Полный текст (711 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
بالنفس والاعتزاز بها من دون الله سبب للخذلان، ولقد أعجب الصحابة بكثرتهم في يوم حنين فلم تغن عنهم شيئا ثم ولوا مدبرين، ولكن الله أنزل سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا من الملائكة فكانت العاقبة للمؤمنين. رابعا: أن نعد العدة للأعداء مستعملين في كل وقت وحال ما يناسب من الأسلحة والقوة لنرد على سلاح العدو بالمثل، فإذا تحققت هذه الأمور الأربعة فإن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]
أيها المواطنون: لقد ألهم الله حكومتنا في هذه الأيام - وفقها الله تعالى - أن تفتح مكاتب للدفاع الوطني في كل بلد، وهذه أيها المواطنون فرصة أتيحت لكم وستكون بحول الله تعالى فاتحة خير لما بعدها، فهيا أيها الشباب انتهزوا الفرصة انفعوا أنفسكم انفعوا مواطنيكم، فأنتم رجال المستقبل أنتم أهل العزيمة أنتم أهل الإقدام، مرنوا أنفسكم ما دمتم في طور التعلم والتمرن ولا تكونوا جاهلين بأبسط أنواع الدفاع، أترضون لأنفسكم بالتأخر وأنتم الشباب الذين خلقكم الله في هذا العصر وجعلكم نشأ هذا العصر لتقوموا بما تتطلبه أمور هذا العصر من أساليب الدفاع عن دينكم وعن أمتكم، وإني لآرجو الله تعالى أن ترى أمتكم منكم ما تقر به عينها وينشرح له صدرها، وأن يجعلنا جميعا من المجاهدين في سبيله الناصرين لدينه إنه جواد كريم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ - الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١]
أقول قولي هذا. . . إلخ.
стр. 212
[القسم الرابع في المعاملات]
[الفرع الأول النصيحة والأمانة]
[الخطبة الأولى في شرح قول النبي ﷺ الدين النصيحة]
الفرع الأول
النصيحة والأمانة الخطبة الأولى
في شرح قول
النبي ﷺ الدين النصيحة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واعلموا أن النصيحة هي أساس الدين وقوامه، قال النبي ﷺ : «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولآئمة المسلمين وعامتهم» فمتى نصح العبد في هذه الأمور فقد استكمل الدين، ومن قصر في النصيحة بشيء منها فقد نقص دينه بحسب ما قصر فيه.
أما النصيحة لله فهي الإخلاص له وصدق القصد في طلب مرضاته، بأن يكون الإنسان عبدا لله حقيقة راضيا بقضائه قانعا بعطائه متمثلا لأوامره مجتنبا لنواهيه مخلصا له في ذلك كله لا يقصد به رياء ولا سمعة.
وأما النصيحة لكتاب الله فهي تلاوته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وتصديق أخباره، والذب عنه وحمايته من تحريف المبطلين وزيغ الملحدين، واعتقاد أنه كلام رب العالمين تكلم به وألقاه على جبريل فنزل به على قلب النبي ﷺ . وأما النصيحة لرسوله فهي محبته واتباعه ظاهرا وباطنا، ونصرته حيا وميتا، وتقديم قوله وهديه على قول كل أحد وهديه. وأما النصحية لأئمة المسلمين فهو صدق الولاء لهم وإرشادهم لما فيه خير الأمة في دينها ودنياها، ومساعدتهم في إقامة ذلك، والسمع والطاعة لأوامرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، واعتقاد أنهم أئمة متبوعون فيما أمروا به لأن ضد ذلك هو الغش والعناد لأوامرهم والتفرق والفوضى التي لا نهاية لها، فإنه لو جاز لكل واحد أن يركب رأسه وأن يعتز برأيه ويعتقد أنه هو المسدد الصواب وهو المحنك الذي لا يدانيه أحد، لزم من ذلك الفوضى والتفرق والتشتت؛ ولذلك جاءت النصوص
стр. 213
القرآنية والسنة النبوية بالأمر بطاعة ولاة الأمور لأن ذلك من النصيحة لهم التي بها تمام الدين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وقال النبي ﷺ : «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية» وقال: «من خلع يدا من الطاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له» وقال: «اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي» وقال عبادة بن الصامت ﵁: «بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان» . وأما النصيحة لعامة المسلمين فهي أن تحب لهم ما تحب لنفسك، وأن تفتح لهم أبواب الخير وتحثهم عليها وتغلق دونهم أبواب الشر وتحذرهم منها، وأن تبادل المؤمنين المودة والإخاء، وأن تنشر محاسنهم وتستر مساوئهم وتنصر ظالمهم ومظلومهم، تنصر ظالمهم بمنعه من الظلم وتنصر مظلومهم بدفع الظلم عنه.
فمتى قام المجتمع على هذه الأسس: النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، عاش عيشة راضية حميدة ومات ميتة حق سعيدة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ - وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٣]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . إلخ.
стр. 214
[الخطبة الثانية في وجوب التناصح بين الرعية والرعاة]
الخطبة الثانية
في وجوب التناصح بين الرعية والرعاة الحمد لله الملك القهار القوي العزيز الجبار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العظمة والمجد والاقتدار، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المختار صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واعلموا أن الله قد شرع لعباده على لسان أفضل رسله أكمل شريعة وأتمها وأقومها بمصالح العباد وأعمها، وقد جاءت تلك الشريعة الكاملة مبينة ما يجب على الرعاة من الحقوق لرعيتهم، وما يجب على الرعية من الحقوق لرعاتهم.
أما حقوق الرعاة على رعيتهم فهي السمع والطاعة بامتثال ما أمروا به وترك ما نهوا عنه ما لم يكن في ذلك معصية لله ورسوله، فإن كان في طاعة الولاة معصية لله ورسوله فلا سمع لهم ولا طاعة. لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وفي الصحيحين عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «بعث النبي ﷺ سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار، فلما خرجوا وجد عليهم في شيء فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: فاجمعوا لي حطبا، ثم دعا بنار فأضرمها فيه ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها، فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله ﷺ من النار فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله ﷺ ، فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها، فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه، فقال لهم رسول الله ﷺ : لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا، إنما الطاعة في المعروف» ، وقد «أمر النبي ﷺ بطاعة من له الأمر وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك» ، وقال: «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية» .
عباد الله، إن من حقوق الرعاة على رعيتهم أن يناصحوهم ويرشدوهم، وأن لا يجعلوا من خطئهم إذا أخطئوا سلما للقدح فيهم ونشر عيوبهم بين الناس، فإن ذلك يوجب التنفير عنهم وكراهتهم وكراهة ما يقومون به من أعمال وإن كانت حقا، ويوجب عدم السمع والطاعة لهم، وإن من الواجب على كل ناصح وخصوصا من ينصح ولاة الأمور أن يستعمل الحكمة في نصيحته ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، فإن رأى ممن ينصحه من ولاة الأمور قبولا للحق وانقيادا له فذلك، وإلا فليتثبت في الأمر وليتحقق من وقوع الخطأ منه وإصراره
стр. 215
عليه ثم ليرفعه إلى من فوقه إن كان في ذلك مصلحة وإزالة للظلم، كما كان السلف الصالح يشكون ولاتهم إلى من فوقهم إذا رأوهم قد سلكوا ما لا ينبغي أن يسلكوه.
أيها المسلمون: هذا ما نراه واجبا على الرعية من حقوق رعاتهم وولاتهم. أما ما يجب على الرعاة والولاة للرعية فأمر عظيم ومسؤولية كبرى، يجب عليهم أولا إخلاص النية لله، بأن يقصدوا بتصرفاتهم وتدبيراتهم تنفيذ أحكام الله وإقامة العدل وإزالة الظلم وتطبيق ذلك بحسب استطاعتهم، ويجب عليهم أيضا أن لا يظلموا الناس لا في دمائهم ولا في أموالهم ولا في أعراضهم، وأن لا يستعملوا سلطتهم في تنفيذ أهوائهم وإشباع رغباتهم بلا حق فإنهم مسؤولون عن ذلك، وما يدريهم لعل سلطتهم تزول في الدنيا قبل الموت فيلحقهم من الذل والإهانة بسبب ظلمهم واستطالتهم على الخلق ما هم به جديرون وله مستحقون، ويجب على الولاة أيضا أن يسووا بين الخلق في إقامة الحق، فلا يحابوا قريبا لقرابته ولا وجيها لجاهه ولا صاحب دنيا لدنياه، فإن الناس في الحق سواء، فلقد «أقسم محمد ﷺ وهو الصادق المصدوق أنه لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع يدها» .
أيها الولاة، وأيها الرعية، اتقوا الله تعالى في أنفسكم وفي مجتمعكم وأدوا ما أوجب الله عليكم، فإنكم إذا فعلتم ذلك استتب الأمن وحصل التجاوب والاتحاد والمحبة، وإن فرطتم في ذلك سلط الله بعضكم على بعض، فتسلط الولاة على الرعية بأنواع الظلم وإهمال الحقوق، وتسلطت الرعية على الولاة بالمخالفة والعصيان والسب والبغض وانتشار الفوضى واعتزاز كل ذي رأي برأيه وإعجابه به، فلا ينضبط للناس أمر ولا يصلح لهم حال.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
стр. 216
[الخطبة الثالثة في معنى الأمانة وشمولها لجميع الأعمال]
الخطبة الثالثة
في معنى الأمانة وشمولها لجميع الأعمال الحمد لله الذي فرض على العباد أداء الأمانة وحرم عليهم المكر السيء والغدر والخيانة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرجو بها النجاة يوم القيامة ونؤمل بها الفوز بدار النعيم والكرامة، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أتم به النعمة وبعثه للعالمين رحمة وللعاملين قدوة وعلى الطاغين حجة صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان في الدين والملة وسلم تسليما.
أما بعد، أيها الناس: اتقوا الله تعالى وأدوا الأمانة التي حملتموها وتحملتم مسؤوليتها، أدوا الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا، أدوا الأمانة فإنكم عنها مسؤولون وعلى حسب القيام بها والتفريط بها محاسبون، فإما مغتبطون بأدائها مسرورون وإما نادمون في إضاعتها خاسرون، أدوا الأمانة فيما بينكم وبين الله وأدوها فيما بينكم وبين عباد الله. فأما أداء الأمانة فيما بينكم وبين الله فأن تقوموا بطاعته مخلصين وتتعبدوا بما شرعه متبعين لا مفرطين ولا مفرطين، وأما أداء الأمانة فيما بينكم وبين العباد فأن تقوموا بما أوجب الله عليكم من حقوق العباد، وهذا أمر يختلف باختلاف الناس وأحوالهم، فكل إنسان عليه أمانة بحسب ما يقتضيه عمله الذي التزمه، فولاة الأمور صغارا وكبارا أمانتهم أن يقوموا بما فرض الله عليهم لمن تحت أيديهم من العدل، وأن يسيروا بالناس على حسب ما تقتضيه المصلحة في الدين والدنيا، وأن لا يحابوا في ذلك قريبا ولا صديقا ولا قويا ولا شريفا، وأن يولوا الأمور من هو أحق بها وأجدر وأقوم وأكفأ، والموظف بحسب حالة أمانته أن يقوم بوظيفته على حسب المطلوب منه، وأن لا يفرط في عمله أو يتأخر أو يتشاغل بغيره أو يتعدى إلى أمر لا يعنيه شرعا أو نظاما. وهاهنا أمر ينبغي لكل موظف أن يلاحظه وهو أن بعض الموظفين ربما يتوانى في تطبيق النظام بحجة أن هذه أنظمة ليست مما أوجبه الشرع، أو أن الأجرة والراتب الذي يتقاضاه من بيت المال ونحو ذلك، وهذه الحجة غير صحيحة. أما كونه ليس من الأنظمة الشرعية فإنه من الأنظمة التي سنها ولاة الأمور وألزموا الموظف القيام بها، وما سنه ولاة الأمور ولم يكن فيه معصية لله ورسوله فإنه يجب اتباعه لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]
стр. 217
وأما الحجة الثانية وهي أن هذا من بيت المال الذي لعموم المسلمين فهذا مما يؤكد ويحتم على الموظف أن يقوم بوظيفته أكثر وأكثر، فإن الحق إذن يكون لعموم المسلمين وكل واحد منهم يطلبك أن تقوم بوظيفتك لأنك تأخذ راتبك من بيت مالهم بإقرارك على نفسك، ولو كان الحق لشخص خاص لكان أهون، والمقصود أن هذه الحجة التي ربما يتعلل بها من يفرط بواجب وظيفته ليست حجة صحيحة. ويمتاز المدرس بين الموظفين بأهمية المسؤولية والأمانة الملقاة على عاتقه، فالمدرس معلم وموجه فهو مغذي الروح وطبيبها، فعليه أن يتحرى أسهل الأساليب وأقرب الطرق إلى إيصال المعلومات إلى أذهان الطلبة، وأن لا يضيع شيئا من الحصة فيما لا خير فيه للطلبة، وعليه أيضا أن يوجههم إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم بقدر ما يستطيع، فإن من المعروف أن الطالب يقتدي بمعلمه ويأخذ بقوله أكثر مما يأخذ من أبيه وأهله، فعلى المدرس أن يأخذ هذه الميزة بعين الاعتيار وأن يخلص لله تعالى في تعليمه وتوجيهه، ويعامل الطلبة بالعدل مسويا بين القريب والبعيد والشريف والوضيع.
أيها المسلمون: إن على الأب وعلى ولي البيت أمانة لازمة له هي تربية أولاده وأهله، وتقويم أخلاقهم وتعويدهم على فعل الخير وترك الشر، والقيام بحقوقهم التي أوجب الله عليه رعايتها، وإن على البائع والمشتري أمانة يجب عليهما أداؤها، هذه الأمانة هي الصدق والبيان فلا يكذب فيذكر في السلعة وصفا غير موجود فيها ولا يتكتم فيخفي عيبا موجودا. إن على أهل الحرفة من البنائين والنجارين والصناع وغيرهم أن يؤدوا الأمانة بالإخلاص في عملهم وأن يؤدوه كاملا كما يطلبون حقهم كاملا. أيها المسلمون، إن القول العام في الأمانة أن تؤدي ما عليك على الوجه الذي يطلب منك من غير تقصير ولا مجاوزة، فمن قام بأمانته فقد ربح ومن فرط فيها فقد خاب وخسر. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا - لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
стр. 218
[الخطبة الرابعة في المشورة]
الخطبة الرابعة
في المشورة الحمد لله الذي فتح لعباده طريق الفلاح وأرشدهم إلى ما فيه الخير والبر والتقى والصلاح، وأمرهم بالاجتماع على الحق وجعل أمرهم شورى بينهم ليتحقق لهم الفوز والنجاح، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فالق الحب والنوى وفالق الإصباح، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بددت رسالته ظلمات الجهل والظلم كما بدد ظلام الليل نور الصباح صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما أشرق الفجر ولاح وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واستقيموا على أوامره وطبقوها في أموركم العامة والخاصة إن كنتم تريدون السعادة في الدنيا والآخرة، واعلموا أن من خصال المؤمنين وطريق المتقين وسبيل الذين يريدون الوصول إلى الغايات والأهداف النافعة أن يتبادلوا النصح فيما بينهم، وأن يتشاوروا في الأمور التي تهمهم. ولا بد للتشاور في الأمور من شروط يتعين تحقيقها قبل إجراء المشاورة، لا بد أن يكون التشاور مع إنسان مخلص يشعر لشعورك ويتألم لآلامك ويسر بسرورك، وإلا فلا خير لك في مشاورته لأنه العدو الخفي، ولا بد أن يكون التشاور مع إنسان عارف بالأمور بمصادرها ومواردها، فمشاورة الجاهل جهل وحمق لأن الجاهل وإن كان حسن النية إلا أن جهله وعدم معرفته بالأمور قد يوقع في المحذور، والناس من هذه الناحية يختلفون بحسب معرفتهم، فأهل العلم والدين نستشيرهم في الأمور الدينية، وأهل البيع والسلع نستشيرهم في أمور البيع والشراء، وكل إنسان نستشيره فيما يكون من اختصاصه، وربما يكون للشخص اختصاص ومعرفة في عدة أمور فنستشيره فيها، ولا بد أن يكون التشاور مع إنسان ذي دين وتقوى لله لأن صاحب الدين لا ينالك منه غش، فإن المؤمن المتقي يعلم أنه لا يظهر كلمة من فمه إلا حوسب عليها يوم القيامة، فتجده يحاسب نفسه قبل أن يقدم على إخراج الكلمة كما أنه يحاسب نفسه عند الأفعال فلا يدخل في فعل إلا وقد حاسب نفسه كيف يدخل وكيف يخرج، فإذا اجتمع الإيمان والمعرفة في شخص فناهيك به أهلا للمشورة. فعلى الإنسان أن يختار للمشورة أهل الإيمان والمعرفة والنصح، وعلى الإنسان الذي أدلى إليه أخوه بمشورة أن يشير عليه بما يعتقده أصلح له في دينه ودنياه، وأن لا يحابي في مشورته وينظر إلى هواه، فإن بعض الناس إذا استشاره أخوه في أمر من الأمور ورأى هواه وميله إلى جهة
стр. 219
حاباه في ذلك وأشار عليه بها مع أن غيرها أصلح منها، وهذا خطأ فاحش وغش لمستشيرك، فالواجب عليك أن تشير عليه بما هو أصلح فإن أشكل عليك فأخبره بأنك متوقف في ذلك، ولتكن مشورتك عن درس للأمور وبصيرة فيها بحيث لا تقدم عليها إلا بعد التروي والبحث من جميع النواحي، خصوصا في الأمور الهامة والأمور العامة فإن المسؤولية فيها تكون أعظم وأكبر فتتطلب التروي والدرس أكثر وأكثر، ومن أكبر العون على ذلك أن يناقش الرأي إذا طرح من جميع جوانبه وتورد عليه الإيرادات والأسئلة التي يمكن أن توجه إليه، فإن سلم منها وتخلص فقد تبين أنه رأي سديد، وإن لم يتخلص مما يورد عليه فليطلب رأي آخر أسد منه. فمتي استعان الإنسان بالله وسلك السبل التي توصل إلى الحق قاصدا بذلك الحق هداه الله إليه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ - وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٦ - ٣٨] اللهم اجعلنا من هؤلاء السادة المفلحين ووفقنا لما فيه صلاحنا وصلاح أمتنا في أمر الدنيا والدين، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصل اللهم على عبدك ونبيك محمد وآله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين.
стр. 220
[الخطبة الخامسة في أداء الأمانة]
الخطبة الخامسة
في أداء الأمانة الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علما وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له نعم المولى ونعم النصير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد، أيها المؤمنون: اتقو الله تعالى، اتقوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم اتقوا الله تعالى في السر والعلانية اتقوا الله تعالى بأداء الأمانة التي أبت السماوات والأرض والجبال أن تحملها وأنتم حملتموها فأدوها كما تحملتموها، أدوا الأمانة في حقوق الله وحقوق العباد. فأداء الأمانة في حقوق الله أن تعبدوا الله مخلصين له الدين ومتبعين لسيد المرسلين لا تشركوا بالله في أعمالكم ولا تراؤوا فيها، فإن من راءى راءى الله به فأظهر رياءه للعالمين وفضحه بين الخلائق أجمعين. ألا وإن من علامات الرياء كون الإنسان يعصي الله في السر حين لا يطلع إلا الله ويظهر خشية الله في العلانية حين يراه الناس. أما أداء الأمانة في حقوق العباد فهو أن يعاملهم على وجه النصح والإخلاص من غير غش ولا كذب ولا خيانة في جميع ميادين الحياة. فعلى ولاة الأمور أن يؤدوا ما أوجب الله عليهم من تفقد أحوال من في ولايتهم والسلوك بهم على ما يرونه أنفع لهم في دينهم ودنياهم، وهم مسؤولون عن ذلك أمام الله، وعلى من تحتهم من الرعية أن يؤدوا الأمانة في حقوق أولياء الأمور فيأخذوا بإرشاداتهم ويطيعوا أوامرهم في غير معصية الله، وعليهم أن يكفوا عن عيوبهم فإن أمكنهم إزالتها بمناصحتهم فذلك هو الواجب عليهم، وإن لم يتمكنوا من ذلك فليسألوا الله لهم الهداية وإصلاح بطانتهم؛ لأن في صلاحهم صلاح الرعية كما أن صلاح الرعية سبب لصلاح الراعي، فأحوال الراعي والرعية متشابهة متلازمة. وعلى الذين يتولون التعليم في جميع مراحله في الابتدائي والمتوسط والثانوي وما فوقه أن يؤدوا الأمانة في التعليم فيسلكوا بالطلبة أقرب الطرق إلى تفهيمهم وتعليمهم، وليعاملوا كل طائفة بما تتحمله عقولهم وأفهامهم، وعليهم أن يركزوا في نفوسهم حب الله وحب رسوله والمؤمنين، وأن يغرسوا في نفوسهم قواعد الدين وأسسه وأهدافه ليرسخ في قلوبهم، وعلى المعلم أن يمثل أمام الطلبة بالأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة، فإن المتعلم يقتدي بمظاهر المعلم وأخلاقه أكثر مما يقتدي به في تعليمه، فمتى عرف المعلم
стр. 221
المسئولية الكبرى التي عليه وأنه يواجه جيلا ينبني صلاح مستقبله وفساده على التعليم الذي يتلقاه فإنه يحرص على نفع الطلبة ويجتهد في سلوك الطرق التي تؤدي إلى إصلاحهم، فليستعن بالله وليخلص النية والله ولي التوفيق. وأداء الأمانة في البيع والشراء أن يلتزم فيهما الحدود الشرعية التي رسمها الشارع الحكيم، فلا يتعاطى المعاملة بالربا لا صريحا ولا حيلة فإن التحيل على الربا شر من الربا الصريح لأن المتحيل جمع بين المخادعة والربا، وعلى العامل بالبيع والشراء أن يتجنب الغش والغرر لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر وقال: «من غش فليس منا» وعلى من استحفظوا على مال وأمن عندهم أن يؤدوا الأمانة فيه وأن يحفظوه لصاحبه، ولا يحل لمن جعل عنده أمانة أن يتسلف منها شيئا إلا بعد أن يستأذن من صاحبها، وعلى من له ولاية في تزويج امرأة أن يتقي الله فيها فلا يمنعها من كفئها، ولا يزوجها بغير كفء لها، وليختر لها صاحب الدين والأخلاق الفاضلة ولا يجعلن همه في المال فالمال قد يزول من الغني، وقد يكون الفقير غنيا، وكم من إنسان زوج ابنته أو غيرها لهذا الغرض فحصل بينهم الشقاق والنزاع، أما الدين والخلق فإنهما هما الذخيرة النافعة إن أمسكها أمسكها بمعروف وإن فارقها فارقها بإحسان. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ - وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٧ - ٢٨]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
стр. 222
[الخطبة السادسة في وجوب سلوك الحكمة في المعاملات وغيرها]
الخطبة السادسة
في وجوب سلوك الحكمة في المعاملات وغيرها الحمد لله الذي من علينا بدين هو أكمل الأديان في العبادات والمعاملات وأقومها بمصالح الخلق الدينية والدنيوية الفردية والجماعية في جميع الحالات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فاطر الأرض والسماوات، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الهادي إلى أعلى المقامات صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما توالت الدهور والأوقات وسلم تسليما.
أما بعد، أيها الناس: اتقوا الله تعالى، واحمدوا ربكم على ما أنعم به عليكم من نعمة الدنيا والدين، وقوموا بما أوجب الله عليكم من التحاب والتعاون والاجتماع على المصالح لتكونوا من الفائزين، اجتمعوا ولا تفرقوا وتعاونوا ولا تخاذلوا وتآلفوا ولا تنافروا وكونوا في جميع أعمالكم مخلصين. إن بالاجتماع تتفق الكلمة وتتبادل الآراء وتتم المصالح، إن المصالح العامة لا ينبغي أن تكون هدفا للأغراض الشخصية والعلو الفردي، إن المصالح العامة يجب أن تكون فوق جميع المستويات التي دونها يجب أن تكون مقصودة بذاتها ولذاتها، يجب أن تدرس من جميع النواحي وأن تستخلص فيها جميع الآراء، ثم ينظر فيما يمكن من الطرق الموصلة إليها فيتفق عليها ويمشي عليها، وإن الإنسان متى خلصت نيته وصلح عمله بالاجتهاد والنظر في المصالح وسلوك أقرب الطرق الموصلة إليها متى اتصف بهذين الأمرين: الإخلاص والاجتهاد في الإصلاح صلحت الأشياء وقامت الأمور، ومتى نقص أحد الأمرين إما الإخلاص وإما الاجتهاد فإنه يفوت من المصلحة بقدر ذلك. إن بعض الناس إذا نظر إلى الأمور نظر إليها نظرة قاصرة من جانب واحد وبذلك تختل الأمور وتفوت المصالح. أيها الناس: إن الواجب علينا كأبناء أمة واحدة أن نسعى لهدف واحد هو إصلاح هذه الأمة إصلاحا دينيا ودنيويا بقدر ما يمكن، ولن يمكن ذلك حتى تتفق كلمتنا ونترك المنازعات بيننا والمعارضات التي لا تحقق هدفا بل ربما تفوت مقصودا وتعدم موجودا، إن الكلمة إذا تفرقت دخلت الأمور الأهواء والضغائن وصار كل واحد يسعى لتنفيذ كلمته، وإن تبين أن الحق والعدل في خلافها، ولكن إذا اجتمعنا من أول الأمر ودرسنا الموضوع من جميع جهاته واتفقنا على ما نراه ممكنا نافعا من غير أن ننظر إلى مصالحنا الخاصة حصل لنا بذلك خير كثير، وثقوا أيها الناس
стр. 223
أنكم متى أخلصتم النية وسلكتم الحكمة في الحصول على المطلوب فإن الله سييسر لكم الأمور ويصلح لكم الأعمال قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]
أيها المؤمنون: لقد مثل النبي ﷺ المؤمن للمؤمن بالبنيان يشد بعضه بعضا، وهذا هو المثال الصحيح لكل شعب مؤمن أن تتعاون أفراده في إقامة بنائه بحيث يكون الغرض تشييد هذا البناء وتماسكه وتراصه بحيث يكمل بعضه بعضا ويقوم بعضه بعضا، فلا إيمان كامل مع التفرق ولا بناء محكم مع التفكك. أرأيتم لو أخذ من البناء لبنة ألا ينقص هذا البناء؟ فكيف إذا كانت اللبنات متناثرة متنافرة بل كل واحدة تهدم الأخرى وتزلزلها؟ فيا أيها الناس اجتمعوا على الحق وتعاونوا عليه ولا تبعدوا شططا ولا تقولوا باطلا وتناصحوا فيما بينكم واتقوا الله لعلكم ترحمون.
أقول قولي هذا وأسأل الله تعالى أن يجمعنا على ما فيه الخير والصلاح في ديننا ودنيانا إنه جواد كريم وأستغفر الله لي ولكم. . . إلخ.
стр. 224
[الخطبة السابعة في حال الناس بالنسبة لولاتهم وحال أهل الخير]
الخطبة السابعة
في حال الناس بالنسبة لولاتهم وحال أهل الخير الحمد لله الذي جعل المؤمنين فيما بينهم إخوانا وأوجب عليهم أن يكونوا في نصرة الحق أعوانا والحمد لله الذي ربط الأمور بأسبابها وجعل أفضل طريق للوصول إلى المقصود أن تؤتى البيوت من أبوابها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرجو بها النجاة من النار وعذابها ونأمل بها الفوز بدار النعيم وطيب مأكلها وعذب شرابها، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أنصح من وعظ وأحكم الخلق فيما قصد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيلهم في المقال والفعال والمعتقد وسلم تسليما.
أما بعد، أيها الناس: اتقوا الله وكونوا كما وصف الله به المؤمنين إخوانا في المحبة أعوانا في الحق لا تأخذهم في الله لومة لائم، لا يألون جهدا في نصح الخلق ونصرة الحق، واسلكوا في ذلك طريق الحكمة لعلكم تفلحون، فإن من سلك طريق الحكمة وأخلص في النية فاز بما أراد، ومن لم تكن له نية أو لم يكن له حكمة فاته المقصود والمراد.
أيها المسلمون: إني أريد أن أضمن خطبتي هذه موضوعين هامين يحتاجان إلى بسط كثير ولكني أشير إليهما بموجز من القول وربما أغنى القليل عن الكثير.
الموضوع الأول: حال الناس بالنسبة لولاتهم، فإن بعض الناس ديدنه في كل مجلس من مجالسه الكلام في ولاة الأمور والوقوع في أعراضهم ونشر مساوئهم وأخطائهم معرضا بذلك عما لهم من محاسن أو صواب، ولا ريب أن سلوك هذا الطريق والوقوع في أعراض الولاة لا يزيد الأمر إلا شدة، فإنه لا يحل مشكلا ولا يرفع مظلمة وإنما يزيد البلاء بلاء ويوجب بغض الولاة وكراهيتهم وعدم تنفيذ أوامرهم التي يجب طاعتهم فيها. ونحن لا نشك أن ولاة الأمور قد يسيئون وقد يخطئون كغيرهم من بني آدم، فإن كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، ولا نشك أيضا أنه لا يجوز لنا أن نسكت عن أي إنسان ارتكب خطأ حتى نبذل ما نستطيعه من واجب النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، فإذا كان كذلك فإن الواجب علينا إذا رأينا خطأ من ولاة الأمور أن نتصل بهم شفويا أو كتابيا
стр. 225
ونناصحهم سالكين بذلك أقرب الطرق في بيان الحق لهم وشرح خطئهم، ثم نعظهم ونذكرهم فيما يجب عليهم من النصح لمن تحت أيديهم ورعاية مصالحهم ورفع الظلم عنهم ونذكرهم بما ثبت عن النبي ﷺ من قوله: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه» وقوله ﷺ : «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» ثم إن اتعظ بواعظ القرآن والحديث فذلك هو المطلوب، وإن لم يتعظ بواعظ الحديث والقرآن وعظناه بواعظ السلطان بأن نرفع الأمر إلى من فوقه ليصلح من حاله، فإذا بلغنا الأمر إلى أهله الذين ليس فوقهم ولي من المخلوقين فقد برئت بذلك الذمة ولم يبق إلا أن نرفع الأمر إلى رب العالمين ونسأله إصلاح أحوال المسلمين وأئمتهم.
أما الموضوع الثاني: فهو حال أهل الخير السابقين إليه والمقتصدين فيه مع الظالمين لأنفسهم العاصين لربهم، فإن مجتمعنا ككل مجتمع فيه أهل خير وأهل شر وأهل طاعة وأهل معصية، وإن كثيرا من أهل الخير يسلكون بالنسبة إلى أهل المعصية مسلكا غير حكيم فتجدهم يكرهونهم كراهية مطلقة ويتكلمون في أعراضهم في كل مجلس وينفرون منهم، وهذا مسلك لا يحل المشكلة ولا يقيم الأمور على ما ينبغي، فأهل المعاصي من المؤمنين فيهم خير وفيهم شر فيجب أن نحبهم على خيرهم وهو ما معهم من الإيمان ونكرههم على شرهم وهو ما حصل منهم من المعاصي. أما أن نكرههم كراهية مطلقة ونعاديهم عداء مطلقا فهذا غير صحيح شرعا ولا عقلا؛ ثم إن الواجب علينا نحوهم أن نتصل بهم ونتكلم معهم ونزيل الوحشة التي بيننا وبينهم، فكلنا إخوان في الدين ما دمنا مؤمنين، فإن المعاصي لا تزيل الإخوة الإيمانية بين المؤمنين فنناصحهم ونبين لهم مفاسد المعاصي ومصالح الطاعة، وأن لزوم الطاعة أمر يسير لا يمنع منه إلا ضعف العزيمة وذلة الاستسلام للهوى والتقليد الأعمى، ونسعى نحن وهم في إصلاح أمورهم ما استطعنا لأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، ومثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.
أما البعد عنهم واعتقاد أننا في واد وهم في واد ثم تركهم وأنفسهم لا نعينهم عليها فهذا خطأ يؤدي إلى شر كبير وتفكك في المجتمع وتفرق في آرائه وأحواله، مع أننا أيها الإخوان بيننا
стр. 226
وبين أهل المعاصي من المؤمنين رابطة قوية وهي الإيمان، فعلينا أن نعزز هذه الرابطة بالسعي بإصلاح ما اختل منها لا أن ندعها تتفكك وتتشتت، والله ولي التوفيق.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
стр. 227
[الخطبة الثامنة في استعمال الحكمة في الأمور]
الخطبة الثامنة
في استعمال الحكمة في الأمور الحمد لله الملك الوهاب الغني الجواد والمتصرف في خلقه بما تقتضيه حكمته البالغة ورحمته الشاملة فهو الحكيم الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد: فقد قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩] الحكمة هي التصرف الرشيد الذي توضع به الأمور مواضعها اللائقة بها بإعطاء كل ذي حق حقه والاعتراف لكل ذي فضل بفضله، وأن أبلغ الحكمة معرفة العبد حق فاطره وخالقه ، فإنه سبحانه له الحق الأكبر على عباده وله الفضل العظيم عليهم، فعلى العبد أن يعرف ذلك لربه ثم يقوم بما تقتضيه هذه المعرفة من شكره وطاعته خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه، وإن من الحكمة أن يعترف الإنسان للرسول الكريم ﷺ بما له من الحقوق بأن يشهد بقلبه ولسانه أنه عبد الله ورسوله الصادق المصدوق، فيكون متبعا له مقدما لشريعته وهديه على كل شريعة وهدي معتقدا أن شريعته هي النظام الوحيد في إصلاح الدنيا والآخرة، وإن من الحكمة أن يكون الإنسان رشيدا في تصرفه فيبدأ بالأهم فالأهم ويأخذ بالأصلح فالأصلح، فإذا كان أمامه مصلحتان قدم أنفعهما وإذا رأى مصلحة عامة ومصلحة خاصة قدم العامة لأنها أنفع وأشمل، وإذا دار الأمر بين أن يفعل واجبا أو تطوعا ولا يمكنه القيام بهما جميعا قدم الواجب على التطوع لأنه آكد، وإذا نشأ من فعله مصلحة ومفسدة وتكافأتا أخذ بدرء المفسدة لأن درء المفسدة عند التكافؤ أولى من جلب المصلحة. ومن الحكمة أنه إذا تعارضت مفسدتان وكان لا بد من فعل إحداهما أخذ بأخفهما ضررا وأقلهما مفسدة، ومن الحكمة أن يعترف الإنسان لكل ذي فضل بفضله فيعترف لمن أسدى إليه معروفا دينيا أو دنيويا بمعروفه ويكافئه عليه إن أمكنه، فإن لم يجد ما يكافئه دعا له حتى يظن أنه كافأه، ومن الحكمة أن ينظر الإنسان إلى تصرفات غيره بمنظار الرحمة والنصح والعدل، فإن كل أحد لا بد أن يخطئ إلا من عصمه الله تعالى. ولكن ليس من الحكمة أن ينظر الإنسان إلى جانب الخطأ فقط ويدع جانب الصواب، بل ينظر إلى الجانبين ويوازن بينهما ثم يسعى في إصلاح الخطأ، فإن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وقد أشار
стр. 228
النبي ﷺ إلى ملاحظة الأمرين بقوله: «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن سخط منها خلقا رضي منها خلقا آخر» وقد يكون صاحبك مرتكبا خطأ في نظرك أنت وعندما تناقشه يتبين لك أنه ليس خطأ، فالتراجع في الأمور والمناقشة فيها بإخلاص وإرادة صالحة من أكبر الأسباب في إصلاحها ونجاحها، ومن الحكمة إذا نبه الإنسان على خطأ أن لا يركب رأسه ويعبد هواه فيمضي في خطئه ورأيه، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، والمؤمن ضالته الحق حيث وجده أخذه. وكثير من الخلق يمنعه منصبه أو جاهه من الرجوع إلى الحق بعد ما تبين له، وهذا من السفه، فنسأل الله أن يعيذنا من ذلك. ومن الحكمة إذا جاءك أخوك ناصحا لك أن لا تعبس بوجهه أو تظهر له الاستياء فإن من حق الناصح أن يقابل بالشكر، فإن شكر الناصح فضيلة للمنصوح وتشجيع للناصح، ولا مانع من أن تبين له الأسباب التي أدت إلى فعل ما نصحك من أجله. أيها الناس، وإن من الحكمة أن لا يدخل الإنسان في أمر حتى يعرف الخلاص منه، فإن بعض الناس يغتر بظواهر الأمور ومبادئها حتى إذا تورط فيها لم يستطع الخلاص منها، وإن من الحكمة أن من ابتدأ بعمل وارتاح له فليستمر عليه، فمن بورك له في شيء فليلزمه، وبعض الناس يبدأ الأعمال ولا يتممها فيمضي عليه الوقت سبهللا من غير فائدة، فمثلا يقرأ في هذا الكتاب أو في هذا الفن ثم يدعه من غير أن يكمله وينتقل إلى غيره ثم إلى آخر من غير تكميل الأول فيضيع عمله وينقضي عمره بلا فائدة، وكذلك في الأعمال الأخرى. كل يوم له عمل وكل يوم له رأي فيضيع الوقت عليه من غير فائدة.
فاتقوا الله أيها المسلمون واعرفوا الحكمة واسلكوا طريقها وأعطوا كل ذي حق حقه وكل عمل ما يستحقه، واعترفوا لكل ذي فضل بفضله فإن ذلك هو الحكمة ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
стр. 229
[الفرع الثاني البيوع واكتساب المال]
[الخطبة الأولى المال فتنة انقسم الناس فيها]
الفرع الثاني
البيوع واكتساب المال الخطبة الأولى
المال فتنة انقسم الناس فيها الحمد لله الذي خول عباده من الأموال ما به تقوم مصالح دينهم ودنياهم وجعل لتحصيلها وتصريفها طرقا شرعها لهم وبينها وهداهم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين ومولاهم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أكرم الخلق وأزكاهم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس اتقوا الله تعالى واعلموا أن هذه الأموال التي بين أيديكم جعلها الله تعالى فتنة لكم، فتنة في تحصيلها وفتنة في تمويلها وفتنة في إنفاقها. فأما الفتنة في تحصيلها فإن الله تعالى شرع لتحصيلها طرقا معينة مبنية على العدل بين الناس واستقامة معاملتهم، بحيث يكسبها الإنسان من وجه طيب ليس فيه ظلم ولا عدوان، فانقسم الناس في ذلك قسمين، قسما اتقى الله تعالى وأجمل في الطلب، اكتسبها من طريق الحلال فكانت بركة عليه إذا أنفق ومقبولة منه إذا تصدق وأجرا له إذا خلفها لورثته فهو غانم منها دنيا وأخرى، والقسم الثاني لم يتق الله ولم يجمل في الطلب فصار يكتسب المال من أي طريق أتيح له من حلال أو حرام من عدل أو ظلم لا يبالي بما اكتسب فالحلال عنده ما حل بيده، فهذا المال الذي اكتسبه من طريق محرم إن أنفقه لم يبارك له فيه وإن تصدق به لم يقبل منه وإن خلفه بعده كان زادا له إلى النار، لغيره غنمه وعليه إثمه وغرمه. فهذه فتنة المال في تحصيله، وأما فتنة المال في تمويله فمن الناس من كان المال أكبر همه وشغل قلبه ولا نصب عينه إلا المال، إن قام فهو يفكر فيه وإن قعد فهو يفكر فيه وإن نام كانت أحلامه فيه، فالمال ملء قلبه وبصر عينه وسمع أذنه وشغل فكره يقظة ومناما، حتى عباداته لم تسلم فهو يفكر في ماله في صلاته وفي قراءته وفي ذكره كأنما خلق المال وحده، فهو النهم الذي لا يشبع والمفتون الذي لا يقلع، ومع ذلك الهم والفتنة فلن يأتيه من الرزق إلا ما كتب له، ولن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها. ومن الناس من عرف للمال حقه ونزله منزلته فلم يكن أكبر همه ولا مبلغ علمه، وإنما جعله في يده لا في قلبه فلم يشغله عن ذكر الله ولا عن الصلاة ولا عن القيام بشرائع الدين ولا فروضه، بل جعله وسيلة يتوسل بها إلى فعل الخيرات ونفع القرابات وذوي الحاجات، فهذا هو صاحب
стр. 230
العيش الرغد المحصل لما كتب له في الرزق من غير تعب في قلبه ولا نكد، وأما الفتنة في إنفاق المال فإن الناس انقسموا إلى ثلاثة أقسام: منهم البخيل الذي منع حق الله وحق عباده في ماله، فلم يؤد الزكاة ولم ينفق على من يجب الإنفاق عليه من الأهل والمماليك والقرابات، ومن الناس المسرف المفرط الذي يبذر ماله وينفقه في غير وجهه وفيما لا يحمد عليه شرعا ولا عرفا، فهذا من إخوان الشياطين، ومن الناس من إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا قد بذلوا الواجبات وكملوها بالمستحبات وبذلوا ما يحمدون عليه في العادات، فهؤلاء هم عباد الرحمن الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما. أيها المسلمون اتقوا الله تعالى وأجملوا في طلب الأموال، اطلبوها على وجه مباح حلال فإنكم لن تبقوا للمال أبدا، إنما المال عارية بين أيديكم وأنتم عارية في هذه الدنيا، فإما أن تنتقلوا عنه وتتركوه وأنتم أزهد الناس فيه، وإما أن يسلب من أيديكم وأنتم أحرص الناس عليه فتبوء بالحسرة والندامة.
أيها المسلمون، لقد لعب الشيطان بأفكار بعض الناس فجرأهم على المعاملة المحرمة السيئة فارتكبوا محارم الله وهم يعلمون، وتجرؤوا على الإثم كأنهم لا يعقلون، ومناهم الكسب وكثرة المال فبئس ما يصنعون، لقد تجرأ كثير من الناس على الغش في معاملتهم وجعلوا الكسب من الغش والخداع مغنما، ووالله إنه المغرم لأنه كسب حرام لا بركة فيه ولا مصلحة بل فيه مفاسد متعددة. فمن مفاسد الغش أن صاحبه قد تبرأ منه ﷺ حيث قال: «من غش فليس منا» فهذا نص صحيح صريح إن من غش فليس من المسلمين، نعم ليس من المسلمين لأن المسلم حقيقة من يعامل إخوانه بصدق وصراحة كما يحب أن يعاملوه بالصدق والصراحة، فالمؤمن هو من يحب لأخيه ما يحب لنفسه، إذا كنت لا ترضى أن يخدعك أحد ويعاملك بالغش فكيف تفعل ذلك بإخوانك؟ ومن مفاسد الغش أن الغاش ظالم لنفسه معرض لها بالعقوبة عاص لله ورسوله، ومن مفاسده أن الكسب به كسب محرم لا خير فيه ولا بركة، ومن مفاسده أنه ظلم للناس وأكل لأموالهم بالباطل، فإن الناس لو علموا بالغش لم يبذلوا ما بذلوا في ثمن السلعة، ومن مفاسده أن الغاش يسقط اعتباره بين الناس ويحذرون منه ولا يثقون به فتكسد سلعه ويخسر في دينه ودنياه، فكيف يليق بالمسلم أن يتجرأ على الغش وهو من أمة الإسلام الذي يأمر بكل عدل وإنصاف وينهى عن كل ظلم، أيها الغاش: ألست تقول
стр. 231
إنك مسلم فلماذا تفعل ما يكون سببا لتبرؤ النبي ﷺ منك وإخراجك من المسلمين؟ والله لو كنت تعقل لكنت بمجرد ما تسمع هذا الحديث منتهيا منزجرا، ولا بارك الله في كسب يقول لك رسول الله ﷺ بسببه أنك لست منا، فاتق الله أيها المسلم وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ - فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٥ - ١٦]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
стр. 232
[الخطبة الثانية في أحوال السابقين في الورع ونماذج من المعاملات المحرمة]
الخطبة الثانية
في أحوال السابقين في الورع ونماذج من المعاملات المحرمة الحمد لله الذي أنعم علينا بما أعطانا من الأموال ووفق من شاء من خلقه لاكتسابها من طريق حلال وصرفها فيما يوجب رضى الكبير المتعال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العظمة والجلال، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بأكمل الشرائع وأفضل الخصال صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم لا بيع فيه ولا خلال وسلم تسليما.
أما بعد، أيها الناس: اتقوا الله تعالى، واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم. عباد الله، الأموال فتنة في تحصيلها فتنة في تصريفها، لقد شرع الله وهو العليم الحكيم لعباده طرقا لتحصيلها مبنية على العدل والقصد فلا ظلم ولا تفريط ولا إفراط، وشرع لعباده طرقا لتصريفها على الوجه النافع للعبد في دينه ودنياه، فانقسم الناس في ذلك أشتاتا، وأسعد الناس بها من اكتسبها من طرقها المشروعة ثم بذلها فيما ينفعه في دينه ودنياه، وأشقى الناس بها من اكتسبها على غير الوجه الشرعي ثم أمسكها عن بذلها فيما ينفع أو بذلها فيما هو ضار، وبين هاتين المنزلتين منازل.
أيها المسلمون: لقد كان إخوانكم الأولون الذين ملكوا زمام الدنيا ومفاتيح الآخرة يعرفون قدر هذه الأموال، فكانوا لا يحصلونها إلا عن طريق مباح ولا يصرفونها إلا في طريق نافع سلكوا في تحصيلها سبيل الورع وفي تصريفها سبيل الكرم والبذل المحمود، كان لأبي بكر غلام فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام: تدري ما هذا؟ تكهنت في الجاهلية لإنسان وما أحسن الكهانة ولكني خدعته فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده في فمه فقاء كل شيء في بطنه. وشرب عمر بن الخطاب لبنا فأعجبه فقال للذي سقاه: من أين لك هذا؟ قال مررت بإبل الصدقة وهم على ماء فأخذت من ألبانها، فأدخل عمر يده فاستقاء. هكذا أيها المسلمون كان سلفنا يخرجون الحرام من بطونهم بعد أكله وهم جاهلون به حين أكلوه وما ضرهم ذلك، بل ملكوا به خزائن الدنيا ومفاتيح الآخرة وكانت حياتهم طيبة وعاقبتهم حميدة. أيها المسلمون، الله أكبر ما أعظم الفرق بيننا وبين هؤلاء
стр. 233
ما أعظم الفرق بين قوم يرون الحرام عيانا فيتجرؤون عليه ويأكلونه لا يبالون من أين أخذوا المال أمن حلال أم من حرام، فالحلال ما حل بأيديهم، والطريقة المباحة للكسب ما أملته عليهم أهواؤهم وشهواتهم سواء وافق ما في كتاب الله وسنة رسوله أم خالفه، يأكلون أموال الناس بالباطل بالكذب بالغش بالخيانة لا يتورعون ولا يتنزهون إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون. أيها المسلمون، إن من البياعين من يظهر السلعة على أعلى ما يكون من الأصناف الطيبة وهي في باطنها معيبة، يجعل الطيب في أعلاها والرديء في أسفلها، يغش الناس بذلك ومن غش فليس من أمة محمد تبرأ منه رسول الله ﷺ ، من البياعين من يكذب في ثمن السلعة يقول اشتريت السلعة بكذا أو تسام كذا وهو كاذب، فيأخذ بذلك زيادة في الثمن لكنها تمحق بركته ويأكلها سحتا، ومن المستأجرين من لا يوفي الأجير حقه يأتي الأجير فيعمل عنده العمل ولكنه يماطله بالأجرة، ولقد قال النبي ﷺ : «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» ، وقال: «مطل الغني ظلم» . ومن الأجراء من لا يعطي العمل حقه يتأخر في بدء العمل ثم يعمل ببطء وتأن وتأخر كأنما يساق سوقا وهو يريد أجرته كاملة، كيف تريد الأجرة كاملة وأنت لا تعمل العمل كاملا أليس هذا من الظلم أليس هذا من أكل المال بالباطل؟ إن أجيرا كهذا لا يستحق في دين الله تعالى من أجرته إلا بمقدار عمله، وما زاد من الأجرة فحرام عليه. فاتقوا الله أيها المسلمون وعاملوا الناس بالعدل عاملوهم بما تحبون أن يعاملوكم به، حللوا مكاسبكم اجعلوها غنيمة لكم تعينكم على طاعة الله، لا تجعلوها غرما عليكم فتفقدوا بركتها وتستحقوا عقوبة الله. وفي الحديث: «لا يكسب عبد مالا من حرام فيتصدق به فيقبل منه فيبارك له فيه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث إنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب» . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
стр. 234
[الخطبة الثالثة في بعض شروط البيع]
الخطبة الثالثة
في بعض شروط البيع الحمد لله الذي أباح لنا من التعامل كل معاملة مبنية على العدل والصدق والبيان وحرم علينا كل معاملة مبنية على الظلم والكذب والكتمان، ونظم لنا طرق التعامل أحسن نظام وأكمله حتى كان ذلك النظام كفيلا للتعايش بين الناس بالمحبة والألفة والرحمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي أحسن كل شيء خلقه وأحكم كل نظام شرعه وهو أحكم الحاكمين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل النبيين وإمام المتقين وحجة الله على الخلق أجمعين المبعوث رحمة للعالمين وقدوة للعاملين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد، أيها الناس: اتقوا الله تعالى واعلموا أن هذا الدين دينكم الذي تفتخرون به، وحق لكم أن تفتخروا به فإنه الدين الذي نظم للعباد سبل معاملتهم مع الله ومعاملتهم مع عباد الله، فكما أن الله شرع لكم عبادات تتعبدون الله بها على حسب ما أمركم به وأرشدكم إليه، وأنكم لا يمكنكم أن تعبدوا الله إلا بما رضيه وشرعه لا يمكنكم أن تعبدوه بما تهواه أنفسكم، فكذلك أذن لكم في معاملات تتعاملون بها فيما بينكم على حسب ما أباحه وأذن به لا على حسب ما تريدون وتشتهون. فالبيع له شروط شرعية، والإجارة لها شروط شرعية، والهبة والرهن والوقف وغيرها كل ذلك له شروط يجب اعتبارها والتعامل على وفق حدودها، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون.
أيها الناس إن أكثر المعاملات وقوعا هو البيع والشراء، وإن للبيع والشراء شروطا لا بد منها إذا فقدت أو فقد بعضها لم يصح البيع، فمن تلك الشروط أن لا يشتمل العقد على غرر فإن كان في العقد غرر فهو باطل لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر. فمن الغرر أن يكون الثمن مجهولا أو السلعة مجهولة. وقد سمعنا أن بعض الناس يجمع أنواعا من السلع مجهولة العدد مختلفة القيمة فيبيعها جميعا بسعر واحد، وهذا جهالة واضحة، فإن السلع الرخيصة قد تكثر فيكون المشتري مغبونا، وقد يكون الأمر بالعكس فيكون البائع مغبونا، وقد يكون البائع عالما بالأمر ولكن يريد تغرير المشتري وخداعه، كما سمعنا أن بعض الناس يبيع جميع ما في دكانه بسعر واحد والمشتري لا يدري ما قدر كل سلعة فيه، وهذه جهالة وغرر حرام باطل لا يجوز
стр. 235
الإقدام عليه، سمعنا أنه باع دكانه كل حبة منه بريال، فلما أحصوه ظهر كيس السكر بريال وصندوق الكبريت بريال وبقية الأنواع على ريال، وهم حين العقد لا يعلمون كم عدد السكر مثلا وكم عدد الكبريت وكم عدد الأنواع الأخرى، فيا سبحان الله كيف يشكل على هؤلاء أن هذا غرر ومخاطرة؟ فقد يربح المشتري ربحا كثيرا وقد يخسر خسارة كبيرة، يا سبحان الله كيف يقع هذا علنا؟ إن كان وقع علنا ولا ينكره أحد، إن هذا لشيء عجيب! ألم تعلموا أيها المسلمون أن هذا نوع من الميسر وقد قرن الله الميسر بالخمر وعبادة الأصنام فقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ - إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١] أيها المسلمون إن هذا العمل لموقع للعداوة والبغضاء، فإن الخاسر من البائع أو المشتري في هذه الصورة يقع في قلبه من الهم والغم والحزن والنظر إلى أخيه بعين السخط ما لا حاجة إليه، وإن الواجب على من وقع منه ذلك أن يتوب إلى الله وأن يفسخ العقد ويرد السلعة إلى صاحبها ويأخذ الثمن إن كان قد سلمه.
ومن شروط العقود أن تكون برضى من الطرفين، فمن أخذ ماله بغير رضا منه ببيع أو إجارة أو غيرهما فالعقد حرام باطل إلا أن يكون ذلك بطريق شرعي.
فاتقوا الله أيها المسلمون وتمشوا في معاملتكم على الوجه الذي أذن لكم فيه ربكم، ولا تتعدوا حدوده فتهلكوا، واعلموا أن كل مال كسبه الإنسان أو أخذه بغير طريق حلال فلا خير فيه ولا بركة، بل هو شر ووبال على صاحبه إن أنفقه لم يبارك له فيه، وإن تصدق به لم يقبل منه، وإن خلفه بعده كان زادا له إلى النار، وإن تغذى به فدعا الله فلن يستجاب له، وباب التوبة للتائبين مفتوح.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
стр. 236
[الخطبة الرابعة في حكم التحيل على الربا]
الخطبة الرابعة
في حكم التحيل على الربا الحمد لله الذي أباح لنا من المكاسب أحلها وأزكاها وأقومها بمصالح العباد وأولاها وحرم علينا كل كسب مبني على ظلم النفوس وهواها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق الخليقة وبراها وبين لها طرق رشدها وهداها، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أزكى الخليقة عبادة ومعاملة وأتقاها صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد، أيها الناس: اتقوا الله تعالى واحذروا أسباب سخطه وعقابه، واحذروا الربا فإنه من أسباب لعنة الله ومن الكبائر التي حذر الله عنها ورسوله قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ - فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩] وقال النبي ﷺ : «الربا ثلاث وسبعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه» رواه الحاكم وله شواهد، وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال هم سواء يعني في الإثم» . أيها المسلمون، إن الربا فساد في الدين والدنيا والآخرة، إنه فساد في المجتمع واستغلال مبني على الشح والطمع، ولكن المرابي قد زين له سوء عمله فرآه حسنا فهو من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
أيها المسلمون، لقد بين النبي ﷺ الربا أين يكون وكيف يكون فقال ﷺ : «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» رواه أحمد والبخاري. فهذه هي الأصناف التي نص عليها رسول الله ﷺ وألحق بها العلماء ما كان في معناها، بين النبي ﷺ أن هذه الأصناف إذا بيع الشيء منها بجنسه فلا بد فيه من أمرين: الأول القبض من الطرفين في مجلس العقد، والثاني التساوي بأن لا يزاد أحدهما على الآخر، فإن اختل أحد الأمرين وقع المتعاقدان في الربا.
أيها الناس إن من المعلوم أن أكثر الدول الآن لا تتعامل بالذهب والفضة كنقد، وإنما تتعامل بالأنواط بدلا عن الدراهم، والبدل له حكم المبدل فيكون لهذه الأنواط حكم ما جعلت
стр. 237
بدلا عنه من الذهب والفضة، وإذا كان معلوما أنه لا يجوز أن يعطى الرجل مئة من هذه الأوراق بمئة وعشرة مثلا إلى أجل لأن هذا ربا صريح، فإنه لا يجوز التحيل على ذلك بأي نوع كان من الحيل، ولكن الشيطان وهو عدو بني آدم فتح على كثير من الناس باب التحيل على محارم الله كما فتحها على اليهود وغيرهم، والحيلة على المحرم أن يتوصل الإنسان إلى المحرم بشيء صورته صورة المباح. وقد حذر النبي ﷺ أمته من التحيل على المحرمات فقال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» وقال بعض السلف في المتحايلين أنهم يخادعون الله كما يخادعون الصبيان لو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون، والحيلة على المحرم لا ترفع التحريم عنه وإنما هي فعل للمحرم مع زيادة المكر والخداع لله رب العالمين الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، والمتحيل على المحرم لا يقصد إلا المحرم فله ما نوى. قال النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» .
أيها المسلمون، إن للتحايل على الربا صورا كثيرة أكثرها شيوعا بيننا طريقة المداينة التي يستعملها كثير من الناس، وهي أن يتفق الدائن والمدين أولا على المعاشرة يتفق معه على الدراهم يقول أريد عشرة آلاف ريال العشرة بعشرة ونصف مثلا، ثم يذهب الدائن والمدين إلى صاحب دكان عنده أموال مكدسة إما سكر أو ربطات خام أو غيرها فيشتريها الدائن شراء صوريا ليس له بها غرض سوى الوصول إلى بيع العشرة بعشرة ونصف. والدليل أنه شراء صوري أنه لا يكاسر بالثمن ولا يقلب السلعة ولا يفتشها كما يفعل المشتري حقيقة، وربما كانت هذه الأموال أفسدها طول الزمن أو أكلتها الأرض لأنها لم تنقل ولم تقلب ولم تفتش، وبعد هذا الشراء الصوري يبيع الدائن هذه السلع على المدين بما اتفقا عليه من الربح، ثم يعود المدين فيبيعها على صاحب الدكان ويخرج بدراهم. وهذا العمل بعينه هو ما حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب إبطال التحليل من جملة صور الحيل، حيث قال ﵀: وكذلك بلغني أن من الباعة من قد أعد بزا لتحليل الربا، فإذا جاء إلى من يريد أن يأخذ منه ألفا بألف ومائتين، ذهبا إلى ذلك المحلل فاشترى منه المعطى ذلك البز ثم يعيده للآخذ، ثم يعيده الآخذ إلى صاحبه وقد عرف الرجل بذلك بحيث إن هذا البز الذي يحلل به الربا لا يكاد يبيعه البيع البات، انتهى. وقد قال قبل ذلك سبحان الله العظيم أن يعود الربا الذي عظم
стр. 238
الله شأنه في القرآن وأوجب محاربة مستحله ولعن آكله وموكله وكاتبه وشاهديه وجاء فيه من الوعيد ما لم يجئ في غيره، إلى أن يستحل بأدنى سعي من غير كلفة أصلا إلا بصورة عقد هي عبث ولعب، وقال في الفتاوى أيضا: وكذلك إذا اتفقا على المعاملة الربوية ثم أتيا إلى صاحب حانوت يطلبان منه متاعا بقدر المال فاشتراه المعطى ثم باعه على الآخذ إلى أجل، ثم أعاده إلى صاحب الحانوت بأقل من ذلك فيكون صاحب الحانوت واسطة بينهما بجعل، فهذا من الربا الذي لا ريب فيه، انتهى.
أيها المسلمون، إن المداينة بهذا البيع الصوري الذي يعلم الله جل وعلا ويعلم المتعاقدان أنفسهما أنهما لم يريدا حقيقة البيع وإنما أرادا دراهم بدراهم، فالدائن أراد الربح والمدين أراد الدراهم، وأدخلا هذا العقد الصوري بينهما، أقول إن هذه المداينة تشتمل على عدة محاذير: الأول أنها تحايل على المحرم وخداع لله ورسوله، ونحن نقول لهذا المتحيل إن حيلتك لن تغني عنك من الله شيئا، ألم تعلم بأن الله يرى؟ ألم تعلم بأن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟ ألم تعلم بأن الحساب يوم القيامة على ما في قلبك ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ - وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ٩ - ١٠] ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ - فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ٩ - ١٠] المحذور الثاني أن هذه المعاملة توجب قسوة القلب والتمادي في الباطل، فإن صاحبها يظن أنه على حق، فلو أتيته بكل دليل ما سمع منك لأن قلبه مغمور بمحبة هذه المعاملة السيئة لسهولتها، والنفس إذا اعتادت على الربح المحرم بهذه الطريقة السهلة صعب عليها تركها إلا أن يعينها الله بمدد منه وتعرف حقيقة واقعها وشؤم عاقبة معاصيها، وأن هذه الأرباح التي تحصل لها بطريق التحايل على محارم الله ليس منها إلا الغرم والإثم. المحذور الثالث: إن في هذه المعاملة السيئة معصية لله ولرسوله فقد نهى النبي ﷺ عن بيع السلع حتى تنقل. قال ابن عمر ﵄: «كان الناس يتبايعون الطعام جزافا بأعلى السوق، فنهاهم النبي ﷺ أن يبيعوه حتى ينقلوه» ، رواه البخاري، وعن زيد بن ثابت ﵁ «أن النبي ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم» رواه أبو داود، فكيف ترضى لنفسك أيها المسلم أن تتعامل بمعاملة يكون فيها معصية الله ورسوله والوقوع فيما حذر الله ورسوله منه من أجل كسب لا يعود عليك بالخير والبركة، فتب إلى ربك واتق الله في نفسك
стр. 239
واعرف حقيقة الدنيا وأنها زائلة ولا تقدمها على الآخرة، قولوا سمعنا وأطعنا ولا تقولوا سمعنا وعصينا، فكروا في هذه المعاملة تفكيرا سليما من الهوى والطمع يتبين لكم حقيقة أمرها، واسلكوا طريقتين سليمتين إحداهما طريقة الإحسان وهي القرض بدون ربح، فإن أبيتم ذلك فاسلكوا الطريقة الثانية طريقة السلم وهي التي تسمى المكتب، تعطون دراهم بسلع معينة إلى أجل معلوم كما كان الناس يفعلون ذلك على عهد النبي ﷺ مثل أن تعطيه ألف ريال بعشرين كيس سكر مثلا يعطيك إياها بعد سنة فهذا جائز، وكذلك إذا احتاج إلى سلعة معينة كسيارة تساوي عشرة آلاف فبعته عليه بأحد عشر ألفا أو أكثر إلى أجل معين فلا بأس به سواء كان الأجل مدته واحدة أو كان موزعا على الأشهر والسنوات.
وفقني الله وإياكم لسلوك طريق الزهد والورع وجنبنا ما فيه هلاكنا من الشح والطمع وجعلنا ممن رأى الحق حقا واتبعه ورأى الباطل باطلا واجتنبه إنه جواد كريم.
стр. 240
[الخطبة الخامسة في نماذج من البيع المحرم وعقوبة الربا]
الخطبة الخامسة
في نماذج من البيع المحرم وعقوبة الربا الحمد لله الذي أباح لنا من المكاسب كل تعامل مبرور ونهانا عن كل معاملة تشتمل على الغش والكذب والظلم والجهالة والغرور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الألوهية والربوبية والأسماء والصفات وتدبير الأمور، وأشهد أن محمدا عبده أهدى آمر وأبر مأمور صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم البعث والنشور وسلم تسليما.
أما بعد، أيها الناس: اتقوا الله تعالى، وتعاملوا فيما بينكم بالبر والصدق والبيان وإياكم والكذب والغش والكتمان، فمن تعامل بما حرم الله عليه فقد باء بالإثم والخسران، واعلموا أن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها. لقد فرض الله عليكم في معاملاتكم الصدق والبيان وحرم عليكم الكذب والكتمان، من باع سلعة وجب عليه أن يبين ما فيها من العيوب وأن يصدق فيما يذكره فيها من كل وصف مطلوب لا يذكرن فيها وصفا يرغب وليس فيها، مثل أن يقول إنها طيبة إنها جديدة وليست كذلك، فإن من فعل هذا فهو خاسر وإن ربح حطاما من الدنيا، أترضى أن تأخذ من مال أخيك بما كذبت عليه أما تخاف أن يتعلق بك يوم القيامة مطالبا بحقه حين لا درهم ولا دينار تعول عليه؟ إذا بينت عيوب سلعتك فأنت رابح وإن نقصت قيمتها لأنك امتثلت ما أمر الله وتركت ما حرم الله، رابح لأنك اكتسبت المال من طريق حلال، رابح لأنك خرجت من تبعتها وبرئت ذمتك من النكال والوبال ولن يفوتك شيء مما كتب الله لك من الرزق والمال، فإنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله تعالى وأجملوا في الطلب وإياكم والربا فإن الذين يأكلون الربا لا يقيمون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، يقوم الواحد منهم من قبره يوم القيامة يتخبط في قيامه كما يتخبط المجنون. آكل الربا ملعون على لسان محمد ﷺ قال عبد الله بن مسعود ﵁: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه، ألا وإن قلب الدين من الربا سواء فعل ذلك صريحا أو تحيل عليه مثل أن يقول لمدينه إذا حل دينه: إما إن توفي دينك وإما أن أصبر بزيادة دراهم في مقابلة صبره أو يتحيل على ذلك فيقول: استدن مني وأوفني أو اذهب إلى فلان واستدن منه وأنا أضمنك ثم
стр. 241
أوفني وأدينك مرة أخرى لتوفيه، كل ذلك لا يجوز، وإذا باع أحدكم سلعة على شخص بثمن مؤجل فلا يشتريها منه بأقل مما باعها به إلا إذا أوفاه أو باعها على شخص آخر، وإذا اشترى أحد منكم تمرا أو عيشا أو علفا سلما فلا يقوم من مجلس العقد حتى يوفي الثمن كله، فإن تفرقا قبل أن يوفيه فالعقد محرم باطل ومن ذلك شراء العلف من الفلاحين، فإن الناس أهل الدكاكين وأهل البيوت يشترون من الفلاحين أوزانا معلومة يأخذونها يوما فيوما فعليهم إذا اشتروا منهم شيئا أن يسلموا ثمنه بمجلس العقد قبل التفرق، فإن تفرقوا قبل استلامه فالعقد محرم وباطل. وإياكم والنجش فإن النجش حرام، وهو أن يزيد الإنسان في السلعة وهو لا يريد شراءها وإنما يقصد نفع البائع أو ضرر المشتري، ولا يبعن أحدكم على بيع أخيه ولا يستأجرن على استئجاره مثل أن تقول لمن اشترى سلعة بعشرة أعطيك مثلها بتسعة أو أحسن منها بعشرة، وكذلك إذا قلت لمن باع سلعة بتسعة أعطنيها بعشرة لأن في ذلك قطعا لرزق أخيك وإضرارا به، وكذلك إذا كان مستأجر البيت ساكنا فيه وقد رضي صاحبه بالأجرة وقنع بها فلا يحل لك أن تزيده في الأجرة ليخرج المستأجر، أما إذا كان صاحب البيت يطلب المزيد وقد عرضه لذلك فإنه لا بأس أن تزيد ولو كان المستأجر في البيت لأن صاحب البيت لم يقنع بالأجرة. ومن وكل على بيع شيء فإنه لا يحل له أن يشتريه أو يشتري شيئا منه إلا أن يستأذن من وكله فيأذن حتى ولو أخذته بمثل ما يشتريه الناس فإنه لا يحل حتى يأذن صاحبه؛ لأننا لو أجزنا له أن يشتري منه لخيف منه أن لا يستقصي في زيادة الثمن. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ - وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ - وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠ - ١٣٢]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
стр. 242
[الفرع الثالث في الوقف والوصية]
[الخطبة الأولى في تحريم الوصية لبعض الورثة]
الفرع الثالث
في الوقف والوصية الخطبة الأولى
في تحريم الوصية لبعض الورثة الحمد لله الذي من علينا بالأموال وجعلها قياما للناس في مصالح الدنيا والدين ونظم لهم اكتسابها وتصريفها والتصرف فيها تنظيما عادلا مستقيما لا يضاهيه شيء من النظم والقوانين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ملك يوم الدين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى على جميع الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد، أيها الناس: اتقوا الله تعالى واشكروه على ما خولكم من هذه الأموال واتخذوها قربة لكم إلى الكبير المتعال، عباد الله لقد نظم لكم ربكم التصرف في هذه الأموال اكتسابا وتصريفا فبين لكم كيف تكسبونها وكيف تتصرفون فيها وتصرفونها، نظم ذلك لكم في حياتكم وبعد مماتكم. ففي حياة الإنسان يستطيع الحر المكلف الرشيد أن يتصرف في ماله بيعا وشراء وإجارة ورهنا ووقفا وهبة ووصية على حسب الحدود الشرعية التي بينها الشارع، وذلك معلوم ولله الحمد. وبعد ممات الإنسان حفظ الله له المال بأن يتولى قسمه بنفسه على أولى الناس به ففرض المواريث وقسمها وقال ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١] وأخبر أن هذه حدوده وقال ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ - وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٣ - ١٤] وقال نبيه ﷺ : «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» ، فلا يجوز لأحد أن يوصي لبعض ورثته دون بعض لا بشيء من أعيان المال ولا بشيء من منافعه وغلاته. فلو أراد أحد أن يوصي لبعض الورثة بدراهم أو عقار لكان جائرا في الوصية ولم يجز تنفيذها إلا بإجازة بقية الورثة المرشدين، وكذلك لا يجوز أن يوصي لبعض ورثته بأجرة شيء من عقاره أو مغله سواء أوصى له بذلك دائما أو مدة معينة لقول النبي ﷺ : «لا وصية لوارث» وقد أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث وأن الوصية للوارث حرام، وفي الحديث «أن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار» . أيها
стр. 243
المسلمون إنني أحب أن أتعرض في خطبتي هذه لموضوع لم يسبق أن تعرضنا له وأطبقه على ضوء هذه النصوص وهو ما كان يعتاده بعض الناس من الوصية بوقف شيء من ماله وتخصيصه بأولاده وذريته من بين سائر الورثة، نريد أن نطبق هذا العمل على النصوص الشرعية فننظر في حكمه ثم ننظر في فوائده الاجتماعية هل فيه فائدة للموقوف عليهم أو هو إلى الضرر والمفاسد أقرب؟ فبالنظر إلى النصوص الشرعية لا شك أن الوصية بوقف شيء من المال على بعض الورثة داخل في قوله ﷺ «لا وصية لوارث» ، فإذا كان لا يجوز أن يوصي لبعض الورثة بسكنى شيء أو استثمار شيء من عقاره لمدة سنة، فكيف يجوز أن يوصي له بما يقتضي سكنى الدار واستثمار العقار دائما وأبدا، وإذا كان الله تعالى قد فرض للورثة ومن جملتهم أولادك الذين خصصتهم بالوصية بالوقف عليهم، إذا كان الله تعالى قد فرض لكل وارث حقه ونصيبه فكيف يجوز أن توصي لأولادك بوقف شيء من مالك عليهم؟ ألم يكن هذا تعديا لحدود الله واقتطاعا من حق بعض الورثة لورثة آخرين؟ وهذا معناه الجور في الوصية والمضارة للورثة إذا. فإذا قال الإنسان أوصيت بثلثي أو ببيتي أو بعقاري يكون وقفا على أولادي، وله ورثة غير الأولاد، فهذه وصية لوارث وتعد لحدود الله فيكون حراما. قال شيخنا عبد الرحمن السعدي: لا يحل لأحد أن يوقف وقفا يتضمن المحرم، والظلم بأن يكون وقفه مشتملا على تخصيص أحد الورثة دون الآخرين، ثم قال: فإن العبد ليس له أن يتصرف في ماله بمقتضى شهوته النفسية وهواه، بل عليه أن لا يخالف الشرع ولا يخرج عن العدل، هذا كلامه في كتاب المختارات الجلية. وقال في كتاب آخر كتاب الإرشاد: أن أعظم مقاصد الوقف أن يكون معينا على البر والتقوى فيعلم من هذا أن الأوقاف التي يقصد بها حرمان بعض الورثة منافية لمقصود الوقف كل المنافاة، وأن وقف ثلث مال الإنسان على بعض ورثته مخالف لهذا الشرط ومناف لما انعقد عليه الإجماع من أن لا وصية لوارث. انتهى.
إذن، فهذا العمل من الناحية الشرعية حرام ومعصية لله ورسوله وتعد لحدوده، ويبقى النظر إليه من الناحية الاجتماعية ففيه مضار: ١ - الظلم والجور، وضرر الظلم والجور ليس على فاعله فحسب بل على جميع الناس. ٢ - حرمان الورثة الخارجين من هذا الوقف من حقهم الثابت في التركة. ٣ - إلقاء العداوة بين الموقوف عليهم فكم حصل بين الذرية من
стр. 244
الخصومة والتقاطع والتشاتم والمرافعات إلى الحكام بسبب هذه الأوقاف، ولو ترك المال لهم حرا لتمكنوا من الانفصال بعضهم عن بعض ببيع أو غيره، أو لو أبعد الوقف عنهم وكان على أعمال بر عامة من مساجد وإصلاح طرق وتعليم علم وطبع كتب نافعة وإطعام مساكين وكسوتهم وإعانة معسر وسقي ماء وغيره من المصالح لكان أنفع للواقف وأبرأ لذمته. ٤ - أن هذا الوقف إن كان بيد ورع تعب منه من النظر عليه وتصريفه ومواجهة مستحقيه وكونهم إن لم يخاصموه نظروا إليه نظرة غضب وكأنه ظالم لهم، أما إن كان بيد جشع أهلكه وأكله. ٥ - أن في هذا الوقف دمارا وإتلافا للأموال، فإن بعض المستحقين له لا يهمهم إصلاحه وإنما يهمهم أن يستغلوه حتى يستنفذوه، وإن تضرر الوقف وتلف على من بعدهم فيتعلق في ذممهم حتى للواقف وحقوق لمن بعدهم من الموقوف عليهم. هذه خمسة مفاسد مع المفسدة الشرعية وهي عصيان لله وعصيان رسوله وتعدي الحدود الشرعية. والمتأمل يجد فيه أكثر من هذا. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
стр. 245
[الخطبة الثانية في التحذير من الوصية لبعض الورثة]
الخطبة الثانية
في التحذير من الوصية لبعض الورثة الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل من بشر وأنذر وأمر وزجر صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد، فإن الله تعالى بعث محمدا ﷺ هاديا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فقام بأعباء الرسالة خير قيام ونصح عباد الله أبلغ نصيحة، وكان مما يعظ به الناس كلام الله فكان يقرأ في المناسبات ما يناسب الوقت، «وكان ﷺ يقرأ في فجر يوم الجمعة بعد الفاتحة في الركعة الأولى آلم تنزيل السجدة كاملة، وفي الركعة الثانية هل أتى على الإنسان كاملة» ، وكان يديم ذلك، وذلك لما تضمنته هاتان السورتان من ذكر مبدأ الخلق ومنتهاه ومبدأ خلق الإنسان وسعيه ونهايته وجزائه، وأن الناس خلقوا من أصل واحد ثم انقسموا قسمين شاكرا وكفورا ومؤمنا وفاسقا ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ - أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٨ - ١٩] وقد بسط الله شيئا من نعيم هذه الجنات في سورة هل أتى على الإنسان ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠]
أما صلاة الجمعة فكان يقرأ فيها بعد الفاتحة أحيانا بسورة الجمعة في الركعة الأولى وسورة المنافقين في الركعة الثانية، وأحيانا يقرأ في الأولى سبح اسم ربك الأعلى وفي الثانية هل أتاك حديث الغاشية لما في ذلك من المناسبة والتذكير والوعظ. أيها المسلمون، إن مما جاء في كتاب الله تعالى وفي سنة رسول الله ﷺ وفيما أجمع عليه علماء المسلمين أنه لا وصية لوارث، وأن من أوصى لبعض ورثته دون الآخرين فقد عصى الله ورسوله وتعدى حدود الله وظلم نفسه وظلم ورثته حيث اقتطع من حق بعضهم لبعض، ومن أوصى بوقف شيء من ماله على بعض ورثته حيث اقتطع من حق بعضهم لبعض ومن أوصى بوقف شيء من ماله على بعض ورثته دون بعض فقد أوصى لوارث، حيث خص بعض ورثته باستغلال ما أوقفه عليهم دون الآخرين. وإذا كان لا يجوز أن يوصي لبعض ورثته باستغلال العقار سنة أو بسكنى الدار شهرا فكيف يجوز له أن يوصي بوقفه عليه واستغلاله دائما؟ هذا شيء لا يمكن أبدا ولا تأتي
стр. 246
به شريعة حكيمة عادلة ولا عقل سليم، فمن أوصى بوقف ثلثه على أولاده أو ذريته دون غيرهم من بقية الورثة فإن هذه وصية جائرة يجب عليه إبطالها والرجوع عنها وإن كان قد كتبها وأشهد عليها. يا سبحان الله، ماذا يستفيده من هذا التخصيص؟ قد يكون هذا التخصيص مع كونه معصية لله تعالى مصدر تعب ومشقة على الذرية أنفسهم، ولو كان المال الموقف حرا لهم أو بعيدا عنهم لكان أريح لهم وأسلم لذمتهم وذمة الموقف، يا سبحان الله، كيف يوصي الإنسان بعد موته ومفارقته الدنيا بمعصية الله ورسوله؟ وما أدري ماذا يواجه به ربه بعد موته إذا سأله عن ماله فيما أنفقه؟ نعم إن الجواب أن يقول أوصيت بوقفه أو وقف ثلثه على بعض الورثة، وهذا هو التعدي لحدود الله وعدم الرضا بفرائض الله وتقسيمه. فاتقوا الله أيها المؤمنون وارجعوا إلى الحق ما دمتم في زمن الإمهال قبل أن تتحسروا على ما فات منكم فيما صرفتم من المال. أيها الناس، قد يظن بعضكم إني أنهى عن الوقف بكل حال، ولكن ليس الأمر كذلك، وإنما أنهى عن وقف يتضمن الحيف والوصية لبعض الورثة دون بعض، أما الوقف العادل الذي يبتغي به وجه الله فلا أنهى عنه ولا غيري ينهى عنه اللهم إلا أن يكون مفضيا حتما أو غالبا لمفاسد أكبر من مصالحه، ولكن إذا جعل الإنسان وقفه على المساجد أو على مكاتب علم أو الفقراء أو المصالح العمومية أو الأقربين عموما أو تصدق بشيء من ماله في حياته في أمر يجري له بعد موته، فكل هذا إن شاء الله خير ومصلحة وبر. أيها الناس، أصدقوا العزيمة وتغلبوا على أنفسكم بتصحيح وصاياكم وتطبيقها على شرع الله ورسوله ولا تتصرفوا فيها تصرفا يكون وبالا عليكم وأنتم ولله الحمد في سعة من ذلك. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٢]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
стр. 247
[الخطبة الثالثة في حكم التصرف في الوقف]
الخطبة الثالثة
في حكم التصرف في الوقف الحمد لله الذي جعل الأمانة في قلوب الرجال بعد أن أبى عن حملها السماوات والأرض والجبال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكبير المتعال، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة على وجه الكمال صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما تعاقبت الأيام والليال وسلم تسليما.
أما بعد، أيها الناس: اتقوا الله تعالى وأدوا ما تحملتموه من الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقنا منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا، وقد أمركم الله في كتابه أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها على الوجه الذي تحملتموها عليه، وأن لا تخونوها بأخذ منها أو تصرف يضر بها. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له» وقال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم» وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء فيقال هذه غدرة فلان بن فلان» . أيها المسلمون، ولقد حدث النبي ﷺ عن رفع الأمانة فقال: «ينام الرجل نومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت، ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرا وليس فيه شيء، فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال إن في بني فلان رجلا أمينا حتى يقال للرجل ما أجلده ما أظرفه ما أعقله وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان» .
أيها المسلمون، إن الأمانة تكون في معاملة العبد مع ربه كما تكون في معاملة الخلق، فالأمانة في العبادة أن تقوم بأوامر الله مخلصا له متبعا لرسوله ﷺ ، وأن تترك ما نهى الله عنه ممتثلا بذلك أمر الله ورسوله.
ألا وإن الأمانة تكون في البيع والشراء والصناعة والإجارة وولاية النكاح، والودائع التي تودع إياها، والأقوال التي تكون سرا بينك وبين صاحبك، والولايات التي تتولاها شرعا أو عرفا، فالوكيل أمين وولي اليتيم أمين وناظر الوقف أمين والفلاح أمين والراعي أمين. فالأمانة تكون في
стр. 248
الدين كله والأعمال كلها، فمن أدى الأمانة على الوجه المطلوب فهو من المفلحين ومن خانها أو تهاون فيها كان من الخاسرين.
أيها المسلمون، إن بين أيديكم أوقافا أنتم الأمناء عليها فأدوا الأمانة فيها وراعوا فيها حقوق المستحقين من بعدكم، فإن لهم حقوقا فيها كما لكم فيها حقوق، فليست الأوقاف لكم تتصرفون فيها كما تحبون وإنما هي أمانة بين أيديكم تنفذونها بحسب شروط الموقفين.
أيها المسلمون، إني أحب أن أبين لكم في خطبتي هذه أمرين من أمور الوقف:
أحدهما في الناظر على الوقف، والثاني في التصرف في الوقف. أما الأمر الأول وهو الناظر، فإن كان الموقف قد عين ناظرا بشخصه أو بوصفه فالنظر لمن عينه، وإن كان الموقف لم يعين ناظرا لا بشخصه ولا بوصفه فإنه إن كان الوقف على جهة عامة كالوقف على الفقراء وعلى المساجد ونحوها فالنظر للحاكم، وإن كان الوقف على معين كالأولاد ونحوهم كان النظر للموقوف عليهم جميعا. ألا وإن من الجهة العامة وقف أماكن الوضوء والاغتسال التي تسمونها الحساوة، فإذا أوقف الإنسان حسوا للمسلمين ولم يذكر له ناظرا معينا كان الناظر عليه الحاكم الشرعي لأن الوقف للمسلمين والحاكم نائبهم، وعلى هذا فالآبار السبل التي في الأسواق ولم يذكر الواقف لها ناظرا فإنه يتولاها القاضي دون غيره. وقد سمعنا أن بعض الناس لما غارت ماء بئر الحسو السبيل سده ولم يعرف كيف يتصرف فيه، والواجب عليه إذا تعطلت منافعه ولم يمكن إصلاحه أن يبيعه أو يصبره ويصرف العوض في نفع عام بعد مراجعة القاضي.
أما الأمر الثاني الذي أريد بيانه فهو التصرف في الوقف. فالوقف إذا تم لا يجوز بيعه ولا التصرف فيه إلا على الوجه الذي شرطه الموقف، ما لم يكن في ذلك مصلحة شرعية أنفع مما عينه الموقف، فإنه يسأل أهل العلم أو القاضي ويعمل بما يقولون، إلا أنه إذا تعطلت مصالح الوقف وصار لا ينتفع به لا بسكنى ولا بإجارة فإنه يجوز بيعه أو تصبيره ويشتري بعوضه إن بيع ما يكون بدلا عنه.
أيها المسلمون، لقد سمعنا أن بعض الناس بدؤوا يصبرون الأوقاف من دور أو دكاكين مع أنها لم تتعطل منافعها ويمكن إجارتها بدراهم تكفي ما عين فيها من تنافيذ، وهذا غلط منهم
стр. 249
وتعد على حق الواقف وحق من بعدهم من المستحقين، فلا يجوز لهم أن يحكروها بالصبرة عمن بعدهم، فإنه ربما تكون الأجرة في المستقبل أضعاف الصبرة فيحولون بتصبيرهم بين هذه الزيادة وبين مستحقيها من البطون المستقبلة فيلحقهم الإثم في قبورهم، وربما دعا عليهم من بعدهم لظلمهم إياهم، ودعاء المظلوم مستجاب. فاتقوا الله أيها المسلمون وأدوا الأمانة واسلكوا سبيل السلامة ولا تتبعوا أنفسكم شيئا يشغل ذمتكم، فلقد كان السلف الصالح ﵃ لا يعدلون بالسلامة شيئا. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
стр. 250
[القسم الخامس النكاح]
[الفرع الأول شروط النكاح]
[الخطبة الأولى في نماذج من شروط النكاح وكيفية طلاق السنة]
الفرع الأول
شروط النكاح الخطبة الأولى
في نماذج من شروط النكاح
وكيفية طلاق السنة الحمد لله الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، أبدع ما خلقه وأحكم ما شرعه وأعطى كل نفس هداها، نحمده حمدا كثيرا لا يتناهى ونشكره على نعم تفضل بها وأعطاها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل البرية وأزكاها صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد، أيها الناس: اتقو الله تعالى واعلموا أن الله سبحانه فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها، فاعرفوا حدود الله وأحكامه واعلموا بما تقتضيه شريعته الكاملة، إلا وأن مما أحكمه الله شرعا وتنظيما ذلك النكاح الذي جعله الله صلة بين بني آدم وسببا للقربى بينهم، ورتب لعقده وفسخه أحكاما معلومة وحدودا معروفة. فهو عقد عظيم خطير يترتب عليه من أحكام الله شيء كثير، يترتب عليه النسب والإرث والمحرمية والنفقات وغيرها. فمن ثم اعتنى الشارع به اعتناء عظيما بالغا، فجعل له شروطا وحرمات. ونحن نذكر هنا شيئا من ذلك. فمن شروط عقد النكاح أن يكون بولي بالغ عاقل يعرف الكفؤ من الناس ومصالح النكاح لقوله ﷺ : لا نكاح إلا بولي. فالمرأة لا تزوج نفسها ولا غيرها لا بطريق الأصالة ولا بطريق الوكالة، والولي هو العاصب، وأحق الناس بالولاية أقربهم، ولا ولاية لمن يدلي بالأم فقط كأبي الأم والخال والأخ من الأم لأن الولاية في النكاح للعصبة فقط، ويجب على الولي أن يتقي الله تعالى وأن يراعي مصلحة المرأة ويزوجها من هو كفؤ لها دينا وخلقا إذا رضيته، ولا يحل له أن يمنعها من الكفؤ فإن فعل فقد عصى الله ورسوله وسقطت ولايته عليها ويزوجها غيره من أوليائها. ومن شروط عقد النكاح رضا المرأة إذا كانت بالغة، فلا يجوز أن تزوج المرأة بغير رضاها سواء كانت بكرا أم ثيبا وسواء كان الذي يريد أن يزوجها أباها أو غيره لقول
следующие страницы →