← Общие книги

Общие книги · id 30918

التدرج في دعوة النبي

إبراهيم المطلق

Полный текст (152 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الروم» (١) والمراد من تعظمه الروم، وتقدمه للرياسة عليها (٢) . فدل على عنايته ﷺ بذوي المكانة والرياسة وتقديمهم في الدعوة والمخاطبة، ويشير ابن تيمية إلى نكتة في هذا الشأن فيقول: " وطالب الرئاسة - ولو بالباطل - ترضيه الكلمة التي فيها تعظيمه وإن كانت باطلا، وتغضبه الكلمة التي فيها ذمه وإن كانت حقّا " (٣) . ومما يدل على عنايته ﷺ بهذا الصنف من المدعوين أنه كان يجزل العطاء لبعض ضعفاء الإيمان ممن لهم المكانة في أقوامهم، ويعلل ذلك بقوله: «إنه رأس قومه، فأنا أتألفهم به» (٤) . وهكذا فعل ﷺ في حنين، وقد دانت له العرب فقد أجزل العطاء لبعض ذوي المكانة من الأشراف والسادة، فقد روى البخاري ﵀ عن عبد الله بن مسعود قال: «لما كان يوم حنين آثر النبي ﷺ أناسًا في القسمة: فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب، فآثرهم يومئذ في القسمة» . . . " (٥) . فآثر ﷺ هؤلاء السادة بهذا العطاء ترغيبًا لهم ولأقوامهم في الإسلام، لما لهم من مكانة وسيادة تجعل أقوامهم تبعا لهم (٦) .

стр. 107

[المبحث الرابع عرض الدعوة على عموم المدعوين] المبحث الرابع عرض الدعوة على عموم المدعوين لم يأل ﷺ جهدا في عرض دعوته على كل من يلقاه وتبليغها لكل أحد عملا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] (١) . فاتسمت بعثته ﷺ بالعموم ورسالته بالشمول لجميع البشر لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] (٢) ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] (٣) . ويدل على ذلك من السنة ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ قال: «أُعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي - وفيه - وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» (٤) . وحيث قد بعث ﷺ في أمة جاهلية يعبدون الأصنام ويشركون بالله تعالى فاقتضت الحكمة أن يبدأ بالدعوة إلى الإسلام ثم لما تكونت الجماعة المسلمة بدأ ﷺ يدعوهم ويربيهم التربية الإسلامية الأصيلة.

стр. 108

وفيما يلي التفصيل حول عرض دعوته ﷺ على غير المسلمين ثم دعوته للمسلمين. [أولًا دعوة غير المسلمين] أولًا: دعوة غير المسلمين: لم تشغله ﷺ العناية بذوي المكانة عن دعوة الآخرين فقد كان ﷺ يدعو كل من لقيه إلى الإسلام قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١] (١) وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: ٣] (٢) . يقول القرطبي: " قال قتادة يعني قريشا " كانوا أمة أمية لم يأتهم نذير من قبل محمد ﷺ (٣) . وقيل: العرب قاطبة الذين لم يزالوا خالين من الكتب عادمين للرسل، قد عمتهم الجهالة وغمرتهم الضلالة (٤) فكان ﷺ في مبدأ بعثته يدعو كل من لقيه إلى الإسلام فقط، روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: «لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] جعل النبي ﷺ يدعوهم قبائل قبائل» (٥) . وروى مسلم في حديث إسلام عمرو بن عبسة ﵁ وفيه:

стр. 109

" فقلت إني متبعك قال: «إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني» (١) فاكتفى منه ﷺ بالإسلام دون المتابعة، وكذلك فعل ﷺ مع أبي ذر ﵁ حيث قال له: «ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري» (٢) فكان ﷺ في هذه الفترة الزمنية المتقدمة من البعثة يدعو إلى الإسلام فقط فكان لا يسمع بأحد قادم مكة إلا تصدّى له ودعاه إلى الإسلام (٣) وحين قدم سويد بن الصامت إلى مكة حاجا أو معتمرا تصدى له ﷺ ودعاه إلى الإسلام (٤) وكذلك فعل مع وفد بني عبد الأشهل حينما قدموا يلتمسون الحلف من قريش على الخزرج فجاءهم ﷺ ودعاهم إلى الإسلام (٥) . واستمر ﷺ بعد هجرته يدعو إلى الإسلام فقد روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: «بينا نحن في المسجد خرج رسول الله ﷺ فقال: " انطلقوا إلى يهود " فخرجنا معه حتى جئنا بيت المدراس فقام النبي ﷺ فناداهم فقال: " يا معشر يهود أسلموا تسلموا " فقالوا: بلغت يا أبا القاسم، قال: فقال لهم رسول الله ﷺ : " ذلك أريد أسلموا تسلموا. . .» (٦) يقول ابن حجر:

стр. 110

" وجه ذلك أنه بلَّغ اليهود ودعاهم إلى الإسلام والاعتصام به " (١) وكان بعد هجرته ﷺ يشترط على كل من يسلم الهجرة إلى المدينة فما الحكمة في هذا الاشتراط؟ يشير ابن حجر إلى الحكمة في ذلك فيقول: " كانت الهجرة فرضا في أول الإسلام على من أسلم لقلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع " (٢) فدل على أن الهجرة كانت عينًا على كل من أسلم قبل الفتح لنصرة الإسلام وإكثار سواد المسلمين (٣) فلما فتح الله مكة ودخل الناس في دين الله أفواجًا سقط فرض الهجرة إلى المدينة وبقي فرض الجهاد والنية (٤) قال ﷺ : «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية. . .» (٥) أي: لا هجرة إلى المدينة، أما أصل الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام فهذا قائم إلى أن يرِث الله الأرض ومن عليها (٦) . [ثانيا دعوة المسلمين] ثانيا: دعوة المسلمين: كما كان ﷺ يدعو طيلة العهد المكي إلى الإسلام فقد كان طيلة هذا العهد يربي من يدخل في الإسلام التربية الإيمانية الحقة، فقد استطاع ﷺ

стр. 111

في هذه الفترة أن يربي عددًا من أصحابه ويكون منهم جماعة متميزة بعقيدتها وسلوكها وهدفها في الحياة، يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ويطهرهم من أخلاق الجاهلية وعاداتها بترسيخ الإيمان في نفوسهم تدريجيا كلما نزل شيء من القرآن قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] (١) وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤] (٢) وقد بينت كتب السيرة اهتمامه ﷺ البليغ بتربية من استجاب للدعوة والعمل على تزكيتهم وتربيتهم على هدى الإسلام، لبناء قاعدة إسلامية صلبة للدولة المسلمة، وذلك عن طريق تعليمهم دينهم وتطبيق الإسلام في حياتهم، وتعميق معاني الإخوة فيما بينهم وحثهم على تحمل الأذى، والصبر في سبيل الدعوة (٣) يدل على ذلك ما رواه البخاري عن خباب بن الأرت قال: «شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: " كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه. . .» الحديث (٤) فدل الحديث على عنايته

стр. 112

صلى الله عليه وسلم بتعليمهم وتأديبهم وإعدادهم (١) . فكان من خريجي هذه المدرسة النبوية العظيمة من قام بواجب الدعوة والتبليغ خير قيام أمثال جعفر بن أبي طالب ومصعب بن عمير وغيرهما رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وبعد هجرته ﷺ إلى المدينة لم تنقطع هذه التربية فاتخذ ﷺ المسجد مقرا لدعوته حيث يلتقي أصحابه يتلو عليهم آيات الله ويعلمهم ما شرع الله لهم من الشرائع ويحثهم على التواصي بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٢) مهتديا بقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] (٣) . وكان ﵊ يتخولهم بالموعظة خشية السآمة يدل على ذلك ما رواه البخاري عن ابن مسعود قال: «كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا» (٤) ويبين ابن حجر فائدة مهمة في هذا الحديث فيقول: " وفيه رفق النبي ﷺ بأصحابه وحسن التوصل إلى تعليمهم وتفهيمهم ليأخذوا عنه بنشاط لا عن ضجر ولا ملل " (٥) .

стр. 113

[الفصل الخامس الحكمة من التدرج في الدعوة] [المبحث الأول تهيئة النفوس للسماع] الفصل الخامس الحكمة من التدرج في الدعوة وفيه تمهيد وثلاثة مباحث: المبحث الأول: تهيئة النفوس للسماع المبحث الثاني: قبول النفوس للحق المبحث الثالث: ترسيخ الإسلام في النفوس

стр. 114

تمهيد بعد أن بينت في الفصول السابقة تدرجه ﷺ في الدعوة باعتبار الموضوع توحيدًا وشريعة، وباعتبار الوسيلة والأسلوب، وباعتبار المدعوين، بقي أن أبين الحكمة من هذا التدرج الحكيم، وهذا ما سوف أتناوله بإذن الله في هذا الفصل، وقد قسمته إلى ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تهيئة النفوس للسماع. المبحث الثاني: قبول النفوس للحق. المبحث الثالث: ترسيخ الإسلام في النفوس. وفيما يلي التفصيل في هذه المباحث.

стр. 115

المبحث الأول تهيئة النفوس للسماع بالتدرج في الدعوة تتهيأ النفوس للسماع، فالحجة لا تقوم على المدعوين إلا بالسماع (١) ولذا أمر الله تعالى رسوله ﷺ بإجارة المستجير من المشركين لأن إجارته تهيئة لنفسه للسماع، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] (٢) . فأوجب سبحانه كف القتال عمن أظهر الرغبة في سماع كلام الله (٣) . بل جعل الغاية من إجارته إسماعه كلام الله ليكون كلام الله أول ما يقرع سمعه فيقع من نفسه موقع التمكن، وبذلك تقوم عليه الحجة (٤) . وإذا فلا ضير من إعطاء المشركين الفرصة لكي تتهيأ نفوسهم لسماع القرآن ومعرفة هذا الدين، لعل قلوبهم تتفتح وتتلقى وتستجيب، فتزكو تلك القلوب، وتطيب تلك النفوس. وقد فعل ﷺ ذلك فقد كان يهيئ نفوس المشركين للسماع، فحينما

стр. 116

جاءه عتبة بن ربيعة لمفاوضته ﷺ هيأ نفسه للسماع أولا بقوله: «قد فرغت يا أبا الوليد. . " قال: نعم، فقال: " يابن أخي فاسمع» (١) . ولا يخفى على أحد ما في هذه الملاطفة والتكنية من تهيئة للنفس للسماع، وحين اتكأ عتبة على يديه وقال: أسمع، أسمعه ﷺ صدرًا من سورة فصلت (٢) . ونجد مصعب بن عمير وهو مبعوثه ﷺ للدعوة، يبدأ بتهيئة نفوس مدعويه للسماع، فحينما جاءه كل من زعيمي بني عبد الأشهل، أسيد بن حضير وسعد بن معاذ ﵄ كان يبدؤهما بعرض السماع أولا فيقول: " أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكرهه " (٣) . وبهذه الملاطفة والعرض المنصف هيأ نفسيهما للسماع، فلما سمعا أسلما، وأسلم أقوامهما (٤) . وقد كان ﷺ يهيئ نفوس أصحابه للسماع فقد روى البخاري عن جرير أن النبي ﷺ قال له في حجة الوداع: «استنصت الناس " فقال: " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» (٥) .

стр. 117

فدل الحديث على أنه ﷺ استنصت أصحابه قبل أن يعظهم ليهيئ نفوسهم لسماع كلامه، ثم حفظه ثم العمل به، ونشره، وقد ذكر ابن حجر حكمة عظيمة بين فيها التدرج في تلقي العلم، وأن أوله الاستماع فقال: " قال سفيان الثوري وغيره: أول العلم الاستماع، ثم الإنصات، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر " (١) . ومما كان يهيئ به ﷺ نفوس أصحابه للسماع والفهم أنه ﵊ كان يبدءوهم بالسؤال أولا ثم يلقي عليهم المسألة، يدل على ذلك ما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄: " أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم النحر فقال: «يا أيها الناس أي يوم هذا؟ " قالوا: يوم حرام، قال: " فأي بلد هذا؟ " قالوا: بلد حرام، قال: " فأي شهر هذا؟ " قالوا: شهر حرام، قال: " فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا» . . . " (٢) . فكرر ﷺ السؤال ثلاث مرات ليكون أبلغ في فهمهم وإقبالهم على كلامه، يشير إلى ذلك ابن حجر ﵀ بقوله: " قال القرطبي: سؤاله ﷺ عن الثلاثة وسكوته بعد كل سؤال منها كان لاستحضار فهومهم وليقبلوا عليه بكليتهم وليستشعروا عظمة ما يخبرهم عنه، ولذلك قال بعد هذا: فإن دماءكم. . . إلخ، مبالغة في تحريم هذه الأشياء انتهى " (٣) .

стр. 118

ويقول صاحب تيسير العزيز الحميد في شرح هذا الحديث مبينا الحكمة في البدء بالسؤال: " وأخرج السؤال بصيغة الاستفهام ليكون أوقع في النفس وأبلغ في فهم المتعلم، فإن الإنسان إذا سئل عن مسألة لا يعلمها ثم أخبر بها بعد الامتحان بالسؤال عنها فإن ذلك أوعى لفهمها وحفظها، وهذا من حسن إرشاده وتعليمه ﷺ " (١) . وتأمل موقفه ﷺ مع ثمامة بن أثال ﵁ حيث أبقاه مربوطًا في سارية في المسجد ثلاثة أيام، وقد أكرمه ﷺ غاية الإكرام ثم منّ عليه، فكان لهذا التعامل أثره في تهيئة نفسه لسماع القرآن، ورؤية النبي ﷺ ، ومعرفة تعامله مع أصحابه، فانقلب بغضه للرسول ﷺ حبًّا في ساعة واحدة (٢) . ومما كان يهيئ به ﷺ النفوس للسماع الترحيب بالقادم والتلطف معه وتأنيسه والثناء عليه كما فعل ﷺ مع وفد عبد القيس، حيث أثنى عليهم وأخبر أنهم خير أهل المشرق، فاستقبلهم عمر بن الخطاب ﵁ وبشرهم بذلك، ثم بعد وصولهم رحب بهم ﷺ (٣) حيث قال لهم: «مرحبا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى» (٤) .

стр. 119

فدل ذلك على أن الاهتمام بالمدعوين مدخل طبيعي إلى نفوسهم (١) وله أثره في تلقي النفوس للحق وقبوله (٢) وبالتدرج في الدعوة تظهر أهمية مراعاة العوامل النفسية لدى المدعوين (٣) وبهذا الاهتمام وتلك المراعاة تتهيأ نفوسهم لسماع الحق ومن ثَمَّ قبوله.

стр. 120

[المبحث الثاني قبول النفوس للحق] المبحث الثاني قبول النفوس للحق النفوس المستمعة أصناف، منها المعرض الممتنع، ومنها من سمع ولم يفقه المعنى، ومنها من فقه ولم يقبل، ومنها من سمع سماع فقه وقبول (١) وهذا الأخير هم الذين تتهيأ نفوسهم للقبول، وقد ذكرهم الله بقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣] (٢) . وبشرهم وأثنى عليهم بقوله سبحانه: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ - الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨] (٣) وبشرهم ﷺ وأثنى عليهم بقوله: «نضّر الله امرأ سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه» (٤) . هذا الصنف المستمع سماع فقه وقبول هم الذين تدرج الشارع في دعوتهم، فكانت التشريعات الإلهية والتوجيهات النبوية تتدرج في تهيئة نفوسهم للقبول شيئًا فشيئًا. تصف أم المؤمنين عائشة ﵂ هذا التدرج فتقول: ". . . «إنما

стр. 121

نزل أول ما نزل منه - أي القرآن - سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا. . . .» الحديث (١) . لا شك أن الحكمة في هذا التدرج الحكيم تهيئة النفوس للقبول، وإلى ذلك يشير ابن حجر في قوله: ". . . فلما اطمأنت النفوس على ذلك أنزلت الأحكام، ولهذا قالت: «ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندعها» وذلك لما طبعت عليه النفوس من النفرة عن ترك المألوف " (٢) . ويفهم من هذا أن عدم التدرج لا يؤدي إلى القبول بل يؤدي إلى النفرة غالبا، وقد أشار جماعة من العلماء إلى هذا بقولهم: " إن الله ﵎ لعظم حكمته في التشريع إذا أراد أن يشرع أمرًا شاقًّا على النفوس كان تشريعه له على سبيل التدرج، لأن إلزامه بغتة في وقت واحد من غير تدرج فيه مشقة عظيمة على الذين كلفوا به " (٣) وبالتالي فلا تتهيأ نفوسهم لقبول ذلك التشريع، وقد أشارت إلى ذلك أم المؤمنين عائشة ﵂ بقولها: «ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندعها» (٤) . فدل على أن التدرج يهيئ النفوس للقبول والتلقي وقد بين ابن حجر

стр. 122

ذلك بقوله: " وكذلك تعلّم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج، لأن الشيء إذا كان في ابتدائه سهلا، حبب إلى من يدخل فيه وتلقاه بانبساط. . . " (١) . ذلك أن ترك التشديد على من قرب إسلامه في الابتداء، والتلطف في الزجر عن المعاصي يهيئ النفوس للقبول (٢) . هذا ما كان يفعله ﷺ مع مدعويه، وقد شهد بهذا أحد الصحابة الكرام إذ يقول ﵁: «. . فبأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني» (٣) ولا ضربني، ولا شتمني قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» (٤) . ، يقول النووي: " فيه بيان ما كان عليه رسول الله ﷺ من عظيم الخلق الذي شهد الله تعالى له به، ورفقه بالجاهل، ورأفته بأمته، وشفقته عليهم، وفيه التخلق بخلقه ﷺ في الرفق بالجاهل، وحسن تعليمه، واللطف به، وتقريب الصواب إلى فهمه " (٥) . والنفوس التي سمعت ولم تقبل كان ﷺ يهيئها للقبول بشيء مما تحبه النفوس كالعطاء أو غيره، يدل على ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه: " أن النبي ﷺ غزا غزوة الفتح، ثم خرج بمن معه من المسلمين فاقتتلوا

стр. 123

بحنين، فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله ﷺ يومئذ صفوان بن أمية مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة، قال صفوان: «والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليّ فما زال يعطيني حتى إنه لأحبّ الناس إليّ» (١) . فصفوان ﵁ ممن سمع كثيرا ولم يقبل، ولكن حينما أعطاه النبي ﷺ هذا العطاء كان سببا في قبوله وتغير مشاعره نحو الرسول ﷺ ونحو الإسلام، يدل على ذلك قول أنس ﵁: «إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها» (٢) .

стр. 124

[المبحث الثالث ترسيخ الإسلام في النفوس] المبحث الثالث ترسيخ الإسلام في النفوس إن قبول النفوس للحق واتعاظها بالمواعظ يؤدي لا شك إلى رسوخها في الحق وثباتها عليه، يدل على ذلك قوله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] (١) . ذكر الفخر الرازي في هذا التثبيت ثلاثة أوجه: ١ - أن ذلك أقرب إلى ثباتهم عليه واستمرارهم؛ لأن الطاعة تدعو إلى أمثالها. ٢ - أن يكون أثبت وأبقى لأنه حق، والحق ثابت باق والباطل زائل. ٣ - أن الإنسان يطلب أولا تحصيل الخير فإذا حصّله يطلب أن يصير ذلك الحاصل ثابتًا باقيًا (٢) . وتظهر لنا حكمة التدرج في ترسيخ هذا الدين في النفوس في الوجه الثالث من هذا القول حيث البدء بطلب الخير ثم طلب بقائه وثباته. وإنما كان العمل وإتيان الأمور الموعوظ بها في الدين يزيد العامل قوة وثباتًا، لأن الأعمال هي التي تطبع الأخلاق والملكات في نفس العامل، وتبدد المخاوف والأوهام من نفسه (٣) ولا يكون ذلك إلا بالتدرج، ذلك أن العبد القائم بما أمر به لا يزال يتمرن على الأوامر الشرعية حتى يألفها،

стр. 125

ويشتاق إليها وإلى أمثالها، فيكون ذلك معونة له على الثبات على الطاعات (١) بل تكون عاقبته غالبا طلب الازدياد بخلاف ضده (٢) . هذا الثبات على الطاعات يدعوه إلى أن يجود بنفسه حين يجد أنه قد تجاوز تلك الأوامر الشرعية وارتكب ما يوجب حدًّا من حدود الله، روى البخاري عن جابر بن عبد الله الأنصاري: «أن رجلًا من أسلم أتى رسول الله ﷺ فحدثه أنه قد زنى، فشهد على نفسه أربع شهادات، فأمر به رسول الله ﷺ فرجم. .» . " (٣) . ، فانظر كيف أدّى به هذا الثبات إلى الإصرار على طلب التطهير بإقامة الحد عليه، ولم يرجع عن إقراره مع إمكان الرجوع (٤) ومما يدل على أن التدرج يؤدي بصاحبه إلى الازدياد ما رواه أصحاب السنن عن عمر ﵁ قال: لما نزل تحريم الخمر قال عمر: «اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في البقرة، فدعي عمر فقرئت عليه فقال عمر: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] فدعي فقرئت عليه فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] قال عمر: انتهينا انتهينا» (٥) وأريقت الخمر حتى جرت في سكك المدينة (٦) .

стр. 126

[الفصل السادس التدرج في الدعوة في العصر الحاضر] [المسألة الأولى التدرج في الدعوة إلى الموضوع] الفصل السادس التدرج في الدعوة في العصر الحاضر وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: التدرج في الدعوة إلى الموضوع المسألة الثانية: التدرج في الدعوة باعتبار الوسيلة والأسلوب المسألة الثالثة: التدرج في الدعوة باعتبار المدعو

стр. 127

رغبة في استكمال الفائدة من هذا البحث حول التدرج في دعوة النبي ﷺ فقد رأيت الاتصال بعلمائنا الأفاضل وطرح بعض الأسئلة المتعلقة بالتدرج في الدعوة موضوعًا ووسيلة وأسلوبًا ومدعوًّا ومعرفة آرائهم في ذلك وهم: ١ - سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز المفتي العام للمملكة العربية السعودية والرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء. ٢ - فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين عضو هيئة كبار العلماء والأستاذ في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم وإمام وخطيب الجامع الكبير بعنيزة. ٣ - فضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء وإمام وخطيب جامع الأمير متعب بن عبد العزيز بالرياض. وقد وجدت من لدن علمائنا - بفضل الله الإجابة الوافية الكافية حول هذا الموضوع المهم، فقمت بتفريغ ما تجمّع لدي من أشرطة وتصنيفها في ثلاث مسائل على النحو التالي: المسألة الأولى: التدرج في الدعوة إلى الموضوع. المسألة الثانية: التدرج في الدعوة باعتبار الوسيلة والأسلوب. المسألة الثالثة: التدرج في الدعوة باعتبار المدعو.

стр. 128

وفيما يلي التفصيل في هذه المسائل: المسألة الأولى التدرج في الدعوة إلى الموضوع أولًا: أهمية البدء بالتوحيد: تقدّم لنا أن موضوع الدعوة هو الدين الإسلامي، وأن أصل الدين الإسلامي هو التوحيد، فقد بدأ به جميع الأنبياء باختلاف أزمانهم وأمكنتهم، فدل على أهمية البداءة به، في كل مكان وزمان، وقد اتفق العلماء على القول بذلك، يقول الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ مبينًا أهمية البدء بالتوحيد: " فاعلم أن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت، كما يحدث إذا دخل الحدث في الطهارة، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧] (١) (٢) . ويقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: " فإنه ﷺ لما بعثه الله بدأ الناس بالدعوة إلى التوحيد في مكة، وترك الشرك، هذا أول شيء يبدأ به، قبل كل شيء يدعو الناس إلى توحيد الله، ونبذ آلهتهم المعبودة من دون الله، من أشجار وأحجار وأصنام وغيرها، ولهذا لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا

стр. 129

إله إلا الله، وفي لفظ: فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله» (١) فأمره أن يدعوهم إلى توحيد الله قبل الصلاة وقبل غيرها، فدل ذلك على أن الدعوة إلى أصل الدين مقدمة، ثم بعد ذلك يتدرج بدعوتهم إلى الصلاة والزكاة وبقية أمور الدين، ولهذا قال له بعده: «فإن أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن أطاعوك لذلك فأعلمهم. . . إلخ» (٢) . ويقول فضيلة الشيخ محمد العثيمين: " الدعوة إلى الله مثل ما قال الرسول ﷺ لمعاذ: «ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، فإن أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» (٣) . فإذا كنا نريد أن ندعو كفارا فلا بد أن ندعوهم كما أمر النبي ﷺ في حديث معاذ ﵁، وإذا أردنا أن ندعو شخصًا بعينه، فلننظر أيضًا هل هو كافر فندعوه إلى أصل الإسلام، ثم بعد ذلك نأمره بالصلاة، ثم بالزكاة، ثم بالصوم، ثم بالحج. . . " (٤) . ويقول فضيلة الشيخ صالح الفوزان: " فالتدرج في الدعوة معناه: الإتيان

стр. 130

بالأهم فالأهم. وذلك بأن يبدأ أول شيء بالتوحيد: دعوة الناس إلى التوحيد وعبادة الله وحده، لأن هذا هو الأساس " (١) . فدلت هذه الأقوال على أهمية البدء بدعوة الناس إلى التوحيد، فلا يبدأ بدعوة المشرك إلى نوع من الشريعة كالنهي عن الزنا، أو الربا، أو نحوه قبل التوحيد، وفي ذلك يقول الشيخ صالح الفوزان: " أما التدرج المنهي عنه فهو العكس والذي يسير عليه بعض الدعاة في عصرنا الحاضر وهو أن يبدأ بالأمور التي هي دون الشرك، يبدأ بنهي الناس عن الزنا وعن الكبائر وأكل الربا وغير ذلك، ويترك جانب العقيدة ولا يهتم به فهذا عكس دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأيضًا هو لا يثمر ولا يفيد، لأنه حتى لو ترك الناس هذه الكبائر وتعاملوا بالأخلاق الفاضلة والمعاملات المباحة مع بقاء الشرك فيهم فإن هذه الأعمال لا تنفعهم، لأنهم بنوا على أساس غير صحيح، بينما لو أن الإنسان حقق التوحيد وتجنب الشرك، ووقع منه بعض الكبائر وبعض المعاصي، فإنه لا يخرج بذلك من الإيمان، وترجى له المغفرة، وهو تحت المشيئة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] (٢) وقال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] (٣) (٤) .

стр. 131

لكن لا بأس أن يظهر الداعية في تعامله مع المشرك ما يجذبه إلى الإسلام، مثل زيارة الجار المشرك، والإحسان إليه، والإهداء إليه، أو معاملته بالأخلاق الفاضلة، والمعاملة الحسنة، وفي هذا يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: " ولكن لو أن إنسانًا رأى، أو داعية من الدعاة رأى أن يدعوه إلى حضور مجالس العلماء لعله ينشرح صدره، أو يدعوه إلى بر الوالدين، وصلة الأرحام، ويقول له: إن الإسلام جاء بهذا، لعله يميل إلى الإسلام فلا بأس عليه " (١) . ثانيا: التدرج في الدعوة إلى الشريعة: لا شك أن الشريعة الإسلامية جاءت على أساس مراعاة مصالح الناس، ودفع المفاسد عنهم (٢) فاقتضت هذه المراعاة التدرج في الدعوة إلى هذه الشريعة، يقول فضيلة الشيخ صالح الفوزان: " هذا التدرج باق عند الحاجة إليه، ولا شك أن الشارع تدرج في تشريع الأحكام رحمة بالناس، وترغيبا لهم في القبول، ومن ذلك تدرجه في شريعة الصيام، وتدرجه في تحريم الخمر، وذلك من أجل الرحمة بالناس وعدم المشقة عليهم، وهذا التدرج مطلوب عند الحاجة إليه في كل زمان " (٣) . فالقاعدة إذًا في الدعوة إلى الشريعة مراعاة حال الدعوة والمدعو زمانًا ومكانًا، فإذا كان المدعو مسلما فإن المصلحة تقتضي إلزامه بأحكام

стр. 132

الشريعة جملة دون تدرج، يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: " الواجب على المسلمين أن يلتزموا بالجميع، من أسلم يلتزم بالجميع، من أسلم يعلم التوحيد، ثم يعلم جميع الشريعة في الحال، حتى يلتزم بها كلها " (١) . ويقول فضيلة الشيخ محمد العثيمين مبينًا عدم التدرج في دعوة المسلمين إلى العمل بأحكام الشريعة: " مثلًا الخمر، لا نقول: أولا نرغب الناس في تركها، ثم نحاولهم أن يتركوها أوقات الصلاة، بل نقول لهم: هي حرام، وندعوهم بالتي هي أحسن فننظر إلى حالهم وندعوهم على حسب حالهم " (٢) . ويقول فضيلة الشيخ صالح الفوزان: " فإذا كان الذي يشرب الخمر يعلم أنه محرم، ويعلم الوعيد فهذا لا يحتاج إلى تدرج، لأنه يعلم هذا، وإنما يجب نهيه وزجره وإقامة الحد عليه، لأنه دخل في هذا الأمر وهو يعرف " (٣) . وتقتضي الحكمة في دعوة المسلمين إلى بعض أمور الشريعة في هذا العصر مراعاة جانب مهم وهو تأخير إنكار المنكر إذا اقتضت حاجة الدعوة ذلك، يقول فضيلة الشيخ محمد العثيمين: " تأخير إنكار المنكر قد يكون من باب استعمال الحكمة في الدعوة إلى الله، فقد يكون هذا الرجل الفاعل للمنكر لا يناسب أن ننكر عليه في هذا الوقت بالذات، لكن سأحتفظ

стр. 133

لنفسي بحق الإنكار عليه، ودعوته إلى الحق في وقت يكون أنسب، وهذا في الحقيقة طريق صحيح، فإن هذا الدين كما نعلم جميعا بدأ بالتدرج شيئًا فشيئًا، فأقر الناس على ما كانوا يفعلونه من أمور كانت في النهاية حرامًا من أجل المصلحة، فهذه الخمر مثلًا بين الله تعالى لعباده أن فيها إثمًا كبيرًا ومنافع للناس، وأن إثمها أكبر من نفعها، وبقي الناس عليها حتى نزلت آخر آية فيها تحرمها بتاتا، فإذا رأى إنسان من المصلحة أن لا يدعو هذا الرجل في هذا الوقت، أو في هذا المكان، ويؤخر دعوته في وقت آخر، أو في مكان آخر لأنه يرى أن ذلك أصلح أو أنفع، فهذا لا بأس به " (١) . أما إذا كان المدعو كافرًا فإن فضيلة الشيخ محمد العثيمين يرى التدرج في دعوته إلى الشريعة فيقول: " فإذا كنا نريد أن ندعو الكفار وندعوهم كما أمر النبي ﷺ في حديث معاذ ﵁، إذا أردنا أن ندعو شخصا بعينه، فلننظر أيضا هل هو كافر؟ فندعوه إلى أصل الإسلام، ثم بعد ذلك نأمره بالصلاة، ثم بالزكاة، ثم الصوم، ثم الحج. . . " (٢) . ولو اشترط هذا الصنف من المدعوين ارتكاب بعض المخالفات الشرعية مقابل إسلامه، مثل شرب الخمر مثلًا، فإنه يتعامل معه وفق القاعدة الفقهية:

стр. 134

" إذا تزاحمت المفاسد واضطر إلى واحد منها قدم الأخف منها " (١) فيقبل إسلامه ويقبل شرطه، يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: " لا أعلم مانعا، لأن شرب الخمر أسهل من بقائه على الكفر، يبين له التحريم، ويدعو له بالتوفيق، أنت إذا أسلمت إن شاء الله سوف تتركه فإن هذا خير من بقائه على الكفر " (٢) . ويقول فضيلة الشيخ محمد العثيمين: " ذهب العلماء إلى أنه يقبل إسلامه، فيقال له: أسلمْ ثم إذا أسلم بينا له الحكم الشرعي في ذلك " (٣) . بشرط أن يكون ذلك المدعو جاهلًا بحكم ما يدعى إليه من الشريعة فيقول: " إذا كان جاهلا تحريم الخمر لأنه نشأ في بلاد بعيدة عن بلاد الإسلام أو في بادية، ويجهل تحريم الخمر وقد ألفها كما ذكرنا في الجواب واعتادها، فهذا يتدرج معه ببيان مفاسد الخمر، ثم إذا علم هذا وقامت عليه الحجة فإنه يمنع منها، وإذا شرب يقام عليه الحد " (٤) . فإنّ المفاضلة بين الأعمال، والحث على أعلى المصلحتين، وتقديم أهون المفسدتين جاءت به آيات كريمة في كتاب الله تعالى (٥) قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧] (٦) .

стр. 135

فبين سبحانه أن القتل - وإن كان مفسدة - فهو أهون مما يفعله المشركون من فتنة المؤمنين وصدهم عن سبيل الله، فقدم أهون المفسدتين وهي القتل في الشهر الحرام على الآخر وهي الصد عن سبيل الله (١) .

стр. 136

[المسألة الثانية التدرج في الدعوة باعتبار الوسيلة والأسلوب] المسألة الثانية التدرج في الدعوة باعتبار الوسيلة والأسلوب بينت في صلب هذا البحث أن النبي ﷺ اتخذ عدة وسائل في تبليغ دعوته فابتدأ بالقول، ثم لما هاجر إلى المدينة اتخذ وسيلة السرايا والغزوات لحماية الدعوة، وإخضاع أعدائها لها، ثم اتخذ وسيلة الكتب، والرسائل لتبليغ الدعوة خارج المحيط العربي، ثم اتخذ وسيلة البعوث، لتكون وسيلة دعوية تعليمية، وذلك في آخر حياته ﷺ ، وسلك ﷺ أساليب حكيمة في دعوته، فابتدأ بأسلوب العرض في العهد المكي، ثم في بداية العهد المدني اتخذ أسلوب الحماية لحماية الدعوة والدفاع عنها، ثم اتخذ أسلوب الإلزام بعد أن هزم الله أعداءه، وظهرت قوته، فألزم من تبقى من أعداء الدعوة بالخضوع لها، ثم اتخذ أسلوب التأليف بعد أن أفاء الله عليه في حنين. والمتأمل لسيرته ﷺ يتبين له أن تلك الوسائل والأساليب قد جاءت متدرجة خطوة خطوة، فهل يلزم الدعاة في هذا العصر أن يتخذوا تلك الوسائل والأساليب بعينها وأن يتدرجوا فيها أم أنها خاصة به ﷺ ؟ لا شك أن ظروف دعوته ﷺ تختلف عن ظروف الآخرين، فهو ﵊ إنما يتلقى الوحي من الله تعالى في كل شيء من أمور دعوته، ثم إنه ﷺ اتخذ تلك الوسائل والأساليب وتدرج فيها مراعيًا في ذلك ظروف الدعوة المكانية والزمانية، وكان ﷺ يقوم بهذا العمل بصفته ولي أمر المسلمين في عصره ﷺ .

стр. 137

فالقاعدة إذًا في اتخاذ الوسائل في الدعوة إلى الله خاضعة لظروف الدعوة والداعية، المكانية والزمانية. يقول فضيلة الشيخ محمد العثيمين: " يجب أن نعرف قاعدة وهي أن الوسائل بحسب المقاصد، كما هو مقرر عند أهل العلم أن الوسيلة لها أحكام المقصد، ما لم تكن هذه الوسيلة محرمة، فإن كانت محرمة فلا خير فيها. وأما إذا كانت مباحة، وكانت توصل إلى ثمرة مقصودة شرعًا فإنه لا بأس بها، ولكن لا يعني ذلك أن نعدل عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما فيهما من مواعظ إلى ما نرى أنه وسيلة في الدعوة إلى الله، وقد نرى أن هذا وسيلة، ويرى غيرنا أنه ليس بوسيلة، ولهذا ينبغي للإنسان في الدعوة إلى الله أن يستعمل الوسيلة التي يتفق الناس عليها، حتى لا تخدش دعوته إلى الله بما فيه الخلاف بين الناس " (١) . ويقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: " الظاهر من الشرع المطهر أن الدعاة يلزمهم ما يستطيعون، وما يرون أنه أقرب إلى النجاح حسب الحال، فإذا رأوا البداءة بالقول والتوجيه، ثم إذا قبل الإسلام تبيّن له أحكام الشرع، وإذا رأوا أن الدعوة تكون بالمكاتبة دون المشافهة، ليبسطوا له القول في ذلك، أو رأوا أن يبدأ بالقول والعمل جميعًا، فكل ذلك منوط بالمصلحة الشرعية التي يرونها، فالمقصود أن عهد النبي ﷺ ليس مثل عهدنا، ففي عهد النبي ﷺ كان الوحي من الله جلّ وعلا يأمره أن يبقى على الدعوة فقط،

стр. 138

حتى شرع الله له الهجرة، وشرع الله بعد ذلك أشياء أخرى. . . ". أما الأساليب التي سلكها ﷺ في دعوته فيفعل الدعاة إلى الله ما يمكنهم فعله منها، يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: " يعمل الداعي ما يستطيع من هذه الأساليب ولو بادر بالتأليف بالمال، فيعطيهم المال حتى يسلموا فالرسول ﷺ في مكة كان فقيرًا وليس عنده مال حتى يعطيهم، فلما أفاء الله عليه في حنين أنفق على الناس وتألفهم، فالحاصل أن الأمور الآن استقرت، أما في عهد النبي ﷺ فقد أخذ بالتدرج لعدم قدرته، ولأن ذلك في مقتضى المصلحة مع الكفار لعجزه عن الجهاد وعجزه عن المال، وقلة الأنصار، فلما كثر الأنصار وتيسر المال جاهد، وبذل المال، وتألف الناس، وقتل من قتل " (١) . ويقول فضيلة الشيخ الفوزان: " قضية العرض والحماية والإلزام والتأليف هذه ليست من باب الترتيب، وإنما هي من باب العمل عند الحاجة، وهذا يختلف باختلاف الأحوال، واختلاف الناس، فإذا دعت الحاجة إلى البداءة بالبيان، فإنه يقتصر على البيان، وإذا دعت الحاجة إلى الحماية بأنه حصل عدوان على الدعوة، فإنه يبدأ بالحماية، وهكذا الأمور إنما تعمل عند الحاجة إليها في كل زمان وفي كل مكان والله أعلم " (٢) . ويستفاد من هذه الأقوال أن القاعدة في اتخاذ الوسائل والأساليب الدعوية هي مراعاة حال الدعوة زمانا ومكانًا.

стр. 139

[المسألة الثالثة التدرج في الدعوة باعتبار المدعو] المسألة الثالثة التدرج في الدعوة باعتبار المدعو البدء بالأقربين هو ما جاءت به الآيات القرآنية، وهو ما فعله النبي ﷺ حيث ابتدأ بدعوة الأقربين، وقد فصلنا القول في ذلك في موضعه من هذا البحث. وحيث إن المدعو هو الإنسان في عصره ﷺ وفي كل عصر، وقد ابتدأ ﷺ بدعوة الأقربين بتوجيه من الله تعالى في قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] (١) وقضى فترة زمنية ليست بالقصيرة يدعوهم إلى الله تعالى، وينذرهم عذابه، فدل هذا على أن البداءة بالأقربين مستمرة في كل زمان. يقول الشيخ صالح الفوزان: " هذا بلا شك أن الإنسان الداعية إلى الله يبدأ أول شيء بنفسه، يمتثل أوامر الله، ويجتنب نواهي الله، قبل أن يدعو الآخرين، ولهذا يقول الله في نبيه شعيب ﵇ ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] (٢) . وكذلك الله جل وعلا عاب على بني إسرائيل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] (٣) ثم إذا فرغ الإنسان

стр. 140

من إصلاح نفسه واستقامتها فإنه يبدأ بأقرب الناس إليه، كما قال الله تعالى لنبيه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] (١) . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] (٢) . وكما قال لنبيه ﷺ : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] (٣) . وقال تعالى في حق إسماعيل ﵇: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا - وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٤ - ٥٥] (٤) ويبين فضيلته الحكمة من البداءة بالأقربين فيقول: " لأن الإنسان إذا ذهب يدعو الناس وهو تارك لأقرب الناس إليه ولأهله ولأهل بيته فإن الناس سيقولون: لو كان ما يدعو إليه حقًّا لبدأ بمن هم أقرب الناس إليه، وسيحتجون عليه بأهل بيته وبأقاربه ويقولون: كيف تدعونا وأهلك يعملون كذا؟ وبيتك يعمل كذا؟ ويكون هذا من معوقات الدعوة، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣] (٥) . فأمر بالبداءة بالذين يلون ثم الذين من بعدهم، هكذا يكون الدعوة إلى الله ، تدرج من النفس إلى الأقارب إلى العشيرة إلى الآخرين " (٦) . فالأصل إذًا في دعوة المدعوين البدء بالأقربين أولا كما فعل ﷺ ، ثم

стр. 141

التدرج بعد ذلك، لكن هذا البدء بالأقربين إذا ترتب عليه ضرر للداعية في نفسه أو في دعوته فإن البدء بهم لا يلزم، وإلى ذلك يشير سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز فيقول: " لا يلزم ذلك لكن إذا تيسر فهم أحق الناس ببره، وقد يكون عندهم شر وعندهم نفور شديد فيضرونه، وقد تكون دعوة غيرهم أسهل عليه وأقرب، وقد يكون أيضا بعضهم بعيدًا عنه، وغيرهم أقرب إليه، فالمقصود أنه لا يلزمه البداءة بأقرب الأقربين إنما هو أفضل إذا تيسر له البدء بالأقربين، لأنهم أحق الناس ببره وصلته وإحسانه، فإذا تيسّر البدء بهم فحسن، ولكن لا يلزمه ذلك، وإذا لم يتيسر ذلك يدعو غيرهم والحمد لله " (١) .

стр. 142

[الخاتمة] الخاتمة الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، على ما أنعم به عليّ من نعم عظيمة، ومن هذه النعم كتابة هذا البحث. وفي خاتمته أسأل الله سبحانه أن يتقبله بقبول حسن، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به عباده الصالحين من الدعاة وغيرهم، ويجدر في نهاية هذا البحث بيان أهم ما توصلت إليه من نتائج وأهم التوصيات التي أراها تستحق الذكر. لقد طوف البحث في آفاق دعوة النبي ﷺ الكريمة، موضوعها، ووسائلها، وأساليبها، ومدعوّيها، وقد تبين لي في ثنايا هذا البحث أهمية مراعاة الأولويات في الدعوة إلى الله أسوة برسول الهدى ﷺ ، حيث ابتدأ بالدعوة إلى التوحيد، ثم دعا إلى الشريعة، مراعيًا الأولويات، والبدء بالمهم فالذي يليه. كما تبيّن لي أهمية مراعاة الاستفادة من الوسائل، واتخاذ الأساليب المناسبة لظروف الدعوة، زمانًا ومكانًا، كما فعل النبي ﷺ إذ ابتدأ بالقول، ثم السرايا والغزوات، ثم الكتب والرسائل، ثم الوفود والبعوث، فكان القول وسيلته الأساسية في العهد المكي، وكانت الوفود والبعوث وسيلته ﷺ في أواخر حياته. واتخذ أساليب مناسبة لظروف الدعوة أيضًا حيث ابتدأ بالعرض، ثم

стр. 143

الحماية، ثم الإلزام، ثم التأليف. وتبين لي في ثنايا هذا البحث أهمية مراعاة أحوال المدعوين، وذلك بالتعرف عليهم، والعناية بذوي المكانة منهم، وما في هذه المراعاة من دواعي الاستجابة للداعية وقبول دعوته. كما تبين لي في ثناياه أن لهذا التدرج حكمًا عظيمة، أهمها: أنه ينتهي بالمدعو إلى الرسوخ في هذا الدين والثبات عليه. [التوصيات] التوصيات وإنني بعد أن انتهيت من كتابة هذا البحث لأجد هنالك بعض التوصيات التي تجدر الإشارة إليها والتنبيه إلى أهميتها، وأهم هذه التوصيات ما يلي: ١ - أقترح عقد دورات للدعاة في الدعوة إلى الله - أسوة بدورات المبتعثين - يبصرون فيها إلى الطريقة المثلى في الدعوة إلى الله، وأهمية مراعاة الأولويات في الدعوة أسوة بالنبي ﷺ ، وأهمية مراعاة الاستفادة من الوسائل المعاصرة التي لا تتعارض مع شرع الله في الدعوة، واستخدام الأساليب المناسبة لظروف الدعوة المكانية والزمانية. ٢ - أوصي بمزيد الاهتمام بجانب المدعوين، ولذا فإني أقترح إيجاد لجنة يشترك فيها عدد من أساتذة الدعوة في الجامعات في هذه البلاد، مهمتها السفر إلى الدول الإسلامية التي تكثر فيها البدع، ومن ثم التعرف على أحوال المدعوين هناك، ثم العناية بذوي المكانة منهم الذين يتبعهم خلق كثير، وتيسير السبل أمام أبنائهم، والعمل على إعطائهم الفرصة،

стр. 144

لمواصلة دراساتهم الشرعية في جامعات هذه البلاد، وربطهم بعلمائها، لما في ذلك من أثر في تصحيح عقائدهم، ومن ثم التأثير على أتباعهم. ٣ - أوصي كذلك باختيار الدعاة المؤهلين للقيام بالمهمات الدعوية من الذين تتوفر فيهم الأمور التي أشرنا إليها خلال هذا البحث، ودعمهم وتيسير السبل الكفيلة بتوفير ما يلزم لهم لنجاح دعوتهم من أمور مادية ومعنوية، ليتم على أيديهم تحقيق النجاح المؤمل للدعوة الإسلامية. ٤ - أوصي الدعاة إلى الله بمراعاة جانب التدرج في دعوتهم إلى تطبيق الأحكام الشرعية في العصر الحاضر، فمعالجة الربا مثلًا تحتاج إلى نوع من التدرج في جانب الاستبدال والتدرج الزمني، وكذلك غيره من الأمور المخالفة لشريعة الله لا بد من مراعاة التدرج في إزالتها والقضاء عليها، سيما الأمور التي تدرج الشارع في تحريمها. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 145

[فهرس المصادر والمراجع] فهرس المصادر والمراجع ١ - إبراهيم أنيس وآخرون، المعجم الوسيط، دار الفكر بدون تاريخ. ٢ - ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود الطناحي، المكتبة العلمية، بيروت بدون تاريخ. ٣ - أحمد أحمد غلوش، الدعوة الإسلامية أصولها ووسائلها، دار الكتب الإسلامية، دار الكتاب المصري، القاهرة، دار الكتاب اللبناني، بيروت (ط ٢ / ١٤٠٧ هـ) . ٤ - أحمد بن حنبل، مسند الإمام أحمد بن حنبل، طبعة دار صادر بيروت، بدون تاريخ. ٥ - أحمد الشايب، الأسلوب (دراسة بلاغية تحليلية لأصول الأساليب الأدبية) ، الناشر مكتبة النهضة المصرية، القاهرة (ط ٧ / ١٣٩٦ هـ) . ٦ - أحمد بن عبد الرحمن البنا، الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، بدون تاريخ. ٧ - أحمد عبد الرحمن إبراهيم، الفضائل الخلقية في الإسلام، دار الطباعة والنشر، الرياض (ط ١ / ١٤٠٢ هـ) . ٨ - أحمد محمد أبا بطين، المرأة المسلمة المعاصرة، دار عالم الكتب للنشر والتوزيع (ط ٢ / ١٤١٢ هـ) . ٩ - البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح، تحقيق
следующие страницы →