرز ما في هذا التنظيم هو العري والجوع حتى الموت؛ سميت الجينية دين العري، ودين الانتحار.
العري والانتحار في الجينية: وعلى فكرة العري يقول أحد علماء الجينية في محاضرة له عنها: يعيش الرهبان الجينيون عراة؛ لأن الجينية تقول: ما دام المرء يرى في العري ما نراه نحن فإنه لا ينال النجاة؛ فليس لأحد أن ينال نجاة ما دام يتذكر العار، فعلى المرء أن ينسى ذلك بتاتًا ليتمكن من اجتياز بحر الحياة الزاخر، فطالما تذكر الإنسان أنه يوجد خير أو شر، حسن أو قبح، فمعناه أنه لا يزال متعلقًا بالدنيا وبما فيها، فلا يفوز بمشكا -أي: النجاة-.
стр. 275
ويبين هذا خير بيان الحكاية المعروفة عن طرد آدم وحواء من الجنة، فقد كانا يعيشان فيها عاريين بطهر كامل لا يعرفان همًّا ولا غمًّا، خيرًا ولا شرًّا، حتى أراد عدوهما الشيطان أن يحرمهما مما كانا فيه من البهجة والسرور والسعادة، فحملهما على أن يأكلا من شجرة العلم بالخير والشر، فأُخرجا من الجنة، فالذي حرمهما من الجنة هو علمهما بالخير والشر وبأنهما عاريان، هذا هو رأي الجينيين ونحن نرى أن خروجهما كان لعصيان آدم لأمر ربه ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ (طه: ١٢١)، كما كان قدرًا مسبقًا بأن ينزل آدم إلى الأرض ليكون خليفة فيها، وما حياته في الجنة إلا فترة تشريف أو تكليف.
ويرى الجينيون أن الشعور بالحياء يتضمن تصور الإثم، وعلى العكس من ذلك فعدم الشعور بالحياء معناه عدم تصور الإثم، وذلك زيادة في النقاء، فعلى كل ناسك يريد أن يحيى حياة بريئة من الإثم أن يعيش عاريًا، ويتخذ من الهواء والسماء لباسًا له.
أما الانتحار فقد كان نتيجة للتخلي عن كل عمل، وترك كل ما يغذي الجسم؛ لعدم الإحساس بالجوع، ولقطع الروابط بالحياة، وللتدليل على أن الراهب أو الراهبة لم يبق له اهتمام بهذا الجسد الفاني، فهو يجيعه، وينتف شعره، ويعرضه لظواهر الطبيعة القاسية حتى الموت.
وقد انتشر الانتحار بالجوع بين رهبان الجينيين قديمًا، ويعتبر الانتحار غاية أو جائزة لا تُتاح إلا لخاصة الرهبان الذين اتبعوا النظام الجيني.
وإتاحة الفرصة للانتحار معناها قطع الأعمال التي هي مظنة إلحاق الضرر بأي كائن ذي روح، ولا يكون ذلك إلا بعد قضاء اثني عشر عامًا، أو ثلاثة عشر عامًا داخل الناموس الصارم المرسوم للرهبان الجينيين، أليس تناقضًا عجيبًا أن
стр. 276
يحرص الجينيون بالغ الحرص على الحياة لكل حشرة وكل دابة، ثم يجعلون انتحار الرهبان جوعًا قربة من القربات مهما قيل من الأسباب، فإني أراه إيذاءً للإنسان وقضاء على حياته، مع أن الجينية لا تُلحق الأذى بأحد ولا تقر القضاء على الحياة، ويظل تساؤلنا هذا قائمًا، مع تذكرنا أنهم يعملون ذلك رغبة في الخلود أو النجاة أو نتيجة للخمود والجمود.
ولنعد للعامة من الجينيين هؤلاء لا يلزمهم أن يقوموا بكل هذه المناسك والسبل، ولكن عليهم أن يقوموا ببعضها في حدود طاقتهم، فعليهم ألا يوقعوا الأذى بإنسان أو حيوان، وعليهم ألا يقتلوا النفس وألا يأكلوا اللحم، وأن يقهروا رغباتهم؛ ولكن ليست لا إلى درجة الجمود والخمود والذبول التي يتبعها الرهبان.
فلسفة الجينية من كتبهم المقدسة: المصادر المقدمة لدى الجينيين هي خطب مهاوير ووصاياه، ثم الخطب والوصايا المنسوبة للمريدين والعرفاء والرهبان والنساك الجينيين، وقد انتقل هذا التراث المقدس من جيل إلى جيل، عن طريق المشافهة ثم خيف ضياع هذا التراث أو ضياع بعضه أو اختلاطه بغيره، فاتجهت النية إلى جمعه وكتابته، واجتمع لذلك زعماء الجينية في القرن الرابع قبل الميلاد في مدينة بطلي بترا، وتدارسوا هذا الأمر وجمع بعض هذا التراث في عدة أسفار؛ ولكنهم اختلفوا بعضهم على بعض في بعض المصادر، كما لم ينجحوا في جمع الناس حول ما اتفقوا عليه؛ ولذلك تأجلت كتابة القانون الجيني حتى سنة سبع وخمسين ميلاديا، فدونوا آنذاك ما استطاعوا الحصول عليه بعد أن فُقد كثير من هذا التراث بوافاة الحفاظ والعارفين.
стр. 277
وفي القرن الخامس الميلادي عقدوا مجلسًا آخر بمدينة ولابهي حيث تقرر الرأي الأخير حول التراث الجيني المقدس. أما لغة هذا التراث فكانت اللغة المسماة أردها مجدا، فلما انتجهت النية إلى حفظه وتدوينه اختيرت اللغة السنسكريتية وكانت لغة أردها مجدا هي لغة هذا التراث قبل الميلاد، أما اللغة السنسكريتية فقد حلَّت محالها في القرون الميلادية الأولى. وسنختار من هذا التراث المقدس بعض نماذج تشرح لنا أهم اتهجاهات الفلسفة الجينية.
اليواقيت الثلاثة: يقول الجينيون: إن الحياة الدنيا تعاسة مستمرة وشقاء متصل، نعيمها زائل، والعيش فيها باطل، نطمح فيها إلى الخير فننال شرًّا، ونبتغي السعادة فتصيبنا الشقاوة حتى نموت. ولم تنتهِ حسراتنا ثم نحيا حياة قد كسبتها أيدينا، خيرها تهلكة فكيف بشرها؟!
وتدوم عجلة الموت والحياة، فيا لنا من خاسرين، ولا دواء إلا بأن ننزع، ونزهد في الحياة وترفها، ولكن هناك شيئًا يجعلنا نتمسك بالحياة، ويزين لنا باطلها، ما هو؟ إنه الغواية التي تخلق العقائد الفاسدة والأخلاق السيئة، والجهل المشين، وهذه تكسو الروح بالظلام، ويتراكم الظلام فتعمى الروح وتسير على غير هدى، تحب الحياة وشهواتها، وتسير في طريق الضلال، وتظل الروح على هذا الوضع بين الموت والولادة حتى ينبثق النور، إما من أعماق الروح بطريق الصدفة أو الإلهام، وإما بقيادة العرفاء والمبشرين وهدايتهم، وليس هذا النور إلا السبيل المثلث، أو اليواقيت الثلاثة التي من اتبعها وصل إلى بر السلامة.
وهذه اليواقيت هي:
стр. 278
١ - الياقوتة الأولى: الاعتقاد الصحيح، وهو رأس النجاة، ويقصدون به الاعتقاد بالقادة الجينيين الأربعة والعشرين، فإن ذلك هو المنهج المعبد، والصراط السوي، ولا يكون الاعتقاد الصحيح إلا إذا تخلصت النفس من أدران الذنوب اللاصقة بها، والتي تحول دون وصول الروح إلى هذا الاعتقاد.
٢ - الياقوتة الثانية: العلم الصحيح، ويُقصد به معرفة الكون، من ناحيته المادية والروحية، والتفريق بين هذه وتلك، وتختلف درجة المعرفة باختلاف درجة البصيرة وصفاء الروح، ويستطيع الشخص الذي يفصل أثر المادة عن قوته الروحية وإشراقها، أن يرى الكون في صورته الحقيقية، وتتكشف لديه الحقائق، وترتفع عنه الحُجب الكثيفة فيميز الحق من الباطل، والظن من اليقين، ولا تشتبه عليه الأمور، ولا يكون العلم الصحيح إلا بعد الاعتقاد الصحيح.
٣ - الياقوتة الثالثة: الخلق الصحيح، ويُقصد به التخلق بالأخلاق الجينية من التحلي بالحسنات، والتخلي عن السيئات، وعدم القتل، وعدم الكذب، وعدم السرقة، والتمسك بالعفة، والزهد في الملكية. واليواقيت الثلاثة مرتبطة بعضها ببعض، وإذا اكتملت في إنسان فإنه يجد لذة لا تعدلها لذة، وسعادة ليس مثلها سعادة.
المبادئ الأساسية لطهارة الروح:
وضع الجينيون سبعة أصول رئيسة لتطهير الروح، وتعتبر هذه الأصول أمهات المبادئ الجينية، وهي:
١ - أخذ العهود والمواثيق مع القادة والرهبان، بأن يتمسك المريد بالخلق الحميد، ويقلع على الخلق السيئ.
стр. 279
٢ - الثاني: التقوى، وهي المحافظة على الورع، والاحتياط في الأقوال والأعمال، وفي جميع الحركات والسكنات، وتجنب الأذى والضرر لأي كائن حي، مهما كان حقيرًا.
٣ - الثالث: التقليل من الحركات البدنية ومن الكلام، ومن التفكير في الأمور الدنيوية الجسمانية، حتى لا تضيع الأوقات والأنفاس الثمينة في صغار الأمور.
٤ - الرابع: التحلي بعشر خصال، هي أمهات الفضائل، ووسائل الكمال، وهي: العفو، والصدق، والاستقامة، والتواضع، والنظافة، وضبط النفس، والتقشف الظاهري والباطني، والزهد، واعتزال النساء، والإيثار.
٥ - التفكير في الحقائق الأساسية عن الكون وعن النفس، وبعض أمور الكون، وأمور النفس، يتوصل لها بالحواس الخمسة المادية، وبعضها لا يتوصل إليها، إلا بمنظار الذهن، ومن هنا لزم استعمال الحواس المادية واستعمال الفكر كذلك.
٦ - السيطرة على متاعب الحياة وهمومها التي تنشأ من الأعراض الجسمانية أو المادية كمشاعر الجوع والعطش والبرودة والحرارة، وسائر أنواع الشهوات المادية، وعليه أن يضرب حصنًا متينًا حوله للتخلص من هذه الأعراض والحواس والتأثر بها.
٧ - القناعة الكاملة، والطمأنينة والخلق الحسن، والطهارة الظاهرية والباطنية.
وتدعي الجينية أن هذه المبادئ تطلق الإنسان من الوثاق الذي يشده بالحياة، ويسلب عنه الراحلة الذهنية والطمأنينة القلبية، وإذا اتصف أحد بهذه الصفات السبع فإنها تُخرجه من الظلمات التي تحيط به بسبب هموم الدنيا، ومشاكلها العديدة حتى تصير روحه حرة طليقة تنساب في سماء المعرفة والنور العلوي،
стр. 280
وتحيط بالعلوم الربانية والكشف الباطني فتكون في سرور دائم ولذة معنوية مطلقة، وهذه الطريقة الجينية للنجاة.
درجات العلم في الفلسفة الجينية: تقسم الفلسفة الجينية العلم خمسة أقسام حسب مصادره، وتكثر الفلسفة الجينية من التفريعات لكل قسم، ولنكتفي هنا بإيراد الأقسام الخمسة الرئيسة:
١ - الإدراك بطريق الحواس، أو بطريق الذهن، ويشتمل هذا الإدراك على طريق القياس والاستقراء المبنيين على المشاهدة كما يشتمل على الفهم والحفظ والإحساس، ويستلزم هذا العلم حضور الأشياء المعلومة للحواس أولًا حتى يتم إدراكها.
٢ - الثاني: العلم عن طريق الوثائق المقدسة، ويعرف هذا القسم بالعلم غير المباشر لتوسط المستندات والوثائق، بين من يعلم، وما يُعْلم، وتدعي الجينية أن كتبهم المقدسة لم تغادر صغيرة ولا كبيرة.
٣ - الثالث: العلم بالوجدان المحدود، وهو إدراك ذي الصورة من الأشياء الموجودة بطريق الروح، فالمدرك هنا موجود بل يمكن أن يرى، ولكن لبعده مثلًا لا تراه العين، وتراه الروح في هذه المرحلة من مراحل العلم، وللوصول إلى هذه المرحلة لا بد من تطهير الروح من الأدران والأوساخ، والسمو بها عن الوساوس والأوهام.
٤ - الرابع: العلم بالوجدان المحيط، وهو إدراك بطريق الروح لما ليست له صورة الآن، فهو إدراك يتخطى مسافات الأزمنة والأمكنة، يعلم ما في السماء وما في
стр. 281
الأرض من ظاهر وباطن، وما كان فيهما، وهي مرحلة أعلى طبعًا من سابقتها وتستلزم مزيدًا من الطهر والصفاء.
٥ - الخامس: العلم بمخبآت الضمائر والتصورات في السرائر، فهو علم بما لم يوجد إلا من حيث أنه خاطر في الذهن، وهو أرقى درجات العلم، ولا يتم إلا للذين هجروا الأهل والوطن، وطهروا أنفسهم بالرياضة الشاقة.
هذه المعلومات مستقاة من مراجع متعددة بعد جهد واسع في التنقيح والتنظيم، وأهمها دراسات الأستاذ مولانا محمد عبد السلام الرمبوري عن فلسفة الهند القديمة، والأستاذ محي الدين الألوائي، عن الفلسفة الجينية، ودراسات أخرى نقلًا عن أديان الهند الكبرى (الهندوسية - الجينية - البوذية) للدكتور أحمد شلبي.
٣ - وفي الأخير ونحن نتحدث عن الجينية كما بينا بفضل الله تعالى التأسيس والنشأة وأهم العقائد والفلسفة، نذكر لمحة تاريخية عن الجينية.
كانت الجينية فرقة واحدة طيلة حياة مهاوير، ولم يحدث بها إلا خلافات غير عميقة الجذور سرعان ما كانت تلتأم، وبعد وفاة مهاوير حدث انقسام خطير شطر الجينية إلى فرقتين تسمى إحداهما: ديجا مبرا أي: أصحاب الزي السماوي، أي: الذين اتخذوا السماء كساء لهم، والمقصود بهم هم العراة، والثانية: تسمى سويترا مبرا، أي: أصحاب الزي الأبيض، وعن هاتين الفرقتين حدثت فرق أخرى كثيرة غير مهمة، ويلاحظ أن تعدد الفرق لم يمس الفلسفة الأصيلة للجينية أو العقائد الرئيسة التي سبق أن تحدثنا عنها، وإنما اتصل بأمور ونقاط غير مهمة، وتحدث عن تفاصيل الأساطير وممارسة التقشف، ففرقة ديجا مبرا ترى أن مهاوير حملت به أمه تراسالا من بادئ الأمر لا أنه استل جنينًا من رحم دوناندا البرهمية ثم ألقي به في رحم تراسالا كما تعتقد فرقة سويتا نبرا.
وتنفي فرقة ديجا مبرا عن مهاوير ما تراه غير لائق به، فتقول: إنه لم يتزوج قط، وإنه هجر البيت والدنيا منذ مطلع حياته غير مبال بعواطف والديه، ويعتقدون أن العرفاء الكاملين لا يقتاتون بشيء ويقولون: إن من يملك شيئًا من متع الدنيا ولو كان ثوبًا واحدًا يستر به عورته لا ينجو، ويرون أن النساء لا حظ
стр. 282
لهن في النجاة ما دمن في قوالب النساء، أي: إلا إذا دخلت أرواحن في قوالب أخرى في حياة من الحيوات المتكررة، ويعتقدون أن التراث الديني المقدس للجينية قد ضاع كله، وأما ما تتلوه فرقة سيتا مبرا فموضوع ومختلق.
أما فرقة سويتا مبرا ففرقة معتدلة ترى أن مهاوير وإن كان ميالًا من وقت أن بدأ شعوره إلى هجر الدنيا وقطع العلائق إلا أنه لم يفعل ذلك في حيات والديه احترامًا لإحساسهما، ويروون عنه قوله في ذلك: ولا يليق بي وأنا الابن البار أن أنتف شعري وأقبل على حياة التقشف والحرمان، تاركًا البيت والأسرة احترامًا لعواطف والدي، وهم يبيحون الطعام للعرفاء، ويرون إمكان النجاة للنساء.
وهناك افتراق حدث للجينيين بسبب مجاعة شديدة نزلت بموطنها الذي كانوا يتجمعون فيه في بلاد مكدا، فلجأ عدد كبير منهم إلى الهجرة؛ طلبًا للعيش، وتخفيفًا للعبء عن سكان المنطقة، وذهب هؤلاء إلى الجنوب بزعامة بدرا باهو، وأقام الآخرون تحت رقابة أستولا بدرا.
وقد سبق أن ذكرنا أن الجينية فرقتان: خاصة وهم الرهبان المنقطعون للتبتل، وعامة وهم الذين يؤيدون النظام الجيني، ويساعدون الرهبان ماديًّا، ويباشرون حياة العمل، مع تخلقهم ما استطاعوا بأخلاق الفكر الجيني، وقد كان لهؤلاء وألئك نصيب في تاريخ الجينية.
ومن أهم ما قالت به الجينية مما حبب هذا الدين للحكام والملوك، أن الجينية مع أنها لم توقع أذى بذي روح توجب أن يطيع الشعب حاكمه، وتقضي بذبح من يعصي الملك أو يتمرد عليه؛ ولعل هذا هو الذي جعل الملوك، والرجاوات يُقبلون على الجينية يعتنقونها ويؤيدونها سواء في وادي الأندوس أو في الدكن.
وفي ابتداء العصور الوسطى حصلت الجينية رعاية من كثير من السلاطين، وأصبح للرهبان الجينيين نفوذ كبير في بلاط كثير من الملوك والحكام، لا سيما في بلاط الملك سيدراج، والملك كمار بلا، وبعد سقوط إمبراطورية ليجا نكر بقي في الجنوب حكام صغار من الجينيين إلى أن ظهرت سلطة الإنجليز، وفي عهد الحكم الإسلامي نالوا كذلك الاحترام والتقدير، واستخدمهم الملوك المسلمون في
стр. 283
بلاطهم وفي كثير من الأعمال، وجاء الإمبراطور الشهير أكبر سنة ١٥٥٦ إلى ١٦٠٥ ميلادية الذي أدار ظهره للإسلام، واتجه إلى خلق دين جديد مزيج من جميع الأديان، وبخاصة أديان الهند الأصلية، فاحتضن الجينية وخلع على المعلم الجيني هيرا وجيا لقب معلم الدنيا، ومنع ذبح الحيوانات، أيام أعياد الجينيين في المناطق التي يوجد بها أتباع لهذه الطائفة.
والجينيون من طبقة العامة أي: الطبقة التي تباشر الأعمال وتساعد الرهبان، يكثر أن يُعرضوا عن الزراعة؛ خوفًا مما تستلزمه من قتل بعض الديدان وإلحاق الضرر بما فيه روح، ويتجه هؤلاء غالبًا إلى التجارة وإقراض النقود وأعمال البنوك، مما يقل فيه الاعتداء على ذوي الأرواح، وقد ضمنت لهم هذه الأعمال نصيبًا كبيرًا من الثراء والرقي الاقتصادي حتى أصبح معظمهم من أغنى الأغنياء، وأنجح الناس في التجارة والمعاملات المالية، وقد مكنهم ثراؤهم من أن يلعبوا دورًا هامًّا في خدمة الثقافة الهندية والتراث العلمي والفني على العموم.
وللجينييين أيادٍ واضح بصفة خاصة في خدمة فن المعمار، فقد برعوا في النحت وإقامة التماثيل، وتشييد العمائر والمعابد ببراعة فائقة.
وقد نحتوا الكهف العظيم المسمى هاتي كنبا في منطقة أوريسا في القرن الثاني قبل المسيح، والكهوف الجينية كثيرة ومنتشرة في مختلف أنحاء الهند، والجينيون مولعون بتعمير المعابد، والمعبد ضروري للمجتمع الجيني كما أن تعميره فرض ديني لديهم.
وعن معابد الجينيين يقول غستاف لوبون: ولا تجد ديانة تعتد بالمعابد اعتداد الجينية، ولا تجد ديانة شادت من المعابد الكبيرة الفخمة أعظم مما شادته الجينية، فالحق أن معابد الجينية في كهجورا وجبل آبوا هي عجائب فن البناء في الهند،
стр. 284
والحق أنه يخيل إلى الناظر في أروقتها شبه المظلمة، اهتزاز قوم من الخلائق الغريبة المنقوشة على الحجر يشعون حياة ويكتنفون أحد الجيناوات البادي هادئًا رزينًا متربعًا في جلوسه على العموم، وهو في حالة عرض كامل.
ويبلغ تعداد الجينيين إلى نهايات القرن العشرين حوالي المليون، وكلهم في الهند، فالجينية كالهندوسية لم تخرج من الهند، ومستواهم الاجتماعي والثقافي راقٍ في الغالب، وعنايتهم بالثقافة لا تقل عن عنايتهم بالمال والفنون، فتلك لمحة تاريخية عن الجينية من بدايتها إلى نهايتها وما آلت إليه.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله، وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 285
الدرس: ١٣ ديانة السيخ، والديانة البوذية الصينية .
следующие страницы →