Полный текст (711 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
فحمد الله: يرحمك الله، فيرد: يهديكم ويصلح بالكم فأما إذا عطس، فلم يحمد الله، فلا تقل له: يرحمك الله. ومن حقوق المسلم على المسلم أن يعوده إذا مرض، فمن عاد أخاه المسلم لم يزل يجني ثمار الجنة حتى يرجع، وينبغي لمن عاد المريض أن يوسع له في أجله، ويدخل السرور عليه مثل أن يقول: أنت اليوم في خير، والشدة لا تدوم، والعافية قريبة إن شاء الله تعالى، وينبغي أن يذكره بفرصة الوقت يقول له: قد أعطاك الله فراغا تستطيع أن تعمره بالتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير والقراءة ونحو ذلك، وأن يذكره الوصية بما عليه من حقوق الله ومن حقوق الناس، فإن الوصية بما على الإنسان مطلوبة في حق الصحيح، فكيف في حق المريض، وينبغي لمن جلس عند المريض أن لا يطيل الجلوس عنده إلا أن يراه منبسطا به ومنشرحا، فيتبع المصلحة، وإذا رأيت المريض يحب أن تقرأ عليه، فبادره بالقراءة عليه قبل أن يسألها، واعلموا أن البشاشة وطلاقة الوجه لإخوانكم من الأمور التي تثابون عليها، فمن كان متصفا بها فليحمد الله، وليسأله المزيد من ذلك، ومن لم يكن متصفا بها، فليمرن نفسه عليها، فإن الإنسان لا يزال يمرن نفسه على الأخلاق الفاضلة حتى تكون من سجاياه وطبائعه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلى آخره.
стр. 107
[الخطبة الخامسة في آداب إسلامية]
الخطبة الخامسة
في آداب إسلامية الحمد لله الذي بين لنا أفضل المسالك وأحسن الآداب ووفق من شاء من عباده لسلوكها وهو الحكيم الوهاب وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وإليه المرجع والمآب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي قام بالأخلاق الفاضلة، وأتمها، وحذر أمته من سفاسفها وأرذلها صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين تمسكوا بآدابه، وانتهجوا مناهجها، وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس اتقوا الله تعالى، واعلموا أن ما يتصف به الناس من الأخلاق على وجهين: فأخلاق فاضلة شريفة حث الدين عليها، وأمر بها، وأخلاق رذيلة سافلة حذر عنها، وزهد بها ألا وإن من الأخلاق الفاضلة بر الوالدين بالإحسان إليهما قولا وفعلا في الحياة، وبعد الممات ألا وإن من برهما بعد الموت الدعاء لهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ وصيتهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما، ومن الأخلاق الفاضلة صلة الأرحام، وذلك بتعاهدهم بالبر والإنفاق ولطف الكلام، فإن من وصل رحمه وصله الله، ومن قطعها قطعه الله، ومن الأخلاق الفاضلة حسن الجوار، وذلك بإكرام الجار، والتودد إليه بلطف القول له، والهدية إن كان غنيا، وبالصدقة إن كان فقيرا، فما زال جبريل يوصي النبي ﷺ بالجار حتى ظن أنه سيورثه، وحتى قال النبي ﷺ لأبي ذر ﵁: «إذا طبخت مرقة، فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك» ، ومن الآداب الإسلامية الفاضلة: إفشاء السلام، وإظهاره بأن تقول لأخيك المسلم: السلام عليكم، وتشير مع ذلك للبعيد، ولمن لا يسمع، ومن يسلم مرة، فليعدها ثلاثا، ومن رد السلام، فليقل: وعليكم السلام، ولا يقتصر على قول: أهلا وسهلا، ويسلم الصغير على الكبير، والراكب على الماشي، والماضي على القاعد، والقليل على الكثير، وأولى الناس بالله من يبدؤهم السلام، ومن الآداب العالية: ما أمر به النبي ﷺ أمته من حقوق بعضهم على بعض، فقد أمرهم ﷺ بسبع؛ بعيادة المريض واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ونصر الضعيف، وعون المظلوم، وإفشاء السلام، وإبرار المقسم يعني: أن من حلف عليك أن تفعل شيئا، فمن حقه عليك أن تبر بيمينه، ولا تحنثه، ومعنى تشميت العاطس أن تقول لمن عطس، وحمد الله: يرحمك الله، ويجيبك بقوله: يهديكم الله، ويصلح بالكم. ألا وإن من الآداب الفاضلة لين الجانب، وبشاشة الوجه، وسماحة
стр. 108
الخلق، وأن لا يضمر لإخوانه المسلمين بغضا، ولا حسدا، ولا غلا، لينال بذلك حبا منهم، وإجلالا، وقربا، ومن حسن الأخلاق حسن السلوك في المعاملات بأن يكون المرء سمحا إذا باع، سمحا إذا اشترى، سمحا إذا قضى ما عليه، سمحا إذا اقتضى، وان يكون وافيا بما شرط عليه من الشروط الصحيحة، ولا يتحيل على إسقاطها بأنواع الحيل الباطلة الخسيسة. ألا وإن من الأخلاق الفاضلة: التأديب بالآداب عند الأكل والشرب، فليسم الله عند الأكل والشرب، وليحمد الله تعالى إذا فرغ، وليأكل باليمين، ويشرب باليمين، فإن الأكل بالشمال، والشرب بالشمال من التشبه بالشياطين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ - وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٩٠ - ٩١] وفقني الله وإياكم لأحسن الأخلاق وأقومها، ورزقنا بمنه القيام بعبادته فرائضها وسننها، وتوفانا على التوحيد والإيمان، وأعاذنا من الشرك والطغيان والعصيان إنه جواد كريم رؤوف رحيم.
стр. 109
[الخطبة السادسة في الصبر وأقسامه]
الخطبة السادسة
في الصبر وأقسامه الحمد لله الرب الرحيم الرحمن الحكيم بما يقتضيه في كل زمان، اللطيف بعباده حين تقلقهم الهموم والأحزان الذي وعد الصابرين أجرهم بغير عد ولا حسبان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الديان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي صبر على أقدار الله، وعلى طاعة الله، وعن معاصي الله، وعلى إيذاء بني الإنسان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اتبعوا أثرهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى، واعلموا أن الصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد، فلا إيمان لمن لا صبر له، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر، وبه يظهر الفرق بين ذوي العزائم والهمم، وبين ذوي الجبن والضعف والخور، والصبر من مقام الأنبياء والمرسلين وحلية الأصفياء المتقين، قال الله تعالى عن عباد الرحمن: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ [الفرقان: ٧٥] وقال عن أهل الجنة: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ - سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤] والصبر ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله التي يجريها إما مما لا كسب للعباد فيه، وإما مما يجريه الله على أيدي بعض العباد من الإيذاء والاعتداء، فالصبر على طاعة الله أن يحبس الإنسان نفسه على العبادة، ويؤديها كما أمره تعالى، وأن لا يتضجر منها، أو يتهاون بها، أو يدعها، فإن ذلك عنوان هلاكه وشقائه، ومتى علم العبد ما في القيام بطاعة الله من الثواب هان عليه أداؤها وفعلها، فالحسنة ولله الحمد إذا أخلص الإنسان فيها لله، واتبع رسول الله كانت بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والله يضاعف لمن يشاء، وفضل الله ليس له حد، ولا انحصار، وأما الصبر عن معصية الله، فأن يحبس الإنسان نفسه عن الوقوع فيما حرم الله عليه مما يتعلق بحق الله، أو حقوق عباده، ومتى علم ما في الوقوع في المحرم من العقاب الدنيوي والأخروي والاجتماعي والفردي، وأن ذلك مما يضر بدينه، ويضر بعاقبة أمره بل، ويضر بمجتمعه، فإن الذنوب عقوباتها في الدنيا قد تعم، ويبعث الناس على أعمالهم ونياتهم متى علم العاقل ما يقع من جراء الذنوب أوجب ذلك أن يدعها؛ خوفا من علام الغيوب، وأما الصبر على أقدار الله، فمعناه أن يستسلم الإنسان لما يقع عليه من البلاء والهموم والأسقام، وأن
стр. 110
لا يقابل ذلك بالتسخط، والتضجر، وفعل الجاهلية المنكر في الإسلام، وأن يعلم أن هذا البلاء لنزوله أسباب وحكم لا يعلمها إلا الله، وأن يعلم أن لدفعه، ولرفعه أسبابا من أعظمها لجوؤه ودعاؤه وتضرعه إلى مولاه، فهذه الأمراض التي أرسلها الله تعالى على عباده إنما هي رحمة بهم ليرجعوا إليه، وليعرفوا أنه هو المتصرف بعباده كما يشاء، فلا اعتراض عليه له الملك، وله الحمد، وله الخلق، وله الأمر، وبيده الخير، وهو على كل شيء قدير، ومع هذا فتلك الأمراض لم يحصل فيها، ولله الحمد نقص في النفوس ولا هلاك، وإنما هي أمراض يسيرة خفيفة قدرها المولى ولطف بعباده، فلله الحمد رب السماوات والأرض، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] بارك الله لي ولكم. . . . الخ.
стр. 111
[الخطبة السابعة في الصبر على أقدار الله]
الخطبة السابعة
في الصبر على أقدار الله الحمد لله الذي وعد الصابرين بغير حساب، وأثاب الشاكرين على النعم بدوامها والازدياد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، من غير شك، ولا ارتياب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد الرسل وخلاصة العباد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين والمآب وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى، وكونوا مع الصابرين، فإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، والصبر حبس النفس على طاعة الله، وحبسها عن معصية الله، وحبسها عن التسخط من أقدار الله، وما أعطي الإنسان عطاء خيرا، وأوسع من الصبر، فإذا صبر الإنسان نفسه على طاعة الله، وثابر عليها صارت غريزة له وطبيعة يفرح بفعلها، ويغنم لفقدها، وإذا صبر نفسه عن المعصية تعودت ترك المعاصي، وصارت المعاصي مكروهة لديه وبغيضة عنده يفرح بفقدها، ويغتم لوجودها حتى يوفق للتوبة منها، وإذا صبر نفسه عن التسخط من أقدار الله صار راضيا مطمئنا بما قدره الله عليه إن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له فالإنسان يصاب بمصيبة في نفسه، ومصيبة في أهله، ومصيبة في ماله، ومصيبة في أصحابه، ومصيبة في نواح أخرى، فإذا قابل هذه المصائب بالصبر وانتظار الفرج من الله صارت المصائب تكفيرا لسيئاته، ورفعة في درجاته، وقد وردت الآيات، والأحاديث الكثيرة في ذلك، فقال الله تعالى ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ - الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ - أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧] وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه: «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه، إلا حط الله من سيئاته كما تحط الشجرة ورقها، وقال لامرأة من الصحابيات: أبشري فإن مرض المسلم يذهب الله به خطاياه كما تذهب النار خبث الحديد والفضة» وقال ﷺ : «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده حتى يلقى الله تعالى، وما عليه خطيئة» وقال: «ما من مسلم يشاك بشوكة فما فوقها، إلا كتب له بها درجة، ومحيت عنه بها خطيئة» وقال: «صداع المؤمن وشوكة يشاكها، أو شيء يؤذيه يرفعه الله بها يوم القيامة درجة، ويكفر عنه بها ذنوبه» الصداع وجع الرأس، وقال ﷺ : «إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه
стр. 112
فصبر عوضته منهما الجنة» يريد عينيه، وقال ﷺ : «إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل فما يزال يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها» وقال: «ما من مسلم له ثلاثة لم يبلغوا الحنث، إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم» وقال للنساء: «ما منكن من امرأة تقدم ثلاثة من الولد، إلا كانوا لها حجابا من النار، فقالت امرأة: واثنين فقال: واثنين» . فهذه الأحاديث، وما ورد بمعناها بشرى للمؤمن يحتسب من أجلها المصائب التي يصيبه الله بها، فيصبر عليها، ويحتسب ثوابها عند الله ويعلم أن ذلك من عند الله تعالى وأن سببه من نفسه كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] اللهم إنا نسألك ان تجعلنا ممن إذا ابتلي صبر، وإذا أنعمت عليه شكر، وإذا اذنب استغفر، واغفر لنا، وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم.
стр. 113
[الخطبة الثامنة في أنواع الصبر]
الخطبة الثامنة
في أنواع الصبر الحمد لله الذي وعد الصابرين أجرهم بغير حساب، وبشر الشاكرين لنعمته بالمزيد، ووعد الكافرين بالعذاب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له عليه توكلنا وإليه المتاب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل من شكر لربه، وأناب، وأصبرهم على أحكام الله بلا ارتياب صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم المآب وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى، واعلموا أن كل أحد لا يخلو من إحدى حالين إما سراء، وإما ضراء، وأن على العبد في كليهما وظيفة يجب عليه أن يؤديها ليتمم بذلك إيمانه، فوظيفة العبد عن الضراء أن يكون من الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، فإن الله خالق العبد، ومالكه، ومدبره، والمقدر عليه ما يشاء يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، فالعبد عبد الله عليه أن يستسلم له، وأن لا يتسخط من قضائه وقدره، فإن المرجع إليه، ولا مفر منه إلا إليه، ومن أصيب بمصيبة، وأراد أن تسهل عليه، فليتذكر ما في الصبر عليها من الأجر والثواب، فإن النبي ﷺ قال: «لا يصيب المؤمن من هم، ولا غم، ولا أذى إلا كفر الله به عنه حتى الشوكة» . ومما يهون المصيبة أيضا أن يذكر نعم الله عليه التي لا تحصى، وأن يقرن تلك المصيبة بما هو أعظم منها مما ابتلى به هو أو غيره، فإنه ما من مصيبة إلا فوقها أعظم منها. وهناك صبر آخر وهو الصبر عن معاصي الله، فإن الصبر عن المعاصي يحتاج إلى معاناة ومجاهدة، فإن النفس أمارة بالسوء، إلا ما رحم ربي، وقد يصبر بعض الناس عن شيء من المعاصي، ولكنك تراه منهمكا في غيره، فتجد بعض الناس يمنع نفسه مثلا من أكل أموال الناس والخيانة فيها، ولكنه لا يمنع نفسه عن أكل لحومهم والوقوع في أعراضهم مع أن رسول الله ﷺ قرن الدماء والأموال والأعراض في حكم واحد حيث قال في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، وهناك صبر ثالث، وهو الصبر على طاعة الله، فإن طاعة الله تعالى بفعل أوامره تحتاج إلى مجاهدة النفس، وعمل الجسم، وكل هذا يحتاج إلى صبر، فالصبر ثلاثة أنواع: صبر على الأقدار، وصبر عن المعاصي، وصبر على الطاعات» . وأما الحال الثانية وهي حال السراء والرخاء والنعم، فإن على العبد فيها وظيفة الشكر، وذلك بأن يعلم أن هذه النعمة من فضل الله عليه، وأنه لولا لطف الله وتيسيره ما حصلت له
стр. 114
تلك النعمة، ثم بعد ذلك يثني بها على ربه بما أنعم به عليه من نعم ظاهرة وباطنة دينية ودنيوية، ثم يقوم بطاعة من أنعم بها عليه، فالشكر لا بد له من اعتراف بالقلب، واعتراف باللسان، وعمل بطاعة النعم في الجوارح والأركان.
فمن حقق مقام الصبر، ومقام الشكر كمل بذلك إيمانه، ونجا، ولذلك قال النبي ﷺ : «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر، فكان خير له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ - الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
стр. 115
[الخطبة التاسعة نماذج من الآداب الفاضلة وضدها]
الخطبة التاسعة
نماذج من الآداب الفاضلة وضدها الحمد لله الذي أرسل رسله بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، فهدى به من الضلالة، وبصر به من العمى، وهدى به إلى صراط مستقيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نرجو بها النجاة من العذاب الأليم والفوز بالنعيم المقيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى الكريم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى؛ وتخلقوا بمكارم الأخلاق، وتجنبوا أراذلها، فإنكم إن فعلتم ذلك هديتم إلى سنة نبيكم، ونلتم سعادة الدنيا والآخرة، أيها المسلمون: لقد جاء الإسلام آمرا، وداعيا، ومرغبا في مكارم الأخلاق، وناهيا، ومحذرا عن مساويء الأخلاق، ألا وإن من مكارم الأخلاق لزوم الصدق في الأقوال والأفعال، فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، ولقد أمر الله بالصدق، وأثنى على أهله فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وقال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ - لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٣٣ - ٣٤] ولقد رفع الله للصادقين ذكرهم في حياتهم، وبعد مماتهم، فكانوا محل ثقة الناس، وبذكرهم تطيب المجالس، ويثنى عليهم. ألا وإن من مساويء الأخلاق أن يكون الإنسان كاذبا في قوله وفعله، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب، ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا، ولقد أخبر الله تعالى في كتابه أن الكذب من صفات من لا يؤمنون بالله فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥] وقد جعل النبي ﷺ الكذب من علامات النفاق، فقال: «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» والله بحكمته وضع الكاذبين في الموضع اللائق بهم، فكانوا محلا للقدح وعدم الثقة، وذلك جزاء الكاذبين. ألا وإن من مكارم الأخلاق أن يعامل الرجل الناس بالنصيحة والمعاملة الحسنة، يعاملهم بما يجب أن يعاملوه به يعاملهم بالصراحة
стр. 116
، فلا يخون، ولا يغدر، ولا يغش، فالخيانة والغدر، والغش أخلاق ذميمة يحذر منها الدين، ويستقبحها كل عقل سليم، وهي من الفساد في الأرض، وقد أخبر الله تعالى في كتابه أن الله لا يهدي كيد الخائنين، ولا يصلح عمل المفسدين، وأخبر النبي ﷺ «أن لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به، ويخزى به بين الناس يقال: هذه غدرة فلان ابن فلان» ، وقال ﷺ : «من غشنا فليس منا» . وقال: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت، وهو غاش رعيته، إلا حرم الله عليه الجنة» . أيها المسلمون: إن من المؤسف جدا أن يتخذ بعض المسلمين من هذه الأخلاق الذميمة أخلاقا له، فيهلك نفسه، ويحط معنويته، وينقص إيمانه لقد كان بعض الناس يتخذ الكذب شطارة ومهارة، فيقابل هذا بوجه، وهذا بوجه، وشر الناس ذو الوجهين ثم يفتي نفسه بأن الكذب مباح إلا ما كان يتضمن أكلا للمال، فيجمع بين الكذب على الناس، والكذب على الشريعة، وإن من أقبح الكذب أن يقرن الكاذب قوله باليمين الكاذبة، وأقبح من ذلك أن يتضمن كذبه أكلا للمال بالباطل أيضا، فيجتمع له ثلاث مساويء الكذب، والحلف عليه، وأكل المال بغير حق، وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «من حلف على يمين يقتطع بها مال امريء مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان» وهذا ربما يوجد عند البيع والشراء والخصومة تجده أنه يحلف أنها سميت كذا وكذا، وهو يكذب، ولكن قصده أن يأخذ من أموال الناس زيادة ثمن تجده يحلف عند القاضي أن ليس في ذمته لفلان كذا، وهو كاذب، ويرى بعض الناس أن الغش والخداع حذق وعقل وغنيمة وكسب، فيفرح إذا غش غيره، أو خدعه، ويرى أن ذلك منقبة له ورفعة، والواقع أن الغش سفه، وغرم ووضيعة وهلاك وخسارة، فاتقوا الله أيها المسلمون، والزموا الأخلاق الفاضلة، وتجنبوا الأخلاق السافلة، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين، وفقني الله وإياكم لمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ورزقنا الصدق في الأقوال والأعمال، وجنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء إنه جواد كريم. أقول قولي هذا. . . الخ.
стр. 117
[الخطبة العاشرة كيف ينظر العبد إلى نعم الله]
الخطبة العاشرة
كيف ينظر العبد إلى نعم الله؟ الحمد لله اللطيف بعباده فيما يجري به المقدور المدبر لهم بحكمته وعلمه وفي الميسور والمعسور الذي فاضل بينهم في الذوات والصفات وجميع الأمور ليبلوهم أيهم أحسن عملا وهو العزيز الغفور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في التقدير والتدبير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي فاق جميع الخلق في الصبر على الضراء، والشكر عند السرور صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان على ممر الأيام والدهور، وسلم تسليما.
أما بعد أيها المؤمنون: اتقوا الله تعالى الذي خلقكم، ورزقكم، وعافاكم، وأنعم عليكم بالنعم الظاهرة والباطنة، وأولاكم، فإن المؤمن لا يزال في نعمة الله إن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وعليكم بالقناعة فإنها كنز لا ينفد، وذخر لا يفنى، فهي غنى بلا مال، وعز بلا جنود ولا رجال، فالقناعة أن يرضى الإنسان بما قدر الله له، وأن ينظر إلى من هو أدنى منه في العافية والمال والأهل، فإن ذلك أقرب إلى معرفة النعمة وشكرها، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم في هذه الأشياء، فإن ذلك يؤدي إلى القلق وكفران النعماء، فالمعافى في بدنه أو ماله أو أهله ينظر إلى من ابتلي بشيء منها ليعرف قدر نعمة الله عليه، وإذا كان هو مبتلى بشيء من ذلك، فلينظر إلى من هو أعظم ابتلاء منه، فإنه ما من مصيبة تصيب العبد إلا وفي الوجود ما هو أعظم منها فإذا كان غنيا، فلينظر إلى الفقير، وإذا كان فقيرا، فلينظر إلى من هو أفقر منه مما لا يملك الفتيل، ولا القطمير، ومهما أصيب المؤمن في شيء من دنياه، فإن ذلك ليس بشيء عند سلامة دينه الذي هو عصمة أمره في دنياه وأخراه، فدين الإسلام، ولله الحمد، هو الكسب الذي نعتز به، ونفاخر، وهو الذخر الذي نعده لليوم الآخر، الدين هو التجارة التي تنجي من العذاب الأليم، وتقرب العبد إلى المولى الرحيم، فيا أيها المبتلى اصبر على البلوى، واذكر من هو أعظم منك وأكثر، ضررا، ثم انظر إلى ما أنعم الله به عليك من الإيمان، واستعن به على مقاومة المصائب بالصبر، ومقابلة النعم بالشكران.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
стр. 118
[القسم الثالث العبادات]
[الفرع الأول الطهارة]
[الخطبة الأولى في كيفية الوضوء]
الفرع الأول
الطهارة الخطبة الأولى
في كيفية الوضوء الحمد لله الملك العظيم البر الرحيم الذي يحكم بالحق، ويقضي بالعدل إن ربي على صراط مستقيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تنقذ قائلها من العذاب الأليم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بين لأمته ما ينفعها من الخير وحذرها عن الشر الذي يوقعها في عذاب الجحيم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم في نهجهم القويم، وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى، واعرفوا ما أوجبه الله عليكم من أحكام دينكم، فإنه لا قوام للآخرة، بل ولا للدنيا، إلا بالتمسك بدين الله، والاقتداء برسول الله ﷺ ، فقد أوجب الله عليكم الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر إذا أردتم القيام للصلاة، من أراد منكم أن يصلي، فليتوضأ على الوجه المشروع، وصفة ذلك أن ينوي الوضوء، ثم يقول: بسم الله، ثم يغسل كفيه ثلاث مرات، ثم يتمضمض، ويستنشق ثلاث مرات، ثم يغسل وجهه كله ثلاثا من الأذن إلى الأذن عرضا، ومن منابت شعر الرأس إلى أسفل اللحية طولا، لا يجوز أن يفرط بشيء من ذلك، ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا، ويجب أن يلاحظ المتوضيء كفيه عند غسل ذراعيه، فيغسلهما مع الذراعين، فإن بعض الناس يغفل عن ذلك، ولا يغسل إلا ذراعيه، وهو خطأ، ثم يمسح رأسه كله بيديه من مقدمه إلى قفاه، ويمسح أذنيه، فيدخل سباحتيه في صماخيهما، ويمسح بإبهاميه ظاهرهما، ثم يغسل رجليه مع الكعبين ثلاث مرات، ومن نسي منكم أن يسمي حتى فرغ، فوضوؤه صحيح، وإن ذكر في أثنائه سمى، واستمر على وضوئه، ومن كان منكم في يده، أو غيرها من أعضاء الوضوء جرح يضره الغسل، فلا يغسله، فإن وضع عليه دواء، أو خرقة، فيجب أن يكون ذلك بقدر الحاجة، وأما ما يفعله بعض الناس من أنه إذا كان جرح في رأس إصبعه، فإنه يشد خرقة على إصبعه كله من غير حاجة، فهذا لا يجوز بل عليه أن يكون بقدر حاجته، ثم بعد ذلك يمسح عليه عند الوضوء، ولا يحتاج إلى التيمم بعد ذلك، ومن توضأ منكم، فإنه
стр. 119
ينتقض وضوءه بالحدث من ريح، أو بول، أو غائط، وبأكل لحم الإبل كله حتى الشحم، والكبد، والكلى، والأمعاء، وغير ذلك سواء أكله نيا أو مطبوخا، وكذلك ينقض الوضوء النوم الكثير، فأما النعاس، أو النوم القليل الذي يغلب على ظنه أنه لم يحدث فيه، فإنه لا ينقض، ومن تطهر، ثم شك هل أحدث، أو لا فليبن على اليقين، ولا يجب عليه أن يتوضأ؛ لأن الأصل بقاء طهارته. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
стр. 120
[الخطبة الثانية في فوائد الوضوء والمسح على الخفين والتيمم]
الخطبة الثانية
في فوائد الوضوء والمسح على الخفين والتيمم الحمد لله الذي شرع لعباده، ويسرها، وضاعف لهم عليها الأجور، وكملها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مخلصين له الدين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى، واحمدوه على ما أنعم به عليكم من هذا الدين القويم والصراط المستقيم، واعرفوا نعمته عليكم بتيسيره، وتسهيله، فإنه تعالى لم يجعل عليكم فيه حرجا، ولا مشقة، ولا تضييقا، ولا عسرة، وإنما بعث النبي ﷺ بالحنيفية السمحة، ولقد أنعم الله علينا مع التيسير والتسهيل بكثرة الأجور، والثواب الجزيل، فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم. عباد الله: إذا نظر الإنسان إلى هذه الشريعة وجدها، ولله الحمد، سهلة ميسرة في جميع أحكامها، فأصل العبادات ميسرة، ثم إذا طرأ على العبد حال توجب التخفيف خفف الله عنه بحسب حاله، فالطهارة للصلاة فرضها الله تعالى على وجه سهل يسير يطهر الإنسان في الوضوء أربعة أعضاء فقط هي الوجه أعضاء فقط هي الوجه واليدان إلى المرفقين غسلا، والرأس مسحا لا غسلا؛ لأن غسله يشق خصوصا في أيام البرد ومع كثر الشعر عليه، فإنه لو غسل لكان رطبا دائما، وتسرب من الماء إلى الثياب، فآذى الإنسان، ولكن الله خفف عن عباده، وفرض مسحه دون غسله، والعضو الرابع الرجلان إلى الكعبين غسلا هذه هي الأعضاء المفروض تطيرها في الوضوء، وما أيسر تطهيرها، وما أعظم فائدته، فإن هذه الأعضاء هي أعضاء العمل غالبا، ففي الوجه النظر والشم والكلام، وفي الرأس السمع، والتفكير، وفي اليدين البطش، وفي الرجلين المشي، فأكثر عمل الإنسان بهذه الأعضاء، فتطهيرها تكفير للأعمال التي عملها بها كما جاء ذلك في الحديث عن النبي ﷺ : «إن الرجل إذا غسل وجهه خرجت خطايا وجهه مع الماء، وإذا غسل يديه ورجليه خرجت خطايا يديه ورجليه، فإذا مسح رأسه خرجت خطايا رأسه حتى يخرج نقيا من الذنوب» وقال ﷺ : «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره يعني إكماله بمشقة مثل أيام البرد والشتاء، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، قالها ثلاثا» .
стр. 121
أيها المسلمون: إن من تيسير الله عليكم في هذا الدين أن أجاز لكم المسح على الخفين بدلا من الرجلين يعني إذا كان على رجل الإنسان كنادر أو شراب، وكان قد لبسهما، وهو طاهر، فإن الله تعالى برحمته أجاز له المسح عليهما بدلا من غسل الرجلين إن كان مقيما، فيوما وليلة، وإن كان مسافرا، فثلاثة أيام بلياليها تبتديء المدة المذكورة من أول مسحة مسحها، فإذا لبس الإنسان لصلاة الفجر، ولم يمسح عليهما أول مرة، إلا لصلاة الظهر، فابتداء المدة من الوقت الذي مسح فيه لصلاة الظهر، فيمسح المقيم إلى مثل ذلك الوقت من الغد، وإذا تمت المدة، وهو على طهارة، فطهارته باقية حتى تنتقض، فإذا انتقضت بعد تمام المدة وجب عليه غسل رجليه إذا توضأ، ثم يلبس من جديد، ومن تمت مدته، فنسي، ومسح بعد تمام المدة، فعليه أن يعيد الصلاة التي صلاها بالمسح الذي بعد تمام المدة، ومن لبس كنادر أو شرابا، فهو مخير في أول الأمر إن شاء مسح الكنادر، وإن شاء مسح الشراب، فإذا مسح أحدهما أول مرة تعلق الحكم به، فإذا قدر أنه مسح الكنادر، فليستمر على مسحهما، ولا يخلعهما حتى تتم المدة، فإن خلعهما قبل تمام المدة لنوم أو لغيره، فإنه لا يعيدهما إذا توضأ حتى يغسل رجليه؛ لأن الممسوح إذا خلع لا يعود المسح عليه، إلا بعد غسل الرجلين، أما إذا مسح الإنسان على الشراب من أول مرة، فإنه لا يضر خلع الكنادر، فله أن يستمر على مسح الشراب حتى تنتهي المدة، وكيفية المسح أن يبل يديه بالماء، ثم يمرهما على ظهر الخفين من أطرافهما مما يلي الأصابع إلى الساق مرة واحدة. ومن رحمة الله بالعبد أن من احتاج إلى ربط شيء على كسر، أو جرح، أو لزقة، فإنه يمسح عليها كلها بدلا عن غسلها في الوضوء والغسل حتى تبرأ، ويقوم مسحها مقام غسلها تيسيرا من الله وتسهيلا على عباده، ولله الحمد والمنة.
وإن من رحمة الله بعباده أن شرع لهم التطهر بالصعيد، إذا لم يجدوا الماء، أو تضرروا باستعماله، فمن لم يجد الماء لسفر أو غيره أو تضرر باستعماله لمرض أو غيره، فإنه يتيمم بأن يضرب الأرض بيديه ضربة واحدة، فيمسح وجهه وكفيه بعضهما ببعض، وبذلك يرتفع حدثه، ويكون طاهرا طهارة كاملة يصلي بها ما شاء، ولا تنتقض، إلا بما تنتقض به طهارة الماء، فإذا أوجد الماء أو أمن من الضرر توضأ، إن كان تيممه عن حدث أصغر، أو أغتسل إن كان تيممه عن حدث أكبر قال الله تعالى:
стр. 122
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
стр. 123
[الخطبة الثالثة في خصال الفطرة]
الخطبة الثالثة
في خصال الفطرة الحمد لله الذي فطر الخلق على ما تستحسنه العقول، وأيد ذلك بما أنزله على الرسول، ففطرة الله التي جبل الناس عليها خلقا أمرهم بها تعبدا وشرعا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عجزت عن إدراك حكمته الألباب، وذلت لعزته، وعظمته جميع الصعاب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بالحنيفية ملة إبراهيم الذي اجتباه ربه وهداه إلى صراط مستقيم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجهم القويم وسلم تسليما.
أما بعد: أيها المؤمنون اتقوا الله تعالى، وأقيموا وجوهكم للدين حنفاء متمسكين بالفطرة التي فطر الناس عليها، وهي طهارة الباطن والظاهر، فأما طهارة الباطن، فهي تطهير القلب من الإشراك، وإخلاص العبادة لله وحده، والقيام بالأعمال الصالحات، وأما طهارة الظاهر، فمنها ما في الصحيح صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ ، قال: «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء يعني: الاستنجاء» قال الراوي، ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة، وفي حديث أبي هريرة ﵁ أن الختان من الفطرة، فهذه الأشياء العشرة كلها طهارة، وتنظيف تقضي بها الفطرة، وتستحسنها العقول، كما أن الشرع قد جاء بها، وحث عليها، فمنها قص الشارب وإحفاؤه، فإن بقاءه يجمع الأوساخ التي تمر به من الأنف، فإذا شرب الإنسان تلوث شرابه بها، فجاء الشرع والفطرة بإحفائه، وأما إعفاء اللحية وهو عدم التعرض لها بقص أو حلق أو نتف، فلأن الله خلقها تمييزا بين الذكور والإناث، وإظهارا للرجولية، والقوة، ولذلك لا تظهر إلا عند الحاجة إليها في وقت قوة الإنسان وجلده وتكليفه بمهمات الأمور أما في حال صغره، فلا تظهر؛ لأنه حينئذ لا يتحمل الأعباء، فجاء الشرع والقدر والفطرة بوجودها وإبقائها، وقد أمر النبي ﷺ بإعفائها وإرخائها وتوفيرها، وقال: خالفوا المشركين، وفروا اللحي، واحفوا الشوارب، وكان ﷺ وأصحابه قد هدوا إلى الفطرة، فكانوا يوفرون لحاهم، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وأصحابه، فإنهم على النور المبين والصراط المستقيم، فحلق اللحية حرام؛ لأنه خروج عن الفطرة، ومخالفة للرسل وأتباعهم، وموافقة للمشركين، وتغيير لخلق الله تعالى بلا إذن منه، وليس إبقاء اللحية من الأمور العادية كما يظنه بعض الناس، وإنما هو من
стр. 124
الأمور التعبدية التي أمر بها رسول الله ﷺ ، والأصل في أوامر النبي ﷺ التعبد والوجوب حتى يقوم دليل على خلاف ذلك قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] الفتنة فتنة الدين قد يرد المرء أمر النبي ﷺ ، فيزيغ قلبه، فيهلك، والنبي ﷺ أمر بإعفاء اللحية، وأمر بمخالفة المشركين، فإذا فرض أن من المشركين الآن من يعفي لحيته، فإننا لن نترك أمر النبي ﷺ بإعفائها من أجل أن بعض المشركين يعفيها، لأن المشرك الذي يعفيها هو المتشبه بنا، ولسنا نحن المتشبهين به، ومن الفطرة السواك، لأن فيه تنظيفا للأسنان، وما يتسوك عليه من الفم، ويتأكد السواك عند المضمضة في الوضوء، وعند الصلاة، وعند القيام من النوم، وإذا دخل الإنسان بيته؛ لأن النبي ﷺ إذا دخل البيت، فأول ما يبدأ به السواك، ومن الفطرة استنشاق الماء؛ لأنه ينظف الأنف من الأوساخ، وقص الأظفار من الفطرة؛ لأن الأظفار إذا طالت اجتمع فيها من الأوساخ ما يكون ضررا على الإنسان، وغسل البراجم من الفطرة والبراجم هي الفروض التي بين مفاصل الأصابع؛ لأنها قد تجمع أوساخا، فمن الفطرة تعاهدها، وغسلها، ومن الفطرة نتف الآباط؛ لأن الشعر فيها يجمع أوساخا تحدث منها رائحة كريهة، والنتف يزيل الشعر، ويضعف أصولها، فمن لم ينتف الإبط، فليلحقه، أو يجعل فيه شيئا يزيله، وحلق العانة من الفطرة، وهي الشعر النابت حول القبل؛ لأن في ذلك تقوية للمثانة، ولأن بقاء الشعر يجمع أوساخا قد يكون فيه ضرر على المثانة التي هي مجمع البول، وقد وقت النبي ﷺ في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة أن لا تترك أكثر من أربعين ليلة، وأما الاستنجاء، فإنه من الفطرة، لأنه تطهير للمحل الذي يخرج منه البول أو الغائط. وأما الختان وهو ما يسمى بالطهار فهو من الفطرة؛ لأنه يكمل الطهارة، وفعله في زمن الصغر أفضل. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ - مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ - مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٠ - ٣٢] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . الخ.
стр. 125
[الخطبة الرابعة في حكم اعفاء اللحية وتغيير الشيب]
الخطبة الرابعة
في حكم إعفاء اللحية وتغيير الشيب الحمد لله الذي فطر الخلق على الدين القيم ملة محمد وإبراهيم، ووفق من شاء برحمته، فاستقام على هدى النبيين والمرسلين، وخذل من شاء بحكمته، فرغب عن هديهم وسنتهم، وكان من الخاسرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرجو بها الفوز بدار النعيم والنجاة من العذاب الأليم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل الخلق طريقة وأقومهم شريعة وأقربهم إلى الخير العميم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
عباد الله: لقد كان النبي ﷺ يقول إذا خطب يوم الجمعة: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها» . ولقد صدق رسول الله ﷺ فإن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، والهدي هو الطريق والشريعة التي كان عليها رسول الله ﷺ في العبادات والمعاملات والأخلاق الظاهرة والباطنة، ولقد كان من أخلاق النبي ﷺ ، وهديه الكامل إعفاء اللحية، وإحفاء الشارب قال جابر بن سمرة: كان النبي ﷺ كثير شعر اللحية؛ لأنه كان ﷺ يعفي لحيته، وكذلك الأنبياء الكرام قبله، قال الله تعالى عن هارون أنه قال لموسى: ﴿يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤] وكما كان النبي ﷺ يعفي لحيته، فقد أمر أمته بذلك كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: «وفروا اللحي واحفوا الشوارب» فاجتمع في هاتين الفطرتين أعني إحفاء الشوارب، وإعفاء اللحى قول النبي ﷺ وفعله، وتبين أن هذا هو هديه، وهدي الأنبياء قبله، وقد قال النبي ﷺ : «خير الهدي هدي محمد ﷺ » فتمسكوا أيها المسلمون بهدي نبيكم، فإنه خير لكم في الدنيا والآخرة، إن التمسك بهديه يورث الوجه نضرة، والقلب سرورا، والصدر انشراحا، والبصيرة نورا إن الحياة الطيبة، ونعيم القلب والروح لا يحصلان إلا بالإيمان والعمل الصالح، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] ولا سيما إذا التزم العبد شريعة الله مع قوة الداعي إلى مخالفتها، فإن ذلك أعظم لأجره، وأكمل لإيمانه، فالإنسان ربما يشق عليه إعفاء اللحية؛ لأنه ينظر إلى أناس نظراء له قد حلقوا لحاهم فيحلق لحيته اتباعا
стр. 126
لهم ولكن هذا في الواقع استسلام للهوى وضعف في العزيمة، وإلا فلو حكم عقله، وقارن بين مصلحة إعفائها، ومضرة حلقها لهان عليه إعفاؤها، وسهل عليه الأمر، ولعله أن يكون باب خير لنظرائه وأشكاله، فيقتدون به لا سيما إذا كان عنده قدرة على الكلام والإقناع وإذا كان إبقاء اللحية شاقا عليه لما ذكرناه كان أجره عند الله أكبر وأعظم، ولقد كان بعض الناس يظن أن إعفاء اللحية، أو حلقها من الأمور العادية التي يتبع الناس فيها عادة أهل وقتهم، وهذا ظن غير صحيح، ذلك لأن النبي ﷺ أمر بإعفائها، وما أمر به النبي ﷺ فامتثال أمره فيه عبادة، ثم لو فرض أنه عادة، فلنسأل أيما أفضل عادة أمر النبي ﷺ بها، وفعلها بنفسه، وفعلها الأنبياء قبله، وجرى عليها السلف الصالح من الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين لهم بإحسان أيما أفضل عادة هؤلاء أم عادة قوم يخالفونهم في ذلك؟ وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن حلق اللحية حرام، وقال شيخنا عبد الرحمن السعدي في خطبة له: أيها الناس اتقوا الله، وتمسكوا بهدي نبيكم المصطفى، وامتثلوا أوامره، واجتنبوا ما عنه زجر ونهى، فقد أمركم بحف الشوارب، وإعفاء اللحى، وأخبركم أن حلق اللحى وقصها من هدي الكفار والمشركين، ومن تشبه بقوم فهو منهم إلى أن قال: فالله الله عباد الله في لزوم دينكم، ولا تختاروا عليه سواه، فوالله ما في الاقتداء بأهل الشر إلا الخزي والندامة، ولا في الاقتداء بنبيكم ﷺ إلا الصلاح والفلاح والكرامة، وإياكم أن تصبغوها بالسواد، فقد نهى عن ذلك خير العباد هذا كلام شيخنا عبد الرحمن السعدي ﵀، وقال شيخنا عبد العزيز بن باز في جواب له في مجلة الجامعة الإسلامية عن سؤال يقول: ما حكم حلق اللحى أو تقصيرها هل هو مكروه أو محرم؟ فأجاب قد ثبتت الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ ما يدل على أن ذلك محرم ومنكر فالواجب على كل مسلم تركه والحذر منه، ولا ينبغي للمسلم أن يغتر بكثرة من فعل ذلك من المسلمين، فإن الحق أحق بالاتباع، ولو تركه الناس. أهـ.
أيها المسلمون إن الاقتداء بالنبي ﷺ وأصحابه هو التقدم الصحيح، وهو القوة الحقيقية، وهو الجمال النافع، وهو الحياة السعيدة والمآل الحميد، فالإنسان الآن قد يكون ساهيا سادرا في حياته، ولكنه سينتبه، ويستيقظ عند مماته، عند مفارقته دنياه وأهله وماله، وسيتمنى حين لا ينفعه التمني أن لو كان متمشيا على هدي النبي ﷺ وأصحابه الكرام وفقني الله وإياكم
стр. 127
لسلوك عباده الأخيار، وقوانا على هوانا بالعزائم الصادقة على فعل النافع وترك الضار إنه جواد كريم رؤوف رحيم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 128
[الفرع الثاني الصلاة وما يتعلق بها]
[الخطبة الأولى الصلاة وحكمة تشريعها]
الفرع الثاني
الصلاة وما يتعلق بها الخطبة الأولى
الصلاة وحكمة تشريعها الحمد لله الذي فرض على عباده الصلوات لحكم عظيمة وأسرار، وجعل هذه الصلوات مكفرات لما بينهن من صغائر الذنوب والأوزار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العظمة والعزة والاقتدار وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام المتقين الأبرار صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه البررة الأطهار وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى، واعرفوا ما لله من الحكم العظيمة فيما أمركم به من العبادات، وفيما نهاكم من موجبات الإثم والسيئات، فإن الله تعالى لم يأمركم بالعبادة لاحتياجه إليكم، فإن الله غني عن العالمين، وإنما أمركم بما أمركم به لاحتياجكم إليه وقيام مصالحكم الدينية والدنيوية عليه، فالعبادات التي أمر الله بها كلها صلاح للأبدان، وصلاح للقلوب، وصلاح للأفراد، وصلاح للشعوب، وإذا صلحت القلوب صلحت الأبدان، قال النبي ﷺ : «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» . أيها الناس إنكم محتاجون إلى ربكم، ومضطرون إليه ليس بكم غنى عنه طرفة عين، فاعبدوه، واشكروه، وأديموا ذكره وشكره، ولقد شرع الله لكم من العبادات ما يقربكم إليه، ويستوجب الأجر والثواب شرع لكم هذه الصلوات الخمس التي تطهر القلوب من الذنوب، وتوصل العبد إلى غاية المطلوب الصلوات التي هي صلة بين العبد وبين خالقه وفاطره، يطهر ظاهره وباطنه حين يريد الصلاة، فيأتي إليه بطهارة الباطن والظاهر، ويقف بين يدي ربه خاشعا خاضعا لا يلتفت بقلبه، ولا بوجهه قلبه متصل بالله ووجهه إلى بيت الله، فهو متوجه إلى ربه ظاهرا وباطنا يتلو كتابه، ويتدبر ما يقوله ربه من أوامر ونواهٍ، ويتأمل ما يتلوه من أحسن القصص التي بها المواعظ والاعتبار إذا مرت به آية رحمة طمع في فضل الله، فسأل الله من فضله، وإذا مرت به آية وعيد خاف من عذاب الله، فاستعاذ به منه، ثم يركع حانيا ظهره، ورأسه تعظيما لله الرب العظيم، فيقول: سبحان ربي العظيم مستحضرا بذلك
стр. 129
عظمة من لانت لعظمته الصعاب، وخضعت لعزته الرقاب، فيكون معظما لله بقلبه ولسانه وجسده بظاهره وباطنه، ممتثلا بذلك أمر ربه ورسوله حيث يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] ويقول سبحانه: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] قال النبي ﷺ : «اجعلوها في ركوعكم» ، ثم بعد أن يقول ما شاء الله من تعظيم ربه يرفع رأسه مثنيا على ربه حامدا له على إحسانه الكامل، وصفاته العليا، فإنه المحمود على كل حال المشكور بكل لسان، ثم بعد ذلك يخر ساجدا واضعا أعلى جوارحه وأشرف أعضائه على الأرض جميع أعضائه العاملة الوجه واليدان والرجلان كلها لاطئة في الأرض ليس فيها شيء عال على شيء، وحينئذ يستحضر من تنزه عن السفول يستحضر علو الرب الأعلى، فيقول: سبحان ربي الأعلى، ينزه ربه عن السفول، ويصفه بالعلو المطلق، فإنه تعالى عال بذاته، عال بصفاته، فهو فوق كل شيء، وصفاته أعلى الصفات، وأكملها ومن أجل هذا التواضع الذي يضع الساجد فيه نفسه تعظيما لربه كان أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فبعد أن يسبح ربه الأعلى يدعو الله تعالى بما أحب، قال النبي ﷺ : «وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن -أي حري- أن يستجاب لكم» . وبعد هذا السجود، والذل لله يقوم، فيجلس جلسة الخاضع واضعا يديه على فخذيه يسأل ربه المغفرة والرحمة والعافية، ويختم صلاته بتعظيم الله تعالى ووصفه بما هو أهله التحيات لله، الصلوات، الطيبات، ويسلم على نبي الله، ثم على نفسه، ومن معه، ثم على كل عبد صالح في السماء والأرض، ثم يعود للصلاة والتبريك على نبي الله ﷺ ، ثم يستعيذ بالله من مضار الدنيا والآخرة يقول: أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، ويدعو بما شاء، فالمصلي أيها المسلمون متنقل في رياض العبادة ما بين قيام، وقعود، وركوع، وسجود، وقراءة، وذكر، ودعاء قلبه عند ربه في كل هذه الأحوال، فأي نعيم أعظم من هذا النعيم، وأي حال أطيب من هذه الحال؟ ولهذا كانت الصلاة قرة عيون المؤمنين، وروضة أنس المشتاقين، وحياة قلوب الذاكرين، فتثمر نتائجها العظيمة، ويخرج المصلي بقلب غير قلبه الذي دخل به فيها يخرج بقلب ممتلئ نورا وسرورا وصدر منشرح للإسلام فسيحا، فيجد نفسه محبا للمعروف كارها للمنكر، ويتحقق له قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] عباد الله إن عبادة هذه نتائجها
стр. 130
وعملا هذا شأنه لجدير بنا أن نسعى لتحقيقه، والعناية به، وأن نجعله نصب أعيننا، وحديث نفوسنا، والله نسأل أن يعيننا على ذكره، وشكره، وحسن عبادته، وأن يعيذنا من نزعات الشيطان، وصده، وأن يجعلنا ممن حقق قول الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] إنه جواد كريم.
стр. 131
[الخطبة الثانية في العناية بالصلاة والخشوع فيها]
الخطبة الثانية
في العناية بالصلاة والخشوع فيها الحمد لله الذي فرض على عباده الصلوات لحكم بالغة وأسرار، وجعلها صلة بين العبد وبين ربه ليستنير بذلك قلبه، ويحصل له المطلوب في الدنيا ودار القرار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، العزيز الغفار، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى المختار صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان آناء الليل والنهار، وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى؛ وحافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وقوموا لله قانتين حافظوا على الصلوات بأداء أركانها وشروطها وواجباتها، ثم كملوها بفعل مستحباتها، فإن الصلاة عمود الدين، ولا دين لمن لا صلاة له. أيها المسلمون لقد فرضت الصلاة على نبيكم من الله تعالى إليه بلا واسطة، وفرضت فوق السماوات العلى، وفرضت خمسين صلاة حتى خفضت إلى خمس صلوات بالفعل، وخمسين بالميزان ألم يكن هذا أكبر دليل على فضلها والعناية بها. الصلاة صلة بين العبد وبين ربه، يقف بين يديه مكبرا معظما يتلو كتابه ويسبحه ويعظمه ويسأله من حاجات دينه ودنياه ما شاء جدير بمن كان متصلا بربه أن ينسى كل شيء دونه، وأن يكون حين هذه الصلة خاشعا قانتا معظما مستريحا، ولذلك كانت الصلاة قرة أعين العارفين، وراحة قلوبهم لما يجدون فيها من اللذة والأنس بربهم ومعبودهم ومحبوبهم جدير بمن اتصل بربه أن يخرج من صلاته بقلب غير القلب الذي دخلها فيه أن يخرج منها مملوءا قلبه فرحا وسرورا وإنابة إلى ربه وإيمانا، ولذلك كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر لما يحصل للقلب منها من النور والإيمان والإنابة جدير بمن عرف حقيقة الصلاة وفائدتها وثمراتها أن تكون أكبر همه وأن يكون منتظرا إليها مشتاقا إليها ينتظر تلك الساعة بغاية الشوق حتى إذا بلغها ظفر بمطلوبه، واتصل اتصالا كاملا بمحبوبه.
أيها المسلمون: إن كثيرا من المصلين لا يعرفون فائدة الصلاة حقيقة، ولا يقدرونها حق قدرها، ولذلك ثقلت الصلاة عليهم، ولم تكن قرة لأعينهم، ولا راحة لأنفسهم، ولا نورا لقلوبهم، ترى كثيرا منهم ينقرون الصلاة نقر الغراب لا يطمئنون فيها، ولا يذكرون الله فيها إلا قليلا، وهؤلاء لا صلاة لهم، ولو صلوا ألف مرة؛ لأن الطمأنينة في الصلاة ركن من أركانها، ولذلك «قال النبي ﷺ للرجل الذي كان لا يطمئن في صلاته: (ارجع فصل، فإنك لم تصل) . فصلى
стр. 132
عدة مرات، وكل مرة يقول له النبي ﷺ : ارجع فصل، فإنك لم تصل، حتى علمه النبي ﷺ ، وأمره بالطمأنينة» ، وتجد كثيرا من الناس إن لم يكن أكثر الناس يصلي بجسمه لا بقلبه جسمه في المصلى، وقلبه في كل واد، فليس في قلبه خشوع؛ لأنه يجول، ويفكر في كل شيء، حتى في الأمور التي لا مصلحة له منها، وهذا ينقص الصلاة نقصا كبيرا، وهو الذي يجعلها قليلة الفائدة للقلب بحيث يخرج هذا المصلي من صلاته، وهي لم تزده إيمانا ولا نورا، وقد فشا هذا الأمر أعني الهواجيس في الصلاة، ولكن الذي يعين على إزالته هو أن يفتقر العبد إلى ربه، ويسأله دائما أن يعينه على إحسان العمل، وأن يستحضر عند دخوله في الصلاة أنه سيقف بين يدي ربه وخالقه الذي يعلم سره ونجواه، ويعلم ما توسوس به نفسه، وأن يعتقد بأنه إذا أقبل على ربه بقلبه أقبل الله عليه، وإن أعرض أعرض الله عنه، وأن يؤمن بأن روح الصلاة ولبها هو الخشوع فيها وحضور القلب، وأن الصلاة بلا خشوع القلب كالجسم بلا روح، وكالقشور بلا لب، ومن الأمور التي تستوجب حضور القلب أن يستحضر معنى ما يقول، وما يفعل في صلاته، وأنه إذا كبر، ورفع يديه، فهو تعظيم لله، وإذا وضع اليمنى على اليسرى، فهو ذل بين يديه، وإذا ركع، فهو تعظيم لله، وإذا سجد، فهو تطامن أمام علو الله، وأنه إذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] أجابه الله من فوق عرشه قائلا: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] قال الله: مجدني عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] قال الله: هذا بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، هكذا يجيبك مولاك من فوق سبع سموات، فاستحضر ذلك، وإنك إذا قلت: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، وإن كنت تقولها بصوت خفي، فإن الله تعالى يسمع ذلك، وهو فوق عرشه، فما ظنك إذ آمنت بأن الله تعالى يقبل عليك إذا أقبلت عليه في الصلاة، وإنه يسمع كل قول تقوله، وإن كان خفيا، ويرى كل فعل تفعله، وإن كان صغيرا، ويعلم كل ما تفكر فيه، وإن كان يسيرا، إذا نظرت إلى موضع سجودك، فالله يراك، وإن أشرت بأصبعك عند ذكر الله في التشهد، فإنه تعالى يرى إشارتك، فهو تعالى المحيط بعبده علما وقدرة وتدبيرا وسمعا وبصرا، وغير ذلك من معاني ربوبيته. فاتقوا الله تعالى، أيها المسلمون، وأقيموا صلاتكم، وحافظوا عليها، واخشعوا فيها، فقد قال ربكم في كتابه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]
стр. 133
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ - إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ - فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ - أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ - الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣ - ١١] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 134
[الخطبة الثالثة في حكم المحافظة على الصلاة وعقوبة من أضاعها]
الخطبة الثالثة
في حكم المحافظة على الصلاة وعقوبة من أضاعها الحمد لله الذي فرض الصلوات على عباده رحمة بهم، وإحسانا، وجعلها أعظم صلة بينه وبين عباده، فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأنعم بقرب مولانا، والحمد لله الذي رتب على إقامتها سعادة وبرا واحسانا، وتوعد من أضاعها، أن يلقى غيا وشقاء، وهوانا، وذلك ليحرص العباد على فعلها، ويحذروا من التهاون بها، فما أجدرنا بالشكر، وأولانا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الجواد العظيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي الكريم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى، وأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا عظموها، فقد عظمها الله إذ فرضها على نبيه ﷺ من غير واسطة من فوق سبع سموات، هي عمود الدين، وآخر ما تفقدون من دينكم، فهل يستقيم الدين بلا عماد، وهل يبقى في الدين شيء إذا ذهب آخره، ألم تعلموا أن الصلوات الخمس مكفرات لما بينهن من صغائر الذنوب؟ ألم تعلموا أن النبي ﷺ شبهها بنهر يغتسل منه الإنسان كل يوم خمس مرات فهل يبقى بعد ذلك في جسده شيء من الأوساخ والعيوب؟ ألم تعلموا أن من حافظ عليهن كانت له نورا في قلبه وقبره، ويوم القيامة، وكانت له حجة، وبرهانا، ونجاة من العذاب لقد امتدح الله أباكم اسماعيل بأنه كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، وقال النبي ﷺ : «من حافظ على الصلوات الخمس ركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وعلم أنهن حق من عند الله دخل الجنة، أو قال: وجبت له الجنة» عباد الله إن لكم الخير الكثير في المحافظة على الصلوات وإقامتهن فهن عون لكم على أمور دينكم ودنياكم: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] أيها المسلمون: لقد حذركم الله من إضاعة الصلاة، والاستخفاف بها، فقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا - إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [مريم: ٥٩ - ٦٠] وقال النبي ﷺ : «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة» ، وقال: «من حافظ عليها يعني الصلوات كانت له نورا، وبرهانا، ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عيها لم يكن له نور، ولا برهان، ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف» ، وقال: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح، وأنجح، وإن فسدت، فقد خاب، وخسر» ألا وإن من أعظم صلاحها أن
стр. 135
يخشع فيها قلبك، وتخشع فيها جوارحك، فأما خشوع القلب، فحضوره، واستحضاره بأن يحرص المصلي غاية ما يقدر عليه على إحضار قلبه، واستحضاره لمعاني ما يقول، ويفعل فإن الخشوع روح الصلاة ولبها ومعناها، وإن صلاة بلا خشوع كجسد بلا روح، وكلام بلا معنى، وفي الحديث عن النبي ﷺ : «إن الرجل لينصرف، وما كتب له إلا عشر صلاته تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها» . يعني والله أعلم أن ذلك على حسب حضور قلبه فيها وإحسانها وأما خشوع الجوارح فمعناه أن يحرص غاية الحرص على إتباع هدي النبي ﷺ في حركاته وسكناته في ركوعه وفي سجوده في قيامه وفي قعوده، وأن يحرص على أن لا يتحرك إلا لحاجة، ألا وأن من صلاح الصلاة أن تطمئن في القيام والقعود والركوع والسجود، فمن نقر صلاته، ولم يطمئن فيها فلا صلاة له ولو صلى مئة مرة حتى يطمئن فيها، ألا وإن من صلاح الصلاة أن يؤديها جماعة في المساجد، فإن ذلك من واجبات الصلاة التي دل على مشروعيتها الكتاب والسنة.
لقد خاب قوم تهاونوا بصلاتهم حتى ثقلت عليهم فأشبهوا بذلك المنافقين تجد أحدهم تحبسه الحاجة الدنيوية ساعة أو ساعتين أو أكثر من ذلك، ولو كانت قليلة وزهيدة، ولا يستطيع أن يصبر عشر هذا الزمن للصلاة المكتوبة الصلاة عنده أثقل من الجبال وتنعيم بدنه، واتباع لذاته عنده هو رأس المال، فما أعظم خسارته، وما أطول ندمه عند أخذ الكتب باليمين وبالشمال. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . الخ.
стр. 136
[الخطبة الرابعة في الحث على الصلاة وأدائها جماعة]
الخطبة الرابعة
في الحث على الصلاة وأدائها جماعة الحمد لله الذي فرض الصلاة على العباد رحمة بهم وإحسانا، وجعلها صلة بينهم وبينه ليزدادوا بذلك إيمانا، وكررها كل يوم حتى لا يحصل الجفاء، ويسرها عليهم حتى لا يحصل التعب والعناء، وأجزل لهم ثوابها، فكانت بالفعل خمسا وبالثواب خمسين فضلا منه وامتنانا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خالقنا ومولانا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أخشى الناس لربه سرا وإعلانا الذي جعل الله قرة عينه في الصلاة، فنعم العمل لمن أراد من ربه فضلا ورضوانا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى، وحافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين. عباد الله الصلاة عمود دينكم وقوامه، فلا دين لمن لا صلاة له، لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، إقامة الصلاة إيمان، وإضاعها كفر، من حافظ عليها كانت له نورا في قلبه ووجهه وقبره وحشره، وكانت له نجاة يوم القيامة، وحشر مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور، ولا نجاة يوم القيامة، وحشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف. أيها المسلمون كيف تضيعون الصلاة، وهي الصلة بينكم وبين ربكم إذا لم يكن بينكم وبين ربكم صلة، فأين العبودية، وأين المحبة لله والخضوع له لقد خاب، وخسر قوم إذا سمعوا داعي الدنيا وزهرتها لبوا سراعا، وإذا سمعوا منادي الله يدعو: حي على الصلاة، حي على الفلاح تغافلوا عنه، وولوا دبارا. أيها المسلمون، ألم تعلموا أن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله. يا أمة محمد من منكم عنده أمان من الموت حتى يتوب، ويصلي، أليس كل منكم يخشى الموت ولا يدري أيصبحه أم يمسيه، ألم يكن الموت يأخذ الناس بغتة وهم لا يشعرون، أما هجم على أناس وهم في دنياهم غافلون، أما بغت أناسا خرجوا من بيوتهم، ولم يرجعوا، فمن منكم أعطى أمانا ألا يكون حاله كهؤلاء. أيها المسلمون وماذا بعد هذا الموت الذي لا تدرون متى يفجؤكم؟ لا شيء بعده سوى الجزاء على ما قدمتم إما خير، فتسرون به، وإما شر فتساؤن به، وتندمون، فإن الإنسان إذا مات انقطع عمله، ولم يبق إلا الجزاء. أيها المسلمون، إذا كنتم تعترفون بذلك، ولا تنكروه، أفليس من الجدير بكم أن تبادروا
стр. 137
التوبة إلى ربكم والرجوع إليه، والقيام بطاعته واجتناب معصيته. أيها المسلمون، أيها المؤمنون بمحمد ﷺ ، وما أنزل إليه من ربه إن مما هو واجب عليكم في صلاتكم أن تؤدوها في المساجد جماعة مع المسلمين، فإن ذلك من واجباتها، ومن إقامتها، ومن حفظها المصلي مع الجماعة قائم بما فرض الله عليه والمتخلف عن الجماعة بلا عذر عاص لربه مخاطر بصلاته، فإن بعض علماء المسلمين يقول: من ترك الصلاة مع الجماعة بدون عذر، فصلاته باطلة لا تبرأ بها ذمته.
المصلي في الجماعة هو الكيس الحازم الحائز للغنمية، فإن الصلاة مع الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، والمتخلف عن الجماعة كسول مهمل محروم، وما أشبه حاله بحال المنافقين الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢] وقال فيهم نبيه ﷺ : « (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، والذي نفس محمد بيده لو يجد أحدهم عرقا سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء والعرق عرموش العظم) » . والمرماة ما بين الضلعين من اللحم والمعنى أن النبي ﷺ أقسم أن هؤلاء المنافقين لو يعلمون أنهم يجدون شيئا حقيرا من الدنيا لسارعوا إليه، والواقع أن حال كثير من هؤلاء المتخلفين هي كما ذكر النبي ﷺ عن حال المنافقين، فإن أحدهم لو كان له شغل من الدنيا وقت طلوع الفجر لوجدته يرقب النجوم، ويعد الساعات لعله يأتيه هذا الموعد. المصلي مع الجماعة يصليها بنشاط وطمأنينة، فإن الناس بلا شك ينشط بعضهم بعضا على العبادة والمتخلف عن الجماعة تثقل عليه الصلاة، فيصليها بكسل، وإسراع ينقرها نقر الغراب، وربما آخرها عن وقتها هو الخسار والدمار. صلاة الجماعة تجلب المودة والألفة والاتفاق، وتنير المساجد بذكر الله، وتظهر فيها شعائر الإسلام في صلاة الجماعة تعليم الجاهل وتذكير الغافل وعدد من المصالح الدينية والدنيوية. أرأيتم لو لم تكن الجماعة مشروعة، وسبحان الله أن يكون ذلك، فماذا تكون الحال؟ إن الحال أن تكون الأمة متفرقة والمساجد مغلقة والناس ليس لهم مظهر جماعي في دينهم، ولكن الحمد لله الذي شرعها، وأوجبها على المسلمين، فاشكروا ربكم أيها المسلمون على هذه النعمة، وقوموا بهذا الواجب، واخجلوا من إضاعتها، واحذروا من عقاب ربكم وسطوته. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 138
[الخطبة الخامسة في نماذج من شروط الصلاة وأركانها]
الخطبة الخامسة
في نماذج من شروط الصلاة وأركانها الحمد لله الذي شرع لعباده الشرائع، وأكملها، وبين لهم حدودها وفروضها وسننها، لم يترك عباده في حيرة من دينهم، ولا في نقص من عباداتهم بل بين لهم الدين، وأكمله فلم يمت نبيه حتى ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فلله الحمد، والنعمة، والفضل، والمنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تابعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واعلموا أن الله فرض فرائض، فلا تضيعوها، وحد حدوا، فلا تعتدوها، فمن يتعد حدود الله، فقد ظلم نفسه. أيها الناس: لقد فرض الله عليكم في صلاتكم الطهارة من الأحداث والطهارة من الأنجاس، فمن صلى بغير وضوء، فلا صلاة له، ولو كان ناسيا لقول النبي ﷺ : «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، ولو صلى وعلى بدنه نجاسة يعلم عنها أو على ثوبه نجاسة يعلم عنها، فلا صلاة له، فإن كان لا يعلم عنها، أو علم بها، ونسي أن يغسلها، فصلاته صحيحة» .
وفرض الله عليكم سترة العورة في الصلاة قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] فيجب على المصلي أن يستر عورته بثوب طاهر مباح لا يبين من ورائه لون الجلد، فإن صلى بثوب نجس عالما بنجاسته، فلا صلاة له إلا أن يكون ناسيا، ومن صلى بثوب محرم عليه، فلا صلاة له، فإذا صلى أحد بثوب فيه صورة، فلا صلاة له، إلا إن كان لا يدري، ومن الثياب المحرمة ثياب الخيلاء، فمن جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه، ولا تصح له صلاة صلاها لابسا له، ومن نزل ثوبه عن كعبيه من الرجال، فهو في النار قال النبي ﷺ : «ما أسفل من الكعبين فهو في النار، ومن صلى في ثوب خفيف يرى من ورائه لون الجلد، فلا صلاة له» . فعلى الذين يلبسون السراويل القصار التي تسمى الهاف عليهم أن يلبسوا فوقها ثوبا ساترا لا يصف البشرة؛ لأن الواجب عليهم أن يستروا ما بين السرة والركبة، وقد قسم فقهاؤنا ﵏ العورة في الصلاة إلى ثلاثة أقسام مخففة ومغلظة ومتوسطة، فالمخففة عورة الذكر من سبع سنين إلى عشر، فهذا يكفي ستر فرجيه القبل والدبر، والمغلظة عورة المرأة الحرة البالغة فيجب عليها أن تستر جميع بدنها، حتى يديها ورجليها في الصلاة، إلا الوجه، فلا يجب عليها ستره إلا أن
стр. 139
يكون عندها رجال غير محارم لها، فيجب عليها أن تستر وجهها عنهم، أما العورة المتوسطة فهي عورة من سوى ذلك مثل عورة الذكر إذا تم له عشر سنين، فأكثر، ومثل عورة البنت الصغيرة، وحد هذا القسم من العورة هو ما بين السرة إلى الركبة، وكلما كان اللباس أكمل في هيئته وستره وحاله، فهو أفضل، ولذلك قال أهل العلم: الأفضل للرجل أن يصلي ساترا رأسه. ومما فرض الله عليكم في الصلاة أن تطمئنوا بها، فمن صلى بلا طمأنينة، فلا صلاة له، وإن صلى مئة صلاة؛ لأن النبي ﷺ قال لرجل صلى بلا طمأنينة: «ارجع فصل، فإنك لم تصل» . ونقر الصلاة من أفعال المنافقين الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، وإن كثيرا يخلون بالطمأنينة خصوصا في القيام بعد الركوع، وفي الجلوس بين السجدتين، ولقد كان النبي ﷺ يطيل فيهما حتى يقول القائل: قد نسي.
فاتقوا الله أيها المسلمون، والزموا حدوده لعلكم تفلحون: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
стр. 140
[الخطبة السادسة في نماذج من أحكام الصلاة]
الخطبة السادسة
في نماذج من أحكام الصلاة الحمد لله الذي وعد المحافظين على الصلاة أجرا عظيما وأعد لهم جنات الفردوس نعيما مقيما، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فأنعم به ربا رحيما كريما، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل المصلين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله، وحافظوا على الصلوات، وأقيموها في الجمع والجماعات، ولا تضيعوها، وتهملوها فتقعوا في المهلكات، قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] فمن أضاع الصلاة، ولم يتب من ذلك لقي الغي في الدنيا والآخرة، والغي هو الخسران المبين، وقال ابن مسعود ﵁: الغي واد في جهنم بعيد القعر، خبيث الطعم، فمن كان محافظا عليها فليحمد الله على نعمته، ويسأله الثبات على ذلك، ومن لم يكن محافظا عليها، فليتب إلى الله من ذنبه، وليرجع إلى ربه قبل أن يزيغ قلبه، فيكون من الهالكين حافظوا عليها بفعل شروطها وأركانها وواجباتها وسننها، فإذا أتي أحدكم الصلاة، فليسبغ الوضوء، ثم ليستقبل القبلة، فإن استقبال القبلة لا بد منه في الصلاة قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] ثم يستفتح الصلاة بما ورد عن النبي ﷺ ثم يتعوذ، ويقرأ فاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها ووجوبها على الإمام والمأموم والمنفرد لعموم الحديث، وعدم المخصص الصحيح، وينبغي للأئمة أئمة المساجد أن يراعوا حال المأمومين في الركعتين بعد التشهد الأول، فيتأنوا في قراءة الفاتحة حتى يكملها المأمومون الذين خلفهم، فإذا قرأ الفاتحة قرأ بعدها ما تيسر من القرآن يكون في المغرب بقصار المفصل غالبا، والسنة أن يقرأ أحيانا بغير قصار المفصل بما لا يشق على المأمومين، فقد ثبت أن النبي ﷺ قرأ فيها بسورة الأعراف، وقرأ فيها بسورة محمد، وقرأ فيها بسورة الطور، وقرأ فيها بسورة المرسلات، ويكون في الفجر من طوال المفصل، ويكون في الظهر والعصر والعشاء من أواسط المفصل إلا أن القراءة في الظهر تكون أطول من قراءة العصر، فإذا فرغ من القراءة ركع، وقال سبحان ربي العظيم الواجب مرة، وأدنى الكمال ثلاث، ثم يرفع رأسه قائلا سمع الله لمن
стр. 141
حمده، فإذا تم قيامه، قال: ربنا ولك الحمد، وإن كان مأموما قال حين الرفع: ربنا ولك الحمد، ولا يقول: سمع الله لمن حمده لقول النبي ﷺ : «فإذا قال يعني الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد» ، ثم يسجد على أعضائه السبعة الجبهة والأنف تبع لها، واليدين، والركبتين، وأطرف القدمين، ولا يجوز أن يرفع رجليه عن الأرض، ولا أن يرفع أنفه، ولا شيئا من هذه الأعضاء عن محل سجوده، ولا يجوز أن يسجد بجبهته على كفيه، فأما السجود على المنديل أو غيره من الأشياء المنفصلة عن المصلي فلا بأس به لكن تركه أفضل، وأما الأشياء المتصلة به كثوبه، وغترته، فيكره السجود عليه، إلا من حاجة، ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، ولا يجوز للمصلي أن يقرأ القرآن، وهو راكع، أو ساجد لحديث ابن عباس ﵄ قال: «كشف النبي ﷺ الستر ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه، والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: (اللهم هل بلغت) ثلاث مرات» . إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا وساجدا. وقال علي بن أبي طالب ﵁: «نهاني رسول الله ﷺ عن قراءة القرآن وأنا راكع أو ساجد» ، فأما إذا دعا في سجوده بآية من القرآن وهو لم يقصد القراءة، وإنما قصد الدعاء، فهذا لا بأس به مثل أن يقول: ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار، أو غيرها من آيات الدعاء، فهذا لا بأس به، ثم يرفع من السجود، فيقول بين السجدتين اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني، ثم يفعل ذلك في صلاته كلها، وعليكم بالطمأنينة في الصلاة، فإنه لا صلاة لمن لا يطمئن في صلاته.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦]
بارك الله لي ولكم. . الخ.
стр. 142
[الخطبة السابعة في سجود السهو]
الخطبة السابعة
في سجود السهو الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى، وتفقهوا في دينكم، واعرفوا حدود ما أنزل الله على رسوله فإنه من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، واعلموا أن من أهم ما يجب عليكم معرفته أحكام الصلاة التي هي الركن الثاني من أركان الإسلام وعمود الدين، ومن أكثر ما يقع الخلل فيه سجود السهو في الصلاة حيث كان يجهله كثير من المصلين، فسجود السهو له أسباب وأحكام ومواضع ينبغي لكل مسلم معرفتها حتى يكون على بصيرة من أمره إذا وقع له ذلك، فأسباب سجود السهو إجمالا ثلاثة: الزيادة والنقص والشك، فأما الزيادة، فمتى زاد المصلي في صلاته ركوعا أو سجودا أو قياما أو قعودا أو ركعة كاملة فأكثر وجب عليه سجود السهو، ومحله بعد السلام كما وقع ذلك للنبي ﷺ قال ابن مسعود ﵁: «صلى النبي ﷺ الظهر خمسا، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذلك، قالوا: صليت خمسا، فسجد سجدتين بعدما سلم» . رواه الجماعة، ومتى علم المصلى بالزيادة وهو في أثناء الزيادة وجب عليه الرجوع عن الزيادة، وسجود السهو، وإذا سلم المصلي قبل تمام الصلاة ناسيا، فذكر قبل أن تمضي مدة طويلة، وجب عليه أن يتمم صلاته، ويسجد للسهو بعد السلام، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة «أن النبي ﷺ صلى بهم الظهر أوالعصر ركعتين، ثم سلم فأخبروه بأنه نسي، فتقدم، وصلى ما بقي من صلاته، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم» ، وأما إذا طال الفصل، أو أحدث المصلي قبل أن يذكر نقص الصلاة، فإنه يعيد الصلاة من أولها؛ لأنه لا يمكن أن يبني آخر الصلاة على أولها مع طول الفصل أو انتقاض الطهارة. وأما النقص فمتى نقص المصلي شيئا من واجبات الصلاة ناسيا وجب عليه سجود السهو جبرا لما نقص من صلاته، ويكون قبل السلام، فإذا نسي التشهد الأول، وقام إلى الركعة الثالثة، واستتم قائما، فليمض في صلاته ولا
стр. 143
يرجع، ثم يسجد سجدتين للسهو قبل السلام، فعن عبد الله بن بحينة «أن النبي ﷺ صلى، فقام في الركعتين، فسبحوا به، فمضى في صلاته، فلما كان في آخر الصلاة سجد قبل أن يسلم، ثم سلم» متفق عليه، ومثل ذلك إذا نسي أن يقول: سبحان ربي العظيم في الركوع، أو سبحان ربي الأعلى في السجود، أو نسي شيئا من التكبير غير تكبيرة الإحرام. وأما الشك، فإذا شك المصلي كم صلى ثلاثا أم أربعا، ولم يترجح عنده شيء، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، وهو الأقل، فليتم عليه، ثم يسجد سجدتين قبل السلام، قال النبي ﷺ : «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثا، أما أربعا، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعن صلاته، وإن كان صلى إتمام كانتا ترغيما للشيطان» . رواه أحمد ومسلم، وإذا شك المصلي هل صلى ثلاثا أم أربعا، وترجح عنده أحد الأمرين بنى عليه، وأتم الصلاة على ما ترجح عنده، ثم سلم، ثم سجد سجدتين بعد السلام لما في الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين» . هذه أيها المسلمون هي الأصول في سجود السهو، وقد تبين منها أن سجود السهوله موضعان موضع قبل السلام، وموضع بعده فمواضع سجود السهو بعد السلام ثلاثة: الأول إذا زاد في صلاته، الثاني إذا سلم قبل اتمامها، وهو من الزيادة في الواقع، الثالث إذا شك، فلم يدر كم صلى، وترجح عنده أحد الأمرين، وما عدا ذلك، فمحله قبل السلام. أيها الناس إن كثيرا من المصلين ينكرون سجود السهو بعد السلام، ويستغربونه، وذلك لأنهم يجهلون هذا الحكم الشرعي الذي يرى بعض العلماء أن ما كان من سجود السهو قبل السلام فهو واجب قبل السلام، وما كان بعده فواجب أن يكون بعده، وسبب جهلهم عدم تعلمهم لذلك، وعدم العمل به من أئمة المساجد وأئمة المساجد منهم من لا يدري بذلك، ويحسب أن سجود السهو قبل السلام في كل حال، ومنهم من يدري، ولكن لا يعمل يقول أخشى من التشويش، وهذا ليس بعذر في ترك ما أمر به النبي ﷺ ، بل الحق الذي يكون به براءة الذمة ونشر السنة أن يسجد بعد السلام إذا كان موضع السجود بعد السلام حتى يعرف الناس ذلك، ويفهموه، ويعملوا به، ويزول عنهم التشويش، ويكون لفاعله أجر من أحيا سنة.
стр. 144
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا - يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٦ - ٢٨] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . الخ.
стр. 145
[الخطبة الثامنة في الحث على الجمعة والجماعة]
الخطبة الثامنة
في الحث على الجمعة والجماعة الحمد لله الحكيم في خلقه، وأمره القوي في أخذه، وقهره شرع لعباده الشرائع لينالوا بها أعلى الدرجات، وينجوا بها من الهلاك والدركات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذوالفضل العظيم، والخير العميم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى الكريم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى، وأقيموا الصلاة، فإنها عمود الدين، وهي العهد الذي بين المؤمنين والكافرين، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة أقيموها بفعلها في وقتها بجميع أركانها وواجباتها وشروطها اطمئنوا فيها في القراءة والركوع والسجود والقيام والقعود، فلا صلاة لمن لا طمأنينة له، فالمصلي قائم خاشع بين يدي ربه، وكلما كان الإنسان أعظم راحة وفرحا بالصلاة كان إيمانه أكمل، ولذلك كانت الصلاة قرة عين النبي ﷺ وراحة قلبه، أقيموا الصلاة، وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد، وأدوا الصلاة جماعة في المساجد، فإن ذلك من واجبات الصلاة كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة: قال الله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] وأمر الله نبيه ﷺ أن يقيم الجماعة في أصحابه وهم في الحرب عند التقاء الصفوف، «وصح عنه ﷺ أن أعمى جاءه، وليس له قائد يقوده إلى المسجد، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب» ، «وأخبر أن أثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، وأنهم لو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، وإن أحدهم لو يعلم أنه يجد عرقا سمينا، وهوالعظم عليه بقية اللحم، أو مرماتين حسنتين، وهما ما بين ظلفي الشاة، أو أضلاعها لشهد العشاء» ، فالمنافق تثقل عليه صلاة الجماعة لكن لو يجد شيئا زهيدا من الدنيا لبادر إليه وذلك؛ لأنه لا إيمان في قلبه، ولو كان مؤمنا لبادر إلى فضل الآخرة، وسارع إليه؛ لأن الآخرة هي المآل، وهي المستقبل، فاحذروا أيها المسلمون من صفات المنافقين، وجاهدوا أنفسكم على الطاعات، ومرنوها عليها تكونوا من المفلحين، قال عبد الله بن مسعود ﵁: من سره أن يلقى الله غدا مسلما، فليحافظ على هؤلاء الصلوات، حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم محمد ﷺ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر، فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه
следующие страницы →