Полный текст (451 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
هو إظهار وتمثيل للرسول الثالث بشكل متنوع، فهو يسمى حينًا باسم الله، أو أهرامزد، أو الإنسان الأول، أو يسوع النور المتألق، أو يسوع المتألق أحيانًا أخرى، وبالطبع إن اسمي أهرامزد ويسوع ينتميان كل على حدة إلى التقاليد الإيرانية والسريانية، ومن المؤكد أنه ابن الله والتجاسيد المعقول للمخلص داخل إطار النظام، فهو إما نئوس، أو واهمان من واهمين، وكان هدفه أن يجدد في آدم نئوسه الخاص به، أو روحه الخاصة به، كما يقال في اللغة الشائعة، فقد أيقظ بدعوته آدم من ثبات الموت، وهزه وفتح عينيه، وأعاد الحياة إليه، وحرره من الشياطين التي تلبثته بتعويذة، وأراه روح النور المحتجزة، والمتألمة في كل مادة، وأظهر له أصله المزدوج، كيف أن جسده قد اشتق من قوى الشر وروحه، أو نفسه أي: ذاته الروحانية من عالم النور السماوي، وعلمه المعرفة الفدائية، والمعرفة الروحية، ومعرفة ما كان وما هو كائن، وما سيكون، والعبارة الأخيرة هي صيغة هندية إيرانية نشهدها في الأدب الهندي القديم، وتتكرر في التعاليم الزرادشتية.
وأما بالنسبة للبقية، فيحمل وصف السابق حتى مع التفاصيل الطابع نفسه، وكما هو مبين في إيقاظ آدم النفس في الأدب المندعي، وتقول رواية سيدور برقونية: ثم التفت آدم نحو نفسه وأدرك ذاته ثم قال: الويل لمن كون جسدي، ولمن قيد روحي وللمتمردين الذين استعبدوني، ويظهر تعبير المتمردين في الأدب المندعي أيضًا بمثابة تعبير عن قوى الشر المعادية لعالم النور؛ حتى إنه تم تبنيه في لغة القرآن وتعابيره.
فهناك سلسلة من المشاهد المتوازنة مثل دعوة الروح الحية التي أيقظت الإنسان الأول، وإيقاظ آدم من قبل ابن الله يسوع، أو أهرامزد، أو النور الساطع، والنصح الذي أسداه المخلص لكل روح إنسانية مقيدة بأغلال المادة، كما أن
стр. 352
إيقاظ الإنسان الأول قد حدث عند المستوى الكوني الأعظم، وحدث إيقاظ الفرد عند المستوى الكوني الأصغر، وكان بين المستويين المستوى الذي تم فيه إيقاظ آدم، والذي اتحدت فيه جميع الأرواح البشرية في جهد موحد.
وتشكل المعركة والهزيمة والثبات العميق والإيقاظ والحوار وعودة الإنسان الأول، والنفس البشرية بعضها مع بعض سلسلة من الإجراءات تتبع بعضهًا بعضًا كمشاهد في مسرحية طقوسية، ولقد كانت مسرحية مثلت لآلاف السنين في بلاد الرافدين، وكانت وصفًا لفقدان الإله تموز، ولبعثه من الموت؛ حيث انطلق مثل محارب توجه نحو بلد معاد، انطلق هكذا نحو الموت، وسقط في قبضته، وبقي في جوف الأرض غارقًا في ثباته العيمق، تحيط به البهائم المتوحشة والشاطين، وذهبت محبوبته عشطار إلى الميدان لتيقظه فأيقظته بدعاء، وبحوار جرى بينهما، ثم انتشلته وحررته من سلطان عالم الموت، وهكذا عاد منتصرًا إلى عالم الحياة.
لقد مارست هذه الطقوس القديمة نفوذها على وصف عملية الفداء ليس في المانوية فحسب، بل في المسيحية السريانية أيضًا، كما أن الأديان التي اتخذت لنفسها مكانًا في بلاد الرافدين لم تستطع كليًّا أن تُفلت من تأثير هذه الحضارة الطبيعية المجيدة، وبقدر ما يعني الأمر ماني نجد أن دراما تموز قد زودته بنقطة البداية بمسيولوجيتها الرمزية لعملية الفداء، وليس أكثر من ذلك فقد أخذ تفسيره لعملية الفداء من تأمل لاهوتي هندي إيراني. زود هذه الرؤية الشرقية القديمة للحوادث التي تصل الأوجى بعملية الفداء، بدلالة فلسفية أكثر عمقًا.
أما فيما يتعلق بالتفاصيل فغالبًا ما نجد أنه من الصعب الحكم في أي من الصور والرموز المسيولوجية قد صدر عن بلاد الرافدين، وأيها في التحرير النهائي قد نشأ في دنيا المعتقدات الهندية الإيرانية، ويكفي أن نسوق بعض الأمثلة لتوضيح هذه النقطة:
стр. 353
ومن ذلك أن الإنسان عندما سلب من حريته أصبح، وكأنه في السجن، وكان محاطًا بالخوف الشديد، كما كان مخمورًا بنوبة التضليل مثلما يفعل المخدر، وكان أيضًا مبهورًا من المعاناة، وكأنه في هاوية الظلام قد قهرته ضربة الفسوق، وكأنها لدغة أفعى، وتظهر جميع هذه الاستعارات الكلامية من جديد في المانوية، وهي متجمعة ومتغلغلة بشكل جلي في العقائد الرافدية خاصة في عقيدة تموز، وباسطاعتها بسهولة أكبر أن تربح الجولة لصالحها، وعليه لم يكن ماني مبدعًا لها؛ فقد وجدت من زمن طويل قبله، ولربما نالت رموزها العرفانية قبل قرون مضت.
وتقع المصطلحات التالية مثل: ظلام، وسجن، وسمالة، وإيقاظ مع مصطلحات أخرى مألوفة تحت عنوان المصطلحات الغنطوسية؛ لأنه بالنسبة للقدم، ولأصل التقوى الأنطوسية ليست هذه التعابير بدون أهمية؛ حيث تظهر هذه المصطلحات في السبيل الأخير للتطبيق الفني الصرف في محيط هندي الإيراني ومن ناحية أخرى، نجد أن الأهم من ذلك هو أن العقيدة الهندية الإيرانية تعرض على العالم المادي وجهة نظر تفرض استخدام لهذه اللغة الغنطوسية، وبالفعل إن الدين الهندي الإيراني يظهر كما هو معترف به على أنه واحد صارد عن عدة ينابيع، وأنه يهدف نحو تحقيق مفهوم عالمي متشائم؛ لاحتقار وازدراء الوجود المادي، ويتشوق إلى الآخرة والزهد الناشئين عن ذلك، وفيه حافز عميق لهجر العالم، وتصبح هذه النزعة الهندية النموذجية الطريق نحو الفداء، وتسمى باسم طريق المعرفة؛ لأنها ترتكز على التوضيح الفدائي، وهي أن الروح الفردية متطابقة مع العظيم أوبرهمة، وهذا الذي يحدوا بنا إلى العقيدة التي تأتي بعد الروح بمثابة مركز للفداء، وما بعدها من عقائد.
وصلّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمته وبركاته.
стр. 354
الدرس: ١٦ الديانة المانوية (٣) .
стр. 355
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السادس عشر
(الديانة المانوية (٣))
الروح بمثابة مركز للفداء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:
فها أنا ذا أمضي قدمًا في الكلام عن الديانة المانوية، من بعد الكلام عن حياة "مانو". وبدأنا الكلام عن مبادئه، ونواصل القول في مبادئه وتعاليمه.
وبقي لنا الكلام عن الروح بمثابة مركز للفداء وما بعدها:
إن الشيء النموذجي الذي يعتبر ميزة خاصة في الدين الهندي الإيراني هو أنه يجب على هذا التمذهب جعل الروح مركزًا للعملية الفدائية، ويروي كتاب (القفالايا القبطي) الفصول المؤلف من مائة وإحدى وأربعين فصلًا، والذي يعالج صعود الروح بعد الموت، ما يلي:
تشاهد الروح مخلصها ومنقذها حالما تكون قد غادرت الجسد، وتصعد مع صورة سيدها والملائكة الثلاثة الذين معها، وتمثل بنفسها أمام قاضي الحق وتتسلم النصر.
ولنتحدث بشكل أكثر دقة: إن النص السابق مزيج من نصين متزامنين شاملين بشكل متبادل، وحسبما قال أحدهم: إن الروح تحقق النصر عند صعودها على أيدي شكل مؤلف من ثمانية، وبرفقته ثلاثة ملائكة، ومع ذلك يؤكد مقطع آخر من (القفالايا): أن الإله الخامس هو رمز النور الذي يظهر نفسه في الهيئة ذاتها التي يظهر بها الرسول لكل روح تغادر الجسد ومعها الملائكة الثلاثة العظام المتألقين، ويحمل الأول من بين هؤلاء الملائكة جائزة الانتصار في يده كما يحمل الملاك الثاني نداء النور، ويحمل الملاك الثالث التاج والإكليل، وتاج النور، هؤلاء هم ملائكة النور الثلاثة الذين يأتون مع الشخصية النورانية هذه، ويظهرون أنفسهم للفرد المختار وللمريدين.
إن الشخصية النورانية -المسماة في المثال الأخير باسم الإله الخامس- هي إظهار نؤوس. كما جرى تجلية في الرسول، وهذا إذًا هو الأسلوب الذي تم به تخيل كيف يعمل المخلص الذي خلق اللحم في شخصية يسوع وماني ورسل الله الآخرين، كما يظهر ملائكة المرافقة الثلاثة من جديد في
стр. 356
روايات أخرى، وتستحق الاهتمام كل من مواهبها المبينة مع جائزة الانتصار والتاج والإكليل، وتاج النور. وتعني جائزة الانتصار: أن تخليص الروح من الجسد يعتبر انتصارًا للمخلوق الجديد على المخلوق القديم، كما يمكن فهم الصراع ضد القديم إما في إطار معنى الصراع المادي، أو في إطار معنى المحاكمة، ويترك القرار في الحالة الثانية للقاضي وهي دعوى مسوغة دخلت أمام هيئة المحكمة؛ دفاعًا عن الروح الميتة. وهذه مصطلحات رمزية تم اشتقاقها من إجراء قانوني سائد في الشرق الأوسط.
ومن ناحية أخرى إن رداء النور والرموز الباقية تشير تمامًا إلى أصل ثقافي هندي إيراني، وتصف المزامير المانوية المكتوبة في الإيرانية المتوسطة كيف تقوم القاعة والعرش والإكليل والتاج والرداء بالاستعداد لروح الإنسان الصالح بعد موته، ويوضح هذا مفاهيم آلية قديمة تؤمن بالآخرة، كما أن الأفكار ذاتها المتعلقة بالقاعة السماوية والرداء والتاج، وقد تحقق البحث الحديث من وجود وصف مطابق تمامًا في الأدب الإيراني القديم.
الإيمان بالآخرة
وننتقل إلى الكلام عن الإيمان بالآخرة:
إن الإيمان الهندي بالآخرة ما كان له أن يكون إيمانًا هنديًّا حقيقيًّا لو لم تخصص نصيبًا للمخلوقات المؤنثة الجميلة التي يلتقي الصالحون بها في السماء، كما أن جرسة التراتيل المانوية ترينا أنها لم تهمل عزاري الجنة، ويجب أن نعيد إلى الذاكرة أيضًا أنه التقى في المانوية الإنسان الصالح مع ذاته السامية على شكل عذراء إلهية رائعة، رافقته في طريقه إلى الجنة.
ونقرأ هذا في قطعة صدغية مكتوبة، وتواصل هذه القطعة شرحها قائلةً: إنه سيقترب من الإنسان الصالح إثر موته ما لا يقل عن ثمانين ملكًا من الجنس الآخر، مزينين بالورود، ويحضونه على التقدم نحو جنة النور ليتذوق السعادة هناك.
стр. 357
إن أشد اللحظات تأثيرًا في جميع المعتقدات الإيرانية المتعلقة بالآخرة هي تلك التي يصادف فيها الإنسان الصالح المتوفى ذاته السامية على شكل فتاة جميلة في الربيع الخامس عشر من عمرها تخبره أنها هي روحه، ويتضح هنا تمامًا أن المفهوم والرمز المانويين هنا مقتبسان من الإيمان الإيراني القديم المتعلق بالآخرة.
ودعيت الفتاة السماوية التي تجسد أعمال الإنسان على الأرض، والتي تأثرت صفاتها ومظهرها بهذه الأعمال في النصوص الزرادشتية، باسم "كيونوسين" أي: سلوك الميت، كما تم تقديم الذات السامية في بقايا النصوص بما يعني سلوكها الخاص، هذا وإن التفاصيل فيها دلالات أيضًا.
ويشغل الرداء الممنوح للروح الصاعدة حسب الرأي المانوي دورًا هامًّا في النصوص الزرادشتية المكتوبة بالإيرانية المتوسطة، وفي النصوص الغمطوسية ذات المنشأ الإيراني، وهذا صحيح بشكل خاص بخصوص نشيد اللؤلؤة، وبناء عليه يوجد هنا رمز آخر اقتبسته المانوية من الغمطوسية الإيرانية، ودُعيت أعمال الإنسان الصالحة في اللاهوت الإيراني الهندي باسم "كنز في السماء". ويفسح هذا بدوره المجال للذات العليا؛ ليتم تسميتها باسم "خازن" وبرؤية أن الرداء الفخم هو مجرد رمز آخر لتلك الأعمال، وتُستخدم أغنية اللؤلؤة أحيانًا وصف الخزنة عند التحدث عن حراسها، وتعرف المانوية بعض الصديقين باسم "كنوز الأم المجيدة"؛ لأن أعمالهم هي الإشراف على الأعمال الصالحة، وخدمت أعمال تقويم بعض الآراء الشائعة العائدة للمصطلحات الغمطوسية والمانوية في تقديم المظاهر الرئيسة للإيمان المانوي بالآخرة بقدر ما يتعلق الأمر بأرواح الصالحين، وأما فيما يتعلق بأرواح الآخرين فقد كانت عقيدة ماني عقيدة تقمص.
стр. 358
ولربما جاء هذا كمسألة استيعاب للبوذية، مع أنه يجب عدم استثناء تأثير الفيفا غروسية المحدثة، ومن الغريب أن التقمص قد دُعِي في النصوص القطبية بعبارة هي في الإغريقية تعني "إعادة الصياغة أو التشكيل" ومن المحتمل أن هنالك وراء هذا الاستخدام للكلمة أفكارًا إيرانيةً هندية قديمة حول كون الإنسان نَتاجًا لصانع الحداد سماوي، يوجب على كل روح أن تملأ بالعزيمة، تصبح فولاذية خلال النار، حتى تكون مهيأة لاجتياز عملية الانبعاث الروحي داخل الأوتون المشتعل، وتعالج الحكايات الإيرانية القديمة حول إله البرق الموضوع نفسه.
ولم يكن الإيمان المانوي بالآخرة حسبما تعلق بالفرد وأثَّر به متطابقًا مع المستقبل المعد للعالم بصورة عامة، والتفسير الذي يجب تتبعه حول هذه المسألة، هو أن ذرات النور الخالد لم يتم وقفها على الأرواح البشرية، بل كما تم الذكر من أنه كمية الضوء التي ضلت والتي لم تعد قد تم توزيعها في كل مكان من الطبيعة في النباتات والأشجار والفواكه، وفي المخلوقات الحيوانية والإنسانية أيضًا، وربطت المانوية هذه الروح الحية على الدوام مع معاناة وآلام يسوع، وهو يسوع عنصره أدنى من يسوع المتألق الذي سُلِب في عالم المادة، والممتزج مع العالم المادي.
كما اعتبرت الأشجار التي احتوت وفق النظرة المانوية على جزء كبير من النور صليبًا للمسيح، ويقول "فاوست": إن يسوع الذي هو حياة الإنسان ومخلصه معلق على كل شجرة، وإن آلام المسيح وصلبه ليس سوى قضية خاصة، أي: لحظة فردية في المسرحية الكونية للمعاناة والفداء، صداها والمعبر عنها هو يسوعُ الأدنى، وجرى التعبير عن هذا بالطريقة التالية: إننا نلاحظ في كل مكان سر يسوع المربوط إلى صليبه، حيث تظهر جروح المعاناة التي تتألم أرواحنا منها.
стр. 359
وهكذا جرى تفسير منحى العالم على أنه منسجم مع المراحل المختلفة لمعاناة إله كان هو في الوقت نفسه مخلصه، كما كانت قصة إنقاذه للجنس البشري حكاية لفداء هذا الإله؛ لأن الإله واحد مع جميع أرواح البشر.
إن عملية التحرير بطيئة، ولم تصل إلى تحقيق هدفها تمامًا، هذا الهدف الذي سيكون إعادة الجمع المتناسق لجميع ذرات النور، وإعادة اتحادها في عالم النور، لكن قبل أن يتحقق هذا ستكون نهاية العالم قد حلت، وستقوم مجموعة من الآلام الشديدة بنشر ذلك الحدث، وهي من نوع مشابه تمامًا لتلك الآلام المميزة للتأملات الرؤوية للديانتين اليهودية المتأخرة والمسيحة، ولإيران والشرق الأوسط، وإن مثل هذه المادة الوفيرة قد أخذها "ماني" مباشرةً مما يسمى باسم صفر الرؤيا لوقا ٢١، متى ٢٤، مرقص ١٣.
ويمكن بوضوح استخلاص جزء من المواد من الأسفار الإيرانية، مثلًا: تتحدث قطعة تركية مانوية عن أيام الآخرة، عندما سيظهر مصر المزيف الذي يكون الثورُ مطيتَه، والحرب علامته، وتؤكد مختلف التقاليد الموروثة أن مِصر كان له بالفعل ثور يركبه، ويشير هذا المقطع إلى أن الإله مصر المزيف كان له مصر مزيف، وهو بمثابة نظيره الأخروي. ومن المحتمل أن الحدث المتعلق بمصر المزيف قد كان جزءًا مما يسمى بـ"اسم الحرب العظيمة" وهي الدرامة الرؤوية الأخيرة التي ظهرت إلى حيز الوجود بشكل خاص في المواعظ القبطية، وكانت عبارة "الحرب العظيمة" اسمًا قد اقتبسه ماني من المصطلحات الإيرانية، وهي العبارة نفسها التي استخدمت في الأوصاف الرؤوية الزروانية، وتم التنبئ بنتيجة هذه المواجهة الحاسمة على أنها انتصار لمعبد الصلاح، أي: جميع الصالحين، كما ستجتمع جماعة المصلحين المتبعثرة من جديد، وسيتم تجديد المعبد، وإنقاذ الكتب المقدسة
стр. 360
المعرضة للخطر، وإتمام انتصار المانوية، وسيأتي الجيل الجديد، ويحوز بقوة على ممتلكاته، وسيحضر الملك العظيم، ويتولى السلطة، وسيقدم الجيل الجديد له الطاعة، وستقوم القيامة إثر ذلك، وذلك عندما ستجتمع الأرواح أمام العرش، وسيتم فصل الخير عن الشر، والغنم عن الماعز، إذ تستخدم النصوص المانوية بعض الأوصاف الاستعارية بالعهد الجديد، والمحافظ عليها.
ويعكس كل من الجزئين المتبقيين من "الشابورقان" والمواعظ القبطية وجهة نظر "ماني" حول هذا الموضوع، وتظهران أن "ماني" كان منسجمًا إلى درجة كبيرة مع مفاهيم مسيحية حقيقية.
هذا من ناحية.
أما من ناحية أخرى فإن لقب الملك العظيم مأخوذ من الهامات "هيستات": "الرؤيا الإيرانية". وهي سلسلة من النبوءات كان منتشرةً في الشرق الأوسط في القرون التي انصرمت قبل ميلاد المسيح.
واستطردت العقيدة تقول: إن يسوع سيحكم في الأرض فترةً قصيرةً من الزمن، ثم إن المسيح سيُترك مع النخبة والألهة الكونية الحارسة للعالم، وسيعود معهم إلى مملكة النور، حيث تحصل في النهاية عملية التطهير، وسيتم جمع ذرات النور تلك التي ما يزال إنقاذها ممكنًا؛ لتشكل نصبًا نهائيًّا. إن كلمة "أندنس" هي العبارة المستخدمَة في النصوص القبطية حيث سيتم رفع هذا النصب إلى السماء مثل عامود ضوء كوني، وسيتم بعد هذا مباشرةً إلغاء القبة السماوية ذاتها، وسيُقذف الملعونون والشياطون وعالم الظلام بعضهم مع بعض على شكل كتلة بشعة "بلوث"، وسيتم إغراق هذه الكتلة في أعماق أخدود ذي امتداد كوني سيتم عندئذٍ بصخرة عظيمة.
стр. 361
أنهى "ماني" وصفه لسير العالم بهذه الرؤى الكونية الفخمة، ووصل بالتالي إلى نهاية الطور الثالث، فقد اشتمل الطور الأول على وضع الكون قبل مزج الظلام والنور، واهتم الطور الثاني بفترة ذلك الاختلاط، ودل الطور الثالث على فصل العناصر المختلطة. وتعتبر هذه العقيدة ذات الشعب الثلاثة مع المبدأين الاثنين عقيدة المانوية الرئيسة.
ويظهر التقسيم الثلاثي للزمن في النصوص الزرادشتية البهلوية، حيث تحتوي على صيغ ما هو كائن وما كان وما سيكون، لكن هذا النمط أقدم من ذلك بكثير، وموجود في السجلات الهندية، وهو من أصل هندي إيراني.
وبتتبع نهاية الكون كما تم تخيلها يمكن الافتراض أن سَيْر العالم سيكون بعودة الأشياء إلى الحالة التي كانت قائمةً قبل خلق النور والظلام، وكأنما كان هذا إرجاعًا حقيقيًّا بالفعل، إنما على الرغم من التكلم بهذا الخصوص عن إرجاع الطبيعتين، يبقى هنالك اختلاف؛ لأن قوة المادة والظلام لن تكون قادرة بعدئذٍ على تجديد الهجوم على عالم النور، وسيواصل كل من مبدئه النور والظلام وجودًا منفصلًا، ومع ذلك فإن الآراء تتباين حول كمالية عالم النور، فقد صرحت المدرسة الأولى: أن إله النور كان قادرًا على استعادة جميع ذرات النور المفقودة، بينما ردت الثانية، وقد كانت أكثر تشاؤمًا بقولها: إنه قد تم فقدان جزء من النور إلى الأبد، وكان لذلك الجزء جزءًا لاحقًا ليوم الحساب؛ ليشارك الاحتجاز الأبدي للظلام مع المادة، ويقينًا أن عقيدة النهاية المزدوجة التي أعلنت المدرسة الثانية عنها تقترب من التشابية والرموز التي استخدمها "ماني".
هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى من المحتمل أنه لم يتكمل بوضوع كافٍ حول هذه النقطة الخاصة.
стр. 362
علم التنجيم
وأخيرًا علم التنجيم:
أقر "ماني" التعاليم التنجيمية مثلما أقرها العديد من معاصريه، علاوةً على أنه نشأ في بلاد الرافدين، وهي بلاد تبجيل النجوم، وتم إظهار آرائه بطرق متعددة، وكانت قانونًا لأتباعه، كما اعتبر "ماني" الشمس والقمر كائنين طيبين كانا بالفعل الأداتين الرئيستين لاستعادة ذرات النور، فقد اعتبر بقية الكواكب ومنازل البروج على أنها قوى شريرة وخبيثة.
هذا؛ وقد تبنى المدعيون المنحى ذاته باستمرار، عدا عن أنهم اعتبروا الشمس والقمر بمثابة جزء من بقية الكواكب، وأشاروا لهذا السبب إلى السبعة والاثني عشر، على أنها القوى المدمرة للوجود، وكان موقف الزروانية حول هذه النقطة أكثر أرجحةً، إذ شغلت الآراء التنجيمية والتأملات دورًا هامًّا فيها، كما كان التنجيم وتبجيل النجوم عاملًا ثابتًا في الثقافة "الهلنستية" المتأخرة.
ولهذه الأسباب مجتمعة ليس من السهل تميز المصدر الرئيسي لـ"ماني" ومن ناحية أخرى يمكن أن يكون هنالك شك خفيف في أن الغنطوسيين الحرانيين الذين وَجدت العقيدة التنجيمية البابلية القديمة ملاذًا في بلدتهم، قد أدلَوْا بدلوهم وأسهموا بعض المساهمة، وهنالك العديد من الأمثلة في تعاليم "ماني" تم تدوينها في (القفالايا) أي: الفصول التي تعالج علامات منازل البروج، وتهتم أُولى هذه الإشارات بتوزيع الاثنى عشر منزلًا بين عوالم الظلام الخمسة، ومن ناحية ثانية فإن المخلوقات الخاصة بمنازل البروج لا توجد داخل هذه الكواكب، ولكنها مسحوبة ومربوطة بالكرة السماوية أو الدولاب.
стр. 363
وهكذا علينا أن ندرك أنها مسحوبة من عوالم الظلام الخمسة، ومربوطة بالكرة السماوية، وأنه قد خصص مخلوقون لكل عالم. ويقول "ماني" نفسه: إن هناك مخلوقين لكل عالَم من العوالم خاصين بمنازل البروج، ومع ذلك بما أن هنالك اثني عشر برجًا، وخمسة عوالم، فعلى التنسيق أن يتبع هذا النمط:
١ - القوس والجوزاء ينتميان لعالم الدخان.
٢ - الحمل والأسد ينتميان لعالم النار.
٣ - الثور والدلو والميزان تنتمي لعالم الريح.
٤ - السرطان والعذراء والحوت تنتمي لعالم الماء.
٥ - الجدي والعقرب ينتميان لعالم الظلام.
هؤلاء هم حكام الشر الاثنا عشر: (القفالايا) الفصل التاسع والستون.
ورَسَمَ "ستغومان" المتخصص في علم تنجيم العصور القديمة الأبراج المذكورة وَفق الترتيب السابق بشكل دائري، متوخيًا من هذا أن يوضح المعنى، وسيبدو أنه قد نجح عندما قال: من الواضح أن هذه لعبة بالمظاهر القطرية والثلاثية والتربيعية والسداسية، كما أن التصنيف متناسق، وقد أظهر "ستغومان" ذلك في الرسم التوضحي.
وهاكم هي نتائج التتابع للمظاهر التي نحن بصددها.
١ - دخان، قوس + جوزاء قطري.
٢ - نار، أسد + حمل ثلاثي.
٣ - ريح، ميزان + دلو + ثور = ثلاثي.
стр. 364
٤ - ماء، حوت + عذارء + ثور سداسي + قطري.
واعتبر التنجيم المعاصر أن القطري والرباعي من بين هذه المظاهر سلبيين، بينما اعتبر الثلاثي والسداسي إيجابيين، ويقع بالتالي الثلاثي الإيجابي وراء القطري السلبي، ثم تأتي الدائرة السلبية التي تتبع بدورها بالثلاثي والسداسي الإيجابيين، والتناثر ناشئ عن التفاوت بين الرقمين: اثنا عشر وخمسة، ويُلحق بترتيب موائم بالقطر السلبي والسداسي الإيجابي، إذ أن الأخير متقابل مع الأول السلبي، وتؤكد هذه النزعة المعاكسة للمظاهر المختلفة تشديد "ماني" على ما يتعلق بالأبراج، حيث يقول: إنها جميعًا متعادية ومتخاصمة بعضها مع بعض.
واستخدم "ماني" في المقطع الثاني من مقاطع (القفالايا) الفصل الثامن والستون نظامًا انقسم العالم بموجبه إلى أربعة أقسام، انقسم كل منها إلى مثلثين متجاورين، وتم توزيع الإشارات الخاصة بدائرة البروج حسب هذا التقسيم الثلاثي كالتالي:
المثلث الأول: الحمل والأسد والقوس غرب شمال.
المثلث الثاني: الثور والعذراء والجدي غرب جنوب.
المثلث الثالث: الجوزاء والميزان والجدي شرق شمال.
المثلث الرابع: السرطان والعقرب والحوت شرق جنوب.
ولحق ذلك هنا قطعة أعطى "ماني" فيها ملاحظة حول مختلف التكهنات المشئومة، لكن الغريب هنا أنه تم تحويل النظام الفضائي إلى نظام زمني، فالثلاثيات المشار
стр. 365
إلى توزيعها المشئوم في دائرة البروج يصبح تأثيرها نافذَ المفعول لبعض الفترات الزمنية، ومن المحتمل أن هذا يحوي الخير للعالم أجمع.
وهناك قوائم في الآداب التنجيمية تقوم بخلط الإشارات المتعلقة بدائرة البروج مع التكهنات بحصول كارثة ما.
ويبدو أن "ماني" قد تبنى قائمة من هذا القبيل بالنسبة للمثلثات، وأضاف نظامًا زمنيًّا إلى النظام الفضائي، ليس منطقيًّا تمامًا. ويتم إظهار الغموض الذي ظهر في تنجيم "ماني" في تقسيمه الزمن إلى فترات أيضًا، فقد حرف المخطط إلى حد ما، ومع ذلك فإن "هنر" الذي عرض المسائل بشكل صحيح، قد صرح بدقة تامة قائلًا: لا توجد دعوى لإنقاذ "ماني" لهذا التحريف الثانوي، فقد قرره بالنسبة لعلم عصره وللفكر العلمي بشكل عام، ولم تكن لديه أية رغبة ليكون رجل علم، بل مجرد كاهن.
وحاول "ماني" إقامة صلة بين ديانته والديانة المسيحية كما فعل ذلك في حال كل من الديانة البوذية والزرادشتية، ويجب التأكيد أنه كان لديه في كلتا الحالتين عينة خاصة في عقله من هاتين العقيدتين، فقد اعتبر الديانة البوذية هي بوذية "مهايانا": بوذية القرن الأول الميلادي، والديانة الزرادشتية هي ديانة الماجوس "الميديين" التي عنت الزروانية، وكانت الديانة المسيحية هي الديانة الغمطوسية الخاصة في الشكل الذي أيده "ابن زي صان" و"مرقون".
وعنى عرض رسالته من قبل المسيحة للغرب ما عانته البوذية للشرق، فقد قامت الإمبراطورية الإيرانية بين هذين الإقليمين التبشريين؛ لأن النظرة الزرادشتية كانت محددة ومقررة بالنسبة لنظامه العقائدي.
стр. 366
ومع ذلك يجب الانتباه إلى وجود خلاف بين هذه الأشكال الثلاثة، فبينما تظهر عناصر المسيحية والبوذية العائدة للدين نفسها على أنها قصصات يمكن فرزها بسهولة، ودون ضرر بالنظام، لا يمكن مباشرة العمل ذاته فيما يتعلق بالعناصر الإيرانية؛ لأنها أجزاء أساسية بالفعل، فبإزالتها لا يبقى أي شيء عملي من إطار آراء "ماني" وعقائده، فكما سبق أن رأينا أن التركيب الأساسي للمانوية هو تركيب إيراني وليس إيرانيًّا صرفًا، بل زروانيًّا وذلك من وجهة نظر غمطوسية، فقد اعتبر "ماني" كلًّا من زرادشت وبوذا ويسوع أسلافًا له، كما جاء ذلك في كتاب (الآثار الباقية) للبيروني.
ومع ذلك، فإن زرادشت وحده هو مَن يستطيع بالفعل شغل هذا المنصب من بين هؤلاء السلف من حيث كونه ممثلًا لوجهة النظر الإيرانية، بينما يعطي الآخران انبطاعًا أنه قد تم انتقاؤهما لأسباب تكتيكية، وهناك أيضًا سمة خاصة تربط "ماني" بزرادشت الذي لم تكن شخصيته التاريخية معروفة لديه على الإطلاق، وهي روحنة دين، فتلك كانت نقطة الابتعاد عنه في النزعة، وأفكاره التجريدية المحولة إلى آلهة، وتبقى أيضًا معلقة بشكل دائم بين المجرد والمحسوس، هذا ومن المحتمل أيضًا أن نرى مفتاحًا لخليفة "ماني" في هذه الحالة لندع جانب المندعية، حيث وجدت هذه النزعة ذاتها، فإنه من الثابت أن الغمطوسية الإيرانية اليهودية في إيران الغربية الشمالية، وفي بلاد الرافدين الشمالية، قد استخدمت عددًا وطرائق من التعبير وجدت فقط في المندعية والمانوية.
هذا وأن تسمية الإله باسم إله العظمة، وصيغة الأطوار الثلاثة التي تتحدث عن الماضي والحاضر والمستقبل تستحق ذكرًا خاصًّا في هذا المجال. هكذا نكون قد أتينا على العقيدة المانوية.
стр. 367
التنظيم اللاهوتي، والتعميد المانوي، والوليمة المقدسة، والعشاء الرباني
ومما يتصل بهذه العقيدة ما يُعرف بالتنظيم اللاهوتي.
التنظيم اللاهوتي، والتعميد المانوي، والوليمة المقدسة، والعشاء الرباني، فماذا يراد بهذا؟
التنظيم اللاهوتي:
اتسمت الديانة البوذية بأنها ديانة رهبانية، ذلك أن جوهر الجماعات البوذية يشكَّل من مجموعة الرهبان، فبوذا والعقيدة والرهبان هم الثالوث القائم عليه كل شيء، بينما الأعضاء العلمانيون هم عنصر مؤيد فقط وموجود في المقام الأول لتقديم الحكمة والمؤازرة للرهبان، وتختلف المتطلبات الموكولة للرهبان بشكل جوهري عن الأوامر المفروضة على العلمانيين أن يطيعوها، إنها مسألة ذات نمطين للدين إلى درجة ما، وهذا هو السبب الذي حدا بالجهد المبذول من أجل دراسة التطور الديني إلى تصنيف الديانة البوذية إلى ديانة مزدوجة، كما جرى تطبيق التعريف ذاته على المانوية.
ويجب التسليم على أية حال بأن التنظيم متطابق، وليس من المستبعد أن يكون "ماني" قد قلد الديانة البوذية عن قصد في مظهرها التنظيمي.
وقد يكون من الأفضل أيضًا أن نتحدث عن تنظيم مزدوج بدلًا من أن نتكلم عن ديانة مزدوجة؛ لأن الديانة تبقى كما هي على الرغم من أن أتباعها مقسمون إلى مجموعات، وخاضعون بالنتيجة لأنظمة منفصلة تمامًا، ذلك أنه كما فصل بوذا أتباعه إلى رهبان وعلمانين، كذلك وزع "ماني" أتباعه إلى مجتبين وسماعين. ولعله من الأفضل أن نقول: إنه وزعهم إلى صديقين وسماعيين؛ لأنه جرى استخدام كل من هاتين التسميتين في اللغتين اللتين اعتمدهما مؤسس الديانة، ففي السريانية نجد عبارتي: صديقين وشاموئين، وأردوان وناشيغان في الفارسية
стр. 368
المتوسطة، أما في الغرب المسيحي فاستخدمت عبارتا المجتبين والسماعين منفردتين، أو مع الإشارة إلى المصطلحين المسيحيين.
وتقيدت كل طائفة من طائفتي المؤمنين بطرق حياتية مختلفة تمامًا كما كانت المتطلبات التي أُوكلت إلى كل منهما مختلفة أيضًا. يمكن تلخيص جميع علوم الأخلاق المانوية الموصوفة للمستيجبين لمبادئ "ماني" في التواقيع الثلاثة المشهورة التي يذكرها "أوقسطين" في الفصل العاشر من كتابه، وقد أشارت هذه التواقيع إلى صنف كامل حيث تضمنت كلمة الحواس الخمس، بينما تضمنت كلمة "ماووس" السلوك كله، وكلمة "سنس" جميع تعابير الإثارة الجنسية، وتضمن التوقيع الأول على نظافة الفكرة والكلمة والامتناع قبل كل شيء عن التفوه بأي شيء يمكن أن يبدو على أنه تعبير فيه تجديف على الله بالنسبة للتعاليم المانوية.
احتفظت هذه الوصية في الوقت نفسه بالخير دون تحديد لكل ما يمكن التمتع به عن طريق الفم، وكانت الرغبة هي الامتناع عن أي شيء يمكن أن يقوي شهوات الجسد الحسية، وبما أن اللحم ينشأ عن الشيطان فقد كانت هذه الوصية واجبة بشكل خاص بصدر تناوله، ولهذا السبب تم إعداد المانوية لكي يعيشوا على الفواكه من الحقول والبساتين، وخاصة ثمار البطيخ التي كانت شاهدة على عصرهم في عالم النور، بسبب لونها ونكهتها، كما تم أيضًا استحسان تناول الزيت، وأما بالنسبة للشراب فقد كانت عصير الفواكه هو الاختيار الأول، وفَرْض اجتناب تناول المقادير الكبيرة من الماء؛ لأنه مادة جسدية.
وجرى إعداد التوقيع الثاني ليحرم في المقام الأول أي عمل يمكن أن يضر بحياة النبات أو الحيوان، فلم يسمح للمانويين القيام باجتثاث أي نبات أو قتل أي
стр. 369
حيوان، وعلاوة على ذلك اشتمل هذا التوقيع على حَظْر أي تصرف يعيق انتصار النور إلى الحد الذي لم يكن قد شكل جزءًا من الحذرين الآخرين. وهنالك حقيقة بارزة وهي أن أولئك الذين أذنبوا في حق هذه الوصية قد تكبدوا عقابًا متناسبًا مع عملهم الإجرامي وفق وجهة النظر المانوية، فالإنسان الذي حصد الحقل المزروع سيولد من جديد مثل سنبلة القمح، وأما ذاك الذي قتل فأرًا فسيكون فأرًا في الحياة الآخرة. وهكذا.
وأخيرًا فرض التوقيع الثالث على المانويين امتناعًا تامًّا عن المعاشرة الجنسية بما في ذلك التخلي عن الزواج، فقد عدت الإشارة الجنسية شيئًا شريرًا؛ لأنها شهوة جسدية، واعتبر الإنجاب أسوأَ بكثير؛ لأنه أخَّر إعادة تجميع ذرات النور، ولم يتمكن سوى المجتبون من تنفيذ هذه الوصايا بسبب تذمته، كما أشير من قبل كان المجتبون هم الوحيدون الذين تم تسمتيهم باسم الصديقين، قد أوقفوا أنفسهم على حياة موجهة نحو فداء أرواحهم فقط، وعملوا على إعادة توحيد ذرات النور مع عالم النور، ومن ناحية أخرى أوكل إلى السماعين تولي القيام بجميع أنواع الأعمال المحظورة على المجتبين، وهي التي كان في الواقع من المتعذر اجتنابها؛ بُغيةً المحافظة على الحياة، وبالتالي كان من نصيب السماعين تزويد المجتبين بجميع أنواع التغذية الضرورية، وتَرافق تناول هذه الأطعمة مع إعلان دقيق للبراءة من قبل المجتبين.
ويقرر الفصل العاشر من كتاب (أعمال الأراكنة) الصيغة المتلوة من قبل أحدهم لدى استهلاك الخبز، حيث كان يقول: لم أحصدك ولم أطحنك ولم أعجنك ولم أضعك في الفرن، بل فعل ذلك شخص آخر وأحضرك إلي، فأنا أتناولك دونما إثم. ثم يخاطب إثر ذلك السماعي الذي أحضر الخبز إليه بقوله: لقد صليت من أجلك، ومن ثم يغادر.
стр. 370
وتسم الملاحظة الأخيرة المجتبين بسمة الكذب على الأقل، ومن المحتمل أن هذه الملاحظة يمكن نسبتها إلى النقد المسيحي من ناحية، ومن ناحية أخرى إلى أن الشيء الممكن تصوره هو أن إعلان المجتبين بالبراءة كان ممزوجًا مع الالتماس بمصلحة السماعين، وهي نقطة طمسها عن عمْد مؤلف كتاب (أعمال الأركانة).
ومن الواضح أن السماعين المانويين قد عاشوا حياة عائلية عادية كما تؤكد المصادر، ويبدو أنه لم يتم تحريم حتى تناول اللحم بالنسبة لهم، ومع ذلك قد تم التقيد بصوم يوم خاص من أيام الأسبوع هو يوم الأحد، كما فرض عليهم الامتناع كليًّا عن العِشرة الجنسية في ذلك اليوم، ومن الملاحظ أنه لم يسمح للمانويين بالزواج بحسب، بل سمح لهم بالاحتفاظ بالخليلات، إذ كان هذا الأمر أكثر قبولًا لديهم، وهو أمر واضح.
من قصة نصيرهم السابق وعدوهم اللاحق "أوغسطين" الذي احتفظ بخليلة خاصة به خلال ارتباطه بالمانوية، ثم تركها في وضع حرج قبيل فترة قصيرة من اعتناقه الديانة المسيحية، وذلك بعدما أغرته وريثة شابة وغنية بالزواج منها، وكان على المجتبين أن يصوموا يومين في الأسبوع وهما يوما الأحد والاثنين؛ لأنهما اليومان المقدسان بين أيام الأسبوع، يضاف إلى هذا أنه وجبت فترات أكثر امتدادًا للصوم المستمر، خاصةً خلال شهر كامل قبل العيد الديني الأكبر في العام، وهو عيد الوليمة المقدسة. ومن المحتمل أن شهر الصيام هذا قد تقدم كنمط لصوم شهر رمضان المذكور في القرآن.
ومن الطبيعي أن نجد أن المطالب الأخلاقية الصارمة قد جلبت معها العديد من الآثام، وجعلت بالتالي ممارسة الاعتراف والتوبة قانونًا هامًّا، وهذا أمر تبرهن النصوص على صحته تمامًا، ولقد رأينا واستحوذنا على عدد من الصيغ
стр. 371
الاعترافية، وكان قانون الاعتراف والتوبة هذا ذا أهمية بالغة في الحياة الدينية للمانويين؛ لأنه ساعد في المحافظة على نظام كهنوتي صارم، وجرى تقسيم المجتبين إلى أربعة طبقات، وهي في المصطلحات الإيرانية الوسيطة: "همو ساغ" أو القاضي، و"سباساغ": أو الأسقف، و"ماهستال": أو الكاهن، و"أردوان": أو المجتبى.
وشكل "النياشغان" مع السماعين الدرجات الخمس للمؤمنين، وكان للقاضي اثنتا عشرة درجةً في الكنيسة المانوية، كما كان هناك اثنان وسبعون أسقفًا، ثلاثمائة وستون كاهنًا، وبالطبع نجد أن الشخصيتن الأولتين قد أُخِذتَا من العهد الجديد، وكان جميع أعضاء الكنيسة المانوية تحت إشراف خليفة "ماني" وكان يُعرف باسم "اشغوث" وباسم "سردار" في اللغة الفارسية، وباسم "سارات" في اللغة الفارسية الوسيطة. وارتدى المجتبون مع ممثلي الدرجات العالية أثوابًا بيضاءَ مع أغطية رأسية، بينما يحتفظ السماعون بلباسهم العادي.
التعميد المانوي:
تعرضت قلة من سمات المانوية لتفصح دقيق أكثر من الوجود المحتمل للطقوس المقدسة، وخاصة طقوس التعميد والعشاء الرباني، وكان "بور" قد أشار إلى صعوبة التوصل إلى أي استنتاجات بخصوص هذه المسألة، وتفحص بدقة الدليل المتوفر في ذلك الحين، وقد أكد في بداية دراسته على أن التباين كان شديدًا بين المجتبين والسماعين إلى حد يمكن افتراض أن الشروط الخاصة كانت موضوعة تحدد الدخول إلى دائرة المجتبين. ويمكن أن نفترض أن الارتقاء قد أخذ شكلًا طقسيًّا تعميديًّا.
стр. 372
ويمكن استخلاص هذا من كتابات القديس "أوغسطين" خاصةً كتابه (بي ميرسيلس) في الفصل الخامس والثلاثين، حين توجه بسؤال للمانويين ليس أكثر من تمثل لطريقة التعبير المسيحية، وأن ما قصده المانويون كان ما يتعلق بالمؤمنين الذين وُلِدوا من جديد بواسطة التعميد، فقد كان إنجاب الأطفال بين المانوية عملًا غيرَ موائم، ومع ذلك لم يكن من المألوف بينهم تحقيق الدخول بين المولودين من جديد بوساطة طَقس تعميدي.
يقول "بور"ك سيكون من الأكثر موائمةً أن نتذكر مقطعًا آخرَ من كتاب "أوغسطين" حيث ناقش المادة التي تطابقت فيه الممارسات والأساليب المانوية مع الممارسات والأساليب التي أخذ بها المسيحيون. وهنا لو أن "أوغسطين" استهشد بالتعميد كطقس مسيحي منتشر بين المانوية، فليس هناك من داع إلى الافتراض أنه كان مطلعًا على أي انحراف بالنسبة لتطبيق التعميد على الاستخدام المسيحي. وكذلك يتحدث المانوي السعيد في جدله مع "أوغسطين" في واحد من كتبه عن التعميد والعشاء الرباني كطقوس معروفة لدى المسحيين والمانويين على حد سواء.
هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى يبدو مقطع آخر من كتاب "أوغسطين" نفسه يوحي أنه لم يوجد بالفعل أي تعميد، إذ من المؤكد أنه لم يكن هناك قبول للمستجيبين -أي: السماعين- في الجماعة المانوية عن طريق التعميد. ويمكن أن يؤدي هذا التعليق إلى استنتاج أن التعميد ببساطة لم يكن جزءًا من الطقوس المانوية على الإطلاق، والأكثر احتمالًا هو أن "بور" محق في الاعتقاد أنه لم يكن التعميد هو المعنى الذي حدد مفهوم السماعين، بل الاختلاف الجوهري في تنفيذهم أو عدم تنفيذهم للوصايا هم والمجتبون كل على حدة. ومهما يكن من أمر يبدو أن التعميد قد وجد
стр. 373
لكن أهميتها كانت أقل بروزًا منها بين المسحيين، ولم يعتبر عملًا لزِم القيام به في مرحلة ما من الزمن من قِبل كل واحد من السماعين.
وهنالك أيضًا حالة خاصة أخرى؛ لأنه من المحتمل أن التعميد لم يكن بالماء بين المانويين كمعنى "أوغسطين" عن هذا بوضوح في الفصل السادس والأربعين من كتابه، حيث يعلق "بور" قائلًا: الذي يمكن بساطة تطبيق الأخير على السماعين فقط، وصرح "أوغسطين" بالطريقة نفسها، كما يلاحظ "بور" تمامًا أن هذه المقاطع التي تتحدث عن الرفض المانوي للتعميم على أنه تطهير بالماء تترك باب الاحتمال مفتوحًا على أن هذا الطقس كان له معناه لدى المانويين بشكل وأسلوب مختلفين، وقَبْل "بور" كان قد جرى لفت الانتباه إلى ملاحظة كتبها أسقف "هريبوس" جاء فيها: أن المانويين قد عُمدوا بالزيت، وذلك حسبما جاء في "أعمال توماس" التي قدروها كثيرًا.
ويبدو أنه قد تم التأكيد على هذه الإشارة بذكر المسح بالزيت في هذه الأعمال فيما يتعلق بالتعميد، وذلك دون التحدث عن التطهر بالماء حسب الرواية الإغريقية لهذه الأعمال، ويصل "بور" إلى الاستنتاج التالي: لم تتعرض المانوية للنقد من قبل المسحيين؛ لأنهم افتقروا إلى التعميد، بل على العكس كان عندهم أمرًا مستلزمًا ضمنيًّا أن هذا التعميد لم يكن تطهرًا بالماء، وإنما من المؤكد أن تكون من المسح بالزيت ومسح الأيدي.
стр. 374
وهكذا دل التعميد المقدس على أنه طقس ديني أولي حيث جرى بوساطته التأكيد للذين تم قبولهم من بين المجتبين، على أنهم حُرروا من الآثام، وهو الشرط اللازم لنيل عضوية جماعة الكمال هذه، أي: جماعة الصديقين.
وهكذا تؤكد النصوص القبطية التي جرى نشرها منذ عام ١٩٣٠ حول المسألة برمتها رأي "بور" بل إنها توسعه وتصصحه إلى حد ما في الوقت ذاته، كان التعميد بالماء مرفوضًا على وجه التحديد، كما أن "بوخ" شديد الشكوك تجاه قبول وجود طقوس مقدسة بين المانويين، ويتبنى موقفًا سلبيًّا واضحًا إزاء المقاطع التي جرى الاستشهاد بها من قبل.
ومع ذلك فإنه يعجز عن التعبير عن موقف تجاه سلسلة الآراء المادية في المزامير القبطية، حيث توجد إشارات إلى طقوس معينة مماثلة للتعميد، فعلى سبيل المثال: يعبر المتعمد في كتاب (المزامير) عن رغبته ليتم غسله بمناسبة عيد الوليمة المقدسة بقطرة ندى من بهجة "ماني" ويجري التوسل إلى يسوع؛ ليغسل المتعبد بمياهه المقدسة، ويصرخ المتعبد قائلًا: انظر، كاد الوقت يمضي، هلا أستطيع العودة إلى موطني؟ وتظهر الرغبة مرارًا وتكرارًا في أن يصبح المتعبد أهلًا للدخول في غرفة النور الزفافية، ويمضي المزمور ذاته قائلًا: طهرني بمياهك يا خطيبي السماوي يا مخلصي. وعند لحظة الموت سيظهر القاضي نفسه للروح بوجه مليء بالسعادة وسيغسلها ويطهرها بندى مفيد.
وقيل في مكان آخر: إن الروح سيتم تطهيرها بندى عامود المجد؛ حتى يمكن قبولها من قبل المخلص.
وتعطي هذه النصوص الانطباع أنه سيتم تطهير الروح الصاعدة بعد الموت إلى غرفة النور الزفافية لمياه المخلص المقدسة، وتستخدم كلمة "مور" أي: الماء وهي
стр. 375
توصف أيضًا على أنها تعني الندى المفيد، ويحصل طقس التطهير هذا بالارتباط مع صعود المخلص، ولهذا السبب إن صعود الروح والتطهير بالماء المقدس والدخول إلى غرفة النور الزفافية، تشكل نظامًا من علاقات متبادلة معقدة، وهذا يعني أن شعيرة التطهير هذه ذات فكرة "مثيولوجية" قد ماثلت الشعيرة التي حدثت عند موت أحد المجتبين، ويعيد هذا إلى الذكرة ما يسمى بـ"الموت الجماعي" لدى المندعين، وهو عبارة عن تعميد يُقام في جماعة المصلين الممدعين للرجل الميت، ويتطابق مع القداس الأخير.
ومن المحقق أن توارد هذه الأفكار وتعاطفها مع ما هنالك من صلة عضوية بين صعود الروح وتعميد التطهير والدخول إلى الغرفة الزفافية، موجود في الديانة المسيحية والغنطوسية والمندعية والمانوية، وهي تظهِر حشدًا للمفاهيم التي كانت قائمة قبل الديانة المسيحية، والتي تظهر بوضوح كبير داخل الديانة المسيحية ذاتها لدى السريان، وخاصة في الكنيسة النسطورية، وتشير حقيقة وجود هذه المفاهيم في النصوص المانوية بشكل أكيد إلى وجود طقوس تعميدية متطابقة، وذلك على الرغم من أن السمة الغامضة للإشارة تجعل من الصعب تكوين صورة دقيقة للطقوس كل على حدة.
وينبغي التذكر أن "الكاثريين" في العصور الوسطى لم يمارسوا سوى تعميد الموت أو التطهير المسمى بمسح الأيدي، وكما لوحظ من قبل يقدم "بور" حجة مقنعة للاعتقاد بأن التعميد كان عملًا تكرسيًّا للمجتبين، وذلك أنه جرى تفسير الأدلة بشكل خاطئ، أو كان هناك نوعان للتعميد كان أحدهما للقبول في المجتبين، وهو المساوي للتعميد المسيحي، والآخر تعميد الموت أو التطهير، وهو المساوي لتلقي مسح شديد بالزيت، والذي لم يكن إذا تكلمنا عن الطقوس سوى شعيرة
стр. 376
تعمدية عند باب الموت، وتتم الإشارة في فصل مترجم من (القفالايا) وهو الفصل المائة والرابع والستون -الذي لم ينشر حتى الآن- إلى قداس من النوع الذي يزود به المريض وهو يلفظ أنفاسه، وهو وضع متناسب تمامًا مع تعميد الموت أو التطهير؛ لأن الفكرة هي أن الروح تزود بزاد لرحلتها إلى الآخرة، وهي فكرة شائعة على وجه العموم، وقد ظهرت دائمًا إلى حيز الوجود وبشكل فعال في نظام رمزي عرفاني على سبيل المثال في أغنية اللؤلؤة وأغاني مسكتة المندعية.
ومن وجهة نظر طقوسية صرفة من الممكن أيضًا اعتبار طقس مسح الأيدي المانوي الذي أصبح المترهبون بواسطته أبناءً للكنيسة بمثابة بديل للتعميد، ولهذا السبب يمكن التخيل تمامًا أن المانويين مثلوا وأكملوا تكريس المجتبى بدون أيدي بالزيت فقط، ولم يعرفوا بالتالي إلا شكلًا واحدًا للتعميد أو التطيهر، هو ذلك التعميد الذي كان يتم قبل الموت.
وفي النهاية ينبغي التبيان أنه لا يمكن إجراء تقويم مفصل إلى أن تتوفر نصوص جديدة، وذلك على الرغم من أن المادة الموجودة تشير بالفعل إلى وجود نوع من أنواع الطقوس التعمدية.
الوليمة المقدسة، والعشاء الرباني:
إذا كانت الشكوك الجديدة قد حامت حول التعميد بين المانويين، فإنها لا يمكن أيضًا أن توجد فيما يتعلق بالوجبة العقائدية، ومع ذلك إذا كان لهذه الوجبة أية أهمية مقدسة بالفعل، تبقى نقطة حولها شكوك كبيرة.
стр. 377
ومن الضروري أن نقول شيئًا ما في البداية عن العيد الذي جرت فيه هذه الوجبة التي عُرفت باسم الوليمة المقدسة، وهي التي جرى الاحتفالُ بها في نهاية الشهر الثاني عشر، أو نهاية شهر الصوم المانوي، وكان محور هذا العيد هو تذكّر وفاة "ماني" مؤسس الدين، والذي كان حاضرًا بشكل خفي، حيث تمت في مناسبة الاحتفال إقامة سرير من نوع مجلس القاضي، وهذا ما تعنية كلمة "بيوئا" الإغريقية، وكان مرفوعًا بخمس درجات، وتمت تغطية السرير بالسجاد حتى أصبح مركزَ استقطاب اهتمام جميع الحضور. ويلاحظ في هذا المقام أن المكان فارغ.
الذي يرمز إلى وجود المعلم المتوفى يجد مكانه الموائم في الديانة البوذية، حيث عبرت المنصة الفارغة عن صعود بوذا إلى سماء الآلهة الثلاثة والثلاثين، ولا شك أن المانويين قد تبنوا تطوير هذا العيد عن البوذيين. وقال "أوغسطين": إن مجتمع المانوي قد احتفل بهذا العيد معتبرًا إياه بمثابة عيد رئيسي له، وذلك بدلًا من الاحتفال بعيد الفصح، وذكر من قبل الاستشهاد بالمقاطع الواردة، حيث ناقشت مسألة العشاء الرباني بين المانوية، كما أن الافتراءات التي ساقها "أوغسطين" كانت حاسمةً تمامًا من حيث تأكيدها في أنه كان هناك عشاء رباني مقدس، وتم التأكيد أخيرًا في كتاب (أعمال الأراكنة) بعدما جرى تأكيد وجود البراءة على أن المجتبى قد أكل الخبز الممنوح له بعد رحيل السماء، وصلى بعدما فرَغ من وجبته، ورشَّ رأسه بزيت الزيتون، وهو يردد بقصد التعويذ العجيب من الأسماء التي كانت مجهولة بالنسبة للسماعين، فليس من المدهش أن "أوغسطين" لم يكن قادرًا كسَمَّاع على تقديم أية تفاصيل بخصوص العشاء الرباني، وذلك عند رؤيته أنه قد جرى إحصاء السماعين، ومنعهم من حضور هذا العشاء المقدس.
стр. 378
ويمكن الافتراء بجميع هذه الأمثلة أنهم على الأرجح اهتموا فقط بالوجبة اليومية للمجتبين، والتي تشابهت مع القربان المسيحي المقدس، وبما أن هذه الوجبة قد خدمت في تطهير ذارت النور المحتجزة في النباتات بما في ذلك الخبز، يمكن القول بشكل موائم: أن هذا الطقس قد تضمن بدقة جميع العناصر الموائمة للقربان المقدسة، وبالنتيجة حصل العشاء الرباني المانوي بالطريقة نفسها لتحرير النور، أما بالنسبة للوجبة الطقوسية التي جرت بشكل معلن خلال الوليمة المقدسة، فهي تعني أنه لا بد وقد تم ربطها بسِمة مقدسة محددة، كما أن "الممانات" المانوية هي برهان على حدث من هذا النوع.
وتعكس إحدى "الممانات" التي نشرها "لاكوك" مع تفسير بشكل واضح مشهدًا من المناسبة، وفيها: تتم مشاهدة السرير المذكور آنفًا في المنتصف يحيط به من اليمين واليسار المجتبون الجالسون في عدة نصوص، ويمكن أن نشاهد بسهولة ثمار البطيخ بين الفاكهة الموضوعة على حامل ثلاثي أمام السرير، والسرير مغطى بالسجاد، وفي الساحة المواجهة هناك طاولة مليئة بالخبز المصنوع من القمح، وأحد الكهنة راكع أمامها وهو يحمل كتابًا بيديه، وقد افترض أنه كان يشغل دور قائد الصلاة أو الترتيل، كما أن الشخصية الرئيسة هي شخصية الراهب الكبير، وكان جالسًا إلى يسار الحامل الثلاثي المملوء بالفاكهة، رافعًا يده اليسرى، مباركًا.
وهكذا يوجد هنا بالفعل تصوير للوليمة المقدسة والعشاء الرباني، ومن المحتمل تصور العشاء الرباني على أنه نظير طقوسي لموضوع آدم "المثيولوجي" بعد استيقاظه حينما أطعمه يسوع من شجرة الحياة، أو حسب عبارة "فيدور برقونية": أيقظه وتركه يأكل من شجرة الحياة.
стр. 379
لقد تم التبيان من قبل أنه تم أيضًا اعتبار عناصر العشاء الرباني في الديانة المسيحية السريانية بمثابة فاكهة من شجرة الحياة، وبناء عليه يبدو أن هناك مسوغًا كافٍ لاعتبار هذه السمة "المثيولوجية" على أنها تلميح للقربان المقدس.
وبالمناسبة جرى تمجيد كل من المسيح و"ماني" في الديانة المانوية على أساس اعتبار أنهما شجرة الحياة، وذلك مثلما جرى اعتبار المخلص في الديانة المندعية على أنه شجرة الحياة، وإذا ما قيل: بأن يسوع قد أيقظ آدم ثم أعطاه؛ ليأكل من فاكهة شجرة الحياة، أو بمعنى آخر: تركه يتناول الطعام من العشاء الرباني، لما وجب التغاضي عن أن التصريف السببي لأُقيم من قول، وهو فعل يقف، ربما اشتمل على إشارة طقوسية؛ لأن كلمة أيقظ أو ينقذ في لغة عبادة المندعين والغموطسيين المسيحيين المرقونيين تقابلها في الإغريقية "أرمو بوريل" وقد عنت ما عنته كلمة "يعمد" في اللغة الآرامية.
زِدْ على هذا أن من المهم تبعًا للتقاليد المندعية قيام "هابيل زيوا" بتعميد أو تطهير آدم المخلوق الأول، حيث مسحه بالزيت ومنحه السرين المقدسين: بهتا، ومنبوها، وهابيل زيوا، أو هابيل المتألق في هذا المثال هو نظير تام لعيسو زيوا، أي: يسوع المتألق، كما أن سلوكه يتطابق تمامًا مع سلوك يسوع المتألق إزاءَ آدم في التقاليد المانوية، ولذلك يمكن الافتراض أن "سيودور بار قونية" يزودنا بإشارة لا تتناول الاحتفال المانوي بالعشاء الرباني فحسب، بل التعميد الذي كان منتشرًا بين المانوية كذلك.
بهذا نكون قد أتينا على العقائد المانوية والتعاليم والأخلاق المانوية أيضًا.
وصلّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وآله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 380
الدرس: ١٧ الديانة المانوية (٤) .
стр. 381
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السابع عشر
(الديانة المانوية (٤))
شريعة "ماني"، والفرائض التي فرضها، وقول المانوية في الميعاد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:
فنشير بإشارات مجملة سريعة -إن شاء الله تعالى- إلى الشريعة التي جاء بها "ماني" والفرائض التي فرضها.
فرض "ماني" على أصحابه عشر فرائض على السماعين، ويتبعها ثلاثة خواتيم، وصيام سبعة أيام أبدًا في كل شهر، فالفرائض: هي الإيمان بالعظائم الأربع: الله ونوره وقوته وحكمته، فالله -جل اسمه- ملَك جِنان النور، ونوره الشمس والقمر، وقوته الأملاك الخمسة؛ وهي: النسيم والريح والنور والماء والنار، وحكمته الدين المقدس، وهو على خمسة معاني: المعلمين، وأبناء الحلم المستمعين، وأبناء العلم القسيسين، وأبناء العقل الصديقين، وأبناء الغيب السماعين، وأبناء الفِطنة.
والفرائض العشر: ترك عبادة الأصنام، وترك الكذب، وترك البخل، وترك القتل، وترك الزنا، وترك السرقة، وتعليم العلم والسحر، والقيام بهِمتين، وهو الشك في الدين، والاسترخاء والتواني في العمل، وفَرْض صلوات أربع أو سبع، وهو أن يقوم الرجل فيمسح بالماء الجاري أو غيره، ويستقبل النير الأعظم قائمًا، ثم يسجد ويقول في سجوده: مبارك هادينا "الفرقريط" رسول النور، ومبارك ملائكته الحفظة، ومسبح جنوده، ومسبح جنود النيرون يقول هذا وهو يسجد، ويقوم ولا يلبس في سجوده، ويكون منتصبًا ثم يقول في السجدة الثانية: مسبح أنت أيها النير "ماني" هادينا، أصل الضياء وغصن الحياء.
الشجرة العظيمة التي هي شِفاء كلها، ويقول في السجدة الثالثة: أسجد وأسبح بقلب طاهر ولسان صادق لله العظيم، أبي الأنوار عنصرهم، مسبح مبارك أنت وعظمتك كلها، وعالموك المباركون الذين دعوتهم تسبحك مسبح جنودك،
стр. 382
وأبرارك، وكلمتك، وعظمتك، ورضوانك، من أجل أنك أنت الإله الذي كله حق وحياة وبِر.
ثم يقول في الرابعة: أسبح وأسجد للآلهة كلهم، والملائكة المضيئين كلهم، وللأنوار كلهم، وللجنود كلهم، والذين كانوا من الإله العظيم. ثم يقول في الخامسة: أسجد وأسبح للجنود الكبراء، وللآلهة النيرين الذين بحكمتهم طاعًا وأخرجوا الظلم وقمعوها. ويقول في السادسة: أسجد وأسبح لأَبي العظمة العظيم المنير، الذي جاء من العالمَيْن.
وعلى هذا إلى السجدة الثانية عشرة، فإذا فرغ من الصلوات العشر ابتدأ في صلاة أخرى، وله فيها تسبيح لا حاجة بنا إلى ذكره.
فأما الصلاة الأولى فعند الزوال، والصلاة الثانية بين الزوال وغروب الشمس، ثم صلاة المغرب بعد غروب الشمس، ثم صلاة العتمة بعد المغرب بثلاث ساعات، ويفعل في كل صلاة وسجدة مثلما فعل في الصلاة الأولى، وهي صلاة البشير.
فأما الصوم فإذا نزلت الشمس القوس وصار القمر نورًا كله، يُصام يومين لا يُفطر بينهما، فإذا أهل الهلال صاموا يومين لا يُفطر بينهما، ثم من بعد ذلك يُصام إذا صار نورًا يومين في الجدي، ثم إذا أهل الهلال ونزلت الشمس الدلو، ومضى من الشهر ثمانية أيام، يُصام حينئذٍ ثلاثين يومًا، يفطر كل يوم عند غروب الشمس. والأحد يعظمها عامةُ المانوية، والاثنين يعظمها خواصهم، كذا أوجب عليهم "ماني".
стр. 383
وأما قول المانوية في الميعاد:
قال "ماني": إذا حضرت وفاة الصديق أرسل إليه الإنسان القديم إلهًا نيرًا بصورة الحكيم الهادي ومعه ثلاثة آلهة، ومعهم الركوة واللباس والعصابة والتاج، وإكليل النور، وتأتي معهم البكر الشبيهة بنسمة ذلك الصديق، ويظهر له شيطان الحرص والشهوة والشياطين، فإذا رآهم الصديق استغاث بالآلهة التي على صورة الحكيم.
والآلهة الثلاثة سيقربون منه، فإذا رأتهم الشياطين ولت هاربة، وأخذوا ذلك الصديق وألبسوه التاج والإكليل واللباس وأعطوه الركوة بيده، وعرجوا به في عمود السبح إلى فلك القمر وإلى الإنسان القديم وإلى النهنهة أم الأحياء، إلى ما كان عليه أولًا في جنان النور، ثم يبقى ذلك الجسد مُلقًى فتُجتذب منه الشمس والقمر والآلهة النيرون القوى التي هي الماء والنار والنسيم، فيرتفع إلى الشمس، فيصير إلهًا، ويُقذف باقي الجسد الذي هي ظلمة كلها إلى جهنم.
فأما الإنسان المحارب القابل للدين والبِر الحافظ لهما وللصديقين، فإذا حضرت وفاته حضر أولئك الآلهة الذين ذكرتهم، وحضرت الشياطين، واستغاث بما كان يعمل من البر، وحِفظ الدين والصديقين، فيخلصونه من الشياطين، فلا يزال في العالم شبه الإنسان الذي يرى في منامه الأهوال، ويغوص في الوحل والطين، فلا يزال كذلك إلى أن يتخلص نوره وروحه، ويلحق بملحق الصديقين، ويلبس لباسًا بعد المدة الطويلة من تردده، فأما الإنسان الأثيم المستعلي عليه الحرص والشهوة، فإذا حضرت وفاته حضرته الشياطين، فأخذوه وعذبوه وأروه الأهوال، فيحضر أولئك الآلهة ومعهم ذلك اللباس، فيظن الإنسان الأثيم أنهم قد جاءوا لخلاصه، وإنما حضروا لتوبيخه،
стр. 384
وتذكيره أفعاله، وإلزامه الحجة في ترك إعانته الصديقين، ثم لا يزال يتردد في العالم في العذاب إلى وقت العاقبة، فيُضحى به في جهنم.
قال "ماني": فهذه الثلاث طرق يُقسم فيها نسمات الناس، أحدها: إلى الجنان وهم الصديقون، والثاني: إلى العالم والأهوال وهم حَفظة الدين، ومعينو الصديقين، والثالث: إلى جهنم وهو الإنسان الأثيم.
كيف حال المعاد بعد فناء العالم، وصفة الجنة والجحيم؟
قال "ماني": ثم إن الإنسان القديم يأتي من عالم الجدي، والبشير من المشرق، والبناء الكبير من اليمن، وروح الحياة من عالم المغرب، فيقفون على البنيان العظيم الذي هو الجنة الجديدة وطيفين بتلك الجحيم، فينظرون إليها، ثم يأتي الصديقون من الجنان إلى ذلك النور، فيجلسون فيه، ثم يتعجلون إلى مجمع الآلهة، فيقومون حول تلك الجحيم، فينظرون إلى عملة الإثم يتقلبون ويترددون ويتضورون في تلك الجحيم، وليست تلك الجحيم قادرة على الإضرار بالصديقين، فإذا نظر أولئك الآثمون إلى الصديقين يسألونهم ويتضرعون إليهم، فلا يجيبونهم إلا بما لا منفعةَ لهم فيه من التوبيخ، فيزداد الأئمة ندامةً وهمًّا وغمًّا، فهذه صورتهم أبد الأبد.
الكتب المقدسة عند المانوية، وعقيدة التناسخ
وأنتقل إلى الكتب المقدسة عند المانوية:
أسماء كتب "ماني":
لـ"ماني" سبع كتب؛ أحدها فارسي، وستة سوري بلغة سوريا، وذلك كتاب (سفر الأسرار) ويحتوي على أبواب: باب ذكر الديصانيين، باب شهادة "يستاسف" على الحبيب، باب شهادة يوسف على نفسه ليعقوب، باب ابن
стр. 385
الأرملة وهو عند "ماني" المسيح المصلوب الذي صلبه اليهود، باب شهادة عيسى على نفسه في يهودا، باب ابتداء شهادة اليمين بعد غلبه، باب الأرواح السبعة، باب القول في الأرواح الأربعة الزوال، باب الضحكة، باب شهادة آدم على عيسى، باب الثقات عن الدين، باب قول الديصانيين في النفس والجسد، باب الرد على الديصانيين في نفس الحياة، باب الخنادق الثلاثة، باب حفظ العالم، باب الأيام الثلاثة، باب الأنبياء باب القيامة.
كتاب (سفر الجبابرة)، كتاب (فرائص السماعين)، كتاب (فرائض المجتبين)، كتاب (الشابرقان) ويحتوي على باب انحلال السماعين، باب انحلال المجتبين، باب انحلال الخطاة.
كتاب (سفر الأحياء)، كتاب (فرقماطيا).
أسماء الرسائل التي لـ"ماني" والأئمة بعده:
"رسالة الأصلين"، "رسالة الكبراء"، "رسالة هند العظيمة"، "رسالة هيئ البر"، "رسالة قضاء العدل"، "رسالة كسكر"، "رسالة فتق العظيمة"، "رسالة أرمينيا"، "رسالة أمونيا الكافر"، "رسالة طيسفون في الورقة"، "رسالة الكلمات العشر"، "رسالة المعلم في الوصلات"، "رسالة رحمان في خاتم الفم"، "رسالة خبراهات في التعزية"، "رسالة أمهاسم الطيسفونية"، "رسالة يحيى في العتق"، "رسالة طيسفون إلى السماعين"، "رسالة فافي"، "رسالة الهدي الصغيرة"، "رسالة سيس ذات الوجهين"، "رسالة بابل الكبيرة"، "رسالة سيس وفتق في الصور"، "رسالة الجنة"، "رسالة سيس في الزمان"، "رسالة سعيوس في العشر"، "رسالة سيس في الرهون"، "رسالة التدوير"، "رسالة آب التلميذ"، "رسالة آبا في الحكم"، "رسالة ميساء في النهار"، "رسالة الهول"، "رسالة آبا في الطيب"، "رسالة عبد يسوع في العصابات"، "رسالة الوصالات"، "رسالة شاير وساكني"، "رسالة آبا في
стр. 386
الزكاوات"، "رسالة حدابا في الحمامة"، "رسالة أفكوريا في الزمان"، "رسالة زاكو في الزمان"، "رسالة سهراب في العشر".
"رسالة الكرح والعراب"، "رسالة سهراب في الفرس"، "رسالة أبراحيا"، "رسالة أبي يسام المهندس"، "رسالة أبراحيا الكافر"، "رسالة المعمودية"، "رسالة يحيا في الدراهم"، "رسالة أفعاندي في الأعشار الأربعة"، "رسالة أفعندي في السعدي الأول"، "رسالة سوء في ذكر الوسائل"، "رسالة يوحنا في تدبير الصدقة"، "رسالة السماعين في الصوم والنذر"، "رسالة السماعين في النار الكبرى"، "رسالة الأهواز في ذكر الملك"، "رسالة السماعين في تعبير يزدان بخض"، "رسالة مينق الفارسية الأولى"، "رسالة مينق الثانية"، "رسالة العشر والصدقات"، "رسالة أردشير ومنيق"، "رسالة سلم عنصرا"، "رسالة حطا"، "رسالة خبر هات في الملك"، "رسالة أبراحيا في الأصحاء والمرضى"، "رسالة أردد في الدواب"، "رسالة أجا في الخفاف"، "رسالة الحملان النيرة"، "رسالة مانا في التصليب"، "رسالة مهر السماء"، "رسالة فيروز وراسيل"، رسالة عبد بال في سفر الأسرار"، "رسالة سمعون وراميل"، "رسالة عبد مال في الكسوة".
وهكذا نلاحظ أن أمثال هذه المذاهب تستشعر في نفسها الضعف، وتتوقع الانهيار في كل مكان وزمان، ولذا تحاول الاعتماد على كثير من الأتباع المخلصين الذين يقومون لها بالدعوة دائمًا، وأهم من هذا كله أن صاحب هذا المذهب يحاول تثبيت مذهبه بتأليف الكتب العديدة والرسائل المتنوعة التي تساعد على توضيح تعاليم الأستاذ في نفوس أتباعه، وفي أذهان بقية الناس، وقد فعل هذا إخوان الصفا، حيث ألفوا رسائلَ متعددةً، كل منها تمثل جانبًا من مذهبهم الباطني، وكل منها تغوص في التأويل الباطني أعمق من الذي سبقتها، وهذا شيء طبيعي بالنسبة لهذه المذاهب الضالة.
стр. 387
منهج الدخول في الدين:
من رأي "ماني" أنه ينبغي للذي يريد الدخول في الدين أن يمتحن نفسه، فإن وجدها قادرةً على قمع الشهوة والحرص، وتَرْك أكل اللحمان، وشرب الخمر والتناكح، وترك أذية الماء والنار والسحر والرياء، فليدخل في الدين، وإن لم يلمس من نفسه القدرة على هذا جميعه فلا يدخل في الدين، وإذا كان يحب الدين ولم يقدر على قمع الشهوة والحرص، فليغتنم حفظ الدين والصديقين، وليكن له بإزاء أفعاله القبيحة أوقات يتجرد فيها للعمل والبر والتهجد، والمسألة والتضرع؛ لأن ذلك يقنعه في عاجله وآجله، وتكون صورته الصورة الثانية في المعاد.
هذا؛ ومما يُذكر عن المانوية أيضًا مسألة التناسخ:
حيث ظهرت بدعة التناسخ في خيال بعض الفلاسفة الذين قالوا بقدم العالم، وبإبطال البعث بعد الموت، وقالوا بتناسخ الأرواح في الأجساد المختلفة، والصور المتعددة، كأن تُنقل روح الإنسان إلى حيوان أو روح الحيوان إلى إنسان!! كما زعموا أن من أذنب في قالب ناله العقاب على ذلك الذنب في قالب آخر، وينطبق هذا عندهم على الثواب. وقد ذهبت المانوية أيضًا إلى اعتقاد التناسخ، مستندين إلى تعاليم "ماني" الذي يرى أن الأرواح التي تفارق الأجسام نوعان: أرواح الصديقين، وأرواح أهل الضلالة، أرواح الصديقين إذا فارقت أجسادها سرت في عمود الصبح إلى النور الكائن فوق الفلك، وتبقى في ذلك العالم على سرور لا ينقطع، أما أرواح أهل الخطايا والضلال فإنها إذا فارقت أجسادها، وأرادت اللحوق بالنور الأعلى
стр. 388
رُدت منعكسةً إلى السفر، وبذلك تتناسخ في أجسام الحيوانات إلى أن تصفو من شوائب الظلمة، ثم تلتحق بالنور العالي.
والسبب في انتشار عقيدة التناسخ في العالم اليوناني القديم هو "الأورفيا" التي كانت تمثل الجانب الخفي في الحياة العقلية لدى اليونانيين، وكذلك وردت هذه العقيدة عن "الفيثاغورية" و"الأفلاطونية المحدثة"، لقد كانت فكرة الخطيئة الأولى ذات تأثير بالغ الخطورة على الفكر الإنساني، فالإنسان الأول قد طُرد من الجنة بعد اقترافه الخطيئة، والبدن هو الذي دنس هذا الإنسان بعد أن كان موجودًا عقليًّا محضًا قبل ظهوره على الأرض، وقبل اتصاله بهذا البدن، فاتصال النفس بالبدن هو ثمرة الخطيئة، حيث إن سلوك النفس صار أقربَ إلى الشر منه إلى الخير، وكذلك ذهب بعض اليهود إلى التناسخ، زاعمين أنه وُجد في كتاب "دانيال" أن الله تعالى مسخ "بوختنصر" في سبع صور من صور البهائم والسباع، وعذبه فيها كلها، ثم بعثه في آخرها موحدًا.
ومما يؤسَف له أن ظهرت هذه البدعة لدى بعض غلاة فرق الإسلام، مثل البيانية والجناحية والخطابية والرواندية من الروافض الحلولية، وفلاسفة الصوفية، فكلهم قالوا بتناسخ روح الإله في الأئمة بزعمهم!!
حال الإمامة بعد "ماني"، وتنقل المانوية في البلاد، وأشهر رؤسائهم
هذا؛ وقد اختلفت المانوية في الإمامة بعد "ماني":
يزعم المانوية: أن "ماني" ارتفع إلى جنان النور، لكنه أقام قبل ارتفاعه "سَيْس" الإمام بعده، فكان يقيم دين الله وطهارته إلى أن توفي، وكان الأئمة يتناولون الدين واحدًا عن واحد، لا اختلاف بينهم. وظلوا على هذا الوفاق إلى أن ظهرت خارجة منهم يُعرفون بـ"الدينابورية" فطعنوا على إمامهم، وأعلنوا امتناعهم عن طاعته، وكان معلومًا بينهم أن الإمامة لا تتم إلا "ببابل" فلا يصح أن يكون إمام
стр. 389
في غيرها، وقد قالت "الدينابورية" بخلاف ذلك، ولم يزالوا عليه وعلى غيره من الخلاف الذي لا فائدة في ذكره.
وظل الحال على ذلك إلى أن أفضت الرئاسة الكلية إلى "مُهر"، في ملك الوليد بن عبد الملك في زمن ولاية خالد بن عبد الله القسري بالعراق، وانضم إليه رجل يقال له: "زاد هرمز" فمكث عندهم مدةً، ثم فارقهم، مع أنه كان صاحب دنيا عريضة، لكنه تركها خارجًا إلى "الصديقوت" وزاعمًا أنه يرى أمورًا ينكرها، وقد أراد اللحوق بـ"الدينابورية" وهم وراء نهر "بَلْخ" ولما أتى المدائنَ كان بها كاتب للحجاج بن يوسف ذو مال كثير، كانت بينهما صداقة فشرح له حاله والسبب الذي أخرجه من الجملة، وأنه أراد خُراسان؛ لكي ينضم إلى "الدينابورية" فقال له الكاتب: أنا خراسانك، وأنا أبني لك البيع، وأقيم لك ما تحتاج إليه، فأقام عنده، وأنشأ يبني له البيع، وقد كتب "زاد هرمز" إلى "الدينابورية" مستدعيًا منهم رئيسًا يقيمه، لكنهم ردوا عليه: بأنه لا يجوز أن تكون الرئاسة إلا في وسط المُلك "ببابل"، فسأل عمن يصلح لذلك، فلم يجد سواه، فلما حضرته الوفاة سألوه أن يجعل لهم رئيسًا، فقال: هذا "مِقلاص" عقد عرفتم مكانه وأنا أرضاه، وأثق بتدبيري لكم. ولما مضى "زاد هرمز" أجمعوا أمرهم على تقديم "مِقلاص".
وبذلك سارت المانوية فرقتين: المهرية، والمقلاصية، وقد خالف "مقلاص" والجماعة إلى أشياء من الدين، منها في أصلات، إلى أن قدم أبو هلال الديحوري من إفريقيا، وقد انتهت إليه الرئاسة المانوية، وكان هذا في زمن أبي جعفر المنصور، فدعا المقالصة إلى ترك ما رسمه لهم "مقلاص" في الوصالات، فأجابوه إلى ذلك، وقد ظهر من المقالصة رجل يُدعى "بزرمهر" فاستمال جماعة منهم وأحدث أشياءَ أُخر، فلم يزل أمره على ذلك، إلى أن انتهت الرئاسة إلى
стр. 390
أبي سعيد رحا، فردهم إلى رد المهرية في الوصالات، وذلك هو الذي لم يزل الدين عليه في الوصالات.
وقد ظلوا على هذا الحال إلى أن ظهر في خلافة المأمون رجل منهم يُدعى "يزدن دخت" فخالف في الأمور ومالت إليه فئة منهم.
وهناك أمور نقمتها المقالصة على المهرية، منها أنهم زعموا أن خالد القسري حمل مهرًا على بغل وختمه بخاتم فضة، وخلع عليه ثياب ووشي، وكان رئيس المقالصة في أيام المأمون والمعتصم أبو علي سعيد، ثم خلفه بعدُ كاتب ناصر بن هرمز السمرقندي، وكان من عادتهم أن يرخصوا لأهل المذهب والداخلين فيه أشياء محظورة في الدين، وكانوا يخالطون السلاطين ويواكلونهم، كما كان من رؤسائهم أبو الحسن الدمشقي، وقُتِل "ماني" في مملكة مهران بن سابور، ولما قتله صلبه نصفين، النصف الواحد على باب والآخر على باب آخر من مدينة "جندسابور".
تنقل المانوية في البلاد:
كانت المانوية من أول الأديان المدعاة التي دخلت بلاد ما وراء النهر، ويرجع السبب في هذا إلى أن "ماني" لما قتله كسرى وصلبه، وحرَّم على أهل مملكته الجدل في الدين، أخذ يقتل أصحاب "ماني" في أي موضع وجدهم، فاستمروا في الفرار منه إلى أن عبروا نهر "بلخ" ودخلوا في مملكة خان، فكانوا عنده، وخان بلسانهم -أي: بلغتهم- لقب يلقبون به ملوك الترك. وحين نزل المانوية بما وراء النهر إلى اندثر أمر الفرس وقوي أمر العرب، فعادوا إلى هذه البلاد خصوصًا في فتنة الفرس.
следующие страницы →