Полный текст (711 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
على عدة فقراء، وأن يعطي الفقير الواحد فطرتين، فأكثر؛ لأن النبي ﷺ قدر الفطرة بصاع، ولم يبين قدر من يعطي، فدل على أن الأمر واسع، وعلى هذا لو كال أهل البيت فطرتهم، وجمعوها في كيس واحد، وصاروا يأخذون منها للتوزيع من غير كيل، فلا بأس لكن إذا لم يكيلوها عند التوزيع، فليخبروا الفقير بأنهم لا يعلمون عن كيلها خوفا أن يدفعها عن نفسه، وهي أقل من الصاع. وزكاة الفطر فرض على جميع المسلمين على الصغير والكبير والذكر والأنثى، فأخرجوها عن أنفسكم، وعمن تنفقون عليه من الزوجات والأقارب، ولا يجب إخراجها عن الحمل الذي في البطن، فإن أخرج عنه فهو خير، والأفضل إخراج الفطرة يوم العيد قبل الصلاة، ويجوز إخراجها قبل العيد بيومين فقط، ولا تجزئ بعد صلاة العيد إلا إذا كان الإنسان جاهلا لا يدري مثل أن يأتي العيد بغتة، ولا يتمكن من أدائها قبل الصلاة أو يظن أنه لا بأس بتأخيرها عن الصلاة، فهذا تجزئه بعد الصلاة، ولا يجزئ دفع زكاة الفطر إلا للفقراء خاصة، والواجب أن تصل إلى الفقير، أو وكيله في وقتها، ويجوز للفقير أن يوكل شخصا في قبض ما يدفع إليه من زكاة، فإذا وصلت الزكاة إلى يد الوكيل، فكأنها وصلت إلى يد موكله، فإذا كنت تحب أن تدفع فطرتك لشخص، وأنت تخشى أن لا تراه وقت إخراجها، فمره أن يوكل أحدا يقبضها منك، أو يوكلك أنت في القبض له من نفسك، فإذا جاء وقت دفعها، فخذها له بكيس أو غيره، وابقها أمانة عندك حتى يأتي، وأما التكبير فقد أمر الله به تعالى في كتابه، فقال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي: على ما وفقكم له من الصيام، والقيام وغيرهما من الطاعات في هذا الشهر، فكبروا أيها المسلمون من غروب شمس ليلة العيد إلى الصلاة قولوا: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، قولوا: ذلك جهرا في المساجد، والأسواق، والبيوت، إلا النساء، فإنهن يكبرن سرا لا جهرا. وأما الصلاة فقد أمر بها رسول الله ﷺ حتى النساء، فاخرجوا رحمكم الله إلى الصلاة رجالا ونساء كبارا وصغارا، ولتخرج النساء غير متجملات، ولا متطيبات، وتعتزل الحائض المصلى؛ لأن مصلى العيد مسجد، أما الرجال، فالسنة أن يخرجوا متطيبين لابسين أحسن ثيابهم بعد الاغتسال والتنظيف، والسنة أن يأكل الإنسان قبل خروجه إلى الصلاة تمرات وترا ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو نحوها من الوتر، وسمعت أن بعض النساء يخرجن
стр. 177
بالتمر معهن إلى مصلى العيد يفطرن فيه، وهذا بدعة لا أصل له، وبعضهن يفعل ذلك إذا جاء خبر العيد بعد الفجر يقلن: ما نفطر إلا بالمصلى وهذا أيضا لا أصل له بل الواجب أن ينوي الإنسان الفطر من حين أن يثبت العيد؛ لأن إمساك يوم العيد حرام. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى - وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
стр. 178
[الخطبة الأولى لعيد الفطر المبارك]
الخطبة الأولى لعيد الفطر المبارك يكبر تسع مرات متوالية، ثم يقول: - الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. الحمد لله الذي سهل لعباده طرق العبادة، ويسر، وتابع لهم مواسم الخيرات، لتزدان أوقاتهم بالطاعات، وتعمر، فما انقضى شهر الصيام حتى حلت شهور حج بيت الله المطهر نحمده على أسمائه الحسنى، وصفاته العليا، ونعمه التي لا تنحصر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد المتفرد بالخلق والتدبير، وكل شيء عنده بأجل مقدر، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أنصح من دعا إلى الله، وبشر، وأنذر، وأفضل من تعبد لله، وصلى، وزكى، وصام، وحج، واعتمر صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما بدا الصباح، وأنور، وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واشكروه على نعمته عليكم بهذا الدين القيم دين الإسلام الذي أكمله الله لكم ورضيه لكم دينا، وأتم به عليكم النعمة، ثم اشكروه حيث هداكم له، وقد أضل عنه كثيرا، فأصبحت عقيدتكم أقوى العقائد وأعمالكم أكمل الأعمال وغايتكم أفضل الغايات أما عقيدتكم، فهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. تؤمنون بالله وأسمائه وصفاته؛ لأنكم تشاهدون آياته في كل شيء، فإن في كل شيء له آية تدل على أنه واحد ففي أنفسكم آيات وفي السماوات والأرض آيات، وفي اختلاف الليل والنهار آيات، وفي تصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض آيات، وفي كل مخلوق من مخلوقاته آيات تدل على كمال وحدانيته وتمام سلطانه وربوبيته وبالغ علمه وحكمته وواسع فضله ورحمته؛ لأن هذا الكون لا يمكن أن يوجد نفسه، ولا يمكن أن يوجد صدفة بل لا بد له من مدبر خالق هو الله وحده لا شريك له أما عملكم، فهو أكمل الأعمال؛ لأنكم تسيرون على نور من الله وبرهان مهتدين بهدي النبي ﷺ وخلفائه الراشدين، فحققوا رحمكم الله السير على ذلك كما يجب أن تحققوه أقيموا الصلاة، وحافظوا عليها، فإنها عماد دينكم، ولاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة حافظوا عليها، ولا تضيعوها، فتكونوا ممن قال الله فيهم: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا - إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٥٩ - ٦٠]
стр. 179
أدوا الزكاة إلى مستحقيها كاملة من غير نقص، فإنها قرينة الصلاة في كثير من آيات القرآن، ولا تبخلوا بها، فتطوقوا بها يوم القيامة. صوموا رمضان حجوا البيت الحرام، فهذه أركان الإسلام من حافظ عليها سهل عليه بقية فروع الدين، وانشرح صدره لأوامر الله ورسوله، ومن لم يحافظ على أركان الإسلام ضاق صدره بفروعه، وصعب عليه القيام به، فحافظوا رحمكم الله على دينكم، واتقوا الله ما استطعتم لتحققوا بذلك الغاية الحميدة، وهي رضا الله، والفوز بدار كرامته مع ما يتبع ذلك من الحياة الطيبة قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] عباد الله: لو سألتم أي واحد ما هي أمنيتك؟ لقال: أمنيتي أن أعيش سعيدا، وأموت حميدا، وأبعث آمنا، وهذه الأمنية تتحقق يقينا لكل من عمل صالحا وهو مؤمن، وما أيسر ذلك لمن يسره الله له.
عباد الله: إن التمسك بدينكم يكفل لكم الحياة الطيبة والأجر العظيم الحياة الطيبة حياة النصر والعز والرخاء والكرامة وأكبر شاهد على ذلك أن النبي ﷺ بعث في قوم أميين متخلفين في العلم والحضارة والسيطرة، فما لبث هؤلاء القوم حين تمسكوا بالإسلام حتى صاروا قادة العالم في العلم والحضارة والأخلاق، وسادوا الناس عزة بعد الذل وتقدما بعد التخلف، وإن الدين الذي تمسك به أولئك السادة لا يزال هو الدين محفوظا في كتاب الله، وفي سنة رسوله ﷺ ، فلو تمسك به المسلمون تمسكا صحيحا، وطبقوه تطبيقا إيجابيا في جميع أمورهم لسادوا العالم كما حصل ذلك لأسلافهم، قال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ - الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١] ولكن المسلمين فرطوا في كثير من أمور دينهم، وأعرض كثير منهم عن كتاب الله وسنة رسوله إلى نظم تخبطوا بها خبط عشواء ما أنزل الله بها من سلطان، فضلوا، وأضلوا كثيرا، وضلوا عن سواء السبيل، فتفككت الأمة الإسلامية، وانتقضت عراها، وتداعت عليهم الأمم، وصاروا أذلة بعد العزة وضعفاء بعد القوة ومتفرقين بعد الألفة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
عباد الله: إن الإسلام يأمر بإخلاص العبادة لله، وينهى عن الرياء يأمر باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 180
وخلفائه الراشدين، وينهى عن البدع في الدين يأمر ببر الوالدين، وينهى عن العقوق، يأمر بصلة الأقارب، وينهى عن القطيعة، يأمر بالعدل، وهو إعطاء كل ذي حق حقه من غير نقص، وينهى عن الجور، وهو الظلم يأمر بالصدق والنصح والأمانة، وينهى عن الكذب والغش والخيانة يأمر بتطهير القلوب من الغل والحقد على المسلمين، وينهى عن البغضاء والعداوة يأمر بالحزم والقوة، وينهى عن الكسل والضعف، فهو دين يأمر بكل خير وصلاح، وينهى عن كل شر وفساد.
عباد الله: إن من محاسن دين الإسلام هذا العيد السعيد اليوم الذي توج الله به شهر الصيام وافتتح أشهر الحج إلى بيته الحرام، وهو اليوم الذي يخرج فيه المسلمون فرحين بما أنعم الله به عليهم من إتمام الصيام والقيام. يؤدون صلاة العيد تعظيما لله وإقامة لذكره، وبرهانا على ما قام بقلوبهم من محبته وشكره يحسنون الظن بمولاهم؛ لأنه عند ظن عبده به يؤملون منه كل خير؛ لأنه صاحب الفضل والإحسان العميم يسألون الجواد الكريم الذي من عليهم بالعمل أن يمن عليهم بقبول ذلك، وأن يجعلهم من الرابحين. اللهم إنا نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، يا منان يا بديع السماوات والأرض، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام أن تمن علينا بمحبتك والإخلاص لك ومحبة رسولك، والاتباع به، ومحبة شرعك، والتمسك به اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك الله يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر، اللهم تقبل صيامنا، وقيامنا، وأعد علينا من بركات هذا اليوم، وأعد أمثاله علينا، ونحن نتمتع بالإيمان، والأمن، والعافية، اللهم صل، وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله. . الخ.
стр. 181
[خطبة أولى لعيد الفطر أيضا]
خطبة أولى لعيد الفطر أيضا يكبر تسع مرات متوالية ثم يقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. الله أكبر ما نطق بذكره وتعظيمه ناطق، الله أكبر ما صدق في قصده وعمله صادق، الله أكبر ما أقيمت شعائر الدين الله أكبر ما رفرفت بالنصر أعلام المؤمنين، الله أكبر كلما صام صائم، وأفطر، وكلما لاح صباح عيد، وأسفر الله أكبر، كلما لاح برق، وأنور، وكلما أرعد سحاب، وأمطر الحمد لله الذي سهل لعباده طريق العبادة، ويسر، ووفاهم أجورهم من خزائن جوده التي لا تنفد، ولا تحصر، ومن عليهم بأعياد تعود عليهم بالخيرات، والبركات، وتتكرر، وتابع لهم بين مواسم العبادة لتشيد الأوقات بالطاعة، وتعمر فما انقضى شهر الصيام حتى أعقبه بشهور حج بيت الله المطهر نحمده على نعمه التي لا تحصى، ولا تحصر، ونشكره على فضله وإحسانه، وحق له أن يشكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله انفرد بالخلق والتدبير وكل شيء عنده بأجل مقدر، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل من تعبد لله، وصلى، وزكى، وحج، واعتمر صلى الله عليه، وعلى آله الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهر وعلى أصحابه الذين سبقوا إلى الخيرات، فنعم الصحب والمعشر، وعلى التابعين لهم بإحسان ما بدا الفجر، وأنور، وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى، واعرفوا نعمته عليكم بهذا العيد السعيد، فإنه اليوم الذي توج الله به شهر الصيام، وافتتح به أشهر الحج إلى بيته الحرام، وأجزل فيه للصائمين والقائمين جوائز البر والإكرام عيد امتلأت القلوب به فرحا وسرورا، وازدانت به الأرض بهجة ونورا؛ لأنه اليوم الذي يخرج فيه المسلمون إلى مصلاهم لربهم حامدين معظمين، وبنعمته بإتمام الصيام والقيام مغتبطين ولخيره وثوابه مؤملين راجين يسألون ربهم الجواد الكريم أن يتقبل عملهم، وأن يتجاوز عن مسيئهم، وأن يعيد عليهم مثل هذا اليوم، وهم في خير وأمن وإيمان واجتماع على الحق والعبادة وابتعاد عن الباطل والعصيان.
عيدنا معشر المسلمين ليس عيد مبتدعة، ولا مشركين، فالأعياد الشرعية ثلاثة عيد الأسبوع
стр. 182
وهو يوم الجمعة، وعيد الفطر وعيد النحر، وليس في الإسلام سواها عيد ليس في الإسلام عيد لميلاد، ولا لانتصار جيوش وأجناد، ولا لتسلم زمام الملك والرئاسة على العباد، فهذا رسول الله ﷺ لم يقم أصحابه، وهو أحب الناس إليهم لميلاده عيدا، وهذه انتصارات المسلمين في بدر واليرموك والقادسية وغيرها لم يقم المسلمون لها عيدا، وهذا قيام الخلافة لأبي بكر وعمر، وعثمان وعلي، وأكرم بهم قادة خلفاء وولاة أمناء لم يقم المسلمون لقيام الخلافة فيهم عيدا، ولو كانت إقامة الأعياد لمثل هذه الأمور خيرا لسبقنا إليه من سبقونا في العلم والعبادة من أصحاب رسول الله ﷺ وأئمة المسلمين في العلم بعدهم، واعلموا رحمكم الله أنه قد ثبت دخول شهر شوال هذا اليوم ثبوتا شرعيا، وإن اختلاف البلدان في دخول الشهر غير ضار، وذلك لأن مطالع القمر تختلف بحسب البلدان بإجماع أهل المعرفة في ذلك، فإذا كانت الشمس تزول هنا مثلا قبل من كان غربا عنا، وتجب علينا صلاة الظهر، ولا تجب عليهم؛ لأن الشمس لم تزل عندهم كذلك ربما يرى القمر في منطقة ما، فيثبت دخول الشهر في حقهم دون من لم يروه، فيثبت العيد في حق من رأوه، ولا يثبت العيد في حق من لم يروه. الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، والله أكبر، ولله الحمد، واشكروا أيها المسلمون نعمة الله عليكم بهذا الدين القويم والصراط المستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات والأرض صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ألا وهو دين الإسلام الذي أكمله الله لعباده، ورضيه لهم دينا، وأتم به النعمة عليهم، فهو دين الهدى والحق والصلاح والرشد دين يأمر بعبادة الله وحده، ويأمر بالصدق والنصح والعدل والإحسان، وينهى عن الشكر والكذب والغش والجور والطغيان يأمر بكل خلق شريف فاضل، وينهى عن كل خلق رزيل سافل إذا تأمله العاقل المنصف عرف قدره، وأنه لو تجمع أذكياء العالم كلهم، واتعبوا قرائحهم وأذهانهم في تشريع نظم تساوي نظمه لم يجدوا إلى ذلك سبيلا، ولعاد الذهن خاسئا كليلا، فلا حكم أحسن من حكم الله، ولا قوانين، ولا نظما أقوم للعباد مما سنه الله، فتمسكوا به ترشدوا واسلكوا، طريقه تهتدوا، وتعبدوا الله به تسعدوا، وانصروه بمحاربة من عاداه تنصروا قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]
أيها المسلمون: إننا اليوم بحاجة ماسة إلى التآلف والتناصح وتوحيد القصد والعمل
стр. 183
والتعاون في الحق، وأن نعالج مشاكلنا وأمراضنا الدينية والاجتماعية معالجة المخلص الذي يقصد حصول المصلحة، واندفاع المضرة لا يقصد انتصارا لنفسه، ولا مجرد أخذ برأيه، ولا التنكيت واللوم على غيره، وإنما يقصد إصلاح الدين والمجتمع، وبهذه النية الطيية، وبسلوك الحكمة في الوصول إلى المطلوب يحصل الفلاح، والنجاح إن شاء الله.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَالْعَصْرِ - إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
стр. 184
[الخطبة الثانية لعيد الفطر المبارك]
الخطبة الثانية لعيد الفطر المبارك يكبر سبع مرات متوالية، ثم يقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
الحمد لله معيد الجمع والأعياد، ومبيد الأمم والأجناد، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ند، ولا مضاد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المفضل على جميع العباد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم التناد، وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى واشكروه على ما أنعم به عليكم من إتمام الصيام والقيام فإن ذلك من أكبر النعم، واسألوه أن يتقبل ذلك منكم، ويتجاوز عما حصل من التفريط والإهمال، فإنه تعالى أكرم الأكرمين وأجود الأجودين، واعلموا أن النبيي ﷺ قال: «من صام رمضان، وأتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر» وتفسير ذلك أن صيام رمضان يقابل عشرة أشهر، وصيام ست من شوال يقابل شهرين، فذلك تمام العام، وأما الصيام يوم واحد بعد العيد، وتسميته يوم الصبر، فهذا غير صحيح، ويوم الصبر كل يوم تصوم فيه، فهو يوم صبر؛ لأنك تصبر نفسك، وتمنعها مما يمتنع في الصيام، وقد اعتقد بعض العوام أن من صام الست في سنة لزمه أن يصومها كل سنة، وهذا غير صحيح، فصيام الست سنة فيها ما سمعتم من الفضل، ولا بأس أن يصومها الإنسان سنة، ويتركها أخرى، ولكن الأفضل أن يصومها كل سنة، ولا يحرم نفسه من ثوابها. أيها الناس: تذكروا بجمعكم هذا يوم الجمع الأكبر حين تقومون يوم القيامة من قبوركم لرب العالمين حافية أقدامكم عارية أجسامكم شاخصة أبصاركم: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ - وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ - وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ - لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧] يوم تفرق الصحف ذات اليمين وذات الشمال ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ - فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا - وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا - وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ - فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا - وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ١٢] يوم توضع الموازين: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ - تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ - أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٥]
стр. 185
يوم ينصب الصراط على جهنم، فتمرون عليه عليه بقدر أعمالكم ومسابقتكم في الخيرات، فمن كان سريعا في الدنيا في مرضاة الله كان سريعا في مروره على الصراط، ومن كان بطيئا في الدنيا في مرضاة الله ومتثاقلا فيها كان مروره على الصراط كذلك جزاء وفاقا، فاستبقوا الخيرات أيها المسلمون، وأعدوا لهذا اليوم عدته لعلكم تفلحون، واعلموا أن السنة لمن خرج إلى مصلى العيد من طريق أن يرجع من طريق أخرى اقتداء بالنبي ﷺ ، وإظهارا لشعائر الله، وتعرفا إلى عباد الله في كل طريق، ولقد جرت عادة الناس أن يتصافحوا، ويهنئ بعضهم بعضا في العيد، وهذه عادة حسنة تجلب المودة، وتزيل البغضاء أما زيارة القبور في هذا اليوم بالذات، فلم أعلم لها أصلا من الشرع، فزيارة القبور مشروعة في كل وقت، ولم يرد تخصيص يوم العيد بزيارتها. أيها الناس (قبل انتهاء خطبتنا هذه) أحب أن أوجه موعظة للنساء كما كان النبي ﷺ يعظهن في صلاة العيد بعد الرجال. فأقول أيتها النساء: إن عليكن أن تتقين الله في أنفسكن، وأن تحفظن حدوده، وترعين حقوق الأزواج والأولاد، فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله أيتها النساء: لا يغرنكم ما يفعله بعض النساء من الخروج إلى الأسواق بالتبرج والطيب وكشف الوجه واليدين أو وضع ستر رقيق لا يستر، فلقد كان النبي ﷺ : «صنفان من أهل النار لم أرهما بعد، وذكر نساء كاسيات عاريات، مائلات، مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها» وإذا مشيتن في الأسواق، فعليكن بالسكينة، ولا تزاحمن الرجال، ولا ترفعن أصواتكن، ولا تلبسن بناتكن ألبسة مكروهة، ولا تتشبهن بالرجال فإن النبي ﷺ لعن المتشبهات من النساء بالرجال، وقال صلى الله وعليه وسلم للنساء: «رأيتكن أكثر أهل النار؛ لأنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير» . اللهم إن عبادك خرجوا إلى هذا المكان يرجوان ثوابك وفضلك، ويخافون عذابك اللهم حقق لنا ما نرجو، وآمنا مما تخاف اللهم تقبل منا، واغفر لنا وارحمنا، اللهم انصرنا على عدونا، واجمع كلمتنا على الحق، ويسرنا لليسرى، وجنبنا العسرى، واغفر لنا في الآخرة والأولى إنك جواد كريم.
стр. 186
[الفرع الخامس في الحج والأضحية]
[الخطبة الأولى في شروط وجوب الحج]
الفرع الخامس
في الحج والأضحية الخطبة الأولى
في شروط وجوب الحج الحمد لله الذي أكمل لهذه الأمة شرائع الإسلام، وفرض على المستطيع منهم حج بيته الحرام، ورتب عليه جزيل الفضل والإنعام، فمن حج البيت، ولم يرفث، ولم يفسق خرج كيوم ولدته أمه نقيا من الذنوب والآثام، وذلك هو الحج المبرور ليس جزاء إلا الفوز بالجنة دار السلام أحمده، وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله هو الملك القدوس السلام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل من صلى، وزكى، وحج، وصام صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه البررة الكرام، وعلى التابعين لهم بإحسان ما تعاقبت الليالي والأيام، وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله، واحمدوا ربكم أن أكمل لكم الدين، وأتم عليكم النعمة، ويسر لكم سبل الخيرات حتى أصبحت في متناول أيديكم من غير كلفة، فلقد كان الناس فيما مضى يعانون من الوصول إلى البيت أنواع الكلفة والمشقات، يعانون كثرة النفقات المالية والمشقة البدنية، وتحمل الأخطار، أما اليوم، ولله الحمد، فقد أصبح الأمر يسيرا، ويسر الله بنعمته وفضله ما كان عسيرا، فأصبحتم تصلون إلى البيت الحرام بكل سهولة نفقات يسيرة ومراكب مريحة، وأمن وافر وطمأنينة كاملة، وعيش رغد، فاشكروا الله أيها المسلمون على هذه النعمة، واغتنموها، وانتهزوا فرص الخيرات، وابتدروها، وأدوا ما فرض الله عليكم من الحج، وتزودوا من التطوع به، فإن التطوع تكمل به الفريضة. واعلموا أن الله فرض الحج على المسلم، إذا تمت فيه شروط أربعة (الأول) : أن يكون بالغا، فأما الذي لم يبلغ، فإنه لا يجب عليه الحج، ولكن إذا حج، فله أجره، وإذا بلغ حج فريضة الإسلام، وإذا سافرتم بالصغار إلى الحج، فأنتم بالخيار إن شئتم، فحججوهم، وإن شئتم، فاتركوهم، وإذا حججتموهم، فلهم أجر الحج، ولكم أجر المعونة، والسبب (الشرط الثاني) : أن يكون عاقلا، فأما المجنون الذي لا يعقل، فلا حج عليه إلا أن يكون عاقلا بعد بلوغه، ووجب عليه الحج، ثم حصل له الجنون بعد ذلك. (الشرط الثالث) : أن يكون حرا، فأما العبد الرقيق الذي يباع، ويشترى، فلا حج عليه (الشرط الرابع) : أن يكون مستطيعا بماله، وبدنه، فمن لم يكن مستطيعا بماله، وهو الفقير، فلا حج عليه لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وإذا كان على الإنسان
стр. 187
دين، فإنه يقضي دينه، ثم يحج؛ لأن براءة الذمة أهم. وإذا كان الإنسان عاجزا عن الحج بنفسه، وعنده مال، فإن كان عجزا مستمرا لا يرجى زواله، فلينوب من يحج عنه مثل الكبير الذي لا يستطيع بنفسه، والمريض مرضا لا يرجى برؤه، وإن كان يرجى زوال عجزه، فإنه لا ينيب، بل يصبر حتى يزول العجز، ثم يؤدي الفريضة بنفسه ومن الاستطاعة أن يكون للمرأة محرم، فأما المرآة التي لا محرم لها، فإنه لا يجب عليها الحج، ولا يجوز لها أن تسافر بلا محرم، فإن سافرت بلا محرم، فهي في إثم ومعصية لله ولرسوله من حين تخرج من بلدها حتى يرجع إليه، فلتمكث في بيتها حتى ييسر الله لها محرما، وعن ابن عباس ﵄، قال: سمعت النبي ﷺ يخطب يقول: «لا يخلون رجل بامرأة، إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة، إلا مع ذي محرم، فقام رجل، فقال يا رسول الله: إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال النبي ﷺ : انطلق، فحج مع امرأتك» . والمحرم هو زوجها، وكل من تحرم عليمه تحريما مؤبدا بنسب أو رضاع أو مصاهرة مثل الأب والجد والابن والأخ وابن الأخت والعم والخال من نسب أو رضاع، ومثل أبي الزوج، وإن علا وابنه، وإن نزل، وزوج البنت، وإن نزلت، وزوج الأم، وإن علت لكن زوج الأم لا يكون محرما لبنتها حتى يطأ الأم، فكل هؤلاء محارم للمرأة، والحكمة في وجوب استصحاب المحرم حفظ المرأة، وصاينتها، وأما قول بعض العوام: إن ذلك من أجل أن يفكك حزائمها لو ماتت، فهو غير صحيح؛ لأن كل أحد يجوز أن يفكك حزائم المرأة، إذا ماتت سواء كان محرما لها، أو غير محرم، فقد ثبت أن النبي ﷺ جلس على قبر ابنته، وهي تدفن، وعيناه تدمعان، فأمر أبا طلحة أن ينزل في قبرها، فنزل والرسول ﷺ حاضر زوجها وعثمان ﵁ حاضر. أيها الناس: لقد شاع عند كثير من العوام أن الإنسان إذا لم يتمم له أي: يعق عنه فإنه لا يحج، والواقع أنه لا علاقة بين الحج، وبين التميمة، فالإنسان إذا حج، فله حجه سواء تمم له، أو ما تمم له. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ - فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
стр. 188
[الخطبة الثانية في صفة الحج والعمرة]
الخطبة الثانية
في صفة الحج والعمرة الحمد لله الذي بعث محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، وحجة على العباد أجمعين، وجعل دينه مبنيا على تحقيق العبادة لله رب العالمين، ميسرا، سمحا، سهلا، لا حرج فيه، ولا مشقة، ولا تضيق، ولا تعسير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العلي القدير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: إنكم تستقبلون في هذه الأيام السفر إلى بيت الله الحرام راجين من الله تكفير ذنوبكم والآثام والفوز بدار السلام والخلف العاجل عما انفقتموه في هذا السبيل من الأموال فيا أيها المسلمون إنكم تتوجهون إلى بيت ربكم وحرماته إلى أمكنة فاضلة تؤدون فيها عبادة من أفضل العبادات لستم تريدون بذلك نزهة، ولا فخرا، ولا رياء بل تريدون عبادة تتقربون بها إلى الله، وتخضعون فيها لعظمة ربكم، فأدوها أيها المسلمون كما أمرتم من غير غلو، ولا تقصير، ولا إهمال، ولا تفريط، وقوموا فيها بما أوجب الله عليكم من الطهارة والصلاة وغيرها من شرائع الدين إذا خرجتم مسافرين إليها، فاستحضروا أنكم خارجون لعبادة من أجل الطاعات، وفي سفركم التزموا القيام بالواجبات من الطهارة والجماعة للصلاة، فإن كثيرا من الناس يفرطون في الطهارة، فيتيممون مع إمكان الحصول على الماء، وإن من وجد الماء، فلا يجوز له أن يتيمم، وبعض الناس يتهاون بالصلاة مع الجماعة، فتجده يتشاغل عنها بأشياء يدركها بعد الصلاة، وإذا صليتم، فصلوا قصرا تجعلون الصلاة الرباعية ركعتين من خروجكم من بلدكم حتى ترجعوا إليه، إلا أن تصلوا خلف إمام يتم، فأتموها أربعا تبعا للإمام سواء أدركتم الصلاة، أو فاتكم شيء منها، وأما الجمع، فإن السنة للمسافر، ألا يجمع إلا إذا جد به السير، وأما النازل في مكان، فالسنة ألا يجمع، وأما الرواتب التابعة للمكتوبات، فالأولى تركها إلا سنة الفجر، وأما الوتر، وبقية النوافل، فإنهما يفعلان في الحضر والسفر، وتحلوا بالأخلاق الفاضلة من، السخاء، والكرم، وطلاقه الوجه، والصبر على الآلام، والتحمل من الناس، فإن الأمر لا يدوم، وللصبر عاقبة محمودة، وحلاوة لذيذة، وإذا وصلتم الميقات، فاغتسلوا، وتطيبوا في أبدانكم في الرأس واللحية، ثم أحرموا بالعمرة متمتعين، وسيروا إلى مكة ملبين، فإذا بلغتم البيت الحرام، فطوفوا سبعة أشواط
стр. 189
طواف العمرة، واعلموا أن جميع المساجد مكان للطواف القريب من الكعبة والبعيد لكن القرب منها أفضل، إذ لم تتأذ بالزحام، فإذا كان زحام، فأبعد عنه، والأمر واسع، ولله الحمد، فإذا فرغتم من الطواف، فصلوا ركعتين خلف مقام إبراهيم إما قريبا منه، إن تيسر، وإلا فلو بعيد المهم أن يكون المقام بينك وبين الكعبة، ثم اخرجوا لسعي العمرة، وابدأوا بالصفا، فإذا أكملتم الأشواط السبعة، فقصروا من رؤوسكم من جميع الرأس، ولا يجزئ التقصير من جانب واحد لا تغتروا بفعل الكثير من الناس، فإذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة، فاغتسلوا، وتطيبوا، وأحرموا بالحج من مكان نزولكم، واخرجوا إلى منى، وصلوا بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر قصرا من غير جمع؛ لأن نبيكم ﷺ كان يقصر بمنى، وفي مكة، ولا يجمع، فإذا طلعت الشمس يوم عرفة، فسيروا ملبين خاشعين لله إلى عرفة، واجمعوا فيها بين الظهر والعصر جمع تقديم على ركعتين، ثم تفرغوا للدعاء، والابتهال إلى الله، واحرصوا أن تكونوا على طهارة، واستقبلوا القبلة، ولو كان الجبل خلفكم؛ لأن المشروع إستقبال القبلة، وانتبهوا جيدا لحدود عرفة وعلاماتها، فإن كثيرا من الحجاج يقفون دونها، ومن لم يقف بعرفة، فلا حج له لقول النبي ﷺ : «الحج عرفة» . وكل عرفة موقف شرقيها وغربيها وجنوبيها وشماليها، إلا بطن الوادي وادي عرنة لقول النبي ﷺ : «وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف» . فإذا غربت الشمس، وتحققتم غروبها، فادفعوا إلى مزدلفة ملبين خاشعين، والزموا السكينة ما أمكنكم كما أمركم بذلك نبيكم ﷺ ، فلقد دفع من عرفة، وقد شنق لناقته الزمام، حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله، وهو يقول بيده الكريمة: «أيها الناس السكينة السكينة» . فإذا وصلتم مزدلفة، فصلوا بها المغرب والعشاء، ثم بيتوا بها إلى الفجر، ولم يرخص النبي ﷺ لأحد في الدفع من مزدلفة قبل الفجر إلا للضعفة رخص لهم أن يدفعوا في آخر الليل، فإذا صليتم الفجر، فاتجهوا إلى القبلة، وكبروا الله، واحمدوه، وادعوه حتى تسفروا جدا، ثم سيروا قبل طلوع الشمس إلى منى، ثم القطوا سبع حصيات، واذهبوا إلى جمرة العقبة، وهي الأخيرة التي تلي مكة، وارموها بعد طلوع الشمس بسبع تكبرون الله مع كل حصاة خاضعين له معظمين، واعلموا أن المقصود من الرمي تعظيم الله، وإقامة ذكره، ويجب أن تقع الحصاة في الحوض، وليس بشرط أن تضرب العمود، فإذا فرغتم من رمي الجمرة، فاذبحوا الهدي، ولا يجزئ في الهدي إلا ما يجزئ في الأضحية، ولا بأس أن توكل شخصا يذبح
стр. 190
لك ثم احلقوا بعد الذبح رؤوسكم، ويجب حلق جميع الرأس، ولا يجوز حلق جميع الرأس، ولا يجوز حلق بعضه دون بعض المرأة تقصر من أطراف رأسها بقدر أنملة، وبعد ذلك حللتم التحلل الأول، فالبسوا، وقصوا أظفاركم، وتطيبوا، ولا تأتوا النساء، ثم انزلوا قبل صلاة الظهر إلى مكة، وطوفوا للحج، واسعوا، ثم، ارجعوا إلى منى، وبالطواف والسعي مع الرمي، والحلق حللتم التحلل الثاني، وجاز لكم كل شيء حتى النساء. أيها الناس: إن الحاج يفعل يوم العيد أربعة أنساك رمي الجمرة، ثم النحر، ثم الحلق، ثم الطواف، والسعي، وهذا هو الترتيب الأكمل، ولكن لو قدمتم بعضها على بعض، فحلقتم قبل الذبح مثلا، فلا حرج، ولو أخرتم الطواف والسعي حتى تنزلوا من منى، فلا حرج، ولو أخرتم الذبح، وذبحتم في مكة في اليوم الثالث عشر، فلا حرج لا سيما مع الحاجة والمصلحة، وبيتوا ليلة الحادي عشر بمنى، فإذا زالت الشمس، فارموا الجمرات الثلاث مبتدئين بالأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة كل واحدة بسبع حصيات تكبرون مع كل حصاة، ووقت الرمي في يوم العيد للقادر من طلوع الشمس، وللضعيف من آخر الليل وآخره إلى غروب الشمس ووقته فيما بعد العيد من الزوال إلى غروب الشمس، ولا يجوز قبل الزوال، ويجوز الرمي في الليل، إذا كان الزحام شديدا في النهار، ومن كان لا يستطيع الرمي بنفسه لصغر أو كبر أو مرض، فله أن يوكل من يرمي عنه، ولا بأس أن يرمي الوكيل عن نفسه، وعمن وكله في مقام واحد لكن يبدأ بالرمي لنفسه، فإذا رميتم اليوم الثاني عشر، فقد انتهى الحج، وأنتم بالخيار، إن شئتم تعجلتم، ونزلتم، وإن شئتم، فبيتوا ليلة الثالث عشر، وارموا الجمار الثلاث بعد الزوال، وهذا أفضل؛ لأنه فعل النبي ﷺ ، فإذا أردتم الخروج من مكة، فطوفوا للوداع، والحائض والنفساء لا وداع عليهما، ولا يشرع لهما المجيء إلى باب المسجد، والوقوف عنده. أيها المسلمون: هذه صفة الحج، فاتقوا الله فيه، ما استطعتم، واسمعوا، وأطيعوا. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ - لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ - ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٩] بارك الله لي ولكم. . . الخ.
стр. 191
[الخطبة الثالثة في نماذج من محظورات الإحرام]
الخطبة الثالثة
في نماذج من محظورات الإحرام الحمد لله العظيم القهار القوي القدير الجبار فرض الفرائض، وحد الحدود، وربك يخلق ما يشاء، ويختار أمر بتعظيم شعائره، وجعل ذلك من تقوى القلوب، ورتب على ذلك الفوز بالمحبوب والنجاة من المرهوب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المطلع على الظواهر والبواطن، وهو علام الغيوب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى، وخليله المجتبى صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى، وعظموا شعائره، فإن ذلك من تقوى القلوب، ومن يعظم حرمات الله، فهو خير له عند ربه يكفر عنه سيئاته، ويرفع درجاته، وينجيه من كل مكروب ألا وإن من شعائر الله مناسك الحج والعمرة، فعظموها، واحترموها، واجتنبوا محظوراتها لعلكم تفلحون، واعلموا أيها الناس أن من محظورات الإحرام حلق الشعر، أو قصه، أوإزالته بأي مزيل كان، فلا يجوز للمحرم رجلا كان أو إمرأة أن يزيل شيئا من شعره، ويجوز له أن يحك رأسه برفق، فإن سقط بذلك شعر من غير قصد، فلا حرج عليه، وإذا كان في عين الإنسان شعر يؤذيه، فلا بأس أن يأخذه بالمنقاش، ومن محظورات الإحرام إزالة الأظفار بتقليم أو قص، فلا يجوز للمحرم أن يقص شيئا من أظفاره، فإن إنكسر من أظفاره شيء، وآذاه، فلا بأس أن يقص المنكسر الذي يؤذيه خاصة، ولا شيء عليه، ومن محظورات الإحرام الطيب، فلا يجوز للمحرم أن يتطيب لا بثوبه، ولا بدنه، ولا بما يأكل، أو يشرب أما الطيب عند عقد الإحرام قبل أن ينوي الإحرام، فهو سنة للرجال والنساء، ولا يضر بقاؤه بعد الإحرام، ومن محظورات الإحرام الرفث، وهو الجماع، وما يتصل به من مباشرة بشهوة، أو نظر بشهوة، أو تقبيل لشهوة، ونحوها، فلا يجوز للمحرم أن يفعل شيئا من ذلك، ومن محظورات الإحرام عقد النكاح، فلا يجوز للمحرم عقده لنفسه، ولا لغيره، ومن محظورات الإحرام لبس القفازين، وهما شراب اليدين، فلا يجوز للمحرم أن يلبسهما، وهذه المحظورات عامة للرجال والنساء، وهنا محظورات خاصة، فمنها لبس الثياب والأكوات والمشالح والفنايل والصدرية والشراب والكنادر والسراويل والغتر والطواقي، كل هذه الملبوسات لا يجوز للرجل خاصة إذا أحرم أن يلبسها على صفة ما
стр. 192
يلبسها عليه عادة، ومن محظورات الإحرام على الرجل خاصة تغطية رأسه بشيء ملاصق يقصد به الستر مثل الغترة والطاقية وغيرهما ممن يستر به الرأس متصلا به، فأما الشيء الذي ليس متصلا به مثل الشمسية والخيمة وسقف السيارة، فلا بأس به، وكذلك لا بأس أن يحمل الرجل على رأسه فراشه وعفشه، وإذا خشي المحرم من الضرر ببرد، أو غيره إذا كشف رأسه، فإنه لا بأس أن يغطيه، ولكن يجب عليه أن يفدي، والفدية إما ذبح شاة يفرقها على المساكين، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة فقراء لكل فقير ربع صاع من البر، أو نصف صاع من غيره، ويجوز للمحرم أن يلبس الساعة والسبتة والكمر الذي فيه النفقة والمناظر التي على العين، وأن يشبك رداءه بمشبك، ولا شيء عليه بذلك خصوصا مع الحاجة أما المحظورات التي تختص بالمرأة، فهي تغطية الوجه، فلا تغطي المحرمة وجهها، إلا أن يمر الرجال قريبا منها، فإنه يجب أن تتغطى عنهم إذا لم يكونوا من محارمها، ويجوز أن تتغطى، ولو مس الغطاء وجهها، وتلبس ما شاءت من الثياب إذا لم يكن فيها تبرج عند من لا يجوز التبرج له، وهنا مسائل أحب أن أنبهكم عليها وهي:
١ - أنه يجوز للنساء وللرجال أن يلبسوا بدل الثوب الذي أحرموا به، فإذا أحب الرجل أن يغير إزاره بإزار آخر أو رداءه برداء آخر، فلا بأس، أو كذلك إذا أحبت المرأة أن تلبس غير ثيابها التي أحرمت بها فلا بأس.
٢ - يجوز للمحرم أن يقلع الشجر الأخضر وغير الأخضر إلا إذا كان داخل الأميال، فإنه لا يجوز له قلع الشجر والحشيش، وعلى هذا يجوز قلع الشجر بعرفة، ولا يجوز في منى ومزدلفة؛ لأن عرفة خارج الأميال ومنى ومزدلفة داخل الأميال.
٣ - يجوز للمرأة أن تلبس الشراب والكنادر، ولو كانت عند عقد الإحرام حافية، ولا يجوز للرجل أن يلبس الكنادر والشراب، وإنما يجوز له لبس النعال، ولو كان حافيا عند الإحرام.
يجوز للمرأة أن تعقد الإحرام وهي حائض، وتغتسل، وتتطيب عند الإحرام كما يفعل الناس، وتحرم بالعمرة، فإذا وصلت بمكة، فإن طهرت قبل الطلوع قضت عمرتها، وحلت من إحرامها، ثم أحرمت بالحج مع الناس، وإن جاء الطلوع قبل أن تطهر، فإنها تنوي بالحج
стр. 193
وتكون قارنة، ويحصل لها حج وعمرة، فإذا طافت، وسعت نوت الطواف للحج والعمرة والسعي للحج والعمرة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] بارك الله لي ولكم. . الخ.
стр. 194
[الخطبة الرابعة في التنبيه على بعض أمور يعتقدها العوام وهي مخالفة للشرع]
الخطبة الرابعة
في التنبيه على بعض أمور يعتقدها العوام وهي مخالفة للشرع الحمد لله الذي بين لعباده الحق وأقام الدليل وهداهم بمحمد ﷺ إلى أكمل هدى وأهدى سبيل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرجو بها النجاة من العذاب الأليم والفوز بدار النعيم المقيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي وضح للأمة ما تحتاج إليه وينفعها من أمور الدنيا والدين حتى تركهم على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك معتد أثيم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى وتفقهوا بأحكام دينكم لتعبدوا الله على بصيرة، فإن مثل من يعبد الله على علم ومن يعبده على جهل كمثل من يمشي على طريق مضيئة وطريق مظلمة، الأول عارف مواقع قدمه متيقن السلامة والثاني جاهل خائف من العطب والضلالة.
أيها الناس: لقد اشتهر عند بعض العوام أن من لم يتمم له (١) فإنه لا حج له، وهذا خطأ فلا علاقة بين التميمة والحج، فالحج يصح فرضا ونفلا سواء تمم عن الإنسان أم لا.
واشتهر عند بعض الناس أن من أحرم في ثياب فإنه لا يجوز أن يغيرها وهذا غير صحيح، فإنه لا بأس أن يغير المحرم ثيابه التي أحرم بها سواء كان رجلا أو امرأة، فيجوز للرجل أن يلبس رداء أو إزارا غير اللذين أحرم بهما، ويجوز للمرأة أن تلبس ثوبا أو مقطعا غير الذي أحرمت به.
واشتهر عند بعض الناس أيضا أن المحرم لا يجوز له قطع الشجر الحي من حين أن يحرم وليس كذلك، فإن الشجر إذا كان خارج أميال الحرم جاز قطعه للمحرم وغيره، وإذا كان داخل أميال الحرم حرم قطعه على المحرم وغيره، وعلى هذا فيجوز في عرفة قطع الأشجار الحية للمحرمين وغيرهم ولا يجوز ذلك في منى ومزدلفة لأن عرفة خارج الأميال ومزدلفة ومنى داخل الأميال. стр. 195
أيها الناس: إن بعض العوام يظن أن من لا يقبل الحجر ولا يستلمه ينقص حجه، وهذا غير صحيح فإن استلام الحجر وتقبيله سنة في حال السعة إذا لم يكن هناك زحام، أما إذا كان هناك زحام فإن السنة والأفضل في حق الإنسان أن لا يزاحم لقول النبي ﷺ لعمر بن الخطاب: «يا عمر إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله وهلل وكبر» وكان ابن عباس ﵄ يكره المزاحمة ويقول لا يؤذي ولا يؤذي، وعلى هذا فطواف الإنسان الذي لا يزاحم عند الضيق أفضل وأكمل من طواف الذي يزاحم فيؤذي ويؤذي، وإن بعض الناس يشكل عليه الطواف من وراء المقام، وإني أقول لكم إنه لا إشكال في ذلك فإنه يجوز الطواف ولو من وراء المقام، وقد نص أهل العلم ﵏ على أن جميع المسجد الحرام محل للطواف حتى لو طاف في الحصباء أو في الرواق جاز له ذلك، غير أن الدنو من البيت أفضل إذا لم يكن فيه أذية عليك أو على غيرك.
أيها الناس لقد رأينا كثيرا من الحجاج يتزاحمون خلف المقام أيهم يكون أقرب إليه، وربما يظنون أن ركعتي الطواف لا تنفع إلا إذا كان الإنسان قريبا منه، وهذا غير صحيح فالقرب من المقام ليس بشرط في إجزاء الركعتين بل تجزئ الركعتان ولو كنت بعيدا، ولكن اجعل المقام بينك وبين الكعبة، ولو كنت في الحصباء أو في رواق المسجد إذا كان هناك زحام فالأمر ولله الحمد واسع.
أيها الناس: ربما تقام الصلاة والإنسان يطوف أو يسعى، فإذا حصل ذلك فصل مع المسلمين، فإذا فرغت من الصلاة فكمل من الموضع الذي قطعت الطواف أو السعي فيه ولا حرج عليك.
وربما يتعب الإنسان عقب الطواف ويجب أن يؤخر السعي إلى وقت آخر إما إلى آخر النهار أو إلى الليل أو نحو ذلك فهذا جائز لا بأس به، بل ربما يتعب في نفس السعي ويحب أن يجلس للاستراحة ثم يكمل سعيه أو يكمله على عربة ونحوها وهذا أيضا جائز لا بأس به، ما جعل الله عليكم في الدين من حرج ولله الحمد.
أيها الناس: كثيرا ما يسأل عن الحائض والنفساء ما تصنع في إحرامها؟ والجواب على ذلك ما قاله النبي ﷺ لعائشة: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» وعلى هذا
стр. 196
فتفعل مثل ما يفعل الناس سواء بسواء إلا أنها لا تطوف حتى تطهر، والسعي تابع للطواف، فإذا أحرمت بالعمرة وهي حائض أو حاضت بعد إحرامها فإن طهرت قبل الطلوع قضت عمرتها وحلت ثم أحرمت بالحج مع الناس، وإن جاء الطلوع وهي لم تطهر نوت الحج فأدخلته على العمرة وصارت قارنة ويكفيها طواف واحد وسعي واحد لحجها وعمرتها. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . إلخ.
стр. 197
[الخطبة الخامسة في حكم الأضحية وصفاتها]
الخطبة الخامسة
في حكم الأضحية وصفاتها الحمد لله الذي شرع لعباده التقرب إليه بذبح القربان وقرن النحر بالصلاة في محكم القرآن، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الفضل والامتنان، وأشهد أن محمدا عبده وسوله أفضل من قام بشرائع الإسلام وحقق الإيمان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا ربكم واشكروه على ما أنعم به عليكم من مشروعية الأضاحي التي تتقربون بها إلى ربكم وتنفقون بها نفائس أموالكم، فإن هذه الأضاحي سنة أبيكم إبراهيم ونبيكم محمد عليهما الصلاة والسلام، وإن لكم بكل شعرة منها حسنة وبكل صوفة حسنة، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: «ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من إراقة دم، وإنه لتأتي يوم القيامة بأظلافها وقرونها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفسا» .
أيها المسلمون: إن بذل الدراهم في الأضاحي أفضل من الصدقة بها، وإن الأضحية سنة مؤكدة جدا لمن يقدر عليها، فضحوا عن أنفسكم وأهليكم من الزوجات والأولاد والوالدين ليحصل الأجر للجميع وتقتدوا بنبيكم ﷺ حيث ضحى عنه وعن أهل بيته. ولقد كان بعض الناس يحرم نفسه ويتحجر فضل ربه حيث يضحي عن والديه فقط ويدع نفسه وأهله وذريته، والأولى أن يضحي للجميع وفضل الله واسع، وهذا فيما يضحي به الإنسان من نفسه، أما الوصايا فيمشي فيها على نص الوصية، ولكن إذا كان في الوصية الواحدة عدة ضحايا والريع لا يكفي إلا لواحدة فإنه لا بأس أن تجمع الأضاحي في أضحية واحدة ويجعل ثوابها للجميع إذا كان الموصي واحدا. ولقد كان بعض الناس يضحي عن الميت في أول سنة من موته يسمونها ضحية الحفرة يجعلونها للميت خاصة، وهذه بدعة لا أعلم لها أصلا في الشريعة، كما أن بعض العوام إذا أراد أن يعين الأضحية أي يسميها لمن هي له يمسح ظهرها من وجهها إلى قفاها، والمشروع في تعيين الأضحية أن يعينها عند ذبحها باللفظ من غير مسح عليها كما فعل النبي ﷺ ، ولو ذبحها بالنية من غير تلفظ باسم من هي له أجزأت نيته.
والأضحية من بهيمة الأنعام. إما من الإبل أو البقر أو الضأن أو المعز على اختلاف
стр. 198
أصنافها، ولا تجزئ إلا بشرطين الأول أن تبلغ السن المعتبر شرعا، الثاني أن تكون سليمة من العيوب التي تمنع إلإجزاء، فأما السن ففي الإبل خمس سنين وفي البقر سنتان وفي المعز سنة وفي الضأن نصف سنة. وأما العيوب التي تمنع من الإجزاء فقد بينها النبي ﷺ حيث قال: «أربع لا تجوز في الأضاحي العرجاء البين ظلعها والعوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنقى» . فالعرج البين هو الذي لا تستطيع البهيمة معه معانقة الصحيحات، والعور البين هو الذي تبرز معه العين أو تنخسف، فأما إذا كانت لا تبصر بها ولكن لا يتبين العور فيها فإنها تجزئ ولكنها تكره، والمرض البين هو الذي يظهر أثره على البهيمة إما في أكلها أو مشيها أو غير ذلك من أحوالها، ومن الأمراض البينة الجرب سواء كان قليلا أو كثيرا، فأما المرض اليسير الذي لا يظهر أثره على البهيمة فإنه لا يمنع ولكن السلامة منه أفضل. والعجف الهزل، فإذا كانت البهيمة هزيلة ليس في عظامها مخ فإنها لا تجزئ عن الأضحية. فهذه هي العيوب التي تمنع من الإجزاء، وهناك عيوب أخرى لا تمنع من الإجزاء ولكنها توجب الكراهة مثل قطع الأذن وشقها وكسر القرن، وأما سقوط الثنايا أو غيرها من الأسنان فإنه لا يضر، ولكن كلما كانت الأضحية أكمل في ذاتها وصفاتها فهي أفضل، والخصي والفحل سواء كلاهما قد ضحى به النبي ﷺ ، لكن إن تميز أحدهما بطيب لحم أو كبر جسم كان أفضل من هذه الناحية، والواحد من الضأن أو المعز أفضل من سبع البدنة أو البقرة، وسبع البدنة أو البقرة يقوم مقام الشاة في الإجزاء، فيجوز أن يشرك في ثوابه من شاء كما يجوز أن يشرك في ثواب الشاة من شاء، والحامل تجزئ كما تجزئ الحائل. ومن كان منكم يحسن الذبح فليذبح أضحيته بيده ومن كان لا يحسن فليحضر عند ذبحها فذاك أفضل، فإن ذبحت له وهو غير حاضر أجزأت، وإن ذبحها إنسان يظن أنها أضحيته فتبين أنها لغيره أجزأت لصاحبها لا لذابحها، يعني لو كان عنده في البيت عدة ضحايا فجاء شخص فأخذ واحدة يظنها أضحيته فلما ذبحها تبين أنها أضحية شخص آخر فإنها تجزئ عن صاحبها التي هي له، ويأخذ صاحبها لحمها كأن هذا الذابح صار وكيلا له.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ - فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ١ - ٢] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . إلخ.
стр. 199
[خطبة أولى لعيد الأضحى]
خطبة أولى لعيد الأضحى يكبر تسع مرات ثم يقول:
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد. الله أكبر عدد ما أحرم الحجاج من الميقات وعدد ما رفعوا بالتلبية لله الأصوات، الله أكبر عدد ما دخل الحجاج مكة ونزلوا بتلك الرحبات، الله أكبر عدد ما طافوا بالبيت العتيق وعظموا الحرمات، الله أكبر عدد ما خرجوا إلى منى ووقفوا بعرفات وعدد ما باتوا بمزدلفة وعادوا إلى منى للمبيت ورمي الجمرات، الله أكبر عدد ما أراقوا من الدماء وحلقوا من الرؤوس تعظيما لفاطر الأرض والسماوات، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
نحمده على ما من به علينا من مواسم الخيرات وما تفضل به من جزيل العطايا والهبات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مسبغ النعم ودافع النقم وفارج الكربات، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أكمل الخلق وأفضل البريات صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان ما دامت الأرض والسماوات وسلم تسليما.
عباد الله: إن يومكم هذا هو يوم الحج الأكبر وهو عيد الأضحى والنحر هو يوم الحج الأكبر؛ لأن الحجاج يؤدون فيه معظم مناسك الحج يرمون الجمرة الكبرى ويذبحون الهدايا ويحلقون رؤوسهم ويطوفون بالبيت ويسعون بين الصفا والمروة، وهو عيد الأضحى والنحر لأن الناس يضحون فيه وينحرون هداياهم، وما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من إراقة دم، وان للمضحي بكل شعرة حسنة وبكل صوفة حسنة، وهذه الأضاحي سنة أبيكم إبراهيم ونبيكم محمد عليهما الصلاة والسلام، وإنها لسنة مؤكدة يكره لمن قدر عليها أن يتركها وإن ذبحها لأفضل من الصدقة بثمنها لما فيها من إحياء السنة والأجر العظيم ومحبة الله لها. فضحوا أيها المسلمون عن أنفسكم وعن أهليكم متقربين بذلك إلى ربكم متبعين لسنة نبيكم محمد ﷺ حيث ضحى عنه وعن أهل بيته، ومن كان منكم لا يجد الأضحية فقد ضحى عنه النبي ﷺ جزاه الله عن أمته خيرا. وإذا كان منكم أحد يريد أن يتبرع بالأضحية عن والديه فلا يحرم نفسه وذريته وأهله منها وفضل الله واسع، واعلموا أنه لا أصل لما يسميه بعض الناس أضحية الحفرة، وهي التي يضحونها عن الميت أول سنة من موته يخصونه بها ولا
стр. 200
يدخلون معه أحدا في ثوابها فإن هذا لا أصل له في الشرع فاجتنبوه. وتجزي الشاة عن واحد والبدنة والبقرة عن سبعة، فلا يشترك شخصان في شاة واحدة ولا أكثر من سبعة في بدنة أو بقرة، ولكن للإنسان أن يشرك في ثواب أضحيته من شاء سواء كانت شاة أم سبع بدنة أم سبع بقرة. واعلموا أن للأضحية شروطا ثلاثة الأول: - أن تبلغ السن المعتبر شرعا وهو خمس سنين في الإبل وسنتان في البقر وسنة كاملة في المعز ونصف سنة في الضأن. الشرط الثاني: - أن تكون سليمة من العيوب التي تمنع الإجزاء وهي أربعة عيوب: العرجاء البين ظلعها وهي لا تعانق الصحيحة في الممشاء، والمريضة البين مرضها وهي التي ظهرت آثار المرض عليها إما في أكلها أو مشيها أو غير ذلك من أحوالها، ومن المرض البين الجرب والعوراء البين عورها بأن تكون عينها العوراء ناتئة أو غائرة، أما إذا كانت لا تبصر بها ولكن عورها غير بين فإنها تجزئ مع الكراهة، والعيب الرابع العجفاء وهي الهزيلة التي لا مخ فيها، فأما عيب الأذن أو القرن فإنه لا يمنع من الإجزاء ولكنه يكره، وكذلك الهثماء التي سقطت أسنانها أو بعضها فإنها تجزئ ولكنها تكره، وكلما كانت الأضحية أكمل في ذاتها وصفاتها فهي أفضل. الشرط الثالث: - من شروط الأضحية أن تقع في الوقت المحدد للتضحية شرعا وهو من الفراغ من صلاة العيد، والأفضل أن ينتظر حتى يفرغ الإمام من الخطبتين وينتهي بغروب الشمس من اليوم الثالث بعد العيد فأيام الذبح أربعة يوم العيد وثلاثة أيام بعده، وأفضلها يوم العيد والذبح في النهار أفضل ويجوز في الليل. ومن كان منكم يحسن الذبح بنفسه فليذبح أضحيته بيده، ومن كان لا يحسن فليحضر ذبحها فإن ذلك أفضل، فإذا ذبحت عنه وهو غائب فلا بأس ويسميها عند الذبح فيقول إذا أضجعها للذبح: بسم الله والله أكبر اللهم هذا منك ولك اللهم هذه عن فلان أو فلانة، هذه هي التسمية الواردة، وأما ما يفعله بعض العوام من مسح ظهرها من وجهها إلى قفاها فلا أصل له، وإذا ذبحها ونوى من هي له ولم ينطق باسمه أجزأت النية لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» ولكن النطق باسم من هي له أفضل اتباعا للسنة.
واعلموا أن للذكاة شروطا منها أن يقول عند الذبح: بسم الله، فمن لم يقل باسم الله على الذبيحة فذبيحته ميتة نجسة حرام أكلها لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]
стр. 201
وقول النبي ﷺ : «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل» ومن شروط الذكاة إنهار الدم بأن يقطع الحلقوم وهو مجرى النفس والمرئ وهو مجرى الطعام، ويتمم ذلك بقطع الأوداج وهي الوردان عرقان غليظان محيطان بالحلقوم يثعب منهما الدم لأن النبي ﷺ نهى عن الذبيحة التي لا تفري أوداجها، وجميع الرقبة من أعلاها إلى أسفلها موضع للذبح، لكن الأفضل نحر الإبل من أسفل الرقبة في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر، وذبح البقر والغنم من أعلى الرقبة أي مما يلي الرأس ولو ذبحها من وسط الرقبة أجزأت، واذبحوا برفق وحدوا السكين ولا تحدوها وهي تنظر، ولا تذبحوها وأختها تنظر إليها، وامروا السكين بقوة وسرعة واضجعوها على جنبها الأيسر أو الأيمن على حسب ما يتيسر لكم ويكون أريح لها، ولا تلووا يدها على عنقها من خلفها عند الذبح فإن ذلك تعذيب لها وإيلام بلا فائدة لها، ولا تسلخوها أو تكسروا رقبتها قبل أن تموت. وكلوا من الأضاحي واهدوا وتصدقوا، ولا تعطوا الجزار أجرته منها بل أعطوه أجرته من عندكم وأعطوه من الأضحية إن شئتم هدية إن كان غنيا أو صدقة إن كان فقيرا، ومن أهدي إليه شيء منها أو تصدق به عليه فهو ملكه يتصرف فيه بما شاء من بيع أو غيره.
أيها الناس: لقد علم الكثير منكم أن من أراد الأضحية فإنه لا يأخذ من شعره وظفره وبشرته من دخول العشر حتى يضحي لنهي النبي ﷺ عنه، ولكن إذا لم يعزم أحدكم على الأضحية إلا في أثناء العشر وقد أخذ شيئا من ذلك من قبل فلا بأس أن يضحي وأضحيته تامة؛ لأن الأخذ من ذلك لا ينقص الأضحية ولا يمنع منها بأي حال من الأحوال.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ - الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ - لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٧]
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. . إلخ.
стр. 202
[الخطبة الثانية لعيد الأضحى]
الخطبة الثانية لعيد الأضحى يكبر سبع مرات متوالية ثم يقول: -
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد. الحمد لله الذي بعث نبيه محمدا ﷺ رحمة للعالمين وقدوة للعاملين وحجة على العباد أجمعين، بعثه بدين الهدى والرحمة فأنقذ الله به من الهلكة وهدى به من الضلالة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى واشكروه على ما أنعم به عليكم من هذا الدين القويم الذي رضيه لكم، فلقد أنزل الله تعالى على نبيه ﷺ عام حجة الوداع وهو واقف بعرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وإنه لجدير بنا أن نغتبط بهذا الدين الذي وصفه ربنا سبحانه بالكمال من لدنه من لدن حكيم خبير رؤوف رحيم. أيها المسلمون: إن ديننا ولله الحمد كامل من جميع الوجوه، كامل من جهة عبادة الله، كامل من جهة معاملة عباد الله، فهو كامل من جهة العبادة حيث كانت العبادات المشروعة فيه مصلحة للقلوب والأبدان للشعوب والأفراد غير مفوتة لما تقتضيه مطالب الحياة، ولو أن الناس تفكروا في أنفسهم في هذا الدين تفكيرا عميقا متعقلا لوجدوا أنه لم يترك خيرا إلا أمر به ووضح طرقه بأوضح بيان وأيسره، وأنه لم يترك شرا إلا حذر منه وبين مغبته ومضرته، ولو تفكروا في أنفسهم لوجدوا أن تمسكهم بدينهم أمر ضروري لصلاح أعمالهم واستقامة أحوالهم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] ولو تفكروا في أنفسهم لما حصل للكثير منهم تلك الزهادة في دينهم ولما آثروا عليه شيئا من أمور الدنيا ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا - وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧] أيها المسلمون: إن الإسلام لم يطلب منكم أمرا يشق عليكم ولا أمرا تفوت به مصالحكم بل هو بنفسه مصالح وخيرات وأنوار وبركات، فتمسكوا بها أيها المسلمون وقوموا بشرائعه مخلصين لله متبعين لرسوله، أحبوا الله ورسوله ليسهل عليكم طاعة الله ورسوله، فإن الوصول إلى المحبوب غاية
стр. 203
يسهل دونها كل الصعاب، أقيموا الصلاة بفعلها في أوقاتها مع الجماعة فإن التخلف عن الجماعة من علامات النفاق، أدوا الصلاة بطمأنينة فلا صلاة لغير مطمئن فيها، وإن الصلاة إذا أديت على الوجه المطلوب كانت عونا على فعل الطاعات وترك المحرمات وتحمل المشقات، يقول الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] ويقول الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] آتوا الزكاة التي أوجب الله عليكم في أموالكم، ادفعوها إلى مستحقيها قبل أن تفارقوا هذا المال فيكون غنيمة لمن بعدكم وعليكم الغرم والإثم ﴿مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ - وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١٠ - ١١] أنفقوا على من أوجب الله عليكم نفقته من الأهل والأقارب فإنكم مسؤولون عن ذلك، وإن الإنفاق عليهم من الإحسان والله يحب المحسنين ومن صلة الأرحام وسيصل الله الواصلين، واحترموا بعضكم بعضا فإن نبيكم محمدا ﷺ وقف في مثل هذا اليوم في جماهير المسلمين بمنى يخطبهم ويعلن تحريم دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم تحريما مؤبدا إلى يوم القيامة، ولقد صارت الأموال منتهكة عند كثير من المسلمين، وإن لم يكن ذلك بطريق ظاهر تجدهم ينتهكون الأموال بالغش والكذب والدعاوى الباطلة والرشا المغرية واستعمال أموال الدولة للمصالح الخاصة، ولقد صارت الأعراض منتهكة هي الأخرى فأصبحت الغيبة التي تسمى السبابة أصبحت متفكها في كثير من المجالس، فاحذروا أيها المسلمون من تعدي حدود الله في النفوس والأموال والأعراض، وأدوا الحقوق قبل أن تؤخذ يوم القيامة من أعمالكم.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
واعلموا رحمكم الله أن هذه الأيام الثلاثة المقبلة هي أيام التشريق التي لا يجوز صيامها كما لا يجوز صيام يوم العيد، وهي التي قال فيها النبي ﷺ : «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله فأكثروا فيها من ذكر الله بالتكبير والتهليل والتحميد في أدبار الصلوات وفي جميع الأوقات» .
واعلموا أن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها،
стр. 204
وإياكم والانجراف خلف التيارات المنحرفة التي تصدكم عن دينكم وتعوقكم في السير إلى ربكم خلف نبيكم، فإن كل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم انصرنا على أعدائنا وأصلح أمورنا واهد ولاتنا لما فيه الخير والصلاح في ديننا ودنياك إنك جواد كريم.
стр. 205
[الفرع السادس الجهاد]
[الخطبة الأولى في وجوب إعداد القوة للأعداء]
الفرع السادس
الجهاد الخطبة الأولى
في وجوب إعداد القوة للأعداء الحمد لله الذي أرسل رسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله والحمد لله الذي له مقاليد السماوات والأرض وبيده ملكوت كل شيء، فكل العالم العلوي والسفلي خاضع لأمره وحكمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك كله وله الحمد كله وله الثناء وهو أهله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم رسله وخيرته من خلقه وحجته على عباده، أرسله بشريعة من تمسك بها وسار على نهجها فهو المنصور الظافر، ومن أعرض وتولى فهو الذليل الخاسر، أرسله الله بشريعته وأمده بملائكته وأيده بنصره وبالمؤمنين فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى واستجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم، واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه فيقلبه كما يشاء بحكمته، فاسألوا الله الثبات على الإيمان والصبر في شرائع الإسلام، ألا وإن مما دعاكم الله ورسوله إليه أن تعدوا ما استطعتم من قوة لأعداء الإسلام الذين يريدون أن تكون كلمة الله هي السفلى وكلمتهم الباطلة هي العليا، ولكن سيأبى الله ذلك بقوته وحوله وسينصر دينه بأوليائه وحزبه. أعدوا لهم ما استطعتم من قوة في الجهاد باللسان والمال والعتاد فإنكم بذلك ترضون ربكم وتذبون عن دينكم وتحمون أنفسكم وأهليكم ودياركم ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] تذبون عن دينكم من يريد القضاء عليه ومن يدعو إلى التحلل والتخلص منه، فإن الدين رأس الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة، أعدوا لهم ما استطعتم من قوة الحجة والبرهان ورد شبههم الباطلة بالتفنيد وهدم الأركان، وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة بالتدريب والتمرن على المعدات الحربية والتعلم لطرق الأساليب الحربية التي تلائم العصر الحاضر، وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي» وقال ﷺ : «ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، ومن ترك الرمي بعدما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها، أو قال كفرها» وعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: مر النبي ﷺ على
стр. 206
قوم ينتضلون أي يترامون أيهم يغلب فقال: «ارموا بني إسماعيل، وإسماعيل أبو العرب فإن أباكم كان راميا، وأنا مع بني فلان، فأمسك أحد الفريقين بأيديهم فقال النبي ﷺ : ما لكم لا ترمون؟ قالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال النبي صلوات الله وسلامه عليه: ارموا وأنا معكم كلكم» وقال: «ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم الله " فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه» ، فبين النبي ﷺ في هذا الحديث أنه لا ينبغي ترك الرمي حتى ولو لم يكن إليه حاجة وقال: «من بلغ بسهم في سبيل الله يعني من رمى فأصاب فهو له درجة في الجنة» والرمي الذي فسر به النبي ﷺ الآية يشمل كل رمي في كل زمان ومكان بحسبه، فكما أن الرمي في وقته بالنبل والنشاب والمنجنيق، فالرمي المناسب في هذا الوقت يكون بالبارود والمدافع على اختلاف أنواعها والقنابل والصواريخ؛ لأن النبي ﷺ أطلق الرمي ولم يعين ما يرمى به، وإن مما جاء به الإسلام من الحث على تعلم الرمي أن أباح أخذ الرهان عليه، فيجوز للإنسان أن يرامي صاحبه بالسلاح على عوض من الدراهم أو نحوها لما في ذلك من الحث والإغراء على تعلم الرمي، ولقد أحسنت حكومتنا - وفقها الله - حيث أمرت بفتح مراكز للتدريب على الفنون الحربية في المملكة، وإننا لنرجو أن يكون هذا عاما في جميع البلدان ليتكون من هذه البلاد شبابها وكهولها أمة حاملة للسلاح تقوى على الدفاع عن دينها وحماية أوطانها، كما نسأل الله تعالى أن يوفق المواطنين للتسارع والتنافس في هذا الميدان النافع، وأن يلهبوا شعور الأمة للتسابق إليه امتثالا لأمر الله تعالى وتمشيا مع رغبة ولاة الأمور، ونسأل الله تعالى أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويوفق ولاة أمورنا للقيام بما أوجب الله عليهم من رعاية من ولاهم الله عليهم رعاية تامة، يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر ويوجهونهم لما فيه صلاح دينهم ودنياهم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ - وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٥٩ - ٦٠]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . إلخ.
стр. 207
[الخطبة الثانية في بيان أسباب الهزيمة وما قد تؤدي إليه من نتائج]
الخطبة الثانية
في بيان أسباب الهزيمة
وما قد تؤدي إليه من نتائج الحمد لله الواسع العليم العلي العظيم المتصرف في خلقه بما تقتضيه حكمته ورحمته فهو الحكيم الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الفضل العظيم والخير العميم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بالهدى والرحمة والصبر واليقين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله وآمنوا بقضائه وقدره، واعلموا أن ما يقضيه الله في خلقه فإنه صادر عن مقتضى حكمته ورحمته لا يخلق شيئا سدى ولا يقدر شيئا إلا رحمة بالعباد، فإن رحمته سبقت غضبه، ولا يقضي لعباده المؤمنين إلا ما هو خير لهم، فإن المؤمن إما أن يصاب بسراء ونعمة فيقوم بالشكر لله تعالى فيكون ذلك خيرا له، وإما أن يصاب بضراء ونقمة فيصبر على ذلك ويحتسب الأجر من الله ويعلم أن لله في ذلك من الحكمة ما لا تدركه العقول ويكون بالصبر على المصائب خير له، وقد يقدر الله الأمر يكرهه الناس فينتج عن ذلك من المصالح ما تتبين به حكمة الله تعالى ورحمته قال الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] فالمقاتل مثلا يحب الانتصار على عدوه والظهور عليه، ولكن قد تأبى ذلك حكمة الله فيغلب ويهزم وينتصر عليه عدوه فيكره ذلك ويمتعض منه، ولكن قد يكون في هذه الهزيمة خير كثير تظهر نتائجه إما عاجلا وإما آجلا، وذلك أن الهزيمة تمحيص وابتلاء فقد يكون المهزوم مسرفا على نفسه مقصرا في حق ربه فتكون الهزيمة تأديبا له وتكفيرا لسيئاته، وقد يكون المهزوم مفتخرا بنفسه معجبا بقوته الداخلية والخارجية فيهزمه الله ليعرف بذلك قدر نفسه وأنه ضعيف لا حول له ولا قوة إلا بالله الذي بيده أزمة الأمور ونواصي الخلق، وقد يهزم الجنود بسبب تفرقهم واختلاف كلمتهم فتكون الهزيمة سببا لمعرفة الداء الذي أصيبوا منه، فيسعون في إزالة هذا الداء ويجمعون كلمتهم ويوحدون صفوفهم. وقد بين الله تعالى في كتابه هذه الأسباب الثلاثة للهزيمة ليحذر الناس منها، ففي غزوة أحد حصل من بعض المسلمين مخالفة فيما أمروا أن يكونوا فيه فحصلت الهزيمة عليهم قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٦]
стр. 208
وذكر لذلك حكما عظيمة، وفي حنين أعجب المسلمون بكثرتهم وكانوا اثنى عشر ألفا فقال بعضهم: لن نغلب اليوم من قلة، فقال تعالى مخبرا عن ذلك: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ - ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ - ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٧] والحكمة في ذلك أن يعلم العباد أن النصر من عند الله تعالى وأن الأسباب ليست وحدها هي الكافية في الانتصار ودحر الأعداء، خصوصا إذا افتخر العبد بها ونسي أن الأمور كلها بإذن الله، وإن العبد إذا وكل إلى قوته وكل إلى ضعف وعجز وعورة، أما التنازع والتفرق فهو أيضا من أسباب الهزيمة قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] فإذا كانت هذه الأمور الثلاثة من أسباب الهزيمة فإن الجنود المخلصين لا بد أن يتأملوا الأسباب، ومن أين حصلت هزيمتهم ثم ليسعوا في القضاء على الداء فتكون النتيجة خيرا ويكون المهزوم أوعى وأبعد نظرا مما كان قبل هزيمته، ويكون في الهزيمة من المصالح أضعاف أضعاف النصر يقول الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] والإنسان قد يحب أن ينال شيئا من المال ويطمع في ذلك ثم يصرف عنه ولا يحصل له فيندم على ذلك، ولكن عندما يراجع نفسه يقول لعل الله صرفه عني لخير أراده لي فيزول ندمه ويطمئن قلبه. ففوات المحبوب أيها المسلم قد يكون خيرا لك كما أن حصول المكروه قد تكون عاقبته خيرا، والله تعالى يقدر هذا وهذا، فمن وفق للرضا بقضاء الله وقدره نال الخير والطمأنينة وراحة البدن، ومن فكر وقدر واعترض على القضاء ولم يرض فذلك القلق الهالك.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . إلخ.
стр. 209
[الخطبة الثالثة في بيان خيانة اليهود]
الخطبة الثالثة
في بيان خيانة اليهود الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله والحمد لله على ما قدره بحكمته من دقيق الأمر وجله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك كله وله الحمد كله بيده الخير كله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى وكونوا مع الصادقين، كونوا مع الصادقين الذين عاملوا ربهم بصدق فصدقوا في النية وصدقوا في القول وصدقوا في العمل، حققوا هذا الصدق بالقيام بما أوجب عليكم من نصرة دينه وإعلائه وتقديمه على هوى النفس وشهواتها، فالجهاد جهادان جهاد النفس وجهاد العدو ومرتبة الجهاد الأول قبل الثاني.
أيها المسلمون يا أمة محمد يا أمة دين الإسلام، الدين الذي جمع بين العزيمة والقوة والشهامة والكرامة جمع بين خيري الدنيا والآخرة، إن دينكم هذا له أعداء يتربصون به الدوائر ويتحينون الفرص ويغزونه من كل وجه، يغزونه من ناحية العقيدة والفكر فيغيرون العقيدة الصحيحة والأفكار القويمة إلى عقائد فاسدة وأفكار عوجاء، إن أعداء الإسلام يغزونه من ناحية الأخلاق فيفتحون لأبنائه كل باب يغير الأخلاق الفاضلة والمثل العليا. إن أعداء الإسلام يغزون الإسلام أيضا من الناحية العسكرية ليوهنوا أبناءه ويشردوهم كل مشرد ويمزقوهم كل ممزق، وفي هذه الأيام اعتدى اليهود على البلاد العربية الإسلامية، أولئك اليهود الذين ما زالوا في عداوة شديدة للإسلام: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢] أولئك اليهود الذين وصفوا الله سبحانه بالنقص فقالوا لعنهم الله: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] أي بخيل لا ينفق فقال الله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤] فغل الله أيديهم غلا معنويا بحيث كانوا أبخل الناس لا يبذلون الأموال إلا إذا كانوا يرجون من ورائها أكثر مما بذلوا، أولئك اليهود الذين نقضوا عهد الله من بعد ميثاقه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] أولئك اليهود الذين قتلوا أنبياء الله بغير حق وسعوا في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين. أولئك اليهود الذين غدروا بخاتم النبيين محمد ﷺ ونقضوا
стр. 210
عهده، فإنه ﷺ لما هاجر إلى المدينة قدمها وفيها ثلاث قبائل من اليهود فعقد معهم أن لا يخونوا ولا يؤذوا، ولكن أبى طبعهم اللئيم وسجيتهم السافلة إلا أن ينقضوا ويغدروا، فأظهر بنو قينقاع الغدر بعد أن نصر الله نبيه في بدر، فأجلاهم النبي ﷺ من المدينة على أن لهم النساء والذرية ولرسول الله ﷺ أموالهم، وأظهر بنو النضير الغدر بعد غزوة أحد، فحاصرهم النبي ﷺ وقذف الله في قلوبهم الرعب، وسألوا من رسول الله ﷺ أن يجليهم على أن لهم ما تحمله إبلهم من أموالهم إلا آلة حرب، فأجابهم إلى ذلك فنزل بعضهم بخيبر وبعضهم بالشام. وأما قريظة فنقضوا العهد يوم الأحزاب، فحاصرهم النبي ﷺ فنزلوا على حكم سعد بن معاذ ﵁ فحكم فيهم ﵁ بقتل رجالهم وقسم أموالهم وسبي نسائهم وذرياتهم، فقتل رجالهم وكانوا ما بين الستمائة إلى سبعمائة. هذا لون من ألوان غدرهم بخاتم الأنبياء ﷺ ، ومن غدرهم وخيانتهم أنه لما فتح خيبر أهدوا له شاة مسمومة فأكل منها ولم يحصل مرادهم ولله الحمد، ولكنه ﷺ «كان يقول في مرض الموت: (ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر، وهذا أوان انقطاع أبهري) » . أيها المسلمون: إن اليهود أهل غدر ومكر وخيانة، إنهم أهل غضب ولعنة من الله، استحلوا محارم الله بأدنى الحيل فلعنهم وجعل منهم القردة والخنازير، لقد ضرب الله عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس.
أيها المسلمون إن علينا أن نعد القوة لهؤلاء الأعداء ولكل عدو للإسلام وأبنائه مهما كان وأيا كان، علينا أن نعد ما استطعنا من قوة بمحاربته بنوع السلاح الذي فتح الثغرة به على الإسلام. وإن علينا في مثل هذا الموقف أن نأخذ بأسباب النصر وهي: -
إخلاص النية لله، بأن ننوي بجهادنا إعلاء كلمة الله وتثبيت شريعته وتحكيم كتابه وسنة رسول الله ﷺ . ثانيا: أن نلتزم بالصبر والتقوى، فإن الله مع الصابرين وإن الله مع المتقين، علينا أن نصبر على الجهاد وأن نتقي الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فإن مخالفة أمر الله ورسوله من أسباب الخذلان، فهؤلاء صحابة محمد ﷺ مع رسول الله ﷺ خالف بعضهم في أمر واحد من أوامر رسول الله ﷺ في غزوة أحد فكانت الهزيمة عليهم بعد أن كان النصر لهم في أول الأمر، ولكن بعد ذلك تداركهم عفو الله فعفا الله عنهم. ثالثا: أن نعرف قدر أنفسنا وأن لا حول لنا ولا قوة إلا بالله، فلا يأخذنا العجب بقوتنا وكثرتنا فإن الإعجاب
стр. 211
بالنفس والاعتزاز بها من دون الله سبب للخذلان، ولقد أعجب الصحابة بكثرتهم في يوم حنين فلم تغن عنهم شيئا ثم ولوا مدبرين، ولكن الله أنزل سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا من الملائكة فكانت العاقبة للمؤمنين. رابعا: أن نعد العدة للأعداء مستعملين في كل وقت وحال ما يناسب من الأسلحة والقوة لنرد على سلاح العدو بالمثل، فإذا تحققت هذه الأمور الأربعة فإن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]
أيها المواطنون: لقد ألهم الله حكومتنا في هذه الأيام - وفقها الله تعالى - أن تفتح مكاتب للدفاع الوطني في كل بلد، وهذه أيها المواطنون فرصة أتيحت لكم وستكون بحول الله تعالى فاتحة خير لما بعدها، فهيا أيها الشباب انتهزوا الفرصة انفعوا أنفسكم انفعوا مواطنيكم، فأنتم رجال المستقبل أنتم أهل العزيمة أنتم أهل الإقدام، مرنوا أنفسكم ما دمتم في طور التعلم والتمرن ولا تكونوا جاهلين بأبسط أنواع الدفاع، أترضون لأنفسكم بالتأخر وأنتم الشباب الذين خلقكم الله في هذا العصر وجعلكم نشأ هذا العصر لتقوموا بما تتطلبه أمور هذا العصر من أساليب الدفاع عن دينكم وعن أمتكم، وإني لآرجو الله تعالى أن ترى أمتكم منكم ما تقر به عينها وينشرح له صدرها، وأن يجعلنا جميعا من المجاهدين في سبيله الناصرين لدينه إنه جواد كريم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ - الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١]
أقول قولي هذا. . . إلخ.
стр. 212
[القسم الرابع في المعاملات]
[الفرع الأول النصيحة والأمانة]
[الخطبة الأولى في شرح قول النبي ﷺ الدين النصيحة]
الفرع الأول
النصيحة والأمانة الخطبة الأولى
في شرح قول
النبي ﷺ الدين النصيحة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واعلموا أن النصيحة هي أساس الدين وقوامه، قال النبي ﷺ : «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولآئمة المسلمين وعامتهم» فمتى نصح العبد في هذه الأمور فقد استكمل الدين، ومن قصر في النصيحة بشيء منها فقد نقص دينه بحسب ما قصر فيه.
أما النصيحة لله فهي الإخلاص له وصدق القصد في طلب مرضاته، بأن يكون الإنسان عبدا لله حقيقة راضيا بقضائه قانعا بعطائه متمثلا لأوامره مجتنبا لنواهيه مخلصا له في ذلك كله لا يقصد به رياء ولا سمعة.
وأما النصيحة لكتاب الله فهي تلاوته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وتصديق أخباره، والذب عنه وحمايته من تحريف المبطلين وزيغ الملحدين، واعتقاد أنه كلام رب العالمين تكلم به وألقاه على جبريل فنزل به على قلب النبي ﷺ . وأما النصيحة لرسوله فهي محبته واتباعه ظاهرا وباطنا، ونصرته حيا وميتا، وتقديم قوله وهديه على قول كل أحد وهديه. وأما النصحية لأئمة المسلمين فهو صدق الولاء لهم وإرشادهم لما فيه خير الأمة في دينها ودنياها، ومساعدتهم في إقامة ذلك، والسمع والطاعة لأوامرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، واعتقاد أنهم أئمة متبوعون فيما أمروا به لأن ضد ذلك هو الغش والعناد لأوامرهم والتفرق والفوضى التي لا نهاية لها، فإنه لو جاز لكل واحد أن يركب رأسه وأن يعتز برأيه ويعتقد أنه هو المسدد الصواب وهو المحنك الذي لا يدانيه أحد، لزم من ذلك الفوضى والتفرق والتشتت؛ ولذلك جاءت النصوص
стр. 213
القرآنية والسنة النبوية بالأمر بطاعة ولاة الأمور لأن ذلك من النصيحة لهم التي بها تمام الدين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وقال النبي ﷺ : «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية» وقال: «من خلع يدا من الطاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له» وقال: «اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي» وقال عبادة بن الصامت ﵁: «بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان» . وأما النصيحة لعامة المسلمين فهي أن تحب لهم ما تحب لنفسك، وأن تفتح لهم أبواب الخير وتحثهم عليها وتغلق دونهم أبواب الشر وتحذرهم منها، وأن تبادل المؤمنين المودة والإخاء، وأن تنشر محاسنهم وتستر مساوئهم وتنصر ظالمهم ومظلومهم، تنصر ظالمهم بمنعه من الظلم وتنصر مظلومهم بدفع الظلم عنه.
فمتى قام المجتمع على هذه الأسس: النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، عاش عيشة راضية حميدة ومات ميتة حق سعيدة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ - وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٣]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . إلخ.
стр. 214
[الخطبة الثانية في وجوب التناصح بين الرعية والرعاة]
الخطبة الثانية
في وجوب التناصح بين الرعية والرعاة الحمد لله الملك القهار القوي العزيز الجبار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العظمة والمجد والاقتدار، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المختار صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واعلموا أن الله قد شرع لعباده على لسان أفضل رسله أكمل شريعة وأتمها وأقومها بمصالح العباد وأعمها، وقد جاءت تلك الشريعة الكاملة مبينة ما يجب على الرعاة من الحقوق لرعيتهم، وما يجب على الرعية من الحقوق لرعاتهم.
أما حقوق الرعاة على رعيتهم فهي السمع والطاعة بامتثال ما أمروا به وترك ما نهوا عنه ما لم يكن في ذلك معصية لله ورسوله، فإن كان في طاعة الولاة معصية لله ورسوله فلا سمع لهم ولا طاعة. لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وفي الصحيحين عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «بعث النبي ﷺ سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار، فلما خرجوا وجد عليهم في شيء فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: فاجمعوا لي حطبا، ثم دعا بنار فأضرمها فيه ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها، فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله ﷺ من النار فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله ﷺ ، فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها، فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه، فقال لهم رسول الله ﷺ : لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا، إنما الطاعة في المعروف» ، وقد «أمر النبي ﷺ بطاعة من له الأمر وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك» ، وقال: «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية» .
عباد الله، إن من حقوق الرعاة على رعيتهم أن يناصحوهم ويرشدوهم، وأن لا يجعلوا من خطئهم إذا أخطئوا سلما للقدح فيهم ونشر عيوبهم بين الناس، فإن ذلك يوجب التنفير عنهم وكراهتهم وكراهة ما يقومون به من أعمال وإن كانت حقا، ويوجب عدم السمع والطاعة لهم، وإن من الواجب على كل ناصح وخصوصا من ينصح ولاة الأمور أن يستعمل الحكمة في نصيحته ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، فإن رأى ممن ينصحه من ولاة الأمور قبولا للحق وانقيادا له فذلك، وإلا فليتثبت في الأمر وليتحقق من وقوع الخطأ منه وإصراره
стр. 215
عليه ثم ليرفعه إلى من فوقه إن كان في ذلك مصلحة وإزالة للظلم، كما كان السلف الصالح يشكون ولاتهم إلى من فوقهم إذا رأوهم قد سلكوا ما لا ينبغي أن يسلكوه.
أيها المسلمون: هذا ما نراه واجبا على الرعية من حقوق رعاتهم وولاتهم. أما ما يجب على الرعاة والولاة للرعية فأمر عظيم ومسؤولية كبرى، يجب عليهم أولا إخلاص النية لله، بأن يقصدوا بتصرفاتهم وتدبيراتهم تنفيذ أحكام الله وإقامة العدل وإزالة الظلم وتطبيق ذلك بحسب استطاعتهم، ويجب عليهم أيضا أن لا يظلموا الناس لا في دمائهم ولا في أموالهم ولا في أعراضهم، وأن لا يستعملوا سلطتهم في تنفيذ أهوائهم وإشباع رغباتهم بلا حق فإنهم مسؤولون عن ذلك، وما يدريهم لعل سلطتهم تزول في الدنيا قبل الموت فيلحقهم من الذل والإهانة بسبب ظلمهم واستطالتهم على الخلق ما هم به جديرون وله مستحقون، ويجب على الولاة أيضا أن يسووا بين الخلق في إقامة الحق، فلا يحابوا قريبا لقرابته ولا وجيها لجاهه ولا صاحب دنيا لدنياه، فإن الناس في الحق سواء، فلقد «أقسم محمد ﷺ وهو الصادق المصدوق أنه لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع يدها» .
أيها الولاة، وأيها الرعية، اتقوا الله تعالى في أنفسكم وفي مجتمعكم وأدوا ما أوجب الله عليكم، فإنكم إذا فعلتم ذلك استتب الأمن وحصل التجاوب والاتحاد والمحبة، وإن فرطتم في ذلك سلط الله بعضكم على بعض، فتسلط الولاة على الرعية بأنواع الظلم وإهمال الحقوق، وتسلطت الرعية على الولاة بالمخالفة والعصيان والسب والبغض وانتشار الفوضى واعتزاز كل ذي رأي برأيه وإعجابه به، فلا ينضبط للناس أمر ولا يصلح لهم حال.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
следующие страницы →