← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30920

الضياء اللامع من الخطب الجوامع

ابن عثيمين

Полный текст (711 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

حمده، فإذا تم قيامه، قال: ربنا ولك الحمد، وإن كان مأموما قال حين الرفع: ربنا ولك الحمد، ولا يقول: سمع الله لمن حمده لقول النبي ﷺ : «فإذا قال يعني الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد» ، ثم يسجد على أعضائه السبعة الجبهة والأنف تبع لها، واليدين، والركبتين، وأطرف القدمين، ولا يجوز أن يرفع رجليه عن الأرض، ولا أن يرفع أنفه، ولا شيئا من هذه الأعضاء عن محل سجوده، ولا يجوز أن يسجد بجبهته على كفيه، فأما السجود على المنديل أو غيره من الأشياء المنفصلة عن المصلي فلا بأس به لكن تركه أفضل، وأما الأشياء المتصلة به كثوبه، وغترته، فيكره السجود عليه، إلا من حاجة، ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، ولا يجوز للمصلي أن يقرأ القرآن، وهو راكع، أو ساجد لحديث ابن عباس ﵄ قال: «كشف النبي ﷺ الستر ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه، والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: (اللهم هل بلغت) ثلاث مرات» . إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا وساجدا. وقال علي بن أبي طالب ﵁: «نهاني رسول الله ﷺ عن قراءة القرآن وأنا راكع أو ساجد» ، فأما إذا دعا في سجوده بآية من القرآن وهو لم يقصد القراءة، وإنما قصد الدعاء، فهذا لا بأس به مثل أن يقول: ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار، أو غيرها من آيات الدعاء، فهذا لا بأس به، ثم يرفع من السجود، فيقول بين السجدتين اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني، ثم يفعل ذلك في صلاته كلها، وعليكم بالطمأنينة في الصلاة، فإنه لا صلاة لمن لا يطمئن في صلاته. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦] بارك الله لي ولكم. . الخ.

стр. 142

[الخطبة السابعة في سجود السهو] الخطبة السابعة في سجود السهو الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليما. أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى، وتفقهوا في دينكم، واعرفوا حدود ما أنزل الله على رسوله فإنه من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، واعلموا أن من أهم ما يجب عليكم معرفته أحكام الصلاة التي هي الركن الثاني من أركان الإسلام وعمود الدين، ومن أكثر ما يقع الخلل فيه سجود السهو في الصلاة حيث كان يجهله كثير من المصلين، فسجود السهو له أسباب وأحكام ومواضع ينبغي لكل مسلم معرفتها حتى يكون على بصيرة من أمره إذا وقع له ذلك، فأسباب سجود السهو إجمالا ثلاثة: الزيادة والنقص والشك، فأما الزيادة، فمتى زاد المصلي في صلاته ركوعا أو سجودا أو قياما أو قعودا أو ركعة كاملة فأكثر وجب عليه سجود السهو، ومحله بعد السلام كما وقع ذلك للنبي ﷺ قال ابن مسعود ﵁: «صلى النبي ﷺ الظهر خمسا، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذلك، قالوا: صليت خمسا، فسجد سجدتين بعدما سلم» . رواه الجماعة، ومتى علم المصلى بالزيادة وهو في أثناء الزيادة وجب عليه الرجوع عن الزيادة، وسجود السهو، وإذا سلم المصلي قبل تمام الصلاة ناسيا، فذكر قبل أن تمضي مدة طويلة، وجب عليه أن يتمم صلاته، ويسجد للسهو بعد السلام، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة «أن النبي ﷺ صلى بهم الظهر أوالعصر ركعتين، ثم سلم فأخبروه بأنه نسي، فتقدم، وصلى ما بقي من صلاته، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم» ، وأما إذا طال الفصل، أو أحدث المصلي قبل أن يذكر نقص الصلاة، فإنه يعيد الصلاة من أولها؛ لأنه لا يمكن أن يبني آخر الصلاة على أولها مع طول الفصل أو انتقاض الطهارة. وأما النقص فمتى نقص المصلي شيئا من واجبات الصلاة ناسيا وجب عليه سجود السهو جبرا لما نقص من صلاته، ويكون قبل السلام، فإذا نسي التشهد الأول، وقام إلى الركعة الثالثة، واستتم قائما، فليمض في صلاته ولا

стр. 143

يرجع، ثم يسجد سجدتين للسهو قبل السلام، فعن عبد الله بن بحينة «أن النبي ﷺ صلى، فقام في الركعتين، فسبحوا به، فمضى في صلاته، فلما كان في آخر الصلاة سجد قبل أن يسلم، ثم سلم» متفق عليه، ومثل ذلك إذا نسي أن يقول: سبحان ربي العظيم في الركوع، أو سبحان ربي الأعلى في السجود، أو نسي شيئا من التكبير غير تكبيرة الإحرام. وأما الشك، فإذا شك المصلي كم صلى ثلاثا أم أربعا، ولم يترجح عنده شيء، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، وهو الأقل، فليتم عليه، ثم يسجد سجدتين قبل السلام، قال النبي ﷺ : «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثا، أما أربعا، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعن صلاته، وإن كان صلى إتمام كانتا ترغيما للشيطان» . رواه أحمد ومسلم، وإذا شك المصلي هل صلى ثلاثا أم أربعا، وترجح عنده أحد الأمرين بنى عليه، وأتم الصلاة على ما ترجح عنده، ثم سلم، ثم سجد سجدتين بعد السلام لما في الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين» . هذه أيها المسلمون هي الأصول في سجود السهو، وقد تبين منها أن سجود السهوله موضعان موضع قبل السلام، وموضع بعده فمواضع سجود السهو بعد السلام ثلاثة: الأول إذا زاد في صلاته، الثاني إذا سلم قبل اتمامها، وهو من الزيادة في الواقع، الثالث إذا شك، فلم يدر كم صلى، وترجح عنده أحد الأمرين، وما عدا ذلك، فمحله قبل السلام. أيها الناس إن كثيرا من المصلين ينكرون سجود السهو بعد السلام، ويستغربونه، وذلك لأنهم يجهلون هذا الحكم الشرعي الذي يرى بعض العلماء أن ما كان من سجود السهو قبل السلام فهو واجب قبل السلام، وما كان بعده فواجب أن يكون بعده، وسبب جهلهم عدم تعلمهم لذلك، وعدم العمل به من أئمة المساجد وأئمة المساجد منهم من لا يدري بذلك، ويحسب أن سجود السهو قبل السلام في كل حال، ومنهم من يدري، ولكن لا يعمل يقول أخشى من التشويش، وهذا ليس بعذر في ترك ما أمر به النبي ﷺ ، بل الحق الذي يكون به براءة الذمة ونشر السنة أن يسجد بعد السلام إذا كان موضع السجود بعد السلام حتى يعرف الناس ذلك، ويفهموه، ويعملوا به، ويزول عنهم التشويش، ويكون لفاعله أجر من أحيا سنة.

стр. 144

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا - يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٦ - ٢٨] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . الخ.

стр. 145

[الخطبة الثامنة في الحث على الجمعة والجماعة] الخطبة الثامنة في الحث على الجمعة والجماعة الحمد لله الحكيم في خلقه، وأمره القوي في أخذه، وقهره شرع لعباده الشرائع لينالوا بها أعلى الدرجات، وينجوا بها من الهلاك والدركات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذوالفضل العظيم، والخير العميم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى الكريم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما. أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى، وأقيموا الصلاة، فإنها عمود الدين، وهي العهد الذي بين المؤمنين والكافرين، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة أقيموها بفعلها في وقتها بجميع أركانها وواجباتها وشروطها اطمئنوا فيها في القراءة والركوع والسجود والقيام والقعود، فلا صلاة لمن لا طمأنينة له، فالمصلي قائم خاشع بين يدي ربه، وكلما كان الإنسان أعظم راحة وفرحا بالصلاة كان إيمانه أكمل، ولذلك كانت الصلاة قرة عين النبي ﷺ وراحة قلبه، أقيموا الصلاة، وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد، وأدوا الصلاة جماعة في المساجد، فإن ذلك من واجبات الصلاة كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة: قال الله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] وأمر الله نبيه ﷺ أن يقيم الجماعة في أصحابه وهم في الحرب عند التقاء الصفوف، «وصح عنه ﷺ أن أعمى جاءه، وليس له قائد يقوده إلى المسجد، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب» ، «وأخبر أن أثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، وأنهم لو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، وإن أحدهم لو يعلم أنه يجد عرقا سمينا، وهوالعظم عليه بقية اللحم، أو مرماتين حسنتين، وهما ما بين ظلفي الشاة، أو أضلاعها لشهد العشاء» ، فالمنافق تثقل عليه صلاة الجماعة لكن لو يجد شيئا زهيدا من الدنيا لبادر إليه وذلك؛ لأنه لا إيمان في قلبه، ولو كان مؤمنا لبادر إلى فضل الآخرة، وسارع إليه؛ لأن الآخرة هي المآل، وهي المستقبل، فاحذروا أيها المسلمون من صفات المنافقين، وجاهدوا أنفسكم على الطاعات، ومرنوها عليها تكونوا من المفلحين، قال عبد الله بن مسعود ﵁: من سره أن يلقى الله غدا مسلما، فليحافظ على هؤلاء الصلوات، حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم محمد ﷺ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر، فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه

стр. 146

المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا، وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، أومريض، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادي بين الرجلين، حتى يقام في الصف هكذا حال أصحاب رسول الله ﷺ لا يتخلف منهم أحد عن صلاة الجماعة إلا بعذر، ومن تخلف بلا عذر، فهو معلوم النفاق عندهم، وعن أبي بن كعب ﵁ قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ يوما الصبح، فقال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا، قال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا، قال: إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا على الركب، وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولوعلمتم ما فضيلته لابتدرتموه» . وهذ حديث صحيح. أيها المسلمون حافظوا على صلاة الجمعة، وإياكم والتهاون بها، فإن النبي ﷺ يقول: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين» . وقال: «من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه» . ولقد كان بعض الناس يخرجون بأهليهم أو مع أصحابهم في هذا اليوم المبارك الذي من الله به على أمة محمد، وأضل عنه اليهود والنصارى، فيفوتون صلاة الجمعة، وهؤلاء قد عرضوا أنفسهم لعقاب الله، وسخطه، فليحذروا ذلك، فليحذروا ذلك، فليحذروا ذلك، «ولقد أخبر النبي ﷺ عن الراعي يتخذ الغنم على رأس ميل أو ميلين، فيتعذر عليه الكلأ، فيرتفع، ثم تجيء الجمعة، فلا يشهدها، وتجيء الجمعة، فلا يشهدها حتى يطبع على قلبه» ، فهؤلاء الذين يخرجون إلى البر في يوم الجمعة إن كانوا يصلون الجمعة في بلدهم أو غيرها، فقد أدوا ما بينهم وبين الله، ولكنهم قد عرضوا أنفسهم لكلام الناس فيهم، وإن كانوا لا يصلون الجمعة، ولا يبالون بها، فما أعظم خسارتهم لقد فوتوا الخير الكثير، وعرضوا أنفسهم للعذاب الأليم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . الخ.

стр. 147

[الخطبة التاسعة في صلاة الكسوف] الخطبة التاسعة في صلاة الكسوف الحمد لله الذي أظهر لعباده من آياته دليلا وهدى من شاء من خلقه فاتخذ ذلك عبرة، وابتغى إلى نجاته سبيلا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المتفرد بالخلق والتدبير جملة وتفصيلا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أبلغ الخلق بيانا، وأصدقهم قيلا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليما. أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى، وتفكروا في آياته، وما يخلقه في السماوات والأرض، فإن في ذلك لآيات لقوم يعقلون، تفكروا في هذه السماوات السبع الشداد التي رفعها الله بقوته، وأمسكها بقدرته ورحمته أن تقع على العباد، تفكروا كيف أحكم الله بناءها، فما لها من فروج ولا فطور، وكيف زينها الله بالمصابيح التي عمتها بالجمال والنور، وكيف جعل فيها سراجا وقمرا منيرا، ثم تفكروا كيف كانت هذه المصابيح والسراج والقمر تسير بإذن الله في فلكها الذي وضعها الله فيه منذ خلقها الله حتى يأذن بخرابها لا تنقص عن سيرها، ولا تزيد، ولا ترتفع عنه، ولا تنزل، ولا تحيد، فسبحان من سيرها بقدرته، ورتب نظامها بحكمته، وهو القوي العزيز. عباد الله: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله الدالة على كمال قدرته وكمال حكمته ورحمته، فإذا نظرت إلى عظمتهما، وانتظام سيرهما عرفت بذلك كمال قدرة الله، وإذا نظرت إلى ما في اختلاف سيرهما من المصالح والمنافع تبين لك كمال حكمة الله ورحمته، ألا وإن من حكمة الله في سيرهما ما يحدث فيهما من الكسوف، وهو ذهاب ضوءهما كله، أو بعضه، فإن هذا الكسوف يحدث بأمر الله يخوف الله به عباده ليتوبوا إليه، ويستغفروه، ويعبدوه، ويعظموه، وقد كسفت الشمس في عهد النبي ﷺ ، فخرج فزعا يجر رداءه حتى أتى المسجد، ثم نودي الصلاة جماعة، فاجتمع الناس، فتقدم النبي ﷺ ، وصلى ركعتين في كل ركعة ركوعان وسجودان كبر، ثم قرأ الفاتحة، وسورة طويلة نحو سورة البقرة، حتى جعل أصحابه يخرون من طول القيام، ثم ركع، فأطال الركوع، ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم قرأ الفاتحة، وسورة طويلة دون الأولى، ثم ركع ركوعا طويلا دون الأول، ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، وأطال القيام، ثم سجد، فأطال السجود، ثم جلس بين السجدتين، وأطال ثم سجد، فأطال، ثم قام إلى الركعة الثانية، فأطال القيام، وهو دون القيام في الركعة الأولى، ثم ركع، فأطال الركوع، وهو دون

стр. 148

الركوع في الركعة الأولى، ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم قرأ، فأطال القراءة، وهي دون الأولى، ثم ركع الركوع الثاني، فأطال وهو دون الركوع الأول، ثم سجد سجدتين، ثم سلم، وقد انجلت الشمس، وسمع في سجوده، يقول: رب ألم تعدني أن لا تعذبهم، وأنا فيهم ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون؟ ثم خطب الناس، ووعظهم موعظة بليغة، فأثنى على الله بما هوأهل له ، ثم قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد، ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك، فافزعوا إلى الصلاة، فافزعوا إلى المساجد، فافزعواإلى ذكر الله ودعائه واستغفاره» . وفي رواية «فادعوا، وتصدقوا، وصلوا» ، ثم قال: «يا أمة محمد والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده، أو تزني أمته يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، وقال: ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه، وأوحي إلى أنكم تفتنون في قبوركم قريبا، أو مثل فتنة الدجال، ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر، وقال: لقد جيء بالنار يحطم بعضها بعضا، وذلك حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها حتى رأيت فيها عمرو بن لحي يجر أقصابه أي: أمعاءه في النار، ورأيت صاحبة الهرة التي ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض، حتى ماتت جوعا قال: ثم جيء بالجنة، وذلك حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي، ولقد مددت يدي، فأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه، ثم بدا لي أن لا أفعل» . فيا أمة محمد إن كسوف الشمس أو القمر لحدث عظيم مخيف، وأكبر دليل على ذلك ما حصل لرسول الله ﷺ عند كسوف الشمس من الفزع والصلاة، وما حصل له فيها من أحوال، ثم تلك الخطبة البليغة التي خطبها، فعلينا أن نفزع لحدوث الكسوف، وأن نلجأ إلى مساجد الله للصلاة والدعاء والاستغفار، وأن نتصدق لندفع البلاء، وقد أمر النبي ﷺ بالإعتاق في كسوف الشمس؛ لأن عتق الرقبة فكاك للمعتق من النار، فأسباب البلاء والانتقام عند حدوث الكسوف قد انعقدت، والفزع إلى الصلاة، والدعاء، والاستغفار، والصدقة، والعتق يدفع تلك الأسباب. أيها المسلمون: فإذا حصل الكسوف في أي وقت، وفي أية ساعة من ليل ونهار، فافزعوا إلى الصلاة؛ لأن النبي ﷺ أمر بذلك، ولم يستثن وقتا من الأوقات، ولأنها صلاة فزع ومدافعة

стр. 149

بلاء، وتصلى في أي وقت حصل ذلك، وليس عنها نهي، فتصلى بعد العصر، وبعد الفجر، وعند طلوع الشمس، وكل وقت، واعلموا أن السنة أن تصلى جماعة في المساجد كما صلاها النبي ﷺ ، وصلى خلفه الرجال والنساء، فإن صلاها الإنسان وحده، فلا بأس بذلك لكن الجماعة أفضل. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . الخ.

стр. 150

[الخطبة العاشرة في أن ذكر الله يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح] الخطبة العاشرة في أن ذكر الله يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح الحمد لله الذي جعل ذكره سببا للفوز بدار السلام، ومكفرا للذنوب والآثام، وجعل الإعراض عنه سببا للخسارة والحرمان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل الأنام، ومصباح الظلام صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الكرام وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم المقام، وسلم تسليما. أما بعد: فيا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا، وسبحوه بكرة وأصيلا، واعلموا أن في ذكر الله حياة القلوب والقرب من علام الغيوب، وفي ذكر الله كشف الغموم وتفريج الكروب وفي ذكر الله زوال المكروه، وحصول المطلوب، وفي الصحيح عن النبي ﷺ يقول الله : «أنا عند ظن عبدي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن اقترب إلى شبرا اقتربت إليه ذراعا، وإن اقترب إلي ذراعا اقتربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» . وذكر الله تعالى محله القلب واللسان والجوارح، فأما ذكر الله بالقلب، فمعناه أن يكون ذكر الله تعالى دائما في قلبه يفكر في أسماء الله الحسنى ومعاني صفاته العليا، وأفعاله التي بهرت العقول وأحكامه التي بلغت من الحكمة غايتها القصوى، وأما ذكر الله باللسان، فمعناه أن ينطق بلسانه بذكر ربه بذكر أسمائه وصفاته وأحكامه، فالتهليل والتكبير والتسبيح والحمد والثناء من ذكر الله، ودرس القرآن، والعلوم الدينية، وتعليمها، وتعلمها من ذكر الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من ذكر الله، وأما ذكر الله بالجوارح، فإن كل فعل تفعله متقربا إلى الله متبعا فيه رسول الله ﷺ ، فهو من ذكر الله أيها المؤمنون اذكروا ربكم قياما وقعودا، وعلى جنوبكم، فإن ذلك هو الحياة والصلاح، واعرفوا، رحمكم الله، الأذكار الواردة عن النبي ﷺ ، واعملوا بها، فإنها خير وبركة، فمن ذلك أن النبي صلىالله عليه وسلم قال: «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير في يوم مئة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة، ومحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك، ومن قال: سبحان الله وبحمده في يوم مئة مرة حطت خطاياه، ولو كانت مثل زبد البحر» . وقال النبي ﷺ : «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك

стр. 151

وله الحمد، وهوعلى كل شيء قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل» ، وقال ﷺ : «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» . وقال ﷺ : «لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أحب إلى مما طلعت عليه الشمس» ، وقال ﷺ : «لقيت ليلة أسري بي إبراهيم الخليل ﵇، فقال: أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» . وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ «أن أعرابيا قال: يا رسول الله علمني كلاما أقوله قال: (قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم، قال هؤلاء لربي فما لي قال: قل: اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني، ولازموا الاستغفار، فإن من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب) » قال ابن عمر ﵄: كنا نعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مئة مرة ربي اغفر لي، وتب علي إنك أنت التواب الرحيم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا - وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا - هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا - تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٤] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.

стр. 152

[الخطبة الحادية عشرة في أذكار معينة وعامة] الخطبة الحادية عشرة في أذكار معينة وعامة الحمد لله مستحق الحمد وأهله، المنعم على خلقه بسابغ نعمه وفضله، الذي جعل أفئدة عباده المؤمنين متعلقة به وألسنتهم ناطقة بذكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مخلص لله في سره وجهره، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله القائم بطاعة ربه وأمره صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن ساروا على نهجه، وسلم تسليما. أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى، وأديموا ذكره، أديموا ذكره بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم، فإن الله مع الذاكرين، يقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» . أيها الناس: إن ذكر الله يكون في القلب، ويكون في اللسان، ويكون بالجوارح أما ذكر الله بالقلب، فإن معناه أن يكون القلب متعلقا بالله، ويكون ذكر الله، وتعظيمه دائما في قلبه يستحضر دائما عظمة ربه وآياته، ويستحضر نعمه العامة والخاصة، ويستدل بما يشاهده من مخلوقاته وآياته على عظمته وإحاطته، وأما ذكر الله باللسان، فهو النطق بكل ما يقرب إلى الله، فالتهليل ذكر، والتكبير ذكر والتحميد والتسبيح ذكر، وقراءة القرآن ذكر وقراءة العلوم الشرعية ذكر؛ لأنها ذكر لأحكام الله وتشريعاته ونصيحة العباد للقيام بأمر الله ذكر، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ذكر، وأما ذكر الله بالجوارح، فهو كل فعل يقرب إلى الله ، فالطهارة ذكر، والصلاة ذكر، والسعي إليها ذكر، والزكاة، والصيام ذكر، والحج ذكر، وبر الوالدين ذكر، وصلة الأرحام ذكر، وكل فعل يقربك إلى الله، فهو ذكر؛ لأن التقرب إلى الله لا يكون إلا بنية ونيتك، واستحضارك عند الفعل ذكر الله ، فالدين كله ذكر الله، ولقد شرع الله الحكيم الرحيم لعباده ذكره في كل مناسبة ليكونوا بذلك دائما في ذكر الله، فشرع الله لعباده التسمية على كل أمر ذي بال، وأهمية، شرع الله الذكر قبل الأكل والشرب وبعدهما، قبلهما تقول: بسم الله، وبعدها تقول: الحمد لله، وإن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة، فيحمده عليها، ويشرب الشربة، فيحمده عليها شرع الله الذكر عند دخول محل قضاء الحاجة، وبعد الخروج منه، فإذا أراد أحدكم أن يدخل مكان البول أو الغائط، فليقل: بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث، وإذا خرج منه، فليقل: غفرانك الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني. شرع الله الذكر عند

стр. 153

النوم وبعده، فعند النوم إذا وضعت جنبك، تقول: باسمك اللهم أحيا وأموت، اللهم بك وضعت جنبي، وبك أرفعه، فإن أمسكت روحي، فاغفر لها، وارحمها، وإن أرسلتها، فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين، وكان النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه قال: « (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا) » . فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي، وشرع لعباده عند الاستيقاظ ذكر الله، فإن العبد إذا نام عقد الشيطان على قافية رأسه ثلاث عقد، فإذا قام، وذكر الله انحلت عقدة، وإن توضأ انحلت العقدة الثانية، فإذا صلى انحلت العقدة الثالثة، فأصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان، وفي حديث ابن عباس ﵄ أنه بات عند خالته ميمونة زوج النبي ﷺ ، فلما قام النبي ﷺ من النوم جعل يمسح النوم عن وجهه بيده ثم قرأ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إلى آخر سورة آل عمران. وفي حديث ثان أن النبي ﷺ قال: «من استيقظ من الليل، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، والحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا إلا استجيب له، فإن توضأ، وصلى قبلت صلاته» . وشرع لعباده أذكارا يقولونها إذا قلقوا، فلم يناموا، أو كانوا يفزعون في نومهم، وفي صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: «إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها، فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدث بها، ولا يحدث بها إلا من يحب، وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان، فليستعذ من شرها، ولا يذكرها لأحد، فإنها لا تضره» ، وشرع لعباده أن يذكروه عند دخول بيوتهم، وعند الخروج منها، «فأمر النبي ﷺ الرجل إذا دخل بيته أن يقول: اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج بسم الله ولجنا، وبسم الله خرجنا، وعلى الله ربنا توكلنا، ثم ليسلم على أهله» ، وكان إذا خرج من بيته قال: «بسم الله توكلت على الله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي» ، وقال: «من قال يعني إذا خرج من بيته: بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: كفيت، ووفيت، وهديت، ويتنحى عنه الشيطان» . أيها الناس: إن ربكم قد أمركم بذكره في أحوال معينة، ولأسباب معينة، وأمركم بذكره أمرا مطلقا يعم الأوقات والأحوال، فقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]

стр. 154

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا - وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢] وكان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه، فأديموا ذكر ربكم، واغرسوا لأنفسكم في جنات النعيم، فإن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقال النبي ﷺ : «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.

стр. 155

[الخطبة الثانية عشرة في التحذير من بعض الألبسة] الخطبة الثانية عشرة في التحذير من بعض الألبسة الحمد لله الذي جعل الرجال قوامين على النساء بما فضلهم عليهن في الخلقة، والعقل، والذكاء، وأوجب عليهم أن يؤدوا إلى النساء حقوقهن، ويقوموا بواجبهن، ويراعوا ما عليهم نحوهن من المسؤلية الكبرى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أحكم الحاكمين، وأرحم الرحماء، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أنزل الله عليه: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن يهديهم اهتدى، وسلم تسليما. أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى و ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] واتقوا الله في النساء، أدوا حقوقهن، قوموا بواجبهن، أدبوهن تأديبا شرعيا يكفل لهن مصالح الدنيا والآخرة وجهوهن إلى سلوك ما كان عليه السلف الصالح من لزوم الشيمة والحياء، فإن الحياء شعبة من الإيمان، ومن لم يستح، فليصنع ما شاء. أيها الرجال: لقد جعلكم الله قوامين على النساء، فقوموا بهذه الوظيفة، دبروا شؤونهن، وأدبوهن، ولا يكن أحدكم بين أهله كالمفقود لا يأمرهم بالخير والرشاد، ولا ينهاهم عن الشر والفساد، فإن ذلك مفسدة من وجهين أحدهما إهدار كرامته، وإبطال رجولته بين أهله، والثاني إضاعة ما أوجب الله عليه من القيام عليهم، فإن الله تعالى لم يجعله قواما على النساء، إلا سيسأله عن هذه المسؤولية التي حمله إياها. أيها الناس: لو أن راعي غنم أهملها، ولم يسلك بها مواضع الخصب ألستم تعدونه مفرطا؟ ولو أن راعي غنم سلك بها أودية مهلكة، ورعاها في مراعي ضارة ألستم تعدونه ظالما معتديا؟ إذن فلماذا يرضى أحدكم يا رجال أن يرى أهله مقصرين فيما وجب عليهم، أو منهمكين فيما حرم الله عليهم، ثم لا يأمرهم بالواجب، ولا ينهاهم عن المحرم مع أنه هو راعيهم الذي استرعاه عليهم نبيه ﷺ ، وهو القائم عليهم بما فضله الله به عليهم؟ أيها الناس: أيها الرعاة على أهليهم: إن في عوائلنا مشاكل عديدة يؤسفنا أن توجد فيهم، ثم لا نجد تعاونا جديا لحلها، وإنما هو كلام في المجالس، وتلوم، وتضجر لا عمل معه حتى نفس المتلومين المتضجرين تجدهم ينظرون إلى أهلهم واقعين في شيء من هذه المشاكل

стр. 156

والله أعلم بما كانوا عاملين هل حاولوا حلها، أو كانوا عنها معرضين؟ وإن من المشاكل لدينا، وأعظمها خطرا ما وقع فيه بعض النساء من الخروج إلى الأسواق ومكان البيع والشراء متطيبات متبرجات يخرجن أيديا محلاة بالذهب، ويلبسن ثيابا قصيرة تنكشف بأدنى سبب، وربما وقفن على صاحب الدكان، وضحكن معه، وهذا أعظم الفتن والشر، وليس هذا أيها المسلمون واقعا في نساء كبيرات السن فقط من شواب لا يبلغن العشرين من العمر، وهذا أمر عجيب لقد كانت الشواب عندنا منذ زمن قريب لا يحدثن أنفسهن بالخروج إلى الأسواق أبدا، وإذا احتجن إلى الخروج لم يخرجن إلا في أطراف النهار في غاية من التحفظ والتستر، ثم انقلبت الحال إلى ما ترى بهذه السرعة كأنما نقفز إلى التبرج والسفور قفزا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أيها المسلمون: لقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «صنفان من أهل النار لم أرهما بعد قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات، عاريات، مائلات، مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخث المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» . هذه صفات نساء أهل النار كاسيات عاريات أي: عليهن كسوة لا تفيد، ولا تستر، إما لقصرها، أو خفتها، أو ضيقها، مائلات مميلات، مائلات عن الحق، وعن الصراط المستقيم، مميلات لغيرهن، وذلك بسبب ما يفعلنه من الملابس والهيئات الفاتنة التي ضلت بها نفسها، وأضلت غيرها. أيها المسلمون: أيها المؤمنون بالله ورسوله: أيها المصدقون بما أخبر به محمد ﷺ ، أيها القابلون لنصيحته لقد أخبركم الناصح الأمين بصفة لباس أهل النار من النساء لأجل أن تحذروا من هذا اللباس، وتمنعوا منه نساءكم، فهل تجدون أحدا من المخلوقين أنصح لكم من رسول الله ﷺ ؟ هل تجدون هديا أكمل من هديه؟ هل تجدون طريقا لإصلاح المجتمع ومحاربة ما يهدم دينه وشرفه أتم من طريقه وأحسن؟ كلا والله لا تجدون ذلك أبدا، وإن كل مؤمن بالله ورسوله ليعلم أنه لا أحد أتم نصحا، ولا أكمل هديا، ولا أحسن طريقا من محمد ﷺ ، ولكن الغفلة والتقليد الأعمى أوجبا أن نقع فيما وقعنا فيه. أيها الناس: إن هذه الألبسة القصيرة التي تلبسها بناتكم، فتقرونهن عليها، وربما ألبستموهن إياها أنتم ليست والله خيرا، بل هي شر لهن تذهب الحياء عنهن، وتجلب إليهن الفتنة، وتوجب هجر اللباس الشرعي الساتر لباس الحشمة، والحياء، والسلف الصالح إننا

стр. 157

نشاهد بنات في الثامنة من العمر، أو أكثر عليهن شلحة أو كرته تبلغ نصف الفخذ فقط، وعليها سروايل لا أفخاذ له إنك لترى القريب القريب من السوأة خصوصا، إذا كانت الشلحة مقمطة من فوق، فإنها ترتفع أطرافها من أسفل، فيبين من العورة. يا إخواني ما الفائدة من هذا اللباس للمجتمع هل فيه تهذيب لأخلاقه، أو تتميم لإيمانه، أو إصلاح لعمله، أو تقدم ورقي لشأنه، أو صحة لبدن لابسه كلا، ولكن فيه المفاسد وزوال الحياء، واعتياد هذا اللباس عند الكبر كما هو مشاهد، فإن هذا اللباس لم يقتصر شره على الصغار جدا من البنات، بل سرى إلى شابات في سن الزواج كما تراه أحيانا إذا كشفت الريح عباءتها. أيها المسلمون: إن الواجب الديني والخلقي يحتم علينا القضاء على هذه الألبسة، والتناهي عنها، وأن تحفظ نساءنا عن التبرج، وأن نكون قوامين عليهن كما جعلنا الله كذلك نقوم عليهن، ونلزمهن بما يجب، ونمنعهن مما يحرم، وإذا أمكن أن تأتي إليهن بما يحتجن من السوق أتينا به فإن لم يمكن، فلتأت به أعقلهن، وأبعدهن من الفتنة. إن الواجب علينا أن نتناصح، ونتعاون ينصح القريب قريبه، والجار جاره، فإن لم نفعل هلكنا جميعا، ووصل الشر إلى من لا يريده. أيها المسلمون: إن هذه الألبسة لا تنكر؛ لأنها غريبة وجديدة من نوعها، فليس كل جديد ينكر إلا إذا تبين ضرره ومخالفته لما يجب السير عليه، ولقد شاهدتم بأنفسكم، وسمعتم من غيركم ما يترتب عليها من أضرار، فلذلك أنكرناها، وحذرنا عنها أسأل الله تعالى أن يعيننا جميعا على الخير، وأن يمنعنا من الشر، وأن يرزقنا العافية في الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا ممن قال فيهم: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ - الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 158

[الفرع الثالث في الزكاة] [الخطبة الأولى في بيان الأموال الزكوية] الفرع الثالث في الزكاة الخطبة الأولى في بيان الأموال الزكوية الحمد لله الذي فرض الزكاة تزكية للنفوس، وتنمية للأموال، ورتب على الإنفاق في سبيله خلفا عاجلا وثوابا جزيلا في المآل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الكبير المتعال، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي حاز أكمل صفات المخلوقين، وأجل الخصال صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليما. أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى، وأدوا زكاة أموالكم، فإن الزكاة قرينة الصلاة في كتاب الله من جحد وجوبها كفر، ومن منعها بخلا وتهاونا فسق، ومن أداها معتقدا وجوبها راجيا ثوابها، فليبشر بالخير الكثير والخلف العاجل والبركة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩] وقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] أيها المسلمون: أدوا الزكاة قبل أن تفقدوا المال مرتحلين عنه، أو مرتحلا عنكم، فإنما أنتم في الدنيا غرباء مسافرون، والمال وديعة بين أيديكم لا تدرون متى تعدمون، أدوا زكاة أموالكم قبل أن يأتي اليوم الذي يحمي عليه في نار جهنم، فتكوى به الجباه والجنوب والظهور قبل أن يمثل لصاحبه شجاعا أقرع، فيأخذ بشدقيه، ويقول: أنا مالك أنا كنزك. أيها المسلمون: لقد جاءت النصوص عامة مطلقة في وجوب الزكاة في الذهب والفضة في الذهب إذا بلغ عشرين دينارا، وفي الفضة إذا بلغت مائتي درهم، وهذا هو نصاب الذهب والفضة، فما كان أقل منه، فلا زكاة فيه، وما كان منه فأكثر، ففيه ربع العشر، ففي عشرين دينارا نصف دينار، وفي مائتي درهم خمسة دراهم، وهذه الأوراق النقدية التي تتعاملون بها بدلا عن الذهب والفضة لها حكم الذهب والفضة. أيها المسلمون: لقد اختلف العلماء ﵏ في الحلي حلي المرأة من الذهب والفضة إذا كانت تلبسه، أو تعيره هل تجب فيه الزكاة أو لا؟ وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] وإذا رددنا ذلك النزاع إلى الكتاب والسنة وجدنا

стр. 159

الصواب مع العلماء الذين قالوا بوجوب الزكاة فيه: - أولا: - لعموم الأدلة الموجبة للزكاة في الذهب والفضة من غير استثناء. ثانيا: - للأدلة الخاصة الصريحة في وجوب الزكاة في حلي الذهب والفضة، ومنها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت النبي ﷺ ، ومعها بنت لها وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب، فقال النبي ﷺ : «أتؤدين زكاة هذا، قالت، لا قال: أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار، فخلعتهما، فألقتهما إلى النبي ﷺ ، وقالت: هما لله ورسوله» . هذا حديث إسناده قوي، وله شواهد. ثالثا: - عدم المعارض الصحيح لهذه الأدلة، وإذا ثبت الدليل، وانتفى المعارض وجب القول بما قام الدليل عليه. أيها المسلمون: إن القول بوجوب الزكاة في حلي النساء من الذهب والفضة ليس ببدع من الأقوال، فقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وجماعة من الصحابة والتابعين، وذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀، واختاره من المتأخرين شيخنا السلفي الأثري أبو عبد الله عبد العزيز بن باز، وعلى كل حال، فإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، إذا جاءت به الأحاديث عن النبي ﷺ ، فلا قول لأحد بعدها. فأدوا زكاة الحلي، إذا بلغ نصابا ربع عشر ما يساوي عند تمام الحول. أيها المسلمون: وإن مما تجب به الزكاة عروض التجارة، وهي ما أعده الإنسان للبيع والاتجار به من حيوان وعقار وأثاث ومتاع وأوان، وغير ذلك كل شيء عندك للتجارة، فهو عروض تجارة، إذا حال الحول، فقومه كم يساوي، ثم أخرج ربع عشر قيمته، ومن عروض التجارة أيضا ما يكون عند الفلاحين من الإبل والبقر والغنم التي يربونها للبيع، فأما العقارات التي أعدها الإنسان له، ولا يريد بيعها، وإنما يريد أن يسكنها، أو يؤجرها، فهذه ليس فيها زكاة، ولا زكاة فيما أعده الإنسان لبيته من الأواني والفرش ونحوها، ولا فيما أعده الفلاح لحاجة الفلاحة من المكائن وآلات الحرث ونحوها، وخلاصة ذلك أن كل شيء تعده لحاجتك أو للاستغلال سوى الذهب والفضة، فلا زكاة فيه، وما أعددته للاتجار، والتكسب ففيه الزكاة. أما الديون التي عند الناس، فلا يجب عليك إخراج زكاتها حتى تقبضها، فإذا قبضتها، فإن كان الدين على مليء وجب أن تخرج عنه زكاة كل السنوات الماضية، وإن كان على فقير لم يجب أن تخرج إلا عن سنة واحدة، فقط، وإن أخرجت زكاة الدين قبل قبضه

стр. 160

، فلا بأس. إخواني: لا تنفع الزكاة، ولا تبرأ بها الذمة حتى يخرجها على الوجه المشروع بأن يصرفها في مصارفها في مصارفها الشرعية في الأصناف الثمانية التي ذكر الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] فالفقراء والمساكين هم الذين لا يجدون كفايتهم، وكفاية عائلتهم، فمن كان له كفاية من صنعة، أو حرفة، أو تجارة، أو راتب، أو عطاء من بيت المال، أو نفقة ممن تجب عليه نفقته، أو غير ذلك، فإنه لا يجوز إعطاؤه من الزكاة، إلا أن يكون عليه طلب لا يستطيع وفاءه، فلا بأس أن تعطيه لوفاء دينه، وكما يجوز لك أن تعطي المطلوب لقضاء الطلب، فيجوز لك أن تذهب أنت بنفسك إلى من له الطلب، وتقول هذا عن فلان، فأسقطه من دينه، ولو لم تخبر المطلوب بذلك. وها هنا مسألتان يقع السؤال عنهما كثيرا حداهما أن بعض الفقراء يكون أخرق إذا أعطيته أفسده، فهل يجوز أن أشتري له بالزكاة حاجة، وأعطيها إياه، والجواب على هذا أن ذلك لا يجوز لكن لك أن تقول له اشتر حاجة من السوق، فإذا اشترى جاز لك أن توفي عنه من الزكاة. المسألة الثانية أن بعض الناس يكون له عادة بأخذ الزكاة، ثم يغنيه الله، فإذا أعطي الزكاة أخذها، وأعطاها الفقراء، وهذا حرام لا يجوز، بل إذا أغناه الله، وجب عليه ردها، وصاحبها إن شاء أخذها، وإن شاء وكله في دفعها إلى أحد. وفقني الله وإياكم لمعرفة الحق، وإتباعه ومعرفة الباطل واجتنابه وهدانا، وإياكم الصراط المستقيم إنه جواد كريم.

стр. 161

[الخطبة الثانية في بيان زكاة النخيل] الخطبة الثانية في بيان زكاة النخيل الحمد لله الرؤوف الرحيم البر الجواد الكريم أنعم على العباد بما أخرج لهم من الزروع والثمرات، وما أدر عليهم من الأرزاق المجلوبة من جميع الجهات، ثم أمرهم بإنفاق ذلك في مرضاته لتكمل لهم نعمة الدنيا والدين، ووعدهم على الإنفاق في مرضاته خلفا عاجلا، وهو خير الرازقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل النبيين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما. أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى: واشكروه أن أمدكم بما تعلمون، أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون، فهذه ثمرات النخيل تتفكهون بها رطبا وبسرا، وتدخرونها قوتا وتمرا، فهو الذي خلقها، وأوجدها، وهو الذي نماها، وأصلحها وهو الذي أبقاها لكم، وحفظها، وأبقاكم حتى أدركتم جناها وثمرها، فاشكروا ربكم على هذه النعمة، وأدوا ما أوجب الله فيها من الزكاة تدفعوا عن أنفسكم وأموالكم النقمة، وحاسبوا أنفسكم في ذلك محاسبة تامة، فإن أهل الزكاة شركاء لكم فيها لهم العشر إن كانت تشرب سيحا، ونصف العشر إن كانت تشرب بالمكائن، هكذا فرضها رسول الله ﷺ ، فإياكم وبخسها وإخراج ما ينقص عن ذلك. أيها الناس: لقد أنعم الله علينا في هذه الأوقات الأخيرة بنعم كثيرة منها كثرة أنواع المأكولات، واختلاف عادات الناس بسبب ذلك حتى صار أكثر الناس لا يأكلون من التمر إلا أطيب الأنواع، فارتفع بذلك سعره، ونقص سعر الأنواع الأخرى بسبب قلة رغبة الناس فيها، فلقد كان الشقر في الزمن السابق هو الغذاء الرئيسي من التمر، وكان الناس لا يهتمون بالأنواع الأخرى، فكان الفرق بينه وبينها يسيرا، أما الأن فكانت الحال بالعكس وأصبح الفرق كبيرا بينه وبين الأصناف التي بدأت تنتشر، وترغب، انظر إلى قيمه متوسطة الشقر تجد الكيلو منه يساوي ربع ريال، وانظر إلى متوسط البرحى مثلا نجد الكيلو منه يساوي ريالين، فالكيلو من البرحى يساوي ثمان كيلو من الشقر، وهذا فرق كبير، فإذا وجدنا بستانا أكثره من البرحى والسكري ونحوهما من الأنواع الطيبة، فكيف يسوغ لنا أن نخرج زكاته كلها من الشقر مع هذا الفرق العظيم؟ كيف يمكن أن نقول إن هذا الرجل أخرج نصف عشر بستانه.

стр. 162

أيها المسلم المؤمن بالله: لقد أوجب الله عليك على لسان نبيه ﷺ نصف العشر بما يسقى بمؤونة، والعشر كاملا فيما يسقى بلا مؤونة، فهل ترضى لو كان لك نصف العشر أن تأخذ من الأنواع التي دونه بكثير؟ لا أعتقد أنك ترضى بذلك، فإذا كنت لا ترضى بأخذه لنفسك، فكيف ترضى ذلك لربك؟ ولقد نبه الله تعالى على هذا المعنى بقوله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] يعني لا تنفقوا من الرديء الذي لو كان لكم من هذا المال لم تأخذوه إلا على أغماص وكراهية، فتنبهوا أيها المسلمون لما نبهكم الله إليه، وابرؤا أنفسكم من الواجب ما دمتم في زمن الإمهال. أيها المسلمون: إنني إذا قلت: إنه لا يجزي إخراج الشقر عن بستان أكثره من الأنواع الطيبة الآخرى التي تفرق عنه فرقا كبيرا، فلست أقول ذلك لمجرد رأي رأيته، ولكن أقوله؛ استنادا إلى ما يأتي: أولا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] والخبيث هو الرديء، والرداءة أمر نسبي، فقد يكون التمر رديئا إذا نسب لما هو أجود منه، وجيدا بالنسبة لما هو أردأ منه بدليل أنه لو كان البستان كله رديئا أخرجت منه، ولم تلزم بشيء أطيب منه. ثانيا: أن النبي ﷺ أوجب العشر، أو نصف العشر، ومع هذا الفرق العظيم، فإن الشقر عن البرحى والسكري لا يقارب هذا المقدار. ثالثا: أن الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم بل أكثر العلماء يقولون: إنه يجب عليه أن يخرج الزكاة من كل نوع بحصته كما ذكره في المغنى، وقد نص فقهاؤنا في كتبهم المختصرة والمطولة على أنه يجب إخراج زكاة كل نوع منه، ولكن ربما تقولون: ألم يكن الناس من عهد قديم يخرجون الشقر عن البستان كله مع أن فيه أنواعا أخرى، فأقول: نعم كان ذلك، ولكن كان الشقر يخرج من جميع البستان حينما كان هو الغذاء الرئيسي من التمر، وحينما كانت الأنواع الأخرى قليلة، ولم يكن الفرق بينها وبين الشقر إلى هذا الحد الكبير، فكان الشقر في ذلك الوقت هو النوع المتوسط، وقد قال بعض العلماء: إنه يجوز الإخراج من النوع المتوسط بقدر القيمة. أما اليوم فقد اختلف الحال كثيرا كما ترون.

стр. 163

فاتقوا الله تعالى أيها الناس، وحاسبوا أنفسكم، وراعوا العدل، ولا تظنوا الزكاة غرامة وخسارة، فإنها والله هي الغنيمة والربح، فهي أحد أركان الإسلام، وهي قرينة الصلاة في كتاب الله، فالقيام بها قيام بركن عظيم من أركان الإسلام، وتطهير للمزكي من الإثم والعصيان، وتزكية لنفسه وأعماله، وبركة، ونمو، وزيادة في ماله. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ - الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧ - ٢٦٨] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 164

[الفرع الرابع في الصيام وزكاة الفطر وعيد الفطر] [الخطبة الأولى في استقبال شهر رمضان المبارك] الفرع الرابع في الصيام وزكاة الفطر وعيد الفطر الخطبة الأولى في استقبال شهر رمضان المبارك الحمد لله الذي من على عباده بمواسم الخيرات ليغفر لهم بذلك الذنوب، ويكفر عنهم السيئات، وليضاعف لهم بذلك الثواب، ويرفع لهم الدرجات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واسع العطايا وجزيل الهبات، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل المخلوقات صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله ربكم، واعبدوه، واشكروه على ما أنعم به عليكم، واحمدوه، واعرفوا نعمته عليكم بمواسم الخيرات التي تتكرر عليكم كل عام ليتكرر بها عليكم من الله الفضل والإنعام، وتجددوا النشاط على صالح الأعمال واجتناب الآثام. عباد الله: لقد أظلكم شهر عظيم، وموسم كريم تضاعف فيه الحسنات، وتعظم فيه السيئات، إنه شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، إنه شهر الصيام والقيام، شهر الصدقات والبر والإحسان، شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، شهر تفضل الله به على هذه الأمة بخمس خصال لم تعطها أمة من الأمم: الخصلة الأولى خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. الثانية: تستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا. الثالثة: يزين الله فيه كل يوم جنته، ويقول: «يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأذى، ويصيروا إليك» . الرابعة: تصفد فيه مردة الشياطين، فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره. الخامسة: يغفر الله لهذه الأمة في آخر ليلة منه، شهر من صامه إيمانا بالله واحتسابا لثواب الله غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قامه إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه شهر تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النيران، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته، وطعامه، وشرابه من أجلي للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه» يفرح عند فطره بأمرين، باستكمال صوم اليوم الذي من الله عليه بصيامه، وقواه عليه، ويتناول ما أحل الله له من طعام وشراب، ويفرح عند لقاء ربه بما يجده عند ربه مدخرا له من أجر الصيام. عباد الله: إن شهر رمضان شهر مغنم وأرباح، فاغتنموه بالعبادة، وكثرة الصلاة، وقراءة

стр. 165

القرآن، والذكر، والعفو عن الناس، والإحسان، وأزيلوا العدواة، والبغضاء بينكم، والشحناء، فإن الأعمال تعرض على الله يوم الاثنين والخميس، فمن مستغفر فيغفر له، ومن تائب، فيتاب عليه، ويرد أهل الضغائن بضغائنهم حتى يتوبوا، ويصطلحوا، واستكثروا في شهر رمضان من أربع خصال اثنتان ترضون بهما ربكم، واثنتان لا غنى لكم عنها، فأما اللتان ترضون بهما ربكم، فشهادة أن لا إله إلا الله، والاستغفار، وأما اللتان لا غنى لكم عنهما، فتسألون الله الجنة، وتستعيذون به من النار، واحرصوا على الدعاء عند الإفطار، فإن في الحديث أن للصائم عند فطره دعوة لا ترد. واعلموا أن الصيام إنما شرع ليتحلى الإنسان بالتقوى، ويمنع جوارحه من محارم الله، فيترك كل فعل محرم من الغش والخداع والظلم ونقص المكاييل والموازين ومنع الحقوق والنظر المحرم وسماع الأغاني المحرمة، فإن سماع الأغاني ينقص أجر الصائم، كل قوم محرم من الكذب والغيبة والنميمة والسب والشتم، وإن سابه أحد أو شاتمه أحد، فليقل: إني صائم، ولا يرد عليه بالمثل، فلا تجعل أيها المسلم يوم صومك ويوم فطرك سواء، قال النبي ﷺ : «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» . وصوموا أولادكم الذكور والإناث إذا كانوا يطيقون الصيام ليتعودوا على ذلك، فإن الصحابة ﵃ كانوا يصومون أولادهم وهم صغار حتى كان الصبي ربما يبكي من الجوع، فيعطونه لعبة يتلهى بها حتى يفطروا، وأجر الصيام يكون لهم بأنفسهم لكن الوالدين أو الأولياء لهم أجر التأديب والتوجيه. وتحروا الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، فإن رأيتموه، فصوموا، وإن لم تروه، فلا تصوموا حتى تكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما، فإن من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى أبا القاسم ﷺ ، ومن رآه منكم، فليخبر القاضي، ومن سمعه منكم في الإذاعة السعودية، فعليه الصيام إذا تحقق أنها أعلنت ثبوت الشهر. ولا يصومن أحدكم تطوعا قبل رمضان بيوم أو يومين، إلا من كان له عادة بصيام شيء من الأيام، فوافق قبل الشهر بيوم أو يومين، فلا بأس من صيامه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون» . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 166

[الخطبة الثانية في نماذج من نعم الله في شهر رمضان] الخطبة الثانية في نماذج من نعم الله في شهر رمضان الحمد لله المتفضل بالجود والإحسان المنعم على عباده بنعم لا يحصيها العد والحسبان، أنعم علينا بإنزال هذا القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، ونصر نبينا محمدا ﷺ وأصحابه ببدر، وسماه يوم الفرقان، وأعزه بفتح مكة أم القرى وتطهيرها من الأصنام والأوثان فيا له من عز ارتفع به صرح الإسلام، واندك به بنيان الشرك والطغيان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الرحيم الرحمن، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على جميع الأديان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين نصروه، وأعانوه، فنعم الأنصار هم، ونعم الأعوان، وعلى التابعين لهم بإحسان ما توالت الدهور والأزمان، وسلم تسليما. أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى: واشكروه على ما أنعم به عليكم من نعم وافرة سابغة خصوصا في هذا الشهر الكريم شهر رمضان، ففيه أنزل الله كتابه المبين رحمة للعالمين، ونورا للمستضيئين، وهدى للمتقين، وعبرة للمعتبرين، كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فيه خبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم، من تمسك به نجا، ومن طلب الهدى منه اهتدى، ومن أعرض عنه وقع في الهلاك والردى، فبؤسا للمعرضين الهالكين. وفي هذا الشهر غزوة بدر الكبرى التي نصر الله فيها عساكر الإيمان وجنود الرحمان، وهزم فيها جنود الشيطان وأنصار الشرك والطغيان، فإن رسول الله ﷺ لما بلغه خروج أبي سفيان بعير قريش من الشام، ندب أصحابه إلى تلك العير، فخرجوا في ثلثمائة وبضعة عشر رجلا فقط لا يريدون إلا العير لا يريدون عدوهم، ولكن الله بحكمته جمع بينهم على غير ميعاد ليقضي سبحانه ما حكم به، وأراد، فإن أبا سفيان لما علم بخروج النبي ﷺ بعث صارخا إلى أهل مكة يستنجدهم ليمنعوا عيرهم، فخرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس، ويصدون عن سبيل الله يقول قائلهم: والله لا نرجع حتى نقدم بدرا، ونقيم فيها ثلاثا ننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقى الخمور، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبدا قالوا هذا، ولكن الله بما يعملون محيط، وعلى رسوله ﷺ وأنصاره حفيظ، فأوحى الله إلى ملائكته:

стр. 167

﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ - ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ١٢ - ١٣] فقيض الله لرسوله ﷺ وأصحابه من أسباب النصر ما به انتصروا، ولأعدائه وحربه كسروا، فقتلوا من صناديد قريش وفريقا أسروا، ورجع فل قريش مهزومين موتورين خائبين، فلله الحمد رب السماوات والأرض رب العالمين. وفي هذا الشهر المبارك فتح الله مكة البلد الأمين على يد خليله ونبيه محمد أفضل النبيين، وطهرها من الأصنام والمشركين، وذلك هو الفتح الذي استبشر به أهل السماء، وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء، ودخل به الناس في دين الله أفواجا، وأشرق به وجه الأرض ضياء وابتهاجا، فإن النبي ﷺ خرج في عشرة آلاف من أصحابه لعشر مضين من رمضان في السنة الثامنة من الهجرة يريد غزو قريش حين نقضوا صلح الحديبية، فدخل مكة مؤزرا منصورا على إحدى مجنبتيه حواريه الزبير بن العوام، وعلى الآخرى سيف الله خالد بن الوليد، فدخلها رسول الله ﷺ خاضعا لربه مطأطئا رأسه تواضعا، وتعظيما لله رب العالمين، وركزت رايته بالحجون، ثم نهض وأصحابه المهاجرون والأنصار بين يديه، وخلفه، وعن يمينه، وشماله ﵃، فطاف بالبيت، وكان على البيت وحوله ثلثمائة وستون صنما، فجعل النبي ﷺ يطعنها بقوس في يده، ويقول: " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا". فلما أكمل طوافه دخل الكعبة، فرأى فيها الصور، فأمر بها، فمحيت، ثم أخذ بباب الكعبة وقريش تحته ينتظرون ماذا يصنع، ثم قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم قال: يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: فإني أقول لكم: كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء» . وفي هذا الشهر المبارك أنعم الله على عباده بفرض الصيام، وجعله أحد أركان الإسلام، وجعل ثواب من صامه إيمانا وإحتسابا أن يكفر عنه ما تقدم من الآثام. وفي هذا الشهر المبارك أنعم الله على العباد بمشروعية القيام، فمن قامه إيمانا وإحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة. وفي هذا الشهر

стр. 168

المبارك أنعم الله على هذه الأمة بليلة القدر التي هي خير من ألف شهر من قامها إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه. وبركات هذا الشهر كثيرة وفيرة، فاحمدوا الله على ما أنعم به عليكم فيه، وإياكم أن تضيعوا فرص أيامه ولياليه، فلو علمتم ما فيها لتمنيتم أن يكون السنة كلها. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 169

[الخطبة الثالثة في بيان شيء من آداب الصيام ومفطراته] الخطبة الثالثة في بيان شيء من آداب الصيام ومفطراته الحمد لله الذي شرع لعباده الشرائع لحكم بالغة وأسرار ورتب على صيام رمضان وقيامه إيمانا واحتسابا مغفرة الذنوب والأوزار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الغفار، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى المختار صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان آناء الليل والنهار، وسلم تسليما. أما بعد أيها الناس: اعبدوا ربكم، وصلوا فرضكم، وصوموا شهركم، واعلموا أن من حكم الصيام وأسراره أن يكون عونا للعبد على طاعة الله وتقواه، فيجتهد في فعل الخيرات واجتناب المحرمات، فمن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، اعمروا أوقات هذا الشهر الفاضل بالذكر والقراءة والصلاة، وتعرضوا فيه لنفحات المولى بكثرة الدعوات، وكثرة الإحسان إلى الخلق والعفو عنهم، فإن الله يحب المحسنين، ويحب العفو عن المسيئين، وجودوا على الفقراء في هذا الشهر بالزكاة والصدقات، فإن الله جواد يحب الجود، ولقد كان نبينا ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة، ولا تحقرن من المعروف شيئا، واتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن الرجل ليتصدق بعدل تمرة من كسب طيب، فيربيها الله له حتى تكون مثل الجبل، واعلموا، رحمكم الله، أن للصيام سننا ينبغي مراعاتها، فمنها السحور، فقد أمر النبي ﷺ به وقال: «تسحروا فإن في السحور بركة» . والأفضل تأخير السحور في آخر الليل، ففي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تزال أمتي بخير ما أخروا السحور» . وإذا قدم أحدكم السحور، وفرغ قبل طلوع الفجر، ونوى الصيام، ثم اشتهى أن يأكل فلا بأس أن يأكل حتى يطلع الفجر لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] والخيط الأبيض النهار، والأسود الليل، وقال النبي ﷺ : «إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا، واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، وكان لا يؤذن حتى يطلع الفجر» . فإذا تبين الفجر، فإنه لا يجوز أن يتناول الصائم شيئا مما يفطره، وإن الواجب على المؤذنين أن يتحروا، فلا يؤذنوا حتى يطلع الفجر، ولقد سمعت أن بعض الناس يورد حديثا عن النبي ﷺ أنه كان يتقي بناقته عن الفجر. وهذا الحديث ما رأيناه في الكتب الصحيحة ولا أظنه يصح عن النبي ﷺ وإذا تسحر أحدكم

стр. 170

فلا يحتاج أن يقول: اللهم إني نويت الصيام إلى الليل؛ لأن النية محلها القلب، والتلفظ بها بدعة، وكل بدعة ضلالة، وإذا أفطر أحدكم، فليفطر على تمر، فإن لم يجد، فليفطر على ماء، فإن لم يجد، فلينو الفطر بقلبه مثل أن تغرب الشمس، وهو خارج البلد، وليس عنده طعام ولا شراب، فينوي الفطر، ولا يحتاج أن يمص إصبعه، كما يقول بعض العوام، وينبغي عند الفطر أن يحرص على الدعاء، فإن للصائم عند فطره دعوة لا ترد، ويروى عن النبي ﷺ أنه كان إذا أفطر قال: «اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت» . واسألوا الله تعالى القبول لأعمالكم، فإن المعول عليه، ولقد كان إبراهيم الخليل وولده إسماعيل يرفعان القواعد من البيت، وهما يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وإن من علامة القبول أن يوفق العبد للتقوى، فإنما يتقبل الله من المتقين، فمن اتقى الله تعالى ظاهرا وباطنا كان حريا بالإجابة. واعلموا أن من المفطرات الأكل والشرب والجماع، وإخراج الدم بالحجامة، فقد أفطر الحاجم والمحجوم، وإخراج القيء عمدا، وإذا خرج الدم منه بغير حجامة مثل أن يحصل له رعاف، أو ينقلع سنه، أو ينجرح شيء من بدنه، فيخرج الدم، فلا يفطر بذلك، ولا يفطر أيضا إذا غلبه القيء، أو داوى عينه، أو أذنه، أو قطر فيهما. وتفطر المرأة إذا خرج منها دم الحيض، وهي صائمة، وإذا طهرت في أثناء النهار، وجب عليها قضاء اليوم الذي طهرت فيه، ولا يفطر الصائم بالسواك، ويستحب له السواك كغيره في كل وقت في أول النهار وآخره. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . الخ.

стр. 171

[الخطبة الرابعة في فضل قراءة القرآن] الخطبة الرابعة في فضل قراءة القرآن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا - قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا - مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا - وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا - مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ١ - ٥] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليما. أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى، وأكثروا من قراءة القرآن في هذا الشهر يعظم الله لكم بذلك الأجر؛ لأن في كل حرف من القرآن عشر حسنات، وقد وردت الأحاديث بفضل تلاوة القرآن عموما وبعض السور خصوصا، ففي صحيح مسلم «أن جبريل قال للنبي ﷺ : (أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لم تقرأ حرفا منها إلا أوتيته) » وقال ﷺ : «البيت الذي تقرأ فيه البقرة لا يدخله الشيطان» رواه أحمد ومسلم. وكان أسيد بن حضير ﵁ يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوطة عنده، وله ابن قريب منها، فجالت الفرس، فسكت، فسكنت، فقرأ، فجألت الفرس مرة ثانية، فسكت، فسكنت، ثم قرأ، فجالت الفرس مرة ثالثة، فخاف أن تصيب ابنه، فانصرف، ثم رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فإذا مثل الظلمة فيها أمثال المصابيح، فلما أصبح أخبر النبي ﷺ بذلك، فقال: «أتدري ما ذاك؟ قال: لا، قال: تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى فيهم» . وأخبر النبي ﷺ أن سورة البقرة وآل عمران تظللان صاحبهما يوم القيامة. وتحاجان عنه، ونزلت سورة الأنعام على النبي ﷺ بمكة، ومعها من الملائكة نحو سبعين ألف ملك ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح، والأرض ترتج بهم، ورسول الله ﷺ ، يقول: (سبحان الله العظيم) . وقال ﷺ : «إن سورة من القرآن ثلاثين آية شفعت لصاحبها حتى غفر له تبارك الذي بيده الملك» . وقد ورد أنها تنجي من عذاب القبر، وثبت أنه ﷺ قال: «إن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن» ، وقال له رجل: إني أحبها، فقال: «حبك إياها أدخلك الجنة» ، وقال رجل آخر إنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأها، فقال النبي ﷺ : «أخبروه أن الله يحبه» ،

стр. 172

وقال ﷺ لرجل من أصحابه: ألا أعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] فاقرؤوا القرآن بتدبر، وتفهم، وإذا مررتم بآية رحمة، فاسألوا الله من فضله، وإذا مررتم بآية وعيد، فتعوذوا بالله من عقابه، وإذا مررتم بآية سجدة، فاسجدوا في أي وقت كان، فالسجود للتلاوة لا نهي عنه؛ لأنه تابع للتلاوة، وإذا سجدتم، فكبروا، وقولوا: سبحان ربي الأعلى في السجود، وإذا رفعتم من السجود، فلا تكبروا، ولا تسلموا؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ ، إلا إذا سجد القارئ وهو يصلي، فإنه يكبر للسجود، وللرفع منه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ - لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٢٩ - ٣٠] اللهم بارك لنا في القرآن العظيم واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين.

стр. 173

[الخطبة الخامسة في فضل ليلة القدر وقيام الليل] الخطبة الخامسة في فضل ليلة القدر وقيام الليل الحمد لله الذي من على عباده بمواسم الخيرات، ووفق من شاء منهم لاغتنام هذه المواسم بفعل الخيرات، وخذل من شاء منهم، فكان حظه التفريط والخسران والندامات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأرض والسماوات وواسع الكرم والجود والهبات، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل المخلوقات صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان مدى الدهور والأوقات، وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واغتنموا مواسم الخير بعمارتها بما يقرب إلى ربكم، واحذروا من التفريط والإضاعة، فستندمون على تفريطكم وإضاعتكم. إخواني من لم يربح في هذا الشهر الكريم، ففي أي وقت يربح، ومن لم ينب فيه مولاه، ففي أي وقت ينيب، ويصلح، ومن لم يزل متقاعدا عن الخيرات، ففي أي وقت تحصل له الإستقامة، ويفلح، فبادروا يرحمكم الله فرص هذا الشهر قبل فواتها، واحفظوا نفوسكم عما فيه شقاؤها وهلاكها، ألا وإن شهركم الكريم قد أخذ بالنقص والاضمحلال، وشارفت لياليه، وأيامه الثمينة على الانتهاء والزوال، فتداركوا أيها المسلمون ما بقي منه بصالح الأعمال، وبادروا بالتوبة من ذنوبكم لذي العظمة والجلال، واعلموا أن الأعمال بالخواتيم، فأحسنوا الختام لقد مضى من هذا الشهر الكريم الثلثان، وبقي منه الثلث وقت العشر الحسان، فاغتنموها بالعزائم الصادقة، وبذل المعروف والإحسان، وقوموا في دياجيها لربكم خاضعين ولبره وخيراته راجين ومؤملين ومن عذابه وعقابه مستجيرين مستعيذين، فإنه تعالى أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، وهو الذي يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] وهو الذي ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيعرض على عباده الجود والكرم والغفران يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ وفي هذا العشر ليلة القدر المباركة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، ويقدر فيها ما يكون في تلك السنة بإذن العزيز العليم الحكيم تنزل فيها الملائكة من السماء، وتكثر فيها الخيرات والمصالح والنعماء، من قامها إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من الذنوب، ومن فرط فيها، وحرم خيرها فهو الملوم المحروم، أبهمها الله تعالى في هذه العشر، فلم يبين عينها ليتزود الناس في

стр. 174

جميع ليالي العشر من التهجد والقراءة والإحسان، وليتبين بذلك النشيط في طلب الخيرات من الكسلان، فإن الناس لو علموا عينها لاقتصر أكثرهم على قيام تلك الليلة دون ما سواها. ولو علموا عينها ما حصل كمال الامتحان في علو الهمة وأدناها، فاطلبوها رحمكم الله بجد وإخلاص، واسألوا الله فيها الغنيمة من البر والخيرات والسلامة من الافلاس، فإذا مررتم بآية رحمة، فاسألوا الله من فضله، وإذا مررتم بآية وعيد، فتعوذوا بالله من عذابه، وأكثروا في ركوعكم من تعظيم ذي العظمة والجلال، وأما السجود، فاجتهدوا فيه بعد التسبيح بالدعاء بما تحبون، فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، ويجوز للإنسان أن يدعو لنفسه ولوالديه وذريته وأقاربه ومن أحب من المسلمين، وأطيلوا القيام بعد الركوع والجلوس بين السجدتين لتتناسب أركان الصلاة من القيام والركوع والجلوس والسجود والقيام بعد الركوع محل حمد وثناء، فأكثروا فيه الحمد والثناء والجلوس بين السجدتين محل دعاء بالمغفرة والرحمة، فأكثروا فيه من الدعاء، وافتتحوا قيام الليل بركعتين خفيفتين؛ لأن الشيطان يعقد على قافية العبد إذا نام ثلاث عقد، فإذا قام، وذكر الله انحلت عقدة، فإذا تطهر انحلت الثانية، ثم إذا صلى انحلت الثالثة، ولكن إذا جاء أحدكم المسجد، وقد أقام الإمام، فليدخل معه، ولو لم يفتتح القيام بركعتين خفيفتين؛ لأن متابعة الإمام أهم، وهنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن بعض الناس يجعل فرجة في الصف للمؤذن أو القارئ بعد الشروع في الصلاة، وهذا خلاف المشروع، فإن المشروع سد فرج الصفوف والمراصة إذا شرعت الصلاة، فإذا جاء المؤذن أو القاريء دخل حيث ينتهي به الصف. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى في فضل ليلة القدر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ - لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ - تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ - سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ١ - ٥] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . الخ.

стр. 175

[الخطبة السادسة في أحكام زكاة الفطر] الخطبة السادسة في أحكام زكاة الفطر الحمد لله الذي من علينا بشريعة الإسلام، وشرع لنا ما يقرب إليه من صالح الأعمال، والحمد لله الذي أنعم علينا بتيسير الصيام والقيام، وجعل ثواب من فعل ذلك تكفير الخطايا والآثام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل من صلى، وزكى، وحج، وصام صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما. أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى، وفكروا في أمركم ماذا عملتم في شهركم الكريم، فإنه ضيف كريم قارب الزوال، وأوشك على الانتهاء والارتحال، وسيكون شاهدا لكم، أو عليكم بما أودعتموه من الأعمال، فابتدروا أيها المسلمون ما بقي منه بصالح الأعمال والتوبة إلى الله والاستغفار لعل ذلك يجبر ما حصل من التفريط والاهمال لقد كانت أيام هذا الشهر الكريم معمورة بالصيام والذكر والقرآن ولياليه منيرة بالصلاة والقيام وأحوال المتقين فيه على ما ينبغي، ويرام، فمضت تلك الأيام الغرر، وتلك الليالي الدرر كالساعة من نهار، فيا أسفا على تلك الليالي والأيام لقد مضت أوقات شهرنا سراعا، وكان كثير منها في التفريط مضاعا، فنسأل الله تعالى أن يخلف علينا ما مضى منها، وأن يبارك لنا فيما بقي منها، وأن يختم لنا شهرنا بالعفو والغفران والقبول والعتق من النار وبلوغ المأمول، وأن يعيد أمثاله علينا في خير وأمن وإيمان. أيها المسلمون: لقد شرع لنا ربنا الكريم في ختام هذا الشهر عبادات جليلة يزداد بها إيماننا، وتكمل بها عباداتنا، وتتم بها علينا نعمة ربنا شرع لنا ربنا في ختام هذا الشهر زكاة الفطر والتكبير وصلاة العيد، فأما زكاة الفطر فهي صاع من طعام صاع من البر أو الرز أو التمر أو غيرها من قوت الآدميين، قال أبو سعيد ﵁: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعا من طعام، وكلما كان من هذه الأصناف أطيب وأنفع للفقراء، فهو أفضل وأعظم أجرا، فطيبوا بها نفسا، وأخرجوها من أطيب ما تجدون، فلن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون، وهي ولله الحمد قدر بسيط لا يجب في السنة إلا مرة واحدة، فكيف لا يحرص الإنسان على اختيار الأطيب مع أنه الأفضل عند الله وأكثر أجرا. ويجوز للإنسان أن يوزع الفطرة الواحدة

стр. 176

على عدة فقراء، وأن يعطي الفقير الواحد فطرتين، فأكثر؛ لأن النبي ﷺ قدر الفطرة بصاع، ولم يبين قدر من يعطي، فدل على أن الأمر واسع، وعلى هذا لو كال أهل البيت فطرتهم، وجمعوها في كيس واحد، وصاروا يأخذون منها للتوزيع من غير كيل، فلا بأس لكن إذا لم يكيلوها عند التوزيع، فليخبروا الفقير بأنهم لا يعلمون عن كيلها خوفا أن يدفعها عن نفسه، وهي أقل من الصاع. وزكاة الفطر فرض على جميع المسلمين على الصغير والكبير والذكر والأنثى، فأخرجوها عن أنفسكم، وعمن تنفقون عليه من الزوجات والأقارب، ولا يجب إخراجها عن الحمل الذي في البطن، فإن أخرج عنه فهو خير، والأفضل إخراج الفطرة يوم العيد قبل الصلاة، ويجوز إخراجها قبل العيد بيومين فقط، ولا تجزئ بعد صلاة العيد إلا إذا كان الإنسان جاهلا لا يدري مثل أن يأتي العيد بغتة، ولا يتمكن من أدائها قبل الصلاة أو يظن أنه لا بأس بتأخيرها عن الصلاة، فهذا تجزئه بعد الصلاة، ولا يجزئ دفع زكاة الفطر إلا للفقراء خاصة، والواجب أن تصل إلى الفقير، أو وكيله في وقتها، ويجوز للفقير أن يوكل شخصا في قبض ما يدفع إليه من زكاة، فإذا وصلت الزكاة إلى يد الوكيل، فكأنها وصلت إلى يد موكله، فإذا كنت تحب أن تدفع فطرتك لشخص، وأنت تخشى أن لا تراه وقت إخراجها، فمره أن يوكل أحدا يقبضها منك، أو يوكلك أنت في القبض له من نفسك، فإذا جاء وقت دفعها، فخذها له بكيس أو غيره، وابقها أمانة عندك حتى يأتي، وأما التكبير فقد أمر الله به تعالى في كتابه، فقال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي: على ما وفقكم له من الصيام، والقيام وغيرهما من الطاعات في هذا الشهر، فكبروا أيها المسلمون من غروب شمس ليلة العيد إلى الصلاة قولوا: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، قولوا: ذلك جهرا في المساجد، والأسواق، والبيوت، إلا النساء، فإنهن يكبرن سرا لا جهرا. وأما الصلاة فقد أمر بها رسول الله ﷺ حتى النساء، فاخرجوا رحمكم الله إلى الصلاة رجالا ونساء كبارا وصغارا، ولتخرج النساء غير متجملات، ولا متطيبات، وتعتزل الحائض المصلى؛ لأن مصلى العيد مسجد، أما الرجال، فالسنة أن يخرجوا متطيبين لابسين أحسن ثيابهم بعد الاغتسال والتنظيف، والسنة أن يأكل الإنسان قبل خروجه إلى الصلاة تمرات وترا ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو نحوها من الوتر، وسمعت أن بعض النساء يخرجن

стр. 177

بالتمر معهن إلى مصلى العيد يفطرن فيه، وهذا بدعة لا أصل له، وبعضهن يفعل ذلك إذا جاء خبر العيد بعد الفجر يقلن: ما نفطر إلا بالمصلى وهذا أيضا لا أصل له بل الواجب أن ينوي الإنسان الفطر من حين أن يثبت العيد؛ لأن إمساك يوم العيد حرام. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى - وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.

стр. 178

[الخطبة الأولى لعيد الفطر المبارك] الخطبة الأولى لعيد الفطر المبارك يكبر تسع مرات متوالية، ثم يقول: - الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. الحمد لله الذي سهل لعباده طرق العبادة، ويسر، وتابع لهم مواسم الخيرات، لتزدان أوقاتهم بالطاعات، وتعمر، فما انقضى شهر الصيام حتى حلت شهور حج بيت الله المطهر نحمده على أسمائه الحسنى، وصفاته العليا، ونعمه التي لا تنحصر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد المتفرد بالخلق والتدبير، وكل شيء عنده بأجل مقدر، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أنصح من دعا إلى الله، وبشر، وأنذر، وأفضل من تعبد لله، وصلى، وزكى، وصام، وحج، واعتمر صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما بدا الصباح، وأنور، وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واشكروه على نعمته عليكم بهذا الدين القيم دين الإسلام الذي أكمله الله لكم ورضيه لكم دينا، وأتم به عليكم النعمة، ثم اشكروه حيث هداكم له، وقد أضل عنه كثيرا، فأصبحت عقيدتكم أقوى العقائد وأعمالكم أكمل الأعمال وغايتكم أفضل الغايات أما عقيدتكم، فهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. تؤمنون بالله وأسمائه وصفاته؛ لأنكم تشاهدون آياته في كل شيء، فإن في كل شيء له آية تدل على أنه واحد ففي أنفسكم آيات وفي السماوات والأرض آيات، وفي اختلاف الليل والنهار آيات، وفي تصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض آيات، وفي كل مخلوق من مخلوقاته آيات تدل على كمال وحدانيته وتمام سلطانه وربوبيته وبالغ علمه وحكمته وواسع فضله ورحمته؛ لأن هذا الكون لا يمكن أن يوجد نفسه، ولا يمكن أن يوجد صدفة بل لا بد له من مدبر خالق هو الله وحده لا شريك له أما عملكم، فهو أكمل الأعمال؛ لأنكم تسيرون على نور من الله وبرهان مهتدين بهدي النبي ﷺ وخلفائه الراشدين، فحققوا رحمكم الله السير على ذلك كما يجب أن تحققوه أقيموا الصلاة، وحافظوا عليها، فإنها عماد دينكم، ولاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة حافظوا عليها، ولا تضيعوها، فتكونوا ممن قال الله فيهم: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا - إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٥٩ - ٦٠]

стр. 179

أدوا الزكاة إلى مستحقيها كاملة من غير نقص، فإنها قرينة الصلاة في كثير من آيات القرآن، ولا تبخلوا بها، فتطوقوا بها يوم القيامة. صوموا رمضان حجوا البيت الحرام، فهذه أركان الإسلام من حافظ عليها سهل عليه بقية فروع الدين، وانشرح صدره لأوامر الله ورسوله، ومن لم يحافظ على أركان الإسلام ضاق صدره بفروعه، وصعب عليه القيام به، فحافظوا رحمكم الله على دينكم، واتقوا الله ما استطعتم لتحققوا بذلك الغاية الحميدة، وهي رضا الله، والفوز بدار كرامته مع ما يتبع ذلك من الحياة الطيبة قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] عباد الله: لو سألتم أي واحد ما هي أمنيتك؟ لقال: أمنيتي أن أعيش سعيدا، وأموت حميدا، وأبعث آمنا، وهذه الأمنية تتحقق يقينا لكل من عمل صالحا وهو مؤمن، وما أيسر ذلك لمن يسره الله له. عباد الله: إن التمسك بدينكم يكفل لكم الحياة الطيبة والأجر العظيم الحياة الطيبة حياة النصر والعز والرخاء والكرامة وأكبر شاهد على ذلك أن النبي ﷺ بعث في قوم أميين متخلفين في العلم والحضارة والسيطرة، فما لبث هؤلاء القوم حين تمسكوا بالإسلام حتى صاروا قادة العالم في العلم والحضارة والأخلاق، وسادوا الناس عزة بعد الذل وتقدما بعد التخلف، وإن الدين الذي تمسك به أولئك السادة لا يزال هو الدين محفوظا في كتاب الله، وفي سنة رسوله ﷺ ، فلو تمسك به المسلمون تمسكا صحيحا، وطبقوه تطبيقا إيجابيا في جميع أمورهم لسادوا العالم كما حصل ذلك لأسلافهم، قال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ - الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١] ولكن المسلمين فرطوا في كثير من أمور دينهم، وأعرض كثير منهم عن كتاب الله وسنة رسوله إلى نظم تخبطوا بها خبط عشواء ما أنزل الله بها من سلطان، فضلوا، وأضلوا كثيرا، وضلوا عن سواء السبيل، فتفككت الأمة الإسلامية، وانتقضت عراها، وتداعت عليهم الأمم، وصاروا أذلة بعد العزة وضعفاء بعد القوة ومتفرقين بعد الألفة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. عباد الله: إن الإسلام يأمر بإخلاص العبادة لله، وينهى عن الرياء يأمر باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 180

وخلفائه الراشدين، وينهى عن البدع في الدين يأمر ببر الوالدين، وينهى عن العقوق، يأمر بصلة الأقارب، وينهى عن القطيعة، يأمر بالعدل، وهو إعطاء كل ذي حق حقه من غير نقص، وينهى عن الجور، وهو الظلم يأمر بالصدق والنصح والأمانة، وينهى عن الكذب والغش والخيانة يأمر بتطهير القلوب من الغل والحقد على المسلمين، وينهى عن البغضاء والعداوة يأمر بالحزم والقوة، وينهى عن الكسل والضعف، فهو دين يأمر بكل خير وصلاح، وينهى عن كل شر وفساد. عباد الله: إن من محاسن دين الإسلام هذا العيد السعيد اليوم الذي توج الله به شهر الصيام وافتتح أشهر الحج إلى بيته الحرام، وهو اليوم الذي يخرج فيه المسلمون فرحين بما أنعم الله به عليهم من إتمام الصيام والقيام. يؤدون صلاة العيد تعظيما لله وإقامة لذكره، وبرهانا على ما قام بقلوبهم من محبته وشكره يحسنون الظن بمولاهم؛ لأنه عند ظن عبده به يؤملون منه كل خير؛ لأنه صاحب الفضل والإحسان العميم يسألون الجواد الكريم الذي من عليهم بالعمل أن يمن عليهم بقبول ذلك، وأن يجعلهم من الرابحين. اللهم إنا نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، يا منان يا بديع السماوات والأرض، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام أن تمن علينا بمحبتك والإخلاص لك ومحبة رسولك، والاتباع به، ومحبة شرعك، والتمسك به اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك الله يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر، اللهم تقبل صيامنا، وقيامنا، وأعد علينا من بركات هذا اليوم، وأعد أمثاله علينا، ونحن نتمتع بالإيمان، والأمن، والعافية، اللهم صل، وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله. . الخ.
следующие страницы →