Полный текст (711 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
به شريعة حكيمة عادلة ولا عقل سليم، فمن أوصى بوقف ثلثه على أولاده أو ذريته دون غيرهم من بقية الورثة فإن هذه وصية جائرة يجب عليه إبطالها والرجوع عنها وإن كان قد كتبها وأشهد عليها. يا سبحان الله، ماذا يستفيده من هذا التخصيص؟ قد يكون هذا التخصيص مع كونه معصية لله تعالى مصدر تعب ومشقة على الذرية أنفسهم، ولو كان المال الموقف حرا لهم أو بعيدا عنهم لكان أريح لهم وأسلم لذمتهم وذمة الموقف، يا سبحان الله، كيف يوصي الإنسان بعد موته ومفارقته الدنيا بمعصية الله ورسوله؟ وما أدري ماذا يواجه به ربه بعد موته إذا سأله عن ماله فيما أنفقه؟ نعم إن الجواب أن يقول أوصيت بوقفه أو وقف ثلثه على بعض الورثة، وهذا هو التعدي لحدود الله وعدم الرضا بفرائض الله وتقسيمه. فاتقوا الله أيها المؤمنون وارجعوا إلى الحق ما دمتم في زمن الإمهال قبل أن تتحسروا على ما فات منكم فيما صرفتم من المال. أيها الناس، قد يظن بعضكم إني أنهى عن الوقف بكل حال، ولكن ليس الأمر كذلك، وإنما أنهى عن وقف يتضمن الحيف والوصية لبعض الورثة دون بعض، أما الوقف العادل الذي يبتغي به وجه الله فلا أنهى عنه ولا غيري ينهى عنه اللهم إلا أن يكون مفضيا حتما أو غالبا لمفاسد أكبر من مصالحه، ولكن إذا جعل الإنسان وقفه على المساجد أو على مكاتب علم أو الفقراء أو المصالح العمومية أو الأقربين عموما أو تصدق بشيء من ماله في حياته في أمر يجري له بعد موته، فكل هذا إن شاء الله خير ومصلحة وبر. أيها الناس، أصدقوا العزيمة وتغلبوا على أنفسكم بتصحيح وصاياكم وتطبيقها على شرع الله ورسوله ولا تتصرفوا فيها تصرفا يكون وبالا عليكم وأنتم ولله الحمد في سعة من ذلك. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٢]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
стр. 247
[الخطبة الثالثة في حكم التصرف في الوقف]
الخطبة الثالثة
في حكم التصرف في الوقف الحمد لله الذي جعل الأمانة في قلوب الرجال بعد أن أبى عن حملها السماوات والأرض والجبال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكبير المتعال، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة على وجه الكمال صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما تعاقبت الأيام والليال وسلم تسليما.
أما بعد، أيها الناس: اتقوا الله تعالى وأدوا ما تحملتموه من الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقنا منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا، وقد أمركم الله في كتابه أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها على الوجه الذي تحملتموها عليه، وأن لا تخونوها بأخذ منها أو تصرف يضر بها. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له» وقال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم» وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء فيقال هذه غدرة فلان بن فلان» . أيها المسلمون، ولقد حدث النبي ﷺ عن رفع الأمانة فقال: «ينام الرجل نومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت، ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرا وليس فيه شيء، فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال إن في بني فلان رجلا أمينا حتى يقال للرجل ما أجلده ما أظرفه ما أعقله وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان» .
أيها المسلمون، إن الأمانة تكون في معاملة العبد مع ربه كما تكون في معاملة الخلق، فالأمانة في العبادة أن تقوم بأوامر الله مخلصا له متبعا لرسوله ﷺ ، وأن تترك ما نهى الله عنه ممتثلا بذلك أمر الله ورسوله.
ألا وإن الأمانة تكون في البيع والشراء والصناعة والإجارة وولاية النكاح، والودائع التي تودع إياها، والأقوال التي تكون سرا بينك وبين صاحبك، والولايات التي تتولاها شرعا أو عرفا، فالوكيل أمين وولي اليتيم أمين وناظر الوقف أمين والفلاح أمين والراعي أمين. فالأمانة تكون في
стр. 248
الدين كله والأعمال كلها، فمن أدى الأمانة على الوجه المطلوب فهو من المفلحين ومن خانها أو تهاون فيها كان من الخاسرين.
أيها المسلمون، إن بين أيديكم أوقافا أنتم الأمناء عليها فأدوا الأمانة فيها وراعوا فيها حقوق المستحقين من بعدكم، فإن لهم حقوقا فيها كما لكم فيها حقوق، فليست الأوقاف لكم تتصرفون فيها كما تحبون وإنما هي أمانة بين أيديكم تنفذونها بحسب شروط الموقفين.
أيها المسلمون، إني أحب أن أبين لكم في خطبتي هذه أمرين من أمور الوقف:
أحدهما في الناظر على الوقف، والثاني في التصرف في الوقف. أما الأمر الأول وهو الناظر، فإن كان الموقف قد عين ناظرا بشخصه أو بوصفه فالنظر لمن عينه، وإن كان الموقف لم يعين ناظرا لا بشخصه ولا بوصفه فإنه إن كان الوقف على جهة عامة كالوقف على الفقراء وعلى المساجد ونحوها فالنظر للحاكم، وإن كان الوقف على معين كالأولاد ونحوهم كان النظر للموقوف عليهم جميعا. ألا وإن من الجهة العامة وقف أماكن الوضوء والاغتسال التي تسمونها الحساوة، فإذا أوقف الإنسان حسوا للمسلمين ولم يذكر له ناظرا معينا كان الناظر عليه الحاكم الشرعي لأن الوقف للمسلمين والحاكم نائبهم، وعلى هذا فالآبار السبل التي في الأسواق ولم يذكر الواقف لها ناظرا فإنه يتولاها القاضي دون غيره. وقد سمعنا أن بعض الناس لما غارت ماء بئر الحسو السبيل سده ولم يعرف كيف يتصرف فيه، والواجب عليه إذا تعطلت منافعه ولم يمكن إصلاحه أن يبيعه أو يصبره ويصرف العوض في نفع عام بعد مراجعة القاضي.
أما الأمر الثاني الذي أريد بيانه فهو التصرف في الوقف. فالوقف إذا تم لا يجوز بيعه ولا التصرف فيه إلا على الوجه الذي شرطه الموقف، ما لم يكن في ذلك مصلحة شرعية أنفع مما عينه الموقف، فإنه يسأل أهل العلم أو القاضي ويعمل بما يقولون، إلا أنه إذا تعطلت مصالح الوقف وصار لا ينتفع به لا بسكنى ولا بإجارة فإنه يجوز بيعه أو تصبيره ويشتري بعوضه إن بيع ما يكون بدلا عنه.
أيها المسلمون، لقد سمعنا أن بعض الناس بدؤوا يصبرون الأوقاف من دور أو دكاكين مع أنها لم تتعطل منافعها ويمكن إجارتها بدراهم تكفي ما عين فيها من تنافيذ، وهذا غلط منهم
стр. 249
وتعد على حق الواقف وحق من بعدهم من المستحقين، فلا يجوز لهم أن يحكروها بالصبرة عمن بعدهم، فإنه ربما تكون الأجرة في المستقبل أضعاف الصبرة فيحولون بتصبيرهم بين هذه الزيادة وبين مستحقيها من البطون المستقبلة فيلحقهم الإثم في قبورهم، وربما دعا عليهم من بعدهم لظلمهم إياهم، ودعاء المظلوم مستجاب. فاتقوا الله أيها المسلمون وأدوا الأمانة واسلكوا سبيل السلامة ولا تتبعوا أنفسكم شيئا يشغل ذمتكم، فلقد كان السلف الصالح ﵃ لا يعدلون بالسلامة شيئا. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
стр. 250
[القسم الخامس النكاح]
[الفرع الأول شروط النكاح]
[الخطبة الأولى في نماذج من شروط النكاح وكيفية طلاق السنة]
الفرع الأول
شروط النكاح الخطبة الأولى
في نماذج من شروط النكاح
وكيفية طلاق السنة الحمد لله الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، أبدع ما خلقه وأحكم ما شرعه وأعطى كل نفس هداها، نحمده حمدا كثيرا لا يتناهى ونشكره على نعم تفضل بها وأعطاها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل البرية وأزكاها صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد، أيها الناس: اتقو الله تعالى واعلموا أن الله سبحانه فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها، فاعرفوا حدود الله وأحكامه واعلموا بما تقتضيه شريعته الكاملة، إلا وأن مما أحكمه الله شرعا وتنظيما ذلك النكاح الذي جعله الله صلة بين بني آدم وسببا للقربى بينهم، ورتب لعقده وفسخه أحكاما معلومة وحدودا معروفة. فهو عقد عظيم خطير يترتب عليه من أحكام الله شيء كثير، يترتب عليه النسب والإرث والمحرمية والنفقات وغيرها. فمن ثم اعتنى الشارع به اعتناء عظيما بالغا، فجعل له شروطا وحرمات. ونحن نذكر هنا شيئا من ذلك. فمن شروط عقد النكاح أن يكون بولي بالغ عاقل يعرف الكفؤ من الناس ومصالح النكاح لقوله ﷺ : لا نكاح إلا بولي. فالمرأة لا تزوج نفسها ولا غيرها لا بطريق الأصالة ولا بطريق الوكالة، والولي هو العاصب، وأحق الناس بالولاية أقربهم، ولا ولاية لمن يدلي بالأم فقط كأبي الأم والخال والأخ من الأم لأن الولاية في النكاح للعصبة فقط، ويجب على الولي أن يتقي الله تعالى وأن يراعي مصلحة المرأة ويزوجها من هو كفؤ لها دينا وخلقا إذا رضيته، ولا يحل له أن يمنعها من الكفؤ فإن فعل فقد عصى الله ورسوله وسقطت ولايته عليها ويزوجها غيره من أوليائها. ومن شروط عقد النكاح رضا المرأة إذا كانت بالغة، فلا يجوز أن تزوج المرأة بغير رضاها سواء كانت بكرا أم ثيبا وسواء كان الذي يريد أن يزوجها أباها أو غيره لقول
стр. 251
النبي ﷺ : «لا تنكح البكر حتى تستأذن» ، وفي رواية لمسلم: «والبكر يستأمرها أبوها» . وقد كان بعض العلماء ﵏ يقولون لا بأس أن يجبر الأب بنته البكر، ولكن قولهم ضعيف لأنه يخالف الحديث ولأنه يترتب على ذلك مفاسد كثيرة غالبا، ولأن كثيرا من الناس قد يجبر ابنته لمصلحة نفسه، ولأنه إذا كان لا يملك أن يجبرها على بيع أقل شيء من مالها فكيف يملك أن يجبرها على بذل نفسها لمن لا تهواه ولا ترضاه؟ إذن فلا بد من رضا المرأة بكرا كانت أم ثيبا. ولكن لو فرضنا أنها رغبت الزواج بشخص لا يرضى دينه فإنه يجب أن تمنع منه. ومن شروط النكاح أن تكون الزوجة والزوج خاليين من الموانع، فلا يصح النكاح في حال يحرم العقد فيها، فلا يصح من المحرم بحج أو عمرة ولا على المحرمة بحج أو عمرة، ولا يصح النكاح والمرأة في عدة من غيره؛ ولذلك لا يجوز للرجل أن يخطب المرأة المعتدة من غيره.
ومن اهتمام الشارع بعقد النكاح أن رتب للخروج منه حدودا لا بد منها، فإذا أراد الرجل طلاق امرأته فليصبر وليتأن لعل الله أن يغير الأمور والأحوال، وربما غير البغض محبة لأن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] إذا كان لا بد من الطلاق فليطلقها على الوجه الشرعي، وهو أن يطلقها واحدة وهي حامل أو في طهر لم يجامعها فيه، ولا يحل له أن يطلقها وهي حائض ولا في طهر جامعها فيه إلا أن يتبين حملها، فإن طلقها وهي حائض فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر وهو في ذلك لا يجامعها ثم ليطلقها بعد ذلك إن شاء. ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ أن عبد الله بن عمر طلق زوجته وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله ﷺ فتغيظ منه رسول الله ﷺ ثم قال: ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء. وإياكم والحمق في الطلاق، فلا تطلقوا أكثر من واحدة ولا تطلقوا اثنتين ولا تطلقوا ثلاثا فإن ذلك خلاف الشرع، وإنه ليجب على الذين يكتبون الطلاق أن يكون عندهم علم من الشرع، وأن يتمشوا في كتابة الطلاق على الوجه الشرعي ويرشدوا الناس إلى ذلك. وإذا طلق الرجل امرأته طلاقا له فيه رجعة فإنه يجب أن تبقى المرأة في بيته حتى تنتهي عدتها، ولها أن تتزين له وأن تكلمه وأن لا تحتجب منه لأنها في حكم الزوجات.
стр. 252
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
стр. 253
[الخطبة الثانية في شروط النكاح وكيفية طلاق السنة أيضا]
الخطبة الثانية
في شروط النكاح وكيفية طلاق السنة أيضا الحمد لله الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا والحمد لله الذي بين لعباده الحلال والحرام ليسيروا على حسب ما شرع لهم وكان الله سميعا بصيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرجو بها النجاة حين لا يجد الظالمون وليا ولا نصيرا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المرسل بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد، أيها الناس: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] اشكروا نعمة الله عليكم بما شرعه لكم من الاتصال بعضكم ببعض بسبب عقد النكاح الذي حث الشارع عليه وأمر به وأخبر أنه من سنن المرسلين قال الله تعالى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] وقال ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] قال ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج» وقال: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» .
والنكاح له شروط عند الدخول فيه وشروط عند الخروج منه يجب على الإنسان مراعاتها. فمن الشروط التي عند دخوله أن يكون كل من الزوج والزوجة راضيًا بالنكاح، فلا يجوز إجبار الزوج على النكاح ولا إجبار الزوجة ولو كانت بكرا، ولا يجوز إجبارها على أن تتزوج بمن لا ترضاه، فلو قالت لا أرضى إلا بفلان وكان غير كفؤ في دينه فإنها تمنع ولا تزوج حتى تختار كفؤا في دينه. ومن الشروط الولي، فلا نكاح إلا بولي، والولي هو العاصب الأقرب فالأقرب فالأقرب، إلا أن الآباء وإن علوا يقدمون على الأبناء وإن نزلوا. وأما الأقارب غير العصبة فلا ولاية لهم إلا أن يوكلهم من له الولاية من العصبة، وذلك مثل الأخ من الأم والخال والجد من قبل الأم فهؤلاء ونحوهم ليس لهم ولاية التزويج إلا بتوكيل من الولي العاصب، وإذا لم يكن الولي الأقرب أهلا للولاية فإنه يزوجها الولي الذي بعده، وإذا لم يكن للمرأة أولياء من العصبة فإن الذي يزوجها القاضي إما بنفسه أو يوكل من شاء. ومن الشروط أن يحضر العقد
стр. 254
رجلان مقبولان في الشهادة. قال الفقهاء: ولا يصح أن يشهد على عقد النكاح من كان من آباء الزوج أو أبنائه أو آباء الزوجة أو أبنائها أو آباء الولي أو أبنائه. ومن الشروط أن يعين الولي الزوجة باسمها أو وصفها الذي تتميز به. فلو قال زوجتك بنتي لم يصح إلا أن يكون ليس له بنت سواها فلا بأس، ويجوز العقد على المرأة ولو كانت حائضا أو صائمة أو غائبة عن البلد إذا علم رضاها. وأما الواجب عند الخروج من النكاح فإن الزوج مأمور إذا رأى من زوجته ما يكره أن يعظها ثم يهجرها في المضجع ثم يضربها ضربا غير مبرح ويصبر عليها فلا يطلقها، فقد تستقيم حالها وقد يرزق منها أولادا يكون فيهم خير كثير، فإذا لم يتمكن من الصبر جاز له أن يطلقها ولكن يجب عليه أن يطلقها لعدتها قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وذلك بأن يطلقها وهي طاهر طهرا لم يجامعها فيه، فلا يجوز طلاق المرأة وهي حائض ولا أن يطلقها في طهر وطئها فيه، إلا أن يتبين حملها أو تحيض بعد ذلك فيطلقها بعد الحيض قبل أن يطأها. وإني أذكركم بمسألة من فروع تلك المسألة، إذا كانت لك زوجة ترضع وقد جامعتها بعد نفاسها وأردت أن تطلقها فلا يجوز أن تطلقها حتى تحيض ولو طال الزمن، فإذا حاضت وطهرت فطلقها إن شئت.
وإذا أراد أحدكم الطلاق في الحال التي يجوز فيها فليطلق مرة واحدة لا أكثر ليكون في ذلك توسيع على نفسه إذا أراد أن يراجع، ولأن ما زاد على الطلقة الواحدة فهو طلاق بدعة إما مكروه وإما محرم، وأنت إذا طلقتها واحدة فماذا تخاف؟ أتخاف أن ترجع عليك؟ إنها لن ترجع عليك إلا باختيارك. إذا فلماذا تتجاوز الواحدة فتطلق أكثر منها؟ وإذا أراد أحدكم الطلاق فليشهد رجلين على طلاقه، وإذا طلقتموهن فلا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، فلا يحل للزوج أن يخرج زوجته إذا طلقها طلاقا له فيه رجعة من بيته حتى تنقضي عدتها، ولا يحل لها أن تخرج من بيت زوجها حتى تنقضي عدتها قال الله تعالى ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] هذا قضاء الله وحكمه ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]
стр. 255
أما إذا كانت الزوجة مطلقة طلاقا بائنا وهي التي لا تحل لزوجها إلا بعقد فإنها لا بأس أن تخرج من بيت زوجها وتعتد في بيتها. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
стр. 256
[الخطبة الثالثة في تربية الأولاد وتعليمهم أيضا]
الخطبة الثالثة
في تربية الأولاد وتعليمهم أيضا الحمد لله الذي من على عباده بالأموال والأولاد وجعل ذلك فتنة لعباده ليختبر بذلك من يقوم بحقهم ويصونهم عن الفساد ممن يضيعهم ويتركهم هملا فيكونون خسارة عليه في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الكريم الجواد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى الهدى والرشاد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان في القول والفعل والاعتقاد وسلم تسليما.
أما بعد، أيها الناس: اتقوا الله تعالى واشكروا نعمة الله عليكم بهؤلاء الأولاد الذين جعلهم الله فتنة لكم، فإما قرة عين في الدنيا والآخرة وإما حسرة وندم ونكاد. ألا وإن من شكر نعمة الله عليكم فيهم أن تقوموا بما أوجب الله عليكم من رعايتهم وتأديبهم بأحسن الأخلاق والأعمال قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] أيها المؤمنون، قوا أهليكم النار بفتح أبواب الخير لهم وتوجيههم إليها وتشجيعهم عليها، بينوا لهم الحق ومنافعه ومروهم به وبينوا لهم الباطل ومضاره وحذروهم عنه. فإنكم رعاة عليهم وكل راع مسؤول عن رعيته، فمن قام بحسن رعايته فيهم أفلح ونجا، ومن فرط في رعايته فيهم خسر وهلك. عرفوهم بأصول الإيمان وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ألزموهم بأركان الإسلام وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت الحرام، مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر، علموهم كيف يتطهرون وكيف يصلون وماذا يقولون في صلاتهم وما يفعلون وماذا يجتنبون ويتركون، اغرسوا في قلوبهم محبة الله وتعظيمه، وبينوا نعم الله الظاهرة والباطنة العامة والخاصة لترسخ في قلوبهم محبة الله وذكر آلائه ونعمه، واغرسوا في قلوبهم كذلك محبة النبي ﷺ وبينوا ما حصل على يديه من الخير العظيم لأمته، وأنه ﷺ الإمام المطاع الذي يجب تقديم محبته وأمره على جميع المخلوقين، بينوا لهم أخلاق النبي ﷺ وأخلاق أصحابه الكريمة وما قاموا به من العبادات الجليلة والأعمال العظيمة حتى نصر الله بهم الإسلام وأقام بهم الدين، فإنهم هم العظماء النبلاء الذين حازوا قصب السبق في أعمال الدنيا والآخرة وقادوا
стр. 257
الناس إلى الخير فانقادوا إلى ذلك برغبة صادقة. لما نظر الناس إلى أحوال النبي ﷺ وأصحابه وأعمالهم عرفوا أنهم على الحق وأن طريقتهم هي الطريقة المثلى التي يقوم عليها أمر الآخرة والدنيا فدخلوا في دين الله أفواجا من غير إكراه.
علموا أولادكم الصدق بالقول والفعل، فإذا حدثتموهم فلا تكذبوا عليهم وإذا وعدتموهم فلا تخلفوا وعدكم. يروى عن النبي ﷺ «أن من قال لصبي تعال هاك ثم لم يعطه فهي كذبة» ، وإن أولادكم إذا رأوكم تكذبون هان عليهم الكذب وإذا رأوكم تخلفون الموعد هان عليهم الإخلاف. عودوهم الإحسان إلى الخلق وفعل المروءة وحذروهم من الاعتداء والظلم، اغرسوا في قلوبهم محبة المؤمنين، وبينوا أن «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» وأن الواجب على المسلمين أن يكونوا أمة واحدة ليشبوا على الألفة والمحبة والاتحاد. ومن كان من أولادكم يستطيع القراءة فحثوه على قراءة الكتب النافعة مثل كتب التفسير القيمة السالمة من تحريف معاني القرآن، ومثل كتب الحديث الصحيحة عن النبي ﷺ ، ومثل مؤلفات شيخنا عبد الرحمن السعدي - غفر الله لهم جميعا - ومثل كتب التاريخ الصحيحة البعيدة عن الأهواء، خصوصا تاريخ صدر الإسلام لأن قراءة تاريخ ذلك العصر يزيد القارئ علما بأحوال النبي ﷺ وأصحابه ومحبة لهم وفقها في الدين وأسرار أحكامه وتشريعاته، وحذورهم من قراءة الكتب الضارة التي تخل بعقيدة الإنسان أو عباداته أو أخلاقه، ومن قراءة الصحف والمجلات الضالة التي تتضمن الشك والتشكيك وإثارة الفتن أو تبحث في أمر من أمور الدين على وجه الخطأ، فإن قراءة مثل هذه الكتب الضارة تؤثر في عقيدة قارئها واتجاهه إلا من شاء الله ممن وهبهم الله علما وإيمانا وتمييزا بين الحق والباطل والضار والنافع. أيها المؤمنون، إن مسؤوليتنا كبيرة أمام الله في أولادنا وأهلنا ذكورهم وإناثهم، فنسأل الله الذي حملنا إياها أن يعيننا وأن يوفقنا للصلاح والإصلاح، فإن الفرد لو أصلح نفسه وأهله لصلحت الأمة لأن الأمة أفرادها. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
стр. 258
[الفرع الثاني في الصداق]
[الخطبة الأولى في مشكلة مغالاة المهور ومنع الأولياء]
الفرع الثاني
في الصداق الخطبة الأولى
في مشكلة مغالاة المهور
ومنع الأولياء الحمد لله الواحد الأحد القيوم الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد خلق فسوى وقدر فهدى وجعل من الإنسان زوجين ذكرا وأنثى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العلي الأعلى، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى وخليله المجتبى صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه النجباء وعلى التابعين لهم بإحسان ما دامت الأرض والسماء وسلم تسليما.
أما بعد، فإن في مجتمعنا مشكلة من أهم المشاكل كل من سمعناه يشكو منها عند ذكرها ويود بكل قلبه أن يسلك الناس طريقا إلى حلها، ألا وهي مشكلة الزواج، فإنها مشكلة من وجهين الأول من جهة المغالاة في المهور والتزايد فيها وجعلها محلا للمفاخرة حتى بلغت إلى الحال التي هي عليها الآن. ولقد صار بعض الناس الآن يزيد في تطويرها ويدخل في المهر أشياء جديدة تزيد الأمر كلفة وصعوبة حتى أصبح المهر في الوقت الحاضر مما يتعسر أو يتعذر على كثير من الناس، فتجد الكثير يتعب تعبا كبيرا في أول حياته وعنفوان شبابه ولا يكاد يدرك ما يحصل به المرأة التي تحصنه، كل هذا بسبب هذا التصاعد الذي لا داعي له في المهور، وهذا مما يعوق عن النكاح الذي أمر الله به ورسوله وهو خلاف المشروع، فإن المشروع في المهور تخفيفها قال النبي ﷺ : «أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة» «وتزوجت امرأة بنعلين فأجاز النبي ﷺ نكاحها» ، «وقال لرجل: " التمس ولو خاتما من حديد " فالتمس فلم يجد شيئا فقال النبي ﷺ : " هل معك شيء من القرآن؟ قال: نعم سورة كذا وكذا فقال النبي ﷺ : زوجتكما أو قال ملكتكها بما معك من القرآن» ، «وقال له رجل: يا رسول الله إني تزوجت امرأة على أربع أواق يعني مئة وستين درهما فقال النبي ﷺ : على أربع أواق! كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه،» وقال أمير المؤمنين عمر ﵁: لا تغلوا صدق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى في الآخرة كان أولاكم بها النبي ﷺ ، رواه الخمسة وصححه الترمذي. فيا أيها القادر، لا تغال في المهر ولا تفاخر في الزيادة فيه فإن في مجتمعك من إخوانك من لا يستطيع مباراتك، فالأولى أن
стр. 259
تأخذ بالأيسر اتباعا للمشروع وتحريا لبركة النكاح ورأفة بإخوانك الذين يعجزون عما تقدر عليه، وإذا دخلت على أهلك ورغبت فأعطهم ما تشاء. ولو أننا نسلك طريقة لتسهيل الأمر وتخفيف حدة المغالاة بتأجيل بعض المهر، بأن تقدم من المهر ما دعت الحاجة إليه في النكاح ونؤجل الباقي في ذمة الزوج لكان هذا جائزا وحسنا وفي ذلك تسهيل على الزوج ومصلحة للزوجة، فإن ذلك أدعى لبقائها معه لأنه لو طلقها لحل المهر المؤجل إذا لم يكن له أجل معين. فانظروا - رحمكم الله - هذه المشكلة بعين الاعتبار ولا تجعلوا المهور محلا للمفاخرة والمباهاة ويسروا ييسر الله عليكم.
أما الوجه الثاني من هذه المشكلة فهي امتناع الأولياء من قبول الخطاب، فإن بعض الأولياء يمتنع من تزويج من له عليها ولاية، وهذا لا يجوز إذا كان الخاطب كفؤا ورضيته المخطوبة لقوله تعالى في المطلقات إذا أراد زوجها نكاحها بعد تمام العدة ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢] وقال النبي ﷺ : «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض، قالوا: يا رسول الله وإن كان فيه، قال: إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه» ثلاث مرات. هذا وفي منع المرأة من تزويجها بكفئها ثلاث جنايات، جناية الولي على نفسه بمعصية الله ورسوله، وجناية على المرأة حيث منعها من كفئها الذي رضيته، وجناية على الخاطب حيث منعه من حق أمر الشارع بإعطائه إياه. وإذا امتنع الولي من تزويج موليته بكفء رضيته سقطت ولايته وصارت الولاية لمن بعده الأحق فالأحق كما قال أهل العلم ﵏، وقالوا إذا تكرر منه هذا صار فاسقا ناقص الإيمان والدين، حتى قال كثير من أهل العلم لا تقبل شهادته ولا تصح إمامته ولا ولايته ولا جميع أفعاله وتصرفاته التي يشترط لها العدالة. فاتقوا الله أيها الناس واتقوا الله أيها الأولياء وزوجوا من ترضون دينه وخلقه ولا تمنعوا النساء، فإن في ذلك تعطيلا للرجال والنساء وتفويتا لمصالح النكاح وانتشارا للمفاسد، إذا لم يتزوج أبناؤنا ببناتنا فبمن يتزوجون؟ وإذا لم نزوج بناتنا بأبنائنا فبمن نزوجهن؟ أترضون أن يتزوج أبناؤنا بنساء أجنبيات بعيدات عن بيئتنا وعاداتنا ولهجاتنا، فتتغير البيئة والعادة واللهجة بجلبهن، وربما حصل منهن إتعاب للزوج بكثرة طلبهن السفر إلى بلادهن أو غير ذلك. أترضون أن تبقى بناتنا بدون أزواج يحصنون فروجهن
стр. 260
وينجبن منهن الأولاد الذين بهم قرة أعينهن. إنه لا بد من أن يتزوج أبناؤنا ببناتنا، ولكن علينا أن نتعاون لتسهيل الطرق أمامهم مخلصين لله قاصدين بذلك تحصيل ما أمر الله به ورسوله، فإن الخير كل الخير في طاعة الله ورسوله، ولقد منع رجال تزويج من لهن عليهن ولاية لينالوا حطاما من الدنيا فباءوا بالخسران والندامة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
стр. 261
[القسم السابع في الحدود والقصاص]
[الفرع الأول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
[الخطبة الأولى في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
الفرع الأول
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الخطبة الأولى
في وجوب الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر الحمد لله العلي العظيم المدبر لخلقه كما يشاء وهو الحكيم العليم حرم على عباده كل ما يضرهم في دينهم أو دنياهم رحمة بهم وهو الغفور الرحيم، وجعل تعاطي ما حرمه عليهم سببا للخسران في الدنيا والدين، وأوجب على المؤمنين أن يتعاونوا على البر والتقوى وأن يأخذوا على أيدي السفهاء فيأطروهم على الحق أطرا، فإن فعلوا ذلك استقامت أمورهم وصلحت أحوالهم في الدنيا والأخرى، وإن هم أضاعوا ذلك وأهملوا ذلك خسروا الصفقة ووقعوا في الهلاك والردى، نحمده على نعمه التي لا تحصى ونشكره على فضائله العظمى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يوم يجمع الخلائق في صعيد واحد ويجزي كل نفس بما تسعى، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الصابر لله وبالله وفي الله حتى أقام الله به الدين وأعلى، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن بهداهم اقتدى وسلم تسليما.
أما بعد، أيها الناس: اتقوا الله تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب، أقيموا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن ذلك دعامة المجتمع. فلا يقوم المجتمع إلا إذا شعر كل فرد من أفراده أنه جزء من كل وأن فساد جزء من هذا الكل فساد للجميع، وأنه كما تحب لنفسك أن تكون صالحا فكذلك يجب أن تحب لأخيك أن يكون صالحا لقول النبي ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» وإذا شعر الإنسان بهذا الشعور النبيل، وإن هذا هو ما يقتضيه الإيمان ويفرضه عليه، فإنه لا بد أن يسعى في إصلاح المجتمع بشتى الوسائل بالطرق التي تضمن المصلحة وتزول بها المفسدة، فيأمر بالمعروف بالرفق واللين والإقناع، وليصبر على ما يحصل له من الأذى القولي والفعلي فإنه لا بد من ذلك لكل داع كما جرى ذلك لسيد المصلحين وخاتم النبيين، وليجعل الأمل والنجاح نصب عينيه فإن ذلك أكبر عون له على سيره في مهمته، ولا يجعل لليأس عليه سبيلا فتفتر همته وتضعف عزيمته. وإن على المؤمنين كلهم أن يتعانوا في هذا الأمر الجليل
стр. 262
العظيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يساعدوا من رأوه قائما به ويقوموا معه نصرة للحق وقضاء على الباطل، وأن لا يخذلوا الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أو يرجفوا به، فإن في ذلك نصرا للباطل وإذلالا للحق. لقد اتخذ بعض الناس عادة توجب توهين عزائم الدعاة إلى الله وتضعف همم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فتجدهم إذا سمعوا واعظا يقولون، وأقولها باللغة العامية (هو عاد يبى ينفع كلامه. هم الناس يبى يطيعون) إلى نحو هذه الكلمات التي يوهنون بها عزائم الدعاة إلى الخير. وكان الأجدر بهؤلاء أن يشجعوا ويقولوا للداعي والآمر إنك على خير وقد حصلت أجرا أو أبرأت ذمتك وسينفع الله بذلك إن شاء الله. فلقد قال النبي ﷺ : «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» . أيها المسلمون، إن الواجب علينا أن نتعاون تعاونا حقيقيا فعالا في إصلاح المجتمع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن نكون كلنا جندا وهيئة في هذا الأمر العظيم كما جعلنا نبينا ﷺ فقال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» وإن علينا أن نعرف أن الذمة لا تبرأ ونحن نعلم بالمنكر ولا نغيره أو نبلغه لمن يغيره إذا لم نستطع تغييره. أيها المسلمون، إننا لو علمنا أن في بيت من بيوت هذا البلد مرضا فتاكا لأخذنا القلق والفزع ولاستنفدنا الأدوية وأجهدنا الأطباء للقضاء عليه، هذا وهو مرض جسمي فكيف بأمراض القلوب التي تفتك بديننا وأخلاقنا؟ إن الواجب علينا إذا أحسسنا بمرض ديني أو خلقي يفتك بالمجتمع ويحرف اتجاهه الصحيح أن نبحث بصدق عن سبب هذا الداء، وأن نقضي عليه وعلى أسبابه قضاء مبرما من أي جهة كانت لا تأخذنا في ذلك لومة لائم قبل أن ينتشر الداء ويستفحل أمره، قال النبي ﷺ : «مثل المداهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة فصار بعضهم في أسفلها وبعضهم في أعلاها، فكان الذي في أسفلها يمر بالماء على الذين في أعلاها فتأذوا به، فأخذ فأسا فجعل ينقر أسفل السفينة فأتوه فقالوا: ما لك؟ فقال: تأذيتم بي ولا بد لي من الماء، فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهم وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم» . وإننا لنشكر بهذه المناسبة لقوم يظهر منهم الغيرة وحب الإصلاح بما يكتبونه من النشرات التي يوجهونها إلى من يوجهونها إليه، نشكرهم على هذه النشرات بقدر ما تنفع وتثمر وهم مأجورون على حسب نيتهم وعملهم،
стр. 263
ولعل الأولى أن يتصلوا بمن يظنون بهم المساعدة والعون بأنفسهم ويحققوا في الأمور التي يكتبون فيها ويتساعدوا جميعا على إزالتها ولا ينقص ذلك من إخلاصهم شيئا إن شاء الله. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (بسم الله الرحمن الرحيم) ﴿وَالْعَصْرِ - إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
стр. 264
[الخطبة الثانية في التحذير من إضاعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
الخطبة الثانية
في التحذير من إضاعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحمد لله الذي جعل أمة محمد ﷺ خير أمة أخرجت للناس وفضلها على غيرها بما قامت به من واجبات عظيمة وصبر في البأساء والضراء وحين البأس، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير أحكم كل شيء شرعه وأتقن كل شيء صنعه وجعل لكل شيء سببا وهو الحكيم الخبير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي جاهد في الله حق جهاده وصبر وصابر حتى فاز بالنصر المبين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين مثلوا الدين وقاموا به وحققوا ما أمروا به على الوجه القويم وسلم تسليما.
عباد الله: لقد فخرت هذه الأمة وحق لها أن تفخر بما شهد الله لها به وفضلها على غيرها حيث يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فمن حقق هذه الأمور الثلاثة: الإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كان من هذه الأمة التي فضلت على الناس، ومن لم يحققها خرج من هذا الوصف الجليل بقدر ما فاته من التحقيق.
عباد الله: إنكم لن تكونوا خير أمة أخرجت للناس حتى تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر، والمعروف كل ما أمر الله به ورسوله، والمنكر كل ما نهى الله عنه ورسوله.
أيها الناس: لقد مرضت القلوب وكاد المرض يقضي على بعضها بالموت حتى نزعت الغيرة الدينية من كثير منها، فأصبحت لا ترى المعروف معروفا ولا المنكر منكرا، أصبح الإنسان من هؤلاء لا يتمعر وجهه ولا يتغير من انتهاك حرمات الله وكأنه إذا حدث عن انتهاكها يحدث عن أمر عادي لا يؤبه له، وهذا والله هو الداء العضال الذي هو أعظم من فقد النفوس والأولاد والأموال. يا أمة محمد يا خير أمة أخرجت للناس، اتقوا ربكم وأمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر وتعاونوا على الحق، ولا تأخذكم في الله لومة لائم ولا يخوفكم الشيطان ولا يوهن عزائمكم، فإنكم والله إن صدقتم العزيمة وأخلصتم النية واتبعتم الحكمة في تقويم عباد الله وإصلاحهم فكل شيء يقوم ضدكم سيضمحل ويزول، فالباطل لن تثبت قدماه أمام الحق ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨] أيها المسلمون، إن الذي
стр. 265
ينقصنا كثيرا هو عدم التعاون في هذه الأمور، فتجد أهل الخير متفرقين متباعدين لا ينصر بعضهم بعضا ولا يقوم بعضهم مع بعض إلا أن يشاء الله، وغاية الواحد منهم أن يتألم في نفسه أو يملأ المجالس قولا بلا فائدة. ولو أننا اجتمعنا ونظرنا إلى مجتمعنا وما فيه من أمراض وفساد ثم بحثنا منشأ تلك الأمراض وذلك الفساد وقضينا عليه بالطرق الحكيمة إن تمكنا من ذلك بأنفسنا، وإلا اتصلنا بالمسؤولين للتعاون معهم بالقضاء عليه لحصل بذلك خير كثير واندرأ شر كثير. أما إذا تخاذلنا وكان الواحد منا أكبر ما يهمه نفسه ولا يبالي بالناس صلحوا أم فسدوا ولا يسعى لإصلاحهم فإن ذلك ينذر بالعقوبة العاجلة والآجلة. فاحذروا أيها المسلمون عقاب الله وسطوته، احذروا أن تسلب منكم النعم وتحل بكم النقم، تذكروا عظمة الله وقهره تذكروا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] اسمعوا قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ - كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ - تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٨٠] ولقد قال النبي ﷺ : «والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم» وصعد ذات يوم المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «يا أيها الناس اتقوا ربكم، إن الله يقول لكم مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أجيبكم وتستنصروني فلا أنصركم وتسألوني فلا أعطيكم» اللهم إنا نسألك أن تبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى عن المنكر، اللهم إنا نسألك أن تصلح ولاتنا وأمتنا وأن تجعلهم متعاونين في الحق متسمين بالألفة والمحبة والخير والرشد والنفع يا رب العالمين اللهم صل وسلم على محمد وآله وصحبه وأتباعهم إلى يوم الدين.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
стр. 266
[الخطبة الثالثة في أن الأمر بالمعروف واجب على الجميع]
الخطبة الثالثة
في أن الأمر بالمعروف واجب على الجميع الحمد لله القوي المجيد المدبر لخلقه كما يشاء وهو الفعال لما يريد أحكم ما خلق وشرع فهو الحكيم الرشيد وصبر على أذى أعدائه وما ربك بغافل عن أعمال العبيد فهو الحليم بمن يبارزه بالعصيان ولكن إذا أخذه لم يفلته ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الولي الحميد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أشد الناس غيرة في دين الله فما انتقم لنفسه قط ولكن إذا انتهكت محارم الله فناهيك بغضبه فعل أولي الرشاد والتسديد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، فنعم الأقوياء في دين الله ونعم العبيد، وعلى التابعين لهم بالإحسان والتسديد وسلم تسليما.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (بسم الله الرحمن الرحيم) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ - يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١ - ٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣] ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١] ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] أما بعد، أيها الناس: اتقوا الله تعالى ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٢٥] عباد الله: لا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور. عباد الله: لا تغرنكم هذه الأموال وكثرتها ولا يغرنكم رغد العيش ونضارة الدنيا وزهرتها. عباد الله: لا يغرنكم ما أنعم الله به عليكم من العافية والأمان ولا يغرنكم إمهاله لكم مع التقصير في الواجب والعصيان. إخواني: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب علينا جميعا قال النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» فمن قدر منا أن يغير المنكر بيده وجب ذلك عليه، ومن قدر منا أن يغيره بلسانه دون يده وجب ذلك عليه. عباد الله من رأى منكم منكرا
стр. 267
فعجز عن تغييره فليبلغه إلى المسئولين، فإذا بلغه إليهم برئت ذمته، وإلا فسوف يعاقبه الله على ذلك يوم الدين. لن يمنعكم من عذاب الله أن تقولوا أن في البلد نوابا ولا علينا من أحد لأن إبلاغ أولي الأمر بأصحاب المنكر أمر لا يعذر بتركه أحد منكم، إذا تساعدتم على قيام هذا الدين فزتم في الدنيا والآخرة. والله إن المتكلم بكلمة الله تعالى لمرموق بالأبصار ولمحترم وموقر ومعتبر كلامه أيما اعتبار، لكن ذلك قد لا يتم لأول مرة فقد يجد في أول مرة نكبات ومعارضات واحتقار، لكن إذا صبر وثابر فسوف تكون العاقبة للحق، وللباطل وأهله الزوال والبوار. أما كان المشركون يستهزئون بالنبي ﷺ ويسخرون به ويغرون به سفهاءهم، أما وضعوا عليه احتقارا وهو ساجد لربه سلا الجزور، ومع ذلك فقد صبر وباع نفسه لله حتى أظهره الله عليهم ولله عاقبة الأمور. إخواني: إن الحق مر على النفوس وشديد ولكن عقباه السرور والحلاوة والعيش الرغيد. إخواني: إنه ليجب على المسئولين أكثر مما يجب على غيرهم، إن عليهم أن يتركوا الدعة والسكون والهوان وأن يجتمعوا جميعا على الحق وإصلاح الأمور والنهوض بأمتهم في الأمور الدينية والدنيوية وإزالة الشر والطغيان، فإن ترك الفساد يفشو ويزيد سبب لهلاك الأمة وفساد المجتمع والدمار والتنكيد. إخواني: إذا لم يقم المسئولون بإصلاح الأمور فمن الذي يقوم؟ وإذا لم يتكاتفوا على إصلاح ما يحصل من فساد فمن ذا الذي لإصلاحه يروم؟ وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من كان قبلكم كانوا إذا عمل فيهم العامل بالخطيئة جاءه الناهي تعذيرا فقال: يا هذا اتق الله، فإذا كان من الغد جالسه وواكله وشاربه كأنه لم يره على خطيئة بالأمس، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض ثم لعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم» . ولما فتح المسلمون ﵃ إحدى الجزائر فرق أهلها فبكى بعضهم إلى بعض، فرأى جبير بن نفير أبا الدرداء وحده يبكي فقال له: ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك ما أهون الخلق على الله إذا هم
стр. 268
أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] اللهم أصلح قلوبنا وجميع شئوننا. اللهم اجمع كلمتنا على الحق وقوم ولاة أمورنا. اللهم اهد ضلالنا وأرشد غواتنا وأصلح مستقبلنا يا منان يا بديع السماوات والأرض يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
стр. 269
[الخطبة الرابعة في أقسام الناس بالنسبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
الخطبة الرابعة
في أقسام الناس بالنسبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحمد لله العليم الحكيم الرؤوف الرحيم خلق العباد وقسمهم إلى طائع مثاب وعاص أثيم وقدر لعباده من الأسباب المعنوية والأسباب الحسية ما يمنعهم من ارتكاب المعاصي وهو القوي العظيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أرجو بها النجاة من العذاب الأليم والفوز بالنعيم المقيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وحبيبه وخليله المبعوث بما يصلح الخلق في الدنيا والدين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم في هديهم القويم وسلم تسليما.
أما بعد، أيها الناس اتقوا الله تعالى واعلموا أنه إنما ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون، وأن ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير. ففساد الأرض ومصائب الخلق هي حصائد أعمالهم وعواقب أفعالهم.
أيها المسلمون، إن الواجب علينا أن يأخذ حلماؤنا على أيدي سفهائنا ويأطروهم على الحق أطرا قبل أن يهلكوا جميعا. فقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده، وقال ﷺ : «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم في أعلاها وبعضهم في أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا (يعنون في أسفلها) خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم (يعني منعوهم من خرق أسفلها) نجوا ونجوا جميعا» .
أيها المسلمون: إن الناس بالنسبة إلى تغيير المنكر منهم من يستطيع تغييره بيده ومنهم من لا يستطيع إلا بلسانه ومنهم من لا يستطيع إلا بلقبه، وقد بين النبي ﷺ ما يجب على كل واحد من هؤلاء فقال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» .
أيها المسلمون: إننا إذا قمنا بتغيير المنكر حسب استطاعتنا أفلحنا بأنفسنا وأصلحنا مجتمعنا وحصلت لنا الرفعة في الدار الدنيا وفي الآخرة، أما إذا ضيعنا الواجب علينا في ذلك
стр. 270
فستكون النتيجة وخيمة، تكثر المعاصي ويظهر الفسوق وتحل العقوبات، نعوذ بالله من ذلك.
أيها المسلمون: إن واقع الناس لا يخلو من أربع حالات:
أحدها: أن يقوى الإيمان ويقوى السلطان وهذه أكمل الأحوال وأحسنها. فبقوة الإيمان تحصل تقوى الله وخشيته في السر والعلانية، ويمتنع الناس من المعاصي عن رغبة في ثواب الآخرة وخوف من الله . ولو قدر أن أحدا سولت له نفسه بمعصية يوما من الأيام لذكر قوة السلطان فرجع عما هم به وارتدع.
الحال الثانية: أن يقوى الإيمان ويضعف السلطان وهذه أقل درجة من الأولى وأضعف، فإنه ربما لا يرتدع عن المعصية من سولت له نفسه فعلها يوما من الأيام إذا علم أن السلطان ضعيف، ولكن يحصل بهذه الحال خشية الله سرا وعلنا ورجاء ثواب الآخرة وهذه فائدة كبيرة.
الحال الثالثة: أن يضعف الإيمان ويقوى السلطان وهذه أضعف بكثير مما قبلها، فإنها لا تمنع من فعل المعاصي سرا ولكن تمنع من المجاهرة بالمعصية خوفا من السلطان، فإن ضعيف الإيمان إذا علم أنه إذا علم به أدب تأديبا صارما يردعه فإنه يمتنع عن المجاهرة بالمعصية ويكون خائفا.
الحال الرابعة: أن يضعف الإيمان ويضعف السلطان فهذه أخطر الحالات على المجتمع وشرها، فلا إيمان يمنع عن المعاصي سرا ولا سلطان يردع عن المعاصي جهرا، وإذا كان الناس بهذه الحال ضعف إيمان وضعف سلطان كثرت المعاصي وانتشرت وأسرت وأعلنت فلا حول ولا قوة إلا بالله. ولقد كان من سياسة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه إذا رأى ضعف الإيمان في القلوب وكثرة ارتكاب الناس للمعصية زاد في تعزيرهم وعقوبتهم فيما ليس فيه عقوبة محدودة شرعا، وهذا كمال السياسة لمصالح العباد.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
стр. 271
[الفرع الثاني في القصاص والحدود]
[الخطبة الأولى في الحكمة في القصاص والحدود]
الفرع الثاني
في القصاص والحدود الخطبة الأولى
في الحكمة في القصاص والحدود الحمد لله الحكيم العليم العزيز الرحيم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي خلق فأتقن وحكم فأحكم ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي كان بالمؤمنين رحيما وكان لحدود الله حافظا مقيما، أقسم بالذي نفسه بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع يدها عدلا شاملا وهديا قويما صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد، أيها المؤمنون اتقوا الله تعالى وتأملوا أحكامه وحدوده بعلم وإيمان تجدوها تابعة للحكمة والمصلحة في كل زمان ومكان، فإن الذي وضع تلك الحدود هو أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين، علم أن مصالح العباد لا تقوم إلا بها فشرعها وعلم أن بها درءا للمفاسد فأمر بها وحتمها. فالحدود تمنع من الجرائم وتكفر ما اقترفه المجرم من المآثم، انظروا إلى البلاد التي تقام فيها الحدود كيف يستتب فيها الأمن والاطمئنان، وأما البلاد التي لا تقام فيها الحدود فتكثر فيها الجرائم والاعتداء والطغيان. فمن الأحكام التي شرعها الله تعالى قتل القاتل، فإن القاتل المتعمد للقتل يقتل إذا تمت شروط القصاص ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] لأن القاتل إذا علم أنه سيقتل فلن يقدم على القتل وبذلك تكون الحياة، ثم إن القتل حق لأولياء المقتول فإن شاؤوا قتلوا القاتل وإن شاؤوا عفوا عنه مجانا أو أخذوا الدية، وعليهم أن يراعوا المصلحة في ذلك فيأخذوا بما هو أصلح من عفو أو دية أو قصاص. انظروا إلى السارق كيف يسرق ما يساوي ربع دينار فتقطع يده بذلك حفظا للأموال عن الاعتداء عليها، فإن السارق إذا علم أنه تقطع يده اليمنى إذا سرق فإنه لا يمكن أن يسرق، وإذا قطعت اليد المحترمة التي لا يباح قطعها كان فيها نصف الدية خمسمائة دينار. فلله ما أعلى هذه الحكمة وأبلغها وأنسبها للمصالح، تقطع اليد بربع دينار إذا سرقت حفظا للأموال، وتضمن إذا قطعت ظلما بخمسمائة دينار حفظا للأبدان. انظروا - رحمكم الله - إلى جريمة الزنا وهي فاحشة نكراء، كيف جعل الله فيها حدا مناسبا لحال الزاني؟ فإن الزاني إن كان بكرا وهو الذي لم يتزوج فإن حده أن يجلد مئة جلدة ويغرب عن وطنه سنة ليبعد عن محل الفاحشة لعله ينساها ويتوب، وإن كان الزاني ثيبا وهو
стр. 272
الذي من الله عليه بنكاح صحيح ووطئ زوجته فيه، فهذا حده الرجم وهو أن يرجم بالحجارة حتى يموت؛ لأن من زنى بعد أن من الله عليه بالزواج والوطء الحلال فهو جرثومة فاسدة في المجتمع لا يليق به إلا الزوال. ومن حكمة الله أن جعل حده الرجم بالحصى ليتألم جميع بدنه به كما تلذذ بشهوة الزنا جزاء وفاقا. وأما جريمة اللواط وهي الفاحشة الكبرى والمصيبة العظمى فما أعظمها من جريمة وأطمها، وما أجدر نفسا تعاطتها بالإتلاف وأحقها. ففي السنن عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ولم يختلف الصحابة في قتله، لكن اختلفوا كيف يقتل، وأكثر السلف على أن يرجم رجما، وإنما كانت عقوبة هذه الفاحشة هي القتل بكل حال لما فيها من إفساد المجتمع وعسر التحرز منها في الحال والمآل. ومن نظر إلى حكم الله تعالى في الحدود وجده الحكم المتضمن للحكمة التي تبهر العقول، وأنه لا حكم أحسن منه وأصلح للأمة وأن ما سواه فهو جهل وطغيان لا تقوم به المصالح ولا تندرئ به المفاسد قال الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
стр. 273
[الخطبة الثانية في عقوبة الزنا واللواط]
الخطبة الثانية
في عقوبة الزنا واللواط الحمد لله الذي شرع عقوبة العصاة ردعا للمفسدين وصلاحا للخلق أجمعين وكفارة للطاغين المعتدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل النبيين وقائد المصلحين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد، أيها الناس: اتقوا الله تعالى واعرفوا نعمة الله عليكم بهذا الدين القويم الجامع بين الرحمة والحكمة، رحمة في إصلاح الخلق وحكمة في اتباع الطريق الموصل إلى الهدف الأسمى.
أيها الناس: إن من طبيعة البشر أن يكون لهم نزعات متباينة، فمنها نزعات إلى الخير والحق، ومنها نزعات إلى الباطل والشر كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤]
ولما كانت النفوس الشريرة والنزعات الخاطئة والأعمال السيئة لا بد لها من رادع يكبح جماحها ويخفف من حدتها، شرع رب العباد وهو الحكيم العليم الرؤوف الرحيم حدودا وعقوبات متنوعة بحسب الجرائم لتردع المعتدي وتصلح الفاسد وتقيم المعوج وتكفر عن المجرم جريمته، إذ لا يجمع الله عليه بين عقوبة الدنيا والآخرة، فأوجب إقامة الحدود على مرتكبي الجرائم كل بحسب جريمته. فالسارق تقطع يده لأنه يسرق بها غالبا، وقطاع الطريق إذا قتلوا قتلوا وإن أخذوا المال فقط قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف لأنهم يستعينون على قطع الطريق بأرجلهم وأيديهم، فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف نكالا وجزاء من جنس العمل. وقاذف المحصنات والمحصنين يجلد ثمانين جلدة حتى لا تنتهك الأعراض، وشارب الخمر عقوبته يحصل بها الردع عند تناول هذا الشراب الذي وصفه النبي ﷺ بأنه أم الخبائث ومفتاح كل شر. أما جريمة فساد الأخلاق وانهيار المجتمع، تلك الجريمة التي تكمن في فعل الزنا واللواط فإنها جريمة عظيمة رتب الشارع عليها عقوبة أكبر، فالزاني الذي يطأ فرجا حراما إما أن يكون محصنا وأما أن يكون غير محصن، فالمحصن هو البالغ العاقل الذي تزوج امرأة ووطئها بنكاح صحيح، فإذا زنى فإنه يرجم بالحجارة حتى يموت ثم يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن مع المسلمين إذا كان مسلما، وأما غير المحصن وهو من لم يتزوج على الوصف الذي ذكرناه فإنه إذا زنى جلد مئة
стр. 274
جلدة ويسفر عن البلد سنة كاملة. أيها المسلمون، وإذا كان الزنا بالفرج موجبا لهذه العقوبة، فإن هنا زنى آخر دون ذلك يوجب الإثم والعقوبة الأخروية وربما كان سببا للوقوع في الزنا الأكبر، ألا وهو زنى الجوارح الأخرى، وهو ما أشار إليه النبي ﷺ بقوله: «العينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطى والقلب يهوى ويتمنى» .
أما اللواط وهو وطء الذكر الذكر، فذلك الفاحشة الكبرى والجريمة النكراء إنه مفسدة الدنيا والدين، إنه هدم للأخلاق ومحق للرجولة، إنه فساد للمجتمع وقتل للمعنويات، إنه ذهاب للخير والبركات وجالب للشرور والمصيبات، إنه معول خراب ودمار وسبب للذل والخزي والعار، والعقول تنكره والفطر السليمة ترفضه والشرائع السماوية تزجر عنه وتمقته، ذلكم بأن اللواط ضرر عظيم وظلم فاحش فهو ظلم للفاعل بما جر إلى نفسه من الخزي والعار وقادها إلى ما فيه الموت والدمار، وهو ظلم للمفعول به حيث هتك نفسه وأهانها ورضي لها بالسفول والانحطاط ومحق رجولتها، فكان بين الرجال بمنزلة النسواني لا تزول ظلمة الذل من وجهه حتى يموت وهو ظلم للمجتمع كله بما يفضي إليه من حلول المصائب والنكبات. ولقد قص الله علينا ما حصل لقوم لوط حيث أنزل عليهم رجزا من السماء أي عذابا من فوقهم، أمطر عليهم حجارة من سجيل فجعل قريتهم عاليها سافلها وقال بعد أن قص علينا عقوبتهم ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]
أيها المسلمون، متى فشت هذه الفاحشة في المجتمع ولم يعاقبه الله بدمار الديار فإنه سيحل به ما هو أعظم من ذلك، سيحل به انتكاس القلوب وانطماس البصائر وانقلاب العقول حتى يسكت على الباطل أو يزين له سوء عمله فيراه حسنا، وأما إذا يسر الله له ولاة أقوياء ذوي عدل أمناء يقولون الحق من غير مبالاة وينفذون الحد من غير محاباة، فإن هذا علامة التوفيق والصلاح. أيها المسلمون، ولما كانت هذه الجريمة، أعني جريمة فاحشة اللواط، من أعظم الجرائم كانت عقوبتها في الشرع من أعظم العقوبات فعقوبتها القتل والإعدام، قال النبي ﷺ : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» . واتفق جمهور الصحابة أو كلهم على العمل بمقتضى هذا الحديث، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: لم يختلف أصحاب
стр. 275
رسول الله ﷺ في قتله سواء كان فاعلا أم مفعولا به، ولكن اختلفوا كيف يقتل، فقال بعضهم يرجم بالحجارة، وقال بعضهم يلقى من أعلى مكان في البلد حتى يموت، وقال بعضهم يحرق بالنار. فالفاعل والمفعول به إذا كان راضيا كلاهما عقوبته الإعدام بكل حال سواء كانا محصنين أم غير محصنين لعظم جريمتهما وضرر بقائهما في المجتمع، فإن بقاءهما قتل معنوي لمجتمعهما وإعدام للخلق والفضيلة، ولا شك أن إعدامهما خير من إعدام الخلق والفضيلة. أيها المسلمون: إن علينا كمجتمع إسلامي قوامه الدين والأخلاق، ولله الحمد، أن نجتهد بقدر ما نستطيع على التمسك بديننا والتخلق بالأخلاق الفاضلة وأن يسعى كل منا من الولاة فمن دونهم لمنع الفساد والمفسدين وإصلاح المجتمع وأن نتخذ الحيطة ونتبع مواقع الفساد لتطهيرها. على كل منا أن يراقب حال أولاده وأهله الذكور والإناث فيمنع نساءه من الخروج متبرجات بثياب الزينة والطيب وغيره مما يلفت النظر، ويتفقد أولاده أين ذهبوا وأين غابوا ومن أصحابهم ومن جلساؤهم وأن يمنعهم من مخالطة السفهاء ومعاشرة من يخشى الفساد بمعاشرتهم، وعلى كل أهل حارة ومحلة أن يتفقدوا محلتهم وحارتهم ويتعاونوا على منع الشر والفساد، فإذا أصلح الرجل أهله وأصلح أهل الحارة جيرانهم وحرص الولاة على إصلاح بلدهم حصل بذلك من الخير ما يكفل السعادة للمجتمع، وإن أهمل الناس واجبهم في هذا فاتهم من الخير بقدر ما فوتوا من الواجب.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 276
[القسم الثامن في النفقات والأطعمة]
[الخطبة الأولى في تنوع إنفاق المال]
القسم الثامن
في النفقات والأطعمة وهو فرع واحد الخطبة الأولى
في تنوع إنفاق المال الحمد لله الذي من علينا بالأموال وشرع لنا إنفاقها فيما هو مصلحة في الدين والدنيا ووعدنا على ذلك الخلف العاجل في الدنيا والثواب الجزيل في الأخرى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجود والإحسان والأفضال، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي ينفق ماله لله ويعيش في نفسه عيش الفقراء ابتغاء مرضاة ذي الإكرام والجلال صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما تعاقبت الأيام والليال وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى واشكروه على ما خولكم من هذه الأموال التي جعلها لكم قياما يقوم بها دينكم ودنياكم وتصلح بها أحوالكم العامة والخاصة، واشكروه إن أنعم عليكم بها نعمة أخرى، حيث شرع لكم إنفاقها فيما فيه مصلحة لكم ووعدكم على ذلك الخلف والأجر، ولو شاء لم يشرع لكم إنفاقها ولم يتعبدكم بذلك فكان إنفاقها مغرما، وليشكر الله من وفقه الله تعالى فقام بإنفاقها على الوجه الذي أمر به فلم يقصر في ذلك فيكون من الباخلين، ولم يغل في ذلك ويزد فيكون من المبذرين. واعلموا - رحمكم الله - أن إنفاق الأموال على وجهين وجه يثاب عليه العبد ويؤجر ونوع يعاقب عليه ويوزر، أما الذي يثاب عليه العبد ويؤجر فهو أن ينفقها في طاعة الله وما أمر به، وأما الذي يعاقب عليه ويوزر فأن ينفقها في معصية الله وما لا فائدة فيه فإن ذلك من السفه والتبذير.
واعلموا أن إنفاق الأموال في طاعة الله له أبواب كثيرة، فمن ذلك إنفاق الأموال في الزكاة المفروضة التي هي أحد أركان الإسلام، ولا يكون العبد مسلما حتى ينفقها في الوجوه التي أمر الله بصرفها فيها، ومن ذلك أن ينفق الإنسان على نفسه فإن إنفاقك على نفسك صدقة تثاب عليها لأنك مأمور بحفظ نفسك بالطعام والشراب واللباس وغيرها مما تطلبه حاجتك أو ضرورتك. فإذا أنفقت المال في ذلك فقد قمت بحفظ نفسك ونيلها ما أباح الله لها من الطيبات وهذا خير وأجر. ومن الإنفاق في طاعة الله أن ينفق الإنسان على أهله من الزوجات والأمهات والآباء والأولاد وغيرهم، فإن الإنفاق عليهم طاعة لله وبر وأجر، «قال النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁ وقد عاده في مرض ألم به واستشاره في الوصية فقال له: " واعلم أنك
стр. 277
لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعله في فم امرأتك» .
أيها الإخوان: إن بعض الناس يقصر أو يتثاقل في الإنفاق على أهله شحا وبخلا، والشح والبخل من أوامر الشيطان ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] ولكن متى علم المؤمن أن الإنفاق على نفسه وأهله ليس بغرم وإنما هو مكسب وغنيمة، فالإنفاق فيما أمر الله به غنيمة لأنه زيادة في الإيمان وسبب لبركة المال ونموه وسبب للأجر المدخر عند الله، أما الإمساك عما أمر الله به فهو نقص في الإيمان وسبب لمحق بركة المال ونقصه ولعقوبة الله ومقته، ثم أن الممسك البخيل إن فاته المال ونزع منه في الدنيا فقد حرم خير الدنيا والآخرة، وإن بقي حتى مات صار لغيره غنمه وعليه غرمه وإثمه.
ألا وإن من إنفاق المال في طاعة الله أن تنفقه في الإحسان إلى القرابات الذين لا تجب عليك نفقتهم، إما لكون مالك لا يتحمل الإنفاق أو لغير ذلك، فهديتك على غنيهم هدية وصلة، وصدقتك على فقيرهم صدقة وصلة. وإن بعض الناس في هذه الناحية يقصر ويفرط، فتجده يقتصر على الإحسان إلى القرابة الذين يتبادلون معه الصلة وهذا في الحقيقة ليس بصلة، وإنما هي مكافأة للصلة أو مجلبة لها، فالواصل حقيقة هو الذي يصل من قطعه ويعطي من حرمه. وأبواب إنفاق المال في الخير كثيرة، وكلما كان الإنفاق أنفع لعمومه أو شدة الحاجة إليه أو جلبه لمصالح أخرى كان أفضل وأجدى، وكل نفقة تبتغي بها وجه الله فأنت مأجور عليها لدخولها في الإحسان. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
стр. 278
[الخطبة الثانية في حكم شرب الدخان ومضاره]
الخطبة الثانية
في حكم شرب الدخان ومضاره الحمد لله الذي أنعم على عباده بما أخرج لهم من الطيبات وأدره عليهم من أصناف الأرزاق والأقوات وأحل لهم من ذلك ما تقوم به أديانهم وأبدانهم وحرم عليهم ما يكون به ضرر في أبدانهم وعقولهم وأديانهم والحمد لله الذي أحاط بكل شيء علما ووسع كل شيء رحمة وحكما، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى واستغنوا بما أباح لكم من الطعام والشراب عما حرمه عليكم، فإنه ما من شيء ينفعكم من ذلك إلا أباحه لكم فضلا منه وإحسانا، وما من شيء يضركم إلا حرمه عليكم رحمة منه وامتنانا. فكما أن لله النعمة عليكم فيما أباحه لكم من الطيبات فله النعمة عليكم أيضا بما حرمه من الخبائث والمضرات، فعلى العباد أن يشكروا نعمته في الحالتين فيتناولوا ما أباحه لهم فرحين مغتبطين ويتجنبوا ما حرمه عليهم سامعين مطيعين.
أيها الناس: لقد انتشر شرب الدخان في مجتمعنا حتى عم كثيرا من الصغار في الأسواق والدور وهو الشراب الذي لا ينكر ما فيه من ضرر في البدن والمال والمجتمع والدين.
أما ضرره في البدن فإنه يضعف البدن ويضعف القلب ويحدث مرض السرطان والسل والسعال ويفضي إلى الموت كما يشاهد ذلك كثيرا، وكما قرر ذلك كثير من العلماء المختصين وأكد تقريرهم كبار الهيئة الصحية العالمية وشهد به الأمر الواقع فكم من إنسان أنهك جسمه وأفسد صحته وقتل نفسه بما تعاطاه من هذا الدخان. ولا تغتروا بما يرى من بعض الناس الذين يشربونه وأجسامهم سليمة فإن هؤلاء المدخنين ليسوا بحسب مظهرهم، واسألهم ماذا يحدث لهم من قلة الشهية وكثرة السعال والنزلات الصدرية والفتور العام والتعب الشديد عند أقل عمل وكلفة، ولو أقلعوا عن شربهم لحصل لهم من القوة والنشاط ما لم يكونوا عليه حين شرب الدخان. وأما ضرره في المال فاسأل من يشربه ماذا ينفقه كل يوم في شربه، ولو كان ينفق هذا المال فيما يعود عليه وعلى أهله بالنفع من الطعام الطيب والشراب الحلال واللباس
стр. 279
المباح لكان ذلك خيرا له في دينه ودنياه، ولكنه ينفق الكثير في هذا الدخان الذي لا يعود عليه إلا بالضرر العاجل والآجل، فنسأل الله لنا وله الهداية. أما ما انتفع به بعض الناس من الاتجار به والتكسب حتى صاروا بعد الترب متربين وبعد الإعواز واجدين وبعد الفقر مغتنين، فلبئس ما كسبوا حراما واكتسبوا آثاما، وإنهم لأغنياء المال فقراء القلوب واجدون في الدنيا عادمون لما كسبوه من الحرام في الآخرة، فإنهم إن تصدقوا به لم يقبل منهم وإن أنفقوه لم يبارك لهم فيه، وإن أخلفوه كان زادا لهم إلى النار لا يدرون متى يأتيهم الموت فيفارقون أموالهم أشد ما يكونون بها تعلقا وأعظم ما يكونون بها طمعا وبعد ذلك يتلقاها الوارث، له غنمها وعلى مخلفها غرمها، وإن الفقر لخير من مال يكسبه الإنسان بمعصية الله.
أما مضار الدخان الاجتماعية، فإن تفشي الأمور الضارة في المجتمع توجب فساد المجتمع، وإن كثيرا ممن يشربونه الآن لا يبالون بانتشاره بين الناس بل ربما يفرح بعضهم بانتشاره وكثرة استعماله وتعاطيه ليتسلى بغيره وتهون مصيبته، ولذلك كانوا يشربون أمام الناس وأمام أولادهم الصغار، وهذا لا شك يهون شربه عند الصغار ويؤدي إلى نتيجة حتمية وهي أن الصغير إذا اعتاده من صغر فتك به فتكا أعظم ثم لا يستطيع الخلاص منه عند كبره، وكم حصل من أعقاب السجائر وهي بقية السجائر التي يلقونها في الأرض كم حصل بها من أضرار وأمراض معدية لمن يأخذونها ويشربونها.
وأما مضاره الدينية، فإن المحققين من أهل العلم الذين عرفوا مصادر الشريعة ومواردها وسلموا من الهوى قد تبين لهم تحريمه من عمومات النصوص الشرعية وقواعد الدين المرعية، وإذا كان حراما كان فعله معصية لله ولرسوله، وكل معصية لله ولرسوله فإنها ضرر في الدين فإن الإيمان ينقص بالمعصية كما يزيد بالطاعة.
أيها المسلمون: إن نصيحتي لمن من الله عليه بالعصمة منه أن يحمد الله على هذه النعمة ويسأله الثبات عليها وأن يدعو الله لإخوانه بالعصمة منه. أما نصيحتي لمن ابتلوا به فأن يتأملوا بإمعان ودقة في مضاره ونتائجه ليقتنعوا بضرورة الامتناع منه ويهون عليهم تركه واجتنابه، وأن يلحوا على ربهم بالدعاء أن يعصمهم منه ويستعينوه على ذلك ويستعملوا الأسباب التي تعينهم على تركه، وذلك بقوة العزم وعدم الجلوس في محل يشرب فيه والتسلي
стр. 280
عنه بما أباح الله لهم من الطعام والشراب، فقد فتح الله لهم من الطيبات كل باب ولم يضيق عليهم في ذلك ولله الحمد، ولينظروا في حال من عافاه الله منه كيف استصحوا وقويت أبدانهم وزالت عنهم الأضرار الناتجة عن شربه ولله الحمد.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
стр. 281
[الخطبة الثالثة في مضار الخمر والتحذير منه]
الخطبة الثالثة
في مضار الخمر والتحذير منه الحمد لله الذي أباح لعباده جميع الطيبات وحرم عليهم الخبائث والمضرات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الفضل العظيم والعطاء العميم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى الكريم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجهم القويم وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس، اتقوا الله تعالى وتمتعوا بما أباح الله لكم من الطيبات واشكروه عليها بأداء حقوقه التي أوجبها عليكم فإن الشكر سبب لدوام النعم ومزيدها، واحذروا ما حرمه عليكم من المطاعم والمشارب فإنه لو كان فيها خير لكم ما حرمها عليكم لأنه الجواد الكريم، وإنما حرم عليكم ما فيه ضرركم دينا ودنيا رحمة بكم وهو الرؤوف الرحيم. فمما حرمه الله عليكم في كتابه وعلى لسان رسوله وأجمع على تحريمه المسلمون الخمر الذي سماه النبي ﷺ أم الخبائث وقال: «هي مفتاح كل شر» وأخبر الله في كتابه: أنه ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠] ووردت الأحاديث الكثيرة في تحريمه والتحذير منه والوعيد على شربه، قال أنس بن مالك ﵁: «لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له» كل هؤلاء ملعونون على لسان محمد ﷺ وقال ﷺ : «لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» وقال: «مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد وثن» وقال: «من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة» وقال: «لا يدخل الجنة مدمن خمر» وقال: «إن عند الله عهدا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينه الخبال قيل وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار أو عصارة أهل النار القيح والدم ومن شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا» والخمر اسم جامع لكل ما خامر العقل أي غطاه سكرا وتلذذا من أي نوع كان. وقد ذكر علماء الشريعة والطب والنفس والاجتماع للخمر مضار كثيرة، فمن مضاره أنه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة لأن صاحبه يتعلق به ولا يكاد يفارقه وإذا فارقه كان قلبه معلقا به. ومن مضاره ما فيه من الوعيد الشديد والعقوبات، ومن مضاره أنه يفسد المعدة ويغير الخلقة فيتمدد البطن وتجحظ العيون، والسكارى يسرع إليهم تشوه الخلقة والهرم وحدوث السل الرئوي وتقرح الأمعاء وإضعاف النسل أو قطعه بالكلية. ومن مضاره فساد التصور والإدراك عند السكر حتى يكون صاحبه
стр. 282
بمنزلة المجانين ثم هو بعد ذلك يضعف العقل وربما أدى إلى الجنون الدائم. ومن مضاره إيقاع العداوة والبغضاء بين شاربيه وبينهم وبين من يتصل بهم من المعاشرين والمعاملين لأن قلوب أهل الخمر معلقة به، فهم في ضيق وغم لا يفرحون ولا يسرون بشيء إلا بالاجتماع عليه كل كلمة تثيرهم وكل عمل يضجرهم. ومن مضاره قتل المعنويات والأخلاق الفاضلة وأنه يغري صاحبه بالزنا واللواط وكبائر الإثم والفواحش، فصلوات الله وسلامه على من سماه أم الخبائث ومفتاح كل شر. ومن مضاره أنه يستهلك الأموال ويستنفد الثروات حتى يدع الغني فقيرا وربما بلغت به الحال أن يبيع عرضه أو عرض حرمه للحصول عليه، ولقد كانت الدول الكافرة المتحضرة تحاربه أشد المحاربة وتكون الجمعيات العديدة للتحذير منه والسعي في منع المجتمع منه لما علموا فيه من المضار الخلقية والاجتماعية والمالية. وقد سبقهم الإسلام إلى ذلك فحذر منه غاية التحذير ورتب عليه من العقوبات الدنيوية والأخروية ما هو معلوم لعامة المسلمين حتى جاء في الحديث أن النبي ﷺ أنه قال: «إذا سكر فاجلدوه ثم إن سكر فاجلدوه ثم إن سكر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه» وقد أمر النبي ﷺ حين حرمت الخمر أن تراق في الأسواق وتكسر أوانيها، وحرق أمير المؤمنين عمر بيت رجل يقال له رويشد كان يبيع الخمر وقال له: أنت فويسق ولست برويشد. والحشيش من الخمر بل هو أخبث منه من جهة إفساد العقل والمزاج وفقد المروءة والرجولة، فإن متعاطيها تظهر عليه علامات التخنث والدياثة على نفسه حتى تنحط غريزته الجنسية إلى طبع أقبح من طبع النساء. وهذه المضار التي ذكرناها وما هو أكثر منها، منها ما هو ظاهر ومنها ما يظهر سريعا ومنها ما يتأخر، وأعظم من ذلك عقوبة الآخرة التي لا فكاك منها إلا بالتوبة إلى الله والرجوع إليه. جنبني الله وإياكم منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء ووفقنا للتوبة النصوح والرجوع إليه وعافانا من البلاء. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ - إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ - وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩٢]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 283
[القسم التاسع في مواضيع عامة]
[الخطبة الأولى في نجاة المتقين]
القسم التاسع
في مواضيع عامة الخطبة الأولى
في نجاة المتقين الحمد لله الجواد الكريم الشكور الحليم أسبغ على عباده النعم ودفع عنهم شدائد النقم وهو البر الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الفضل العظيم والخير العميم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى الكريم صل الله عليه وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد، أيها الناس: اتقوا ربكم وتعرفوا إليه في حال الرخاء يعرفكم في حال الشدة، تعرفوا إلى ربكم بالخضوع له والمحبة والتعظيم وكثرة العبادة ابتغاء مرضاته وتجنب معاصيه خوفا من عقابه الأليم، تعرفوا إلى الله بفعل الطاعات ما دمتم في زمن القدرة والإمكان قبل أن تتمنوا العمل فلا تستطيعوا إليه سبيلا.
عباد الله: يقول الله تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١] فمن اتقى الله تعالى وامتثل أمر الله واجتنب نهيه نجاه بمفازته، إذا وقع في هلكة أنجاه الله منها ويسر له الخلاص من ذلك، فالمتقون هم أهل النجاة، وشاهد ذلك ما وقع وما يقع للمتقين. ألم يبلغكم ما وقع لسيد المتقين حيث خرج ﷺ من مكة ومعه صاحبه أبو بكر يخشيان على أنفسهما من قريش فنجاهما الله تعالى من ذلك وقريش على رؤوسهم، يقول أبو بكر: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى قدمه لأبصرنا، فيقول له رسول الله: «لا تحزن إن الله معنا ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما» فنجى الله تعالى نبيه بمفازته من غير أن يمسه سوء. ألم تسمع ما وقع لنبي الله يونس ﷺ حيث ذهب عن قومه مغاضبا لهم لما عصوه فركب البحر فثقلت بهم السفينة فاقترع أهلها أيهم يلقى في البحر لتخف السفينة وينجو بعض من فيها ولا يهلكوا كلهم، فوقعت على قوم فيهم نبي الله يونس فألقوا في البحر فالتقم الحوت يونس ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] فاستجاب له رب العالمين فأنجاه من الغم قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ - لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤] ألم يأتكم نبأ الثلاثة من بني إسرائيل «باتوا في غار فانحدرت عليهم من الجبل صخرة سدت الغار فلا يستطيعون
стр. 284
الخروج فقالوا: إنه لا ينجيكم منها إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران فنأى بي طلب الشجر فتأخرت حتى ناما، فكرهت أن أوقظهما فانتظرت استيقاظهما حتى طلع الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي حتى استيقظ أبواي فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة قليلا. فقال الثاني: اللهم إنه كانت لي ابنة عم أحبها حبا شديدا فأردتها عن نفسها فامتنعت حتى ألجأتها الضرورة سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها مئة وعشرين دينارا على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت، فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك لأجلك فأفرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة قليلا إلا أنهم لا يستطيعون الخروج. فقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم إلا واحدا ترك أجره وذهب، فثمرت له أجره حتى نما وكثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أعطني أجري، فقلت: كل ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق فهو أجرك، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت له: لا أستهزئ بك، فأخذه كله ولم يترك منه شيئا، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون» .
وهكذا ينجي الله المتقين بمفازتهم في هذه الدنيا وينجيهم من مفاوز يوم القيامة وأهوالها ومن عذاب الجحيم وسمومها قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا - ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢] بكى عبد الله بن رواحة ﵁ وكان مريضا فقيل: ما يبكيك؟ فقال: ذكرت قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فلا أدري أنجو منها أم لا. وكان أبو ميسرة إذا أوى إلى فراشه بكى ويقول: أخبرنا أنا واردوها ولم نخبر أنا صادرون عنها، اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تنجينا من النار وأن تلحقنا بالمتقين الأبرار وأن تنجينا من مفاوز الدنيا والآخرة يا كريم يا جواد اللهم صل وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين.
стр. 285
[الخطبة الثانية في انهماك الناس في الدنيا وتحصيل المال]
الخطبة الثانية
في انهماك الناس في الدنيا وتحصيل المال الحمد لله الذي خلق للعباد دارين دار عمل واكتساب ودار جزاء وثواب، فدار العمل والاكتساب هي الحياة الدنيا جعلها الله عبورا للعباد ومزرعة يحصدون ما زرعوا فيها يوم يقوم الأشهاد وحينئذ يتبين ربح التجارة من الكساد، وأما دار الجزاء والثواب فهي الدار الآخرة والحياة الباقية إما في جنة وإما في نار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وله العزة والاقتدار، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى المختار صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان آناء الليل والنهار وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى واعرفوا ما لأجله خلقتم وماذا تصيرون إليه إذا أنتم متم، فكروا في هذه الدنيا وأحوالها وتقلباتها تجدوها غرورا وباطلا ولهوا ولعبا ولحظات تمر سريعا وتمضي جميعا، قيسوا ما يستقبل منها بما مضى واعتبروا يا أولي الأبصار.
أليس فينا معشر الحاضرين من عمر طويلا ومن كان صغيرا وكلنا بالنسبة إلى ما مضى واحد، فكل ما مضى من زمن طويل فكأنه أحلام نائم أو خيال هائم. والإنسان في اللحظة التي هو فيها هذه، أيها الناس، حقيقة الدنيا فكيف يليق بالعاقل أن تكون أكبر همه؟ كيف يليق به أن يقدمها على الآخرة؟ كيف يليق به أن يشغل قلبه وفكره وجسمه في الحصول عليها وهو عن الآخرة في إعراض؟ إن كثيرا من الناس قد انهمك في الدنيا حتى صارت أكبر همه ومبلغ علمه، يجمع المال لا يبالي من أين جمعه ويسرف في إنفاقه على وجه غير مشروع لا يبالي كيف أنفقه، كأنه خلق في هذه الدنيا ليخلد ويتناول ما يشاء من شهواته ولو كان في غضب الله، إن باع أو اشترى فكذب وخداع وغش، وإن صنع شيئا لأحد لم يؤد فيه الأمانة، وإن صار في وظيفة أضاعها وأهملها يتقاضى راتبها ولا يؤدي عملها كاملا، وجدير بمن يأكل الأموال بمثل هذه الأمور أن يسمى السارق الخفي.
أيها الناس: إن اتجاهات الناس وأغراضهم مختلفة، فمنهم من يريد المال ويسعى لتحصيله ولو بالطرق المحرمة، ومنهم من يريد الجاه والرئاسة والعلو على الخلق، ومنهم من يريد السيطرة على الناس بحق أو بغير حق، ومنهم من يريد اللهو بالأغاني والألعاب فيصد عن ذكر الله وعن الصلاة إلى غير ذلك من الأغراض الدنيوية، ولقد قال النبي ﷺ مبينا حال هؤلاء وأمثالهم:
следующие страницы →