← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 30912

الأديان الوضعية - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (451 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

هذا؛ ويروي سيودوربا كونية بأن تلك الطائفة المذكورة آنفًا لم تكن قادرة على التساؤل معه، لذلك تخلصت منه، وأطلقت عبارة توأم على القرين السماوي للنبي، فمن خلال نزوله من السماء جرى تكليفه بتبليغ رسالة النبوة، ولقد كان نهج التفكير هذا إيراني المنشأ، ومعروفًا في الأنطوسية بشكل عام، وهو سيشغل فيما بعد دورًا هامًّا في الأفكار الإسلامية، وتذكر نصوص القبطية أنه تم منح ماني المعرفة الكاملة عند تبليغه بنبوته، وتروي عنه قوله في هذه السنة نفسها عندما كان الملك أردشير على وشك التتويج، نزل الفارقليط الحي، وكلمني للمرة الأولى، وأباح لي معرفة السر المحجوب عن عصور وأجيال بني البشر. السر العميق والعالي سر النور والظلام سر الصراع والحرب الماحقة كل هذا أباحه لي، وتبع هذا على نفس المنوال ذكر جميع النقاط الأساسية للعقيدة المانوية التي يُفترض أن ماني تلقاها في فترة الوحي بسببها. وينهي ماني روايته بقوله: "وهكذا أباح الفارقليط لي وعلمني كل ما كان وما سيكون"، وبناءً على ما سبق جاء اسم الرسول السماوي هنا الفاراقليط الحي، وتذكر المصادر العربية أن ماني قد وصف نفسه بالفاراقليط الذي بشر به عيسى في الإنجيل. هذا، ولا يمكن الطعن بهذا الادعاء بناءً على ما تقدم، بيد أنه كيف يمكن القول عندئذ أن ما يسمى بالتوأم الذي يأتي ماني، هو ذات ماني العليا تمامًا؛ لأن الفاراقليط الحي الذي هو روح القدس هو كالتوأم نفسه، فيقول يوديوس في الفصل الرابع والعشرين: ادعى ماني أنه شيء واحد مع توأمه روح القدس، وفي جميع الأحوال حتى وإن كان ماني قد خاض غمار تجربة طبيعته المشتركة مع حامل الإلهام السماوي، عندما كان في الثانية عشر من عمره، فإن الوقت لم يكن حان بعدُ بالنسبة له؛ ليظهر بوضوح بين الناس، وبقي ماني يعيش في عزلة تامة، وذلك تنفيذًا لأوامر

стр. 317

الرسول السماوي، واستنادًا إلى التطورات اللاحقة يمكن الحكم أنه أمضى فترة الإعداد هذه في دراسة الآداب المقدسة، التي كانت آنذاك متداولة في حضارة بلاد الرافدين، وفي التأمل في جميع ما درسه. ولا بد أن هذا التأمل وهذه القراءة قد أنضجت قناعته، ومهما يكن الحال تم الآن إكمال المرحلة إعداده وتطوره الديني، وهي المرحلة التي يُمكن أن نسميها المرحلة المندعية، وأخيرًا وصل التفويض المنتظر لبثِّ الرسالة إلى العالم، وصل إلى ماني في سنة مائتين وأربعين ومائتين وواحد وأربعين من الميلاد، فيومها قال الملك له: "عليك السلام ماني مني ومن الرب الذي أرسلني إليك واختارك لرسالته، وقد أمرك أن تدعو بحقك، وتبشر ببشرى الحق من قبله، وتحتمل في ذلك كل جهد"، وهكذا فإن رسالة الملاك هي التي عينت ماني رسولًا، وتتناوب عبارة المبعوث في الإغريقية، أبو تولوس مع اصطلاح رسول؛ لتشير إلى عبارة نبي، والنبي هو الإنسان الذي يكلف بالنبوة من قبل الله إما في السماء أو على شكل وحي رباني، دائمًا بشكل مكتوب في الشرق الأوسط، وبعد تكليفه يبشر برسالته للناس على شكل عقيدة، وتمشيًا مع نصيحة الملاك أعلن ماني عن نبوته إلى والده، وإلى أعضاء آخرين بارزين في أسرته، وضمن إيمانهم به، وتحولهم إلى عقيدته. ونستخلص من هذا الخبر أن والد ماني قد احتفظ بالصلة مع أنسبائه وأقربائه، وكان هذا ضروريًّا لأن ماني كان قادرًا منذ البداية اعتمادًا على تلك الوسيلة على نيل الدعم الفعال، ومع ذلك فإن نشاط ماني الاجتماعي العام لم تكن بدايته في بلاد الرافدين كما هو متوقع، بل في الهند، ويخبرنا هو عن ذلك بقوله في نص جاء باللغة القبطية: "بدأت التبشير في

стр. 318

السني الأخيرة بحكم الملك أردشير، فقد أبحرت إلى بلد الهنود، وبشرت بينهم بأمل الحياة، واخترت هناك نخبة جيده. لقد ذهب ماني إلى الهند بسفينته كما ذهب الرسول توماس من قبل، وهو حين فعل ذلك كان كما هو مرجح مطلع على حكاية هذا الرسول، ولربما هي أوحت له القيام برحلته، ومن المحتمل أن رحلته لم تذهب به أبعد من إقليمي مكران وطوران الفارسيين، إضافة إلى المناطق الشمالية الغربية من الهند، وقندهار أي: إلى المناطق المتألفة منها باكستان، فقد كانت الأقاليم الشمالية الغربية واقعة منذ ذلك الحين أي: في حوالي سنة مائة وثلاثين قبل الميلاد تحت النفوذ الفارسي الشديد، بشكل أدق من النفوذ الفرثي، ففي هذه المناطق ربما كان ماني قادرًا على الأقل من الأوساط العليا على جعل نفسه مفهومًا بالتعبير عما كان يريده بلغته الفرثية الأم. ومع أن هذه المناطق لانتشار المسيحية إلى حكم الأسرة المعروفة باسم الأسرة السيزية، فإن عددًا من الأمراء الفرثيين كانوا يحكمون هناك منذ أمد بعيد، وكان من بينهم الملك هندوفار الوارد ذكره في أعمال القديس توماس ويعتبر أنشياكا الرجل الأوسع شهرة بين أفراد الأسرة السيزية الهندية، فهو معروف في التاريخ على أنه كان المحامي الأعظم عن البوذية. ومن المحقق أن البوذية كانت قوية في الأجزاء الشمالية الغربية من الهند، مع أقاليم فارس الشرقية، وذلك منذ أزمان سحيقة، ونتيجة لهذا لا بد أن لماني قد احتكَّ عن قرب بعالم هذا الدين الذي كان ما يزال آنذاك مليئًا بالنشاط والحيوية التبشيرية، ولقد كان للبوذية أعمق الآثار عليه، ويمكن رؤية ذلك بوضوح، وبشكل خاص في تنظيمه لكنيسته، وفي الأساليب التي اعتمدها للتبشير لعقيدته بين العامة من

стр. 319

الناس، ويبدو أن نائب الملك المسمى كوشان شاه لم يكن في ذلك التاريخ سوى أخ لشابور ولي العهد؛ نظرًا لأن اسمه كان فيروز. ولم يقدر لنشاط ماني في الهند أن يدوم طويلًا، ولم يكن عليه أن يمكث هناك فترة تزيد عن السنة، فقد جاء في روايته قوله في "السنة التي توفي فيها الملك أردشير وأصبح ابنه شابور ملكًا وخليفة له أبحرت من بلاد الهنود إلى بلاد الفرس، وسافرت من بلاد فارس إلى بلاد بابل، إلى ميسان وخوز ستان"، وهكذا عاد ماني إلى بلاد فارس بسفينة أيضًا؛ ليعبر كما يبدو إلى إقليم ميسان، هذا ولربما أمكن تثبيت تاريخ الحادثة الغريبة التالية التي وقعت لماني، كما ورد ذكرها في أسطورة المانوية أثناء هذه الرحلة، فقد جاء "وفضلًا عن ذلك كان لشابور ملك الملوك أخ يسمى مهرشاه كان أميرًا على إقليم مايسان، وكان عدوًّا شديدًا لرسول النور الرائع، وكان قد غرس بستان جميلًا جدًّا وكبيرًا للغاية، إلى حد أنه لم يكن له شبيه، وعرف رسول النور آنئذ أن وقت الخلاص قد دنى، وعليهم بعث فقام أمام مهرشاة الذي كان جالسًا وهو شديد الغبطه وسط وليمة قد أقامها في بستانه، ثم إن الرسول نطق ثم تكلم مهرشاه مخاطبًا الرسول بقوله هل يمكن أن يكون في الفردوس الذي يتغنى به بستانًا كبستاني هذا؟ فسمع الرسول كلام الكفر هذا، فأراه بقوته الخارقة جنان النور مع جميع الأرباب والآلهة، ونسيم الحياة الأبدية، وبستان فيه جميع أنواع الغراس وأشياء أخرى تستحق أن تذكر، كان يمكن رؤيتها هناك، ثم سقط مهرشاة على الأرض مغشيًّا عليه لمدة ساعات ثلاث، وبقي في صميم فؤاده ما كان قد رآه، ثم وضع الرسول يده على رأسه، فثاب إلى نفسه واسترد وعيه من جديد، ولذلك خر عندما أفاق على قدمي الرسول، وأمسك بيده اليمنى، وتكلم الرسول كما يلي.

стр. 320

النشاط التبشيري لماني انتقل ماني بعد هذه الحادثة إلى إقليم آشور سيتان أي: بلاد بابل الحقيقية، وانتقل من هناك إلى إقليم ميديا وفيرثيا، ونجح أثناء إقامته في تيسيفون في إقامة علاقات مع الملك العظيم شابور، وجرى استقباله من قبل الملك الجليل، وحظي بثلاث مقابلات متتالية معه، وحصل على هذه المقابلات بوساطة فيروز أخو الملك الذي كان ماني قد هداه إلى دينه الجديد أيضًا، وتبعًا لسيرة ماني كما رواه صاحب (الفهارس) جرت المقابلة الأولى في يوم الأحد، أول يوم من نيسان عندما كانت الشمس في برج الحمل، وتقرر هذا الرواية أن هذا قد حصل خلال أيام تتويج شابور، ويشكك بعض العلماء في أيامنا هذه في هذه المسألة، بينما يؤيدها آخرون ويواجهنا هنا سؤال هو هل كان ماني مشهورًا بما فيه الكفاية للحصول على مثل هذه المقابلة؟ والجواب: هو بالإيجاب على أغلب الظن، لأنه لو كان لماني مؤيد قوي في شخصيته أخ الملك لا يبدو هناك أي مسوغ للشك بالإيجاب، وكان برفقة ماني في مقابلته الأولى للملك أبوه واثنان من تلاميذه هما شمعون وزكوا، وكلاهما اثنان سوريانيان، وقدم للملك بهذه المناسبة كتابه الأول الشابور قان أي: كتاب شابور، والذي هو بالمناسبة كتابه الوحيد الذي كتبه بالفارسية الوسيطة. وتذكر مصادر المانوية أن شابور قد تأثر بعمق برسالة ماني، ووافق على السماح له بنشر تعاليمه بكل حرية، وفي كل مكان من الإمبراطورية، ويقول ماني نفسه: "إن الملك العظيم قد بعث بتوجيهاته للسلطات

стр. 321

المحلية في كل مكان؛ لتقديم حمايتها للدين الجديد"، ويقص علينا في سيرته قائلًا "مثلت أمام الملك شابور، واستقبلني بحفاوة كبيرة، ووافق على أن أتجول في بلاده، وأن أبشر برسالة الحياة، وأمضيت كذلك أعوامنا معه بين حاشيته". وبروي ذكرياته عن مقابلته الأخيرة الحاسمة مع الملك العظيم قائلًا "كان الملك شابور قلقًا عليَّ فكتب رسائل توصية ودفاع عني إلى جميع أشخاص البارزين بالعبارات التالية: ساعدوه ودافعوا عنه، حيث لا يخالفه أحد أو يعتدي عليه". وقد أكد صحة هذا القول لسكندر ليكوبولوس وهو من فلاسفة أفلاطونية المحدثة، فأوضح في الرد على المانوية أن ماني قد عاش في أيام الإمبراطور فليبيان، ورافق الإمبراطور الفارسي شابور في حملته، ثم قال بعبارة واحدة: "وقاتل إلى جانبه"، وهكذا نعلم أن مؤسس الدين قد أمضى عددًا من السنوات بين أتباع الإمبراطور، ويدل معنى كلمة كوموشونج التي استخدمها الاسكندر أن ماني قد انتسب لأسرة الملك، وكان واحدًا من الأتباع الملكيين، ولهذا دلالاته، وعلاقاته بالنظام الإقطاعي، ويعني الوجود رباط خاص للطاعة والإخلاص بين ماني وشابور، وبهذه الأهلية ذهب ماني مع سيده المرتبط به، ورافقه ضمن أتباعه في حملته العسكرية، وحققت الحملة لشابور نجاحات عسكرية وسياسية باهرة، وبدا الأمر في عام مائتين وستين من الميلاد كما لو أن شابور سيعيد تأسيس الحكم ال أخميني في آسيا الصغرى. ويفسر هذا كيف أن كرتير كزموبوذان الديانة الزرا د شتية في بلاطه قد حصل على سلطات مطلقة من الملك العظيم، كما سجلها في نقوشه؛ ليعيد من جديد تأسيس الدين الإيراني مع هياكل ناره في الأقاليم المحتلة لآسيا الصغرى؛ حيث كان قد سبق لطبق استقراطية إقطاعية إيرانية الاستقرار هناك منذ عدة قرون،

стр. 322

ونعم فيها الرهبان المجوس بموقع سلطوي قوي، وذلك وفق ما رواه الجغرافي استرابوه، ولا يمكن تفسير هذه الإجراءات الدينية السياسية أكثر من أنها تدل على تصميم من جانب شابور على أن يضم إلى الأبد بعض أقاليم آسيا الصغرى إلى إمبراطوريته، خاصة البقاع التي كانت خاضعة للنفوذ الإيراني منذ سنة خمسمائة وخمسين قبل الميلاد. ومن ناحية أخرى ليس هناك دليل مقنع على أن ما دار في خلده هو إدخال أو تقديم ديانة إيرانية محددة كزرادشتية مثلًا؛ ذلك أن عبادة النار التي بعثها كرتير كانت هي الطريق السحيقة القدم لعبادة الأرباب الذين يرد ذكرهم في جميع أشكال الممارسة الدينية الفارسية. بما أن كرتير وفق روايته الشخصية قد أشرف بنفسه على تجديد هياكل النار، فمن الواضح أيضًا أنه كان مع الجنود الفرس خلال زحفهم، وبالنتيجة كان كل من ماني وكرتير اللذين أصبحا متعاديين فيما بعد في حاشية الملك العظيم، ومن العدل أن نفترض أن شابور لم يكن قد اتخذ بعدُ أي قرار لتقديم اعتراف رسمي لأي دين من الأديان. كان يمكن أن يقع اختياره عليه في مثل تلك الظروف، وإذا كان لا بد من إيجاد حل لهذه المعضلة، فإن المانوية كان أمامها الكثير كيما تعتمد، لكن وجود كل من كرتير وماني في حاشية شابور يوحي بأن الملك الساساتني قد رغب في إبقاء كل من البديلين تحت تصرفه، وكما سنرى إن دين ماني هو مزيج توفيقي من المسيحية والعقيدة الإيرانية مع مرتكزات من عقيدة بلاد الرافدين القديمة، وفق الشكل الذي اكتسبته من العقيدة المحمدانية الغنطوسية. وأصبحت المسيحية والعقيدة الإيرانية معتادتين على نوع التقوي الرافدي، لأن التقاليد المحلية مارست نفوذًا قويًّا بالرغم من أنه كان جامدًا في معظم الأحيان،

стр. 323

ولهذا السبب كانت المانوية في وضع مناسب أكثر إشراقًا من أي دين آخر بين العالمين الدينيين المتنافسين، الروحيين العظيمين، والمعني بهذا عالم اللاهوت المسيحي والإيراني؛ كي يندمجا في كيان توحيدي أعلا يوضع تحت تصرف السكان الأصليين لبلاد النهرين بدرجة متساوية، هؤلاء السكان ذوي النتاج الغنطوسي المنبعث من عقائد البابلية الآشورية التلقيدية الموروثة، ولا شك أن هذا كله قد أنبأ عن توفر إمكانات فرص هامة، ولقد امتلك ماني ناصريين حاميين قويين جدًّا في بلاط الملك العظيم تمثلا في أخويه شابور فيروز ومهرشتان؛ إذ كان قد كسبهما إلى دينه وحولهما إليه، هذا من جانب. ومن جانب مقابل كان لعدوه كرتير أصدقاء أقوياء جدًّا في ظل حكم خلفاء شابور، وذلك على الرغم من أننا لا نعرف من الذي أيده خلال فترة حكم شابور، هذا، وبإمكاننا أن نستخلص اعتمادًا على ما نعرفه عن الفئات والتجمعات التي ازدهر نشاطها في البلاط أن كلًّا من طائفة الرهبان المجوس ورهبان الديانة الزرادشتية وقائدهم كرتير لم يكونوا في عوز للقوة، فقد توفرت تحت تصرفهم كيفما رغبوا، ومهما يكن الحال فقد قوي الوضع القائم، وتمتنُّ خلال الثلاثين سنة التي حكم فيها شابور؛ علمًا بأن الأمور بدت كما لو أن الفرص كلها كانت مهيَّأة أمام المانوية لتصبح الديانية الرسمية للإمبراطورية الساسانية، غير أنها لم تصبح الديانة الرسمية كما طمح ماني وتمنى، ولا نعرف الاعتبارات التي عاقت شابور عن الإقدام على اتخاذ خطوة كهذه، لكننا نستطيع بكل ثقة أن نقدر حق القدر قوة التقاليد المحافظة التي ورثها من أسلافه كهنة معابد النار الزرادشتية في إصطخر، ففي نقشه الكبير يبزغ شابور من وسط الوصايا والتقاليد الموضوعة للطقوس المحيطة بأسرته، كأمير زرادشتي تقليدي أي: زرادشتي بالمعنى التوفيقي المقبول للكلمة في أيامه. لقد كان هذا هو موقفه الرسمي، ومن الجائز لنا أن نفترض أن ميوله الذاتية، ومشاركاته الوجدانية كانت مع ماني، فبدون ذلك يصعب تفسير مواقفه المتعاونة معه، وتيسير الحماية والخدمات له، ومع ذلك فقد كان هذا هو الوقت الذي شهد

стр. 324

إدخال العلمانية التي كانت ستؤدي بشكل تدريجي إلى الاندماج بين طائفتي الكهنة المتنازعتين في الإمبراطورية، وكان هذا الاندماج هو العامل الحاسم في تأسيس الديانة الزرادشتية الرسمية، وكان طائفة الكهنوت هما المجوسية ومقرها الرئيسي في شيز في ميديا الدنيا لمجيلان المساوي للعراق العجمي، حاضرته همزان، والهرباد في إقليم فارس، وقد أحرزت طائفة كهنة المجوس المكان القيادي، وأحدثت في الفترة الساسانية لممارسة أفرادها دور محاكم التفتيش ضد المسيحية والمانوية والبوذية، وبقية الأقليات الدينية الأخرى، وجلب تأسيس الديانة الزرادشتية معه بشكل فعال ادَّعى عدد من الكتابات الدينية المقدسة، والتشاريع مثل الأوفستاك أو الأوفيستا. هذا؛ وليس هناك أدنى شك في أن ممثلي العقيدة الإيرانية القديمة قد ابتغوا من وراء إقامة العقيدة الرسمية وإيجاد الشريعة فرض التوقف على نشاط العقائد الجديدة، أي: على المسيحية والمانوية، ولا شك أن تدوين التراث الديني المقدس القديم، وإظهاره يدلان بالفعل على ثورة هائلة في الحياة الدينية والثقافية من ميلاد إيران، وتصنيف الأوفستا يقدمه كرتير المنافس متعمد لكتب ماني العقائدية، وعليه كانت الزرادشتية في حوالي منتصف القرن الثالث من الميلاد في موقف الدفاع عن كيانها، وتعزيز مواقعها، أما بالنسبة لماني فقد طوَّر الآن من جانبه تشريع منظمًا بشكل رائع، أعده بحذر وعناية، وامتدت نشاطاته التبشيرية وفق خطة مفصلة نحو الشرق والغرب، وتولى بنفسه القيام برحلات جديدة إلى أجزاء مختلفة من الإمبراطورية حين قال: أمضيت عدة سنوات في فارس، بلاد الفرثيين شمالًا حتى أديابيين، وفي الأقاليم المجاورة لإمبراطورية الرومان.

стр. 325

وكانت أقاليم الحدود التي ذكرها هي مقاطعة بيت أربائل وهو موقع كان المكان الرئيسي فيه مدينة نصيبين، وهكذا جاب ماني ديار الإمبراطورية في جميع الاتجاهات مؤسسًا جماعات جديدة من الأتباع حيثما رحل، لكن ماني لم ينشط وحده في الدعوة إلى الهداية لدينه، فقد أرسل أتباعه شرقًا وغربًا أيضًا، ويصف لنا نص فارسي وثيق اثنين من هذه المشاريق، فنعرف أن ماني كان في جزء من طيسيفون عندما نظم هذه الرحلات التبشيرية. وبناءً عليه بعث مولانا ثلاثة من الكتب الإنجيل ونصين آخرين، بعثهم إلى أدى، وأمرهم بقوله لا تذهب بها بعيدًا، بل ابق حيث أنت مثل تاجر يفتح مخزنًا، وعمل أدى بنشاط عظيم في هذه المناطق، وأسس عددًا من الأديرة، واختار العديد من الصفوة والسماعين، وكتب الكتب، وجعل من الحكمة سلاحًا، وتصدى للعقائد بهذه الكتب، وأوجد الخلاص بكل طريقة، وقهر العقائد وكبلها وتوغل حتى وصل إلى الإسكندرية؛ حيث أنجز العديد من أعمال الهداية، والمعجزات في تلك البلدان، وتقدمت عقيدة الرسول إلى داخل إمبراطورية الرومان. وهكذا كان ماني قادرًا على تحقيق القبول لدينه في مصر، وهو ما يزال حيًّا، وكانت نجاحات مشاريعه الشرقية ذات أهمية بارزة أيضًا، ونُظمت هذه المشاريع من إقليم حلوان الذي تحمل حاضرته نفس الاسم، وتقع على الطريق الرئيسة الممتد ما بين طيسيفون وهمزان، ونقل في النص المقتبس آنفًا أيضًا عندما كان رسول النور في المدينة الإقليمية حلوان دعا نفسه مرآمون أي: المعلم أي: الذي يعرف اللغة الفرثية قراءة وكتابة، والذي كان أيضًا مطلعًا على ما أرسله مع أخوي الأمير أرطبان، وكان كاتبين ماهرين برسم وتزيين الكتب أرسلهما إلى أبرشهار وخاطبهما قائلًا "بورك هذا الدين وليتقدم هناك بقوة بوساطة المعلم والمستمعين والتبشير".

стр. 326

وتظهر أسطورة تدور حول ما وقع لمارأموا عندما قاومه رب حدود خراسان، وهي أنه وصل بالفعل إلى خراسان ذلك الإقليم الشرقي الكبير، ومارس هناك نشاطات التبشيرية، وبما أن اللغة الفرثية كانت هي اللغة الدارجة؛ فمن الطبيعي أنه كان على مارآموا أن يتقن هذه اللغة قراءة وكتابة. وقد عرف إقليم أبروشهار فيما بعد باسم نيشابور، وقد كشف علماء الآثار الروس هناك عن مدونات فرثية. وهذا دليل على الموقف المهيمن الذي احتفظت به هذه اللغة مع كتابتها في هذا الإقليم الكبير، ولقد أدى تضمن البعثة التبشيرية على أمير فرثا باسم أرطبان إلى فرضيات بعيدة المدى، وإلى الشكوك في أن ماني قد وجه نشاطًا سياسيًّا مباشرًا ضد الحكم الساساني في إقليم خراسان الذي هو الوطن الأم للفرثيين، لكننا نستدرك من جانب أول ما نعرفه عن الملك الساساني شابور، وحسن تصرفه تجاه ماني ورعايته له؛ فنجد جميع الافتراضات من جانب القبائل الضعيفة لا يمكن الدفاع عنها. وواضح من ناحية ثانية أن أصل ماني الفرثي قد وفر له فرصة ملائمة بشكل خاص في خرسان في إقليم أجداد الفرثيين القدماء، وأصبح إقليم خراسان الآن مركزًا هامًّا، ومنطلقًا للديانة المانوية للتوجه نحو الشرق الأقصى، وبدأ مشروع التبشير الثالث بقيادة أدى أيضًا، لكن برفق أرزاخيا في هذه المرة، وذلك بالتوجه سنة مائتين واحد وستين ومائتين واثنين وستين نحو مدينة كليكا بيتسلوك في إقليم بيت جلمائي، شرقي الدجلة، واعتمادًا على المدونات الشهداء المسيحين نستخلص أن هذه البعثة كانت ناجحة أيضًا إلى درجة أن ذكرى نشاط المانوية استمرت حية بعد قرن من الزمن تقريبًا.

стр. 327

وتزودنا كتابات المسيحية المعروفة باسم أعمال الأرشيلي على الرغم من أنها تعج بالكراهية والبغضاء، ومشوهة إلى حد ما بصورة حية عن نشاط ماني الخاص؛ حيث كان يشاهد بين الناس مرتديا سروالًا عريضًا وواسعًا لونه أصفر يميل نحو الاخضرار، وعباءة خضراء، أو زرقاء سماوية، وبيده عصا طويلة من الأبنوس، ويحمل تحت إبط يده اليسرى كتابًا بابليًّا. إن هذه التجهيزات والثياب هي بلا تبرير موضحة في صورتي مرسومتين على جانبي الشكل النصف دائري، بارز في هيكل مثرافيدورا وهي الأصول المثيولوجية، لمثيولوجية مثرى، وعليه فنحن هنا أمام المظهر التقليدي الموروث لكهنة مثرى، وعليه عندما رأته الأعمال مرتديًا هذا الزي دعته كاهنًا لمثرى، وهناك كتابة عامة نقشت على عملة معدنية جاءت من شيرزين في جنوب بلاد بابل، نقشت بالمندعية، ومن المحتمل أن قراءتها كما يلي "ماني المعين من قبل مثرى" وهذه إشارة ثانية للصلة بين ماني ومثرى، هذا من جانب ومن جانب آخر نجد مما نستخرجه من معلومات من رسائل ماني، أن ذلك يعطيه مظهرًا آخر مختلف تمامًا ففي هذه الرسائل قدم ماني نفسه، وعرفها في كل مراسلة على أنه رسول ياسوع المسيح. ويوضح هذا أن ماني أخذ في وقت ما فصاعدًا في إظهار نفسه ممثلًا للمسيح بشكل رئيسي، الأيام الأخيرة ونعرف أكثر قليلًا عن حياة ماني، خلال هذا الجزء الأكثر نشاطًا من حياته الدينية، ولا تصبح المعلومات أكثر تفصيلًا إلا قبيل نهاية أيام، فقد توفي شابور في منتصف شهر نيسان من عام مائتين وثلاث وسبعين من الميلاد، وخلفه على العرش ولده هرمز الأول، وفي الحال قدم ماني ولاءه وطاعته له، واتخذ الملك الجديد موقفًا نحو ماني ودينه كان فيه من التأييد والحماية والرعاية نفس القدر الذي كان فيه موقف أبيه، فجدد له كتاب التوصية الذي كان أبوه قد أصدره، وحصل ماني أيضًا على إذن خاص بالتقدم نحو بلاد بابل، ولم حكم هرمز

стр. 328

سوى عام؛ فقد توفي الملك العظيم في الوقت الذي كان ماني فيه في بابل، وخلفه على العرش اخوه بهران الأول الذي قدر لحكمه أن يستمر من عام مائتين وأربع وسبعين إلى عام مائتين وسبع وسبعين ميلادية. وأخذت ماني رحلته إلى الحوض الأسفل لنهر دجلى، وقد زار الطوائف المانوية التي كانت قائمة على طرفي النهر، ووصل إلى مدينة هرمز أردشير في إقليم خوزيستان، وكانت نيته أن يخرق إقليم مملكة كوشان بحاضرتيها كابل وقندهار، ويبدو انه شعر بخطر يتهدد حياته، ولهذا حاول الوصول إلى تلك الأقاليم حينما كان قادرًا على الاعتماد عن الحماية والتأييد منذ أيام أعماله التبشيرية الأولى، وفي هذه المرحلة بالذات وصله اعتراض على زيارته لأراضي مملكة كوشان، وتظهر هذه التطورات في المقام الأول مدى معرفة الموظفين الملكيين، واطلاعهم الجيد على تحركات ومشاريع سفر الشخصيات السامية، وفي المقام الثاني أن ماني أحرز منصبًا عاليًا بما فيه الكفاية لخضوعه إلى رقابة شديدة من قبل السلطات العليا. وذلك تقليدًا لعادة أخمينية ونمط في الرقابة قديم، ويصف لنا نص قبطي الأسابيع الأخيرة من حياة ماني فيقول: عندما تلقى ماني الاعتراض الملكي رجع لتوه يكتنفه الغضب والأسف، فغادر هرمز هاردشير إلى ميسان، وتوجه من ميسان إلى أرض دجلة، ومن هناك ركب النهر إلى طيسيفون، وعندما كان على ضفاف النيل يتابع رحلته حذر أتباعه وأنذرهم بقرب موعد نيله الشهادة، وذلك بقوله "انظروا إلي واملئوا عيونكم مني يا أولادي ففي قريب سيرحل جسدي عنكم"، وهكذا عاد ماني إلى بلاد الرافدين وتوجه بسفينته شمالًا عبر نهر دجلة حتى مدينة طيسفون، وانضم إليه بعد قليل أمير من المرتبة الثانية اسمه بات، كان ماني نفسه

стр. 329

قد حوله على يديه إلى دينه الجديد، ونواجه هذا الاسم فيما بعد حوالي ثلاثمائة وخمسين من الميلاد، وهو ينتمي إلى إقطاعية أرمينية، ويتزعم عشيرة صهراواني، ولعل مرافق ماني كان جد لها، ولعله كان في الواقع ملكًا فرثيًّا صغيرًا. وإذا صح أن الأمير المستجيب للدين المانوي كان من أرمينيا، فسيزودنا هذا الأمر بتأكيد جديد حول ارتباطات المانوية مع مناطق إيران الشمالية الغربية، وأصدر بهرام الأول الملك العظيم الجديد أوامره إلى بات كي ما يحضر مع ماني، لكن يبدو أن شجاعته خانته ولهذا تحتم على ماني أن يقوم وحده بهذه الرحلة المصيرية الأخيرة، وأخذ طريق الرحلة التي سلكها ماني قبل وصوله شكل قوس عريض. ووصل إلى بيلافاد المدينة السكنية الضخمة، ويبدو أن وصوله قد أحدث إثارة عظيمة، كما تؤكد النصوص القبطية على أن الكهنة المجوس قد قاموا بالخطوة الأولى عن طريق قائدهم، ربما بتقديم شكوى، أو ربما بشكل عريضة اتهام رفعوها إلى الملك، وكان على عريضة اتهام سواء أكانت مكتوبة أو شفوية لتمر عبر سلسلة من القنوات المتنوعة، وذلك تقيدًا بنظام قواعد موضوعة وثابتة. هي شكوى ضد ماني والذي التقى مع الملك وجرت بينهما مقابلة كانت ساخنة، ومناظرة كانت كبيرة، وانتهت الجلسة الصاخبة بتذكير ماني بهرام بأعمال الرعاية والإحسان، التي نالها من كل من شابور وهرمز، وختم مقالته قائلًا "افعل بيما تراه" وبناءً على ذلك أمر الملك بتقييد ماني بالأغلال، فوضعت ثلاث سلاسل حول يديه، وثلاث أخرى حول عقبيه، وواحدة حول رقبته، وربط الأغلال، وأخذ إلى السجن.

стр. 330

إن هذا النوع القاسي من التكبيل بالقيود معروف من سجلات الشهداء المسيحيين، ولقد أمضى في تلك الحالة الأيام الممتدة ما بين التاسع عشر من شهر كانون الثاني والرابع عشر من شهر شوبار من عام مائتين وست وسبعين ميلادية، أو حسبما يذكر تقريري آخر من الحادي والثلاثين من شهر كانون الثاني إلى السادس والعشرين من شهر شوباط مائتين وسبع وسبعين، وفق قاعدة شرقية قديمة كان ماني قادرًا خلال هذه الأيام الستة والعشرين أن يرى حوارييه، ويتكلم معهم، ولما شعر ماني باقتراب نهايته أعطى أتباعه المقربين توجيهاته خاسة ومناسبة، وقد قام مارآموا الذي كان حاضرًا لدى إعطاء ماني لتوجيهاته هذه بنقلها إلى صلب الديانة المانوية، فيما بعد. ثم خارت قوة ماني الذي كان في الستين من عمره، ولم يعد بإمكان جسده الذي أضعفه الصيام، وأضناه الكبت أن يتابع تحمل الأغلال الثقيلة؛ فانهار في اليوم الرابع من شهر شهريفر، ومات فصعد من جسده في الساعة الحادية عشر إلى مساكن جلالته في عليين، وحضر ذلك راهب مانوي اسمه عازاي، واثنان من الصديقين، وانتشر خبر موت ماني بسرعة متناهية في أرجاء مدينة بيت لابات، وتجمع الناس في جماعات كبيرة، وأمر الملك العظيم بغرس مشعل محترق في جسد ماني؛ ليتيقن فيما إذا كان زعيم الديانة البغيضة ميت بالفعل، ثم مزقت جثته، وقطع رأسه، وعلق فوق باب بيت لابات، ثم قام فيما بعد الأتباع المخلصون له بدفن البقايا الفانية في طيسفون. وصل الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 331

الدرس: ١٥ الديانة المانوية (٢) .

стр. 332

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الخامس عشر (الديانة المانوية (٢)) إرسال الإنسان الأول القديم وهزيمته الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد: فتعال بنا الآن نتحدث عن تعاليم ماني ومبادئه والوصول إلى القول بالاثنينية، أو القول بإله الخير وإله الشر؛ فنجد في تعاليم ماني هذه المبادئ؛ إرسال الإنسان الأول وهزيمته، عودة الإنسان الأول، استعادة ذرات النور، أسطورة إغواء الحكام الأراكنة، المقاييس المضادة للمادة، الروح بمثابة مركز للفداء، الإيمان بالآخرة، الفلك. فنقول حول إرسال الإنسان الأول القديم وهزيمته: يجعل أوغستين في إحدى المناقشات التي دارت مع المانويين، فاوست ينطق بالكلمات التالية: إنني أبشر أن هناك عنصرين رئيسين هما: الرب والمادة فأعزو كل ما هو شرير إلى المادة، كما أعزوا إلى الرب كل قوة خيرة، كما هو لائق به، ويتصرف فاوست هنا بمثابة تلميذ مخلص لماني؛ لأن عقيدة العنصرين الأسايين الرب والمادة قد قامت في محور نظام ماني الديني، ويمكن لهاتين المادتين الأبديتين اللتين لم تخضعا لأية عملية خلق أن تستمرا باسم النور والظلام، أو الحقيقة والكذب، وبالتالي يمكن اعتبار المفاهيم المجردة لحقيقة النور على أنها كائن هو الرب، في حين أن الكذب والظلام أي: المادة لم يلتقيا بشكل مطابق في تسمية مجردة فحسب، بل يمكن تجسيدهما على أنهما أمير الظلام، ومع ذلك فهو لا يعني أن المانويين قد اعترفوا بوجود إلهين، فيقول فاوست بخصوص ذلك: "لم يكن هناك أبدًا اسمان لإلهين في تفسيراتنا، فنحن نتعرف بوجود عنصرين رئيسن نسمي أحدهما الرب والآخر المادة، أو كما أقول عادة وبشكل مألوف الشيطان، يساوي هذا الرفض لمنح

стр. 333

العنصر الشرير أي: المادة اسم الرب بالطبع ازدواجية ذات نوعية تامة" كما أشار إلى ذلك فرندناند كريستيان بور منذ مائة وخمسين سنة مضت. واعترافه بأن العنصر الخير أسمى من الشر، وهو مسئول عن حجب المنطق. ومن الواضح تمامًا كما أكد بور أن ماني قد اتخذ الثانوية الإيرانية القديمة نقطة انطلاق، وقد قامت هذه على أساس فكرة الصراع المستمر بين قوتين رئيستين هما: هرمزد أو أهورامزدا، وأهرومان، أو أهرامينو أي: الشر، وكان هذان العنصران الرئيسان توأمين أو قرينين، وكان عليهما أن يختارا بين الخير والشر، وذلك في البدايات الأولى للزمن؛ حيث اختار أهموزد الخير؛ بينما اختار أهرومان الشر. وطبعًا تبدو فكرة مثل هذه التوائم السماوية موحية بمساواة الأصلية في المنزلة، كما أن هذا لا يفتقر إلى المساواة؛ إذ يجب إدراك حدود التفسير الواسع المتنوع القائم بوحدة الوجود، الكامن وراء غاثا لدى زرابشت، والذي تم وفقه إيجاد هرموزد، وأهرامان بوساطة مخلوق سماوي بدائي، هو زروان الذي كان إلهًا زمانيًا مكانيًا أنوثويًا، وأيد الرهبان الماجوس الماديون هذه العقيدة الزروانية بقوة فريدة أيام ماني حينما كانت مسيطرة في العهود الأخمينية، وكان هذا أيضًا الحد الفاصل للدين الإيراني الذي تصادمت معه الديانة المسيحية في أرمينيا، وبلاد الرافدين الشمالية، فقد كان كهان الكنيسة ينتقدون الزروانية، وذلك عندما هاجموا تعاليم المجوس. لقد عالجت الماسيولوجيا الزروانية الرئيسة مولد التوائم السماوية بدقة، وقالت: إن زوران أراد أن يكون له ابن، فقدم الأضاحي لفترة طويلة من الزمن؛ لتحقيق هذا الهدف، ثم استولت الشكوك فيما إذا كان بالفعل سيخلف ذرية له، وأدى هذا إلى حمله بأهرامان الشرير الذي أنجبه في البداية، وكان أسودًا وكريهًا، ثم ولد التوأم الثاني أهرامزد، وكان جميلًا وطيبًا، وبما أن أهرامان قد خلق أولًا،

стр. 334

فقد كان باستطاعته أن يكون بحقوق البكورة في الإرث كله، وتلقى الكثير من قوة أبيه زروان على نصف مجالات هذا العالم، وأصبح ملكًا هناك أي: شاه، وأصبح من ناحية أخرى أهرامزد حاكمًا مطلقًا أي: فاستكس شاه، ومنح من جانبه نفوذًا وسيطرة على النصف الثاني من العالم، ولذلك فإن الانتصار على توأمه سيكون في النهاية انتصارًا له. وإلى هذا الحد نجد أن وجهة النظر الازدواجية الموجودة في تطور الزروانية، والداعية إلى وحدة الوجود تخفف من غلواء الثانوية المتزمتة، بجعل أهرامان شاه فقط، وبجعل أهرامزد فاتكس شاه، هذا من ناحية، وتقضي من ناحية أخرى بأن يكون الانتصار النهائي لأهرامزد، وعليه قُدر من قبل أن يكون أهرامزد المنتصر في النزاع بين حاكمي العالم، وأنه صاحب الأفضلية منذ البداية. وليس هناك من شك أن أهرامان قد اعتبر ربًّا حقيقيًا في هذا النظام الديني، وليس مجرد شيطان فقط، وكان الكتاب الإغريق قد أعلنوا مرارًا أن أهرامان لم يكن ربًّا، بل شيطانًا، ومع ذلك فإن المجادلات المسيحية تؤكد أنه قد نظر إليه بمثابة رب، وبجل، واعتبر ربًّا قادرًا في غضبه، كما أن المسراوية التي كان قد تحقق أمر ارتباطها مع الزروانية منذ وقت طويل قد أكدت ذلك، وكرثت له المذابح، وقد كتب عليها إلى الرب أهرامان، وقدمت الأضاحي على هذه المذابح إليه باعتباره ربًّا. وبالنتيجة يمكن القول أن ماني قد وسع نزعة كانت موجودة من قبل في الدين الإيراني، وكثفها؛ لأن المانوية قد مقتت بشدة الجدل القائل: إن قوتي الخير والشر كانتا أختين،

стр. 335

وتقول صيغة الاعتراف المانوية لو كنا قد قلنا: إن أهرامزد وأهرامان كانا أخوين أحدهما أكبر من الآخر، إذن أعلن توبتي الآن، وآمل بالمغفرة من الذنوب، وكان النور العنصر الهام للمخلوق الأسمى؛ حيث سيطر عليه، واعتقد أنه مادة المخلوق السماوي أو بشكل أدق مادة يمكن فهمها، وهي مختلفة كليًّا عن العقل أو المادة، وله النور في الوقت ذاته، صفة التجلي؛ فقد كان الرب أبو النور المبارك، وحيث كان عرابًا فقد سيطر على مملكة النور، وبينما كانت هذه المملكة في الوقت ذاته مؤلفة من نور الأرض وضوء الفضاء، فهي مندمجة تمامًا ومتطابقة بشكل جوهري مع الإله الأسمى. لقد كانا متطابقين، لأن مملكة النور بأملكها هي في الوقت نفسه جسد الله، وعلاوة على ذلك تم التأكيد على أن مملكة النور هذه لم تكن إيداعًا سماويًّا، بل كانت موجودة منذ الأزل كتعبير صادق مع وجود الله الكائن الدائم الوجود، فلو كانت نشأة ذرة واحدة في مملكة النور من الفيض أو الإبداع؛ لما تم منح عاصفة الديمومة ودعا ماني جسد الله الممكن فهمه باسم المنازل، أو الحدود الخمسة، وهي الإدراك، والعقل، والتروي، والرأي، والنية. واعتبرت نشاطات العقل هذه على أنها تشكل جوهره وثماره، وأن مصطلح الدار موجود في البحوث التأملية اليهودية الأولى وفي النصوص المندعية، ونصب الإله على عشره في مملكة النور، وأحاط نوره به، كما أحاطت قوته وحكمته به أيضًا، وقد مثلت هذه السمات الثلاثة ثلاث صفات مختلفة له، وشكلت معه مجموعة رباعية وُجدت مرارًا في التراتيل المانوية، كما ظهرت أيضًا في مصدر عربي الفهرس، وشكلت السمات الثلاثة لطبيعة الله فيض وجوده، فيض تمَّ إعلانه في مفهوم الله.

стр. 336

ووصفت هذه الوحدة الأخيرة الكاملة إلى جانب السمات الثلاثة كوجود فردي، وهي طريقة خاصة للحساب ظهرت مرارًا بمثابة مبدأ خاص في النظام الديني الإيراني الهندي، كان ممكنًا بواسطتها إضافة مجموع الأجزاء كجزء قائم بذاته إلى بقية الأجزاء، أو حتى مواجهتها ككمية مستقلة تمامًا، كما أنه ظهر بمثابة مبدأ كان له أصل هندي آلي، وسيتضح فيما بعد إن شاء الله أن هذا المبدأ قد شغل دورًا أساسيًّا في المانوية، وهكذا كان لله أربعة جوانب، كما كان ذلك في تعليم ماني، وقد سمته صيغة الشجب الإغريقية رب العظمة في الوجوه الأربعة، وهكذا نجد أن هذا المفهوم للكائن الأسمى الإله ذا وجوه أربعة، وقد اتصل بالطريقة الأكثر احتمالًا وقربًا من الصورة الزروانية لله؛ لأن زروان كان بالفعل كائنًا إلاهيًّا ذا أربعة وجوه، كما أن الارتباط التاريخي هنا هو حقيقة ثابتة بين المانوية والزروانية. ومن الجلي أن هذه الصلة أكثر وضوحًا بالطبع في النفوس الإيرانية المتوسطة، حيث يظهر الله في اللسان الفارسي المتوسط اللغة الصدغية باسم زروان، وتتخذ المجموعة الرباعية المظهر التالي: الفارسية المتوسطة زروان، الله، وفي الصدغية زروا، والزروانية زروان أو زمان، في الفارسية المتوسطة روشن، النور، وفي الصدغية ليوسوك، وفي الزروانية النور. في الفارسية المتوسطة زور القوة، وفي الصدغية زروا، في الزروانية القوة، في الفارسية المتوسطة وهي الحكمة، وفي الصدغية يرب كاي، وفي الزروانية الحكمة، أو اكسرات. وكانت مملكة النور مترامية الأطراف غير محدودة على ثلاث جهات إلى الشمال وإلى الشرق وإلى الغرب، وقد تلاقت مع الظلام في الجنوب، وكان نطاق سلطة الإله العظمة، كما دعاه ماني عندئذٍ، محدودًا في هذه المرحلة. وكان نطاق سلطان إله العظمة، كما دعاه ماني عندئذٍ محدودًا في هذه المرحلة،

стр. 337

ولقد ساد السلام والانسجام المطلقان في مملكة النور، كما تم وصف جمال الإله المكلل بالورود بأقوال جزلة، ووقف أمامه اثنا عشر فصلًا جميعها مغطاة بالورود أيضًا، وقد غطته بالمزيد من الورود والأزهار، ودعيت هذه الفصول باسم أبنائه، وقد جرت توزيعهم بأن قام ثلاثة أرباب منهم في منطقة سماوية محددة، وذلك ضمن مخطط ذي مجموعات ثلاثية أربع تتوافق من جديد مع النموذج الرباعي، وتم دفع ريح لطيفة واهبة للرخاء عبر المناطق السماوية؛ حيث جرى الرحيق باستمرار من خلالها، وتباينت حالة مملكة الظلام تباينًا تامًّا وحادًّا مع تناسق ووئام مملكة النور؛ حيث سار سكان عالم المادة، ودفع بعضهم بعضًا إلى هنا وهناك، وكانوا دائمًا يركضون باستمرار، وأدت حركة الدوران وعدم استقرار هذه فيما مضى إلى ديمومة عدو الظلام نحو الحافة القصوى للملكة؛ حيث ارتكز الظلام على النور عندما لمح الشيطان وأعوانه مملكة النور، استبد بهم شوق عنيف إلى هذه المملكة السامية الرائعة، لهذا أوقفوا نزعاته، وتشاور بعضهم مع بعض حول كيفية التسرب إلى وسط النور، ومن ثم الاندماج به، وأعدوا أنفسهم وسلحوها استعدادًا للهجوم، وانقضوا من أسفل على مملكة النور، فأصبحت بذلك محاطة بالتهديد والاضطراب الخطير. وتحتم الآن على ملك النور وإلهه أن يخرج عن صمته المهيب، وركوده الذاتي عن فيض وجوده؛ لكي يدافع عن نفسه وعن مملكته، حيث يجب عليه أن ينتقل من وجود التأمل إلى وجود العمل. وكان بور قد لفت الانتباه إلى الأصل الإيراني لموضوع النزاع المثيولوجي الذي سيظهر بشكل أكثر وضوحًا في الكتابات البهلوية، كما أن الفقرات المناسبة الموجودة هناك ذات ملامح زروانية صرفة،

стр. 338

فقد تمَّ صدور إلههم الأسمى، واشتقاقهم من زروان الخنسي الذي مارس أثناء عملية الخلق دور الأب والأم، وواصلت الكتابات قولها: إن أهرامان الذي جاب عالم الظلام وصل في إحدى المرات إلى النور ولمحه. عند هذا خلق عالم النور من الأسفل بصحبة الجماعات المسلحة من شياطين الظلام التي استدعاها، ومع ذلك فإن موضوع النزاع نفسه كان أقدم بكثير من تاريخ تدوينه في هذيه المصدرين، فقد روى المؤرخ الكلاسيكي بلوتاخ أثناء اقتباسه من مذكرات الكاتب شيوبو مبوس كيف هاجم أهرامان مع شياطينه العالم العلوي، وكيف اختلط بذلك الخير مع الشر وفق وجهة النظر الزرواني، التي شهد بصحتها كتاب (الحكمة)، المكتوب باللغة الإيرانية الوسيطة، وهي تقول: إن العالم كان على شكل بيضة، وذكر بلتاخ هذا أيضًا. ومن ناحية أخرى كان الإله الكائن الأسمى نقيًّا، ولذلك لم يكن أهلًا للصراع والنزاع، إذن ماذا كان عليه أن يعمل ليحبط قوة الشر، لقد استدعى أم الحياة، ويلاحظ هنا أن ماني لم يستخدم قط تعابير مثل يخلق، بل استخدم دائمًا فعل يستدعي، مثلما جرى استخدام كلمة "قرا" باللغة السريانية، ومثلما استخدم المدعيون الاسم نفسه بهذا المعنى الخاص، ثم إن تسمية أم الحياة تذكر بحقيقة الحياة الأولى والحياة الثانية، وعلى الأرجح الحياة الثالثة، وهي تسميات ظهرت مرتبطة مع الطهارة، وهي الحركة الغنطوسية التي انبسقت عنها المانوية نفسها. ويتطلب التشبيه بشكل موائم أن يكون هناك أب للحياة، وعوضًا عن ذلك هنالك إله العظمة، جرى ذكره بمثابة كائن أسمى في النصوص المتبقية للتقاليد السريانية، وهنا لا يمكن فقط تخمين الصلات في الخلفية مع المفاهيم الرافدية التي

стр. 339

شغلت الحياة فيها دورًا رئيسًا، بل أيضًا مع التقاليد الإيرانية حيث توجد بعض الإشارات الغامضة إلى الحياة الأولى، وذلك في المواعظ المسجوعة العائدة لزرادشت، وتتطابق أم الحياة في النظام الزرواني عند مستوى ديني صرف مع الإله الأنثوي القائم إلى جانب زروان، والمسمى على الأرجح باسم أكسوا شيزخ الذي يبدو من المحتمل أن الآلهة العظيمة أناهيد تحتجب وراءه، وبعدما تم استدعاؤهم من الحياة إلى الوجود استدعت بدورها الإنسان الأول المعروف باللغة السريانية باسم نشا قدا مايا، وهي عبارة تعني حرفيًّا الإنسان القديم الذي كان من ناحية أخرى هو أهارموزد في التقاليد الإيرانية أي: ابن زروان، الأب ذو الوجوه الأربعة، إن نظرة لهذه الثالوث إله العظمة أم الحياة الإنسان القديم تظهره للوهلة الأولى أنه تمثيل للأب، والأم، والابن، ولا تظهر هذه المجموعة فقط في الدين الشرق أوسطي بشكل هام، بل تظهر في أغنية اللؤلؤة السريانية بشكل محدد؛ حيث يصور لابنه المخلص على أنه شباب أو الأمير الشاب، وكان هذا هو النموذج المخلص المانوي في مظهره الرمزي للشباب، كما أن النصوص المكتوبة باللغة الإيرانية البسيطة قد تحدثت عن الابن الحنون، أو استخدمت الكلمة الفارسية كومارا، وهي كلمة دخيلة من اللغة السنسكريتية تعني: الشاب المراهق، وهي تعني في الدين الهندوسي: الشباب أو إله الحرب، الشاب المسمى شندرا. وقد ألحت إحدى القصائد الموجودة بين المزامير القبطية إلحاحًا خاصًّا على مهمة المخلص باعتبار كونه محاربًا شجاعًا، ورأته بشكل رئيسي في ضوء المنتصر الذي انتصر على قوى الظلام بسبب جلده وجرائته، ومع ذلك استلزم وجوده وجود

стр. 340

سمة أخرى له، وهي سمة المعاناة؛ لأن مخلص الإنسان الأول لم يحقق انتصاراه إلى بعد هزيمة ظاهرية فقط. لقد ارتدى الإنسان الأول درعه وشرع بالقتال مع قوى المادة والظلام والشر، وتكون درعه من خمسة من عناصره النورانية لم يشكل مجموعها درعه فحسب، بل شكل أيضًا جوهره وذاته الحقيقة وروحه، ولذلك يمكن وصفها بشكل رمزي على أنها أبناؤه الخمسة، وقد بذل الجهد خلال عملية انتقاء مجموعة متنوعة من الرموز والتعبير عن علاقة كانت في الحقيقة صعبة ومستحيلة فعلًا، ولا يمكن تحديدها داخل إطار صيغة منطقية. عرفت العناصر النورانية باللغة السريانية باسم زيواني، وهي الهواء والريح والضوء والنار، وهزم الشيطان أمير الظلام، وحشوده أمام الإنسان الأول، وسلبوه درعه، أو وفق ما ذكرته رواية رمزية أخرى التهمت الشياطين أبناءه الخمسة، ومع ذلك كانت هذه الهزيمة مقدمة لانتصار، فقد اعتبرت طوعية إذا جاز التعبير؛ إذ نزل الإنسان الأول بمحض إرادته الحرة إلى عالم الظلام والمادة، وسمح بتبديل عناصره النورانية، وكانت نيته أن يصبح بذلك سمًّا قاتلًا للمادة، لقد التهم الظلام العناصر النورانية، وقدم لنفسه بفعله هذا مادة ذات اختلاف جوهري كانت لا تطاق كما أنها لم تفتقر إلى التشابية الأخرى، وحصل هنا كما يحصل مع القائد الذي يضحي بطليعة الجيش ويقدمها لقمة سائغة لعدو متقدم؛ لكي ينقذ الجزء الأساسي من جنوده، أو باستعارة عبارة ريفية مثل: الراعي الذي يتخلى للذئب عن شاة من قطيعه؛ كي لا يخسر القطيع كله. وبالطريقة نفسها ضحى الإنسان الأول بروحه لشياطين الظلام، وسمح لها أن تلتهم أبناءه الخمسة، ومع هذا فقد كان ما حدث ضربة مروعة، فكثيرًا ما اتخذت

стр. 341

المزامير والتراتيب المانوية موضوعًا لها الحالة المخيفة التي وجد الإنسان الأول نفسه فيها، فقد وقع في هوة عميقة كانت أعمق بكثير من هوة المادة؛ إذ سلب من درعه النورانية وصعقته الضربة، وأحاطت به الحيوانات المفترسة، والشياطين المخيفة، وقيدته، وباتت مستعدة لأن تلتهمه، وصحى الإنسان الأول من غيبوبته، وأطلق دعاءً تكرر سبع مرات، وعندها استدعى إله العظمة مخلوقًا ثانيًا إلى حيز الوجود إنه صديق النور الذي استدعى البناء العظيم الذي استدعى الروح الحية. وتقدمت الروح الحية نحو حدود الظلام مع أبنائها الخمسة الذين استدعتهم، وأطلقت من ذلك المكان صيحة مدوية إلى الإنسان الأول المحتجز تحت الأرض، والذي أجاب بدوره بهتاف مدوٍّ، واعتبرت هذه الدعوة وهذه الاستجابة على أنهما شخصيات سماويتان مقدستان، وتعرف دعوة واستجابة، أو بشكل أدق ما تم استدعاؤه، وما تم إجابته باللغة الإيرانية الوسيطة، وفي اللغة السريانية قريا وأنيا، وهما ستتحدان وتصعدان إلى أم الحياة، وإلى الروح الحية. كان الحوار الذي تطور بين الدعوة والاستجابة ذا أهمية كبيرة، لأنه أرسى أساس الحالة التي تتكرر مرارًا، وفي كل مرة تجد روحًا على الأرض ذاتها في ضيق، فتطلق صيحة تنشد فيها الخلاص، تتلقى هتاف الحرية. ولقد حفظ الكاتب السرياني فيدور بار كونيه للأجيال أقوال ماني حول هذا، وما زال بالإمكان فهم نبرات صوته في المقطوعة الشعرية الصغير حيث يقول: "ثم صرخت صوت الحية بصوت عال، وكان صوت الروح الحية كالسيف الحاد، وقد كشف عن شكل الإنسان الأول، وقال مخاطبًا إياه، السلام عليك أيها الممتاز بين الأشرار، يا أيها اللامع وسط الظلام، رب قائم وسط وحوش

стр. 342

الغضب لا يعرف شيئًا عن عظمته، وأجابه الإنسان الأول بعد ذلك مباشرة وقال: تعالى مع السلام، وأحضر أسباب الطمأنينة والسلام، وتكلم معه قائلًا كيف هي الأحوال مع آبائنا أو آلهتنا أبناء النور في مساكنهم". لقد حددت تحية الروح الحية التباين بين وضع الحال للإنسان الأول وبين أصل الحقيقي وقدره، وأن أول سؤال يدل على قلق الإنسان الأول قد خص به أقرباءه أبناء النور، يعني: هل كانت تضحياته عديمة الجدوى، أم تم إنقاذه. عودة الإنسان الأول القديم: مادة الروح الحية التي كانت بصحبة أم الحياة يدها اليمنى الإنسان الأول، حيث أمسك بها، وتم انتشاله من أعماق عالم الظلام، وارتفع عاليًا وعاليًا مع أم الحياة والروح الحية، وحلق مثل النور المنتصر المبنثق من الظلام حتى تمت إعادته إلى جنة النعيم مسكنه السماوي؛ حيث كان ينتظره أنسباؤه، كما أنه يوجد وصف آخر في تعليم المانوية يتعلق بهذه العودة، فقد جرى وصف هذه العودة في أحد المزامير المكتوبة كما يلي: كان ابنًا للأب الأول، وكان أميرًا ابنًا لملك، لقد سلم نفسه للأعداء، وتخلى عن ملكه جميعًا، ووضعه في القيود، وحزنت من أجله جميع المعاقل والممالك، وتوجه بالدعاء إلى الأم الحية، فتوسلت من أجله إلى رب الخليقة، إنه الابن الوسيم والبريء، فلماذا فعلت به الشياطين هكذا؟ ولسوء الحظ هنالك سقط في النص عند هذه النقطة، حيث كان من المفروض أن يكون هناك وصفًا لإنقاذ الإنسان الأول، ويستمر النص في نصحه له؛ ليجمع عناصره النورانية المبعثرة قائلًا: أجمع أطرافك، فلقد أعد الجمال السرمدي مطيته عن مظهر نوراني، ليبدأ زحفه، وأمسكته الأم وقبلته قائلة: ها قد عدت أيها الابن المنفي، أسرع واعبر إلى النور، فلطفك وعظمتك متلهفان إلى لقياها.

стр. 343

ومن الواضح أن الوضع متطابق هنا مع الوضع الذي شاهدناه في أغنية اللؤلؤة، غير أن بهجة العودة تمت ممارستها هنا، وذلك عندما يتحد الابن الشاب مع أمه، كما أن الأثر العاطفي الجياش والنبيل بشكل غير اعتيادي أخاذ بهذا التصوير. فالشاب الذي يشرع بالكفاح بشجاعة هو بطل فتى متوقد يرتدي درعًا متلألئًا، والهزيمة الفجائية ومرارتها، والضربة المميتة تنبه المفزع عندما يدرك حالته المخيفة وصيحة النجدة اليائسة والرعب في موطنه إزاء مصيره البشع والمشئوم، ثم وصول المنقذ والحوار القصير الرشيق بين المنقذ والمنقذ، والمشهد الحي للعودة عندما تعانقه الأم وتقبله، والابن الوحيد الذي اعتقدت أنه رحل إلى الأبد. كل ذلك سلسلة كاملة من الأحاسيس الملونة، والمسيرة بواسطة هذه المشاهد المتغيرة بشكل مثير، وتأثير المشهد الأخير مثير بشكل لا يمكن وصف وقعه على مستمعي المذمور، ويمكن تخيل ذلك إذا فهمت الطريقة التي تم من خلالها نيل إعجاب قلوب المؤمنين بهذه الأغاني المانوية. ويعتبر موضوع الأم الإنسان الأول وتخليصه الموضوع الرئيسي في المسيولوجيا المانوية؛ فالإنسان الأول هو المخلص، وهو بنفسه بحاجة إلى افتدا، ء فتلك هي العقيدة القنطوسية للمخلص المفتدي، وأما بالنسبة لمظهر الإيجاب والافتداء للمخلص، فإن النصوص المانوية المكتوبة باللغة الإيرانية الوسيطة تستخدم عبارة واهمان، وزلوخ، وعبارة مانوا هميت وزروخ في الفارسية الوسيطة، ويشير كل منهما إلى نئوس العظيم، وهو مفهوم متأصل في الدين الإيراني القديم، ووجه نظر متطابقة مع وجهة نظر ماني، وموجودة إلى حد ما في غسا الزرادشتية. وهو دليل يشير بالفعل إلى أن النظرية تعود للعهود الإيرانية الهندية؛ لأنها تتكرر في كتابات أوبانشاد الهندية بمثابة عنصر في خط أتمان براهمان في التفكير

стр. 344

المسيولوجي، ويبرز مفهوم نئوس العظيم في مجموع الفصول القبطية، ونتيجة لقهر قوى الظلام لذرات النور فقد نشأت حالة من الامتزاج مع الظلام بعد القتال، وهذا ثانية مصطلح من المصطلحات الإيرانية القديمة، وكلمة قومجشن تعني الامتزاج في النصوص الزرادشتية المكتوبة باللغة الإيرانية الوسيطة، وهي تعني حالة من الحالات عندما يتداخل فيها الخير والشر بعضهما في بعض. وهكذا تسميها النصوص المانوية المكتوبة باللغة الإيرانية الوسيطة قومجشن أو أمجشن وبالطبع إن مفهوم المزج بين النور والظلام بين الفضاء المفهوم والمادة تُشكل أيضًا جزءًا من التراث الإيراني القديم للمانوية، ومن المؤكد أن فكرة وجود إله قاسى من المعاناة قد كانت عنصرًا من عناصر الدين الشعبي الإيراني، وذلك باعتماد هذه التسمية لتلك التطورات التي لا يمكن عزوها إلى الزرادشتية. هذا؛ ويمكن إيجاد آثار ضعيفة لهذه الفكرة على نحو غير مميز في أرمينيا على حافة الحضارة الإيرانية، فقد وُجدت عقيدة شعبية تمحورت حول شخصية اسمها أرتوازد وهذا اسم إيراني صرف، وهو رمز مثبت للمعاناة، ويجب أن يضاف إلى هذا حقيقة أن الحقيقة الشعبية ليست متطابقة مع الدين، ومع ذلك فمن المحتمل أن الحكايات الشعبية الأرمينية القديمة تردد بالفعل المعتقدات المسيولوجية في هذه الحالة الخاصة. وعلى النقيض إن الشكل العاطفي القوي الذي اتخذه موضوع الإله المتألم في المانوية، يمكن عزوه لوضوح لتأثير عقيدة تموز الرافضية، التي ستتم الإشارة إليه ثانية في وقت لاحق إن شاء الله. غير أن هذا لا يدعو إلى إنكار أن بعض الأفكار من نوع مشابه كانت موجودة في الدين الإيراني. كان هذا عن فكرة الإنسان الأول القديم وهزيمته في أسطورة المانوية.

стр. 345

استرداد ذرات النور ويأتي الكلام عن العقيدة الثانية أو المبدأ الثاني استرداد ذرات النور: وصل الآن سير التقدم الكوني إلى المرحلة التي تم عندها إنقاذ الإنسان الأول، وكانت عناصر النور ما تزال في مخاضات الظلام، وبالتالي فقد استمرت نفسه وروحه مكبلتين ومشوهتي، ن وقد تطلبتا أن يتم تحريرهما وإعادتهما إلى عالم النور، ونفذت الروح الحية هذه المهمة وقد دعيت هذه الروح في التعاليم الإيرانية باسم مهريازد أحيانًا أي: الإله مسرا. هذا؛ وقد أعطته بعض المصادر الإغريقية اسم خالق الكوني المادي، وهي تسمية موائمة تمامًا بالنظر إلى حقيقة أنه كان بالتعبير الدقيق خالق الكون المرئي؛ لأنه عاقب شياطين الظلام الذين يدعون باسم أركون وسلخ جلودهم، وصنع المساء منها؛ بينما صنع الجبال من عظامهم والأرض من برازهم، وتشكل الكون من عشر سماوات وثمانية أفلاك ورفع واحد من أبناء الروح الحية السموات عالية، وكان اسمه حامل التألق، وهو صافد زيوا في السريانية. وقام ابن آخر بتثبيت الأفلاك الثمانية على كتفه وهو سيكالا وأطلس باللغة اللاتينية، وبدأت الروح الحية مهمة التحرير؛ حيث طهرت الذرات النورانية التي لم تكن قد تلوثت، وصنعت الشمس والقمر منها، أو فلكي النور كما دُعي عادة، وحول الذرات التي كانت قد تلوثت بشكل جزئي، وحولت ذرات التي كانت قد تلوثت بشكل جزئي إلى نجوم. وتم اشتقاق هذه الأفكار من علم هيئة الإيراني مسيولوجي كان مألوفًا لفترة طويلة، وبسبب أن الكواكب كانت قاسية، فقد كانت خمسة أيام من الأسبوع قاسية، ولم يكن لطيفًا من بينها سوى يومي الأحد والاثنين.

стр. 346

وبقيت هناك تلك الذرات التي كانت قد عانت المزيد من مواجتها مع الظلام، واستلزم أمر إعادتها وجود إجراء معقد، وشرع إله العظمة بخلق فيض جديد كانت أهم شخصياته الرسول الثالث، واسمه أسقادا باللغة السريانية، وتعني: الرسول، ويسمى أحيانًا باسم مسرا في التعاليم الإيرانية. وكان الرسول الثالث أبًا لعذارى الاثنتين عشرة للنور، واللواتي احتللن أمكنتهن على أنهن الاثنتا عشرة علامة لمنازل دائرة البروج، وتم اختراع قطعة ألهية أصيلة، وهي عبارة عن عجلة كونية ضخمة جدًّا، كأنها كوكب وتشبه ناعورة الماء، وحددت ذرات نوره للشمس والقمر، وبذخت ذرات النور المتقدة كعامود من نور يعرف باسم عامود المجد، وذلك في النصف الأول من الشهر، واتجه نحو القمر الذي أصبح بدرًا بعدما امتلأ وتضخم بذرات النور، وتم ترشيد ذرات النور خلال النصف الثاني من الشهر من القمر إلى الشمس، ومن هناك إلى جنة نور. ويقوم وراء هذا كله حسب المعايير العلمية الحديثة مفاهيم ساذجة جدًّا، وهي الأفكار الإيرانية الهندية القديمة المتعلقة بتطهير الروح الإنسانية بوساطة هذا الصعود إلى الكواكب القمرية والشمسية، كما أن فكرة عامود النور الممتد من الأرض إلى السماء، والمؤلف من ذرات متصاعدة من النور هو مجرد فكرة قديمة عن طريق المجرة درب التبانة، المتشكل من أرواح الموتى المتصاعدة باستمرار نحو سماء النجوم الثابتة، وقد سيطر هذا التفسير المسيولوجي على العقائد في العصور القديمة بشكل عام، وبالنسبة لماني فإنه في هذه الحالة قد تبنى سلسلة من الأفكار، كانت عامة ومتداولة في العصور القديمة، ومتأصلة في إيران والشرق الأوسط.

стр. 347

أسطورة إغواء الأراكنة ثالثًا: أسطورة إغواء الأراكنة؛ أي: الحكام كان ما يسمى بأسطورة إغواء الأراكنة عنصرًا أسطوريًّا آخر لم يستطع أن يخفق في الظهور بشكل كبير إلى رجال الكنيسة المسيحيين بشكل خاص؛ لأنه قص كيف أبحر الرسول الثالث في مركبه الضوئي أي: القمر عبر قبة السماء، وأظهر نفسه للقوى الشياطنية المقيدة؛ حيث أظهر للأركانة الذكور جمال أنوثته المتألق على شكل عذراء النور في الإيرانية الوسيطة كانيا غراشن، وتجلى إلى الأراكنة الإناث في هيئة شاب عار متألق، ولهذا يعرض هذا الإله على شكل خنثى، وحقق نشاط الرسول الهدف المطلوب؛ فقد قذف الأركنة الذكور في أثناء إثارتهم الجنسية العنيفة بذرات النور على شكل نطف سقطت على الأرض؛ حيث سمح التراب للنباتات أن تنبعث عند ذلك مع نتيجة أن هذه النباتات استمرت تحتوي على نسبة كبيرة من الضوء هذه نقطة ينبغي ملاحظتها. وأما الشياطين المؤنثة، والتي كانت حاملة من قبل فقد ولدت ذريتها قبل حلول الأوان، عندما رأت جمال الرسول، وبما أنه تم قذف هذه الشياطين إلى الأرض، فإنها قد التهمت براعم الأشجار، ومن ثم تمثلت ذرات الضوء التي كانت موجودة في ذلك المكان. وخلاصة الأمر: هي أن الفكرة تستهدف أن تقول أن ذرات النور التي كانت ما تزال موجودة في المادة، قد تم توزيعها إلى بعض الحدود بين عالم الخضار، وبين ذرية القوى الشيطانية إلى حد ما أيضًا إن نظرة إلى عالم أسطورة الواقع وراء إغواء الأراكنة ستساعد على فهم هذا الموضوع قبل التعمق في دراسة نظام ماني العقائدي، ويسمى الرسول الثالث

стр. 348

باسم: نارياس يزدا في الفارسية وفي النصوص المكتوبة باللغة الإيرانية الوسيطة، بينما يسمى باسم لا ريسا يزد في الفارسية الوسيطة، وتلك هي الأشكال الغربية الإيرانية الوسيطة الأصيلة لأفذت نارسيه التي يرد ذكرها في الكتب البهلوية على أنها نيروسمعا. وهنالك جزء في المدونات المتبقية للكاتب فيدورا باركونية التي تعالج قضايا الإله نرسيس، عندما أعطى هارموزد النساء للأتقياء، فهربن وذهبن إلى الشيطان أي: أهرامان، وعندما أحدث أهرامزن السلام والسعادة القويمين أعطى الشيطان أي: أهرامان السعادة للنساء أيضًا، ومع ذلك فإنما ترك الشيطان أهرامان النساء يشتهين ما أردن خشي أهرامزد من أن الجماع مع الصالحين سيكون كما اشتهينه، ولذلك خلق الإله نرسيس، وهو عبارة عن شاب في الخامسة عشر من عمره، وهو العمر المثالي حسب المفاهيم الإيرانية، ووضع عاريًا تمامًا على ظهر الشيطان أهرامان، حيث تشهده النسوة، ويشتهينه، وتنشده من الشيطان، وقد رفعت النسوة أيديهن إلى الشيطان أهرامان، وقلن يا أبانا الشيطان أعطنا هبة من الإله نرسيس. وستتم دراسة هذا المظهر المسيولوجي لهذه الأسطورة عندما تتم دراسة وجهة نظر ماني حول مسائل الجنس، ومن المناسب في هذه المرحلة أن نوجد موافقات ممكنة مع المسيولوجية المانوية، أن الإله نرسيس المعتبر هنا على أنه إله مذكر وليس خنثى، يتم عرضه بواسطة إله على مرأى من المخلوقات المؤنثة التي تعتبر مخلوقات شريرة، تناقد الصالحين، وبينما يعتبر أهرومزد حامي الصالحين، وأهرامان حاميًا للنساء يتم إظهار نرسيس عاريًا للنساء؛ لإثارة شهوتهن، إذ تتغلب عليهن الرغبة بمضاجعته والاتصال به. إن نقاط التباين هنا واضحة بقدر وضوح نقاط التوافق تمامًا، ولسنا بحاجة إلى أن نؤكدها، وقد ثبت بالمقارنة مع نص موائم من البنداهشن أنه من الممكن إعادة تركيب المسيولوجية الإيرانية الأصيلة، وأن نقرر أنها كانت زروانية، والشيء المجهول حتى الآن هو فيما إذا

стр. 349

كان ماني نفسه قد غير التفاصيل في المسيولوجية الزروانية، وتبنى تفاصيل أخرى، أو فيما إذا وجدت من قبل ترجمة متطابقة مع النمط المانوي في الزروانية، وعلى أية حال من الممكن إعادة موضوع إغواء الأراكنة إلى ذلك المصدر بالذات أي: إلى العقيدة الزروانية التي التقينا بها مرارًا من قبل. هذا؛ وإن حقيقة أن المسيولوجية المانوية حين افترضت وجود صلة غريبة من ذرات النور والنطف قد احتاجت إلى موجب ليس مفاجئًا، فقد ارتكز ماني نفسه هنا على آراء معاصرة أيضًا، فقد كانت مدارس الطب الإغريقية القديمة تعتقد أن النطف الصادرة عن الحبل الشوكي قد تشكلت من سيلان ملتهب، وقامت خلف مثل هذا التأمل الطبي فكرة مسيولوجية ظهرت في الثقافة الإيرانية الهندية، وكان الأساس في جميع هذه النظريات هو أن النار هي العنصر الأسمى في الجسم الإنساني، وبما أن الإنسان هو عالم صغير يمثل الكوني الكلي فقد افترض أنه مركب من النار والهواء، والماء والتراب، وكانت الروح زفيرًا ملتهبًا، واعتبرت النطف على أنها نوع ملتهب من المواد. واعتقد أيضًا أن الشمس والقمر والنجوم هي نوع ملتهب من المادة، ومن هنا أتت ذاتية الإنسان العليا، وهي ستعود إلى هنا. هذا، وليس من السهل القول فيما إذا كان ماني قد اقتبس هذه الآراء من مصادر إيرانية أو مصادر هلنستية، فمن المحتمل أن مثل هذه النظريات كانت مألوفة تمامًا بالنسبة إلى أتباع مذهب الغلطوسية في حران، وهم الذين أعطوا مقدارًا وفيرًا من الوقت للنظرية والتطبيق الطبي، ويمكن التسليم على أنها كانت زائعة في بلاد الرافدين عمومًا، وقد حققت تصديقًا وقبولًا على أيدي الأطباء الهنود والإيرانيين، فقد كان ماني ابن زمانه في مثل هذه المسائل مثله في غيره دائمًا، يعايش الواقع، ويبني دينه على النظريات والأساطير والأوهام، وما كان موجودًا في واقعه وفي الحضارات، والديانات من حوله؛ ليوجد دينًا يتفق مع الواقع يسيره الواقع، والحمد لله على نعمة الإسلام، وكفى بها نعمة، ونعوذ بالله من الكفر، ومن الخذلان.

стр. 350

المقاييس المضادة للمادة ونواصل مع تعاليم ماني فيما يعرف باسم المقاييس المضادة للمادة، والروح بمثابة مركز للفداء، والإيمان بالآخرة، والفلك. لقد تطورت المادة في الشخص ذي الشهوة الجسدة خطة تأمرية استهدفت الاحتفاظ بذرة النور التي بقيت بها حتى الآن، وقضت هذه الخطة بتركيز جزء كبير من النور في خلقة الفرد، وذلك كقوة موازية للخلق السماوي، ولتنفيذ ذلك جرى اختيار شيطان مذكر اسمه أشقلون، وشيطانة مؤنثة اسمها نمارا إيد وكيما يتم تمثل ذرات النور التي كانت قد سقطت على الأرض، والتي كانت موجودة في إجهاضات الحكام ابتلع أشقلون جميع الحيوانات المخيفة التي كانت مذكرة في حين قدمت الحيوانات المخيفة المؤنثة لنا ما رأينا. وبعد هذا جمع أشقلون نامرائيل فأنجب آدم وحواء أول المخلوقات البشرية، هكذا نشأ الجنس البشري بما لا شك فيه من مزيج مقزز للنفس من أعمال أكل لحوم البشر، والممارسات الجنسية، وكان جسد الإنسان بمثابة مظهر حيواني صرف للحكام، وكانت شهوته شهوة جنسية مسيرة له؛ تمشيًا مع خطة المادة للإنجاب والولادة، فهذا هو ميراث الإنسان من أصله الحيواني، لكن عالم النور لم يكن قادرًا ولا راغبًا بترك الإنسان تحت رحمة عالم الشر، فتجمع في آدم الجزء الأكبر من النور المحتجز والمتبقى، وذلك هو السبب في أنه أصبح الموضوع الأول لجهد الفداء من قبل عالم النور. وجرى بذل الجهد حسب النمط نفسه لافتداء الإنسان الأول، فقد خلق آدم أعمى وأطرش، وغير مدرك تمامًا لوميض النور في داخله، وذلك استجابة لتحريض المادة، وكانت تحيط به ضحية من ضحايا الشياطين، فقد كان غارقًا في ثبات عميق، وظل كذلك حتى اقترب المخلص منه، ويتم وصف المخلص الذي

стр. 351

هو إظهار وتمثيل للرسول الثالث بشكل متنوع، فهو يسمى حينًا باسم الله، أو أهرامزد، أو الإنسان الأول، أو يسوع النور المتألق، أو يسوع المتألق أحيانًا أخرى، وبالطبع إن اسمي أهرامزد ويسوع ينتميان كل على حدة إلى التقاليد الإيرانية والسريانية، ومن المؤكد أنه ابن الله والتجاسيد المعقول للمخلص داخل إطار النظام، فهو إما نئوس، أو واهمان من واهمين، وكان هدفه أن يجدد في آدم نئوسه الخاص به، أو روحه الخاصة به، كما يقال في اللغة الشائعة، فقد أيقظ بدعوته آدم من ثبات الموت، وهزه وفتح عينيه، وأعاد الحياة إليه، وحرره من الشياطين التي تلبثته بتعويذة، وأراه روح النور المحتجزة، والمتألمة في كل مادة، وأظهر له أصله المزدوج، كيف أن جسده قد اشتق من قوى الشر وروحه، أو نفسه أي: ذاته الروحانية من عالم النور السماوي، وعلمه المعرفة الفدائية، والمعرفة الروحية، ومعرفة ما كان وما هو كائن، وما سيكون، والعبارة الأخيرة هي صيغة هندية إيرانية نشهدها في الأدب الهندي القديم، وتتكرر في التعاليم الزرادشتية. وأما بالنسبة للبقية، فيحمل وصف السابق حتى مع التفاصيل الطابع نفسه، وكما هو مبين في إيقاظ آدم النفس في الأدب المندعي، وتقول رواية سيدور برقونية: ثم التفت آدم نحو نفسه وأدرك ذاته ثم قال: الويل لمن كون جسدي، ولمن قيد روحي وللمتمردين الذين استعبدوني، ويظهر تعبير المتمردين في الأدب المندعي أيضًا بمثابة تعبير عن قوى الشر المعادية لعالم النور؛ حتى إنه تم تبنيه في لغة القرآن وتعابيره. فهناك سلسلة من المشاهد المتوازنة مثل دعوة الروح الحية التي أيقظت الإنسان الأول، وإيقاظ آدم من قبل ابن الله يسوع، أو أهرامزد، أو النور الساطع، والنصح الذي أسداه المخلص لكل روح إنسانية مقيدة بأغلال المادة، كما أن

стр. 352

إيقاظ الإنسان الأول قد حدث عند المستوى الكوني الأعظم، وحدث إيقاظ الفرد عند المستوى الكوني الأصغر، وكان بين المستويين المستوى الذي تم فيه إيقاظ آدم، والذي اتحدت فيه جميع الأرواح البشرية في جهد موحد. وتشكل المعركة والهزيمة والثبات العميق والإيقاظ والحوار وعودة الإنسان الأول، والنفس البشرية بعضها مع بعض سلسلة من الإجراءات تتبع بعضهًا بعضًا كمشاهد في مسرحية طقوسية، ولقد كانت مسرحية مثلت لآلاف السنين في بلاد الرافدين، وكانت وصفًا لفقدان الإله تموز، ولبعثه من الموت؛ حيث انطلق مثل محارب توجه نحو بلد معاد، انطلق هكذا نحو الموت، وسقط في قبضته، وبقي في جوف الأرض غارقًا في ثباته العيمق، تحيط به البهائم المتوحشة والشاطين، وذهبت محبوبته عشطار إلى الميدان لتيقظه فأيقظته بدعاء، وبحوار جرى بينهما، ثم انتشلته وحررته من سلطان عالم الموت، وهكذا عاد منتصرًا إلى عالم الحياة. لقد مارست هذه الطقوس القديمة نفوذها على وصف عملية الفداء ليس في المانوية فحسب، بل في المسيحية السريانية أيضًا، كما أن الأديان التي اتخذت لنفسها مكانًا في بلاد الرافدين لم تستطع كليًّا أن تُفلت من تأثير هذه الحضارة الطبيعية المجيدة، وبقدر ما يعني الأمر ماني نجد أن دراما تموز قد زودته بنقطة البداية بمسيولوجيتها الرمزية لعملية الفداء، وليس أكثر من ذلك فقد أخذ تفسيره لعملية الفداء من تأمل لاهوتي هندي إيراني. زود هذه الرؤية الشرقية القديمة للحوادث التي تصل الأوجى بعملية الفداء، بدلالة فلسفية أكثر عمقًا. أما فيما يتعلق بالتفاصيل فغالبًا ما نجد أنه من الصعب الحكم في أي من الصور والرموز المسيولوجية قد صدر عن بلاد الرافدين، وأيها في التحرير النهائي قد نشأ في دنيا المعتقدات الهندية الإيرانية، ويكفي أن نسوق بعض الأمثلة لتوضيح هذه النقطة:

стр. 353

ومن ذلك أن الإنسان عندما سلب من حريته أصبح، وكأنه في السجن، وكان محاطًا بالخوف الشديد، كما كان مخمورًا بنوبة التضليل مثلما يفعل المخدر، وكان أيضًا مبهورًا من المعاناة، وكأنه في هاوية الظلام قد قهرته ضربة الفسوق، وكأنها لدغة أفعى، وتظهر جميع هذه الاستعارات الكلامية من جديد في المانوية، وهي متجمعة ومتغلغلة بشكل جلي في العقائد الرافدية خاصة في عقيدة تموز، وباسطاعتها بسهولة أكبر أن تربح الجولة لصالحها، وعليه لم يكن ماني مبدعًا لها؛ فقد وجدت من زمن طويل قبله، ولربما نالت رموزها العرفانية قبل قرون مضت. وتقع المصطلحات التالية مثل: ظلام، وسجن، وسمالة، وإيقاظ مع مصطلحات أخرى مألوفة تحت عنوان المصطلحات الغنطوسية؛ لأنه بالنسبة للقدم، ولأصل التقوى الأنطوسية ليست هذه التعابير بدون أهمية؛ حيث تظهر هذه المصطلحات في السبيل الأخير للتطبيق الفني الصرف في محيط هندي الإيراني ومن ناحية أخرى، نجد أن الأهم من ذلك هو أن العقيدة الهندية الإيرانية تعرض على العالم المادي وجهة نظر تفرض استخدام لهذه اللغة الغنطوسية، وبالفعل إن الدين الهندي الإيراني يظهر كما هو معترف به على أنه واحد صارد عن عدة ينابيع، وأنه يهدف نحو تحقيق مفهوم عالمي متشائم؛ لاحتقار وازدراء الوجود المادي، ويتشوق إلى الآخرة والزهد الناشئين عن ذلك، وفيه حافز عميق لهجر العالم، وتصبح هذه النزعة الهندية النموذجية الطريق نحو الفداء، وتسمى باسم طريق المعرفة؛ لأنها ترتكز على التوضيح الفدائي، وهي أن الروح الفردية متطابقة مع العظيم أوبرهمة، وهذا الذي يحدوا بنا إلى العقيدة التي تأتي بعد الروح بمثابة مركز للفداء، وما بعدها من عقائد. وصلّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمته وبركاته.

стр. 354

الدرس: ١٦ الديانة المانوية (٣) .

стр. 355

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السادس عشر (الديانة المانوية (٣)) الروح بمثابة مركز للفداء الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد: فها أنا ذا أمضي قدمًا في الكلام عن الديانة المانوية، من بعد الكلام عن حياة "مانو". وبدأنا الكلام عن مبادئه، ونواصل القول في مبادئه وتعاليمه. وبقي لنا الكلام عن الروح بمثابة مركز للفداء وما بعدها: إن الشيء النموذجي الذي يعتبر ميزة خاصة في الدين الهندي الإيراني هو أنه يجب على هذا التمذهب جعل الروح مركزًا للعملية الفدائية، ويروي كتاب (القفالايا القبطي) الفصول المؤلف من مائة وإحدى وأربعين فصلًا، والذي يعالج صعود الروح بعد الموت، ما يلي: تشاهد الروح مخلصها ومنقذها حالما تكون قد غادرت الجسد، وتصعد مع صورة سيدها والملائكة الثلاثة الذين معها، وتمثل بنفسها أمام قاضي الحق وتتسلم النصر. ولنتحدث بشكل أكثر دقة: إن النص السابق مزيج من نصين متزامنين شاملين بشكل متبادل، وحسبما قال أحدهم: إن الروح تحقق النصر عند صعودها على أيدي شكل مؤلف من ثمانية، وبرفقته ثلاثة ملائكة، ومع ذلك يؤكد مقطع آخر من (القفالايا): أن الإله الخامس هو رمز النور الذي يظهر نفسه في الهيئة ذاتها التي يظهر بها الرسول لكل روح تغادر الجسد ومعها الملائكة الثلاثة العظام المتألقين، ويحمل الأول من بين هؤلاء الملائكة جائزة الانتصار في يده كما يحمل الملاك الثاني نداء النور، ويحمل الملاك الثالث التاج والإكليل، وتاج النور، هؤلاء هم ملائكة النور الثلاثة الذين يأتون مع الشخصية النورانية هذه، ويظهرون أنفسهم للفرد المختار وللمريدين. إن الشخصية النورانية -المسماة في المثال الأخير باسم الإله الخامس- هي إظهار نؤوس. كما جرى تجلية في الرسول، وهذا إذًا هو الأسلوب الذي تم به تخيل كيف يعمل المخلص الذي خلق اللحم في شخصية يسوع وماني ورسل الله الآخرين، كما يظهر ملائكة المرافقة الثلاثة من جديد في
следующие страницы →