← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 30912

الأديان الوضعية - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (451 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الأرض من ظاهر وباطن، وما كان فيهما، وهي مرحلة أعلى طبعًا من سابقتها وتستلزم مزيدًا من الطهر والصفاء. ٥ - الخامس: العلم بمخبآت الضمائر والتصورات في السرائر، فهو علم بما لم يوجد إلا من حيث أنه خاطر في الذهن، وهو أرقى درجات العلم، ولا يتم إلا للذين هجروا الأهل والوطن، وطهروا أنفسهم بالرياضة الشاقة. هذه المعلومات مستقاة من مراجع متعددة بعد جهد واسع في التنقيح والتنظيم، وأهمها دراسات الأستاذ مولانا محمد عبد السلام الرمبوري عن فلسفة الهند القديمة، والأستاذ محي الدين الألوائي، عن الفلسفة الجينية، ودراسات أخرى نقلًا عن أديان الهند الكبرى (الهندوسية - الجينية - البوذية) للدكتور أحمد شلبي. ٣ - وفي الأخير ونحن نتحدث عن الجينية كما بينا بفضل الله تعالى التأسيس والنشأة وأهم العقائد والفلسفة، نذكر لمحة تاريخية عن الجينية. كانت الجينية فرقة واحدة طيلة حياة مهاوير، ولم يحدث بها إلا خلافات غير عميقة الجذور سرعان ما كانت تلتأم، وبعد وفاة مهاوير حدث انقسام خطير شطر الجينية إلى فرقتين تسمى إحداهما: ديجا مبرا أي: أصحاب الزي السماوي، أي: الذين اتخذوا السماء كساء لهم، والمقصود بهم هم العراة، والثانية: تسمى سويترا مبرا، أي: أصحاب الزي الأبيض، وعن هاتين الفرقتين حدثت فرق أخرى كثيرة غير مهمة، ويلاحظ أن تعدد الفرق لم يمس الفلسفة الأصيلة للجينية أو العقائد الرئيسة التي سبق أن تحدثنا عنها، وإنما اتصل بأمور ونقاط غير مهمة، وتحدث عن تفاصيل الأساطير وممارسة التقشف، ففرقة ديجا مبرا ترى أن مهاوير حملت به أمه تراسالا من بادئ الأمر لا أنه استل جنينًا من رحم دوناندا البرهمية ثم ألقي به في رحم تراسالا كما تعتقد فرقة سويتا نبرا. وتنفي فرقة ديجا مبرا عن مهاوير ما تراه غير لائق به، فتقول: إنه لم يتزوج قط، وإنه هجر البيت والدنيا منذ مطلع حياته غير مبال بعواطف والديه، ويعتقدون أن العرفاء الكاملين لا يقتاتون بشيء ويقولون: إن من يملك شيئًا من متع الدنيا ولو كان ثوبًا واحدًا يستر به عورته لا ينجو، ويرون أن النساء لا حظ

стр. 282

لهن في النجاة ما دمن في قوالب النساء، أي: إلا إذا دخلت أرواحن في قوالب أخرى في حياة من الحيوات المتكررة، ويعتقدون أن التراث الديني المقدس للجينية قد ضاع كله، وأما ما تتلوه فرقة سيتا مبرا فموضوع ومختلق. أما فرقة سويتا مبرا ففرقة معتدلة ترى أن مهاوير وإن كان ميالًا من وقت أن بدأ شعوره إلى هجر الدنيا وقطع العلائق إلا أنه لم يفعل ذلك في حيات والديه احترامًا لإحساسهما، ويروون عنه قوله في ذلك: ولا يليق بي وأنا الابن البار أن أنتف شعري وأقبل على حياة التقشف والحرمان، تاركًا البيت والأسرة احترامًا لعواطف والدي، وهم يبيحون الطعام للعرفاء، ويرون إمكان النجاة للنساء. وهناك افتراق حدث للجينيين بسبب مجاعة شديدة نزلت بموطنها الذي كانوا يتجمعون فيه في بلاد مكدا، فلجأ عدد كبير منهم إلى الهجرة؛ طلبًا للعيش، وتخفيفًا للعبء عن سكان المنطقة، وذهب هؤلاء إلى الجنوب بزعامة بدرا باهو، وأقام الآخرون تحت رقابة أستولا بدرا. وقد سبق أن ذكرنا أن الجينية فرقتان: خاصة وهم الرهبان المنقطعون للتبتل، وعامة وهم الذين يؤيدون النظام الجيني، ويساعدون الرهبان ماديًّا، ويباشرون حياة العمل، مع تخلقهم ما استطاعوا بأخلاق الفكر الجيني، وقد كان لهؤلاء وألئك نصيب في تاريخ الجينية. ومن أهم ما قالت به الجينية مما حبب هذا الدين للحكام والملوك، أن الجينية مع أنها لم توقع أذى بذي روح توجب أن يطيع الشعب حاكمه، وتقضي بذبح من يعصي الملك أو يتمرد عليه؛ ولعل هذا هو الذي جعل الملوك، والرجاوات يُقبلون على الجينية يعتنقونها ويؤيدونها سواء في وادي الأندوس أو في الدكن. وفي ابتداء العصور الوسطى حصلت الجينية رعاية من كثير من السلاطين، وأصبح للرهبان الجينيين نفوذ كبير في بلاط كثير من الملوك والحكام، لا سيما في بلاط الملك سيدراج، والملك كمار بلا، وبعد سقوط إمبراطورية ليجا نكر بقي في الجنوب حكام صغار من الجينيين إلى أن ظهرت سلطة الإنجليز، وفي عهد الحكم الإسلامي نالوا كذلك الاحترام والتقدير، واستخدمهم الملوك المسلمون في

стр. 283

بلاطهم وفي كثير من الأعمال، وجاء الإمبراطور الشهير أكبر سنة ١٥٥٦ إلى ١٦٠٥ ميلادية الذي أدار ظهره للإسلام، واتجه إلى خلق دين جديد مزيج من جميع الأديان، وبخاصة أديان الهند الأصلية، فاحتضن الجينية وخلع على المعلم الجيني هيرا وجيا لقب معلم الدنيا، ومنع ذبح الحيوانات، أيام أعياد الجينيين في المناطق التي يوجد بها أتباع لهذه الطائفة. والجينيون من طبقة العامة أي: الطبقة التي تباشر الأعمال وتساعد الرهبان، يكثر أن يُعرضوا عن الزراعة؛ خوفًا مما تستلزمه من قتل بعض الديدان وإلحاق الضرر بما فيه روح، ويتجه هؤلاء غالبًا إلى التجارة وإقراض النقود وأعمال البنوك، مما يقل فيه الاعتداء على ذوي الأرواح، وقد ضمنت لهم هذه الأعمال نصيبًا كبيرًا من الثراء والرقي الاقتصادي حتى أصبح معظمهم من أغنى الأغنياء، وأنجح الناس في التجارة والمعاملات المالية، وقد مكنهم ثراؤهم من أن يلعبوا دورًا هامًّا في خدمة الثقافة الهندية والتراث العلمي والفني على العموم. وللجينييين أيادٍ واضح بصفة خاصة في خدمة فن المعمار، فقد برعوا في النحت وإقامة التماثيل، وتشييد العمائر والمعابد ببراعة فائقة. وقد نحتوا الكهف العظيم المسمى هاتي كنبا في منطقة أوريسا في القرن الثاني قبل المسيح، والكهوف الجينية كثيرة ومنتشرة في مختلف أنحاء الهند، والجينيون مولعون بتعمير المعابد، والمعبد ضروري للمجتمع الجيني كما أن تعميره فرض ديني لديهم. وعن معابد الجينيين يقول غستاف لوبون: ولا تجد ديانة تعتد بالمعابد اعتداد الجينية، ولا تجد ديانة شادت من المعابد الكبيرة الفخمة أعظم مما شادته الجينية، فالحق أن معابد الجينية في كهجورا وجبل آبوا هي عجائب فن البناء في الهند،

стр. 284

والحق أنه يخيل إلى الناظر في أروقتها شبه المظلمة، اهتزاز قوم من الخلائق الغريبة المنقوشة على الحجر يشعون حياة ويكتنفون أحد الجيناوات البادي هادئًا رزينًا متربعًا في جلوسه على العموم، وهو في حالة عرض كامل. ويبلغ تعداد الجينيين إلى نهايات القرن العشرين حوالي المليون، وكلهم في الهند، فالجينية كالهندوسية لم تخرج من الهند، ومستواهم الاجتماعي والثقافي راقٍ في الغالب، وعنايتهم بالثقافة لا تقل عن عنايتهم بالمال والفنون، فتلك لمحة تاريخية عن الجينية من بدايتها إلى نهايتها وما آلت إليه. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله، وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 285

الدرس: ١٣ ديانة السيخ، والديانة البوذية الصينية .

стр. 286

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث عشر (ديانة السيخ، والديانة البوذية الصينية) من هم السيخ؟ وما هي معتقداتهم ؟ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد: فلا زلت أحدثك عن أديان الهند الكبرى؛ الهندوسية، البوذية، الجينية، وحديثي عن هذه الديانات لا يجعلني أغفل من عُرفوا باسم السيخ، من السيخ؟ وما هي معتقداتهم؟: المعنى الحرفي للفظة السيخ هو المتعلم أو التلميذ، ومؤسس هذه الديانة هو نناناك؛ لذلك كان يطلق على الجماعة التي اعتنقت أفكاره اسم نناك بانتيز أي: المتحدون مع نناك قبل أن يطلق عليه اسم السيخ، ولد المعلم نناك عام ألف ربع مائة وتسع وستون ميلادية في قرية تلفاندي، تلفاندي القريبة من مدينة لاهور، وأمضى طفولته وجانبًا من شبابه في هذه القرية، ولم يتركها إلا بعد أن تزوج وأنجب ولدين، ينحدر والداه من عشيرة أرستقراطية لكنها ليست غنية. انتقل ناناك إلى سلطان بور، ليشغل وظيفة حكومية في مجلس النواب، وبقيت أسرته مع عائلته في مسقط رأسه، ويصف كتاب (شواهد الميلاد) الذي يخبر عن حياة ناناك طريقة عيش الموظف الحكومي في سلطان بور، التي اتسمت بالجدية والمواظبة على العمل، وكيف أنه كان يقضي الليل في الصلاة والتأمل. وفي سلطان بور تعرف ناناك على شاب مسلم اسمه ماردانا وعُقدت بينهما أواصر الصداقة، ألفا معًا ولفترة طويلة ثنائيا منسجمًا للتبشير الديني. وفي أواخر عام ألف خمسمائة ميلادية ترك ناناك سلطان بور؛ ليعيش حياة الزهاد المتجولين، وانطلق يبشر بديانة الجديدة التي توصل إليها بعد تجربة روحية مميزة، والتجربة الروحية حصلت له عندما كان يستحم ذات يوم في نهر وسط غابة؛ إذ اختفى بين الأشجار وانتقل إلى عالم آخر مَثُلَ فيه أمام الحضرة الإلهية، قدم الله في أثناء هذا اللقاء إلى ناناك كوبًا من الماء وخاطبه قائلًا: أنا معك، لقد جعلتك سعيدًا، وسأمنح السعادة كل من يتبعك، اذهب وبشر باسمي، ودع

стр. 287

الآخرين يقلدونك، إياك أن تلوث نفسك بالماء، بل مارس الصلاة، وفعل الخير والتأمل. لقد قدمت إليك هذه الكأس لعطفي عليك، عندئذٍ تلفظ ناناك بالصلاة أصبحت فيما بعد الدعاء الصباحي للسيخ، قال فيها: هناك إله واحد اسمه الحق والخالق، وهو أزلي وغير مولود، وموجود بذاته، وعظيم، ورحيم، وسوف يبقى إلى الأبد. ترك ناناك الغابة بعد ثلاثة أيام من اختفائه فيها، وانطلق يبشر برسالته يرافقه صديقه مردانا الذي آمن بالدعوة، وجاب الصديقان، وجاء الهند للتبشير لكن النجاح لم يحالفهما إلا في بلاد البنجاب، وكثر الأتباع والتلاميذ السيخ في هذه المقاطعة، ويظهر من التلميحات الواردة في كتابة السيخ أن ناناك شهد غزوات إمبراطور المغول باببير، وأن تجواله للتبشير توقف في أثناء هذه الغزوات، ويبدو أن أحدهم تبرع له بقطعة أرض على ضفاف نهر رافي، فشيد عليها قريته المعروفة باسم كارتر بور، أمضى الغورو المعلم الأول ناناك بقية أيامه في القرية التي شيدها، ومات فيها عام ثمانية وثلاثين وخمسمائة وألف من الميلاد، بعد أن عيَّن مكانه خليفة من تلاميذه واسمه أنفادا، وجعله الغورو المعلم الثاني. كتب السيخ المقدسة جُمعت الكتابات المقدسة عند السيخ في مجموعتين: المجموعة الأولى ويطلق عليها اسم آدي غرانت، ولها وضع شرعي لا خلاف عليه عند جميع الأتباع، والمعنى الحرفي للكلمة هو المجلد الأول، وجُمعت هذه المجموعة ما بين عامين ألف وستمائة وثلاثة وألف وستمائة وأربعة من الميلاد أي: بعد حوالي خمسة وستين سنة من وفاة ناناك، وقام بجمعها المعلم الروحي أرجان.

стр. 288

ولآدي غارانت أهمية كبيرة في الحياة اليومية للسيخ المؤمنين ويطلق عليها اسم آخر هو غورو غارانت صاحب، وهذه المجموعة مكتوبة بلغة سانت بهاشا، التي تمتزج فيها اللغتان الهندوسية والبنجابية، وهي لغة استعملت على نطاق واسع في شمالي البلاد الهندية في أواخر العصر الوسيط، لكنها اليوم لا تُستعمل إلا في مقاطعة البنجاب، والمجموعة تتضم أقوال ووصايا الغور الأول أي: المعلم الأول ناناك، مع إضافات للمعلمين الآخرين مثل: رامداس، عمار داس، وتاج بهادورو، وجويند سانغ، وبسبب الفراغ في قيادة السيخ بعد المعلم جويند سانغ إحتلت آند غراند منزلة مرموقة، خصوصًا في القرن الثامن عشر الميلادي. أما المجموعة الثانية: ويُطلق عليها اسم داسام غرانت، وهو المجلد الثاني الرديف للأول، تمَّ جمعه في القرن الثامن عشر، ويتضمن أعمالًا متنوعة تنسب إلى جويند سانغ إضافة إلى مجموعة من الحكايات الهندوسية، وأخبار عن حيل النساء وأهمية هذا المجلد تكمن في احتوائه على نماذج من المُثل العليا التي سادت في القرن الثامن عشر، وعلى أخبار تعرف بالوضعية التاريخية للسيخ في هذه الفترة. عقيدة السيخ: إن أثر الدين الإسلامي على ديانة السيخ يظهر بجلاء في شكل ومضمون الشهادة، التي أطلقها ناناك بعد مُثوله في الحضرة الإلهية؛ لذلك وصفت العقيدة بأنها خليط من الهندوسية والإسلام، وهو كان بدأ دعوته بالشعار ليس هناك هندوسي ولا مسلم.

стр. 289

في مطلع المجلد الأول: آدي غارانت يبحث ناناك مسالة وحدانية الله، فيفسر وحدانية الله تفسيرًا واحدًا أي: أن الله شخصي وواحد، وهو خالق مفارق، ومتعالٍ، ويستخدم عدة من مصطلحات للتعبير عن الله منها: نيرنيكر أي: الذي لا شكل له، ومنها أكال أي: الأزلي، وألخ أي: ما لا وصف له، ويركز ناناك على الصفة الأخيرة ويوضحها توضيحًا يقرب من التفسير الإسلامي لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: ١١)؛ إذ إ ن الموجود الذي له أوصاف يكون محدودًا وملابسًا للمادة، وهو أمر منكر ولا يصح قوله على الله. والسؤال الذي يطرح على ناناك هو التالي: مادام الله لا يمكن وصفه، وبالتالي لا يمكن رؤيته؛ كيف إذًا يمكن معرفته؟ تقدم ناناك بجوابين على هذا السؤال في الجواب الأول يقول: إن المرء لا يستطيع أن يعرف ربه؛ لأن الله فوق قدرة الفهم البشري ويستحيل على الفاني أن يعرف الخالد، لا يدرك الشبيه إلا الشبيه به. أما الجواب الثاني: فهو أن معرفة الله بتمامه وإن كانت مستحيلة يبقى أن الإنسان يعرف هو حسب طاقته، وقد أعطى الإنسان وحيًا يمكنه فهمه، ويتجلى هذا الوحي في الخلق، وبما أن الخلق تعبير صريح عن الوحي الإلهي أصبح الله حاضرًا في كل مكان؛ حيث اتجهتم فثم وجه الله. سارب فياباك: وهو موجود في مخلوقاته، وبإمكان الإنسان المنتبه روحيًّا أن يرى الخالق في كل مكان، وفي كل مخلوقاته، وقلب الإنسان هو مهبط الوحي الإلهي، ويحتاج الإنسان إلى قوة البصر والبصيرة؛ ليدرك الخالق، وتجلي الله في المخلوق يشكل نقطة الاتصال بين الله والإنسان، وما تحصل هذا الاتصال وفُهم تجلي لله على حقيقته ببصيرة نافذة أمكن الخلاص الذي يُعتبر الفحوى الأهم لتعاليم ناناك،

стр. 290

انتقد ناناك المسلمين والهندوس لإكثارهم من الطقوس والممارسات الدينية التي لا طائل منها سوى إلهاء الناس عن الوصول لله، ويلوم الهندوس على مبالغتهم في ممارسة الطقوس النسوكية، والحج، وتعظيم الأصنام مع أن الله لا يُعبر عنه بصخر، أو خشب، وآمن السيخ بفكرة الله الواحد الخالق، وأطلقوا عليه الاسم الحق تهربًا من تسميته الله، أو راما، أو فيشنا، أو غيرها. وأهم صفة أعطوها له هي صفة العطف، وسموه بالعطوف هيرا؛ لأن العطف هو أهم صفة له وللموجودات، واعتقدوا بأن الإنسان هو سيد المخلوقات التي اعتبرت مسخرات له، والإنسان هو الأقرب إلى الله من جميع المخلوقات، كما أن الفرصة متاحة للإنسان لكي يندمج مع الله، ويحصل له بذلك الخلاص النهائي، والسعادة الحقيقية الفائقة. يؤمن السيخ بالخلاص والاندماج: آمن السيخ بعقيدة التناسخ على طريقة الهندوس؛ إذ اعتبروا التناسخ نوعًا من العقاب أو عذاب الموت بعد الموت، والتناسخ ضرورة لعقاب أولئك الذين تعلقوا بالعالم وعبدوا موجوداته، بنتيجة ضلالهم وأوهامهم، حتى استعبدتهم وسجنتهم داخل دورة تناسخ لا بداية لها ولا نهاية من الميلاد والموت. إن العدو الأساسي للإنسان بنظر السيخ هو المايا، المايا وتعني: اللا واقع أو اللا وجود أو العدم والوهم، وأراد ناناك من المايا لا واقعية القيم والمثل التي يكوِّنها البشر من مباشرتهم وتعاملهم مع الواقع، وهو تعامل مبني على الوهم والخيال، وبعيد كل البعد عن الحقيقة، ويعتقد الناس وهمًا أن القيم التي يستمدونها من

стр. 291

تعاملهم مع الواقع خيرة ومرغوبة، مع أنها وهم وخداع، ومتى فهم الإنسان حقيقة القيم ومواطن الوهم والخداع فيها؛ يكون قد تقدم خطوته الأساسية على طريق الخلاص من المايا، ومن التعلقات الفارغة والفاسدة بموجودات العالم، ويتحتم عليه الدخول في عذابات الولادات والموت المتكرر، وبخروج الإنسان من ضلاله ومن عبودية العالم يسلك الطريق الصحيح إلى الفرح الأزلي برؤية السعيدة، والقرب من الله. أما الضال الذي لا يندم على ضلاله محكوم عليه بالانفصال، والبعد عن الله، وتعمى بصيرته عن إدراك تجليات الله في مخلوقاته، ويصعب عليه الضال فهم توضيح الغورو المرشد أو المعلم، الذي يعتبر صوت الله لتجليات الله في المخلوق. أما السيخ التلميذ الذي يتفهم كلام الغورو المرشد عن الحقيقة الإلهية، ويستوعب النظام الإلهي للكون ماديًّا ونفسيًّا يكون قد سلك طريق الخلاص في الانسجام مع الله، وطريق الخلاص يُلزم بنظام للعبادة يحتاج إلى لمثابرة في تطبيقه حتى يحصل الخلاص النهائي، وتطبيق نظام العبادة لا يحتاج إلى معابد وجوامع وصلاة وحج. إن البيت الوحيد الذي يمكن قبوله للعبادة هو القلب البشري الذي ينطق فيه المعلم الروحي الغورو بالكلمة الإلهية. ويوضح الباحث جيفري بارنرتر المصطلح الذي يستخدم في الغالب عن النظام الذي يعلمه المعلم ناناك، المصطلح هو نامسيمرام، والمعنى الحرفي للكلمة هو تذكر الاسم الإلهي، وقد كان التكرار الآلي لكلمة معينة أو لمقطع من كلمة مقدسة يعني: ممارسة وحدده للعبادة، لكن المعنى الذي يُضيفه ناناك إلى المصطلح يتجاوز ذلك.

стр. 292

فهناك أولًا إصرار على الجانب الباطني المطلق للنظام، ثم التوسع في الكلمة الواحدة؛ لتصبح نظرية متطورة عن التأمل، وحتى هذا التأمل لا يكفي وصفًا للممارسة، فالمثل الأعلى هو التعرض الكامل لكيان المرء أمام الاسم الإلهي، والتطابق الشامل لكل ما يكونه المرء ويعمله مع النظام الإلهي الذي يجد التعبير عنه في الاسم الإلهي. والتدرج في التأمل والعمل يدفع بالروح إلى الاتحاد الصوفي بالله، وهذا الاتحاد يحرر الروح من أغلال التناسخ، ويؤدي بها إلى العتاق الكامل، ويشعرها بفرح وسعادة الاندماج في الله. إن التركيز الشيخ على الجانب التأملي الباطني، أو ما يمكن التعبير عنه بالتأمل الصوفي لم يبعدهم عن الجانب العملي والسلوك الأخلاقي المميز الذي يساعد على عملية تصفية القلب وتنقيته، فعلى التلميذ -أي: السيخ- أن يعيش في الفضيلة ويطيع معلميه الغورو، وينتبه إلى إيضاحاتهم وعليه أن يكون وفيًّا لزوجته، ومحبًّا لأولاده وعليه أن يبتعد عن الجدال والخصام وسلوك طريق المسالمة. ومن النصائح التي شدَّد عليها المعلم أمارداس تلك التي تقول: "إذا عاملك أحد بسوء فتحمل ذلك، وإذا تحملت السوء ثلاث مرات فالله نفسه سيحارب عنك في المرة الرابعة". إلا ان المسالمة التي دعا إليها أمارداس معلم السيخ من سنة ألف وخمسمائة واثنين وخمسين إلى سنة ألف وخمسمائة وأربع وسبعين من الميلاد تحولت إلى دعوة وتأهب دائم للقتال في أيام الغورو العاشر غوفنيد سينغ، قام هذا الغورو بتأليف أناشيد وتراتيل قتالية غايتها إلهاب حماس السيخ للانفصال عن المسلمين، وإقامة كيان سياسي خاص بهم، وأقام طقسًا مميزًا ومشهورًا سماه معمودية السيف، وادَّعي بأنه توصل إلى إقامة هذا الطقس بروح إلهي، ويقوم

стр. 293

هذا الطقس على تغطيس سيف في شرب محلي، والذين يتناولون من هذا الشراب يشكلون جماعة الأطهار الأنقياء، ويكتسب الواحد منهم اسم سينغ أي: الأسد، ويطلق شعره ويحمل خنجرًا ويرتدي ثيابًا مميزًا، ويقسم على مقاتلة المسلمين والهندوس على السواء، وتحولت بذلك عقيدة السيخ إلى حركة سياسية. إلا أن الغورو غوفيند سيند قتل على يد مسلم، وكان قد فقد ابنيه في الحرب. قبل ذلك ومن يومها أصبح الغارانت الكتاب المقدس عند السيخ هو الغورو، ويعامل على هذا الأساس فيكسى بحلة ثمينة، ويوضع كل صباح على عرش منخفض في معبد أميرتيسار الذهبي، وينقل كل مساء إلى سرير ذهبي في غرفة معزولة، هذا مع العلم أن المعلم ناناك وسائر المعلمين التسعة الذين خلفوه كانوا ضد تحويل العبادة إلى طقوس جامدة تبعد عن الله. البوذية الصينية أتكلم عن البوذية الصينية، ظلت الكونفشوسية والطاوية العقيدتين القوميتين للشعب الصيني إلى ما بعد وفاة كونفشيوس المتوفى سنة أربعمائة وتسع وسبعين قبل الميلاد بحوالي خمسمائة عام، إلا أن كل واحدة من هاتين العقيدتين خضعت لعمليات تقوية أو إضعاف تبعًا للتغيرات السياسية في البلاد، ومع النصف الثاني من القرن الأول الميلادي شقت البوذية طريقها نحو الصين، وتداخلت الديانات الثلاث في الصين حتى شكلت كلًّا معقدًا، ويعتقد الصينيون ويصرون على أن هذه الديانات الثلاثة تشكل أسرة دينية واحدة، والسؤال المحير هو: هل الصيني كونفشيوسي أو طاوي أو بوذي؟ وصعوبة الإجابة عن هذا السؤال ترجع إلى أن

стр. 294

الصيني لا يجد أي حرج في اعتناق واحدة من هذه الديانات، ثم يأخذ في حالات عدة بحلول عقيدة أخرى مما يعني: أن الصيني غير متعصب لواحدة من الديانات الثلاثة المعترف بها في بلاده. تاريخ البوذية في الصين: من الناحية التاريخية لا نعرف بدقة متى دخلت البوذية إلى الصين، لكن الثابت أن البوذية عُرفت في الصين حوالي عام خمس وستين ميلادية؛ إذ سجل وجود جماعة بوذية في بلاط أحد أمراء أسرة هان، ثم ظهر في نهاية القرن الأول الميلادي جماعة بوذية في العاصمة يويك. كيفية دخول البوذية إلى الصين: بالرغم من الحاجز الهائل للهامالايا والصحارى اللامتناهية لآسيا الوسطى، فقد كشفت بعثات التنقيب خاصة بعثات بيليو وأورين شتين في أوائل هذا القرن أن البوذية دخلت عن طريق البر وليس عن طريق البحر، كما كان يعتقد؛ إذ كان للبلاد الواقعة على طريق الحرير أثر بالغ في المد البوذي، فالحوض المعروف بحوض تاريم الصحراوي محاصر شمالًا وجنوبًا بطرق مهمة لمرور القوافل التجارية التي تقوم بمبادلة البضائع عند سفوح بامير، منطقة مشتركة بين طاجكستان وأفغانستان ببضائع العالم الإغريقي والروماني، وقد اكتشف الحاج الصيني هاوان تسانغ في القرن السابع طريق الحرير، وعبره ذهابًا وإيابًا، وأخبر عن مناسك كبرى في كشفار ووش وكوتشا في الشمال، ويرفانت وخطان في الجنوب، وأثبتت الحفريلات أقوال هاوان تاسانغ؛ إذ عثر في تلك المناطق على تماثيل وكتابات بوذية من ذلك العهد.

стр. 295

وقد شكلت تركستان جسرًا ثقافيًّا بين الهند والصين، وفي مراكزها العلمية تم ترجمت مؤلفات البوذية السنسكريتية إلى اللغة الصينية، وتذكر الروايات أن المترجم كومارا جيفا المتوفى سنة أربعمائة وثلاث عشر من الميلاد من كوتشا احتجز في الصين، وطلب إليه إدارة مركز الترجمة من السينسكريتية الذي ضم في أيامه ثمانمائة ناسخ، وفي عام خمسمائة وست وعشرين ميلادية وصل إلى كانتون من الطريق البحرية الطوباوي وزيزا راما، الذي يعتبره الصينيون بطريارق البوذية الثامن والعشرين. وفي القرن الثامن الميلادي دخلت الصين مرورًا بالتبت البوذية التنترية، ثم في القرن الحادي وصل إلى معبد أوتان شاي الصيني قادمًا من الهند فقيه الكنيسة التيبيتية، والمصلح التنتري أسيكا للتبشير بالبوذية، لقد حصل التبشير بالبوذية منذ عهد أوسرت هان إلا أن انتشارها الفعلي حصل بفضل حماية الملوك التيتريين ملوك الصين الشمالية من القرن الثالث حتى القرن السادس الميلادي، وحوالي عام ثلاثمائة وخمس وثلاثين من الميلاد بدأ الصينيون يعتقدون البوذية، ويؤسسون الرهبانيات التي سنها بوذا، ثم أكملت البوذية انتشارها في عهد سلالة تانغ من سنة ستمائة وثماني عشر إلى سنة تسعمائة وسبع من الميلاد، ولم تستطع الحركة الكونفشوسية على أيام الإمبراطور أورتوسونغ عام ثمانمائة وأربع وأربعين من الميلاد المناهضة للديانات الدخيلة من القضاء على البوذية، مع أنها استطاعت أن تمحو ديانات أخرى كالمانوية، والزرادشتية، وتطمس أثارها نهائيًّا في الصين. وعندما ارتقى تيشين توسونغ عرش إمبراطورية عام ألف وتسعة عشر من الميلاد أطلق الحرية للبوذية والطاوية، وفي عهده ظهرت أول طبعة من الشريعة الصينية،

стр. 296

وكانت تضم كتابات من القانون السنسكريتي الهندي، والقانون البالي، ثم ازدهرت البوذية في الصين في عهد الحكم المنغولي للصين؛ إذ أن جنكيز خان سنة ألف مائة واثنين وستين إلى ألف ومائة وسبعة وعشرين استعان بالمثقفين البوذيين؛ لتعليم القبائل البربرية. أما سلالة المينغ التي أعقبت الحكم المنغولي فقد قامت بحملة ضد البوذية، وشجعت الكونفشوسية وقوتها، فاستمرت البوذية ضعيفة إلى أن عاد الاحتلال الياباني للصين، وأطلقها من جديد لمواجهة حملات التبشير بالمسيحية الوافدة من الدول الكبرى. تعاليم البوذية الصينية: هناك ظاهرة ملتفتة للنظر في المعابد والهياكل البوذية في الصين؛ إذ يرى دائمًا تمثال بوذا يحيط به من اليسار تمثال لاوتسي مؤسس الديانة الطاوية، ومن اليمين تمثال كونفشيوس مؤسس الديانة الكونفشوسية، ولهذه الظاهرة دلالة على الصعيد العقائدي، وقد ظهر في القرن الحادي عشر كتاب بعنوان (أساس الدين) لراهب بوذي يطرح في البداية السؤال التالي: لماذا التصادم بين بوذا ولاوتسي وكنفشيوس، وثلاثة بشروا بال ع قيدة نفسها، يجب إذا إحترامهم، دخلت البوذية إلى الصين لتأتلف وتتأقلم مع تراث ديني عريق تشكل الطاوية والكونفشوسية أهم رموزه المنظمة، فدين سكان الصين البدائيين لم يكن يختلف بوجه عام عن دين عبدة الطبيعة وموقماته الخوف من الطبيعة، وعبادة الأرواح الكامنة في مظاهره، وكانت الأرض والسماء في هذا الدين البدائي مرطبتتين إحداهما بالثانية؛ لأنهما وجهان لوحدو كونية عظيمة، ولأنهما شطران من نظام عالمي شامل يُدعى الطاو أي: الطريقة السماوية، وكل ما في

стр. 297

العالم من الأجزاء تسير وفق هذا النظام الطبيعي، وعبد الصينيون البدائيون السماء، واعتبروها الإله الأكبر، والمنظم للعلاقات بين الأبناء والآباء، والأزواج والزواجات، والأقنان وسادتهم والسادة والإمبراطور. اعتبر الصينيون أن نظام السموات ومسلك البشر الأخلاقي عمليتان متشابهتان؛ لأنهما شطران من النظام الشامل، أو الطاو، وكان الصينيون يقدمون في كل يوم قربانًا بسيطًا من الطعام لأسلافهم من الموتى، ويرسلون الدعوات إلى أرواحهم لاعتقادهم أن الأسلاف يعيشون بعد الموت في مملكة غير واضحة وغير محدودة، واعتقدوا أيضًا أن الأسلاف في مقدورهم إسعاد رزيتهم أو أن يشقوها. وهكذا عظم الصينيون موتاهم وخلدوا ذكراهم، لأن في تخليد الأموات تعظيمًا للطرق القديمة التي كانوا يسيرون عليها، ويغلقون الباب في وجه البدع ويضمنون الاستقرار والسلام في أرجاء الإمبراطورية. وفعلت الديانية الكونفشوسية فعلها في المجتمع الصيني، فوسعت مجال العقائد الشعبية وضيقت نطاقها في وقت واحد، وحل كونفشيوس بفضل مراسيم الإمبراطورية المؤيدة لتعاليمه منزلة مرموقة في نفوس العامة، وأصبح في المنزلة الثانية بعد السماء نفسها، وأقاموا له الهياكل وقدموا له القرابين، إلا أن التعاليم كونفشيوس لم تكن تتضمن أية إشارة للخلود، والسماء لم تعد في المنزلة الأولى السامية، إلى أن نظام العالم أو الطاو حلَّ محلها في السمو والقداسة، ولذلك لم يحظ دين كونفشيوس بالتأييد الكامل من الشعب الصيني؛ لأن تعاليمه لا تترك مجالًا واسعًا لخيال الناس، ولا تشجع الأساطير والخرافات التي تثير البهجة والسرور والاطمئنان في نفوس العامة. فالشعب الصيني كغيره من الشعوب يزين الحقائق الواقعية الثقيلة والمؤلمة بخوارق طبيعية، ويلجأ الأفراد إلى الأرواح المحيطة بهم يستمدون منها العون والقوة.

стр. 298

لأجل ذلك كانت نفوس الصينيين ترفض النزعة العقلية التي سادت العقائد الكونفشوسية، وتميل إلى عقائد مريحة تفتح لهم أبوابًا سحرية إلى عوالم واسعة من السلوى والغبطة. أما الطاوية فقد أصبحت ولألف عام عقيدة الصينيين والأباطرة والطاوية على ما فيها من غموض قدمت نفسها كطريقة للحياة تهدف إلى تأمين السلام الشخصي، وما أن جاء القرن الثاني بعد الميلاد حتى ادَّعى أتباع اللاهوتسي مؤسس الطاوية بأنه اكتشف أكثير الحياة الذي يهب شاربه الخلود، وشاع هذا الأكثير بصورة شراب أودى بحياة عدد من الأباطرة الذين أدمنوا شرابه، وحوالي عام مائة وثمان وأربعين ميلادية أوهم أحد معلمو الطاوية الناس بأنه يشفيهم من الأمراض مقابل خمس حفنات من الأرز، وخيل لبعض الناس أن سحر هذا الرجل قد شفاهم من أمراضهم. أما الذين لم ينفع معهم السحر قيل لهم: إن سبب الفشل يعود إلى ضعف إيمانهم، وأقبل الناس على اعتناق الطاوية، وشيدوا للاوتس الهياكل والمعابد، وحكوا عنه القصص الخرافية، وقالوا بأنه ولد ولادة عجائبية، وحملت به أمه حملًا سماويًّا، وأنه ولد كهلًا كامل العقل، وكافحت باعة الطاوية لمزاحمة الكونفشوسيين في فرض الضرائب والتنعم بها إلى أن جاءت البوذية بطروحاتها التي جزيت الصيني، وأشعرته بالاطمئنان، والغبطة، ووعدته بالسلام الخالد. البوذية التي دخلت الصين في القرن الأول الميلادي لم تكن البوذية النقية التي بشَّر بها المغبوط البوذا، وأدار عجلتها وسن نظامها التقشفي والنسكي، بل كانت ديانة فرح وبهجة دغدغت عواطف سكان الصين البسطاء، كما أن الديانة

стр. 299

الجديدة الوافدة حملت معها رهطًا من الآلهة الذين لا يمتازون كثيرًا عن البشر، أمثال أمبتبها حاكم الجنة، وكوانين إله الرحمة، وأضافت إلى الآلهة الصين عددًا من اللاواهان والأرباط، وهم ثمانية عشر قديسًا من أتباع بوذا الأولين الحاضرين دومًا؛ لتقديم المساعدة لبني البشر، ولتخليصهم من عذاباتهم وآلامهم، واستقرت البوذية في الصين وتلقفها الصينيون البسطاء، وحضنوها إلى جانب الطاوية وأقام رهبانها في الوزارات والهياكل إلى جانب رهبان الطاوية في هياكلها على كايشان جبلها المقدس، ثم سرعان ما تشعبت البوذية في الصين إلى عدة طوائف بسبب تداخلها مع المعتقدات الطاوية، والكونفشوسية، وأبرز هذه الطوائف أو المدارس مدرسة البلاد النقية التي يؤمن أتباعها بأمتبها البوذا المفضل بالولادة الثانية في نعيم هذا الإله. وتعتبر هذه المدرسة من أقدم المدارس البوذية في الصين؛ إذ أن النص الذي يحتوي على نص ذاك النعيم، ورواية أمبتبها تُرجمت إلى اللغة الصينية في أوائل القرن الثاني الميلادي. ومدرسة التأمل أسسها في القرن السادس الراهب البوذي الكبير بوذيذا راما، الذي عُرف عنه أنه عندما وصل إلى لويانغ بقي فيها تسع سنوات يتأمل مسمرًا عينيه إلى جدار، وتضيف الرواية أن هذا الراهب، وهو في هذه الحالة -حالة التأمل- خاف أن تنطبق أهداب عينيه فقصها ورماها أرضًا، فنبتت بعد حين، وصارت أول شجرة شاي تحرم أوراقها المغلية الرهبان من الاستسلام إلى التعب خلال تأملاتهم. ومن أهم تعاليمه أن الوحي لا يهبط، والإشراق لا يتم بالمعرفة، بل بالتأمل، ولذلك دعت هذه المدرسة بمدرسة التأمل، ثم مدرسة الأسرى وهي مدرسة

стр. 300

متأخرة في الظهور؛ إذ تأسست في بداية القرن الثامن بتأثير المدرسة التنترية، وتميزت بإدخالها الكثير من القصص الخرافية الصينية، وأكثرت من المناسبات الاحتفالية التي لقيت ترحيبًا من الصينيين. يصف ويلد يوراند الصيني بقوله "لم يعرف التاريخ نفسًا أشد دينونة من نفسه" فأكثر ما يهتم به الصيني أن يعيش بخير في هذه الحياة الدنيا، إذا صلى فإنه لا يطلب في صلاته أن ينال نعيم الجنة، بل يطلب الخير لنفسه في هذا العالم الأرضي، وربما لهذا السبب لم تتمكن الديانات السماوية من الانتشار في البلاد الصينية؛ ففي الصين حاليًا حوالي خمسة عشرة مليونًا مسلمًا معظمهم من أصول غير صينية، وفي الصين أيضًا مليون مسيحي مع أن النصاطرة غزو البلاد وبشروا بالمسيحية منذ أكثر من ألف سنة في عهد إمبراطور ناي دوزونج حوالي عام ستمائة وست وثلاثين من الميلاد، وكان رجاؤهم أن تعم المسيحية جميع أرجاء بلد الصين ونسبة معتنقي المسيحية في الصين واحد في المائة فقط. وديانة الصيني خليط من الطاوية والكونفشوسية والبوذية، وليس عنده أيُّ موقف من هذه الديانات الثلاثة، ولذلك لم تعرف الصين حروبًا دينية في أي وقت من تاريخها على غرار ما كان يحصل في الشرق الأوسط، وأوروبا وأمريكا، فالصيني عملي ومتسامح، ويعتقد ببساطة متناهية أنه ربما كان رجال الدين لأي دين انتسبوا على حق، وربما كان هناك جنة وخير للإنسان أن يقبل بكل ما تقوله الديانات، ولا ضير عنده في استدعاء رجال دين من كل الطوائف، واستئجارهم ليقيموا احتفلات تأبينية عن روحه، وليتلو الصلوات ويتمتموا بالأدعية على قبره،

стр. 301

والمعروف عن الصيني أنه لا يهتم كثيرًا بالآلهة ما دامت حياته هانئة صافية، ويدعوها لمساعدته في أوقات الشدة، وإذا لم تتحسن أحواله كان للآلهة بالسباب والرجم والتحقير، ومن الأمثلة الشعبية الشائعة: ليس من صانعي التماثيل والصور من يعبد الآلهة فهم يعرفون من أي مادة تصنع، وهم يضعون الحلي والأشياء الثمينة في قبورهم كوضع سيف إذا كان الميت رجلًا، أو مرآة إذا كان الميت امرأة. كما أنهم كانوا يقومون بالصلوات أمام صور أسلافهم كل يوم، وإذا كان الميت من السادة الإقطاعيين كان يدفنون عبيدهم معه ليدافعوا عنه في الحياة الثانية. وعن عبادة الأسلاف سوف تنشأ أولى الديانات اليابانية الشنتو، وبعد دخول البوذية عن طريق كوريا إلى البلاد حوالي عام خمسمائة واثنين وعشرين من الميلاد طورت ديانة الشنتو، ونظمت في القرن السابع عشر بقرار صادر عن إرادة العليا ونشأته إلى جانب ديانة الشنتو مدرسة الزن على يد مؤسسها نيشيرين، عاش من سنة ألف مائتين واثنين وعشرين إلى ألف مائتين اثنين وثمانين من الميلاد. ومن البوذية في الصين إلى البوذية في اليابان، حيث دخلت البوذية اليابان عن طريق كوريا الصينية، ففي عام خمسمائة واثنين وعشرين ميلادية أرسل ملك باكش هدية رمزية إلى إمبراطور اليابان يحملها جماعة من المبشرين البوذيين، وكانت الهدية عبارة عن صور ونصوص بوذية، وسرعان ما توسعت البوذية في صفوف الشعب الياباني على أيام الإمبراطور سيكو سنة خمسمائة وثلاث وتسعين إلى سنة ستمائة وتسع وعشرين من الميلاد، وانتصار البوذية وانتشارها السريع في اليابان يرجع إلى سببين أساسين هما:

стр. 302

حاجات الشعب الدينية والحاجات السياسية والقومية، لم تكن بوذية بوذا هي التي دخلت الصين بصورتها القادمة المليئة بخطوط التشاؤم والتبرم بالحياة، والدعوة إلى الموت للخلاص من العذاب والألم والشيخوخة؛ إذ أن البوذية تحولت تحت السماء اليابان إلى عقيدة قوامها آلهة أوفياء، ومحافل دينية تبعث على الغبطة والسرور، وتعرف اليابانيون على آلهة بوذية المركبة الكبرى الماهايانا الوديعة من أمثال أميذا، وكوانون، واعترفوا بوجود بوذيين منتظرين يخلصون البشرية من عذاباتها، وأخذوا بفكرة خلود الروح الإنسانية الفردية، هذا بالإضافة إلى وجه المهايانا المشرق بصورته الرقيقة الوديعة بكل ما تحمله تعاليمه من فضائل سامية، ودعوة إلى الانصياع التام لإحكام السلطة والدولة، وأقبلت قوى الشعب الياباني على اعتناق البوذية بصورتها الجميلة لما تحمله من عزاء وأمل يجعلهم يعيشون بهدوء، ورغم مصاعب الحياة وقساوة الطبيعية اليابانية، وأصبحت البوذية تمثل العروة الوثقى التي تجمع الشعب في وحدة سياسية وقومية. وهذا الأخير " الوحدة " لاقى الارتياح من قبل القادة والزعماء، فأغدقوا عطفهم على البوذية، وساعدوا في انتشارها، ومن أبرز الأباطرة الذين ساعدوا على انتشار البوذية الإمبراطور سويقوا الذي حكم البلاد تسعة وعشرين عام من سنة خمسمائة واثنين وتسعين من الميلاد إلى سنة ستمائة وواحد وعشرين من الميلاد. ومن إنجازاته المهمة: إدخال الأخلاق البوذية في صلب القوانين القومية والمدنية، وتذكر الروايات أنه في العصر الكايووتي مال الأباطرة إلى الورع حتى إن البعض منهم تنازل طوعًا عن العرش ليجعلوا من أنفسهم رهبانًا بوذيين. وانقسمت البوذية في اليابان كما في الصين إلى عدة مدارس أو طوائف مستقلة تأخذ باسم المدينة التي نشأت فيها إبان كونها عاصمة اليابان، وأهم هذه المدارس

стр. 303

ثلاث: مدرسة نارا من سنة سبعمائة وعشرة إلى سبعمائة وأربع وتسعين من الميلاد، ومدرسة إيانكيو كيوتو حاليًا من سنة سبعمائة وأربع وتسعين إلى ألف ومائة واثنين وتسعين من الميلاد، ومدرسة كما كورا من سنة ألف مائة واثنين وتسعين إلى ألف وستمائة وثلاث من الميلاد. أما طوائف مدرسة نارا: فكانت متأثرة بمدرس ليوتوسونغ الصينية المعروفة باسم مدرسة النظام، ومدرسة هيانكيوتو أسسها الراهبان دينفيو دايشي وكوبو دايش، أسس الراهب الأول طائفة سانداي، وأسس الثاني طائفة شوفونشو، وتأثرت هاتان الطائفتان بمدرسة ميتوسونغ الصينية، وأدخلت العناصر السحرية والباطنية المأخوذة عن التنتيرية البوذية. وأهم طوائف مدرسة كاماكورا في طائفة ذن التي أسسها نايوان إيزي سنة ألف ومائة وواحد وأربعين إلى ألف ومائتين وخمسة عشر من الميلاد. وفي نفس الوقت ظهرت طائفتان تبشران بالألوذا أميتبها، أميدا باليابانية، وتقولان: أن ليس فقط بإتمام الأعمال الخيرة والتعود على التقشف والنسك يمكن وصول إلى فردوس أميتبها، بل بالعشق الصوفي الذي يرتفع ويرفع صاحبه إلى درجة الألوهية، ويؤدي به إلى الخلاص النهائي وأسس مدرسته الأولى واسمها مدرسة البلاد النقية، الراهب هنن سنة ألف ومائة وثلاث وثلاثين إلى ألف ومائتين واثني عشر من الميلاد، وأسس تلميذه شونين طائفة المدرسة الحقيقية للبلاد النقية، ويُعرف أتباع هاتين الطائفتين بالآمديين نسبة إلى آميدا، وهم الأكثرية البوذية في اليابان المعاصرة، وقد دلت الإحصاءات الرسمية التي أجريت في عام ألف وتسعمائة وثلاثين من الميلاد على وجود ما لا يقل عن أربعين مليون بوذي في اليابان، والبوذية اليوم هي الدين

стр. 304

الوطني الياباني، بعد أن طعمت ببعض أفكار الشنتاوية، وخاصة فيما يتعلق بتمجيد الإمبراطور والأقداميين والأمة. لقد استطاعت البوذية التي دخلت مسالمة إلى الجزر اليابانية أن تلبس معتقداتها الأصيلة حلة جديدة متميزة، وغنية بالأساطير، كما أنها أخلت مكانًا في لاهوتها، وفي عداد آلهتها لمذهب شنتو وآلهتها، ودمجت بوذا بأماتيير سو، وتركت مكان في معابدها للشنتو. كان هذا عن انتشار البوذية كدين هندي في الصين واليابان، وأعود إلى دراسة مقارنة بين أديان الهند، قلنا: فيما سبق إن أديان الهند تسير في فلك واحد، وإن الهندوسية هي الدين الأم، وتتشعب منها أديان أخرى، ثم تعود إليها غالبًا في صورة أو أخرى. وهكذا تلتقي أديان الهند في الاعتقاد بالكارما، وإن اختلفت هذه الأديان في تفسيرها وتلتقي تبعًا لذلك في القول بالتناسخ، وفي محاولة التخلص من تكرار المولد بقتل الرغبات والحرمان، وأديان الهند تتجه للتشعب، وتسعى كلها إلى الانطلاق أو النجاة النيرفانا، وليست مدلولات هذه بعيدة الاختلاف، ويصف بويش الارتباط بين أفكار بوذا وبين سواها من الأفكار الهندية بقوله: إن جوتاما لم يكن له أي علم ولا بصيرة بالتاريخ، ولم يكن لدي هـ شعور واضح عن مغامرة الحياة الفسيحة الكثيرة الجوانب في انطلاقها في أرجاء الزمان والفضاء، كا ن ذهنه محصورا في دائرة فكرات عصره وقومه، وقد جمدت عقولهم حول فكرات التكرار الدائم المتواصل. وأبرز ألوان الخلاف بين أديان الهند يتضح في مسألة الطبقات: فقد قررتها الهندوسية ووضعت حدودًا حاسمة تفصل كلًّا منها عن الأخرى ولم تقل بها الجينية أو البوذية، ولكن أيًّا منهما لم تستطع أن تتخلص من النظام الطبقي في الحياة العملية.

стр. 305

ومن أوجه الخلاف كذلك: مسألة الألوهية ففي الهندوسية مجموعة كبيرة من الآلهة، وأنكرت الجينية الإله، ورفضت البوذية الحديثة عنه، ولكن هذه الهوة لم يطل عمرها، فسرعان ما أله الجينيون مهاوير، والبوذيون بوذا، واختلطت التماثيل والآلهة؛ إذ وجد الجينيون أن التدليل على عدم الإله أصعب من التدليل على وجوده، ومما يتصل بالإله ما تقوله الجينية من عدم الاعتراف بوحدة الوجود، ومن أنها ترى أن كل روح وحدة مستقلة خالدة، وليس مصيرها أن تندمج في روح عام؛ بل ستبقى مستقلة خالدة، وهي بذلك تخالف الهندوسية. ولا تعترف البوذية بسلطان الكهنة ولا بقانون لويدا، وتختلف البوذية عن الجينية في أن الأولى تسعى لإنقاذ المجموع، والثانية لإنقاذ الفرد، ومن الواضح أن أديان الهند فيما يتعلق بالإله وعلاقته بالكون والإنسان تختلف عن الأديان السماوية، فهذه ترى أن الكون والبشر وكل شيء مخلوق لله، وهناك حد فاصل بين الخالق والمخلوق، فليس الإنسان جزءًا من الله، وليس الكون جزءًا من الله، وهناك حد فاصل كذلك بين الإنسان والإنسان. أديان الهند في الميزان وأختم بأديان الهند في الميزان: أسطورة الكارما، الكارما أو قانون الجزاء وما يترتب عليه من تناسخ للأرواح، أو تكرار للمولد أهم المبادئ التي تعد محورًا للفكر الهندي، ولا يكاد العقل يقبل مثل هذه الأسطورة، وقد سبق أن أوردنا تردد بوذا في الخوض فيها. وقوله في ذلك هل تكلم ميت قط، والعقل يقره أنه لا بد من جزاء لما يرتكبه الإنسان من أخطاء، ولكن الإسلام اتخذ طريقًا رائعًا حيال هذا الموضوع، فجعل الجزاء يتم أحيانًا في الدنيا وأحيانًا في الأخر، وكان القرآن الكريم مرشدًا للمسلمين إلى هذا الفكر قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (البقرة: ٢٥١)،

стр. 306

كما قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ (الحشر: ٦)، وقال: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ (النساء: ٩)، كذا قال ربنا: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ (القارعة: ٦ - ٩) ولكن الفكر الهندي اتجه اتجاهًا خاصًّا لا يمكن التدليل عليه، ولا فهمه، وبخاصة بعد أن اضطر الفكر الهندي إلى تقرير أن الروح في الحياة الجارية مقطوعة تمامًا عنها في حياتها السابقة، فلا تعرف عنها شيئًا، ومعنى هذا أن الروح تنعم أو تشقى دون أن تعرف أسباب النعيم أو الشقاء. خرافة القول بالتناسخ: ومما يؤخذ على الكهانة سواء في ذلك كهانة الوثنيين، أو أهل الكتاب الذين صارت بهم تقاليد الجمود إلى حالة كحالة الوثنية في تعليم الصور، والتماثيل، والتعويل على المعبد والكاهن في كل كبيرة أو صغيرة من شعائر العبادة إنها تجعل المتدين قطعة من المعبد، لا تتم على انفرادها، ولا تتم لها الديانة أو الشفاعة بمعزل عنه، والتناسخ يخلق وضعًا أعمق من ذلك في عدم الاعتراف باستقلال الشخصية، ما دام الإنسان حلقة من سلسلة مر بحلقاتها الكائن الحي، ونرى أن التناسخ يعارض بوضوح نظام الطبقات الدقيق الذي تقول به الهندوسية، فنظام الطبقات يحافظ على العرق والدم، والتناسخ ينقل الروح من طبقة إلى طبقة، بل من إنسان إلى حيوان أحيانًا، وبذلك اضطر بعضهم إلى القول بأن التناسخ يتم في حدود الصفة التي عليها الإنسان، فأرواح البراهمة تُنقل إلى البراهمة وأرواح العبيد تنقل إلى عبيد، وهكذا ولكن ذلك يُفقد التناسخ قيمته، فالمقصود من التناسخ هو تحقيق الجزاء نظير خير أو شر ارتكبته الروح في حياة السابقة، ولا يتم ذلك ما دام العبد سيبقى عبد، والسيد سيبقى سيدًا.

стр. 307

والتناسخ يعارض كل الدراسات العلمية وعلم الأجناس، حيث تقرر أن الولد بعض أبويه، واستمرار لهما إنه يماثلهما جسمًا ويماثلهما روحًا ومواهب، فهو يرث عن ذويه لون الجسم والعيون والشعر، ويرث القامة والصحة والمرض، ويرث المواهب والأخلاق غالبًا، ولذلك فالتناسخ شذوذ عن الفكر العلمي والطبيعي، وإذا كان التناسخ للجزاء، فماذا يقول الفكر الهندي عن الطفل الذي يموت عقب الولادة؟ إن الروح به لم تستمتع، ولم تعاقب، فليست ولادته إذًا وبعث روح شخص آخر به إلا عبثًا والتناسخ لا يفسر لنا الزيادة المطردة في التعداد، والهبوط الواسع أحيانًا في أثناء الحروب. من أين تجيء الأرواح الجديدة، وإلى أين تذهب أرواح القتلى في الحروب حيث يكون المواليد أقل من الموتى، والقول بالتناسخ تفكيك للأسرة، وتصوير لها على أنها أشتات من الناس لا روابط بينها، فكل فرد من أفرادها منحدر من فرد لا نعرفه، وعلى ما في هذا من الارتباك الاجتماعي فهو أيضًا يُخالف الملاحظ غالبًا من تقارب حظوظ أفراد الأسرة الواحدة، مما يدل على صلاتها الأسرية لا على أنها أشتات كما يرى مبدأ التناسخ. كذا اضطراب الفكر الهندي فيما يتعلق بالإله: فيما يتعلق بالإله نجد الفكر الهندي يتراوح بين التعدد وبين الإنكار أو الإهمال، والعجيب أن موقف الجينيين والبوذيين من الاعتراف بإله كان رد فعل لسوء تصرف لطبقة من البراهمة واستبدادهم، فخاف الجينيون والبوذيون أن تتكون عندهم طبقة لاهوتية كالبراهمة إن قالوا بالإله؛ فأنكروه، أو أهملوا الكلام عنه لهذا الغرض، وذلك موقف لا يرتضى، وقد ترتب على إنكارهم الإله، أو إهمالهم الكلام عنهم أن أله الجينيون مهاوير، وأله البوذيون بوذا، كما سبق القول، وامتلأت معابدهم بالآلهة.

стр. 308

وانحدر الفكر الهندي إلى عبادة الأوثان، ويعتبر علماء الأديان أن الوثنية نتيجة حتمية لإنكار الإله، فكل دين ينبني على إنكار الإله ينتهي بالفشل، وسبب ذلك أن الناس مفطورون على الإيمان بالآلهة، وهم دائمًا يفكرون فيمن خلق السموات والأرض، ومن يحيي ويميت، فإذا خلت عقيدة من الإله بادر أتباعها، فابتكروا الإله على النحو الذي يتفق مع ثقافتهم، ومستواهم العقلي والعلمي، وكذا ننكر عليهم إنكار العبادات وأسطورة النيرفانا والنجاة، والتشاؤم، وما في البوذية من مفاسد، وتردد البوذية في قبول المرأة، وموافقة الأب ضرورة قبول الابن، والاستجزاء والمهانة، كل هذه إذا من الأشياء التي ينبغي أن ننكرها. وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 309

الدرس: ١٤ الديانة المانوية (١) .

стр. 310

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع عشر (الديانة المانوية (١)) من هو " مانو "؟ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد: فها أنا ذا أحدثك هذه المرة إن شاء الله تعالى عن المانوية؛ من هو مانو، حياته مبادئه، ومعتقدات المانوية، والأخلاق المانوية أيضًا. فأقول -وبالله التوفيق-: ظهرت عقيدة المانوية على يد ماني بن فاتك الحكيم، وذلك بعد اضمحلال المسيحية؛ أي: بعد ظهور دين سماوي صحيح تعرض للتحريف وداخلته الأهواء البشرية، وتنازعته الأغراض الدنيوية فكان ماني أو مانو يقول بنبوة المسيح ﵇، ولكنه أدخل مع هذا القول تلك النزعة التي كثيرًا ما تُصيب عُبَّاد القديم، فعاد إلى مجوسية الفرس القديمة، واقتبس منها القول بأن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين: أحدهما نور والآخر ظلمة، وأنهما أزليان لم يزالا ولن يزالا، وأنكر وجود شيء إلا من أصل قديم. ثم اختلفت المانوية في مرجع الخير والشر ومدى ارتباطهما بالنور والظلام فقال أكثرهم: إن سبب الامتزاج أن أبدان الظلمة تشاغلت عن روحها بعض التشاغل، فنظرت الروح فرأت النور، فبعثت الأبدان على ممازجة النور فأجابتها لإسراعها إلى الشر، فلما رأى ذلك ملك النور وجه إليه ملك من ملائكته في خمسة أجناس من أجناسها الخمسة، فاختلطت الخمسة النورية بالخمسة الظلامية، فخالط الدخان النسيم، وإنما الحياة والروح في هذا العالم من النسيم والهلاك والآفات من الدخان، وخالط الحريق النار والنور الظلمة، والسموم الريح، والضباب الماء، فما في العالم من منفعة وخير وبركة. فمن أجناس النور وما فيه من مضرة وشر وفساد، فمن أجناس الظلمة فلما رأى ملك النور هذا الامتزاج أمر ملكًا من ملائكته، فخلق العالم على هذه الهيئة؛ لتخلص أجناس النور من أجناس الظلمة، وإنما سارت الشمس والقمر وسائر النجوم والكواكب؛

стр. 311

لاستصفاء أجناس النور من أجزاء الظلمة، فالشمس تستصفي النور الذي امتزج بشياطين الحر، والقمر يستصفي النور الذي امتزج بشياطين البرد، والنسيم الذي في الأرض لا يزال يرتفع؛ لأن من شأنها الارتفاع إلى عالمها، وكذلك جميع أجزاء النور أبدًا في الصعود والارتفاع، وأجزاء الظلمة أبدًا في النزول والتسفل حتى تتخلص الأجزاء من الأجزاء، ويبطل الامتزاج، وتنحل التراكيب، ويصل كل إلى كله وعالمه، وذلك هو القيامة والميعاد. ومما يعين في التخليص والتمييز ورفع أجزاء النور التسبيح والتقديس والكلام الطيب وأعمال البر، فترتفع بذلك الأجزاء النورية في عمود الصبح إلى فلك القمر، ولا يزال القمر يقبل ذلك من أول الشهر إلى نصفه فيمتلئ فيسير بدرًا، ثم يؤدي إلى الشمس إلى آخر الشهر، وتدفع الشمس إلى نور فوقها، فيسري ذلك في العالم إلى أن يصل إلى النور الأعلى الخالص، ولا يزال يفعل ذلك حتى لا يبقى من أجزاء النور شيء في هذا العالم إلا قدر يسير منعقد، لا تقدر الشمس والقمر على استصفائة؛ فعند ذلك يرتفع الملك الذي يحمل الأرض ويدع الملك الذي يجذب السموات، فيسقط الأعلى على الأسفل، ثم توقد نار حتى يضرم الأعلى والأسفل، ولا تزال تطرم حتى يتحلل ما فيها من النور، وتكون مدة الاضطرام ألفًا وأربعمائة مائة وثمانيًا وستين سنة، إلى آخر هذه التدخلات العقلية البشرية التي تُنزل العقيدة الصحيحة من عليائها إلى فلسفة لا تصلح إلا لزمانها، وقد لا تصلح معه إلا زمنًا يسيرًا، ومع بعض العقول السازجة الضعيفة مما يدل على صحة اتجاهنا الذي يؤكد رجعية هذه المعتقدات، وتخلفها بعد نقاء الوحي وسموه.

стр. 312

بعد هذه المقدمة التمهيدية والفكرة السريعة حول الديانة المانوية نشرع في ترجمة ماني وحياته وذكر مبادئه إن شاء الله تعالى. حياة ماني في شبابه والعمل الدعوي الأول: عاش في حوالي عام مائتين بعد الميلاد أمير فرسي اسمه فتقن، كان من أصل أشكانك عاش في مدينة همزان عاصمة إقليم مديا، وكان متزوجًا من سيدة حملت اسم مريم وهي تسمية يهودية مسيحية، وكانت مريم تنتمي إلى أسرة كمسريكان، وهي أسرة إمارة من أسر الدولة الفرثية، كما أنها كانت فرعًا فروع الأسرة الأشكانية الحاكمة للإمبراطورية الفرثية، وهي الأسرة التي قُدر لها أن تشغل دورًا بارزًا في تاريخ أرمينيا، وعليه فإن الدم الملكي الأشكاني الذي أسهم به الأبوان قد سرى في عروق الابن الذي كتب لمريم أن تلده، وغادر فتق همزان واتخذ مقرًّا له في طيسيفونسلوقية، وهي العاصمة الإمبراطورية الفخمة، وغالبًا ما تنقل الإقطاعيون الكبار وتناوبوا السكنى بين مقراتهم الريفية والقصور الفخمة في العاصمة. هذا؛ ويبدو أن انتقال فتق من موطنه إقليم مديا كان بصورة دائمة، ومن الواضح أن اهتماماته قد تركزت على الدين بشكل مطلق، فقد كان مثل العديد من أترابه باحثًا عن الله، ويخبرنا أحد المصادر العربية أنه عندما كان في بيت الأصنام، وكان فتق يحضر كما يحضر سائر الناس، فلما كان في يوم من الأيام هتف به من هيكل بيت الأصنام هاتف: يا فتق لا تأكل لحمًا ولا تشرب خمرًا ولا تنكح بشرًا، تكرر ذلك دفعات في ثلاثة أيام، فلما رأى فتق ذلك لحق بقوم كانوا في نواحي دسميسان معروفين بالمغتسبة، كما ذكره صاحب (الفهرس النبيل).

стр. 313

هذا ولا نعرف نوع الهيكل الذي يصفه النص العربي، ويسميه بيت الأصنام، فمن المحتمل أن هذه التسمية تتطابق مع بيت بتركي، وهي عبارة سريانية وردت في حكاية جيريانوس، وأطلقت على المعابد الوثنية في سوريا، أو لعلها تتطابق مع عبارة بوتخانا، وهي عبارة تطلق في الفارسية الجديدة على المعبد البوذي بيت بوذا، هذا وليس من المستبعد أيضًا أن المقصود هو المعبد البوذي؛ لأنه من المحتمل كثيرًا أنه كان هناك مقر إرسالية إرشادية بوذية في بلاد الرافدين، منذ أيام الامبراطور أزوكا، ومهما يكن الأمر؛ فقد حملت مريم بعد فترة وجيزة من حادثة بيت الأصنام بولد سمته ماني. هذا؛ ويمكن تحديد تاريخ ميلاد ماني على أنه حدث في الرابع عشر من نيسان لعام ستة عشر ومائتين للميلاد، وبالطبع نجد أن الاسطورة المانوية قد زخرفت هذا الحدث بكل أنواع البشائر الإعجازية الرائعة، فمن المفترض مثلًا أن أم ماني قد علمت عن طريق الرؤى والإلهامات لما قدر لابنها من مواهب وعظمة مقبلة، زد على هذا أنها رأته يُصعد به إلى السماء ثم يهبط منها، هذه المسألة الأخيرة هي الناحية التي تستبق قيام التقاليد الغريبة المتعلقة بصعود ماني إلى السماء. ونظرًا لتنوع الروايات حول تحديد مكان ولاية ماني، بات من المحال الوصول إلى نتيجة حاسمة، وتبعًا لروايته هو كما حفظها لنا الإمام البينوني في كتابه (الآثار الباقية)، فإنه ولد في قرية تدعى مردونوس من نهر قوسا الأعلى، من بلاد بابل الشمالية، وأكد ماني هذه الرواية وقال: بأن مولده حدث بالفعل في بلاد بابل، وذلك في قصيدة الشهيرة وصفبها ذاته فقال: إنني أنا الرسول الشكور المبعوث من أرض بابل.

стр. 314

أما الفهرس وهو مصدر عربي، فيروي: ثم إن أباه أنفذ فحمله إلى الموضع الذي كان فيه، فربي معه، وعلى ملته، وبمعنى آخر أبقى فتق ولده إلى جانبه وعلمه دينه، ماذا كان هذا الدين استنادًا إلى الظروف لا بد أنه دين المختسلة لا غير، وتتوافق عبارة المختسلة العربية مع تسميتين وردتا لدى الكاتب السورياني فيودورباكونيه، وهما منقضى وحلي، وهواري، وتعنياني على التوالي الذين يُطهرون أنفسهم بحلل بيضاء، وفي حين يتطابق التعبير الأول مع عبارة المختسلة العربية، فإن التعبير الثاني ينسجم تمامًا مع عبارة سيفيد جامغان، وهو لقب أطلق على طائفة فارسية ظهرت فيما بعد، ومهما يكن الحال يلاحظ أن العديد من طوائف الكهنوت قد استخدمت الأرضية البيضاء مثل: البرهميين، والمندعيين، والمجوس، والكهنة السوريان في دورا وربوس، وعليه يصعب أن تلفت هذه التسمية انتباهنا أكثر، ومع ذلك ومن الأوضح تطابق المعنى والجوهر بين الذين يمارسون الغسل، والذين يطهرون أنفسهم. وهذا يستلزم ضمنيًّا وجود طائفة معمدانية، وتروى الكتابات القبطية المانوية كيف أن أحد الحواريين سأل ماني عن الكائنات السماوية التي بقدسها أهل الفطرة، فأجابه ماني مشيرًا إلى حياته الأولى والحياة الثانية، وبلا شك إلى الحياة الثالثة أيضًا. ومن المؤكد أن هذه التعاريف موجودة بدقة في الأدب المندعي القديم، والمعني بها الكائنات البدائية السلمية الثلاثة، وعليه يقودنا تصريح ماني مباشرة إلى المندعية، وبفضل التوائم الذي يميز كل من المثيولوجيا المندعية، والمانوية، ومظهرهما الغنطوسي العام، وطقوسهما الدينية، والعديد من تعابيريهما المتخصصة، ويمكننا أن نفترض بكل ثقة أن فتق قد انضم إلى طائفة المندعيين في بلاد بابل الجنوبية، وأن ماني نشأ وترعرع في وسط هذه الطائفة المعمدانية، وتواجهنا هنا بعض العقبات.

стр. 315

لقد فرض على فتق الإلتزام ببعض مظاهر الزهد والتقشف، وهي الامتناع عن تناول اللحوم، وعن شرب الخمر، وعن مباشرة النساء، والمندعية كما هو معلوم ليست من حيث المبدأ عقيدة تقشف، ولكن يلاحظ ان الكتابات المندعية تُردد في أماكن مختلفة مواعظ ضد الجشع والسكر والشبق، وهناك تحذير خاص ضد استهلاك الخمر الذي يؤدي إلى الفسوق؛ لذلك من الواضح أنه كان لدى المندعية نزعة شديدة نحو الأخذ بمنهج حياتي متقشف وعفيف، وفي هذا الوسط وضمن هذه الظروف ترعرع ماني، ولذلك فإن استنتاجنا هو الاستنتاج نفسه الذي توصل إليه البحث الحديث، والذي يقول: نشأ ماني في جنوبي بلاد بابل في وسط طائفة غنطوسية معمدانية، هي بلا شك الطائفة المندعية، وهناك تلقى بوضوح مؤثرات كانت حاسمة بالنسبة لمستقبله. ولما تم لماني اثنتي عشرة سنة أتاه الوحي للمرة الأولى، يذكرنا هذا بيسوع البالغ من العمر اثني عشر عامًا في الهيكل، وكان هذا سنة مائتين وثمانية وعشرين، ومائتين وتسع وعشرين ويروي الفارس بأن الوحي أتاه من ملك جنان النور، والمقصود بملك جنان النور في المصطلح العربي المانوي هو الله رب الأرباب، وقام كائن سماوي بنقل الوحي إلى ماني، وهو ملاك يسميه النص العربي التم، وهي عبارة مأخوذة من الكلمة السريانية توما أي: التوأم وتتوافق هذه العبارة مع كلمة سايسا، سايس القبطية الواردة في المدونات المانوية المصرية، وكان محتوى رسالة الرسول السماوي لماني: اعتزل هذه الملة فلست من أهلها، وعليك بالنزاهة وترك الشهوات، ولم يأن لك أن تظهر لحداثة سنك، وبناء على ذلك هجر ماني الطائفة المعمدانية، التي كان قد التحق بها ولازمها حتى تيك الساعة، تمشيًا مع إرادة والده.

стр. 316

هذا؛ ويروي سيودوربا كونية بأن تلك الطائفة المذكورة آنفًا لم تكن قادرة على التساؤل معه، لذلك تخلصت منه، وأطلقت عبارة توأم على القرين السماوي للنبي، فمن خلال نزوله من السماء جرى تكليفه بتبليغ رسالة النبوة، ولقد كان نهج التفكير هذا إيراني المنشأ، ومعروفًا في الأنطوسية بشكل عام، وهو سيشغل فيما بعد دورًا هامًّا في الأفكار الإسلامية، وتذكر نصوص القبطية أنه تم منح ماني المعرفة الكاملة عند تبليغه بنبوته، وتروي عنه قوله في هذه السنة نفسها عندما كان الملك أردشير على وشك التتويج، نزل الفارقليط الحي، وكلمني للمرة الأولى، وأباح لي معرفة السر المحجوب عن عصور وأجيال بني البشر. السر العميق والعالي سر النور والظلام سر الصراع والحرب الماحقة كل هذا أباحه لي، وتبع هذا على نفس المنوال ذكر جميع النقاط الأساسية للعقيدة المانوية التي يُفترض أن ماني تلقاها في فترة الوحي بسببها. وينهي ماني روايته بقوله: "وهكذا أباح الفارقليط لي وعلمني كل ما كان وما سيكون"، وبناءً على ما سبق جاء اسم الرسول السماوي هنا الفاراقليط الحي، وتذكر المصادر العربية أن ماني قد وصف نفسه بالفاراقليط الذي بشر به عيسى في الإنجيل. هذا، ولا يمكن الطعن بهذا الادعاء بناءً على ما تقدم، بيد أنه كيف يمكن القول عندئذ أن ما يسمى بالتوأم الذي يأتي ماني، هو ذات ماني العليا تمامًا؛ لأن الفاراقليط الحي الذي هو روح القدس هو كالتوأم نفسه، فيقول يوديوس في الفصل الرابع والعشرين: ادعى ماني أنه شيء واحد مع توأمه روح القدس، وفي جميع الأحوال حتى وإن كان ماني قد خاض غمار تجربة طبيعته المشتركة مع حامل الإلهام السماوي، عندما كان في الثانية عشر من عمره، فإن الوقت لم يكن حان بعدُ بالنسبة له؛ ليظهر بوضوح بين الناس، وبقي ماني يعيش في عزلة تامة، وذلك تنفيذًا لأوامر

стр. 317

الرسول السماوي، واستنادًا إلى التطورات اللاحقة يمكن الحكم أنه أمضى فترة الإعداد هذه في دراسة الآداب المقدسة، التي كانت آنذاك متداولة في حضارة بلاد الرافدين، وفي التأمل في جميع ما درسه. ولا بد أن هذا التأمل وهذه القراءة قد أنضجت قناعته، ومهما يكن الحال تم الآن إكمال المرحلة إعداده وتطوره الديني، وهي المرحلة التي يُمكن أن نسميها المرحلة المندعية، وأخيرًا وصل التفويض المنتظر لبثِّ الرسالة إلى العالم، وصل إلى ماني في سنة مائتين وأربعين ومائتين وواحد وأربعين من الميلاد، فيومها قال الملك له: "عليك السلام ماني مني ومن الرب الذي أرسلني إليك واختارك لرسالته، وقد أمرك أن تدعو بحقك، وتبشر ببشرى الحق من قبله، وتحتمل في ذلك كل جهد"، وهكذا فإن رسالة الملاك هي التي عينت ماني رسولًا، وتتناوب عبارة المبعوث في الإغريقية، أبو تولوس مع اصطلاح رسول؛ لتشير إلى عبارة نبي، والنبي هو الإنسان الذي يكلف بالنبوة من قبل الله إما في السماء أو على شكل وحي رباني، دائمًا بشكل مكتوب في الشرق الأوسط، وبعد تكليفه يبشر برسالته للناس على شكل عقيدة، وتمشيًا مع نصيحة الملاك أعلن ماني عن نبوته إلى والده، وإلى أعضاء آخرين بارزين في أسرته، وضمن إيمانهم به، وتحولهم إلى عقيدته. ونستخلص من هذا الخبر أن والد ماني قد احتفظ بالصلة مع أنسبائه وأقربائه، وكان هذا ضروريًّا لأن ماني كان قادرًا منذ البداية اعتمادًا على تلك الوسيلة على نيل الدعم الفعال، ومع ذلك فإن نشاط ماني الاجتماعي العام لم تكن بدايته في بلاد الرافدين كما هو متوقع، بل في الهند، ويخبرنا هو عن ذلك بقوله في نص جاء باللغة القبطية: "بدأت التبشير في

стр. 318

السني الأخيرة بحكم الملك أردشير، فقد أبحرت إلى بلد الهنود، وبشرت بينهم بأمل الحياة، واخترت هناك نخبة جيده. لقد ذهب ماني إلى الهند بسفينته كما ذهب الرسول توماس من قبل، وهو حين فعل ذلك كان كما هو مرجح مطلع على حكاية هذا الرسول، ولربما هي أوحت له القيام برحلته، ومن المحتمل أن رحلته لم تذهب به أبعد من إقليمي مكران وطوران الفارسيين، إضافة إلى المناطق الشمالية الغربية من الهند، وقندهار أي: إلى المناطق المتألفة منها باكستان، فقد كانت الأقاليم الشمالية الغربية واقعة منذ ذلك الحين أي: في حوالي سنة مائة وثلاثين قبل الميلاد تحت النفوذ الفارسي الشديد، بشكل أدق من النفوذ الفرثي، ففي هذه المناطق ربما كان ماني قادرًا على الأقل من الأوساط العليا على جعل نفسه مفهومًا بالتعبير عما كان يريده بلغته الفرثية الأم. ومع أن هذه المناطق لانتشار المسيحية إلى حكم الأسرة المعروفة باسم الأسرة السيزية، فإن عددًا من الأمراء الفرثيين كانوا يحكمون هناك منذ أمد بعيد، وكان من بينهم الملك هندوفار الوارد ذكره في أعمال القديس توماس ويعتبر أنشياكا الرجل الأوسع شهرة بين أفراد الأسرة السيزية الهندية، فهو معروف في التاريخ على أنه كان المحامي الأعظم عن البوذية. ومن المحقق أن البوذية كانت قوية في الأجزاء الشمالية الغربية من الهند، مع أقاليم فارس الشرقية، وذلك منذ أزمان سحيقة، ونتيجة لهذا لا بد أن لماني قد احتكَّ عن قرب بعالم هذا الدين الذي كان ما يزال آنذاك مليئًا بالنشاط والحيوية التبشيرية، ولقد كان للبوذية أعمق الآثار عليه، ويمكن رؤية ذلك بوضوح، وبشكل خاص في تنظيمه لكنيسته، وفي الأساليب التي اعتمدها للتبشير لعقيدته بين العامة من

стр. 319

الناس، ويبدو أن نائب الملك المسمى كوشان شاه لم يكن في ذلك التاريخ سوى أخ لشابور ولي العهد؛ نظرًا لأن اسمه كان فيروز. ولم يقدر لنشاط ماني في الهند أن يدوم طويلًا، ولم يكن عليه أن يمكث هناك فترة تزيد عن السنة، فقد جاء في روايته قوله في "السنة التي توفي فيها الملك أردشير وأصبح ابنه شابور ملكًا وخليفة له أبحرت من بلاد الهنود إلى بلاد الفرس، وسافرت من بلاد فارس إلى بلاد بابل، إلى ميسان وخوز ستان"، وهكذا عاد ماني إلى بلاد فارس بسفينة أيضًا؛ ليعبر كما يبدو إلى إقليم ميسان، هذا ولربما أمكن تثبيت تاريخ الحادثة الغريبة التالية التي وقعت لماني، كما ورد ذكرها في أسطورة المانوية أثناء هذه الرحلة، فقد جاء "وفضلًا عن ذلك كان لشابور ملك الملوك أخ يسمى مهرشاه كان أميرًا على إقليم مايسان، وكان عدوًّا شديدًا لرسول النور الرائع، وكان قد غرس بستان جميلًا جدًّا وكبيرًا للغاية، إلى حد أنه لم يكن له شبيه، وعرف رسول النور آنئذ أن وقت الخلاص قد دنى، وعليهم بعث فقام أمام مهرشاة الذي كان جالسًا وهو شديد الغبطه وسط وليمة قد أقامها في بستانه، ثم إن الرسول نطق ثم تكلم مهرشاه مخاطبًا الرسول بقوله هل يمكن أن يكون في الفردوس الذي يتغنى به بستانًا كبستاني هذا؟ فسمع الرسول كلام الكفر هذا، فأراه بقوته الخارقة جنان النور مع جميع الأرباب والآلهة، ونسيم الحياة الأبدية، وبستان فيه جميع أنواع الغراس وأشياء أخرى تستحق أن تذكر، كان يمكن رؤيتها هناك، ثم سقط مهرشاة على الأرض مغشيًّا عليه لمدة ساعات ثلاث، وبقي في صميم فؤاده ما كان قد رآه، ثم وضع الرسول يده على رأسه، فثاب إلى نفسه واسترد وعيه من جديد، ولذلك خر عندما أفاق على قدمي الرسول، وأمسك بيده اليمنى، وتكلم الرسول كما يلي.

стр. 320

النشاط التبشيري لماني انتقل ماني بعد هذه الحادثة إلى إقليم آشور سيتان أي: بلاد بابل الحقيقية، وانتقل من هناك إلى إقليم ميديا وفيرثيا، ونجح أثناء إقامته في تيسيفون في إقامة علاقات مع الملك العظيم شابور، وجرى استقباله من قبل الملك الجليل، وحظي بثلاث مقابلات متتالية معه، وحصل على هذه المقابلات بوساطة فيروز أخو الملك الذي كان ماني قد هداه إلى دينه الجديد أيضًا، وتبعًا لسيرة ماني كما رواه صاحب (الفهارس) جرت المقابلة الأولى في يوم الأحد، أول يوم من نيسان عندما كانت الشمس في برج الحمل، وتقرر هذا الرواية أن هذا قد حصل خلال أيام تتويج شابور، ويشكك بعض العلماء في أيامنا هذه في هذه المسألة، بينما يؤيدها آخرون ويواجهنا هنا سؤال هو هل كان ماني مشهورًا بما فيه الكفاية للحصول على مثل هذه المقابلة؟ والجواب: هو بالإيجاب على أغلب الظن، لأنه لو كان لماني مؤيد قوي في شخصيته أخ الملك لا يبدو هناك أي مسوغ للشك بالإيجاب، وكان برفقة ماني في مقابلته الأولى للملك أبوه واثنان من تلاميذه هما شمعون وزكوا، وكلاهما اثنان سوريانيان، وقدم للملك بهذه المناسبة كتابه الأول الشابور قان أي: كتاب شابور، والذي هو بالمناسبة كتابه الوحيد الذي كتبه بالفارسية الوسيطة. وتذكر مصادر المانوية أن شابور قد تأثر بعمق برسالة ماني، ووافق على السماح له بنشر تعاليمه بكل حرية، وفي كل مكان من الإمبراطورية، ويقول ماني نفسه: "إن الملك العظيم قد بعث بتوجيهاته للسلطات
следующие страницы →