Полный текст (711 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
[الخطبة الثالثة في مضار الخمر والتحذير منه]
الخطبة الثالثة
في مضار الخمر والتحذير منه الحمد لله الذي أباح لعباده جميع الطيبات وحرم عليهم الخبائث والمضرات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الفضل العظيم والعطاء العميم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى الكريم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجهم القويم وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس، اتقوا الله تعالى وتمتعوا بما أباح الله لكم من الطيبات واشكروه عليها بأداء حقوقه التي أوجبها عليكم فإن الشكر سبب لدوام النعم ومزيدها، واحذروا ما حرمه عليكم من المطاعم والمشارب فإنه لو كان فيها خير لكم ما حرمها عليكم لأنه الجواد الكريم، وإنما حرم عليكم ما فيه ضرركم دينا ودنيا رحمة بكم وهو الرؤوف الرحيم. فمما حرمه الله عليكم في كتابه وعلى لسان رسوله وأجمع على تحريمه المسلمون الخمر الذي سماه النبي ﷺ أم الخبائث وقال: «هي مفتاح كل شر» وأخبر الله في كتابه: أنه ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠] ووردت الأحاديث الكثيرة في تحريمه والتحذير منه والوعيد على شربه، قال أنس بن مالك ﵁: «لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له» كل هؤلاء ملعونون على لسان محمد ﷺ وقال ﷺ : «لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» وقال: «مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد وثن» وقال: «من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة» وقال: «لا يدخل الجنة مدمن خمر» وقال: «إن عند الله عهدا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينه الخبال قيل وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار أو عصارة أهل النار القيح والدم ومن شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين صباحا» والخمر اسم جامع لكل ما خامر العقل أي غطاه سكرا وتلذذا من أي نوع كان. وقد ذكر علماء الشريعة والطب والنفس والاجتماع للخمر مضار كثيرة، فمن مضاره أنه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة لأن صاحبه يتعلق به ولا يكاد يفارقه وإذا فارقه كان قلبه معلقا به. ومن مضاره ما فيه من الوعيد الشديد والعقوبات، ومن مضاره أنه يفسد المعدة ويغير الخلقة فيتمدد البطن وتجحظ العيون، والسكارى يسرع إليهم تشوه الخلقة والهرم وحدوث السل الرئوي وتقرح الأمعاء وإضعاف النسل أو قطعه بالكلية. ومن مضاره فساد التصور والإدراك عند السكر حتى يكون صاحبه
стр. 282
بمنزلة المجانين ثم هو بعد ذلك يضعف العقل وربما أدى إلى الجنون الدائم. ومن مضاره إيقاع العداوة والبغضاء بين شاربيه وبينهم وبين من يتصل بهم من المعاشرين والمعاملين لأن قلوب أهل الخمر معلقة به، فهم في ضيق وغم لا يفرحون ولا يسرون بشيء إلا بالاجتماع عليه كل كلمة تثيرهم وكل عمل يضجرهم. ومن مضاره قتل المعنويات والأخلاق الفاضلة وأنه يغري صاحبه بالزنا واللواط وكبائر الإثم والفواحش، فصلوات الله وسلامه على من سماه أم الخبائث ومفتاح كل شر. ومن مضاره أنه يستهلك الأموال ويستنفد الثروات حتى يدع الغني فقيرا وربما بلغت به الحال أن يبيع عرضه أو عرض حرمه للحصول عليه، ولقد كانت الدول الكافرة المتحضرة تحاربه أشد المحاربة وتكون الجمعيات العديدة للتحذير منه والسعي في منع المجتمع منه لما علموا فيه من المضار الخلقية والاجتماعية والمالية. وقد سبقهم الإسلام إلى ذلك فحذر منه غاية التحذير ورتب عليه من العقوبات الدنيوية والأخروية ما هو معلوم لعامة المسلمين حتى جاء في الحديث أن النبي ﷺ أنه قال: «إذا سكر فاجلدوه ثم إن سكر فاجلدوه ثم إن سكر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه» وقد أمر النبي ﷺ حين حرمت الخمر أن تراق في الأسواق وتكسر أوانيها، وحرق أمير المؤمنين عمر بيت رجل يقال له رويشد كان يبيع الخمر وقال له: أنت فويسق ولست برويشد. والحشيش من الخمر بل هو أخبث منه من جهة إفساد العقل والمزاج وفقد المروءة والرجولة، فإن متعاطيها تظهر عليه علامات التخنث والدياثة على نفسه حتى تنحط غريزته الجنسية إلى طبع أقبح من طبع النساء. وهذه المضار التي ذكرناها وما هو أكثر منها، منها ما هو ظاهر ومنها ما يظهر سريعا ومنها ما يتأخر، وأعظم من ذلك عقوبة الآخرة التي لا فكاك منها إلا بالتوبة إلى الله والرجوع إليه. جنبني الله وإياكم منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء ووفقنا للتوبة النصوح والرجوع إليه وعافانا من البلاء. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ - إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ - وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩٢]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 283
[القسم التاسع في مواضيع عامة]
[الخطبة الأولى في نجاة المتقين]
القسم التاسع
في مواضيع عامة الخطبة الأولى
في نجاة المتقين الحمد لله الجواد الكريم الشكور الحليم أسبغ على عباده النعم ودفع عنهم شدائد النقم وهو البر الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الفضل العظيم والخير العميم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى الكريم صل الله عليه وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد، أيها الناس: اتقوا ربكم وتعرفوا إليه في حال الرخاء يعرفكم في حال الشدة، تعرفوا إلى ربكم بالخضوع له والمحبة والتعظيم وكثرة العبادة ابتغاء مرضاته وتجنب معاصيه خوفا من عقابه الأليم، تعرفوا إلى الله بفعل الطاعات ما دمتم في زمن القدرة والإمكان قبل أن تتمنوا العمل فلا تستطيعوا إليه سبيلا.
عباد الله: يقول الله تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١] فمن اتقى الله تعالى وامتثل أمر الله واجتنب نهيه نجاه بمفازته، إذا وقع في هلكة أنجاه الله منها ويسر له الخلاص من ذلك، فالمتقون هم أهل النجاة، وشاهد ذلك ما وقع وما يقع للمتقين. ألم يبلغكم ما وقع لسيد المتقين حيث خرج ﷺ من مكة ومعه صاحبه أبو بكر يخشيان على أنفسهما من قريش فنجاهما الله تعالى من ذلك وقريش على رؤوسهم، يقول أبو بكر: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى قدمه لأبصرنا، فيقول له رسول الله: «لا تحزن إن الله معنا ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما» فنجى الله تعالى نبيه بمفازته من غير أن يمسه سوء. ألم تسمع ما وقع لنبي الله يونس ﷺ حيث ذهب عن قومه مغاضبا لهم لما عصوه فركب البحر فثقلت بهم السفينة فاقترع أهلها أيهم يلقى في البحر لتخف السفينة وينجو بعض من فيها ولا يهلكوا كلهم، فوقعت على قوم فيهم نبي الله يونس فألقوا في البحر فالتقم الحوت يونس ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] فاستجاب له رب العالمين فأنجاه من الغم قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ - لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤] ألم يأتكم نبأ الثلاثة من بني إسرائيل «باتوا في غار فانحدرت عليهم من الجبل صخرة سدت الغار فلا يستطيعون
стр. 284
الخروج فقالوا: إنه لا ينجيكم منها إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران فنأى بي طلب الشجر فتأخرت حتى ناما، فكرهت أن أوقظهما فانتظرت استيقاظهما حتى طلع الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي حتى استيقظ أبواي فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة قليلا. فقال الثاني: اللهم إنه كانت لي ابنة عم أحبها حبا شديدا فأردتها عن نفسها فامتنعت حتى ألجأتها الضرورة سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها مئة وعشرين دينارا على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت، فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك لأجلك فأفرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة قليلا إلا أنهم لا يستطيعون الخروج. فقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم إلا واحدا ترك أجره وذهب، فثمرت له أجره حتى نما وكثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أعطني أجري، فقلت: كل ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق فهو أجرك، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت له: لا أستهزئ بك، فأخذه كله ولم يترك منه شيئا، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون» .
وهكذا ينجي الله المتقين بمفازتهم في هذه الدنيا وينجيهم من مفاوز يوم القيامة وأهوالها ومن عذاب الجحيم وسمومها قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا - ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢] بكى عبد الله بن رواحة ﵁ وكان مريضا فقيل: ما يبكيك؟ فقال: ذكرت قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فلا أدري أنجو منها أم لا. وكان أبو ميسرة إذا أوى إلى فراشه بكى ويقول: أخبرنا أنا واردوها ولم نخبر أنا صادرون عنها، اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تنجينا من النار وأن تلحقنا بالمتقين الأبرار وأن تنجينا من مفاوز الدنيا والآخرة يا كريم يا جواد اللهم صل وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين.
стр. 285
[الخطبة الثانية في انهماك الناس في الدنيا وتحصيل المال]
الخطبة الثانية
في انهماك الناس في الدنيا وتحصيل المال الحمد لله الذي خلق للعباد دارين دار عمل واكتساب ودار جزاء وثواب، فدار العمل والاكتساب هي الحياة الدنيا جعلها الله عبورا للعباد ومزرعة يحصدون ما زرعوا فيها يوم يقوم الأشهاد وحينئذ يتبين ربح التجارة من الكساد، وأما دار الجزاء والثواب فهي الدار الآخرة والحياة الباقية إما في جنة وإما في نار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وله العزة والاقتدار، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى المختار صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان آناء الليل والنهار وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى واعرفوا ما لأجله خلقتم وماذا تصيرون إليه إذا أنتم متم، فكروا في هذه الدنيا وأحوالها وتقلباتها تجدوها غرورا وباطلا ولهوا ولعبا ولحظات تمر سريعا وتمضي جميعا، قيسوا ما يستقبل منها بما مضى واعتبروا يا أولي الأبصار.
أليس فينا معشر الحاضرين من عمر طويلا ومن كان صغيرا وكلنا بالنسبة إلى ما مضى واحد، فكل ما مضى من زمن طويل فكأنه أحلام نائم أو خيال هائم. والإنسان في اللحظة التي هو فيها هذه، أيها الناس، حقيقة الدنيا فكيف يليق بالعاقل أن تكون أكبر همه؟ كيف يليق به أن يقدمها على الآخرة؟ كيف يليق به أن يشغل قلبه وفكره وجسمه في الحصول عليها وهو عن الآخرة في إعراض؟ إن كثيرا من الناس قد انهمك في الدنيا حتى صارت أكبر همه ومبلغ علمه، يجمع المال لا يبالي من أين جمعه ويسرف في إنفاقه على وجه غير مشروع لا يبالي كيف أنفقه، كأنه خلق في هذه الدنيا ليخلد ويتناول ما يشاء من شهواته ولو كان في غضب الله، إن باع أو اشترى فكذب وخداع وغش، وإن صنع شيئا لأحد لم يؤد فيه الأمانة، وإن صار في وظيفة أضاعها وأهملها يتقاضى راتبها ولا يؤدي عملها كاملا، وجدير بمن يأكل الأموال بمثل هذه الأمور أن يسمى السارق الخفي.
أيها الناس: إن اتجاهات الناس وأغراضهم مختلفة، فمنهم من يريد المال ويسعى لتحصيله ولو بالطرق المحرمة، ومنهم من يريد الجاه والرئاسة والعلو على الخلق، ومنهم من يريد السيطرة على الناس بحق أو بغير حق، ومنهم من يريد اللهو بالأغاني والألعاب فيصد عن ذكر الله وعن الصلاة إلى غير ذلك من الأغراض الدنيوية، ولقد قال النبي ﷺ مبينا حال هؤلاء وأمثالهم:
стр. 286
«تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميلة تعس عبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش» ، «طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة إن شفع لم يشفع وإن استأذن لم يؤذن له» .
أيها الناس: إنه لم يطلب منكم أن تتركوا الدنيا بتاتا فإن هذا شيء لا يمكنكم وإنما يطلب منكم أن تعتدلوا في طلبها فتطلبوها باتزان واعتدال على وجه مباح لا يصدكم عن ذكر الله وطاعته، فتقوموا بطاعة الله وتسعوا في طلب رزق الله على ما أمر به الله، صدق في المعاملة وأداء للأمانة ونصح للخلق وإخلاص للخالق وبذلك تدركون الدنيا والآخرة قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]
بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم. . . إلخ.
стр. 287
[الخطبة الثالثة في التحذير من إطلاق اللسان]
الخطبة الثالثة
في التحذير من إطلاق اللسان الحمد لله الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ - مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء شهيد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أشرف العبيد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المزيد وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى واعلموا أنه ما من أحد منكم إلا وقد وكل الله به ملكين أحدهما عن اليمين والثاني عن الشمال، أحدهما مأمور بكتب الحسنات والثاني مأمور بكتب السيئات، فما تلفظون من قول ولا تعملون من عمل إلا كتب عليكم وأحصي عليكم إحصاء لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، سواء تلفظتم بذلك جهرا وسرا وسواء فعلتم الفعل خفية أو علانية فكل ذلك يكتب عليكم ويحصى ثم تنبئون بما عملتم يوم القيامة ويعطى كل إنسان كتابه فيقال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] فطوبى لعبد ملأ كتابه بالخير والأعمال الصالحات وبؤس لمن سود كتابه بالشر والأعمال السيئات.
أيها الناس: كلنا نؤمن بذلك إن شاء الله نؤمن بأن ما عملنا من قول أو فعل فإنه مكتوب محصى سواء كان صغيرا أم كبيرا، ولكن الكثير منا يعملون العمل جزافا كأنه غير مكتوب عليهم يطلقون الكلام القبيح من غير مبالاة يلعنون من لا يستحق اللعن، تجد الواحد منهم يلعن أخاه المسلم وربما لعن أخاه لأبيه وأمه وربما لعن ولده أو أمه أو أباه، وهذا غاية ما يكون من الجهل والحماقة فقد ثبت أن النبي ﷺ قال: «إن اللعانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة» وفي الحديث عنه أنه قال: «إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها ثم تأخذ يمينا وشمالا فإن لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن فإن كان أهلا وإلا رجعت إلى قائلها» وتجد الواحد من الناس يسب أخاه عند المخاصمة سبا قبيحا قد يكون متصفا به وقد يكون غير متصف به، وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «المستبان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم» يعني أن إثم المتسابين يكون على من ابتدأ السب أولا إلا أن يعتدي المظلوم. وتجد بعض الناس
стр. 288
يتكلم بأخيه بما يكره وهو غير حاضر فيسبه في غيبته وهذه هي الغيبة التي شاعت عند كثير من الناس وتهاونوا بها مع أنها من كبائر الذنوب وقد شبه الله من يغتاب الرجل بمن يأكل لحمه ميتا وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته» وفي حديث آخر: «يفضحه ولو في جوف رحله» أيها الناس: ما أكثر هؤلاء اليوم ما أكثر من يتتبعون عورات الناس ويتطلبون زلاتهم فإذا رأوا زلة من أحد فرحوا بها ونشروها وإذا رأوا استقامة ومفخرة كتموها وحملوها على غير محملها وهؤلاء هم الذين عناهم الرسول ﷺ بقوله: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم» فاتقوا الله أيها المسلمون وحاسبوا أنفسكم على ما تقولون وما تفعلون فانكم عن ذلك مسؤولون وعليه محاسبون: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ١٩] أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ - وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ - كِرَامًا كَاتِبِينَ - يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ٩ - ١٢] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
стр. 289
[الخطبة الرابعة في حديث عبد الرحمن بن سمرة في رؤيا النبي ﷺ عجبا]
الخطبة الرابعة
في حديث عبد الرحمن بن سمرة في رؤيا النبي ﷺ عجبا الحمد لله الذي يسر للسالكين إليه الطرق والأسباب وفتح لهم من خزائن الأعمال الصالحة وما يقرب إليه كل باب وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا بلا ارتياب وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي من الله به على المؤمنين يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الحكمة والكتاب صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الحساب وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس اتقوا الله تعالى واعلموا أن الله برحمته وإحسانه يسر لكم إلى الخير طرقا وأسبابا وفتح لكم إلى خزائنها أبوابا فاستبقوا الخيرات وخذوا من كل قسط منها بنصيب وافر تحمد عقباه في الحياة والممات واستمعوا إلى هذا الحديث العظيم الذي رآه النبي ﷺ في منامه ورؤيا الأنبياء حق ووحي قال عبد الرحمن بن سمرة ﵁: «خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في صفة بالمدينة فقال: (إني رأيت البارحة عجبا رأيت رجلا من أمتي أتاه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرد ملك الموت عنه ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاءه ذكر الله فطرد الشياطين عنه ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءه صلاته فاستنقذته من أيديهم ورأيت رجلا من أمتي يلهث عطشا كلما دنا من حوض منع وطرد فجاءه صيام رمضان فأسقاه وأرواه ورأيت رجلا من أمتي ورأيت النبيين جلوسا حلقا حلقا كلما دنا إلى حلقة طرد ومنع فجاءه غسله من الجنابة فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي ورأيت رجلا من أمتي من بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن يساره ظلمة ومن فوقه ظلمة ومن تحته ظلمة وهو متحير في ذلك فجاءه حجه وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النور ورأيت رجلا من أمتي يتقي وهج النار وشررها فجاءته صدقته فصارت سترا بينه وبين النار وظلا على رأسه ورأيت رجلا من أمتي يكلم المؤمنين ولا يكلمونه فجاءته صلته لرحمه فقالت يا معشر المؤمنين إنه كان وصولا لرحمه فكلموه فكلمه المؤمنون وصافحوه ورأيت رجلا من أمتي احتوشته الزبانية فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من أيديهم وأدخله في ملائكة الرحمة ورأيت رجلا
стр. 290
من أمتي جاثيا على ركبتيه وبينه وبين الله حجاب فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله على الله ورأيت رجلا من أمتي قد ذهبت صحيفته من قبل شماله فجاءه خوفه من الله فأخذ صحيفته فوضعها في يمينه ورأيت رجلا من أمتي قد خف ميزانه فجاءه افراطه فثقلوا ميزانه ورأيت رجلا من أمتي قائما على شفير جهنم فجاءه رجاؤه في الله فاستنقذه من ذلك ومضى ورأيت رجلا من أمتي قد هوى في النار فجاءته دمعته التي قد بكاها من خشية الله فاستنقذته من ذلك ورأيت رجلا من أمتي قائما على الصراط يرعد كما ترعد السعفة في ريح عاصف فجاءه حسن ظنه في الله فسكن رعدته ومضى ورأيت رجلا من أمتي يزحف على الصراط يحبو أحيانا ويتعلق أحيانا فجاءته صلاته علي فأقامته على قدميه وأنقذته ورأيت رجلا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة) » .
فهذا أيها المسلمون حديث عظيم بين فيه النبي ﷺ ما رآه في الأعمال الصالحات المنجية من العذاب فخذوا من كل واحدة منها بنصيب واعلموا أن للصدقة في أيام الحاجة وأيام الشتاء شأنا كبيرا فإن الصدقة كلما كانت أنفع للخلق وأخلص للرب كانت أفضل وأعظم أجرا فتفقدوا إخوانكم الفقراء وجودوا عليهم مما جاد الله به عليكم: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠]
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
стр. 291
[الخطبة الخامسة في نماذج من أنواع الظلم]
الخطبة الخامسة
في نماذج من أنواع الظلم الحمد لله الذي حرم على عباده الظلم والطغيان وأوعد الظالمين بالعقوبة والخسران وجعل دعوة المظلوم مستجابة لإقامة العدل والميزان وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي حرم الظلم على نفسه فأفعاله وأحكامه دائرة بين العدل والإحسان وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى من بني عدنان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد، أيها المؤمنون: اتقوا الله تعالى وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يكذبه ولا يحقره بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه أيها المؤمنون كونوا إخوانا كما جعلكم الله إخوانا لا يظلم بعضكم بعضا ولا يحدث أحدكم الآخر حديثا وهو فيه كاذب ولا يحقرن أحدكم صغيرا ولا كبيرا ليس لأحد على أحد فضل إلا بالتقوى فمن كان لله أتقى فهو عند الله أفضل وأكرم وأولى.
لا يظلم بعضكم بعضا لا في المال ولا في العرض ولا في الدم ألا وإن من الظلم أن تأخذ مال أخيك بغير حق ومن الظلم أن تبيع على بيع أخيك المسلم مثل أن تقول لمن اشترى سلعة بثمن أنا أعطيك مثلها بأقل منه أو أعطيك أطيب منها بثمنها ومن الظلم أن تسوم على سوم أخيك مثل أن يسوم شخص من إنسان سلعة فيركن صاحبها إليه ويرضى بسومه فتزيد عليه وأما بيع المزاد العلني الذي في الأسواق فلا بأس به ومن الظلم أن تستأجر على إجارة أخيك مثل أن يكون في دار أو دكان وقد رضي صاحبه بالأجرة فتنغص عليه وتزيد في الأجرة وأما إذا كان صاحب الدار أو الدكان هو الذي يطلب الزيادة فلا بأس بالزيادة ومن الظلم أن يحل لك طلب على فقير معسر فتجبره على أن يتدين ويوفيك أو تتحيل على قلب الدين عليه فإن الله يقول: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] أي فيجب انظاره حتى يوسر الله عليه ومن الظلم أن تقرض إنسانا دراهم ثم تشترط عليه زيادة في وفائها أو تشترط عليه نفعا تنتفع به ما دامت الدراهم في ذمته مثل أن تقول: أريد أن أقرضك ألفا على أن أسكن بيتك حتى توفيني أو تعمل هذا العمل حتى قال العلماء ﵏: لو أهدى له المستقرض هدية ما جرت بها العادة فإنه لايجوز له أن يقبلها إلا أن ينوي المقرض مكافأته عليها أو يسقط ما
стр. 292
يقابلها من دينه.
ألا وإن الغيبة والنميمة من الظلم فأما الغيبة فهي ذكرك أخاك بما يكره سواء كان فيه ما تقول أو لم يكن فمن اغتاب أحدا فعليه أن يستغفر الله ويتوب إليه وأن لا يعود إلى الغيبة ثم إن كان صاحبه قد علم فعليه أن يستحله وإن كان لم يعلم فعليه أن يثني عليه بما فيه من الخصال الحميدة في مقابلة غيبته إياه وأما النميمة فهي أن تنقل كلام الناس من بعضهم في بعض لتفسد بينهم مثل أن تقول فلان يقول فيك كذا وكذا تحرش بينهما فإن هذا لا يحل ولا يجوز وهو سبب للعقوبة في الدنيا والعذاب في الآخرة وليحذر الإنسان من النمام فإن من نقل كلام الناس فيك إليك فإنه سينقل كلامك في الناس إليهم «وقد مر النبي ﷺ بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) » أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١١ - ١٢] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
стр. 293
[الخطبة السادسة في أن ترقي علوم الصناعة من تعليم الله]
الخطبة السادسة
في أن ترقي علوم الصناعة من تعليم الله الحمد لله الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الغني الأكرم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلى العرب والعجم -صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه- ومن تمسك بهديهم الأقوم وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى واعلموا أن الله بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وإنه ما من شيء يحدث في السماوات والأرض إلا وهو عالم به سبحانه مقدر له قبل خلق السماوات والأرض ولقد أبدع الله الكون وأتقنه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] وكرم الله بني آدم وحملهم في البر والبحر ورزقهم من الطيبات وسخر لهم الليل والنهار والشمس والقمر بل سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه.
أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا ورباهم بالإدراك والعقل فجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة وفتح لهم مدارك العلوم فبحثوا فيما سخر الله لهم من ذلك فاستخرجوا منه الأمور الغريبة ما بين ضروري وكمالي ونافع وضار وكل ما أوتوا من علم أو قدرة فإنما هو من الله تعالى لو شاء لسلبهم العلم فكانوا جهالا ولو شاء لسلبهم القدرة فكانوا عاجزين ولكنه تعالى من عليهم بالعلم والقدرة على وجه محدود فمهما أوتوا من علم أو قدرة فإنه يسير ويسير جدا بالنسبة إلى علم الله وقدرته: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] ولقد كان من الأمور التي علم الله عباده وأقدرهم عليها علم الصناعة الذي بلغ في عصرنا مبلغا كبيرا لا يتصوره أحد من قبل. هذه المراكب البحرية التي تمخر عباب البحر بكل قوة وأمان حاملة ما شاء الله تعالى من نفوس وأموال تقطع المسافات الطويلة في أمن وطمأنينة إنما حصلت هذه المراكب بما فتح الله على صانعيها من إدراك وفهم وبما يسر الله لهم من المواد التي تركبت منها هذه المراكب وسارت بها.
وهذه المراكب الجوية التي تجوب الفضاء من المشرق إلى المغرب على متن الهواء حاملة ما شاء الله من نفوس وأموال تقطع المسافات البعيدة بتلك السرعة الهائلة والارتفاع الشاهق هي من صنع الإنسان بلا شك ولكنها من العلم الذي من الله به عليه والأمور التي سخرها له ولو شاء الله تعالى ما فعلوه ومن الذي يتصور قبل ما حدث وشاهدناه بأعيننا أن هذه الطائرات الضخمة التي تحمل
стр. 294
الفئام من الناس ستعلو فوق السحاب؟ ما كان واحد يتصور ذلك قبل حدوثه وكل ما حدث من المصنوعات التي يطيقها البشر فإنها لا تخرج عن علم الله وقدرته فعلينا أن نعتبر بها على كمال الله علما وقدرة ورحمة وأنه ما من كمال في المخلوق في علم أو قدرة أو غيرهما إلا وهو ناقص جدا بالنسبة ما لله من ذلك وعلينا أن لا نفتن بذلك ونعظم صانعي هذه الأمور بأكثر مما يستحقونه وعلينا أن نترقب نتيجة ما حدث من تلك الصنائع هل تكون خيرا للبشرية فتكون نعمة أو تكون شرا للبشرية فتكون نقمة.
كما أن علينا أن نعلم علما يقينا بأن القرآن والسنة الصحيحة كلاهما من عند الله وأن ما كان من عند الله فهو حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فلا يمكن أن يحدث شيء من المحسوس أو أن يعلم شيء من المعقول يخالف ما جاء به الكتاب والسنة أبدا. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] وقال الله تعالى على لسان إبراهيم: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 295
[الخطبة السابعة في حكم استماع آلات اللهو]
الخطبة السابعة
في حكم استماع آلات اللهو الحمد لله الذي خلق الخلق ليعبدوه وأدر عليهم النعم والأرزاق ليشكروه وأمرهم بحماية أعمارهم وحفظ أوقاتهم أن يضيعوها سدى ليستفيدوا من حياتهم ويفوزوا بالربح والفلاح حين يلاقوه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحكمة في خلقه وشرعه وله الحكم المطلق بين خلقه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل النبيين وإمام المتقين وسيد أولي العزم من المرسلين الذي بعثه الله رحمة للعالمين وقدوة للعاملين وحجة على العباد أجمعين فبين للعباد طرق سيرهم إلى الله ونظم لهم شؤونهم وأعمالهم في هذه الدنيا وبعد الممات صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد، أيها الناس: اتقوا الله تعالى واعلموا أنكم لم تخلقوا عبثا ولن تتركوا سدى وإنما خلقتم لأمر عظيم وهيئتم للقيام بعمل جليل جسيم خلقتم لعبادة الله والامتثال لأوامره والانزجار عن نواهيه لقد أمركم الله تعالى بكل ما يقوم هذه العبادة ونهاكم عن كل ما يصدكم عن ذكر الله وعن طريق السعادة ألا وإن في مجتمعكم مشكلة تصد عن ذكر الله وتوجب للعبد الغفلة عن طاعة الله لا أقول إنها مشكلة علمية لأن الكثير يعرف حكمها ولكن المشكلة فيها هو العمل والتنفيذ ألا أنبئكم ما هي المشكلة؟ هي مشكلة الإصرار على اللهو من الاستماع إلى آلات الطرب والغناء المحرم التي أصبح كثير من الناس عاكفا عليها حتى أشغلته عن كثير مما يهمه ويعنيه في دينه ودنياه فكان في ذلك ضياع للوقت ونفاد للمال وإصرار على المعصية وتعلق القلب بغير الله ولا أدري أيها الإخوان ما شأن المصرين عليها هل هم في شك في تحريمها أم عندهم ضعف في إيمانهم وعزيمتهم أم هم رأوا الأسباب المقتضية لها فظنوا أنه لا بأس بها وصدق قول القائل مع كثرة الإمساس نقل الإحساس فمن كان في شك في تحريمها فليستمع إلى بعض النصوص الواردة فيها فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦] أكثر المفسرين على أن المراد بذلك اللهو الغناء قال ابن مسعود ﵁: والله الذي لا إله غيره إن ذلك هو الغناء وكررها ثلاث مرات وتفسير الصحابة حجة لأنهم أعلم الناس بالقرآن لفظا ومعنى حتى قال بعض العلماء أنه في حكم المرفوع وفي صحيح
стр. 296
البخاري عن النبي ﷺ أنه قال «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف» والمعازف هي آلات اللهو فذمهم النبي ﷺ على استحلالها وقرن ذلك باستحلال الحر وهي الفروج يعني استحلال الزنا وباستحلال الحرير والخمر وردت أحاديث أخرى كثيرة في السنن والمسند تدل على التحريم والوعيد لمن استحل ذلك أو أصر عليه ولولا خوف الإطالة لذكرناها مع أن المؤمن يكفيه دليل واحد صحيح عن النبي ﷺ : قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] قال ابن القيم ﵀: حكى أبو عمرو بن الصلاح الإجماع من أهل العلم على تحريم السماع الذي جمع الدف والشبابة وهما آلتان من آلات اللهو فيا من شك في تحريمه هذه أدلة التحريم ويا من عرف الحق وضعفت عزيمته حتى اجترفته التيارات ارجع إلى نفسك فحاسبها واقنعها بالرجوع عن الإصرار عليه واستعن بالله على ذلك واعلم أن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه وأن من أصر على المعصية مع علمه بها فلا عذر له ويوشك أن يزيغ قلبه ويطبع عليه فيلتبس عليه الحق ويخسر دينه ودنياه ولا تغتر أيها العاقل المؤمن بعمل الناس ولكن اعرض أعمالهم على كتاب ربك وسنة نبيك ﷺ فإن وجدت فيهما تحريم ذلك فاجتنبه فإن الحساب غدا على ما في الكتاب والسنة لا على عمل الناس.
ولا تطلق لنفسك العنان في الترفيه فتقع في المحظور والحرام فإن الترفيه نوعان نوع مباح بريء من الإثم لا يمنع الإنسان منه وهو ما أحله الله ورسوله من المتنزهات والنظر في جمال المخلوقات من الأنهار والأشجار والجبال ونحوها ومن المسابقة على الأقدام وغيرها والسباحة ونحوها مما هو حلال نافع في الدين وفي الدنيا فهذا لا بأس والنوع الثاني ترفيه بريء من الأجر مليء من الوزر فهذا يمنع الإنسان منه ومنعه منه عين المصلحة ألا ترى الطبيب يمنع المريض من الطعام الذي يشتهيه حيث يضره لوقايته من الضرر وجلب ما ينفعه وذلك مثل الترفيه بما حرم الله فهذا ممنوع منه لما فيه من الإثم والفساد.
وفقني الله وإياكم لفعل مراضيه وجنبنا أسباب سخطه ومعاصيه وأرانا الحق حقا ورزقنا اتباعه وأررانا الباطل باطلا ورزقنا اجتنابه إنه جواد كريم رؤوف رحيم.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
стр. 297
[الخطبة الثامنة في بيان الحكمة في تفاوت الناس في الرزق]
الخطبة الثامنة
في بيان الحكمة في تفاوت الناس في الرزق الحمد لله الواحد القهار الحكيم في خلقه وشرعه ففي خلقه وفي شرعه غاية الحكم والأسرار قسم الرزق بين عباده ما بين غنى واقتار لتقوم مصالح العباد في المعاش والمعاد وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الغني الكريم الجواد وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد المرسل وخلاصة العباد وأبلغ الناس في الزهد والورع والشكر والصبر على أحكام الملك الجبار صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان آناء الليل والنهار وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس اتقوا الله تعالى واعلموا أن الله له الحكمة البالغة في الخلق والتقدير والتضييق على عباده والتيسير وله الحكمة البالغة في الحكم والتشريع فأحكام شريعته كلها عدل ورحمة وحكمة مصلحة للعباد في دنياهم وأخراهم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] فله الحمد في منعه وعطائه وعلى العباد إذا وسع عليهم أرزاقهم أن يشكروه ويقوموا بما يجب عليهم في هذه الأرزاق وعلى العباد إذا قدرت عليهم أرزاقهم أن يصبروا على تقدير الواحد الخلاق فهم أعلم بمصالحهم وهو أرحم بهم من أمهاتهم لقد قسم العليم الحكيم الرزق على عباده فمنهم من بسط له في رزقه ومنهم من قدر عليه رزقه وذلك لحكم عظيمة باهرة قسم الله الرزق على عباده ليعرفوا بذلك أنه المدبر لجميع الأمور وأن بيده مقاليد السماوات والأرض فهذا يوسع عليه والآخر يضيق عليه ولا راد لقضائه وقدره: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الشورى: ١٢] بسط العليم الحكيم الرزق لبعض العباد وضيقه على بعضهم ليعتبروا بهذا التفاوت في الدنيا تفاوت ما بينهم في درجات الآخرة فكما أن الناس في هذه الدنيا متفاوتون فمنهم من يسكن القصور المشيدة العالية ويركب المراكب الفخمة الغالية ويتقلب في ماله وأهله وبنيه في سرور وحبور ومنهم من لا مأوى له ولا أهل ولا مال ولا بنون ومنهم ما بين ذلك على درجات مختلفة فإن التفاوت في درجات الآخرة أعظم وأكبر وأجل وأبقى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١] فإذا كانت الآخرة أكبر الدرجات وأكبر تفضيلا فإنه ينبغي أن نتسابق إلى درجاتها العالية وحياتها الباقية ذلك خير وأحسن تأويلا قسم الله الرزق بين عباده.
стр. 298
ليعرف الغني قدر نعمة الله عليه بالإيسار فيشكره عليها ويلتحق بالشاكرين ويعرف الفقير ما ابتلاه الله به من الفقر فيصبر عليه وينال درجة الصابرين ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] وهو مع ذلك لا يزال يسأل ربه الميسرة وينتظر الفرج من رب العالمين قسم الله الرزق بين عباده لتقوم مصالحهم الدينية والدنيوية فلو بسط الرزق لجميع العباد لبغوا في الأرض بالكفر والطغيان والفساد ولو ضيق الرزق على جميعهم لاختل نظامهم وتهاوت من معيشتهم الأركان لو كان الناس في الرزق على درجة واحدة لم يتخذ بعضهم بعضا سخريا لم يعمل أحدهم للآخر صنعة ولم يحترف له بحرفة لأن الكل في درجة واحدة فليس أحدهم أولى بهذا من الآخر أين الرحمة والعطف من الغني للفقير إذا قدرنا أن الناس كلهم في درجة واحدة أين الموقع العظيم الذي يحصل بصلة الأقارب بالمال إذا كان الكل في درجة واحدة إن هذا وأضعافه من المصالح يفقد لو تساوى الناس في الأرزاق ولكن الحكيم العليم قسم بينهم أرزاقهم وأمر الأغنياء بالشكر والإنفاق وأمر الفقراء بالصبر وانتظار الفرج من الكريم الرزاق فعلينا معشر المسلمين أن نرضى به ربا فنرضى بقسمه واقداره وأن نرضى به حكما فنؤمن بحكمه وأسراره أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٦٢] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
стр. 299
[الخطبة التاسعة في أن تطبيق الإسلام هو الكفيل للأمة بالنصر]
الخطبة التاسعة
في أن تطبيق الإسلام
هو الكفيل للأمة بالنصر الحمد لله الذي وعد المؤمنين بالنصر والتأييد ودافع عن الذين آمنوا كيد كل كفار عنيد وأشهد أن لا إله إلا الله الولي الحميد وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي جاهد في الله حق جهاده لإعلاء التوحيد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين انتصروا بالدين وانتصر بهم الدين حتى علا على كل دين وسلم تسليما.
أما بعد أيها المؤمنون: اتقوا الله تعالى وحققوا الإيمان بالله قولا وعملا واعتقادا فإنه لا عزة ولا كرامة ولا انتصار إلا بالقيام بالدين وتحكيم الكتاب والسنة وتقديمهما على جميع النظم والقوانين فإنه لا نظام أقوى من نظام الإسلام ولا حكم أحسن من حكمه لأنه حكم الرب العليم الحكيم الرحمن الرحيم لا أحسن من تطبيق الإسلام في الأمور السياسية والأمور الاقتصادية والأحوال الاجتماعية والحقوق الشخصية والحدود الجنائية فتطبيقه صلاح العالم في جميع الأحوال ولما كانت الأمة الإسلامية متمسكة بدينها خاضعة لأحكامه مقتنعة بتعاليمه وأهدافه مطبقة لشرائعه في جميع الميادين كانت منصورة بنصر الله المبين فقهرت أعظم دول العالم في ذلك الحين واستولى الرعب على قلوب الأعداء المخالفين ثم لما تفرقت بها الأهواء وتشتت منها الأهداف والآراء ارتفعت الهيبة من أعدائهم فسلطوا عليهم من كل جانب سلطوا عليهم بحرب السلاح والإبادة وسلطوا بتغيير النظم وإفساد الثقافة أما حرب السلاح والإبادة فهناك الحروب الصليبية وما قبلها وما بعدها إلى يومنا هذا وأما تسلط أعدائنا بتغيير النظم والقوانين فإنهم حاولوا وما زالوا يحاولون أن يسير المسلمون في فلكهم في قوانينهم وتشريعاتهم التي بنوها على عقولهم القاصرة وآرائهم الفاسدة فإن كل رأي خالف الكتاب والسنة فإنه رأي فاسد لا خير فيه وإن قدر أن فيه خيرا فإن ضرره وشره فوق خيره أضعافا مضاعفة إن الأعداء غزونا بقوانينهم يريدون منا أن ندع أحكام الكتاب والسنة التي صدرت من الرب العليم بمصالح العباد الحكيم في شرعه فلم يشرع إلا ما فيه الخير والرشد والعدل والسداد.
الرحيم بخلقه فلم يشرع لهم إلا ما فيه مصلحتهم في الحال والمآل ولم ينههم إلا عما فيه مضرتهم في الحال والمآل إن أعداءنا إذا نجحوا من هذه الناحية فقد حازوا نصرا مبينا
стр. 300
وذلك من وجهين: الأول أننا نصير عالة عليهم وتابعين لهم نتشبع بآرائهم ونتروى بأفكارهم.
الثاني: أننا بذلك نترك تطبيق أحكام ديننا التي لا انتصار لنا عليهم إلا بتطبيقها والتزامها ظاهرا وباطنا وأما إفساد الثقافة فإنهم أدخلوا على الثقافة الإسلامية ما يبعدها عن أهدافها وأغراضها حتى أصبحت جافة هزيلة لا ترى فيها حياة الدين ودسومته وبذلك استولى الضعف على المسلمين وتداعت عليهم الأمم وصاروا غثاء كغثاء السيل يجري بهم التيار قهرا لا يملكون تقدما ولا تأخرا لو هبت الريح لمزقتهم ولو استقبلهم أصغر العيدان لفرقهم ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها فلو أن المسلمين تدبروا كتاب ربهم وسنة نبيهم وعملوا بما فيهما وطبقوا ذلك على الأفراد والجماعات في جميع العبادات والمعاملات لفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض ولنصرهم وألقى في قلوب أعدائهم الرعب فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ - الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . إلخ.
стр. 301
[خطبة استسقاء]
خطبة استسقاء الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين والحمد لله مغيث المستغيثين ومجيب المضطرين ومسبغ النعمة على العباد أجمعين لا إله إلا الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا إله إلا الله الولي الحميد لا إله إلا الله الواسع المجيد لا إله إلا الله الذي عم بفضله وإحسانه جميع العبيد وشمل بحلمه ورحمته ورزقه القريب والبعيد فـ: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: ٦] ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل النبيين المؤيد بالآيات البينات والحجج الواضحات والبراهين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تمسك بهديهم إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد، أيها الناس: اتقوا الله تعالى واعرفوا نعمته عليكم بهذا الماء الذي يسره الله لكم فأنزله من السماء ثم سلكه ينابيع في الأرض وخزنه فيها لتستخرجوه عند الحاجة إليه ولو بقي على وجه الأرض لفسد وأفسد الهواء ولكن الله بحكمته ورحمته خزنه لكم: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢] فاحمدوا الله أيها المسلمون على هذه النعمة واعرفوا قدر ضرورتكم إلى الماء الذي هو مادة حياتكم وحياة بهائمكم وأشجاركم وزروعكم وإنه لا غنى لكم عن رحمة الله إياكم به طرفة عين ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]
أيها المسلمون: إنكم لتعلمون ما يحصل من الضرر بتأخر هذا الماء أو نقصانه في الزروع والثمار والبهائم ولقد شاهدتم ما حصل من نزول المياه الجوفية الذي لعله يكون من أسبابه قلة الأمطار فأنتم أيها المسلمون مضطرون إلى المطر غاية الضرورة ولا يستطيع أحد أن ينزل المطر إلا الله تعالى الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء فهو غياث المستغيثين وجابر المنكسرين وراحم المستضعفين وهو على كل شيء قدير وبكل شيء عليم يعطي لحكمة ويمنع لحكمة وهو اللطيف الخبير.
أيها المسلمون: إذا علمتم أنكم مضطرون إلى رحمة ربكم وغيثه غاية الضرورة وأنه لا يكشف ضركم ولا يغيث شدتكم إلا الرحمن الرحيم الجواد الكريم.
стр. 302
أيها المسلمون: إذا علمتم أن الدعاء مخ العبادة وأن الله حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا وأن من دعا الله بإخلاص وصدق فلن يخيب فإما أن يعطى مطلوبه أو يدخر له ما هو أكثر منه وأعظم أو يدفع عنه من السوء ما هو أشد وأكبر إذا علمتم أيها المسلمون ذلك كله فارفعوا قلوبكم وأيديكم إلى ربكم مستغيثين به راجين لفضله آملين لكرمه وقدموا بين يدي ذلك توبة نصوحا واستغفارا من الذنوب.
اللهم إنا نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم نسألك أن تغيث قلوبنا وتحييها بذكرك وتصلح باطننا بالإخلاص والمحبة لك وظاهرنا بالاتباع التام لرسولك ﷺ والانقياد الكامل لشريعته حتى لا نجد في أنفسنا حرجا مما قضى ونسلم تسليما.
اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدارا اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع واسقنا من بركات السماء وأخرج لنا من بركات الأرض اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين اللهم سقيا رحمة لا سقيا بلاء ولا عذاب ولا هدم ولا غرق.
أيها الإخوان: اقتدوا بنبيكم ﷺ بقلب العباء فإن النبي ﷺ كان يقلب رداءه تفاؤلا على ربكم أن يقلب حالكم إلى الرخاء وإشعارا بالتزامكم تغيير لباسكم الباطن بلزوم التقوى بدلا من التلوث بلباس المعاصي والردى.
ثم يستقبل القبلة فيقلب رداءه ويدعو.
ثم يدعو الناس إلى التوبة وبيان أن ما أصابهم فإنما هو بذنوبهم وأنه ينبغي التوبة والإلحاح كل وقت ثم ينصرف.
стр. 303
[خطبة ثانية في الاستسقاء]
خطبة ثانية في الاستسقاء الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين والحمد لله مغيث المستغيثين ومجيب دعوة المضطرين وكاشف الكرب عن المكروبين ومسبغ النعمة على العباد أجمعين لا إله إلا الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
وربك يخلق ما يشاء ويختار وهو الولي الحميد فسبحانه من إله كريم شمل بكرمه ورزقه وإحسانه القريب والبعيد فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها وربك على كل شيء حفيظ ولكنه يعطي لحكمة ويمنع لحكمة إن ربي على صراط مستقيم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أرجو بها النجاة يوم الوعيد وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل الرسل وخلاصة العبيد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم في هديهم الرشيد وسلم تسليما.
عباد الله: قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤] وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨] وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ - أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٦٩]
عباد الله: أنزل الله تعالى غيثين لعباده أحدهما أهم من الآخر والناس يحتاجون إليه أشد من الآخر أما الغيث الأول فهو غيث القلوب بما أنزل الله من الوحي على رسله وهذا الغيث مادة حياة القلوب وسعادة الدنيا والآخرة وبه يستجلب الغيث الثاني وهو غيث الأرض بما ينزله الله من المطر ولقد خرجتم تستغيثون ربكم لهذا الغيث وإنه لجدير بنا أن نهتم بالغيث الأول قبل الثاني لأن به سعادة الدنيا والآخرة وحصول الغيث الثاني قال الله : ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] وقال تعالى على لسان نوح ﷺ : ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا - يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١١] إلى قوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٢] وقال تعالى عن هود ﵊ أنه قال لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]
أيها المسلمون: يجب علينا أن نتفقد قلوبنا هل رويت من هذا الغيث أم هي ظامئة يجب علينا أن ننظر في صحائفنا هل هي ربيع بهذا الوحي أم مجدبة منه يجب علينا أن نصلح ما فسد وأن نطهر قلوبنا من الغل والحقد والحسد يجب
стр. 304
علينا أداء الصلاة وإيتاء الزكاة والقيام بإصلاح الأهل وإصلاح المجتمعات يجب علينا أن نتوب إلى الله من جميع الذنوب وأن نحسن الظن بالله عندما نتوب فإن الله سبحانه يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] فارفعوا أيديكم واتجهوا بقلوبكم إلى ربكم داعين مؤملين منه الفرج وإزالة الشدة اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا اللهم وفقنا للتوبة النصوح التي تمحو بها ما سلف من ذنوبنا وتصلح بها أحوالنا وقلوبنا اللهم تب علينا إنك أنت التواب الرحيم واكشف الضر عن المستضرين وأسبغ النعم على المؤمنين.
اللهم اسقنا الغيث والرحمة ولا تجعلنا من القانطين اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا غيثا مغيثا هنيئا مريئا غدقا واسعا شاملا لجميع أراضي المسلمين اللهم أغثنا غيثا مباركا تحيي به البلاد وترحم به العباد وتجعله بلاغا للحاضر والباد.
اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق اللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع وأنزل علينا من بركات السماء وأخرج لنا من بركات الأرض اللهم وسع أرزاقنا ويسر أقواتنا واجعل ما رزقتنا قوة لنا على طاعتك ومتاعا إلى حين اللهم إنا عبيدك مضطرون إلى رحمتك خائفون من عذابك فارحمنا برحمتك ونجنا من عذابك ولا تؤاخذنا بما فعلنا فإنك أهل العفو والإحسان اللهم تقبل منا دعواتنا بمنك وكرمك وصل اللهم على عبدك ورسولك محمد.
عباد الله: اقتدوا بنبيكم محمد ﷺ في قلب العباء فإن ذلك سنة وفيه تفاؤل بقلب الأحوال إلى حال أخرى وعنوان على التزامكم بقلب اللباس الباطن إلى لباس آخر ولباس التقوى ذلك خير.
ثم يستقبل القبلة فيقلب رداءه ويدعو ثم يتجه ويعظ الناس قليلا وينصرف.
стр. 305
[القسم العاشر في خطب لشهور معينة]
[الخطبة الأولى في شهر محرم ومبدأ التاريخ الإسلامي]
القسم العاشر
في خطب لشهور معينة الخطبة الأولى
في شهر محرم ومبدأ التاريخ الإسلامي الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا وأتقن ما شرعه وصنعه حكمة وتدبيرا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وكان الله على كل شيء قديرا وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله إلى الخلق بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد، أيها الناس: اتقوا ربكم واعلموا ما لله من الحكمة البالغة في تعاقب الشهور والأعوام وتوالي الليالي والأيام فإن الله جعل الليل والنهار خزائن للأعمال ومراحل للآجال يعمرها الناس بما يعملون من خير وشر حتى ينتهي إلى آخر أجلهم ومن رحمته بعباده أن جعل لهم ليلا ونهارا وجعل لكل منهما آيتين آية النهار وهي الشمس وآية الليل وهي القمر جعل الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا ليبتغوا فيه فضلا من الله ويطلبوا فيه معايشهم وجعل كل نهار يتجدد بمنزلة الحياة الجديدة يستجد فيه العبد قوته ويستقبل عمله ولذلك سمى الله النوم بالليل وفاة واليقظة بالنهار بعثا فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٦٠] ومن رحمته بعباده أن جعل الشمس والقمر حسبانا ففي الشمس معرفة الفصول وفي القمر حسبان الشهور وجعل الله السنة اثني عشر شهرا قال الله تعالى ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]
والأربعة الحرم ثلاثة منها متوالية وهي ذو القعدة الفطر التالي وذو الحجة والمحرم والرابع منها مفرد وهو رجب بين جمادى وشعبان وإن من تيسير الله تعالى أن جعل الحساب الشرعي العربي مبنيا على الشهور الهلالية لأن لها علامة حسية يفهمها الخاص والعام وهي رؤية الهلال في المغرب بعد غروب الشمس فمتى رئي الهلال فقد دخل الشهر المستقبل وانتهى الشهر الماضي وبذلك عرفنا أن ابتداء التوقيت اليومي من غروب الشمس لا من زوالها لأن أول الشهر يدخل بغروب الشمس وأول الشهر هو أول الوقت.
ولقد كان ابتداء التاريخ الإسلامي منذ عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب
стр. 306
-﵁ حيث جمع الناس ست عشرة أو سبع عشرة من الهجرة فاستشارهم من أين يبدأ التاريخ فقال بعضهم يبدأ من مولد النبي ﷺ وقال بعضهم يبدأ من بعثته وقال بعضهم يبدأ من هجرته وقال بعضهم يبدأ من وفاته ولكنه ﵁ رجح أن يبدأ من الهجرة لأن الله فرق بها بين الحق والباطل فجعلوا مبتدأ تاريخ السنين في الإسلام سنة الهجرة لأنها هي السنة التي كان فيها قيام كيان مستقل للمسلمين وفيها تكوين أول بلد إسلامي يسيطر عليه المسلمون فاتفق فيه ابتداء الزمن والمكان ثم إن الصحابة الذين جمعهم عمر تشاوروا من أي شهر يبدؤون السنة فقال بعضهم من ربيع الأول لأنه الشهر الذي قدم فيه النبي ﷺ مهاجرا إلى المدينة وقال بعضهم من رمضان لأنه الشهر الذي نزل فيه القرآن واتفق رأي عمر وعثمان وعلي ﵃ على ترجيح البداءة بالمحرم لأنه شهر حرام ويلي ذي الحجة الذي فيه أداء الناس حجهم الذي به تمام أركان الإسلام لأن الحج آخر ما فرض من الأركان الخمسة ثم إنه يلي الشهر الذي بايع فيه النبي ﷺ الأنصار على الهجرة وتلك المبايعة من مقدمات الهجرة فكان أولى الشهور بالأولية شهر المحرم.
عباد الله: إن علينا أن نشكر الله على ما يسره لنا من هذا الحساب البسيط الميسر وإن على الأمة الإسلامية أن تجعل لنفسها وجودا وكيانا مستقلين مستمدين من روح الدين الإسلامي وأن تكون متميزة عن غيرها في كل ما ينبغي أن تتميز به من الأخلاق والآداب والمعاملات لتبقى أمة بارزة مرموقة لا تابعة لغيرها هاوية في تقليد من سواها تقليدا أعمى لا يجر إليها نفعا ولا يدفع عنها ضررا وإنما يظهرها بمظهر الضعف والتبعية وينسيها ما كان عليه أسلافها ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها فالتاريخ اليومي يبدأ من غروب الشمس والشهري يبدأ من الهلال والسنوي يبدأ من الهجرة هذا ما جرى عليه المسلمون وعملوا به واعتبره الفقهاء في كتبهم في حلول آجال الديون وغيرها.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ - وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ - وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ - لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٧ - ٤٠] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . إلخ.
стр. 307
[الخطبة الثانية في قصة موسى مع فرعون]
الخطبة الثانية
في قصة موسى مع فرعون الحمد لله العلي الكبير المتفرد بالخلق والتقدير والتدبير الذي أعز أولياءه بنصره وأذل أعداءه بخذله فنعم المولى ونعم النصير وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم المآب والمصير وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس اتقوا الله تعالى واذكروا أيام الله لعلكم تتذكرون واذكروا أيام الله بنصر أوليائه لعلكم تشكرون واذكروا أيام الله بخذلان أعدائه لعلكم تتقون واذكروا أيام الله إذا نزل للقضاء بين عباده فقضى بينهم بفضله وعدله لعلكم توقنون إن نصر الله لأوليائه في كل زمان ومكان وأمة هو نصر للحق وذلة للباطل وأخذ للمتكبر ونعمة على المؤمنين إلى قيام الساعة لقد أرسل الله موسى -صلى الله وسلم عليه وعلى نبينا وإخوانهما من النبيين والمرسلين أرسله إلى فرعون بالآيات البينات ودعاه إلى توحيد رب الأرض والسماوات فقال فرعون منكرا وجاحدا: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] فأنكر الرب العظيم الذي قامت بأمره الأرض والسماوات وكان له آية في كل شيء من المخلوقات فأجابه موسى: هو ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٤] ففي السماوات والأرض وما بينهما من الآيات ما يوجب الإيقان للموقنين فقال فرعون لمن حوله ساخرا ومستهزئا بموسى ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٥] فذكره موسى بأصله وأنه مخلوق من العدم وصائر إلى العدم كما عدم آباؤه الأولون فقال موسى: هو ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦] وحينئذ بهت فرعون فادعى دعوى المكابر المغبون فقال ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] فطعن بالرسول والمرسل فرد عليه موسى ذلك وبين له أن الجنون إنما هو إنكار الخالق العظيم فقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨] فلما عجز فرعون عن رد الحق لجأ إلى ما لجأ إليه العاجزون المتكبرون من الارهاب فتوعد موسى بالاعتقال والسجن وخاب فقال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] ولم يقل لأسجننك ليزيد في إرهاب موسى وإن لدى فرعون من القوة والسلطان والنفوذ ما مكنه من سجن الناس الذين سيكون موسى من جملتهم على حد تهديده وإرهابه وما زال موسى يأتي بالآيات كالشمس
стр. 308
وفرعون يحاول بكل مجهوداته ودعاياته أن يقضي عليها بالرد والطمس حتى قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ - أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ - فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ - فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ - فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ - فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥١ - ٥٦] وكان من قصة إغراقهم أن الله أوحى إلى موسى أن يسري بقومه ليلا من مصر فاهتم لذلك فرعون اهتماما عظيما فأرسل في جميع مدائن مصر أن يحشر الناس للوصول إليه لأمر يريده الله فجمع فرعون قومه وخرج في إثر موسى متجهين إلى جهة البحر الأحمر: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] البحر من أمامنا فإن خضناه غرقنا وفرعون وقومه خلفنا فإن وقفنا أدركنا فقال موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] فلما بلغ البحر أمره الله أن يضربه بعصاه فضربه فانفلق البحر اثنى عشر طريقا وصار الماء السيال بين هذه الطرق كأطواد الجبال فلما تكامل موسى وقومه خارجين وتكامل فرعون بجنوده داخلين أمر الله البحر أن يعود إلى حاله فانطبق على فرعون وجنوده فكانوا من المغرقين فانظروا -رحمكم الله- إلى ما في هذه القصة من العبر والآيات كيف كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفا من موسى فتربى موسى في بيته تحت حجر امرأته وكيف قابل موسى هذا الجبار العنيد مصرحا معلنا بالحق هاتفا به ألا إن ربكم هو الله رب العالمين فأنجاه الله منه وكيف كان الماء السيال شيئا جامدا كالجبال بقدرة الله وكان الطريق يبسا لا وحل فيه في الحال وكيف أهلك الله هذا الجبار العنيد بمثل ما كان يفتخر به فقد كان يفتخر بالأنهار التي تجري من تحته فأهلك بالماء ولا شك أن ظهور آيات الله في مخلوقاته نعمة كبرى يستحق عليها الحمد والشكر خصوصا إذا كانت في نصر أولياء الله وحزبه ودحر أعداء الله وحزبه ولذلك لما قدم النبي ﷺ المدينة وجد اليهود يصومون اليوم العاشر من هذا الشهر شهر المحرم ويقولون إنه يوم نجى الله فيه موسى وقومه وأهلك فرعون وقومه فصامه موسى شكرا فقال النبي ﷺ : «فنحن أحق بموسى منكم فصامه وأمر الناس بصيامه» وسئل النبي ﷺ عن صيامه فقال: «احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» فينيغي للمسلم أن يصوم يوم عاشوراء وكذلك اليوم التاسع لتحصل بذلك مخالفة اليهود التي أمر الرسول ﷺ بها أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم. . الخ.
стр. 309
[الخطبة الثالثة في شوال]
الخطبة الثالثة
في شوال الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ووفق من شاء من عباده لعمارتها بالطاعات المتنوعة ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم وأولئك كان سعيهم مشكورا وخذل من أعرض عن ذكره واتبع هواه وأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وكان الله على كل شيء قديرا وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعهم وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد أيها الناس: فقد كنتم ترتقبون مجيء شهر رمضان ولقد جاء شهر رمضان وخلفتموه وراء ظهوركم وهكذا كل مستقبل سوف ينتهي إليه العبد ويصل إليه ويخلفه وراءه حتى الموت أيها الناس ولقد أودعتم شهر رمضان ما شاء الله تعالى أن تودعوه من الأعمال فمن كان منكم محسنا فليبشر بالقبول فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ومن كان منكم مسيئا فليتب إلى الله فالعذر قبل الموت مقبول والله يحب التوابين.
أيها الناس: لئن انقضى شهر الصيام فإن زمن العمل لا ينقضي إلا بالموت ولئن انقضت أيام صيام رمضان فإن الصيام لا يزال مشروعا ولله الحمد في كل وقت فقد سن رسول الله ﷺ صيام يوم الاثنين والخميس وقال: «إن الأعمال تعرض فيهما على الله تعالى فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم» وأوصى أبا هريرة ﵁ بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وقال: «صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله» وأمر أن تكون هذه الأيام الثلاثة أيام البيض وهي اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر فمن أمكنه أن يجعل الثلاثة في أيام البيض فهو أفضل وإلا فلو في غيرها.
ولئن انقضى قيام رمضان فإن قيام الليل مشروع في كل ليلة من ليالي السنة ولله الحمد وقد ثبت عن النبي ﷺ «أن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل
стр. 310
الآخر فيقول: (من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له) » . فيا عباد الله اتقوا الله تعالى وبادروا أعماركم بأعمالكم وحققوا أقوالكم بأفعالكم واغتنموا الأوقات بالأعمال الصالحات فإن حقيقة العمر ما أمضاه العبد بطاعة الله وما سوى ذلك فذاهب خسارا.
أيها المسلمون: لقد يسر الله لكم سبل الخيرات وفتح أبوابها ودعاكم لدخولها وبين لكم ثوابها.
فهذه الصلوات الخمس آكد أركان الإسلام بعد التوحيد هي خمس في الفعل وخمسون في الميزان مفرقة في أوقات مناسبة لئلا يحصل الملل للكسلان وليحصل لكل وقت حظه من تلك الصلوات فسبحانه الحكيم الديان.
وهذه النوافل التابعة للفرائض اثنتا عشرة ركعة أربع قبل الظهر بسلامين وركعتان بعدها وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء الآخرة وركعتان قبل الفجر من صلاهن بنى الله له بيتا في الجنة.
وهذا الوتر سنة رسول الله ﷺ قولا وفعلا وقال: «إن الله وتر يحب الوتر» وأقل الوتر ركعة وأكثره إحدى عشرة ركعة ووقته من صلاة العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر وهو سنة مؤكدة لا ينبغي للإنسان تركه حتى قال بعض العلماء إنه واجب وقال الإمام أحمد من ترك الوتر فهو رجل سوء لا ينبغي أن تقبل له شهادة وهذه الأذكار خلف الصلوات المفروضة من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمد الله ثلاثا وثلاثين وكبر الله ثلاثا وثلاثين فتلك تسع وتسعون وقال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر وهذا الوضوء من توضأ فأسبغ الوضوء ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء.
وهذه النفقات المالية إذا أنفق الإنسان نفقة يبتغي بها وجه الله أثيب عليها حتى ولو كان الإنفاق على نفسه أو أهله أو ولده وإن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها والساعي على الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله أو كالصائم لا يفطر وكالقائم لا يفتر والساعي عليهم هو الذي يسعى بطلب الرزق لهم ويقوم بحاجتهم ولا شك أن عائلتك التي لا تستطيع
стр. 311
القيام بنفسها من الأولاد الصغار وغيرهم هم من المساكين فالساعي عليهم كالمجاهد في سبيل الله.
فيا عباد الله إن طرق الخير كثيرة فأين السالكون وإن أبوابها لمفتوحة فأين الداخلون وإن الحق لواضح لا يزيغ عنه إلا الهالكون.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
стр. 312
[الخطبة الرابعة في وداع العام]
الخطبة الرابعة
في وداع العام الحمد لله الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب والحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا من ذوي الألباب وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد ومنه المبتدأ وإليه المنتهى والمآب وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل من تعبد لله وأناب صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الحساب وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى وتبصروا في هذه الأيام والليال فإنها مراحل تقطعونها إلى الدار الآخرة حتى تنتهوا إلى آخر سفركم وكل يوم يمر بكم فإنه يبعدكم من الدنيا ويقربكم من الآخرة فطوبى لعبد اغتنم فرصها بما يقرب إلى مولاه طوبى لعبد شغلها بالطاعات وتجنب العصيان طوبى لعبد اتعظ بما فيها من تقلبات الأمور والأحوال طوبى لعبد استدل بتقلباتها على ما لله فيها من الحكم البالغة والأسرار: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٤] إخواني: ألم تروا إلى هذه الشمس كل يوم تطلع من مشرقها وتغرب في مغربها وفي ذلك أعظم الاعتبار فإن طلوعها ثم غيوبها إيذان بأن هذه الدنيا ليست دار قرار وإنما هي طلوع ثم غيوب وزوال.
ألم تروا إلى هذه الشهور تهل فيها الأهلة صغيرة كما يولد الأطفال ثم تنمو رويدا رويدا كما تنمو الأجسام حتى إذا تكامل نموها أخذت بالنقص والاضمحلال وهكذا عمر الإنسان سواء فاعتبروا يا أولي الأبصار.
ألم تروا إلى هذه الأعوام تتجدد عاما بعد عام فإذا دخل العام الجديد نظر الإنسان إلى آخره نظر البعيد ثم تمر به الأيام سراعا فينصرم العام كلمح البصر فإذا هو في آخر العام وهكذا عمر الإنسان يتطلع إلى آخره تطلع البعيد فإذا به قد هجم عليه الموت: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩] ربما يؤمل الإنسان بطول العمر ويتسلى بالأماني فإذا بحبل الأمل قد انصرم وببناء الأماني قد انهدم.
أيها الناس: إنكم في هذه الأيام تودعون عاما ماضيا شهيدا وتستقبلون عاما مقبلا جديدا فليت شعري ماذا أودعتم في العام الماضي وماذا تستقبلون به العام الجديد فليحاسب العاقل نفسه ولينظر في أمره فإن كان قد فرط في شيء من الواجبات فليتب إلى الله وليتدارك
стр. 313
ما فات وإن كان ظالما لنفسه بفعل المعاصي والمحرمات فليقلع عنها قبل حلول الأجل والفوات وإن كان ممن من الله عليه بالاستقامة فليحمد الله على ذلك وليسأله الثبات عليها إلى الممات.
إخواني: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي وليست التوبة مجرد قول باللسان من غير تخلي إنما الإيمان ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال وإنما التوبة ندم على ما مضى من العيوب وإقلاع عما كان عليه من الذنوب وإنابة إلى الله بإصلاح العمل ومراقبة علام الغيوب فحققوا أيها المسلمون الإيمان والتوبة فإنكم في زمن الإمكان.
وعظ النبي ﷺ رجلا فقال: «اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك» ففي الشباب قوة وعزيمة فإذا هرم الإنسان وشاب ضعفت القوة وفترت العزيمة وفي الصحة نشاط وانبساط فإذا مرض الإنسان انحط نشاطه وضاقت نفسه وثقلت عليه الأعمال وفي الغنى راحة وفراغ فإذا افتقر الإنسان اشتغل بطلب العيش لنفسه والعيال وفي الحياة ميدان فسيح لصالح الأعمال فإذا مات العبد انقطعت عنه أوقات الإمكان.
عباد الله: اعتبروا ما بقي من أعماركم بما مضى منها واعلموا أن كل آت قريب وأن كل موجود منكم زائل فقيد فابتدروا الأعمال قبل الزوال.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ - إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ - هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ - إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣ - ٦]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
стр. 314
وإلى هنا انتهى ما أردنا انتفاءه من الخطب مراعين فيه ما كان أنسب للوقت وأشد في الحاجة والله نسأل أن ينفع به من قرأه وسمعه إنه جواد كريم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تم القسم الأول من (الضياء اللامع) ولله الحمد ويليه إن شاء الله القسم الثاني
стр. 315
[القسم الثاني من الضياء اللامع من الخطب الجوامع]
[مقدمة المؤلف]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المؤلف الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد: فقد نشرنا سابقا عددا من خطبنا يزيد على خمس وعشرين ومائة خطبة في مواضيع متنوعة في أصول الدين وفروعه والسيرة وغيرها في كتاب أسميناه (الضياء اللامع من الخطب الجوامع) طبع عام ١٣٩٢هـ وقد نفدت نسخه، فعزمت رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد على إعادة طبعه، نرجو الله تعالى أن ييسر ما عزمت عليه.
ومن أجل إتمام الفائدة أضفنا ملحقا إلى ما سبق نشره فيما تجدد من خطبنا أيضا يبلغ مجموعه ثماني عشرة ومائة خطبة في المواضيع التالية: العلم والإفتاء - أصول الدين - التفسير - الصلاة - اللباس - الزكاة - الصيام والقيام - الحج والأضحية - الأخلاق والآداب - المعاملات - النكاح - الجنايات والحدود - الأمانة - القضاء والشهادة - الفتن - القيامة - مواضيع مختلفة - السيرة - التوقيت وخصائص بعض الأيام.
هذا ونسأل الله تعالى أن ينفع بهذا الملحق وسابقه وأن يجعل عمل الجميع خالصا لوجهه موافقا لمرضاته إنه جواد كريم.
المؤلف.
стр. 316
[القسم الأول في العلم والإفتاء]
[الخطبة الأولى في الحث على طلب العلم]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
القسم الأول
في العلم والإفتاء الخطبة الأولى
في الحث على طلب العلم الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، وفضل العلم على الجهل: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] وفقه من أراد به خيرا في دين الله فأصبح من العالمين المهتدين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يمن بالفضل ويمنع بالعدل وهو أعلم حيث يجعل رسالته وهو أعلم بالمهتدين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله رسول الله إلى الأولين من هذه الأمة والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وتفقهوا في دينكم فإن من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، اطلبوا العلم فإن العلم نور وهدى والجهل ظلمة وضلال وشقاء، اطلبوا العلم فإن العلماء ورثة الأنبياء فالأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا وإنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر من ميراثهم، اطلبوا العلم فإن العلم الشرعي رفعة في الدنيا والآخرة وأجر مستمر لصاحبه قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] وقال النبي ﷺ : «إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية أو علم ينتفع به من بعده أو ولد صالح يدعو له» اطلبوا العلم يكن لكم لسان صدق في الآخرين فإن آثار العلم تبقى بعد فناء أهله فالعلماء الربانيون لم تزل آثارهم محمودة وطريقتهم مأثورة وسعيهم مشكورا وذكرهم مرفوعا إن ذكروا في المجالس امتلأت المجالس بالثناء عليهم والدعاء لهم وإن ذكرت الأعمال الصالحة والآداب العالية كانوا قدوة الناس فيها) : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]
أيها الناس: تعلموا العلم للعلم لتنالوا بركته وتجنوا ثمرته تعلموا العلم للعمل لتعلموا به لا لتجادلوا به وتماروا به فإن من طلب العلم ليماري به السفهاء أو يجاري به العلماء فقد عرض نفسه لعقوبة الله ونزل بها إلى الهدف الأسفل.
لا تطلبوا العلم للمال فإن العلم أشرف من أن
стр. 317
يكون وسيلة إلى المال وإن المال أحق أن يكون وسيلة للعلم لأن المال يفنى والعلم يبقى.
أيها الناس: إننا على أبواب عام دراسي جديد يستقبل فيه المعلمون والمتعلمون نشاطهم الفكري والعملي فيا ليت شعري ماذا أعددنا لهذا العام؟ إن علينا أن نشمر عن ساعد الجد من أول الأمر حتى لا نندم في النهاية إن على المعلمين أن يحرصوا على هضم العلوم التي يلقونها إلى الطلبة قبل أن يقفوا أمامهم حتى لا يقع الواحد منهم في حيرة عند السؤال والمناقشة لأن من أعظم مقومات الشخصية قوة المعلم في علمه وملاحظته ولا تنقص قوته العلمية عن قوة ملاحظته في تكوين شخصيته إن المعلم إن ارتبك أمام طلبته فسوف ينحط قدره في أعينهم وإن أجاب بالخطأ فلن يثقوا بمعلوماته بينهم.
وإن نهرهم عند السؤال والمناقشة فلن ينسجموا معه، إذن فلا بد للمعلم من إعداد وإستعداد وتحمل وصبر وإن على المتعلمين أن يبذلوا غاية جهدهم من أول السنة حتى يدركوا العلوم إدراكا حقيقيا ثابتا في قلوبهم وراسخا في نفوسهم لأنهم إذا اجتهدوا من أول السنة تلقوا العلوم شيئا فشيئا فسهلت عليهم وثبتت في قلوبهم وسيطروا عليها سيطرة تامة.
وإذا أهملوا أول السنة وتهاونوا فإن الزمن ينطوي عليهم فلا يفيقون إلا في آخر العام وقد تراكمت الدروس وضاق الزمن عن إدراكها فأصبحوا عاجزين عن تصورها فضلا عن تحقيقها فيندمون حين لا تنفع الندامة.
أيها الناس وإذا كان من نجاح المعلم أن يكون قوي المعرفة قوي الشخصية فإن من نجاحه أيضا أن يكون حسن النية والقصد والتوجيه فينوي بتعليمه الإحسان إلى طلبته بإرشادهم إلى ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم ليكون لتعليمه أثر بالغ.
وعليه مع ذلك أن يظهر أمامهم بالمظهر اللائق من الأخلاق الفاضلة والآداب العالية التي أساسها التمسك بشريعة الله وهدي رسوله ﷺ ليكون قدوة في العلم والعمل فإن التلميذ يتلقى من معلمه الأخلاق والآداب أكثر مما يتلقى عنه من العلوم من حيث التأثير لأن آداب المدرس وأخلاقه صورة مشهودة معبرة عما في نفسه ظاهرة في سلوكه فتنعكس هذه الصورة تماما في سلوك تلميذه.
أيها المسلمون وإذا كان على المعلمين واجب يجب عليهم القيام به فكذلك على إدارة المدرسة أن ترعى من تحت رعايتها من مدرسين ومراقبين وطلاب لأنها مسؤولة عنهم أمام الله
стр. 318
وأمام مجتمعهم.
وإذا كان على المدرسة واجب يلزمها أن تقوم به فعلى الآباء وأولياء الطلبة واجب يلزمهم القيام به فعليهم أن يتفقدوا أولادهم ويسبروا سيرهم ونهجهم العلمي والفكري والعملي أن لا يتركوهم هملا لا يبحثون معهم ولا يسألون عن طريقتهم ولا عن أصحابهم ومن يعاشرهم لأن تركهم ضياع لهم وظلم فهم رعية يجب على آبائهم وأوليائهم أن يرعوها حق رعايتهم وإن أضاعوا أصبحوا نادمين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]
بارك الله ولي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 319
[الخطبة الثانية في تحريم الإفتاء بغير علم]
الخطبة الثانية
في تحريم الإفتاء بغير علم الحمد لله له ملك السماوات والأرض وله الحمد في الأخرة وهو الحكيم الخبير وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الملك والتدبير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واعلموا أن الله وحده له الخلق والأمر فلا خالق إلا الله ولا مدبر للخلق إلا الله ولا شريعة للخلق سوى شريعة الله فهو الذي يوجب الشيء ويحرمه وهو الذي يندب إليه ويحلله ولقد أنكر الله على من يحللون ويحرمون بأهوائهم. فقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ - وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [يونس: ٥٩ - ٦٠] ويقول تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ - مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧]
أيها الناس: إن من أكبر الجنايات أن يقول الشخص عن شيء إنه حلال وهو لا يدري عن حكم الله فيه أو يقول عن الشيء إنه حرام وهو لا يدري عن حكم الله فيه أو يقول عن الشيء إنه واجب وهو لا يدري أن الله أوجبه أو يقول عن الشيء إنه غير واجب وهو لا يدري أن الله لم يوجبه.
إن هذا جناية وسوء أدب مع الله كيف تعلم أن الحكم لله ثم تتقدم بين يديه فتقول في دينه وشريعته ما لا تعلم لقد قرن الله تعالى القول عليه بلا علم بالشرك به فقال : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]
أيها الناس: إن كثيرا من العامة يفتي بعضهم بعضا بما لا يعلمون فتجدهم يقولون هذا حلال أو حرام أو واجب أو غير واجب وهو لا يدري عن ذلك أفلا يعلم هذا الرجل أن الله سائله عما قال يوم القيامة أفلا يعلم أنه إذا أضل شخصا فأحل له ما حرم الله أو حرمه مما أحل الله له فقد باء بإثمه وكان عليه مثل وزر ما عمله من إثم بسبب فتواه؟
стр. 320
إن بعض العامة إذا رأى شخصا يريد أن يستفتي عالما يقول له ما حاجة تستفتي هذا واضح هذا حرام مع أنه في الواقع حلال فيحرمه ما أحل الله له أو يقول هذا واجب فيلزمه بما لم يلزمه الله به أو يقول هذا غير واجب فيسقط عنه ما أوجب الله عليه أو يقول هذا حلال وهو في الواقع حرام فيوقعه فيما حرم الله عليه وهذا جناية منه على شريعة الله وخيانة لأخيه المسلم حيث غره بدون علم.
لو أن شخصا سأل عن طريق بلد من البلدان فقلت الطريق من هنا وأنت لا تعلم لعد الناس ذلك خيانة منك وتغريرا فكيف تتكلم عن طريق الجنة وهو الشريعة التي أنزل الله وأنت لا تعلم عنها شيئا.
وإن بعض المتعلمين يقعون فيما يقع فيه العامة من الجرأة على الشريعة في التحليل والتحريم والإيجاب فيتكلمون فيما لا يعلمون ويجملون في الشريعة ويفصلون وهم من أجهل الناس في أحكام الله إذا سمعت الواحد منهم يتكلم فكأنما ينزل عليه الوحي من جزمه فيما يقول وعدم تورعه لا يمكن أن ينطبق بلا أدري أو لا أعلم مع أن عدم العلم هو وصفه الحق الثابت وهذا أضر على الناس من العامة لأن الناس ربما يثقون بقوله ويغترون به وليت هؤلاء يقتصرون على نسبة الأمر إليهم لا بل تراهم ينسبون ذلك للإسلام فيقول: الإسلام يقول كذا الإسلام يرى كذا وهذا لا يجوز إلا فيما علم القائل أنه من دين الإسلام ولا طريق إلى ذلك إلا بمعرفة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أو إجماع المسلمين عليه.
إن بعض الناس لجرأته وعدم ورعه يقول عن الشيء المحرم الواضح تحريمه ما أظن هذا حراما أو عن الشيء الواجب الواضح وجوبه ما أظن هذا واجبا إما جهلا منه أو عنادا أو مكابرة أو تشكيكا للناس في ذلك.
أيها الناس: إن من العقل وإن من الإيمان وإن من تقوى الله وتعظيمه أن يقول الرجل عما لا يعلم لا أعلم لا أدري اسأل غيري فإن ذلك من تمام العقل لأن الناس إذا رأوا تثبته وثقوا به ولأنه يعرف قدر نفسه حينئذ وينزلها منزلتها وإن ذلك من تمام الإيمان بالله وتقوى الله حيث لا يتقدم بين يدي ربه ولا يقول عليه ما لا يعلم ولقد كان النبي ﷺ يسأل عما لم ينزل عليه فيه الوحي فينتظر حتى ينزل عليه الوحي فيجيب الله سبحانه عما سئل عنه نبيه: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٨٣]
следующие страницы →