وله مواقف حكيمة في دعوته إلى الله - تعالى -، لا يتسع المقام لذكرها (١).
وهذه المواقف العظيمة يبين فيها للناس بقوله وفعله أن العزة والرفعة والتمكين لا تأتي عن طريق الكبر، والغطرسة، والإِعجاب بالنفس أو الجاه أو السلطان، وإنما يأتي ذلك كله لمن تمسك بالإِسلام، ولهذا قال لأبي عبيدة في الخبر السابق: " إنكم كنتم أذلّ الناس، وأحقرَ الناس، وأقلّ الناس، فأعزّكم الله بالإِسلام، فمهما تطلبوا العزة من غيره يذلّكم الله ".
رضي الله عن الفاروق وأرضاه، وجزاه عن أمة محمد خيرَ الجزاء، فقد قام بالأعمال العظيمة، وسلك مسلك الحكمة التي من أُوتيها فقد أوتي خيرًا كثيرًا، ونفّذ وصية رسول الله ﷺ في المشركين، من: يهود، ونصَارى، ومجوس، وغيرهم من المشركين، حيث قال ﷺ قُبيَل موته: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» (٢).
فطهَّر ﵁ جزيرة العرب من المشركين، ولم يترك أحدًا منهم فيها، طبقًا لأمر رسول الله ﷺ .
стр. 212
المطلب الثالث
مواقف عثمان بن عفان ﵁
لعثمان ﵁ مواقف حكيمة كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:
١ - إنفاقه الأموال العظيمة الكثيرة في سبيل الله تعالى
كان عثمان ﵁ من الأغنياء الذين أغناهم الله ، وكان صاحب تجارة وأموال طائلة؛ ولكنه استخدم هذه الأموال في طاعة الله ، ابتغاء مرضاته وما عنده، وصار سبّاقًا لكل خير، ينفق ولا يخشى الفقر.
ومما أنفقه ﵁ من نفقاته الكثيرة على سبيل المثال ما يأتي:
(أ) عندما قدم النبي ﷺ المدينة المنورة وجد أن الماء العذب قليل، وليس بالمدينة ما يستعذب غير بئر رومة، فقال رسول الله ﷺ : «من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة» (١).
وقال ﷺ : «من حفر بئر رومة فله الجنة» (٢) وقد كانت رومة قبل قدوم النبي ﷺ المدينة لا يشرب منها أحد إلا بثمن، فلما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة، وكان يبيع منها القربة بمد، فقال له النبي ﷺ : «تبيعنيها بعين في الجنة؟ " فقال: يا رسول الله! ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان ﵁ فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم،
стр. 213
ثم أتى النبي ﷺ فقال: أتجعل لي فيها ما جعلت له؟ قال: " نعم "، قال: قد جعلتها للمسلمين» (١).
وقيل: كانت رومة ركية ليهودي يبيع المسلمين ماءها، فاشتراها عثمان بن عفان من اليهودي بعشرين ألف درهم، فجعلها للغني والفقير وابن السبيل (٢).
(ب) بعد أن بنى رسول الله ﷺ مسجده في المدينة فصار المسلمون يجتمعون فيه ليصلوا الصلوات الخمس، ويحضروا خطب النبي ﷺ التي يُصدر إليهم فيها أوامره ونواهيه، ويتعلمون في المسجد أمور دينهم، وينطلقون منه إلى الغزوات ثم يعودون بعدها، ولذلك ضاق المسجد بالناس، فرغب النبي ﷺ من بعض الصحابة أن يشتري بقعة بجانب المسجد، لكي تزاد في المسجد حتى يتسع لأهله، فقال ﷺ : «من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة؟»، فاشتراها عثمان بن عفان ﵁ من صلب ماله (٣).
بخمسة وعشرين ألف درهم، أو بعشرين ألفًا، ثم أضيفت للمسجد (٤).
ووسع على المسلمين ﵁ وأرضاه (٥).
(جـ) عندما أراد رسول الله ﷺ الرحيل إلى غزوة تبوك حثّ الصحابة الأغنياء على البذل لتجهيز جيش العسرة الذي أعده رسول الله ﷺ لغزو
стр. 214
الروم، فأنفق أهل الأموال من صحابة رسول الله ﷺ كل على حسب طاقته وجهده.
أما عثمان بن عفان فقد أنفق نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها، فقد ثبت أنه أنفق في هذه الغزوة ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها، وجاء بألف دينار فنثرها في حجر النبي ﷺ فأخذ النبي ﷺ ، يُقلّبها في حجره ويقول: «ما ضرّ عثمان ما عمل بعد هذا اليوم» قالها مرارًا (١).
وهذه نفقة عظيمة جدًّا تدلّ على صدق عثمان وقوة إيمانه، ورغبته فيما عند الله - تعالى -، وإيثار الآخرة على الدنيا، - فرضي الله عنه وأرضاه -، فقد حصل على الثواب العظيم والجزاء الذي ليس بعده جزاء. «من جهز جيش العسرة فله الجنة» (٢).
٢ - موقفه العظيم في جمع الأمة على قراءة واحدة ، وحسم الاختلاف:
كان من أعظم مواقف الحكمة التي وقفها عثمان جمع شمل أمة محمد ﷺ على قراءة واحدة، فقد كان من مناقبه الكبار، وحسناته العظيمة، أنه جمع الناس على قراءة واحدة، وكتب المصحف على العرضة الأخيرة التي درسها جبريل على رسول الله ﷺ في آخر سني حياته، وكان سبب ذلك أن حذيفة بن اليمان كان في غزوة أهل الشام في فتح أرمينية، وأذربيجان، مع أهل العراق، وقد اجتمع في هذه الغزوة خلق من أهل الشام، ممن يقرأ على
стр. 215
قراءة المقداد بن الأسود، وأبي الدرداء، وأُبي بن كعب، وجماعة من أهل العراق ممن يقرأ على عبد الله بن مسعود، وأبي موسى، وجعل من لا يعلم بجواز القراءة على سبعة أحرف يفضل قراءته على قراءة غيره، وربما خَطَّأ الآخر أو كَفّره، فأدّى ذلك إلى اختلاف شديد وانتشار في الكلام السيئ بين الناس، فركب حذيفة إلى عثمان وقد أفزعه اختلافهم في القراءة، فقال: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى في كتبهم، وذكر له ما شاهد من اختلاف الناس في القراءة، فعند ذلك جمع عثمان الصحابة وشاورهم في ذلك، ورأى أن يكتب المصحف على حرف واحد، وأن يجمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به دون ما سواه، لما رأى في ذلك من مصلحة كفّ المنازعة، ودفع الاختلاف، فأرسل عثمان إلى حفصة ﵂ يستدعي بالصحف التي كان الصديق أمر زيد بن ثابت بجمعها، فكانت عند الصديق أيام حياته، ثم كانت عند عمر، فلما توفي صارت إلى حفصة أم المؤمنين.
وعندما جاءت الصحف أمر عثمان زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وأمرهم إذا اختلفوا في شيء أن يكتبوه بلغة قريش، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق من الآفاق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق (١).
стр. 216
وكانت المصاحف الأئمة سبعة كالتالي:
أرسلِ مصحفً إلى مكة، ومصحفًا إلى الشام، ومصحفًا إلى اليمن، ومصحفَا إلى البحرين، ومصحفًا إلى البصرة، ومصحفًا إلى الكوفة، وأقر بالمدينة مصحفًا، وهذه المصاحف كلها بخط زيد بن ثابت، وإنما يقال لها المصاحف العثمانية نسبة إلى أمر عثمان وزمانه وإمارته، وحرق ما سوى هذه المصاحف مما بأيدي الناس مما يخالف هذه المصاحف السبعة، وأجمع الصحابة على ذلك عند الشورى بالرسم، وعند التلقي فاجتمع شمل الأمة على هذه المصاحف ولله الحمد والمنة (١).
فحصل الاجتماع والائتلاف، وزال الاختلاف والفرقة، واجتمعت القلوب بفضل الله - تعالى -، ثم بفضل حكمة عثمان ﵁ وأرضاه.
стр. 217
المطلب الرابع
مواقف علي بن أبي طالب ﵁ علي بن أبي طالب ﵁ ابن عم النبي ﷺ ، هو أول من أسلم من الصبيان، كما أن أبا بكر أول من أسلم من الرجال، وخديجة أول من أسلم من النساء، وزيد بن حارثة أول من أسلم من الموالي، فكان علي ﵁ من السابقين الأولين إلى الإِسلام، وله مواقف كثيرة مُشرِّفة يعتز بها كل مسلم، ويرتفع رأسه بذلك، ولا يتسع المقام لذكرها، وسأقتصر على أربعة مواقف من مواقفه ﵁ البطولية الحكيمة، التي وقفها ﵁ ابتغاء مرضاة الله - تعالى - والدار الآخرة، وهذه المواقف كالتالي (١).
١ - موقفه ﵁ في تقديم نفسه فداء للنبي ﷺ ودعوته:
عندما اجتمع قريش في دار الندوة، وأجمعوا على قتل النبي ﷺ والتخلص منه، أعلم الله نبيه ﷺ بذلك، وكان النبي ﷺ أعلم خلق الله، فأراد أن يبقى من أراد قتله ينظر إلى فراشه ينتظرونه يخرج عليهم، فأمر علي بن أبي طالب الشاب البطل أن ينام في فراشه تلك الليلة، ومن يجرؤ على البقاء في فراش رسول الله ﷺ والأعداء قد أحاطوا بالبيت يتربّصون به ليقتلوه؟ من يفعل هذا ويستطيع البقاء في هذا البيت وهو يعلم أن الأعداء لا يُفرِّقون بينه وبين رسول الله ﷺ في مضجعه؟ إنه لا يفعل ذلك إلا أبطال الرجال وشجعانهم بفضل الله - تعالى -، فرضي الله عن علي وأرضاه.
وقد أمره النبي ﷺ أن يُقيم بمكة أيامًا حتى يؤدي أمانة الودائع والوصايا التي كانت عنده إلى أصحابها من أعدائه كاملة غير منقوصة، وهذا من أعظم العدل، وأداء الأمانة (٢).
стр. 218
٢ - موقفه في بدر مع رؤوس الكفر:
عندما تراجع غزوات النبي ﷺ الكبيرة يوجد ذكر علي بن أبي طالب مقرونًا بها، فتارة يحمل اللواء، وتارة يفرق جموع الأعداء، وتارة يفتح الحصون المستعصية ويهدم الأصنام، فهو بطل معلم.
عندما تواجه الجيشان في معركة بدر الكبرى، والتقى الفريقان، وحضر الخصمان بين يدي الرحمن، واستغاث بربه سيد الأنبياء، وضج الصحابة بصنوف الدعاء إلى رب الأرض والسماء، وكاشف البلاء، وقبل اشتباك المعركة والتحامها خرج من جيش المشركين عتبة بن ربيعة - يريد أن يظهر شجاعته - فبرز بين أخيه شيبة وابنه الوليد، فلما توسطوا بين الصّفين دعوا إلى البراز، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار: عوف بن الحارث، ومعوذ بن الحارث - ابنا عفراء - وعبد الله بن رواحة، فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: رهط من الأنصار، فقالوا: ما لنا بكم من حاجة، ونادى مناديهم: يا محمد، أَخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقيل: قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي، فلما دنوا منهم، قالوا: من أنتم؟ فقال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال علي: علي. قالوا أكفاء كرام، فبارز عبيدة - وكان أسن القوم - عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد بن عتبة.
فقتل علي الوليد فورًا، وقتل حمزة شيبة في الحال، واختلف عبيدة وعتبة بينهما بضربتين كلاهما أثبت صاحبه، فَكَرَّ حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فأكملا قتله، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابهما ﵃. وكان ذلك - بإذن الله تعالى - بداية النصر وتشجيع المسلمين، وخذلان ورعب في قلوب المشركين (١).
стр. 219
روى البخاري عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: " أنا أوّل من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، وقال قيس بن عباد: وفيهم أنزلت ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] (١).
قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة " (٢).
فرضي الله عن جميع الصحابة وأرضاهم، فإنهم كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم، قال الله : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] (٣).
٣ - موقف علي ﵁ في يوم الأحزاب (يوم الخندق):
في سنة خمس من الهجرة كانت غزوة الخندق في شهر شوال.
وكان سبب هذه الغزوة أن جماعة من اليهود خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فتعاهدوا على حرب النبي ﷺ ، ثم خرج هؤلاء الجماعة من اليهود حتى جاءوا قبائل غطفان فدعوهم لذلك فأجابوهم ثم طافوا في قبائل العرب فاستجاب لهم من استجاب، ونقضت بنو قريظة العهد امتثالًا لأمر حي بن أخطب عندما حرض كعب بن أسد القرظي على رسول الله ﷺ ، ولما سمع رسول الله ﷺ بهم وبما أجمعوا عليه من الأمر
стр. 220
ضرب الخندق على المدينة بمشورة سلمان الفارسي فحفروا الخندق بينهم وبين العدو، وجعلوا جبل سلع من خلف ظهورهم، وقد صار المحاربون لرسول الله ﷺ خمسة أصناف هم: المشركون من أهل مكة، والمشركون من قبائل العرب، واليهود من خارج المدينة، وبنو قريظة، والمنافقون، وكان من وافى الخندق من الكفار عشرة آلاف، والمسلمون مع النبي ﷺ ثلاثة آلاف، وقد حاصروا النبي ﷺ شهرًا، ولم يكن بينهم قتال، لأجل ما حال الله به من الخندق بينهم وبين المسلمين، إلا أن فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبد وُدٍّ العامري أقبلوا فجالت بهم خيولهم، فنظروا إلى مكان ضيق من الخندق فاقتحموه، ثم جالت بهم خيولهم في السبخة بين الخندق وسلع، ودعوا إلى البراز (١).
وهذا هو موضع الشاهد لموقف علي بن أبي طالب ﵁:
قال عمرو بن عبد ودّ في هذا الموقف: من يُبارز؟ فقام علي بن أبي طالب، فقال: أنا لها يا رسول الله! فقال: " إنه عمرو، اجلس "، ثم نادى عمرو: ألا رجل يبرز؟ فجعل يؤنّبهم، ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها؟ أفلا تبرزون إلي رجلًا؟ فقام علي، فقال: أنا يا رسول الله! فقال: " اجلس " ثم نادى الثالثة. . . فقام علي ﵁، فقال: يا رسول الله أنا، فقال: " إنه عمرو "، فقال: وإن كان عمرًا! فأذن له رسول الله ﷺ ، فمشى إليه علي حتى أتى إليه، فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا علي. قال: ابن عبد مناف؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، وقال علي: يا عمرو، إنك قد كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه، قال له: أجل، قال علي: فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإِسلام، قال: لا حاجة لي
стр. 221
بذلك، قال: فإني أدعوك إلى النّزال، فقال له: لم يا ابن أخي؟ فوالله ما أحبّ أن أقتلك. قال له علي: ولكني والله أحب أن أقتلك، فغضب عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على علي وسل سيفه كأنه شعلة نار، فاستقبله علي بالترس، فشق السيف الترس، فضربه علي على حبل عاتقه، فسقط وثار الغبار، وسمع المسلمون التكبير، فعرفوا أن عليًّا قتله.
وقال علي ﵁:
نصر الحجارة من سفاهة رأيه ... ونصرت رب محمد بصوابي
فصدرت حين تركته متجدلًا ... كالجذع بين دكادك وروابي
وبعد هذه المبارزة انهزم الباقون، وخرجت خيولهم حتى اقتحمت الخندق (١).
وهكذا ظهرت الشجاعة العظيمة الحكيمة، ومن عظم هذه الحكمة أن علي بن أبي طالب ﵁ دعا عمرًا إلى الله فأبى ذلك، فدعاه إلى النزال فنزل، فقتله ﵁، فكان ذلك من أسباب نصر المسلمين بإذن الله تعالى (٢).
فظهرت حكمة علي ﵁ في هذا الموقف من عدّة وجوه، منها:
(أ) استئذانه النبي ﷺ في المبارزة.
(ب) تذكيره لعمرو بن عبد ودّ ما عاهد عليه الله من قبول ما يعرض عليه من الخصال من قريش.
стр. 222
(جـ) وعند إقرار عمرو بما عاهد اتخذ علي ذلك مدخلًا، فقال: إني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإِسلام.
(د) وعندما " امتنع من قبول هذه الدعوة دعاه إلى النزال، فلم ينزل فاستفزه ليغضبه، فلما نزل قتله ﵁، فانهزم المشركون بفضل الله، ثم بدخول الرعب في قلوبهم بهذا الموقف الحكيم.
٤ - موقف علي ﵁ في غزوة خيبر:
في السنة السابعة للهجرة سار رسول الله ﷺ إلى خيبر، وكان إذا أتى قومًا بليل لم يقربهم حتى يُصبح، فلما أصبح صبح خيبر بكرة، فخرج أهلها بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوا رسول الله ﷺ قالوا: محمد والله، محمد والخميس، فقال رسول الله ﷺ : «الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» (١).
وعندما رأى أهل خيبر الجيش رجعوا هاربين إلى حصونهم، وخرج ملكهم مَرْحَب يرفع سيفه مرة ويضعه أخرى، ويقول:
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
فبرز له عامر بن الأكوع، فقال:
قد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مغامر
فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر يضربه من أسفله، فرجع سيفه على نفسه فمات شهيدًا (٢).
стр. 223
ثم قال رسول الله ﷺ يوم خيبر: «لأعطين هذه الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله»، فبات الناس يدوكون (١) ليلتهم أيهم يُعطاها، فلما أصبحَ الناسُ غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: «أين علي بن أبي طالب؟ " قيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: " فأرسلوا إليه "، فأُتِي به فبصق رسول الله ﷺ في عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله! أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: " انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإِسلامِ، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم» (٢).
وبدأ علي ﵁ وأخذ الراية، وخرج مرحب فقال:
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
فقال علي:
أنا الذي سمتني أمي حيدره (٣) ... كليث غابات كريه المنظره
أوفيهم بالصاع كيل السندره (٤)
стр. 224
فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه (١).
فرضي الله عن علي وأرضاه، فقد قام بهذه البطولة النادرة بعد حصار النبي ﷺ لأهل خيبر قريبًا من عشرين يومًا، ثم يسّر الله فتحها على يد علي ﵁، فخرج الناس من حصونهم يسعون في السكك، فقتل النبي ﷺ المقاتلة، وسبى الذّرية، وكان في السبي صفية، ثم صارت إلى النبي ﷺ فأعتقها، وجعل عتقها صداقها، فأصبحت أُمًّا للمؤمنين (٢) وعلي ﵁ له مواقف أخرى كثيرة، تظهر فيها الحكمة العظيمة، ولكن المقامَ لا يتّسع إلا لما ذكر من المواقف السابقة، وهكذا يفعل من يرجو الله واليوم والآخر، فإن الإِنسان إذا كان همّه لله، وقلبه معلّق بالله، عمل كل ما يحبّه مولاه ﵎.
وقد ظهرت حكمة علي ﵁ في هذا الموقف من عدّة وجوه، منها:
(أ) قوله: " أُقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ "؛ فإنه ﵁ استفسر من النبي ﷺ قبل القتال، إلى أي مدى يستمر القتال، وهذا من أعظم الحكمة؛ لأن الداعية لا بد له من وضوح الهدف والغاية، وأن يكون على بصيرة من أمره.
(ب) وقوله: " أنا الذي سمتني أمي حيدرة "، وهذا فيه تذكير لمرحب؛ لأنه قد رأى في المنام أن أسدًا يقتله، فذكّره علي ﵁ بذلك
стр. 225
ليخيفه ويضعف نفسه، حتى يستولي على قتله.
(ج) وقوله: " أوفيهم بالصاع كيل السندرة "، هذا فيه إرهاب وإخبار لمرحب أن علي بن أبي طالب يقتل الأعداء قتلًا واسعًا ذريعًا.
(د) ثم ختم هذه الحكم بقتل مرحب، فهزم الله به الأعداء، ونصر المسلمين عليهم نصرًا مُؤزّرًا، فله الحمد أولًا وآخرًا.
стр. 226
المطلب الخامس
مواقف مصعب بن عمير ﵁ -
بعد بيعة العقبة الأولى في سنة إحدى عشرة من البعثة أرسل رسول الله ﷺ مع هؤلاء المبايعين أول داعية وأول سفير في يثرب، ليعلم المسلمين فيها شرائع الإِسلام، ويفقههم في الدين، وليقوم بنشر الإِسلام بين المشركين. واختار رسول الله ﷺ لهذا العمل العظيم مصعب بن عمير العبدري ﵁.
وعندما وصل مصعب إلى يثرب نزل على أسعد بن زرارة، ابن خالة سعد بن معاذ، وأخذ مصعب يؤدي مهمته في الدعوة إلى الله تعالى.
ومن أروع ما يُروَى من نجاحه وحكمته في الدعوة أن أسعد بن زرارة خرج به يومًا إلى دار بني عبد الأشهل ودار بني ظفر، فدخل به حائط بني ظفر على بئر يقال لها: بئر مرق، فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجال ممن أسلم، فسمع بهما أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ، وهما يومئذ سيدا بني عبد الأشهل، وكانا مشركين، فقال سعد لأسيد: اذهب إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا، ليسفها ضعفاءنا فازجرهما، وانههما عن أن يأتيا دارينا، فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي، ولولا ذلك لكفيتك هذا.
فأخذ أسيد حربته، وأقبل إليهما، فلما رآه أسعد قال لمصعب: هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه، فقال مصعب: إن يجلس أكلّمه.
وجاء أسيد فوقف عليهما مُتَشَتِّمًا، فقال: ما جاء بكما إلينا، تُسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة. فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كُفّ عنك ما تكره؛ فقال: أنصفت، ثم ركز حربته، وجلس إليهما.
فكلمه مصعب بالإِسلام، وقرأ عليه القرآن، فقالا: والله لعرفنا في
стр. 227
وجهه الإِسلام قبل أن يتكلّم، في إشراقه وتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا هذا الدين؟ قالا له: تغتسل، وتُطهّر ثيابك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تُصلي، فقام واغتسل وطهّر ثوبيه، وتشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلًا إن يتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن، وهو سعد بن معاذ.
ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلًا قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسًا، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، واحتال أسيد على سعد من أجل أن يذهب إلى مصعب، لكي يحدث له ما حدث له، فقام سعد بن معاذ مغضبًا وأخذ الحربة، فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدًا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف متشتمًا لهما، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة، والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، أتغشانا في دارنا بما نكره؟ وقد قال أسعد بن زرارة لمصعب: جاءك والله سيد من وراءه من قومه، إن يتبعك ما تخلّف عنك منهم اثنان.
قال مصعب لسعد: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمرًا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره، قال سعد: أنصفت. ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإِسلام، وقرأ عليه القرآن. قالا: فعرفنا والله في وجهه الإِسلام قبل أن يتكلم؛ لإِشراقه وتَسهله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين، فقام واغتسل وطهر ثوبيه، وشهد شهادة الحق، ثم ركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عائدًا
стр. 228
إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير، فلما رآه قومه مقبلًا قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيّدنا وأفضلنا رأيًا، وأيمننا نقيبة. قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قالوا: فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلمًا أو مسلمة.
ورجع مصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقام عنده يدعو الناس إلى الإِسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بني أمية، وخطمة، ووائل، وواقف، وهم من الأوس بن حارثة، فإنهم أطاعوا أبا قيس الشاعر، وهو ابن الأسلت، واسمه صيفي، فوقف بهم عن الإِسلام حتى كان بعد الخندق (١).
وهذه الاستجابة العظيمة بفضل الله ثم بفضل مصعب بن عمير ﵁، فقد ضُرِبَ به المثل في حكمته وحُسن دعوته وصبره وحلمه ورفقه وأناته عند سماع التهديد من قبل أسيد وسعد ﵃، فأثر هذا الموقف الحكيم عليهما وأسلما، وأسلم - بفضل الله ثم بإسلامهما - هذا الجمع الغفير في يوم واحد، فرضي الله عن مصعب، ورضي عن صاحبه أسعد، فقد أنقذ الله بهما مدينة كاملة، ولله الحمد والمنة.
стр. 229
المطلب السادس
موقف ضمام بن ثعلبة مع قبيلة بني سعد
بعث بنو سعد ضمام بن ثعلبة وافدًا إلى رسول الله ﷺ فقدم المدينة، وأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله، ثم دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه، وكان ضمام جلدًا، فأقبل حتى وقف على رسول الله ﷺ في أصحابه، فقال: «أيكم محمد؟ فقال الصحابة: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: ابن عبد المطلب، فقال النبي ﷺ " قد أجبتك "، فقال الرجل للنبي ﷺ : إني سائلك فمُشدّد عليك في المسألة، فلا تجد علي في نفسك. فقال: " سل عما بدا لك ". فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك؟ قال: " صدق ". قال: فمن خلق السماء؟ قال: " الله ". قال: فمن خلق الأرض؟ قال: " الله ". قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: " الله ". قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال، آلله أرسلك؟ قال: " نعم ". قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال: " صدق ". قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: " نعم ". قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا. قال: " صدق ". قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: " نعم ". قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا. قال: " صدق ". قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: " نعم ". قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلًا. قال: " صدق ". قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: " نعم ". ثم ولّى، وقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص عنهن، فقال النبي ﷺ : " لئن صدق ليدخلن الجنة» (١).
стр. 230
فأتى ضمام بعيره فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلّم به أن قال: بئست اللات والعزى. فقالوا: مه ضمام! اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون. فقال: ويلكم، إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولًا، وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به، وما نهاكم عنه. قال الراوي: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلمًا، وما سُمِعَ بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة (١).
وهذا يدل على حكمة ضمام بن ثعلبة، فإنه سأل النبي ﷺ أولًا عن صانع المخلوقات من هو؟ ثم أقسم عليه به أن يصدقه في كونه رسولًا لخالق هذه المخلوقات، ثم لما وقف على رسالته وعلمها أقسم عليه بحق مرسله. وهذا ترتيب يحتاج إلى حكمة عظيمة، وعقل رصين، وهو من حسن سؤال هذا الرجل وملاحة سياقه وترتيبه (٢).
ولم يقتصر على هذا، بل جاء بأمر آخر يدل على حكمته وصدقه في قوله، فإنه عرض على قومه الإِسلام، وبين لهم بطلان اللات والعزى، وأنهما لا يضران ولا ينفعان، وغرس الإِيمان في قلوبهم بأن الله هو الضارّ النافع، وأن ما سواه عاجزٌ عن ذلك، وحمل إليهم جميع ما سمع من رسول الله ﷺ ، فأسلموا في لحظة واحدة قبل الليل.
وهذا يدل على حكمة ضمام في دعوته قومه إلى الله - تعالى -، فقد استخدم معهم هذا الموقف الحكيم وهذا الأسلوب الناجح المسدّد، وهذا فضل عظيم لضمام ولمن وفقه الله بالدعوة إلى الله بالحكمة التي من أوتيها فقد أوتي خيرًا كثيرًا.
стр. 231
المطلب السابع
موقف سعد بن معاذ في حكمه في بني قريظة
كانت بنو قريظة أشدّ اليهود عداوة لرسول الله ﷺ ، وقد نقضوا العهد مع رسول الله ﷺ يوم الأحزاب، وتحزّبوا مع الأحزاب، ونالوا من رسول الله ﷺ بالسبّ ونقض العهد.
وبعد أن هُزِمَ الأحزاب رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، قالت عائشة ﵂: فلما رجع رسول الله ﷺ من الخندق وضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل ﵇ وهو ينفض رأسه من الغبار - فقال: قد وضعت السلاح؛ والله ما وضعته، اخرج إليهم، فقال النبي ﷺ : «فأين؟» فأشار إلى بني قريظة (١).
فخرج إليهم رسول الله ﷺ وحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، وهم في حصونهم، ثم نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فقامت إليه الأوس، فقالوا: يا رسول الله! قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت، وهم حلفاء إخواننا الخزرج، وهؤلاء موالينا فأحسن فيهم، فقال: «ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟» قالوا: بلى. قال: «فذلك إلى سعد بن معاذ». قالوا: قد رضينا. فأرسل إلى سعد بن معاذ (٢) وكان في المدينة لم يخرج معهم لجرح كان قد أُصيب به يوم الخندق، رماه رجل من قريش في الأكحل، فضرب النبي ﷺ له خيمة في المسجد ليعوده من قريب " (٣).
وقد قال سعد عندما أصيب بالجرح: " اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها؛ فإنه لا قوم أحبّ إلي من أن أجاهدهم فيك، آذوا
стр. 232
نبيك وكذبوه وأخرجوه، اللهم إن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها في شهادة، ولا تمتني حتى تقرّ عيني من بني قريظة " (١).
ووصل من أرسل رسول الله ﷺ إلى سعد، فأُركِبَ على حمار، وجاء إلى رسول الله ﷺ ، وجعل بعض الأوس يقول لسعد وهو في طريقه إلى رسول الله ﷺ : يا أبا عمرو، أحسن في مواليك، فإن رسول الله ﷺ إنما ولّاك ذلك لتحسن فيهم، فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فلما انتهى سعد إلى رسول الله ﷺ والمسلمين، قال رسول الله ﷺ : «قوموا إلى سيدكم» فلما أنزلوه، قالوا: يا سعد، إن هؤلاء قد نزلوا على حكمك، فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه إن الحكم فيهم لما حكمت؟ قالوا: نعم. قال: وعلى من هاهنا؟ في الناحية التي فيها رسول الله ﷺ وهو معرض عن رسول الله ﷺ إجْلالًا له. فقال رسول الله ﷺ : «نعم». قال سعد: فإني أحكم فيهم: أن تُقْتَل الرجال، وتُقسم الأموال، وتسبى الذراري والنساء. فقال رسول الله ﷺ : «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» (٢).
فلما حكم فيهم بذلك أمر رسول الله ﷺ بقتل كل من جرت عليه الموسى منهم، ومن لم ينبت ألحق بالذرية (٣) فحفر لهم خنادق في سوق
стр. 233
المدينة، وضربت أعناقهم، وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة (١).
وقد سأل الله سعد الشهادة إن كان الله قد وضع الحرب بين النبي ﷺ وبين قريش، وانفجر جرحه ﵁ ومات شهيدًا (٢).
الله أكبر! ما أعظم هذا الرجل وما أحكمه! فقد رَغِبَ في الشهادة، ولكنه سأل الله أن يبقيه إن كان الله لم يضع الحرب بين رسول الله ﷺ وبين قريش، وكذلك سأل الله أن لا يميته حتى يقرّ عينه من بني قريظة، فاستجاب الله له، وجعله الذي يحكم فيهم بحكمه، وعندما قال له بعض الأوس: أحسن في مواليك يا أبا عمرو، قال كلمته الحكيمة: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم.
وصدق ﵁، فقد حكم فيهم بحكم الله - تعالى - فقُتِلُوا، وأمكن الله المسلمين من أموالهم ونسائهم وذراريهم، فكان ذلك فتحًا ونصرًا للمسلمين على أعداء الله ورسوله، فرضي الله عنه وأرضاه.
ومن فضل الله عليه أن منّ عليه بالشهادة، وقال النبي ﷺ يوم موته: «اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ» (٣).
وقد ظهرت حكمته ﵁ في هذا الموقف الحكيم في النقاط التالية:
١ - رغبته في نصرة رسول الله ﷺ وجهاد أعداء الله تعالى.
٢ - ردّه الحكيم المسدّد على قومه عندما راجعوه في بني قريظة.
стр. 234
٣ - أخذه عهد الله وميثاقه على قومه أن يقبلوا حكمه، وهذا مما يضبطهم، ويحل الأزمة.
٤ - إعراضه عن رسول الله ﷺ عند أخذ العهد إجلالًا له وإكرامًا.
٥ - حكمه بحكم الله من فوق سبع سماوات، ولهذا أمر رسول الله ﷺ بإنفاذه، - فرضي الله عنه وأرضاه -، فقد أعز الله بحكمته المسلمين وأذل الكافرين.
стр. 235
المطلب الثامن
موقف الحسن بن علي ﵄
الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ ابن بنت رسول الله ﷺ ، وهو أحد علماء الصحابة وحلمائهم، وذوي رأيهم، وسيد المسلمين (١) وهو حبيب رسول الله ﷺ ، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال لحَسنٍ: «اللهم إني أحبه فأحبه، وأحبب من يحبه» (٢).
وقال أبو بكرة ﵁ رأيت رسول الله ﷺ على المنبر - والحسن بن علي إلى جنبه - وهو يقبل على الناس مرة، وعليه أخرى، ويقول: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (٣).
وقد تحقّق ما قاله رسول الله ﷺ ، فإنه عندما قُتِلَ علي بن أبي طالب ﵁ وبايع الناس الحسن بن علي ﵄، وكانت كتائب الحسن كالجبال - كما ذكره البخاري في صحيحه (٤) - فأراد الحسن أن يحقن دماء المسلمين، يجمعهم على إمام واحد يلم شملهم، فتنازل لمعاوية بن أبي سفيان، خال المؤمنين، وكاتب وحي رب العالمين (٥) - رضي الله عن جميع أصحاب رسول الله ﷺ أجمعين - فكان هذا الموقف الذي وقفه الحسن من أعظم مواقف الحكمة، ومن أبرز الأدلة الواضحة على زهد الحسن في
стр. 236
الدنيا الفانية، ورغبته في الآخرة الباقية، وحقنه دماء أمة محمد ﷺ ، فقد ترك الخلافة والملك، لا لِقِلَّة ولا لذلة، ولا لعلة، بل لرغبته فيما عند الله؛ لما رآه من حقن دماء المسلمين، فراعى أمر الدين ومصلحة الأمة (١).
وسمي هذا العام الذي تنازل الحسن ﵁ فيه لمعاوية: عام الجماعة، لاجتماع الكلمة فيه على معاوية ﵄ (٢) والمقصود أن موقف الحسن موقف حكيم عظيم سديد؛ لأنه حقن به دماء وأموال وأعراض أمة محمد ﷺ . فرضي الله عنه وأرضاه، وجزاه عن أمة محمد ﷺ خير الجزاء.
стр. 237
المطلب التاسع
مواقف جماعة من الصحابة
الصحابة ﵃ لهم مواقف كثيرة جدًّا لا يستطيع أحد أن يحصرها؛ لأنهم ﵃ باعوا أنفسهم، وأموالهم وحياتهم لله، ابتغاء مرضاته، وخوفًا من عقابه، ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة. ومن درس حياتهم، ونظر إلى تطبيقهم للإِسلام قولًا، وعملًا، واعتقادًا ازداد إيمانه، وأحبهم؛ فيحصل له بذلك محبة الله تعالى.
١ - فهذا بلال بن رباح ﵁ كان يعذبه أمية بن خلف على توحيده وإيمانه بالله - تعالى -. وقد عذبه أشد العذاب، ومن ذلك أن أمية كان يُخرجُ بلالًا إذا حميت الشمس في الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصّخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فيقول وهو في ذلك البلاء: أَحدٌ أَحدٌ، فمر به أبو بكر فاشتراه. وهذه الكلمة التي زعزعت كيان أمية بن خلف (١).
٢ - وهذا عمار بن ياسر، وأبوه ياسر، وأمه سُميّة ﵃ يُعذبون أشدّ العذاب من أجل إيمانهم بالله - تعالى -، فلم يردهم ذلك العذاب عن دينهم، لأنهم صدقوا مع الله فصدقهم الله - تعالى - ولهذا قيل لهم: «صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة» (٢) فرضي الله عنهم وأرضاهم (٣).
стр. 238
٣ - وهذا صُهيب الرومي ﵁ أراد الهجرة فمنعه كفار قريش أن يُهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرّد من ماله كله ويدفعه إليهم تركوه وما أراد، فأعطاهم ماله ونجى بدينه مهاجرًا إلى الله ورسوله وأنزل الله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] (١) فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة فقالوا له: ربحَ البيع. فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية (٢).
٤ - وهذا عبد الله بن عبد الأسد أبو سلمة وزوجته أم سلمة ﵄ يصبران على البلاء العظيم ويقفان الموقف الحكيم الذي يدل على صدقهما مع الله (٣).
كان أبو سلمة أول من هاجر من مكة إلى المدينة، قبل العقبة الثانية بسنة تقريبًا. بعد أن رجع أبو سلمة وزوجته أم سلمة من الهجرة إلى الحبشة آذته قريش، وعلم بإسلام من أسلم من الأنصار، فقرر الهجرة إلى المدينة - فرارًا بدينه - فحمل زوجته أم سلمة، وابنه سلمة وقاد بهما راحلته وخرج متجهًا إلى المدينة وقبل أن يخرج من مكة لحقه رجال من بني مخزوم فقالوا له: هذه نفسك غلبتنا عليها أرأيتك صاحبتك هذه عَلامَ نتركك تسير بها في البلاد؟ ونزعوا خطام البعير من يده، وأخذوا الراحلة وعليها أم سلمة وابنه سلمة، وغضب لذلك رجال من بني عبد الأسد وقالوا: والله لا نترك
стр. 239
ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا فتجاذب بنو مخزوم وبنو عبد الأسد الطفل حتى خُلِعَت يده، وأخذه بنو عبد الأسد وحبس بنو المغيرة أم سلمة عندهم، وانطلق أبو سلمة إلى المدينة هاربًا بدينه. قالت أم سلمة: ففرقوا بيني وبين زوجي وبيني وبين ابني فكنت أخرج كل غداة إلى الأبطح فما أزال أبكي حتى أمسي، وذلك سنة أو قريبًا منها حتى مر بي رجل من بني عمي - أحد بني المغيرة - فرأى ما بي فرحمني فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة فرقتم بينها وبين زوجها، وبينها وبين ولدها؟ قالت: فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت، قالت: وردّ بنو عبد الأسد عند ذلك ابني فارتحلت ببعيري ثم أخذت ابني فوضعته في حجري ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة وما معي أحد من خلق الله. . " (١).
الله أكبر ما أعظم هذا الموقف وما أحكمه: فقد ترك أبو سلمة زوجته وابنه، وماله، وهاجر بنفسه تاركًا نصفه وراءه من أجل دينه ويتجاذب بنو عبد الأسد وبنو المغيرة ابن أم سلمة، ويخلعوا يده وهى تنظر، وتحبس من أجل دينها، وتبكي كل يوم في الأبطح سنة أو قريبًا منها، إنه موقف عظيم وبلاء كبير أسفر عن قوة الإِيمان والصدق مع الله فنسأل الله العافية في الدنيا والآخرة، ورضي الله عن أبي سلمة وزوجته وأرضاهما، فقد جاهدا في الله، وأُوذيا في الله، وصبرا في الله، والله المستعان.
٥ - وعندما ينظر الإِنسان في موقف عبد الله بن حذافة بن قيس ﵁ عندما حاول ملك الروم أن يصدَّه عن دينه - يرى الموقف الحكيم، والرجل العظيم!
وجه عمر بن الخطاب ﵁ جيشًا إلى الروم، فأسروا
стр. 240
عبد الله بن حذافة، فذهبوا به إلى ملكهم، فقالوا: إن هذا من أصحاب محمد. فقال: هل لك أن تتنصَّر وأعطيك نصف ملكي؟ قال: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما تملك، وجميع ملك العرب، ما رجعت عن دين محمد ﷺ طرفة عين، قال: إذًا أقتلك. قال: أنت وذاك، فأُمِرَ به فصُلِبَ وقال للرّماة: ارموه قريبًا من بدنه، وهو يعرض عليه ويأبى ولم يجزع، فأنزله، وأمر بقدر فصُبَّ فيها ماء وأُغلي عليه حتى احترقت، ودعا بأسيريْنِ من المسلمين، فأمر بأحدهما، فأُلقي فيها فإذا عظامه تلوح، وهو يعرض عليه النصرانية وهو يأبى، فأمر بإلقائه في القدر إن لم يتنصّر، فلما ذهبوا به بكى، فقيل للملك: إنه بكى، فظن أنه قد جزع، فقال: ردوه، فقال: ما أبكاك؟ قال: قلت هي نفس واحدة تُلقى الساعة فتذهب فكنت أشتهي أن يكون بعدد شعري أنفس تُلقى في النار في الله، فتعجب الطاغية فقال له: هل لك أن تُقبّل رأسي وأُخلِّي عنك؟ فقال له عبد الله: وعن جميع أسارى المسلمين؟ قال: نعم، فقبّل رأسه، فخلّى عنهم، وقدم بالأسارى على عمر، فأخبره خبره. فقال عمر: حقٌّ على كلِّ مسلم أن يُقَبِّلَ رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأُ. فقبل رأسه (١).
هذا موقف عظيم حكيم، فإن عبد الله ﵁ ثبت على دينه، ولم يقبل سواه، ولو أعطى ملك كسرى ومثله معه، وملك العرب جميعًا، ثم لصدقه مع الله لم يجزع من الرّماة عندما رموه وهو مصلوب، ولم يجزع من القِدْرِ والماء المغلي وقد رأى من يُلقى في النار من الأسرى وعظامه تلوح، ومع ذلك تمنى أن يكون له عدد شعره من الأنفس تعذب في الله ومن أجل الله، وعندما رأى أن المصلحة عامة لجميع الأسرى قبَّل رأس الطاغية، لكي يخرج المسلمين من الأسر، وهذا من أعظم الحكم العظيمة. فرضي الله عن عبد الله بن حُذافة وأرضاه.
стр. 241
٦ - ومن هذه المواقف العظيمة التي تدل على قوة الإِيمان والرغبة فيما عند الله والدار الآخرة ما فعله الصحابي الجليل: خبيب بن عدي بن عامر ﵁ عندما أسرته كفار قريش وعذبته فثبت حتى قُتلَ شهيدًا ﵁.
قالت بعض بنات الحارث بن عامر: والله ما رأيت أسيرًا قطُّ خيرًا من خبيب والله لقد وجدته يومًا يأكل قِطفًا من عنبٍ في يده وإنه لمُوثَقٌ بالحديد وما بمكة من ثمرة. وكانت تقول: إنه لرزق رَزقه الله خبيبًا. فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيبٌ: دعوني أصلي ركعتين فتركوه فركع ركعتين، فقال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزعٌ لزدت. ثم قال: اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بَدَدًا، ولا تبقِ منهم أحدًا ثم أنشأ يقول:
فلستُ أُبالي حين أقتلُ مسلمًا ... على أي جنب كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإِله وإن يشأ ... يُبارك على أوْصالِ شِلوٍ ممزّع
ثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله، وكان خبيب هو سن لكلِّ مسلم قُتِلَ صبرًا الصلاة (١).
٧ - وهذا سعد بن أبي وقّاص ﵁ تَعْرض أمه عليه أن يكفر بدين محمد ﷺ ، وحلفت أن لا تكلمه، ولا تأكل ولا تشرب حتى تَموت فيعيّر بها، فيقال: يا قاتل أمه، وقالت له: زعمت أن الله وصّاك بوالديك، وأنا أمك، وأنا آمرك بهذا. قال سعد: لا تفعلي يا أُمّه إني لا أدع ديني هذا لشيء. فبقيت ثلاثة أيام لا تأكل ولا تشرب، فلما رأى سعد بن أبي وقاص ذلك منها قال لها: يا أمَّه تعلمين والله لو كان لك مائة نفس،
стр. 242
فخرجت نفسًا نفسًا، ما تركت ديني إن شئتِ فكلي أو لا تأكلي. فلما رأت ذلك أكلت (١).
قال سعد ﵁: نزلت هذه الآية في: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] (٢) وقد جعل الله سعدًا مستجاب الدعوة لدعوة النبي ﷺ «اللهم استجب لسعد إذا دعاك» (٣). ولم يقتصر الأمر على الرجال بل للنساء مواقف حكيمة.
٨ - ومن ذلك ما فعلته رملة بنت أبي سفيان أم حبيبة، أم المؤمنين ﵄، وذلك أن أباها قدم من مكة إلى المدينة يريد أن يزيد في الهدنة بينه وبين الرسول ﷺ ، فلما دخل على بنته أم حبيبة ﵂ وذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته دونه، فقال: يا بنية أرغبت بهذا الفراش عني أم بي عنه؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت امرؤ نجس مشرك، فقال: والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر (٤) قلت: والله لم يصبها إلا قوة الإِيمان ومحبة الله ورسوله ﷺ ، فقدَّمت محبة الله ورسوله على محبة والدها المشرك ولم ترضَ أن يجلس المشرك على فراش رسول الله ﷺ فرضي الله عن أم المؤمنين، فإنها لم تأخذها في الله لومة لائم، وهذا من أعظم الحكم.
والصحابة ﵃ جميعًا - رجالَاَ ونساءً، كانت أعمالهم
стр. 243
وحياتهم، ومماتهم لله لا يريدون، ولا يرغبون إلا ما يرضيه - تعالى - حتى ولو كان ذلك ببذل أحبّ الأشياء إليهم.
٩ - ومما يدل على ذلك ما فعله أنس بن النضر الأنصاري عم أنس بن مالك ﵄.
عن أنس ﵁ قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين والله لئن أشهدني الله قتال المشركين ليريَنّ الله ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم إني أعتذر إليِك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال: أي سعد والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة دون أحد، فقاتلهم حتى قتل. قال أنس: فوجدناه بين القتلى به بضع وثمانون جراحة: من بين ضربة بسيف وطعنة برمح، ورمية بسهم وقد مَثَّلوا به، فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه. ونزلت هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] (١). قال فكنا نقول: نزلت هذه الآية فيه وفي أصحابه (٢) ١٠ - كما يدل على رغبتهم فيما عند الله ما فعل عُمير بنُ الحُمَام في بدر حينما سمع الرسول ﷺ يقول لأصحابه: «قومُوا إلى جَنَّة عرضُهَا السّماوات والأرضُ " فقال: يا رسول الله جنة عرضها السّماوات
стр. 244
والأرض؟ قال: " نعم ". قال: بخ بخ (١) فقال ﷺ : " ما يحملك على قولك بخ بخ؟ "، قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: " فإنك من أهلها "، فأخرج تمرات من قرنه (٢) فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييتُ حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتَل حتى قتل» (٣).
وهذه النماذج تدل على صبر الصحابة وحكمتهم العظيمة، وصدقهم مع الله ورغبتهم فيما عنده سبحانه - من الثواب وزهدهم في الدنيا.
والصحابة ﵃ لهم مواقف حكيمة كثيرة لا تُحْصَى، ولكن ما ذكرته هنا من مواقفهم ما هو إلا بعض الأمثلة اليسيرة من المواقف الحكيمة التي تدل على حكمتهم ويستفيد منها الدعاة إلى الله - تعالى -. وأسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا. والله المستعان.
стр. 245
المبحث الثالث
مواقف التابعين
توطئة.
المطلب الأول: مواقف سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى
المطلب الثاني: مواقف الحسن بن يسار البصري رحمه الله تعالى.
المطلب الثالث: مواقف عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.
المطلب الرابع: مواقف أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
стр. 246
توطئة
التابعون هم من القرون المفضلة بنص النبي ﷺ ، فعن عبد الله بن سمعي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته» (١).
وللتابعين مواقف حكيمة يستفيد منها الدعاة إلى الله تعالى، وسأذكر - بعون الله تعالى - نماذج منها على سبيل المثال في المطالب التالية:
المطلب الأول: مواقف سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى.
المطلب الثاني: مواقف الحسن بن يسار البصري رحمه الله تعالى.
المطلب الثالث: مواقف عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.
المطلب الرابع: مواقف أبي حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله تعالى.
стр. 247
المطلب الأول
من مواقف سعيد بن المسيب ﵀
لسعيد بن المسيب (١) مواقف حكيمة تدل على علمه وحكمته ورغبته فيما عند الله تعالى (٢).
ومن هذه المواقف الحكيمة التي صدع فيها بالحق في دعوته إلى الله ولم تأخذه في الله لومة لائم ما فعله مع الحجاج بن يوسف الثقفي (٣) عندما أساء صلاته.
١ - صلى الحجاج مرة بجنب سعيد بن المسيب - قبل أن يلي شيئًا من أمور المسلمين - فجعل يرفع قبل الإِمام، ويقع قبله في السجود، فلما سلم أخذ سعيد بطرف ردائه، وبقي يقول الذّكر بعد الصلاة، والحجّاج ما زال ينازعه رداءه حتى قضى سعيد ذكره، ثم أقبل عليه يؤنبه ويؤدبه بالكلام، فلم يقل له الحجّاج شيئًا حتى صار نائبًا على الحجاز وعندما أتى المدينة نائبًا عليها، فلما دخل المسجد قصد مجلس سعيد بن المسيب حتى جلس بين يديه، فقال له: أنت صاحب الكلمات؟ فضرب سعيد صدره بيده وقال: نعم. قال: فجزاك الله من معلم ومؤدب خيرًا، ما صليت بعدك
стр. 248
صلاة إلا وأنا أذكر قولك، ثم قام ومضى (١).
٢ - قيل لسعيد بن المسيب: ما شأن الحجاج لا يبعث إليك ولا يحركك ولا يؤذيك؟ قال: والله ما أدري، إلا أنه دخل ذات يوم مع أبيه المسجد صلّى صلاة لا يتم ركوعها ولا سجودها، فأخذت كفّا من حصى فحصبته بها. قال الحجاج: فما زلت أحسن الصلاة (٢).
وهذا من أعظم المواقف الحكيمة لسعيد بن المسيب ﵀؛ فإن الحكمة وضع كل شيء في موضعه، وقد تنفع الشدة والقوة إذا كانت الحكمة تقتضي ذلك، فسعيد رأى أن من الحكمة استخدام هذا الأسلوب مع الحجاج؛ ليحسن صلاته، فنفع الله بذلك الحجاج كما ذكر هو عن نفسه، وأنه ما زال يحسن الصلاة بعد ذلك، فرحم الله سعيد بن المسيب، وجزاه خير الجزاء.
стр. 249
المطلب الثاني
من مواقف الحسن البصري ﵀ للحسن البصري (١) ﵀ مواقف حكيمة في دعوته إلى الله ، ومنها على سبيل المثال ما يلي:
١ - موقفه مع الحجاج بن يوسف الثقفي:
من حكمة الحسن أنه لا يرى الخروج على الأئمة العُصاة من المسلمين، فقد جاء جماعة من المسلمين إلى الحسن البصري يستفتونه في الخروج على الحجاج، فقالوا: يا أبا سعيد، ما تقول في قتال هذا الطاغية الذي سفك الدم الحرام، وأخذ المال الحرام. . . وفعل وفعل؟ فقال الحسن: أرى أن لا تقاتلوه؛ فإنها إن تك عقوبة من الله فما أنتم برادي عقوبة الله بأسيافكم، وإن يكن بلاء فاصبروا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين، وخرجوا من عند الحسن ولم يوافقوه، فخرجوا على الحجاج فقتلوا جميعًا (٢) ولهذا كان الحسن يقول: لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا ما لبثوا أن يفرج عنهم، ولكنهم يجزعون إلى السيف فيوكلون إليه، فوالله ما جاءوا بيوم خير قط (٣).
ومع ذلك كله فقد أراد الحجاج أن يقتل الحسن البصري مرارًا، ولكن الله عصمه منه. بعث الحجاج إلى الحسن مرة - وقد همّ به - فجاء الحسن إليه، فلما قام
стр. 250
بين يديه قال: يا حجاج، كم بينك وبين آدم من أب؟ قال: كثير. قال: فأين هم؟ قال: ماتوا. فنكس الحجاج رأسه، وخرج الحسن (١).
وهذا من حكمة الحسنِ في دعوته إلى الله، فإن الخروج على الأئمة المسلمين - ولو كانوا فسّاقًا - يسبب شرًّا كثيرًا، وفتنة عظيمة، وإزهاقًا للأرواح، وفسادًا كبيرًا، فَسدَّ الحسن الباب أمام هذه المفاسد.
٢ - موقف الحسن مع عمر بن هبيرة:
عندما ولي عمر بن هبيرة (٢). العراق أرسل إلى الحسن فقدم إليه، فقال له: إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك (٣) ينفذ كتبًا أعرف أن في إنفاذها الهلكة، واستفتاه ماذا يصنع أمام هذه الكتب؟ فقال الحسن: يا عمر بن هبيرة، يوشك أن ينزل بك ملك من ملائكة الله - تعالى - فظ غليظ، لا يعصي الله ما أمره، فيخرجك من سعة قمرك إلى ضيق قبرك، يا عمر بن هبيرة إن تتق الله يعصمك من يزيد بن عبد الملك ولا يعصمك يزيد بن عبد الملك من الله ، يا عمر بن هبيرة لا تأمن أن ينظر الله إليك على أقبح ما تعمل في طاعة يزيد بن عبد الملك نظرة مقت، فيغلق بها باب المغفرة دونك، يا عمر بن هبيرة لقد أدركت ناسًا من صدر هذه الأمة كانوا والله على الدنيا وهي مقبلة أشدّ إدبارًا من إقبالكم عليها وهي مدبرة، يا عمر بن هبيرة إني أخوفك مقامًا خوفكه الله - تعالى -، فقال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤] (٤) يا عمر بن هبيرة إن تك مع الله في طاعته